Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُؤْخَذُ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْبَائِعُ الْمُدَّعِي لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ جَاحِدٌ وَالْبَائِعُ يُرِيدُ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا جَحَدَ.
[يَشْتَرِي طَرِيقًا فِي دَارِ رَجُلٍ]
فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي طَرِيقًا فِي دَارِ رَجُلٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت طَرِيقًا فِي دَارِ رَجُلٍ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قُلْتُ: وَكَذَلِكَ أَنْ لَوْ بَاعَهُ مَوْضِعَ جُذُوعٍ لَهُ مِنْ حَائِطٍ يَجْعَلُ عَلَيْهِ جُذُوعًا لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ إذَا وَصَفَ الْجُذُوعَ الَّتِي تُجْعَلُ عَلَى الْحَائِطِ.
قُلْتُ: وَيَجُوزُ هَذَا فِي الصُّلْحِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[اشْتِرَاءُ عَمُودِ إنْسَانٍ أَوْ جَفْنِ سَيْفِهِ بِلَا حِلْيَةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت عَمُودَ رُخَامٍ مَنْ رَجُلٍ قَدْ بَنَى عَلَى عَمُودِهِ ذَلِكَ غَرْفَةً فِي دَارِهِ أَيَجُوزُ هَذَا الشِّرَاءُ وَأَنْقُضُ الْعَمُودَ إنْ أَحْبَبْت؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحَدٌ بِالْمَدِينَةِ عَلِمْته وَلَا بِمِصْرَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ جَفْنَ سَيْفِهِ وَهُوَ مُحَلًّى وَنَصْلَهُ وَحَمَائِلَهُ وَلَمْ أَشْتَرِ مِنْهُ فِضَّتَهُ أَيَصْلُحُ هَذَا الشِّرَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَيَنْقُضُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ حِلْيَتَهُ إذَا أَرَادَ صَاحِبُ السَّيْفِ ذَلِكَ وَأَرَادَ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَلَا تَرَى هَذَا مِنْ الضَّرَرِ؟
قَالَ: لَا لِأَنَّهُمَا قَدْ رَضِيَا.
[بَاعَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ هُوَ لَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ فَوْقِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مَنْ هَوَاءٍ هُوَ لَهُ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدِي، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لَهُ بِنَاءٌ يَبْنِيه لَأَنْ يَبْنِيَ هَذَا فَوْقَهُ فَلَا بَأْس بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ مَا فَوْقَ سَقْفِي عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فَصَاعِدًا وَلَيْسَ فَوْقَ سَقْفِي بُنْيَانٌ أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِنْدَهُ جَائِزٌ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا إذَا بَيَّنَ صِفَةَ مَا يَبْنِي فَوْقَ جِدَارِهِ مِنْ عَرْضِ حَائِطِهِ.
стр. 1367
[بَاعَ سُكْنَى دَارٍ أَسْكَنَهَا سِنِينَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ سُكْنَى دَارٍ أَسْكَنَهَا سِنِينَ أَتَجْعَلُ هَذَا بَيْعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَمْ تُفْسِدُهُ، أَمْ هُوَ كِرَاءٌ وَتُجِيزُهُ؟
قَالَ: بَلْ هُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ كِرَاءٌ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: لَا أَنْظُرُ إلَى اللَّفْظِ وَأَنْظُرُ إلَى الْفِعْلِ، فَإِذَا اسْتَقَامَ الْفِعْلُ فَلَا يَضُرُّهُ الْقَوْلُ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَقِمْ الْفِعْلُ فَلَا يَنْفَعُهُ الْقَوْلُ.
قُلْتُ: فَبِمَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَشْتَرِيَ سُكْنَايَ وَخِدْمَةَ عَبْدِي الَّذِي أَخْدَمْته؟
قَالَ: بِمَا شِئْتَ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالطَّعَامِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ سُكْنَايَ الَّذِي أَسْكَنْته بِسُكْنَى دَارٍ لِي أُخْرَى أَوْ بِخِدْمَتِهِ أَوْ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ لِي آخَرَ أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
قُلْتُ: بِمَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْحَتِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا نَقْدًا، أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَبِالطَّعَامِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ شَاةٍ لَبُونٍ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ.
[اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ إلَى الْأَجَلِ الْبَعِيدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى الرَّجُلُ السِّلْعَةَ إلَى الْأَجَلِ الْبَعِيدِ الْعَشْرَ السِّنِينَ أَوْ الْعِشْرِينَ سَنَةً أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالرَّجُلُ يُؤَاجِرُ عَبْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَقَدْ كُنَّا نَحْنُ مَرَّةً نُجِيزُ ذَلِكَ فِي الدُّورِ وَلَا نُجِيزُهُ فِي الْعَبِيدِ.
قَالَ: فَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهُ فِي الْعَبِيدِ فَقَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِجَازَةُ الْعَبِيدِ إلَى عَشْرِ سِنِينَ عِنْدِي أَخْوَفُ مِنْ بَيْعِ السِّلْعَةِ إلَى عَشْرِ سِنِينَ وَإِلَى عِشْرِينَ سَنَةً.
[بَاعَ دَارًا وَاشْتَرَطَ سُكْنَاهَا سَنَةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّارَ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ عَلَى أَنَّ لِلْبَائِعِ سُكْنَاهَا سَنَةً أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ سُكْنَاهَا الْأَشْهُرَ أَوْ السَّنَةِ لَيْسَتْ بِبَعِيدَةٍ وَكَرِهَ مَا يَتَبَاعَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اشْتَرَطَ سُكْنَاهَا حَيَاتَهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ وَلَهُ دَارٌ فِيهَا امْرَأَتُهُ سَاكِنَةٌ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ تُبَاعَ وَيَشْتَرِطُ الْغُرَمَاءُ سُكْنَى الْمَرْأَةِ عِدَّتَهَا فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِك.
стр. 1368
[يَبِيعُ الدَّابَّةَ وَيَشْتَرِطُ رُكُوبَهَا شَهْرًا]
فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الدَّابَّةَ وَيَشْتَرِطُ رُكُوبَهَا شَهْرًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ دَابَّتِي هَذِهِ وَاشْتَرَطْت رَكُوبَهَا شَهْرًا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَأَمَّا الشَّهْرُ وَالْأَمْرُ الْمُتَبَاعِدُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا بَعِيدًا فَهَلَكَتْ الدَّابَّةُ مِمَّنْ هِيَ؟ قَالَ: هِيَ مِنْ بَائِعِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَشْتَرِي الدَّابَّةَ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ رَكُوبَهَا شَهْرًا فَأُصِيبَتْ الدَّابَّةُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي لِمَ قُلْت مُصِيبَتُهَا مِنْ الْبَائِعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً، قَالَ: وَكُلُّ صَفْقَةٍ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فَالْمُصِيبَةُ فِيهَا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي.
قُلْتُ: فَإِذَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ فَالصَّفْقَةُ فَاسِدَةٌ فَأَيُّ شَيْءٍ يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي أَقِيمَتَهَا أَمْ الثَّمَنَ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الصَّفْقَةُ؟ قَالَ مَالِكٌ: يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبْضِهَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَعِيرَ أَوْ الدَّابَّةَ وَيَسْتَثْنِي ظَهْرَهَا إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ رَبِيعَةُ: بَيْعُهُ مَرْدُودٌ لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ إذَا اشْتَرَطَ أَنَّ لِي خِدْمَتَهُ إلَى كَذَا وَكَذَا. يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ وَاشْتَرَطَ حُمْلَانَهُ كَانَ جَائِزًا وَعَلَيْهِ حُمْلَانُهُ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: وَمِنْ الْمُخَاطَرَةِ بَيْعُ الرَّجُلِ رَاحِلَتَهُ أَوْ دَابَّتَهُ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَلَهُ ظَهْرُهَا سَفَرَهُ ذَلِكَ وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاعَهُ نَاقَتَهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَبِظَهْرِهَا حَيْثُ بَلَغَتْ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: إنْ اشْتَرَطَ رَكُوبَهَا إلَى قَرِيبٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ بَائِعُ الدَّابَّةِ أَنْ يَرْكَبَهَا إلَى الْمَوْضِعِ الْبَعِيدِ الَّذِي يَخَافُ أَنْ تَدْبَرَ فِيهِ دَبَرًا يُهْلِكُهَا وَلَا تَرْجِعُ مِنْهُ فَذَلِكَ بَيْعُ الْغَرَرِ وَلَا يَحِلُّ.
وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ فِي الْقَرِيبِ: لَا بَأْسَ بِهِ وَالْبَعِيدُ لَا أُحِبُّهُ.
[لَهُ دِين الْعَرض إلَى أَجَل فَبَاعَهُ بِدَنَانِير أَوْ بِدَرَاهِم فَأَصَابَ فِيهَا نُحَاسًا أَوْ زُيُوفًا]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ الْعَرْضُ إلَيْهِ أَجَلٍ فَيَبِيعُهُ مِنْ رَجُلٍ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ فَيُصِيبُ فِيهَا نُحَاسًا أَوْ زُيُوفًا فَيَرُدُّ أَيُنْقَضُ الْبَيْعُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَذَلِكَ الدَّيْنُ عَرْضٌ مَنْ الْعُرُوضِ فَبِعْتُ
стр. 1369
ذَلِكَ الدَّيْنَ مِنْ رَجُلٍ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَأَصَبْتُ الدَّنَانِيرَ أَوْ الدَّرَاهِمَ نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ زُيُوفًا فَرَدَدْتُهَا أَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ بَيْنَنَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُنْتَقَضُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ هَذَا مِثْلُ الصَّرْفِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّلَمَ يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، أَوْ لَا تَرَى أَنَّهُ أَيْضًا لَوْ رَضِيَ بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ كَانَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا جَائِزًا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَيُبَدَّلُ مَا أَصَابَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا.
[يَبِيعُ السِّلْعَةَ بِبَلَدٍ وَيَشْتَرِطُ أَخْذَ الثَّمَنِ بِبَلَدٍ آخَرَ]
الرَّجُلُ يَبِيعُ السِّلْعَةَ بِبَلَدٍ وَيَشْتَرِطُ أَخْذَ الثَّمَنِ بِبَلَدٍ آخَرَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ بِعْتُ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ وَشَرَطْت أَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُبْتَاعُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ الدَّرَاهِمَ أَوْ الدَّنَانِيرَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِالْفُسْطَاطِ؟ .
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا وَسَمَّى الْبَلَدَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: وَإِنْ سَمَّى الْبَلَدَ وَلَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ وَلَمْ يُسَمِّ الْبَلَدَ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَحَيْثُ مَا لَقِيَهُ إذْ حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مَنّهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِالْبَلَدِ الَّذِي تَبَايَعَا فِيهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ قَدْ سَمَّى الْأَجَلَ وَسَمَّى الْبَلَدَ الَّذِي يَقْبِضُ فِيهِ الدَّرَاهِمَ أَوْ الدَّنَانِيرَ فَلَقِيَهُ وَقَدْ حَلَّ الْأَجَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي شَرَطَ فِيهِ الْوَفَاءَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا حَلَّ الْأَجَلُ حَيْثُمَا لَقِيَهُ أَخَذَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى بَلَدًا فَلَقِيَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ اقْتَضَى مِنْهُ وَلَا يَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ أَبَدًا فَيُحْبَسَ هَذَا بِحَقِّهِ أَبَدًا فَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ إنَّمَا بَاعَ سِلْعَتَهُ بِعَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ جَوْهَرًا أَوْ لُؤْلُؤًا وَثِيَابًا أَوْ طَعَامًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ وَشَرَطَ أَنْ يُوَفِّيَهُ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا الْعُرُوض وَالثِّيَابُ وَالطَّعَامُ وَالرَّقِيقُ وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ فَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُول فِيهِ: يُوَفِّيهِ بِالْبَلَدِ الَّذِي شَرَطَا فِيهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ وَمَا أَشْبَهَهُ شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْبَلَدِ الَّذِي شَرَطَا فِيهِ الدَّفْعَ لِأَنَّ هَذِهِ سِلَعٌ وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ عَيْنٌ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ.
قُلْتُ: فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ فَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ: لَا أَخْرُجُ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَفِّيَهُ إلَّا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا أَوْ يَخْرُجَ هُوَ فَيُوَفِّيَ صَاحِبَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 1370
[أَوْقَفَ سِلْعَةً لَهُ ثُمَّ قَالَ لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ]
مَا جَاءَ فِيمَنْ أَوْقَفَ سِلْعَةً لَهُ ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: بِعْنِي سِلْعَتَك هَذِهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَيَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ: قَدْ بِعْتُك، فَيَقُولُ الَّذِي قَالَ بِعْنِي سِلْعَتَك بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ: لَا أَرْضَى قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقِفُ بِالسِّلْعَةِ فِي السُّوقِ فَيَأْتِيه الرَّجُلُ فَيَقُولُ: بِكَمْ سِلْعَتُك هَذِهِ فَيَقُولُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَقُولُ قَدْ أَخَذْتهَا فَيَقُولُ الْآخَرُ لَا أَبِيعُك وَقَدْ كَانَ أَوْقَفَهَا لِلْبَيْعِ أَتَرَى أَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا سَاوَمَهُ عَلَى الْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ وَلَا عَلَى الْإِمْكَانِ وَلَا سَاوَمَهُ إلَّا عَلَى أَمْرِ كَذَا وَكَذَا لِأَمْرٍ يَذْكُرُهُ غَيْرَ الْإِيجَابِ فَإِذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فَمَسْأَلَتُك تُشْبِهُ هَذَا عِنْدِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي قُلْتُ لِرَجُلٍ: يَا فُلَانُ قَدْ أَخَذْت غَنَمَك هَذِهِ، كُلُّ شَاةٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَقَالَ: ذَلِكَ لَك، أَتَرَى الْبَيْعَ قَدْ لَزِمَنِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[بَيْعُ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فِي الظُّرُوفِ ثُمَّ تُوزَنُ الظُّرُوفُ بَعْدَ ذَلِكَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت سَمْنًا أَوْ زَيْتًا أَوْ عَسَلًا فِي ظُرُوفٍ كُلُّ رِطْلٍ بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ أَزِنَ الظُّرُوفَ بِالْعَسَلِ أَوْ بِالسَّمْنِ أَوْ بِالزَّيْتِ ثُمَّ تُوزَنُ الظُّرُوفُ فَيَخْرُجُ وَزْنَ الظُّرُوفِ؟ .
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي السَّمْنَ أَوْ الْعَسَلَ أَوْ الزَّيْتَ فِي الظُّرُوفِ كَيْلًا فَيُرِيدُونَ أَنْ يَزِنُوا ذَلِكَ السَّمْنَ بِظُرُوفِهِ أَوْ الْعَسَلَ أَوْ الزَّيْتَ ثُمَّ يَطْرَحُونَ وَزْنَ الظُّرُوفِ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ وَزْنُ الْقِسْطِ كَيْلًا مَعْرُوفًا لَا يَخْتَلِفُ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ الْقِسْطَ كَمْ هُوَ مِنْ رَطْلٍ إذَا وَزَنُوهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِنُوا ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ كَمْ مِنْ قِسْطٍ فِيهِ كَيْلًا بِالْوَزْنِ وَيَطْرَحُونَ وَزْنَ الظُّرُوفِ بِمَا كَانَ فِيهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ عَلَى مَا بَعْدَ وَزْنِ الظُّرُوفِ فَإِذَا كَانَ الْوَزْنُ وَالْكَيْلُ لَا يَخْتَلِفُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَزَنُوا السَّمْنَ وَتَرَكُوا الظُّرُوفَ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ إنَّهُمْ رَجَعُوا إلَيْهِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَيْسَتْ هَذِهِ الظُّرُوفُ الَّتِي كَانَ فِيهَا السَّمْنُ وَقَالَ الْبَائِعُ: بَلْ هِيَ الظُّرُوفُ الَّتِي كَانَ فِيهَا السَّمْنُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَصَادَقَا عَلَى السَّمْنِ وَلَمْ يَفُتْ إذَا اخْتَلَفَا فِي الظُّرُوفِ وَزْنُ السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ السَّمْنُ قَدْ فَاتَ وَاخْتَلَفَا فِي الظُّرُوفِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ الظُّرُوفُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ كَانَ قَبَضَ السَّمْنَ وَذَهَبَ بِهِ وَتَرَكَ الظُّرُوفَ عِنْدَ
стр. 1371
الْبَائِعِ حَتَّى يُوَازِنَهُ فَقَدْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ أَسْلَمَ إلَى الْمُشْتَرِي الظُّرُوفَ بِمَا فِيهَا يَزِنُهَا وَصَدَّقَهُ عَلَى وَزْنِهَا أَوْ دَفَعَ الظُّرُوفَ إلَيْهِ بَعْدَمَا وَزَنَهَا فَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ أَبْدَلَهَا فَهُوَ مُدَّعٍ وَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ قَدْ ائْتَمَنَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت مَنْ رَجُلٍ جَارِيَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَصَبْتُ بِهَا عَيْبًا فَجِئْتُ أَرُدُّهَا فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ فَقَالَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ: أَنَا آخُذُ مِنْكُمَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَنْ الْوَضِيعَةِ خَمْسَةً وَعِشْرُونَ فَرَضِيَا بِذَلِكَ أَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْبَائِعَ الْأَوَّلُ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ لَهُمَا عِنْدِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُعِينَهُ فُلَانٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ فُلَانٌ: أَنَا أُعِينُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَاشْتَرِ الْعَبْدَ إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِفُلَانٍ.
[يَبِيعُ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْن صَاحِبِهَا ثُمَّ يَرِثُهَا]
الرَّجُلُ يَبِيعُ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْن صَاحِبِهَا ثُمَّ يَرِثُهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ مَتَاعٌ فِي يَدَيَّ وَدِيعَةً بِعْتُهَا مَنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَنِي صَاحِبُهَا بِذَلِكَ فَلَمْ يَقْبِضْ الْمُبْتَاعُ الْمَتَاعَ مِنِّي حَتَّى مَاتَ رَبُّ الْمَتَاعِ الَّذِي أَوْدَعَنِي وَكُنْتُ أَنَا وَارِثُهُ فَلَمَّا وَرِثْته قُلْتُ: لَا أُجِيزُ الْبَيْعَ الَّذِي بِعْتُ لِأَنِّي بِعْتُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِي وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ كَمَا قُلْت؟ قَالَ: أَرَى الْبَيْعَ غَيْرَ جَائِزٍ وَلَك أَنْ تَنْقُضَهُ.
[بَيْعُ الْعَبْدِ وَلَهُ مَالُ عَيْنٍ وَعَرْضٍ وَنَاضٍّ وَآجَلَ بِمَالِهِ بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ يَشْتَرِيه الرَّجُلُ وَلَهُ مَالٌ وَمَالُهُ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَدَيْنٌ وَعُرُوضٌ وَرَقِيقٌ أَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ وَيَسْتَثْنِيَ مَالَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
стр. 1372
[كِتَابُ الْوَكَالَاتِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْوَكَالَاتِ أَخْبَرَنَا سَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ رَجُلًا يَشْتَرِي لَهُ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ ثَمَنَهَا أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا فَمَاتَ الْآمِرُ ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمَوْتِ الْآمِرِ أَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ مَاتَ الْآمِرُ؟ قَالَ: ذَلِكَ كُلُّهُ لَازِمٌ لِوَرَثَتِهِ كُلِّهِمْ فَإِنْ اشْتَرَاهَا وَهُوَ يَعْلَمُ بِمَوْتِ الْآمِرِ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ الْوَرَثَةَ وَكَانَ ضَامِنًا لِلثَّمَنِ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُوَكِّلُ الرَّجُلَ بِالْبَلَدِ يُجَهِّزُ إلَيْهِ الْمَتَاعَ فَيَبِيعُ لَهُ وَيَشْتَرِي وَقَدْ مَاتَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ، قَالَ: أَمَا مَا بَاعَ وَاشْتَرَى قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِمَوْتِ الْآمِرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَأَمَّا مَا اشْتَرَى وَبَاعَ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُ هَذَا لِأَنَّ وَكَالَتُهُ قَدْ انْفَسَخَتْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يُسَلِّفُ لِي فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ وَدَفَعْت إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ فَفَعَلَ فَأَتَى الْبَائِعُ إلَى الْمَأْمُورِ بِدَرَاهِمَ فَقَالَ: هَذِهِ زُيُوفٍ فَأَبْدَلَهَا لِي فَصَدَّقَهُ الْمَأْمُورُ ثُمَّ أَتَى إلَى الْآمِرِ لِيُبَدِّلَهَا لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى إنْ كَانَ الْمَأْمُورُ يَعْرِفُهَا بِعَيْنِهَا رَدَّهَا الْبَائِعُ عَلَيْهِ وَلَزِمَتْ الْآمِرَ الدَّرَاهِمُ وَإِنْ أَنْكَرَ الْآمِرُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ أَمِينٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الْمَأْمُورُ وَقَبِلَهَا لَمْ يَلْزَمُ الْآمِرَ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ لَمْ يَعْرِفْهَا بِعَيْنِهَا وَلَزِمَتْ الْمَأْمُورَ وَحَلَفَ الْآمِرُ عَلَى عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ وَمَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَلَزِمَتْ الْمَأْمُورَ لِقَبُولِهِ إيَّاهَا وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا الْمَأْمُورُ وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَلَفَ لَهُ أَيْضًا أَنَّهُ مَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَلَزِمَتْ الْبَائِعَ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْآمِرَ بِاَللَّهِ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَمَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ ثُمَّ تَلْزَمُ الْبَائِعَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَكَّلْته يَبِيعُ لِي سِلْعَةً أَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا بِنَسِيئَةٍ؟ فَقَالَ: لَا.
стр. 1373
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّ الْمُقَارِضَ يَدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالَ قِرَاضًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نَسِيئَةً، فَكَذَلِكَ الْمُوكَلُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلَنِي أَبِيعُ سِلْعَةً فَبِعْتُهَا بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ لَا تُبَاعُ إلَّا بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلَنِي أَبِيعُ السِّلْعَةَ لَهُ فَبِعْتُهَا مِنْ رَجُلٍ فَجَحَدَنِي الثَّمَنَ وَلَا بَيِّنَةَ لِي عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَنْتَ ضَامِنٌ لِأَنَّكَ أَتْلَفْتَ الثَّمَنَ حِينَ لَمْ تُشْهِدْ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْكَ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْبِضَاعَةِ: تُبْعَثُ مَعَ الرَّجُلِ فَيَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَهَا وَيُنْكِرُ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَشْتَرِي لِي جَارِيَةً فَاشْتَرَاهَا لِي عَمْيَاءَ أَوْ عَوْرَاءَ أَوْ عَرْجَاءَ أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مِنْ الْعُيُوبِ عُيُوبٌ يُجْتَرَأُ عَلَى مِثْلِهَا فِي خِفَّتِهَا وَشِرَاؤُهَا فُرْصَةٌ، فَإِذَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ رَأَيْتُهُ جَائِزًا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ عَيْبٍ مُفْسِدٍ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَإِنْ أَبَى فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ مَالَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَشْتَرِي لِي أَمَةً فَاشْتَرَى لِي ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: إنْ كَانَ عَلِمَ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْكَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَشْتَرِي لِي سِلْعَةً أَوْ يَبِيعُ لِي سِلْعَةً فَاشْتَرَى لِي أَوْ بَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ أَيَجُوزُ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَهُ رَجُلٌ أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً فَبَاعَهَا بِمَا لَا يَعْرِفُ مَنْ الثَّمَنِ ضَمِنَ عِنْدَ مَالِكٍ مِثْلُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْجَارِيَةَ يَبِيعَهَا وَلَا يُسَمِّي لَهُ ثَمَنًا فَيَبِيعُهَا بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعَةٍ وَهِيَ ذَاتُ ثَمَنٍ كَثِيرٍ فَلَا يَجُوزُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أُدْرِكَتْ الْجَارِيَةُ نَقْضَ الْبَيْعِ وَرُدَّتْ فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الْبَائِعُ قِيمَتَهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت وَكِيلًا يَشْتَرِي لِي سِلْعَةً بِعَيْنِهَا فَذَهَبَ فَاشْتَرَى السِّلْعَةَ وَهِيَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: لَا يَلْزَمُ الْآمِرُ وَيَلْزَمُ الْمَأْمُورُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْآمِرُ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ إلَّا فِي مِثْلِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَذَلِكَ يَلْزَمُ الْآمِرَ وَلَا يَلْزَمُ الْمَأْمُورَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَأْمُرُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً فَيَبِيعُهَا؟ .
قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ الْبَيْعُ الْآمِرَ إلَّا أَنْ يَبِيعَهَا الْمَأْمُورُ بِمَا لَا يُشْبِهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ جَائِزٍ وَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ إنْ كَانَتْ لَمْ تَفُتْ فَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ ضَمِنَ الْمَأْمُورُ قِيمَةَ تِلْكَ السِّلْعَةِ لِلْآمِرِ.
стр. 1374
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: بِعْ غُلَامِي هَذَا أَوْ دَابَّتِي هَذِهِ، فَأَخَذَهَا وَبَاعَهَا بِدِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ؟ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَشْتَرِي لِي عَبْدَ فُلَانٍ بِثَوْبِهِ هَذَا أَوْ بِطَعَامِهِ هَذَا؟ قَالَ: أَمَّا فِي الطَّعَامِ فَهُوَ جَائِزٌ وَيَرْجِعُ الْمَأْمُورُ عَلَى الْآمِرِ بِطَعَامِ مِثْلِهِ وَأَمَّا فِي الثَّوْبِ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا لِأَنِّي أَرَاهُمَا كَأَنَّهُ أَسَلَفَهُ الطَّعَامَ وَالثَّوْبَ جَمِيعًا وَيُرَدُّ شِرَاؤُهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا لِيَشْتَرِيَ لِي بِرْذَوْنًا بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَاهُ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ عَلَى الصِّفَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَالْبِرْذَوْنُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ. قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْآمِرُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا فَزَادَ الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ الَّتِي تُزَادُ فِي مِثْلِهِ لَزِمَ الْآمِرُ ذَلِكَ وَغَرِمَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ وَلِلزِّيَادَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وُجُوهٌ مِثْلُ الْجَارِيَةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَزِيدَ دِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ.
وَلَقَدْ سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يَأْمُرُ الرَّجُلَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ الْجَارِيَةَ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا فَيَزِيدَ الدِّينَارَ وَالدِّينَارَيْنِ فَقَالَ: ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهَا تَكُونُ زِيَادَةً فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ وَفِي ذَلِكَ الثَّمَنِ
قُلْت: أَرَأَيْتَ مَا اشْتَرَى مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْآمِرُ أَيَلْزَمُ الْمَأْمُورَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَهُ رَجُلٌ أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً فَبَاعَهَا بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ الثَّمَنِ ضَمِنَ يُرِيدُ مَالِكٌ مِثْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْجَارِيَةَ يَبِيعُهَا وَلَا يُسَمِّيَ لَهُ شَيْئًا فَيَبِيعَهَا بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ أَوْ بِأَرْبَعَةٍ وَهِيَ ذَاتُ ثَمَنٍ أَكْثَرَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ؟
قَالَ: فَإِنْ أُدْرِكَتْ الْجَارِيَةُ نُقِضَ الْبَيْعُ وَرُدَّتْ، وَإِنْ تَلَفَ ضَمِنَ الْبَائِعُ قِيمَتَهَا، قَالَ لِي مَالِكٌ: وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَهَا فَبَاعَهَا بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَقَالَ: بِذَلِكَ أَمَرْتَنِي وَقَالَ الْآمِرُ مَا أَمَرْتُكَ إلَّا بِأَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا أَوْ أَكْثَرَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أُدْرِكَتْ السِّلْعَةُ بِعَيْنِهَا حَلَفَ الْآمِرُ بِاَللَّهِ عَلَى مَا قَالَ: وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّمَا أَنْتَ نَادِمٌ وَقَدْ أَقْرَرْتُ بِأَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِالْبَيْعِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أُدْرِكَتْ السِّلْعَةُ بِعَيْنِهَا حَلَفَ الْآمِرُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَإِنْ فَاتَتْ حَلَفَ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَالِكٌ إذَا كَانَ مَا بَاعَ بِهِ الْمَأْمُورُ غَيْرَ مُسْتَنْكَرٍ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ: هَذَا هَهُنَا وَقَدْ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا حِنْطَةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهَا تَمْرًا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ؟
قَالَ: إنَّمَا قُلْتُ
стр. 1375
لَكَ ذَلِكَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالْوَكَالَةِ عَلَى الِاشْتِرَاءِ فَلَمَّا اشْتَرَى الْوَكِيلُ مَا زَعَمَ أَنَّهُ وَكِيلٌ بِهِ عَلَيْهِ وَالذَّهَبُ مُسْتَهْلَكَةٌ كَانَ الْآمِرُ مُدَّعِيًا عَلَى الْمَأْمُورِ يُرِيدُ أَنْ يُضَمِّنَهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَأَنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي اخْتَلَفَا فِيهَا قَائِمَةٌ فَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْآمِرِ وَإِذَا فَاتَتْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْآمِرَ مُدَّعٍ يُرِيدُ أَنْ يُضَمِّنَهُ فَفَوْتُ السِّلْعَةِ مِثْلُ فَوْتِ الدَّنَانِيرِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَيْهِ رَجُلٌ مَالًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ فَاشْتَرَى لَهُ السِّلْعَةَ فَضَاعَ الْمَالُ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهَا لَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَأْمُرُ الرَّجُلَ يَشْتَرِي لَهُ السِّلْعَةَ وَلَمْ يَدْفَعْ شَيْئًا فَاشْتَرَاهَا الرَّجُلُ ثُمَّ دَفَعَ الْآمِرُ الْمَالَ إلَى الْمَأْمُورِ لِيَقْضِيَهُ فَضَاعَ الْمَالُ مِنْ الْمَأْمُورِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ قَالَ مَالِكٌ: عَلَى الْآمِرِ الْغُرْمُ ثَانِيَةً.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ ثَانِيَةً؟
قَالَ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَّا مَسْأَلَتُكَ فِي الَّذِي دَفَعَ الْمَالَ وَأَمَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَدْفَعُ الْمَالَ إلَى الرَّجُلِ قِرَاضًا فَيَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةً فَيَأْتِي إلَى الْمَالِ فَيَجِدُهُ قَدْ تَلَفَ فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبُ الْمَالِ أَدَاؤُهُ وَيَكُونُ صَاحِبُ الْقِرَاضِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَ الْمَالَ ثَانِيَةً، وَيَكُونُ عَلَى قِرَاضِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَبَرَّأَ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ الْعَامِلُ، فَكَذَلِكَ الَّذِي دَفَعَ الْمَالَ إلَى الْمَأْمُورِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِذَلِكَ الْمَالِ فَإِنَّهُ إنْ ضَاعَ بَعْدَ مَا اشْتَرَى كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَخْبَرْتُكَ فِي الْقِرَاضِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُهُ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَمَرْتُ رَجُلًا يَشْتَرِي لِي جَارِيَةً بَرْبَرِيَّةً فَبَعَثَ إلَيَّ بِجَارِيَةٍ بَرْبَرِيَّةٍ فَوَطِئْتُهَا فَحَمَلَتْ مِنِّي أَوْ لَمْ تَحْمِلْ ثُمَّ قَدُمَ الْمَأْمُورُ بِجَارِيَةٍ بَرْبَرِيَّةٍ فَقَالَ: إنَّمَا كُنْتُ بَعَثْتُ إلَيْك بِتِلْكَ الْجَارِيَةِ وَدِيعَةً وَهَذِهِ جَارِيَتُكَ الَّتِي اشْتَرَيْت لَكَ، قَالَ: إنْ كَانَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ فِي الْبَعْثَةِ حِينَ بَعَثَ إلَيْهِ بِالْجَارِيَةِ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ وَلَمْ تَفُتْ حَلَفَ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَقَبَضَ جَارِيَتَهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ بِحَمْلٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيرٍ لَمْ أَرَ لَهُ شَيْئًا وَلَمْ أَرَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلًا لِأَنِّي لَا أَنْقُضُ عِتْقًا قَدْ وَجَبَ وَشُبْهَتُهُ قَائِمَةٌ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ فَتَكُونُ لَهُ جَارِيَتُهُ، وَيَلْزَمُ الْآمِرُ الْجَارِيَةَ الَّتِي أَتَى بِهَا الْمَأْمُورُ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: فِي رَجُلٍ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ جَارِيَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدِمَ فَبَعَثَ إلَيْهِ بِجَارِيَةٍ ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: إنَّ الْجَارِيَةَ كَانَتْ تُقَوَّمُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ دِينَارٍ وَبِذَلِكَ اشْتَرَيْتهَا، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ لَمْ تَفُتْ خُيِّرَ الْآمِرُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا قَالَ أَخْذَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ حَمَلَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمُ شَيْءٍ إلَّا الْمِائَةَ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُهُ.
стр. 1376
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالٍ دَفَعَهُ الْعَبْدُ إلَى الرَّجُلِ فَاشْتَرَاهُ؟ قَالَ: يَغْرَمُ ثَمَنَهُ ثَانِيَةً وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ وَيَكُونُ الْعَبْدُ لَهُ كَامِلًا كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ الْعَبْدِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا فَيَقُولُ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِكَ فَقَالَ: مَا أَخْبَرْتُكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْمُشْتَرِي الْمَالَ فَيَكُونَ الْبَيْعُ جَائِزًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ الثَّمَنِ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِ أَوَّلًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ لِي سِلْعَةً فَبَاعَهَا وَبِعْتهَا أَنَا لِمَنْ تُجْعَلُ السِّلْعَةُ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: الْأَوَّلُ أَوْلَاهُمَا بَيْعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي الْآخَرَ قَدْ قَبَضَهَا فَهِيَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رَبِيعَةَ مِثْلَهُ وَرَأَيْتُ مَالِكًا وَرَبِيعَةَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمَا يَجْعَلَانِهِ مِثْلَ النِّكَاحِ، أَنَّ النِّكَاحَ نِكَاحُ الْأَوَّلِ إذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ وَقَدْ فَوَّضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى إلَّا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا الْآخَرُ. ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ بَعَثَ سِلْعَةً مَعَ رَجُلٍ وَكَّلَهُ بِبَيْعِهَا ثُمَّ بَدَا لِلرَّجُلِ: أَنْ بَاعَ سِلْعَتَهُ وَبَعَثَ فِي أَثَرِ وَكِيلِهِ فَوَجَدَ الْوَكِيلَ قَدْ بَاعَ وَكَانَ بَيْعُ سَيِّدِ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ الْوَكِيلَ، فَقَالَ رَبِيعَةُ: إنَّ الْوَكَالَةَ بَيْعٌ وَبَيْعُ السَّيِّدِ جَائِزٌ.
وَأَيُّهُمَا كَانَ أَوَّلُ الْوَكِيلُ أَوْ السَّيِّدُ كَانَ هُوَ الَّذِي يَدْفَعُ السِّلْعَةَ إلَيْهِ وَيَضْمَنُ بَيْعَهُ فَبَيْعُهُ أَجْوَزُ، وَإِنْ أُدْرِكَتْ السِّلْعَةُ لَمْ يَدْفَعْهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ فَأَوَّلُهُمَا بَيْعًا أَجُوزُهُمَا بَيْعًا فِيهَا.
قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: قَالَ رَبِيعَةُ: وَإِنَّمَا كَانَ شِرَاءُ الَّذِي قَبَضَهَا أَجْوَزَ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ إنْ كَانَتْ وَلِيدَةً اسْتَحَلَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُصِيبَةً حَمَلَهَا.
[الدَّعْوَى فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ السِّلْعَةَ]
َ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ السِّلْعَةَ يَبِيعُهَا لَهُ فَيَبِيعُهَا بِطَعَامٍ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا فَيُنْكِرُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ الْبَيْعَ وَيَقُولُ: لَمْ آمُرْك أَنْ تَبِيعَهَا بِطَعَامٍ وَلَا بِعَرَضٍ قَالَ مَالِكٌ: إذَا بَاعَهَا بِمَا لَا تُبَاعُ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ خُيِّرَ صَاحِبُهَا فَإِنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الْعَرَضَ أَوْ الطَّعَامَ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ السِّلْعَةُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ نَقَضَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ الْبَائِعَ لِأَنَّ السِّلْعَةَ لَمْ تَفُتْ، فَإِنْ فَاتَتْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الطَّعَامَ بِثَمَنِ سِلْعَتِهِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا وَأَسْلَمَ الطَّعَامَ أَوْ الْعُرُوضَ لِلْبَائِعِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ مَنْ أَدْخَلَ فِي الْوَكَالَاتِ مِنْ الِادِّعَاءِ فِي الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ
стр. 1377
مَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَصْلُهُ مِنْ الْأَمْرِ الْمُسْتَنْكَرِ الَّذِي لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ رَجُلًا بِبَيْعِ سِلْعَتِهِ فَيَبِيعَهَا وَتَفُوتُ بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ مِثْلُهَا وَيَدَّعِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَيُنْكِرُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ أَوْ ادَّعَى الْمَأْمُورُ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِدِينَارَيْنِ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَهِيَ بِثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِطَعَامٍ أَوْ بِعَرَضٍ وَلَيْسَ مِثْلُهَا يُبَاعُ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَائِزٍ عَلَى الْآمِرِ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ الْآمِرُ بِالْبَيْعِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاشْتِرَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِبَيْعِ سِلْعَتِهِ فَإِنَّمَا الْبَيْعُ بِالْأَثْمَانِ وَالْأَثْمَانُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَأَنَّ بَيْعَهُ السِّلْعَةَ بِالطَّعَامِ وَالْعُرُوضِ وَهِيَ مِمَّا لَا تُبَاعُ بِهِ إنَّمَا هُوَ اشْتِرَاءٌ مِنْهُ لِلْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاشْتِرَاءِ لِأَنَّ الْعُرُوضَ وَالطَّعَامَ هُوَ مَثْمُونٌ وَلَيْسَ هُوَ بِثَمَنٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ سَلَّفَ طَعَامًا بِعَيْنِهِ فِي عَرَضٍ إلَى أَجَلٍ فَاسْتَحَقَّ الطَّعَامَ انْفَسَخَ السَّلَمُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ ائْتِ بِطَعَامٍ مِثْلِهِ.
وَلَوْ سَلَّفَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي عُرُوضٍ إلَى أَجَلٍ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ لَمْ يُنْقَضْ السَّلَمُ وَقِيلَ لَهُ ائْتِ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا أَوْ بِدَنَانِيرَ مِثْلِهَا لِأَنَّهَا ثَمَنٌ وَلَيْسَتْ بِالْمَثْمُونَةِ وَالطَّعَامُ وَالْعُرُوضُ مَثْمُونٌ وَلَيْسَتْ بِثَمَنٍ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يَشْتَرِي السِّلَعَ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ وَلَا يُقَالُ لَهُ: فِيهِ بَاعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلَعَ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ بِسِلَعٍ تُكَالُ وَتُوزَنُ مِنْ صِنْفِهَا وَلَا مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا أَوْ بِطَعَامٍ لَيْسَ عِنْدَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا لَمَا اشْتَرَى مِنْ السِّلَعِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ بِسِلَعٍ تُكَالُ أَوْ تُوزَنُ أَوْ بِطَعَامٍ يُكَالُ لَيْسَ عِنْدَهُ فَهُوَ بَائِعٌ أَيْضًا فَصَارَ بَائِعًا لِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَقَدْ قَامَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَعَنْ التَّابِعِينَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ إلَّا مَا قَامَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي التَّسْلِيفِ الْمَضْمُونِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ وَصَفْنَا قَبْلَ هَذَا مَا يَجُوزُ مِنْ التَّسْلِيفِ وَمَا لَا يَجُوزُ
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً تُسَاوِي خَمْسِينَ دِينَارًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَادَّعَى أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ وَلَيْسَتْ تُشْتَرَى السِّلْعَةُ الَّتِي ادَّعَى أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إلَّا بِالْعَيْنِ وَأَنْكَرَ الْآمِرُ دَعْوَاهُ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْوَكَالَةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْمَأْمُورِ عَلَى الْآمِرِ وَإِنْ ادَّعَى الْمَأْمُورُ مَا يُشْبِهُ الْوَكَالَاتِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَمَرْتَنِي أَنْ أَبِيعَ سِلْعَتَكَ بِعَشْرَةٍ وَهِيَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَقَدْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ، وَيَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ إنَّمَا أَمَرْتُكَ بِأَحَدَ عَشَرَ أَوْ يَقُولُ أَمَرْتَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ طَعَامًا بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَقَدْ فَعَلْتُ فَيَقُولُ الْآمِرُ أَمَرْتُكَ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهَا سِلْعَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ فَكُلُّ مُسْتَهْلَكٍ ادَّعَى الْمَأْمُورُ فِيهِ مَا يُمْكِنُ وَادَّعَى الْآمِرُ غَيْرَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ وَكُلُّ قَائِمٍ ادَّعَى فِيهِ الْمَأْمُورُ مَا يُمْكِنُ وَلَمْ يَفُتْ وَخَالَفَهُ الْآمِرُ وَادَّعَى غَيْرَهُ حَلَفَ الْآمِرُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَخُذْ هَذَا الْأَصْلَ عَلَى هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَدْفَعُ ثَوْبُهُ إلَى الصَّبَّاغِ فَيَقُولُ رَبُّ الثَّوْبِ: أَمَرْتُك بِعُصْفُرٍ وَيَقُولُ الصَّبَّاغُ: أَمَرْتنِي بِزَعْفَرَانٍ أَوْ يَدْفَعُ ثَوْبَهُ إلَى الْخَيَّاطِ فَيَقُولُ أَمَرْتُك بِقَبَاءٍ وَيَقُولُ الْخَيَّاطُ: أَمَرْتنِي بِقَمِيصٍ فَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 1378
إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ غَيْرَ الْعَمَلِ الَّذِي عَمِلَ إلَّا الْيَمِينُ بِاَللَّهِ مَا عَمِلْتُهُ لَكَ إلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ عَمَلِهِ أَنَّهُ يُصْبَغُ بِالضَّرْبَيْنِ وَيَخِيطُ الصِّنْفَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
[الْوَكِيلُ فِي السَّلَمِ أَوْ غَيْرِهِ يَأْخُذُ رَهْنًا أَوْ يَأْخُذُ حَمِيلًا فَيَضِيعُ عِنْدَهُ]
ُ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ الْآمِرُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت وَكِيلًا فِي أَنْ يُسْلِمَ لِي فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَفَعَلَ وَأَخَذَ رَهْنًا أَوْ حَمِيلًا مَنْ غَيْرِ أَنْ آمُرَهُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالرَّهْنُ وَالْحَمِيلُ ثِقَةٌ لِلْآمِرِ فَهَذَا الْوَكِيلُ لَمْ يَصْنَعْ إلَّا خَيْرًا وَوَثِيقَةً لِلْآمِرِ.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْوَكِيلِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الْمُوَكِّلُ؟
قَالَ: الضَّيَاعُ مِنْ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْآمِرَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ بِأَنْ يَرْتَهِنَ.
قُلْتُ: فَمَا كَانَ مِنْ ضَرَرٍ فِي الرَّهْنِ فَهُوَ عَلَى الْوَكِيلِ وَمَا كَانَ مِنْ مَنْفَعَةٍ فَهِيَ لِلْآمِرِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَالْحَمِيلُ؟
قَالَ: الْحَمِيلُ لَيْسَ يَدْخُلُهُ الرَّهْنُ مِنْ التَّلَفِ وَالْحَمِيلُ فِي كُلِّ وَجْهٍ إنَّمَا هُوَ مَنْفَعَةٌ لِلْآمِرِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْآمِرُ قَدْ عَلِمَ بِالرَّهْنِ فَرَضِيَهُ ثُمَّ تَلَفَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: إذَا رَضِيَ بِالرَّهْنِ لَزِمَهُ وَكَانَ كَأَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ بِأَنْ يَرْتَهِنَهُ لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا ارْتَهَنَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ رَدَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ رَجَعَ الرَّهْنُ إلَى رَبِّهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَحْبِسَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[دَعْوَى الْوَكِيل]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتِبًا بَعَثَ بِكِتَابَتِهِ مَعَ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٌ بَعَثَتْ بِمَالٍ اخْتَلَعَتْ بِهِ مِنْ زَوْجِهَا مَعَ رَجُلٍ أَوْ رَجُلٌ بَعَثَ بِصَدَاقِ امْرَأَتِهِ مَعَ رَجُلٍ وَزَعَمَ الَّذِي بَعَثَ ذَلِكَ مَعَهُ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَكَذَّبَهُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ الْمَالَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الدَّيْنِ مَا أَخْبَرْتُكَ فَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولُ الدَّيْنِ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ قَدْ دَفَعُوا ذَلِكَ إلَى الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ وَإِلَّا ضَمِنُوا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا وَدِيعَةً بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَوَكَّلْتُ وَكِيلًا يَقْبِضُهَا مِنْهُ فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتهَا إلَى الْوَكِيلِ وَقَالَ الْوَكِيلُ كَذَبْتَ مَا دَفَعْت إلَيَّ شَيْئًا، قَالَ: إنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً غَرِمَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَصِيَّ أَمِينٌ، وَلَوْ زَعَمَ أَنَّهُ تَلَف مَا فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنَّمَا الْوَصِيُّ أَمِينٌ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ مَا فِي يَدَيْهِ مِمَّا أَوْصَى بِهِ إلَيْهِ إلَيْهِ مَنْ يَرِثُهُ عَمَّنْ أَوْصَى بِهِ إلَى
стр. 1379
الْوَصِيِّ.
قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] وَقَدْ قَالَ: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] فَقَدْ أَمَرَهُمْ اللَّهُ ﵎ بِالْإِشْهَادِ إذَا أُمِرُوا بِدَفْعِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ إلَى غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأُمِرَ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ إلَى رَجُلٍ أَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَمَرَهُ رَبُّهَا بِدَفْعِهَا إلَى أَحَدٍ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى وَلِيِّ الْيَتِيمِ مِنْ الْإِشْهَادِ.
[إقَالَةُ الْوَكِيلِ وَتَأْخِيرُهُ]
ُ قُلْتُ: لَوْ وَكَّلْت وَكِيلًا فِي أَنْ يُسْلِمَ لِي فِي طَعَامٍ فَفَعَلَ ثُمَّ أَقَالَ الْوَكِيلَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْآمِرِ أَفَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ الطَّعَامَ إنَّمَا وَجَبَ لِلْآمِرِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يُسْلِمُ لِي فِي طَعَامٍ فَفَعَلَ، ثُمَّ إنَّ الْآمِرَ أَقَالَ الْبَائِعُ أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَهُ أَوْ وَهَبَ لَهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّ الطَّعَامَ إنَّمَا وَجَبَ لِلْآمِرِ فَكُلُّ شَيْءٍ صُنِعَ فِي طَعَامِهِ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يُنْظَرُ هَهُنَا إلَى الْمَأْمُورِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يُسْلِمُ لِي دَنَانِيرَ فِي عَشَرَةِ أَرَادِبَ حِنْطَةٍ فَفَعَلَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ الْوَكِيلَ أَقَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ ذَلِكَ ثَبَتَ لِلَّذِي ابْتَاعَ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِاعْتِرَافٍ مِنْ الْوَكِيلِ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَهُ أَنَّهُ إنَّمَا ابْتَاعَ ذَلِكَ لِلَّذِي وَكَّلَهُ فَلَا تَجُوزُ إقَالَتُهُ إلَّا بِأَمْرِ الْآمِرِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ الطَّعَامُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت وَكِيلًا يُسْلِمُ لِي فِي طَعَامٍ أَوْ يَبْتَاعُ لِي سِلْعَةً بِعَيْنِهَا فَفَعَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ عِنْدَ عُقْدَةِ الشِّرَاءِ لِلْبَائِعِ أَنَّهُ إنَّمَا ابْتَاعَ لِغَيْرِهِ وَقَدْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ إنَّمَا ابْتَاعَ لِي أَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ حِينَ أَمَرْتُهُ بِذَلِكَ لِمَنْ تَكُونُ الْعُهْدَةُ هَهُنَا لِلْوَكِيلِ عَلَى الْبَائِعِ أَمْ لِلْآمِرِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهَا لِلْآمِرِ عَلَى الْبَائِعِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَ الْوَكِيلُ عَيْبًا بَعْدَ مَا اشْتَرَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا لِأَنَّ الْعُهْدَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ لِغَيْرِهِ؟
قَالَ: إذَا كَانَ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِعَيْنِهَا مَنْسُوبَةً فَقَالَ: لَهُ اشْتَرِ لِي عَبْدَ فُلَانٍ أَوْ دَارَ فُلَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنْ كَانَتْ سِلْعَةً مَوْصُوفَةً لَيْسَتْ بِعَيْنِهَا فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهَا إنْ وَجَدَ فِيهَا عَيْبًا.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْوَكِيلَ هَهُنَا ضَامِنٌ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِهَا عَيْبٌ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ضَمِنَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ إذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا بَعْدَ مَا اشْتَرَى وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا فَلَمْ يَفْعَل فَهُوَ
стр. 1380
ضَامِنٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُعْطِي النَّاسَ أَنْ تُشْتَرَى لَهُمْ السِّلْعَةُ عَلَى وَجْهِ السَّلَامَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ: السِّلْعَةُ بِعَيْنِهَا وَبِغَيْرِ عَيْنِهَا الْعُهْدَةُ عَلَى الْبَائِعِ لِلْآمِرِ وَالْآمِرُ الْمُقَدَّمُ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ عَنْ نَفْسِهِ وَالْآمِرُ بِالْخِيَارِ فِيمَا فَعَلَ الْمَأْمُورُ مِنْ الرَّدِّ إنْ شَاءَ أَجَازَ رَدَّهُ وَإِنْ شَاءَ نَقَضَهُ وَارْتَجَعَ السِّلْعَةَ إلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمَأْمُورَ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الرَّدِّ لِسِلْعَةٍ قَدْ وَجَبَتْ لِلْآمِرِ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَرُدَّ الْوَكِيلُ هَذِهِ السِّلْعَةَ الَّتِي بِغَيْرِ عَيْنِهَا أَمِنْ قِبَلِ أَنَّ لِلْوَكِيلِ عَلَى الْبَائِعِ عُهْدَةً قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَلِأَيِّ شَيْءٍ جَعَلْتُهُ يَرُدُّ إذَا أَصَابَ عَيْبًا وَلَيْسَتْ لَهُ عُهْدَةٌ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ ضَامِنٌ إنْ اشْتَرَى عَيْبًا ظَاهِرًا فَلِهَذَا الْوَجْهِ جَعَلْتُهُ يَرُدُّ السِّلْعَةَ بِغَيْرِ عَيْنِهَا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا يَبِيعُ لَهُ سِلْعَةً فَبَاعَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَلَا أَنْ يَضَعَ مَنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا فِي الْوَكِيلِ عَلَى شِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بَيْعِهِ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ الْمُفْرَدِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَى الَّذِي يَشْتَرِي وَيَبِيعُ بِاجْتِهَادِهِ فَهَذَا الَّذِي يَكُونُ كُلُّ مَا صُنِعَ عَلَى النَّظَرِ مِنْ إقَالَةٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ ابْتِدَاءِ اشْتِرَاءِ عَيْبٍ جَائِزٌ عَلَى الْآمِرِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا فَعَلَ مُحَابَاةٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يُسْلِمُ لِي فِي طَعَامٍ فَفَعَلَ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُّ أَخَذَ الْوَكِيلُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ مَنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ الْآمِرُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَدْ فَسَّرْنَا مَا يُشْبِهُ هَذَا.
[وَكَّلَ رَجُلًا يَبْتَاعُ لَهُ سِلْعَةً وَالثَّمَنُ مِنْ عِنْدِ الْوَكِيلِ]
فِي رَجُلٍ وَكَّلَ رَجُلًا يَبْتَاعُ لَهُ سِلْعَةً وَالثَّمَنُ مِنْ عِنْدِ الْوَكِيلِ فَفَعَلَ وَأَمْسَكَ حَتَّى يَأْخُذَ لَهُ ذَلِكَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَشْتَرِي لِي طَعَامًا مِنْ السُّوقِ أَوْ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ وَأَمَرْته أَنْ يُنْقَدَهُ مِنْ عِنْدِهِ فَفَعَلَ ثُمَّ أَتَيْته لِأَقْبِضَ ذَلِكَ مِنْهُ فَمَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ الَّذِي نَقَدَ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَأْخُذَ السِّلْعَةَ وَلَيْسَ لِلْمَأْمُونِ أَنْ يَمْنَعَهُ السِّلْعَةَ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقْرَضَهُ الدَّنَانِيرَ الَّتِي اشْتَرَى لَهُ بِهَا السِّلْعَةَ وَلَمْ يَرْتَهِنْ شَيْئًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مَا اشْتَرَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 1381
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ رَجُلًا يَبْتَاعُ لَهُ سِلْعَةً مِنْ بَلَدٍ مَنْ الْبُلْدَانِ وَلَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ إلَيْهِ وَقَالَ: أَسْلَفَنِي ثَمَنَهَا فَابْتَاعَهَا ثُمَّ قَدُمَ فَقَالَ الْآمِرُ: ادْفَعْ إلَيَّ السِّلْعَةَ وَقَالَ الْمَأْمُورُ: لَا أَدْفَعُ إلَيْك حَتَّى تَدْفَعَ إلَيَّ الثَّمَنَ فَأَبَى أَنَّ يَدْفَعَ إلَيْهِ السِّلْعَةَ كَانَ ذَلِكَ لِلْآمِرِ لِأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ سَلَفًا وَالسِّلْعَةُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَلَيْسَتْ بِرَهْنٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ مَا لَمْ يَرْهَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَمَرَ رَجُلًا يَبْتَاعُ لَهُ لُؤْلُؤًا مَنْ مَكَّةَ وَيُنْقَدَ الثَّمَنَ مَنْ عِنْدِهِ حَتَّى يَقْدُمَ فَيَدْفَعَ إلَيْهِ الْآمِرُ ثَمَنَهُ فَقَدُمَ الْمَأْمُورُ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَدْ ابْتَاعَ لَهُ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ وَأَنَّهُ ضَاعَ مِنْهُ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهُ.
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّهُ قَدْ ابْتَاعَ لَهُ مَا أَمَرَهُ وَنَقَدَهُ عَنْهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ لِأَنَّهُ قَدْ ائْتَمَنَهُ حِينَ قَالَ: ابْتَعْ لِي وَانْقُدْ عَنِّي فَلَوْ كَانَ رَهْنًا يَجُوزُ لَهُ حَبَسَهُ عَنْهُ لَحِقَهُ مَا قَالَ مَالِكٌ: إنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ حَتَّى يُقَاصَّهُ بِثَمَنِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَيَحْلِفُ، عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِرَهْنٍ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا بَعْدَ مَا اشْتَرَاهُ وَوَجَبَ لِلْآمِرِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْآمِرُ مِنْ ذِي قَبْلٍ أَوْ يَكُونَ الْآمِرُ قَالَ: لَهُ ابْتَعْهُ لِي وَانْقُدْ عَنِّي مِنْ عِنْدِكَ وَاحْبِسْهُ حَتَّى أَدْفَعَ إلَيْكَ الثَّمَنَ فَهَذَا رَهْنٌ عِنْدَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ اشْتَرَى لَهُ بِبَيِّنَةٍ وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ مِثْلُ الثِّيَابِ وَالْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ هَلَكَ فِي يَدَيْهِ لَمْ تُسْأَلْ الْبَيِّنَةُ وَلَمْ يُقَاصَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِيمَا دَفَعَ عَنْ الْآمِرِ فِي ثَمَنِهَا وَحَلَفَ إنْ اُتُّهِمَ وَاسْتَوْفَى ثَمَنِهَا فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَهْنٍ وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا إذَا اشْتَرَاهَا لِغَيْرِهِ وَوَجَبَ الثَّمَنُ الَّذِي دُفِعَ فِيهَا قَرْضًا مِنْهُ لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ مِنْ الْوَدَائِعِ مُصَدَّقٌ فِيهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَدَّعِي الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَهُ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ ثَلَاثًا وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ: اشْتَرَيْتهَا وَمَا شَرَطْت عَلَيَّ الْخِيَارَ؟ قَالَ: لَا يُصَدَّقُ الْبَائِعُ وَالْبَيْعُ لَهُ لَازِمٌ، قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ مِنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ فَيَأْتِيَهُ مِنْ الْغَدِ بِالثَّمَنِ وَقَدْ احْتَبَسَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ السِّلْعَةَ فَيَقُولُ الْبَائِعُ: إنَّمَا بِعْتُكَ أَمْسِ عَلَى أَنْ جِئْتَنِي بِالثَّمَنِ الْيَوْمَ وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَقَالَ الْآخَرُ: لَا لَمْ اشْتَرَطَ لَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْبَيْعُ لَهُ لَازِمٌ وَهُوَ مُدَّعٍ فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُ هَذَا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ ثَبَتَ لَهُ هَذَا مَا رَأَيْتُ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَرَأَيْتُ الْبَيْعَ لَهُ لَازِمًا وَلَمْ يَرَهُ مِثْلُ الْخِيَارِ فِي هَذَا الْوَجْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت مَنْ رَجُلٍ طَعَامًا فَأَصَبْتُ بِالطَّعَامِ عَيْبًا فَجِئْتُ لِأَرُدَّهُ فَقَالَ: الْبَائِعُ بِعْتُكَ حِمْلًا مِنْ طَعَامٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَالَ: الْمُشْتَرِي بَلْ اشْتَرَيْت مِنْكَ نِصْفَ حِمْلٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نِصْفَ الْحِمْلِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ
стр. 1382
لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِائَةِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ فَرَسًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ ثَوْبًا فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَجَاءَ لِيَرُدَّهُ فَقَالَ: بِعْتُكَهُ وَآخَرَ مَعَهُ بِمِائَةٍ دِينَارٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ بِعْتَنِيهِ وَحْدَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالثَّمَنِ، وَالْبَائِعُ مُدَّعٍ فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ بَاعَهُ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ مَا قَالَ الْمُشْتَرِي وَتَفَاحَشَ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يُرَدُّ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا نِصْفَهُ نِصْفُ ثَمَنِ الْقَمْحِ، وَلَا غُرْمَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي نِصْفِ الْحِمْلِ الْبَاقِي إذَا حَلَفَ لِأَنَّ الْبَائِعَ فِيهِ مُدَّعٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ بَاعَنِي إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ الْمُقِرُّ لَهُ: بَلْ هِيَ حَالَةُ الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مَنْ رَجُلٍ سِلْعَةً فَأَتَاهُ يَقْتَضِيهِ الثَّمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ: بِعْنِي إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ الْبَائِعُ: بَلْ حَالٌّ، قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَى الْمُبْتَاعُ أَجَلًا قَرِيبًا لَا يُتَّهَمُ فِي مِثْلِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِلَّا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ الَّذِي قَالَ: حَالٌّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ أَمْرٌ يَتَبَايَعُونَ عَلَيْهِ قَدْ عَرَفُوهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مِنْ ادَّعَى الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ، وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ قَرْضٌ فَادَّعَى الْأَجَلَ وَقَالَ الْآخَرُ: حَالٌّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْرِضِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْبَيْعَ وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ: هُوَ مِثْلُ مَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ السِّلْعَةَ فَيَقُولُ الدَّافِعُ: أَمَرْتُك أَنْ تَرْهَنَهَا وَيَقُولُ الْمَدْفُوعَةُ إلَيْهِ: بَلْ أَمَرْتنِي أَنْ أَبِيعَهَا، قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهَا فَاتَتْ أَوْ لَمْ تَفُتْ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ: لِي مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي السِّلْعَةَ فِي يَدِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ: رَهَنْتَنِيهَا وَيَقُولُ صَاحِبُهَا: بَلْ اسْتَوْدَعْتُكَهَا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّهَا. قُلْت: فَإِنْ قَالَ الدَّافِعُ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَبِيعَهَا بِطَعَامٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ: أَمَرْتَنِي أَنْ أَبِيعَهَا بِدَنَانِيرَ، قَالَ: إنْ لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الدَّافِعِ وَإِنْ فَاتَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ وَيَحْلِفُ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ: يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ السِّلْعَةَ يَبِيعُهَا لَهُ فَيَقُولُ الْمَأْمُورُ: أَمَرْتَنِي بِعَشَرَةٍ وَيَقُولُ الْآمِرُ: بَلْ أَمَرْتُكَ بِاثْنَيْ عَشَرَ، قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهَا إنْ لَمْ تَفُتْ وَيَحْلِفُ، فَإِنْ فَاتَتْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَأْمُورِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ إلَيْهِ دَنَانِيرَ فَقَالَ رَبُّ الدَّنَانِيرِ: أَمَرْتُك أَنْ تَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا وَقَالَ الْمَأْمُورُ: بَلْ أَمَرْتنِي أَنْ أَشْتَرِيَ بِهَا بَزًّا قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ.
قُلْتُ: مَا فَرْقٌ بَيْنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالسِّلْعَةِ؟
قُلْتُ: فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ، وَقُلْتُ فِي السِّلَعِ: إذَا أَمَرَتْهُ أَنْ يَبِيعَهَا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْآمِرِ، قَالَ: لِأَنَّ السِّلَعَ
стр. 1383
قَائِمَةٌ بِأَعْيَانِهَا لَمْ تَفُتْ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إذَا هِيَ لَمْ تَفُتْ وَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ حِينَ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً فَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فَائِتَةٌ مُسْتَهْلَكَةٌ، فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَأْمُورِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي السِّلَعِ إذَا كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً قَدْ فَاتَتْ، فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَأْمُورِ أَيْضًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلَ كُلَّهَا هِيَ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا فِي السِّلَعِ إذَا فَاتَتْ وَإِذَا لَمْ تَفُتْ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَمَّا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ وَهُوَ رَأْيِي.
[وَكَّلَ رَجُلًا يَرْهَنُ لَهُ وَيَأْتِيهِ بِالسَّلَفِ فَادَّعَى الْآمِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَقَلِّ مِمَّا قَالَ الْمَأْمُورُ]
فِي رَجُلٍ وَكَّلَ رَجُلًا يَرْهَنُ لَهُ وَيَأْتِيهِ بِالسَّلَفِ فَادَّعَى الْآمِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَقَلِّ مِمَّا قَالَ الْمَأْمُورُ وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ وَقَالَ الْمَأْمُورُ: قَدْ دَفَعْتهَا إلَيْهِ قُلْت: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي دَفَعْتُ إلَيْهِ رَجُلٍ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ فَفَعَلَ فَلَمَّا جِئْتُ أَفْتَكُّهُ قَالَ الرَّسُولُ: قَدْ رَهَنْتَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَقَدْ دَفَعْتُهَا إلَيْكَ، وَقَالَ الْآمِرُ: مَا أَمَرْتُكَ إلَّا بِخَمْسَةٍ وَقَبَضْتُهَا مِنْكَ أَوْ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْهَا مِنْكَ.
قَالَ: إذَا أَقَرَّ بِالرَّهْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إذَا كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي مَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْ مِنْكَ شَيْئًا وَقَدْ أَمَرْتُكَ أَنْ تَرْهَنَهَا وَقَالَ الرَّسُولُ: قَدْ رَهَنْتُهَا وَدَفَعْتُ إلَيْك الذَّهَبَ كَانَ الْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلَ الرَّسُولِ فِي الدَّفْعِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا رَهَنَ بِهِ إذَا كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ مِثْلَ مَا قَالَ قُلْتُ: وَلِمَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّسُولِ إذَا قَالَ الْآمِرُ: لَمْ أَقْبِضْ مِنْكَ شَيْئًا؟
قَالَ: لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ وَمِثْلُ مَا لَوْ قَالَ لَهُ: بِعْ لِي هَذِهِ السِّلْعَةَ فَبَاعَهَا وَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُ إلَيْكَ الثَّمَنَ وَقَالَ الْآمِرُ: لَمْ تَدْفَعْ إلَيَّ شَيْئًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً فَإِنَّ لَهُ قَبْضَ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قِيلَ لَهُ بِعْ وَاقْبِضْ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ بِعْ فَسُنَّةُ مَنْ بَاعَ أَنَّهُ يَقْبِضُ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الْقَبْضِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَبِلَ وَدِيعَةً لِرَجُلٍ فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْدَعُ: قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَيْكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالدَّفْعِ إلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ مَا عَلَى وَلِيِّ الْيَتِيمِ. وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ: وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا لِيَرْهَنَهُ لِرَبِّ الثَّوْبِ فَاخْتَلَفَا كَانَ كَمَا وَصَفْتُ لَك فِي صَدْرِ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ لِيَرْهَنَهُ لِنَفْسِهِ يُقِرُّ لَهُ رَبُّ الثَّوْبِ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَرْهَنَهُ بِخَمْسَةٍ.
وَقَالَ الرَّاهِنُ لِنَفْسِهِ الْمُسْتَعِيرِ لِلثَّوْبِ لِيَرْهَنَهُ: أَذِنْتَ لِي أَنْ أَرْهَنَهُ بِعَشَرَةٍ وَالثَّوْبُ يُسَاوِي عَشَرَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ إنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا بِخَمْسَةٍ وَلَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْمُعِيرُ، وَالْمُسْتَعِيرُ مُدَّعٍ عَلَيْهِ.
стр. 1384
[وَكَّلَ الرَّجُلَ يَبْتَاعُ لَهُ سِلْعَةً بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ]
فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ الرَّجُلَ يَبْتَاعُ لَهُ سِلْعَةً بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ قُلْت: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقُلْتُ لَهُ: اشْتَرِ لِي بِهَا سِلْعَةً مَنْ السِّلَعِ جَارِيَةً أَوْ دَابَّةً أَوْ أَمَرْتُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِي بِهَا سِلْعَةً بِعَيْنِهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الْآمِرُ صَاحِبَ الدَّيْنِ حَاضِرًا حَيْثُ يَشْتَرِيَهَا لَهُ الْمَأْمُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى إنْ كَانَ الْآمِرُ لَيْسَ بِحَاضِرٍ لَمْ يُعْجِبْنِي ذَلِكَ، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَنَا: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ بِمَتَاعٍ فَبَاعَ مِنْ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ فَصَارَتْ ذَهَبُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ فَقَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: إنِّي مَشْغُولٌ وَلَا أُبْصِرُ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا فَاشْتَرُوهَا لِي بِمَالِي عِنْدَكُمْ مِنْ تِلْكَ الذَّهَبِ وَهُوَ حَاضِرٌ، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى رَجُلٍ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَهُ إذَا لَمْ يُوَكِّلْ؟
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَتَبَ إلَى رَجُلٍ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ حَاجَةً فِي بَلَدٍ غَيْرَ بَلَدِهِ مَنْ كِسْوَةٍ يَحْتَاجُ إلَيْهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَفَعَلَ فَبَعَثَ بِهَا إلَيْهِ ثُمَّ كَتَبَ بِذَلِكَ إلَيْهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ بِتِلْكَ الذَّهَبِ الَّتِي اشْتَرَى لَهُ بِهَا شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي بَلَدِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَفْعَلُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَفَرَّقَ لِي مَالِكٌ بَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهِيَ فِي الْقِيَاسِ وَاحِدٌ
[كِتَاب الْعَرَايَا]
[مَا جَاءَ فِي الْعَرَايَا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1385
كِتَاب الْعَرَايَا مَا جَاءَ فِي الْعَرَايَا قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: صِفْ لِي الْعَرَايَا مَا هِيَ، وَفِي أَيِّ الثِّمَارِ هِيَ، وَلِمَنْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا إذَا أُعْرِيهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: الْعَرَايَا فِي النَّخْلِ وَفِي جَمِيعِ الثِّمَارِ كُلُّهَا مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ مِثْلُ الْعِنَبِ وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ يَهَبُ ثَمَرَتَهَا صَاحِبُهَا لِلرَّجُلِ ثُمَّ يَبْدُو لِصَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا أَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْ الَّذِي أُعْرِيهَا وَالثَّمَرُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بَعْدَمَا طَابَتْ أَنَّهَا تَحِلُّ لِصَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَيَشْتَرِيهَا بِالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا إذَا جَدَّهَا مَكَانَهُ أَوْ بِالْعُرُوضِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ وَيَبْتَاعُهَا بِخَرْصِهَا بِصِنْفِهَا إلَى جِدَادِهَا إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٌ فَأَدْنَى وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَمْ يَصْلُحْ بَيْعُهَا بِتَمْرٍ إلَى الْجِدَادِ وَلَا يَصْلُحُ بِتَمْرٍ نَقْدًا وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ مُخَالِفًا لَهَا إلَى أَجَلٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِطَعَامٍ مُخَالِفٍ لَهَا إذَا جَدَّ الثَّمَرُ مَكَانَهُ صَاحِبُهَا الَّذِي يَبْتَاعُهَا وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الطَّعَامَ الْمُخَالِفَ لِلثَّمَرَةِ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَجِدَهَا وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ الطَّعَامَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعَرَايَا ابْنُ وَهْبٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا بَيْعُ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ إنَّ ذَلِكَ يَتَحَرَّى وَيُخَرَّصُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَلَيْسَتْ لَهُ مَكِيلَةٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْإِقَالَةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ مَا أَشْرَكَ الرَّجُلُ أَحَدًا فِي طَعَامٍ اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَلَا أَقَالَ مِنْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَلَا وَلَّاهُ، قَالَ: وَبَيْعُ الْعَرَايَا إلَى الْجَدَادِ إنَّمَا ذَلِكَ مُرْفَقٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ عَلَى صَاحِبِ الْعَرِيَّةِ يَكْفِيهِ عَرِيَّتَهُ وَيَضْمَنُ لَهُ خَرْصَهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا إيَّاهُ تَمْرًا وَلَوْلَا ذَلِكَ ضَاعَتْ عَرِيَّتُهُ أَوْ يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهَا فَتَذْهَبُ الْإِجَارَةُ بِبَعْضِهَا.
стр. 1386
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ وَبَيْنَ الْمُزَابَنَةِ لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعٌ عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ وَأَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا مُكَايَسَةَ وَمِثْلُ ذَلِكَ: الرَّجُلُ يُبَدِّلُ لِلرَّجُلِ الدَّرَاهِمَ بِأَوْزَنَ مَنْ دَرَاهِمِهِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ جَازَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ وَإِنَّمَا وَضَعَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُرْفَقِ لِصَاحِبِ التَّمْرِ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَفِيهِ الْعَرِيَّةُ الْعِذْقُ وَالْعِذْقَانِ وَالثَّلَاثَةُ فَيُنْزِلُهُ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَهُ رَبُّ الْعَرِيَّةِ كُلَّمَا أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَيُرِيدُ رَبُّ الثَّمَرِ الَّذِي ابْتَاعَهُ أَنْ يَسُدَّ بَابَهُ وَلَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ فَيَأْتِي رَبُّ الْعَرِيَّةِ فَيَدْخُلُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَعَلَ لَهُ مِنْ عَرِيَّتِهِ فَيُرَخَّصُ لِرَبِّ الثَّمَرِ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْ رَبِّ الْعَرِيَّةِ عَرِيَّتَهُ بِخَرْصِهَا يَضْمَنُهَا لَهُ حَتَّى يُوفِيَهُ إيَّاهَا تَمْرًا لِمَوْضِعِ مِرْفَقِ ذَلِكَ لَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ وَالتِّجَارَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْهُ كُلَّهُ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُجَاوِزَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ ذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ حَدَّثُوهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا» .
وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» شَكَّ دَاوُد لَا يَدْرِي قَالَ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ سَحْنُونٌ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَأَنَّهَا لَا تَنْزِلُ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ وَالْمُكَايَسَةِ وَأَنَّهَا رُخْصَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِرْفَقِ لِمَنْ أُرِيدَ إرْفَاقَهُ وَطَرْحُ الْمَضَرَّةِ عَمَّنْ أُرْفِقَ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ وَاطِئَةِ الرَّجُلِ وَالْأَذَى لِحَائِطِهِ مَا ذَكَرَ ابْنُ لَهِيعَةَ وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يَأْخُذُ بِبَعْضِهِ. وَلَكِنْ يَزْعُمُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ، وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَرَايَا فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُطْعِمُ أَخَاهُ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَ نَخَلَاتٍ «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرَخِّصُ لِلَّذِي أَطْعَمَهُنَّ أَنْ يَبِيعَهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُنَّ» فَقَدْ جَوَّزَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْعُهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا لِمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إتْمَامِ الْمَعْرُوفِ وَطَرْحِ الْمَضَرَّةِ وَالضِّيقِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْعَرِيَّةُ الرَّجُلُ يُعَرِّي الرَّجُلَ النَّخْلَةَ، أَوْ الرَّجُلُ يَسْتَثْنِي مِنْ مَالِهِ النَّخْلَةَ أَوْ الِاثْنَيْنِ يَأْكُلُهَا فَيَبِيعُهَا بِتَمْرٍ.
[عَرِيَّة النَّخْلِ وَلَيْسَ فِيهَا ثَمَرٌ]
فِي عَرِيَّةِ النَّخْلِ وَلَيْسَ فِيهَا ثَمَرٌ قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَ أَوْ الشَّجَرَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الثَّمَرَةُ وَقَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ فِي الشَّجَرِ شَيْءٌ؟ .
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ
стр. 1387
يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَتَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَ يَأْكُلُ ثَمَرَتَهَا السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَوْ مَا عَاشَ الْمُعْرَى، قَالَ مَالِكٌ: وَهَذِهِ الْعَرَايَا لَا يَشْتَرِيهَا حَتَّى تَطِيبَ ثَمَرَتُهَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ لَا يَشْتَرِيهَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ حَتَّى تَزْهَى وَيَحِلَّ بَيْعُهَا.
[بَيْعُ الْعَرِيَّةِ مِنْ غَيْرِ الَّذِي أَعْرَاهَا]
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَا أَرَى بَأْسًا لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ لَهُ ثَمَرَةُ الْحَائِطِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الَّذِي أَعْرَاهُ بِخَرْصِهِ.
قَالَ لِي مَالِكٌ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ بِخَرْصِهَا مِمَّنْ اشْتَرَى ثَمَرَةَ الْحَائِطِ أَوْ اشْتَرَى أَصْلَ النَّخْلَةِ بِثَمَرَةٍ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا طَابَتْ زَايَلَتْ النَّخْلَ قَالَ: وَفِيهَا قَالَ لِي مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ حَائِطًا وَتَرَكَ الثَّمَرَةَ لِنَفْسِهِ أَوْ بَاعَ حَائِطَ مِنْ رَجُلٍ وَالثَّمَرَةَ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ وَفِيهِ نَخْلٌ قَدْ أَعْرَاهُ جَازَ لِمَنْ كَانَتْ لَهُ الثَّمَرَةُ إذَا كَانَ صَاحِبُهَا أَبْقَاهَا لِنَفْسِهِ أَوْ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ تِلْكَ الْعَرِيَّةَ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ.
[الْعَرِيَّة يَبِيعُهَا صَاحِبُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا الَّذِي أَعْرَاهَا]
فِي الْعَرِيَّةِ يَبِيعُهَا صَاحِبُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا الَّذِي أَعْرَاهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَعْرَى هَذِهِ النَّخْلَ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَا أَزْهَتْ وَحَلَّ الْبَيْعُ ثُمَّ أَرَادَ صَاحِبُ النَّخْلِ الَّذِي لَهُ الثَّمَرَةُ أَنْ يَأْخُذَ بِخَرْصِهَا مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْ الَّذِي أَعْرَاهَا أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ: أَنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَسْكَنَ رَجُلًا مَنْزِلًا فِي دَارٍ لَهُ حَيَاتَهُ ثُمَّ وَهَبَ ذَلِكَ السُّكْنَى لِرَجُلٍ غَيْرَهُ حَيَاتَهُ لَجَازَ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ ذَلِكَ السُّكْنَى كَمَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ نَفْسُهُ ذَلِكَ الْمَسْكَنَ وَاَلَّذِي أَسْكَنَ حَيَاتَهُ لَا يَبِيعُ سُكْنَاهُ حَيَاتَهُ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَهُ، فَهِبَةُ السُّكْنَى بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَهِبَتُهَا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَائِطُ وَلِرَجُلٍ فِيهِ نَخْلَةٌ فَيُرِيدُ بَعْدَ أَنْ تَطِيبَ النَّخْلَةُ وَيَحِلَّ بَيْعُ الثِّمَارِ أَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْهُ بِخَرْصِهَا إلَى الْجَدَادِ فَقَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ مَا يُكْرَهُ مِنْ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَأَرَاهُ مِنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ لِأَنَّ هَذَا لَهُ الْأَصْلُ وَلَمْ يُعِرْ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ لَهُ وَالْمُؤْنَةِ لَمْ أَرَ بَأْسًا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ.
فَالْعَرَايَا قَدْ تَجُوزُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ وَكَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَقَدْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ بَأْسٌ فَلَا تُبَالِي إذَا خَرَجَتْ مِنْ يَدِ الَّذِي أُعْرِيَهَا إلَى غَيْرِهِ بِهِبَةٍ أَوْ بِثَمَنٍ أَنْ يَشْتَرِيَهَا الَّذِي لَهُ الثَّمَرَةُ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِيهَا إنَّمَا هِيَ لِلَّذِي أَعْرَاهَا عَلَى وَجْهِ مَا يُكْرَهُ مِنْ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ أَوْ عَلَى وَجْهِ كِفَايَةِ الْمُؤْنَةِ
стр. 1388
لِصَاحِبِهِ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا عَلَى مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مَنْ أَعْرَاهَا مِمَّنْ اشْتَرَاهَا لَكَانَ مَكْرُوهًا لِمَنْ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا أَعْرَاهَا بَائِعُهُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ وَهَذَا أَشَدُّ الْكَرَاهِيَةِ، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّ الْعَرِيَّةَ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا لِمَنْ أَعْرَاهَا إلَّا لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَضَرَّةِ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ فِي حَائِطِهِ فَصَارَ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ مَضَرَّةً تَدْخُلُ عَلَيْهِ فَأُرْخِصَ لَهُ فِي نَفْيِ الْمَضَرَّةِ وَإِلْقَائِهَا، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ النَّخْلَةَ تَكُونُ فِي حَائِطِهِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ مِلْكِهَا لَيْسَ عَلَى عَرِيَّةٍ تُشْبِهُ ذَلِكَ لِمَا يُخَافُ مِنْ إدْخَالِ الْمَضَرَّةِ عَلَى صَاحِبِ الْعَرِيَّةِ فَلِذَلِكَ جَوَّزَ أَمْرَ صَاحِبِ النَّخْلَةِ وَخَفَّفَ وَلَيْسَ يَحْمِلُهُ قِيَاسٌ وَلَكِنَّهُ مَوْضِعُ تَخْفِيفٍ.
[الْعَرِيَّة تُبَاعُ بِغَيْرِ صِنْفِهَا مِنْ التَّمْرِ أَوْ الْبُسْرِ أَوْ الرُّطَبِ]
فِي الْعَرِيَّةِ تُبَاعُ بِغَيْرِ صِنْفِهَا مِنْ التَّمْرِ أَوْ الْبُسْرِ أَوْ الرُّطَبِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْرَانِي نَخْلًا لَهُ صَيْحَانِيًّا فَأَرَادَ شِرَاءَهُ بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ إلَى الْجَدَادِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا بِصِنْفِهِ وَإِلَّا دَخَلَهُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إلَى أَجَلٍ وَدَخَلَتْهُ الْمُزَابَنَةُ وَخَرَجَ مِنْ حَدِّ الْمَعْرُوفِ الَّذِي سَهُلَ بَيْعُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ التَّوْلِيَةَ فِي الطَّعَامِ إنْ تَأَخَّرَ أَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ وَحَالَ عَنْ مَوْضِعِ رُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَارَ بَيْعًا يَحِلُّهُ مَا يَحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ.
قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُشْتَرَى الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ وَلَا بِالْبُسْرِ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا يَجُوزُ.
[الْمُعْرِي يَشْتَرِي بَعْضَ عَرِيَّتِهِ]
فِي الْمُعْرِي يَشْتَرِي بَعْضَ عَرِيَّتِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى بَعْضَ الْعَرِيَّةِ وَتَرَكَ بَعْضَهَا وَهِيَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَكْثَرُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ .
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ حَسَنًا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَسْكَنَ رَجُلًا دَارِهِ لَمْ يَكُنْ بَأْسٌ أَنْ يَشْتَرِيَ مِمَّنْ أَسْكَنَ بَعْضَ سُكْنَاهُ وَيَتْرُكَ بَعْضَهُ، فَهَذَا عِنْدِي مِثْلُ الْعَرِيَّةِ وَلَمْ أَسْمَعْ الْعَرِيَّةَ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنِّي سَمِعْتُ السُّكْنَى مِنْ مَالِكٍ، وَالْعَرِيَّةُ عَلَى هَذَا وَاسْتَحْسَنَهُ عَلَى مَا بَلَغَنِي ابْنُ وَهْبٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُجَاوِزَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ كُلِّ رَجُلٍ أَعْرَى وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ أَعْرَاهُ مَا يَكُونُ خَرْصُ ثَمَرَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا يُعْطَاهَا كُلَّهَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا قَدْ أَعْرَى نَاسًا شَتَّى فَيَأْخُذَ مِنْ هَذَا خَرْصَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَمِنْ هَذَا خَرْصَ وَسْقَيْنِ فَيَكُونُ
стр. 1389
فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إذَا اجْتَمَعُوا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْعَرِيَّةِ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ حَائِطَهُ كُلَّهُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهَا بِخَرْصِهَا أَوْ يَتْرُكَ بَعْضَهَا؟ .
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الَّذِي أَعْرَى أَوْ الَّذِي أُعْرِيَ فَوَرَثَتُهُمَا مَكَانُهُمَا يَجُوزُ لَهُمْ مَا كَانَ يَجُوزُ لِلْآبَاءِ قَبْلَهُمْ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ: بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إذَا كَانَتْ الْعَرِيَّةُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَدْنَى فَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْرِي أَنْ يَشْتَرِيَ هُوَ بَعْضَ عَرِيَّتِهِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِي الْعَرِيَّةِ وَفِي بَيْعِهَا لِمَا يَدْخُلُ عَلَى الْمُعْرِي فِي حَائِطِهِ مِنْ دُخُولِ الْمُعْرَى وَخُرُوجِهِ، فَإِذَا اشْتَرَى بَعْضَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْطَعْ عَنْ نَفْسِهِ مَالَهُ سَهُلَ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ فَصَارَ هَذَا إنَّمَا يَطْلُبُ الْفَضْلَ وَالرِّبْحَ فَدَخَلَهُ مَا خِيفَ مِنْ الْمُزَابَنَةِ.
[يُعْرِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ]
فِي الرَّجُلِ يُعْرِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْرَاهُ حَائِطَهُ كُلَّهُ أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِخَرْصِهِ بَعْدَ مَا أَزْهَى وَحَلَّ بَيْعُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا كَانَ الْحَائِطُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَعْرَاهُ كُلَّهُ جَازَ شِرَاؤُهُ لِلَّذِي أَعْرَاهُ بِخَرْصِهِ إلَى الْجَدَادِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَرْخَصَ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا.» قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؟
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَائِطُ الَّذِي أَعْرَاهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِلَى الْجَدَادِ بِالتَّمْرِ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَنِي فِيهِ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَهُ وَأَجَازَهُ وَهُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَسْكَنَ رَجُلًا دَارًا لَهُ كُلَّهَا حَيَاتَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ بَعْضَ سُكْنَاهُ بِدَنَانِيرَ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهُ فَقَالَ لِي: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا؟
قَالَ: وَالدَّارُ كُلُّهَا إذَا أَسْكَنَهَا رَبُّهَا رَجُلًا وَالْبَيْتُ سَوَاءٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الْحَائِطَ إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى لَا يَدْخُلُ عَلَى رَبِّهِ فِيهِ أَحَدٌ وَلَا يُؤْذِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْرَى ثَمَرَتَهُ كُلَّهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا
стр. 1390
الرُّخْصَةُ عَلَى وَجْهِ مَا يَتَأَذَّى بِهِ مِنْ دُخُولِ مَنْ أَعْرَاهُ وَخُرُوجِهِ فَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ، وَالْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الدَّارَ إذَا أَسْكَنَهَا رَجُلٌ كُلَّهَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا وَلَا بَأْسَ لِصَاحِبِ الْمَسْكَنِ أَنْ يَشْتَرِيَ سُكْنَى الْمَسْكَنِ أَوْ بَعْضَهُ، وَأَصْلُ هَذَا إذَا كَانَ قَدْ أَعْرَى الْحَائِطَ وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَرَادَ شِرَاءَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
[يُعْرِي مِنْ حَوَائِطَ لَهُ ثُمَّ يُرِيدُ شِرَاءَهَا]
فِي الرَّجُلِ يُعْرِي مِنْ حَوَائِطَ لَهُ ثُمَّ يُرِيدُ شِرَاءَهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ حَوَائِطُ كَثِيرَةٌ مُتَبَايِنَةٌ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى أَعْرَى مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى أَوْ أَكْثَرَ أَفَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ مِنْهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى؟ قَالَ: نَعَمْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّهُ أَعْرَى مِنْ حَائِطٍ وَاحِدٍ نَاسًا شَتَّى، وَاحِدًا أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ وَآخَرَ ثَلَاثَةَ أَوْسُقٍ وَآخَرَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَعْرَى، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إذَا جَمَعَ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُهُ.
[الرِّجَال يُعْرُونَ رَجُلًا وَاحِدًا]
فِي الرِّجَالِ يُعْرُونَ رَجُلًا وَاحِدًا قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي عَشَرَةِ رِجَالٍ اشْتَرَكُوا فِي حَائِطٍ أَعْرَوْا رَجُلًا خَمْسِينَ وَسْقًا فَأَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِمَا يَجُوزُ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ الْعَرَايَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْهُ وَأَرَاهُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا أَعْرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ عِنْدِي أَجْوَزُ وَأَصَحُّ مِنْ الرَّجُلِ يُعْرِي عَشْرَةَ أَوْسُقٍ فَيَشْتَرِي خَمْسَةَ وَيَتْرُكَ خَمْسَةَ، وَقَدْ أَجَازَهَا مَالِكٌ فَهَذَا أَجْوَزُ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنْ لَوْ اشْتَرَوْهَا جَمِيعًا بِخَرْصِهَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ وَكَذَلِكَ وَإِنْ تَفَرَّقُوا إنَّمَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَعْرَى.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْرَى عَشَرَةَ رِجَالٍ حَائِطًا لَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِخَرْصِهَا أَوْ مِمَّا ذَكَرْت مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ.
[عَارِيَّة الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ وَالْبُقُولِ]
فِي عَارِيَّةِ الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ وَالْبُقُولِ.
قُلْتُ: هَلْ تَكُونُ الْعَارِيَّةُ فِي الْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ التُّفَّاحِ أَوْ الرُّمَّانِ أَوْ الْخَوْخِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا أَوْ الْبِطِّيخِ وَالْمَوْزِ وَالْقَصَبِ الْحُلْوِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مَنْ الْأَشْيَاءِ مَنْ الْفَاكِهَةِ وَالْبُقُولِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا شَيْئًا وَلَا أَرَى الْعَرَايَا فِي هَذَا جَائِزَةً أَنْ تُشْتَرَى بِخَرْصِهَا؛ لِأَنَّهَا تُقْطَعُ خَضْرَاءَ فَكَيْفَ يَبِيعُ مَا يُقْطَعُ مَكَانَهُ وَلَا يُؤَخَّرُ لِيَيْبَسَ وَيُدَّخَرَ قَالَ: وَلَا بَأْسَ إنْ أَعْرَاهُ هَذِهِ
стр. 1391
الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرْتَ مِنْ الْخُضَرِ وَالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ مِنْهُ إذَا حَلَّ بَيْعُهُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْعُرُوضِ وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَايَا فِيمَا ذَكَرْتُ لَكَ لَا تُبَاعُ بِخَرْصِهَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْرَى رَجُلًا نَخْلًا قَدْ أَزْهَتْ أَوْ أَرْطَبَتْ فَبَاعَهَا مَنْ صَاحِبِهَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ خَرْصَهَا رُطَبًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَشْتَرِ بِمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِمُشْتَرِي الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْرَى رَجُلًا نَخْلًا لَا تُثْمِرُ وَإِنَّمَا تُؤْكَلُ رُطَبًا مِثْلُ نَخْلِ مِصْرَ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَا يَيْبَسُ وَلَا يَكُونُ زَبِيبًا لَا يُبَاعُ بِخَرْصِهِ لَا يُبَاعُ إلَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْعُرُوضِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ بِالطَّعَامِ الْمُخَالِفِ لَهُ إذَا عَجَّلَ الطَّعَامَ وَقَطَعَهُ مَكَانَهُ فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا تَأْخِيرٌ فَلَا يَحِلُّ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يُعْرِي التِّينَ وَالزَّيْتُونَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا كَمَا يَشْتَرِي التَّمْرَ قَالَ: بَيْعُ الْعَرِيَّةِ جَائِزٌ إذَا كَانَ مِمَّا يَيْبَسُ كُلُّهُ وَيُدَّخَرُ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ وَبِشْرِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: تَكُونُ الْعَرَايَا فِي الْعِنَبِ وَالزَّيْتُونِ وَالثِّمَارِ كُلِّهَا.
[مِنْحَة الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ]
فِي مِنْحَةِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ يَمْنَحُهَا صَاحِبُهَا رَجُلًا يَحْتَلِبُهَا عَامًا أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامًا هَلْ يَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ لَبَنَ إبِلِهِ وَبَقَرِهِ وَغَنَمِهِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ وَأَعْوَامًا.
قُلْتُ: فَهَلْ لَهُ إذَا أَعْرَى أَوْ مَنَحَ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ بَعْدَمَا أَعْرَى أَوْ مَنَحَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَالسُّكْنَى عِنْدَ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَالْخِدْمَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمْنَحُ الرَّجُلَ اللَّبَنَ الْعَامَ أَوْ الْأَعْوَامَ إنْ أَرَادَ شِرَاءَ ذَلِكَ أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَرْتَجِعُ غَنَمَهُ وَلَبَنَهَا؟
قَالَ: لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْحَتَهُ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخْدَمَ رَجُلًا عَبْدًا لَهُ حَيَاتَهُ أَوْ أَسَكَنَ رَجُلًا دَارًا لَهُ حَيَاتَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ خِدْمَةَ الْغُلَامِ وَسُكْنَى الدَّارِ وَذَلِكَ يَجُوزُ فَلَمَّا أَجَازَ ذَلِكَ لِلَّذِي أَخْدَمَ أَوْ أَسْكَنَ جَازَ لِلَّذِي مَنَحَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْحَتَهُ أَيْضًا.
قُلْتُ: بِمَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْحَتِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا وَالطَّعَامِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شَاةً لَبُونًا بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ.
стр. 1392
قُلْتُ: فَبِمَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَشْتَرِيَ سُكْنَايَ وَخِدْمَةَ عَبْدِي الَّذِي أَخْدَمْتُهُ؟
قَالَ: بِمَا شِئْتَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سُكْنَاهُ الَّذِي أَسْكَنَهُ بِسُكْنَى دَارٍ لَهُ أُخْرَى أَوْ خِدْمَتَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا سَحْنُونٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إنَّمَا يَجُوزُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ وَسُكْنَى دَارٍ لَهُ أُخْرَى يُعْطِيهِ الدَّارَ بِأَصْلِهَا أَوْ سُكْنَاهَا عَشْرَ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ أَمْرًا مَعْرُوفًا وَالْعَبْدُ مِثْلُ الدَّارِ.
[الْمُعْرِي يَمُوتُ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُعْرَى عَرِيَّتَهُ]
فِي الْمُعْرِي يَمُوتُ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُعْرَى عَرِيَّتَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْرَانِي نَخْلًا لَهُ فَمَاتَ رَبُّهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ فِي النَّخْلِ شَيْءٌ وَقَبْلَ أَنْ يَحُوزَ الْمُعْرَى النَّخْلَ أَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يُبْطِلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ وَالْعَرِيَّةُ غَيْرُ جَائِزَةٍ لِلَّذِي أُعْرِيَهَا إنْ مَاتَ رَبُّهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ فِي النَّخْلِ شَيْءٌ وَقَبْلَ أَنْ يَحُوزَ النَّخْلَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَلَوْ مَاتَ صَاحِبُ الْعَرِيَّةِ الَّذِي أَعْرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ النَّخْلُ وَقَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ صَاحِبُ الْمِنْحَةِ الَّذِي مَنَحَ اللَّبَنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ اللَّبَنَ وَالسُّكْنَى وَالْخِدْمَةَ مَاتَ رَبُّهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ الْمُسْكَنُ أَوْ الْمُخْدَمُ وَقَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إبَّانَ ذَلِكَ إنْ كَانَ ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا أَوْ قَالَ: إذَا خَرَجَتْ الثِّمَارُ أَوْ جَاءَ اللَّبَنُ فَاقْبِضْ ذَلِكَ وَأَشْهَدَ لَهُ فَمَاتَ رَبُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْغَنَمَ أَوْ النَّخْلَ أَوْ الْعَبْدَ أَوْ الدَّارَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي هَذَا: لَا خَيْرَ فِيهِ لِمَنْ أَعْرَى، وَلَا مَنَحَ وَلَا أَسْكَنَ وَلَا أَخْدَمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا مَاتَ رَبُّهَا الَّذِي مَنَحَهُ، قَالَ: وَلَا مِنْحَةَ لِلَّذِي يَمْنَحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْحَتَهُ حَتَّى مَاتَ الَّذِي مَنَحَهَا.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: فَرَسِي هَذِهِ بَعْدَ سَنَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ وَبَتَلَهُ ثُمَّ مَاتَ صَاحِبُهَا قَبْلَ السَّنَةِ وَقَبْلَ أَنْ يُنَفِّذَهُ فَلَا حَقَّ لِأَهْلِ سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ مَوْرُوثٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ بَيْنَ مَنْ وَرِثَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنٍ لَهُ كَبِيرٍ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ رَجُلٍ غَائِبٍ بِدَارٍ حَاضِرَةٍ فَلَمْ يَقْدَمْ ابْنُهُ وَلَا الرَّجُلُ حَتَّى مَاتَ رَبُّهَا فَلَا شَيْءَ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ قَبْضِ صَدَقَتِهِ غَيْبَةُ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ رَبُّهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ فَكُلُّ شَيْءٍ ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِثْلُ هَذَا فَهُوَ وَاحِدٌ وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَنَحَ رَجُلًا بَعِيرًا إلَى الزَّرَّاعِ فَمَاتَ صَاحِبُهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الزَّرَّاعُ وَهُوَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ.
стр. 1393
[زَكَاة الْعَرَايَا وَسَقْيهَا]
فِي زَكَاةِ الْعَرَايَا وَسَقْيِهَا قُلْتُ: زَكَاةُ الْعَرَايَا عَلَى مَنْ هِيَ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: عَلَى الَّذِي أَعْرَاهَا وَهُوَ رَبُّ الْحَائِطِ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي أُعْرِيَهَا شَيْءٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْرَى حَائِطًا لَهُ وَلَا ثَمَرَةَ فِيهِ عَلَى مَنْ عِلَاجُ الْحَائِطِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: السَّقْيُ وَالزَّكَاةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَسَّمَهُ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِثَمَرَةِ حَائِطِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَكَانَ سَقْيُهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْمَسَاكِينِ يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِمْ فِيهَا مِنْهَا وَهُوَ الَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ قَدِيمًا وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ أَوْ نَخَلَاتٍ قَبْلَ أَنْ تَطِيبَ لَكَانَ سَقْيُهَا وَزَكَاتُهَا عَلَى الَّذِي وُهِبَتْ لَهُ إنْ كَانَتْ تَبْلُغُ الزَّكَاةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَبْلُغُ الزَّكَاةَ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةٌ، وَالْعَرَايَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ سَقْيُهَا وَزَكَاتُهَا عَلَى الَّذِي أَعْرَاهَا وَلَيْسَ عَلَى الْمُعْرِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الزَّكَاةَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ أَوْ ثَمَرَةَ نَخَلَاتٍ مِنْ حَائِطِهِ سِنِينَ لَمْ يَجُزْ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا بِشَيْءٍ مِنْ الْخَرْصِ إلَى الْجَدَادِ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا أَوْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ كُلَّهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْرَاهُ جُزْءًا نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا؟
قَالَ: الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: السَّقْيُ عَلَى مَنْ أَعْرَاهُ وَلَوْ كَانَ يَكُونُ عَلَى الَّذِي أَعْرَى إذَا أَعْرَاهُ نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا لَكَانَ إذَا أَعْرَاهُ نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الَّذِي أُعْرِيَهَا سَقْيُهَا وَلَكَانَ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا، فَالْعَرَايَا وَالْهِبَةُ تَخْتَلِفُ، فَإِذَا كَانَ أَصْلُ مَا أَعْطَاهُ عَلَى الْعَرَايَا فَعَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا أَنْ يَسْقِيَهَا وَعَلَيْهِ زَكَاتُهَا وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي أُعْرِيَ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَتْ هِبَةً أَوْ تَعْمِيرَ سِنِينَ مِنْ نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهِنَّ وَجَزَّأَ فَعَلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ وُهِبَتْ لَهُ سَقْيُهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ وَقَدْ كَانَ كِبَارُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْمِلُونَ ذَلِكَ وَيَرَوْنَ أَنَّ الْعَرَايَا مِثْلُ الْهِبَةِ وَأَبَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الزَّكَاةِ وَالسَّقْيِ.
[اشْتِرَاء الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهَا]
فِي اشْتِرَاءِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَرَايَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهَا أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَبِيعَهَا.
قُلْتُ: فَإِذَا حَلَّ بَيْعُهَا أَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ نَقْدًا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ؟
قَالَ: فَأَمَّا التَّمْرُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا إلَى الْجَدَادِ وَأَمَّا أَنْ
стр. 1394
يُعَجِّلَهُ فَلَا وَأَمَّا بِالطَّعَامِ فَلَا يَصْلُحُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَجِدَ مَا فِي رُءُوسِهَا مَكَانَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ وَلَا بِثَمَرٍ نَقْدًا وَإِنْ جَدَّهَا.
قُلْتُ: فَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الَّذِي أُعْرِيَهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذَا حَلَّ بَيْعُهَا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ وَكَذَلِكَ بِالْعُرُوضِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهَا بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْعُرُوضِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِيَقْطَعَهُ مَكَانَهُ فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا وَسِعَ لَهُ فِي أَنْ يَأْخُذَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا إنَّمَا ذَلِكَ إذَا لَمْ يُعَجِّلْهُ وَكَانَ إنَّمَا يُعْطِيهِ التَّمْرَ مِنْ صِنْفِهَا إلَى الْجَدَادِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[اشْتِرَاء الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا بِبَرْنِيِّ أَوْ بِتَمْرٍ مِنْ حَائِطٍ آخَرَ]
فِي اشْتِرَاءِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا بِبَرْنِيِّ أَوْ بِتَمْرٍ مِنْ حَائِطٍ آخَرَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إنْ أَعْرَى نَخْلًا وَهِيَ عَجْوَةٌ أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا إلَى الْجَدَادِ بِبِرْنِيٍّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ .
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى عَرِيَّتَهُ بِخَرْصِهَا تَمْرًا مِنْ حَائِطٍ لَهُ آخَرَ؟
قَالَ: لَا أُحِبُّ هَذَا الشَّرْطَ، وَلَكِنْ يَأْخُذُهَا بِخَرْصِهَا مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَلَا يُسَمِّي ذَلِكَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْعَرِيَّةَ بِخَرْصِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْحَائِطَ كُلَّهُ رُطَبًا وَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا كَانَ ضَمِنَ لِلْمُعْرَى تَمْرًا إذَا جَاءَ الْجَدَادُ وَيُعْطِيَهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا بَاعَ حَائِطَهُ رُطَبًا أَنَّ الْمُعْرَى لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا ضَمِنَ لَهُ رَبُّ الْحَائِطِ مِنْ خَرْصِ الْعَرِيَّةِ إلَّا إلَى الْجَدَادِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ لَنَا مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إلَّا بِخَرْصِهَا إلَى الْجَدَادِ فَلَا أَرَى إذَا بَاعَ حَائِطَهُ رُطَبًا أَنْ يَكُونَ لِلْمُعْرَى أَنْ يَلْزَمَ رَبَّ الْحَائِطِ شَيْئًا مِمَّا ضَمِنَ لَهُ إلَّا إلَى الْجَدَادِ وَلَا أَمْنَعُهُ مِنْ بَيْعِ حَائِطِهِ إنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 1395
[كِتَابُ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ]
ِّ مَا جَاءَ فِي التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. أَخْبَرَنَا سَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَتَّجِرَ الرَّجُلُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَكْرَهُهُ مَالِكٌ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَيَقُولُ: لَا يَخْرُجُ إلَى بِلَادِهِمْ حَيْثُ تَجْرِي أَحْكَامُ الشِّرْكِ عَلَيْهِ
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الْحَرْبِ هَلْ يُبَاعُونَ شَيْئًا مَنْ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، كُرَاعًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ سُرُوجًا أَوْ نُحَاسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا كُلُّ مَا هُوَ قُوَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِمَّا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ فِي حُرُوبِهِمْ مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ خُرْثِيٍّ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ قُوَّةٌ فِي الْحَرْبِ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُبَاعُونَ ذَلِكَ
[الِاشْتِرَاء مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالذِّمَّةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الْمَنْقُوشَةِ]
فِي الِاشْتِرَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالذِّمَّةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الْمَنْقُوشَةِ قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْمٍ يَغْزُونَ فَيَنْزِلُونَ قُبْرُسَ فَيَشْتَرُونَ مَنْ أَغْنَامِهِمْ وَعَسَلِهِمْ وَسَمْنِهِمْ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَقَالَ لَنَا ابْتِدَاءً مِنْ عِنْدِهِ: إنِّي لَأُعَظِّمُ أَنْ يُعْمَدَ إلَى دَرَاهِمَ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَيُعْطَاهَا نَجَسٌ، وَأَعْظَمَ ذَلِكَ إعْظَامًا شَدِيدًا وَكَرِهَهُ.
قُلْتُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِسَاحِلِنَا مِنْهُمْ وَأَهْلُ ذِمَّتِنَا أَيَصْلُحُ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ مِنْهُمْ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ ذَلِكَ.
قَالَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فِي أَسْوَاقِنَا صَيَارِفَةٌ مِنْهُمْ أَفَنَصْرِفُ مِنْهُمْ؟
قَالَ: قَالَ: أَكْرَهُ ذَلِكَ.
[الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ وَبَيْعِ الْمَجُوسِيِّ مِنْ النَّصْرَانِيِّ]
فِي الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ وَبَيْعِ الْمَجُوسِيِّ مِنْ النَّصْرَانِيِّ.
قُلْتُ هَلْ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: بَيْنَ الْمُسْلِمِ إذَا دَخَلَ بِلَادَ الْحَرْبِ وَبَيْنَ الْحَرْبِيِّ
стр. 1396
رِبًا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمِدَ لِذَلِكَ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبِيدًا لِي نَصَارَى أَرَدْت أَنْ أَبِيعَهُمْ مِنْ النَّصَارَى، أَيَصْلُحُ لِي ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدِي وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَلَقَدْ وَقَّفْتُ مَالِكًا غَيْرَ مَرَّةٍ فَقُلْتُ: لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالرَّقِيقِ مِنْ التُّجَّارِ الصَّقَالِبَةِ فَيَشْتَرُونَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَيَبِيعُونَهُمْ مَكَانَهُمْ عِنْدَمَا يَشْتَرُونَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا عَلِمْتُهُ حَرَامًا وَغَيْرُهُ أَحْسَنُ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ شِرَائِهِمْ وَيُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الصَّقْلَبِيَّةَ مَنْ هَؤُلَاءِ الرُّومِ فَيُصِيبُ بِهَا عَيْبًا إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الرُّومِيِّ إذَا أَصَابَ بِهَا عَيْبًا.
قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَيَرُدُّهَا عَلَيْهِ وَقَدْ اشْتَرَاهَا وَهُوَ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِيَجْعَلَهَا عَلَى دِينِهِ فَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بِذَلِكَ بَأْسًا وَقَالَ: يَرُدُّهَا. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجُوسِ: إذَا مُلِكُوا جُبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ قِيلَ لَهُ: أَيُمْنَعُ النَّصْرَانِيُّ مَنْ شِرَائِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: فَأَهْلُ الْكِتَابِ أَيُمْنَعُ النَّصَارَى مَنْ شِرَائِهِمْ؟ قَالَ: أَمَّا الصِّغَارُ فَنَعَمْ وَأَمَّا الْكِبَارُ فَلَا
[اشْتِرَاءُ الْمُسْلِمِ الْخَمْرَ]
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَفَعَ إلَى نَصْرَانِيٍّ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا خَمْرًا فَفَعَلَ النَّصْرَانِيُّ فَاشْتَرَى الْخَمْرَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا اشْتَرَى مَنْ نَصْرَانِيٍّ خَمْرًا كَسَرْتُهَا عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَمْ أَدَعْهُ يَرُدُّهَا وَلَمْ أُعْطِ النَّصْرَانِيَّ ثَمَنَهَا إنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ وَتَصَدَّقْتُ بِثَمَنِهَا حَتَّى لَا يَعُودَ هَذَا النَّصْرَانِيُّ أَنْ يَبِيعَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَمْرًا، وَاَلَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ نَصْرَانِيٌّ بَاعَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ فَأَرَى الثَّمَنَ لِلنَّصْرَانِيِّ الْبَائِعِ إنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا النَّصْرَانِيُّ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِ، فَإِنْ كَانَ عَلِمَ تُصُدِّقَ بِالثَّمَنِ إذَا كَانَ لَمْ يَقْبِضْهُ وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ لَمْ أَنْتَزِعْهُ مِنْهُ وَكَسَرْتُ تِلْكَ الْخَمْرَ الَّتِي اشْتَرَاهَا النَّصْرَانِيُّ لِهَذَا الْمُسْلِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا تُتْرَكُ فِي يَدِ هَذَا النَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِمُسْلِمٍ
[بَيْع الذِّمِّيِّ أَرْضَ الصُّلْحِ]
فِي بَيْعِ الذِّمِّيِّ أَرْضَ الصُّلْحِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الذِّمِّيَّ تَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ وَالدُّورُ وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الصُّلْحِ قَدْ صُولِحُوا عَلَيْهَا أَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
стр. 1397
قُلْتُ: وَكَيْفَ هَذِهِ الَّتِي صَالَحُوا عَلَيْهَا، صِفْهَا لِي؟
قَالَ: تَكُونُ أَرْضُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ مَمْنُوعَةً قَدْ مَنَعُوا أَرْضَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَالَحُوا عَلَيْهَا، وَمَنَعُوا أَهْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ صُلْحٍ، فَهَذِهِ أَرْضُ الصُّلْحِ، فَمَا صَالَحُوا عَلَيْهَا فَهِيَ لَهُمْ بِمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ مِنْ الْجِزْيَةِ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ وَالْخَرَاجِ عَلَى أَرْضِهِمْ. فَهَذِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِهَا وَإِنْ مَاتَ وَرِثَ ذَلِكَ وَرَثَتُهُ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَرَثَةٌ فَتَكُونَ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي يَدَيْهِ سَقَطَتْ عَنْهُ جِزْيَةُ جُمْجُمَتِهِ وَجِزْيَةُ أَرْضِهِ وَلَهُ أَرْضُهُ بِحَالِهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ بِغَيْرِ خَرَاجٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ الذِّمِّيِّ الْمُصَالِحِ: إذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْ أَرْضِهِ وَجُمْجُمَتِهِ الْخَرَاجُ وَصَارَتْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ تَكُونَ لَهُ إذَا أَسْلَمَ وَهِيَ فِي يَدَيْهِ.
قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ لَهُ: أَنْ يَبِيعَ أَرْضَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَرْضَ هَذَا الْمُصَالِحِ مِنْهُ، مَا يَكُونُ عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ فِيهَا؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ فِيهَا شَيْءٌ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ عَلَى الذِّمِّيِّ كَمَا هُوَ بِحَالِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ خَرَاجُ الْأَرْضِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهَا مِنْ ذِمِّيٍّ؟
قَالَ: نَعَمْ خَرَاجُهَا عَلَى الَّذِي صَالَحَ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ.
قُلْتُ: وَتَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَقَدْ سَأَلَهُ عَنْهُ نَاسٌ مِنْ الْمَغْرِبِيِّينَ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُمْ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، إلَّا أَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْهُ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعُوهَا إنْ كَانَتْ أَرْضَ صُلْحٍ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا صَالَحُوا عَلَى أَرْضِهِمْ فَاشْتَرَى أَرْضَهُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاَلَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى ذِمَّتِهِمْ؟ قَالَ: عَلَيْهِمْ مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي بَاعُوا مَا كَانَ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ إذَا اشْتَرَاهَا هَذَا الْمُسْلِمُ، إنَّمَا يُؤْخَذُ بِمَا عَلَيْهَا هَذَا الَّذِي بَاعَهَا الَّذِي صَالَحَ عَلَيْهَا مَا دَامَ الَّذِي صَالَحَ عَلَى ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الَّذِي صَالَحَ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ، وَالْأَرْضُ عِنْدَ هَذَا الْمُسْلِمِ الَّذِي اشْتَرَاهَا سَقَطَ خَرَاجُهَا عَنْ هَذَا الَّذِي صَالَحَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي صَالَحَ عَلَيْهَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ فِي يَدَيْهِ حِينَ أَسْلَمَ لَسَقَطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا، فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ هَذَا الْمُسْلِمِ سَقَطَ عَنْهُ الْخَرَاجُ بِإِسْلَامِ بَائِعِهَا. قَالَ: وَهُوَ رَأْيِي، قَالَ: وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا الْمُسْلِمُ عَلَى أَنَّ خَرَاجَهَا عَلَيْهِ وَالذِّمِّيُّ مِنْهُ بَرِيءٌ فَهَذَا بَيْعٌ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مَا لَا يَدْرِي مَا قَدْرُهُ وَلَا مُنْتَهَاهُ وَلَا مَا يَبْلُغُ.
стр. 1398
وَذَكَرَ ابْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ هَلْ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا أَصْلَ أَرْضِهِمْ؟ قَالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، أَمَّا الَّذِينَ أَخَذُوهُمْ وَأَرْضَهُمْ عَنْوَةً، ثُمَّ أَقَرُّوا فِيهَا وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ أَصْلَ أَرْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَأَرْضَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى الْجِزْيَةِ فَإِنَّ أَصْلَ أَرْضِهِمْ لَهُمْ وَلَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَصْنَعُوا فِيهَا مَا أَحَبُّوا وَهِيَ مِثْلُ مَا سِوَاهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ جِزْيَةٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إذَا اشْتَرَاهَا فَعَلَى الْأَرْضِ مَا كَانَ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ إنْ اشْتَرَاهَا هَذَا الْمُسْلِمُ يُؤْخَذُ بِمَا عَلَيْهَا مَا دَامَ الَّذِي بَاعَهَا عَلَى دِينِهِ فَإِنْ أَسْلَمَ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ وَالْأَرْضُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ الَّذِي اشْتَرَاهَا سَقَطَ خَرَاجُهَا عَنْ هَذَا الَّذِي اشْتَرَاهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ الَّذِي صَالَحَ عَلَيْهَا ثُمَّ أَسْلَمَ يَسْقُطُ عَنْهُ خَرَاجُهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: اشْتَرَى عَبْدُ اللَّهِ أَرْضًا وَشَرَطَ عَلَى صَاحِبِهَا الْخَرَاجَ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ
[بَيْع الذِّمِّيِّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ]
فِي بَيْعِ الذِّمِّيِّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اُفْتُتِحَ مِنْ الْبِلَادِ عَنْوَةً؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ أَرْضِهِ شَيْئًا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ فَدَارُهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً أَيَبِيعُهَا؟ فَقَالَ: دَارُهُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ أَرْضِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهَا.
قُلْتُ: فَأَرْضُ مِصْرَ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقْطَعَ لِأَحَدٍ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَوْلَى عَفْرَةَ أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ اشْتَرَى مِنْ أَهْلِ سَوَادِ الْكُوفَةِ أَرْضًا لَهُمْ وَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ إنْ رَضِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَجَاءَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي اشْتَرَيْتُ أَرْضًا مِنْ أَهْلِ سَوَادِ الْكُوفَةِ وَاشْتَرَطُوا عَلَيَّ إنْ أَنْتَ رَضِيتَ، فَقَالَ عُمَرُ: مِمَّنْ اشْتَرَيْتَهَا؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ وَكَذَبُوا لَيْسَتْ لَكَ وَلَا لَهُمْ
стр. 1399
[اشْتِرَاء أَوْلَادِ أَهْلِ الصُّلْحِ]
فِي اشْتِرَاءِ أَوْلَادِ أَهْلِ الصُّلْحِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هُدْنَةٌ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَسَبَوْهُمْ فَبَاعُوهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرُوهُمْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْتَرُوهُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ النَّوْبَةِ يُغِيرُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ فَيَسْبُونَهُمْ وَيَبِيعُونَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَشْتَرُوهُمْ
[الِاشْتِرَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْلَادَهُمْ إذَا نَزَلُوا بِأَمَانٍ]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَوْمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ تُجَّارًا يَدْخُلُونَ بِلَادَنَا بِأَمَانٍ فَيَبِيعُونَنَا أَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ أَنَشْتَرِيهِمْ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يَقْدَمُونَ بِأَبْنَائِهِمْ أَفَنَبْتَاعُهُمْ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: أَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ هُدْنَةٌ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ الْهُدْنَةَ إذَا كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا بَعْضُهُمْ فَأَرَادُوا أَنْ يَبِيعُونَا أَوْلَادَهُمْ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَهُمْ مِنْهُمْ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَأَمَّا مَنْ لَا هُدْنَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي الْأَصْلِ إذَا قَدِمَ عَلَيْنَا تَاجِرٌ فَنَزَلَ بِأَمَانٍ أَعْطَيْنَاهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ نَشْتَرِيَ مِنْهُ أَوْلَادَهُ إذَا كَانُوا صِغَارًا مَعَهُ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ.
قَالَ: وَسَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ لِصِغَارِهِمْ مِنْ الْعَهْدِ مِثْلُ مَا لِكِبَارِهِمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَرْبِيَّ يَقْدَمُ بِأُمِّ وَلَدِهِ أَوْ بِابْنِهِ أَوْ بِابْنَتِهِ فَيَبِيعُهُمْ أَيَصْلُحُ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَهُمْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ هَلْ نَشْتَرِي مِنْهُمْ أَبْنَاءَهُمْ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: أَلَهُمْ عَهْدًا وَذِمَّةً قَالُوا: لَا، قَالَ مَالِكٌ: فَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاءِ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
قُلْتُ: إنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنْهُمْ إذَا نَزَلُوا بِلَادَنَا فَأَعْطَيْنَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى أَنْ يَبِيعُوا تِجَارَتَهُمْ وَيَنْصَرِفُوا، أَيَكُونُ هَذَا عَهْدًا يَمْنَعُنَا مِنْ شِرَاءِ أَوْلَادِهِمْ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ مِنْهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَحْمَلُ قَوْلِ مَالِكٍ عِنْدِي حِينَ قَالَ: أَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ إلَّا أَنَّهُمْ قَدِمُوا عَلَيْنَا تُجَّارًا وَلَيْسَ يَلْتَقِي أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ الْحَرْبِ إلَّا بِعَهْدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّاخِلَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا إنْ كَانَ هَذَا الْمُسْلِمُ هُوَ الدَّاخِلَ عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِعَهْدٍ، فَقَدْ جَازَ لِهَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ مِمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِعَهْدٍ فَكَذَلِكَ هُمْ إذَا خَرَجُوا، فَكَانَ لَهُمْ الْعَهْدُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرْتَ مِنْ الْأَبْنَاءِ وَالْآبَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 1400
قُلْتُ: فَالْعَهْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَهْدًا قَالُوا: لَا مَا هَذَا الْعَهْدُ؟
قَالَ: إذَا كَانَ الْعَهْدُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ عَلَى أَنْ لَا نُقَاتِلَهُمْ وَلَا نَسْبِيَهُمْ أَعْطَوْنَا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا أَوْ لَمْ يُعْطُونَا، فَهَذَا الْعَهْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَلَيْسَ الْعَهْدُ الَّذِي يَنْزِلُونَ بِهِ لِيَبِيعُوا تِجَارَتَهُمْ يُشْبِهُ هَذَا.
[اشْتِرَاء النَّصْرَانِيِّ الْمُسْلِمَ]
فِي اشْتِرَاءِ النَّصْرَانِيِّ الْمُسْلِمَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ بِلَادَنَا بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى مُسْلِمًا أَيُنْقَضُ شِرَاؤُهُ أَمْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ؟ قَالَ: أُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا أَنْقُضُ شِرَاءَهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الذِّمِّيِّ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ يَشْتَرِي الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ أَوْ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ أَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى الْبَيْعِ أَمْ يَفْسَخُ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا جَائِزٌ وَيُجْبِرُ السُّلْطَانُ النَّصْرَانِيَّ عَلَى بَيْعِ الْأَمَةِ أَوْ الْعَبْدِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَصْرَانِيًّا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا أَيُنْقَضُ الْبَيْعُ أَمْ يَكُونُ الْبَيْعُ جَائِزًا وَيُجْبِرُ السُّلْطَانُ النَّصْرَانِيَّ عَلَى الْبَيْعِ؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَيُجْبَرُ النَّصْرَانِيُّ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى النَّصْرَانِيُّ مُصْحَفًا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَأَرَى أَنْ يُجْبَرَ النَّصْرَانِيُّ عَلَى بَيْعِ الْمُصْحَفِ وَلَا يُرَدُّ شِرَاؤُهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ
[اشْتِرَاء أَوْلَادِ أَهْلِ الصُّلْحِ وَأَخْذِهِمْ مِنْهُمْ فِي صُلْحِهِمْ]
فِي اشْتِرَاءِ أَوْلَادِ أَهْلِ الصُّلْحِ وَأَخْذِهِمْ مِنْهُمْ فِي صُلْحِهِمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ صَالَحْنَا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ كُلَّ عَامٍ فَأَعْطَوْنَا أَوْلَادَهُمْ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَأْخُذَهُمْ أَوْ نَرَى أَوْلَادَهُمْ فِي الصَّلَاحِ مَعَهُمْ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ إنَّمَا صَالَحُوا صُلْحًا ثَانِيًا لَهُمْ وَلِأَبْنَائِهِمْ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُمْ مِثْلُهُمْ فَإِنْ كَانُوا إنَّمَا صَالَحُوا السَّنَةَ وَالسِّنِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ أَوْلَادُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ النَّوْبَةَ أَيُشْتَرَوْنَ إنْ سَبَاهُمْ قَوْمٌ؟ قَالَ مَالِكٌ: مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عُوهِدُوا قَالَ: فَأَرَى لِأَبْنَائِهِمْ مِنْ الْعَهْدِ مَا كَانَ لِآبَائِهِمْ.
قُلْتُ: فَمَنْ عَاهَدَهُمْ، وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْقَوْمِ مِنْ الْعَدُوِّ كَانُوا يَأْتُونَ بِأَبْنَائِهِمْ أَنَشْتَرِيهِمْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: أَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ هُدْنَةٌ أَوْ قَالَ عَهْدٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ
[النَّصْرَانِيّ يَبِيعُ الْعَبْدَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ]
فِي النَّصْرَانِيِّ يَبِيعُ الْعَبْدَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ كَافِرًا بَاعَ عَبْدًا كَافِرًا مِنْ كَافِرٍ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا
стр. 1401
فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ: اخْتَرْ إنْ شِئْتَ أَخَذْتَ الْعَبْدَ وَإِنْ شِئْتَ رَدَدْتَ، فَإِنْ اخْتَارَ الْأَخْذَ بِيعَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِنْ اخْتَارَ الرَّدَّ بِيعَ عَلَى بَائِعِهِ الْأَوَّلِ وَلَا أَرَى أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْعَبْدُ إذَا اخْتَارَ مَنْ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَلَالًا فِيمَا بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا نَصْرَانِيًّا مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَأَنَا مُسْلِمٌ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ، أَتَرَى إسْلَامَهُ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَوْتًا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى إسْلَامَهُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَوْتًا وَأَرَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَخْتَارَ وَيُمْسِكَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ رَدَّهُ عَلَى هَذَا النَّصْرَانِيِّ ثُمَّ يُبَاعُ عَلَيْهِ
[عَبْد النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَ]
مَا جَاءَ فِي عَبْدِ النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَبْدَ النَّصْرَانِيِّ أَوْ أَمَتَهُ إذَا أَسْلَمَا أَيُبَاعَانِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا لَهُ عَبْدٌ صَغِيرٌ نَصْرَانِيٌّ فَأَسْلَمَ هَذَا الْعَبْدُ النَّصْرَانِيُّ الصَّغِيرُ أَيُجْبَرُ هَذَا النَّصْرَانِيُّ عَلَى بَيْعِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ إذَا كَانَ الْغُلَامُ قَدْ عَقَلَ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: فِي الْحُرِّ إذَا عَقَلَ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ ثُمَّ بَلَغَ فَرَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ: إنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، كَمَا جَعَلَ مَالِكٌ إسْلَامَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ إذَا كَانَ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ إسْلَامًا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا أَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ النَّصْرَانِيَّ مَالُهُ لَهُ حَتَّى يَنْزِعَهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ وَيَلْحَقُهُ فِيهِ الدِّينُ فَأَرَى أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ النَّصْرَانِيَّةَ تَكُونُ تَحْتَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ وَلَهَا رَقِيقٌ فَأَسْلَمُوا وَلَهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ مِنْ زَوْجِهَا هَذَا الْمُسْلِمِ فَتَصَدَّقَتْ بِرَقِيقِهَا عَلَى وَلَدِهَا هَؤُلَاءِ الصِّغَارِ أَوْ بَاعَتْهُمْ مِنْ زَوْجِهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأُرَاهُ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى أَنْ يَزُولَ مِلْكُهَا عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَبِيدِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ وَمَوْلَاهُ غَائِبٌ أَيُبَاعُ أَمْ يُنْتَظَرُ النَّصْرَانِيُّ حَتَّى يَقْدَمَ؟ قَالَ: إنْ كَانَ قَرِيبًا نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَكَتَبَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بِيعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْتَظَرْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: فِي امْرَأَةِ النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ قَالَ: إنْ كَانَ الزَّوْجُ قَرِيبًا نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا، قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَكَانَتْ
стр. 1402
مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَسَخَ السُّلْطَانُ نِكَاحَهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَتَزَوَّجَتْ وَلَمْ تَنْتَظِرْ قُدُومَهُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا قَالَ لَهَا السُّلْطَانُ: اذْهَبِي فَاعْتَدِّي، فَإِذَا اعْتَدَّتْ، ثُمَّ قَدِمَ زَوْجُهَا وَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ تَتَزَوَّجْ وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ قَبْلَ إسْلَامِهَا أَوْ فِي عِدَّتِهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يُدْرِكَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَيَكُونَ أَحَقَّ بِهَا إنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[عَبْد النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ فَيَرْهَنُهُ سَيِّدُهُ أَوْ يَهَبُهُ]
فِي عَبْدِ النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ فَيَرْهَنُهُ سَيِّدُهُ أَوْ يَهَبُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ فَأَخَذَهُ فَرَهَنَهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَبِيعُهُ وَأَقْضِي الْغَرِيمَ دَيْنَهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ ثِقَةٍ مَكَانَ الْعَبْدِ فَأَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى النَّصْرَانِيِّ إذَا أَتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ فَوَهَبَهُ لِمُسْلِمٍ لِلثَّوَابِ فَلَمْ يُثِبْهُ الْمُسْلِمُ أَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ يُبَاعُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ
[هِبَة الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِلنَّصْرَانِيِّ]
فِي هِبَةِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِلنَّصْرَانِيِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي وَهَبْت عَبْدًا لِي مُسْلِمًا لِنَصْرَانِيٍّ أَوْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِ أَتَجُوزُ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ جَائِزَةٌ فِي هَذَا الْعَبْدِ لِهَذَا النَّصْرَانِيِّ وَيُبَاعُ الْعَبْدُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ ثَمَنُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا أَجَازَهُ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ مِثْلُ الْبَيْعِ إنَّهُ جَائِزٌ
[التَّفْرِقَة بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ]
فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ.
قُلْتُ: مَا حَدُّ مَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ الْعَبِيدِ وَأُمَّهَاتِهِمْ فِي الْبَيْعِ فِي الْجَوَارِي وَالْغِلْمَانِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: الْإِثْغَارُ إذَا لَمْ يُعَجِّلْ وَضَرَبَ مَالِكٌ لِذَلِكَ حُجَجًا فَقَالَ: الْحِقَاقُ لَيْسَتْ سَوَاءً، وَبَنَاتُ اللَّبُونِ لَيْسَتْ سَوَاءً فِي الْقَدْرِ فَإِذَا كَانَ الْإِثْغَارُ الَّذِي لَمْ يُعَجِّلْ فَهُوَ عِنْدِي الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ جَوَارِيَ كُنَّ أَوْ غِلْمَانًا.
قُلْتُ: فَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَخَوَاتٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ جَدَّاتٍ أَوْ عَمَّاتٍ أَوْ خَالَاتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَابَاتِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ مَتَى مَا شَاءَ سَيِّدُهُمْ صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا، قَالَ: وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْأُمِّ وَالْوَلَدِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ
стр. 1403
مَالِكٍ وَحَدَّهُمْ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فَأَمَّا مَا سِوَى الْأُمِّ وَالْوَلَدِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الشِّرْكِ وَأَهْلَ الْإِسْلَامِ إذَا بِيعُوا أَهُمْ سَوَاءٌ فِي التَّفْرِقَةِ؟ قَالَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَبَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ كَمَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي سَبْيِ الرُّومِ: إذَا سُبُوا أَوْ أَهْلِ حِصْنٍ يُسْبَوْا أَوْ اُفْتُتِحَ الْحِصْنُ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَأَوْلَادِهِنَّ إذَا زَعَمَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَانِ وَلَدِي لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا وَلَا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الرُّومِ نَزَلُوا بِسَاحِلِنَا تُجَّارًا وَمَعَهُمْ رَقِيقٌ فَأَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ أَتَرَى أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَيَمْنَعَهُمْ السُّلْطَانُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنْ لَا أَرَى أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي التَّفْرِقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ.
قُلْتُ: أَفَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ هَذَا النَّصْرَانِيِّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ إذَا فَرَّقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَلَا أَرَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ أَحَدٌ إذَا فَرَّقَ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ هَذَا النَّصْرَانِيِّ، وَوَلَدُهَا لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا كَانُوا صِغَارًا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَلَا يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُمْ أَوْلَادٌ وَأُمَّهَاتٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً وَعِنْدَهُ وَلَدُهَا صَغِيرٌ قَدْ وَرِثَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَتَمْنَعُهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ إنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَمَةً لِي وَابْنًا لَهَا صَغِيرًا لِابْنٍ لِي صَغِيرٍ فِي عِيَالِي إلَى أَنْ أُفَرِّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجِيلِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
[الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ]
ِ. لَوْ أَنَّ أَمَةً لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ مِنْ النَّاسِ، وَابْنٌ لَهَا صَغِيرٌ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ مِنْ النَّاسِ أَيْضًا أَيُجْبَرَانِ جَمِيعًا عَلَى أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يُجْبَرَانِ جَمِيعًا عَلَى أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَهُمَا أَوْ يَبِيعَانِهِمَا جَمِيعًا وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَتَرَكَ أَمَةً وَوَلَدَهَا صِغَارًا فَأَرَادَ الِابْنَانِ أَنْ
стр. 1404
يَبِيعَا الْأُمَّ وَوَلَدَهَا أَوْ يَدَعَا الْأُمَّ وَوَلَدَهَا عَلَى حَالِهَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ حَتَّى إذَا أَرَادَا الْقِسْمَةَ أَوْ الْبَيْعَ أُجْبِرَا عَلَى أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَهُمَا وَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ اشْتَرَيَا أَمَةً، وَوَلَدَهَا صِغَارً صَفْقَةً وَاحِدَةً أَكُنْتَ تُجْبِرُهُمَا عَلَى أَنْ يَبِيعَا أَوْ يَشْتَرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةَ صَاحِبِهِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُمَا يُقِرَّانِ وَلَدَهَا بِحَالِ مَا اشْتَرَيَا.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ أَمَةٌ وَوَلَدُهَا صِغَارٌ فَبَاعَ الْوَلَدَ السَّيِّدُ أَيَجُوزُ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَيَأْمُرُهُمَا بِأَنْ يَجْمَعَا بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ الْأُمِّ أَمْ يَنْتَقِضُ الْبَيْعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْوَلَدَ دُونَ الْأُمِّ.
قُلْتُ: فَإِنْ فَعَلَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَخَوَيْنِ وَرِثَا أَمَةً وَوَلَدَهَا صَغِيرًا فَأَرَادَا أَنْ يَتَقَاوَمَا الْأُمَّ وَوَلَدَهَا فَيَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الْأُمَّ وَالْآخَرُ الْوَلَدَ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْأُمِّ حَتَّى يَبْلُغَ الْوَلَدُ وَيَشْتَرِطَانِ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمَا إلَّا أَنْ تُقَوَّمَ الْأُمُّ وَوَلَدُهَا فَيَأْخُذَهَا هَذَا بِوَلَدِهَا أَوْ يَأْخُذَهَا هَذَا بِوَلَدِهَا أَوْ يَبِيعَانِ جَمِيعًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَاوَمَاهُمَا فَيَأْخُذَ هَذَا الْأُمَّ وَيَأْخُذَ هَذَا الْوَلَدَ، وَإِنْ اشْتَرَطَا أَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْأَخَوَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ. وَنَزَلْتُ بِالْمَدِينَةِ فَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْهَا فَقَالَ فِيهَا مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ.
قُلْتُ: وَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ فِي هَذَا تَصِيرُ مِثْلَ الْبَيْعِ سَوَاءً؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا قَدِمَ عَلَيْهِ السَّبْيُ صَفَّهُمْ فَقَامَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَإِذَا رَأَى امْرَأَةً تَبْكِي قَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَتَقُولُ: بِيعَ ابْنِي، بِيعَتْ ابْنَتِي فَيَأْمُرُ بِهِ فَيُرَدُّ إلَيْهَا» .
وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَأَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ قَدِمَ بِسَبْيٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَصَفَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَامَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: بِيعَ ابْنِي فِي بَنِي عَبْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي أُسَيْدٍ: لَتَرْكَبَنَّ فَلْتَجِئْنِي بِهِ كَمَا بِعْتَهُ بِالثَّمَنِ فَرَكِبَ أَبُو أُسَيْدٍ فَجَاءَ بِهِ. ابْنُ لَهِيعَةَ» ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى سَرِيَّةٍ فَأَصَابُوا سَبْيًا فَأَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ وَمَخْمَصَةٌ
стр. 1405
فَابْتَاعَ أَعْنُزًا بِوَصِيفَةٍ وَلَهَا أُمٌّ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ فَقَالَ: أَفَرَّقْتَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّهَا يَا عَلِيُّ فَاعْتَذَرَ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: أَنَا أَرْجِعُ فَأَسْتَرِدُّهَا بِمَاعِزٍ وَهَانٍّ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ رَأْسِي الْمَاءُ» .
ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ضُمَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِأُمِّ ضُمَيْرَةَ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ أَجَائِعَةٌ أَنْتِ أَمْ عَارِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُفَرَّقْ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِ الَّذِي عِنْدَهُ ضُمَيْرَةُ فَدَعَاهُ فَابْتَاعَهُ مِنْهُ بِبَكْرٍ» .
قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: ثُمَّ أَقْرَأَنِي كِتَابًا عِنْدَهُ. ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَمَّنْ سَمِعَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فَقَالَ سَالِمٌ: وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ الْقَسَمُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ الْقَسَمُ. وَأَخْبَرَنِي عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ فِي الْبَيْعِ وَبَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا حَتَّى يَبْلُغَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا حَدُّ ذَلِكَ؟
قَالَ: حَدُّهُ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ أُمِّهِ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ: «لَا تُولَهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا» فَقَالَ لِي مَالِكٌ: أَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا حَتَّى يَبْلُغَ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: وَمَا حَدُّ ذَلِكَ؟
قَالَ: إذَا أَثْغَرَ. فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ الْوَالِدَ وَوَلَدَهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ
[يَهَبُ وَلَدَ أَمَتِهِ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ]
فِي الرَّجُلِ يَهَبُ وَلَدَ أَمَتِهِ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ. قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ أَمَةً وَلِأَمَتِهِ وَلَدٌ صَغِيرٌ وَهَبَ وَلَدَهَا لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ كَيْفَ يَقْبِضُ هَذَا الرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَلَدَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا إذَا كَانُوا صِغَارًا فَهَذَا الَّذِي وَهَبَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفَرِّقَ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ الْوَلَدَ دُونَ الْأُمِّ، فَإِنْ دَفَعَ الْوَاهِبُ الْأُمَّ مَعَ الْوَلَدِ لِيُجَوِّزَهَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْوَلَدَ وَيُجَوِّزَ قَبْضَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيَكُونُ قَبْضُهُ قَبْضًا وَحِيَازَةً.
قُلْتُ: فَإِنْ قَبَضَ الْوَلَدَ دُونَ الْأُمِّ أَتَرَاهُ قَدْ أَسَاءَ وَيَكُونُ قَبْضُهُ قَبْضًا إنْ هَلَكَ الْوَاهِبُ؟ قَالَ: نَعَمْ إنْ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ وَالصَّبِيُّ فِي يَدَيْهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَلَدَ أَتُجْبِرُهُ وَسَيِّدَ الْأَمَةِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
следующие страницы →