Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
صَاحِبُهُ عَلَيْهِ الْكِرَاءَ فَيَحْلِفُ صَاحِبُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْكِرَاءُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُتَكَارِي إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَارِي بِأَمْرٍ لَا يُشْبِهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ إذَا عَلِمَ مِثْلُ كِرَاءِ أَرْضِهِ، إنَّمَا لَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُتَكَارِي إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ سَحْنُونٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ مِثْلُ كِرَاءِ أَرْضِهِ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ بَعْدَ يَمِينِهِ عَلَى مَا ادَّعَى الْمُكْتَرِي إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي أَكْثَرَ فَإِنْ شَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ أَخَذَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي إبَّانِ الزِّرَاعَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ رَبُّ الْأَرْضِ بِذَلِكَ، وَلَمْ تَقُمْ لِلزَّارِعِ بَيِّنَةٌ أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ أَكْرَاهُ الْأَرْضَ وَحَلَفَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَا صَنَعَ هَذَا الزَّارِعُ فِي أَرْضِهِ فَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَخَذَ مِنْهُ الْكِرَاءَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَوْ كِرَاءَ مِثْلِ أَرْضِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَبَى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الزَّارِعَ أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَهُ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بَيْنَهُمَا عَلَى أَمْرٍ حَلَالٍ فَيَنْفُذُ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: إنْ قَالَ هَذَا الَّذِي قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِقَلْعِ زَرْعِهِ: لَا أَقْلَعُ الزَّرْعَ، وَأَنَا أَتْرُكُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ جَائِزٌ إذَا رَضِيَ بِهِ رَبُّ الْأَرْضِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّارِعِ فِي قَلْعِهِ مَنْفَعَةٌ لَمْ يَكُنْ لِلزَّارِعِ أَنْ يَقْلَعَهُ، وَيُتْرَكُ لِرَبِّ الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَأْبَى مِنْ ذَلِكَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْبَلَهُ فَيَأْمُرَ الزَّارِعَ بِقَلْعِهِ.
[تَقْدِيمِ الْكِرَاءِ]
فِي تَقْدِيمِ الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ أَرْضًا مَنْ رَجُلٍ فَقَبَضَهَا مِنِّي أَيَجِبُ لِي الْكِرَاءُ حِينَ قَبَضَهَا أَمْ إذَا زَرْعَهَا أَوْ حَتَّى يَرْفَعَ زَرْعَهُ مِنْهَا؟
قَالَ: إنْ كَانَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ سُنَّةٌ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ حُمِلُوا عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مِمَّا تُزْرَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ رُوِيَتْ مِثْلُ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي إنَّمَا رَيُّهَا مِنْ النِّيلِ وَلَيْسَتْ تَحْتَاجُ إلَى الْمَطَرِ، فَإِذَا قَبَضَ الْأَرْضَ وَقَدْ رُوِيَتْ لَزِمَهُ نَقْدُ الْكِرَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ الْأَرَضِينَ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ وَلَا يَتِمُّ الزَّرْعُ إلَّا بِالسَّقْيِ بَعْدَمَا يُزْرَعُ أَوْ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ الَّتِي لَا يَتِمُّ زَرْعُهَا إلَّا بِالْمَطَرِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ بَعْدَمَا زَرَعَ لَمْ يَنْقُدْهُ الْكِرَاءَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَتْ مِنْ أَرْضِ السَّقْيِ وَكَانَ السَّقْيُ مَأْمُونًا وَجَبَ لَهُ كِرَاؤُهُ نَقْدًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا تُزْرَعُ بُطُونًا مِثْلَ الْقَضْبِ وَالْبُقُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ أَعْطَاهُ
стр. 1647
كُلَّ مَا سَلِمَ بَطْنٌ مِنْهَا بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُعْطِيهِ مَا يَنُوبُ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ نَقْدًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا خَالَفَ كِرَاءُ الْأَرْضِ الَّتِي تُسْقَى مِنْ مَاءِ الْعُيُونِ وَالْآبَارِ وَالْمَطَرِ كِرَاءَ الدُّورِ وَالْإِبِلِ؛ لِأَنَّ الدُّورَ وَالْإِبِلَ إذَا تَشَاحُّوا فِي النَّقْدِ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ يُحْمَلُونَ عَلَيْهَا فَإِنَّمَا يُعْطِيهِ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا سَكَنَ فِي الدَّارِ أَوْ سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ عَلَى الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ أَوْ مَاتَتْ الْإِبِلُ كَانَ الْمُتَكَارِي قَدْ أَخَذَ بَعْضَ كَرَائِهِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُسْقَى إنْ انْقَطَعَ مَاؤُهَا أَوْ احْتَبَسَتْ عَنْهَا السَّمَاءُ فَهَلَكَ زَرْعُ الْمُتَكَارِي لَمْ يَكُنْ قَابِضًا لِشَيْءٍ مِمَّا اكْتَرَى مِنْ الْأَرْضِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْكِرَاءِ فَمِنْ هُنَا لَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُتَكَارِي كِرَاءً حَتَّى يَتِمَّ بَطْنٌ فَيَأْخُذَ مِنْهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْعُيُونِ الْمَأْمُونَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَقَدَهُ الْكِرَاءَ ثُمَّ قَحَطَتْ أَرْضُهُ مِنْ الْمَاءِ أَتْبَعَهُ بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَجِدُ عِنْدَهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ وَالدُّورُ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ النَّقْدِ رَبُّ الْإِبِلِ وَالدُّورِ مَا لَمْ يَسْكُنْ الْمُتَكَارِي أَوْ يَرْكَبْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَابِضًا لِمَا سَكَنَ أَوْ سَارَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَقَدَهُ ثُمَّ مَاتَ الْبَعِيرُ أَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ صَارَ لِطَلَبِهِ بِهِ دَيْنًا.
[الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ الْغَرِقَةَ وَالنَّقْدَ فِي ذَلِكَ]
فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ الْغَرِقَةَ وَالنَّقْدَ فِي ذَلِكَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُهُ أَرْضِي هَذِهِ، وَهِيَ غَرِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا فَهِيَ لَهُ بِمَا سَمَّيْنَا مِنْ الْكِرَاءِ وَإِنْ ثَبَتَ الْمَاءُ فَلَا كِرَاءَ بَيْنَنَا؟
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ إنْ لَمْ يَنْقُدْ الْكِرَاءَ، فَإِنْ نَقَدَ الْكِرَاءَ لَمْ يَصْلُحْ؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَأْمُونٍ؛ لِأَنَّهَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ غَرِقَةٌ يُخَافُ عَلَيْهَا أَنْ لَا يَنْكَشِفَ الْمَاءُ عَنْهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضًا لَا يُشَكُّ فِي انْكِشَافِ الْمَاءِ عَنْهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا خِيفَ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ الْمَاءُ عَنْهَا لَمْ يَجُزْ أَيْضًا بِغَيْرِ نَقْدٍ لِمَا أَعْلَمْتُكَ مِمَّا يَمْنَعُ بِهِ الرَّجُلُ مِلْكَهُ.
[إلْزَامِ مُكْتَرِي الْأَرْضِ الْكِرَاءَ فِي الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ]
فِي إلْزَامِ مُكْتَرِي الْأَرْضِ الْكِرَاءَ فِي الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا أَوْ دَارًا كِرَاءً فَاسِدًا فَلَمْ أَزْرَعْ الْأَرْضَ وَلَمْ أَسْكُنْ الدَّارَ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ إلَّا أَنِّي قَدْ قَبَضْتُ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ أَيَكُونُ عَلَيَّ الْكِرَاءُ لِصَاحِبِهِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يَلْزَمُكَ كِرَاءُ مِثْلِ الدَّارِ، وَكِرَاءُ مِثْلِ الْأَرْضِ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّكَ حِينَ قَبَضْتَ ذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَكَ الْكِرَاءُ وَإِنْ لَمْ تَزْرَعْ، وَإِنْ لَمْ تَسْكُنْ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ إذَا اكْتَرَيْتَهَا كِرَاءً فَاسِدًا فَاحْتَبَسْتَهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَقْبِضْ الْأَرْضَ وَلَا الدَّارَ وَلَا الدَّابَّةَ مِنْ صَاحِبِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيَّ شَيْءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا شَيْءَ عَلَيْكَ.
стр. 1648
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا فَلَمْ يَجِدْ الْبَذْرَ أَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يُعْذَرُ عِنْدَ مَالِكٍ بِهَذَا، وَالْكِرَاءُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ لَازِمٌ وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ لَا يُنْتَقَضُ بِمَا ذَكَرْتُ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَلَا بِمَوْتِهِمَا جَمِيعًا وَلَا يُنْقَضُ الْكِرَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ فَحَبَسَهُ فِي السِّجْنِ عَنْ زِرَاعَتِهَا أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي، وَلَكِنْ لِيُكْرِهَا إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا هُوَ.
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ كِرَاءً فَاسِدًا]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ كِرَاءً فَاسِدًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ أَرْضًا إجَارَةً فَاسِدًا مَا عَلَيَّ؟
قَالَ: عَلَيْكَ كِرَاءُ مِثْلِهَا عِنْدَ مَالِكٍ قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ كِرَاءُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا اسْتَأْجَرْتُهَا بِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ وَالْعَلَفِ]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ وَالْعَلَفِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَرْضًا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ مِمَّا لَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِثْلُ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْجُبْنِ وَاللَّبَنِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا مُحَاقَلَةٌ؟
قَالَ: إذَا خِيفَ هَذَا فِي الْكِرَاءِ أَنْ يَكُونَ الْقَمْحُ بِالْقَمْحِ خِيفَ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا الْقَمْحُ بِالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ إلَى أَجَلٍ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ قَالَ: وَكَذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنِي فَسَّرَهُ مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ الْأَرْضَ بِالْمِلْحِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَلَا بِالْأَشْرِبَةِ كُلِّهَا النَّبِيذِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِذَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بِالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ وَلَا بِالثَّمَرِ وَالْمِلْحِ وَلَا بِالصَّبْرِ فَالْأَنْبِذَةُ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ أَرْضًا بِزَيْتِ الْجُلْجُلَانِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ هَذَا طَعَامٌ.
قُلْتُ: أَيَجُوزُ بِزَيْتِ زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَارَى الْأَرْضَ بِالْكَتَّانِ فَرَأَيْتُ بِذَلِكَ زَرِيعَتَهُ أَشَدَّ.
стр. 1649
قُلْتُ: أَفَتَكْرَهُ أَيْضًا أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِالْقُطْنِ؟
قَالَ: أَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّ الْقُطْنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْكَتَّانِ.
قُلْتُ: فَيُكْرَهُ أَنْ يُكْرِيَ الْأَرْضَ بِالْأُصْطُبَّةِ؟
قَالَ: إنَّمَا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهُ مُجْمَلًا وَلَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْأُصْطُبَّةِ، فَالْأُصْطُبَّةُ وَغَيْرُ الْأُصْطُبَّةِ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِالْكَتَّانِ؟ هَذَا الطَّعَامُ كُلُّهُ قَدْ عَلِمْنَا لِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ عِنْدَهُ، فَالْكَتَّانُ لِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ، وَالْكَتَّانُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ الرَّجُلُ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: أَكْرَهُ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَوَجْهُ كَرَاهِيَةِ مَالِكٍ ذَلِكَ أَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا بِشَيْءٍ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ فَيَزْرَعُ ذَلِكَ فِيهَا فَتَكُونُ هَذِهِ الْمُحَاقَلَةُ يَسْتَأْجِرُهَا بِكَتَّانٍ فَيَزْرَعُ فِيهَا كَتَّانًا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَى الْأَرْضَ بِالتِّبْنِ أَوْ بِالْقَضْبِ أَوْ بِالْقَرَظِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْعَلُوفَةِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْكَتَّانِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَالْقَرَظُ وَالْقَضْبُ وَالتِّبْنُ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَكْرَاهَا بِاللَّبَنِ وَالْجُبْنِ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَاهَا بِالشَّاةِ الَّتِي هِيَ اللَّحْمُ أَوْ بِالسَّمَكِ أَوْ بِطَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ لِلسِّكِّينِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا، وَلَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تُكْرَى أَرْضٌ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ وَأَرَى هَذَا مِنْ الطَّعَامِ عِنْدِي.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ وَأَرَى هَذَا مِنْ الطَّعَامِ عِنْدِي، قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدِي مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهَا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْفُلْفُلَ أَهُوَ عِنْدِكَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى بِهِ الْأَرْضُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْفُلْفُلِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَلَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِهِ
قُلْتُ: فَإِنْ أَكْرَاهَا بِلَبَنٍ فِي ضُرُوعِ الْغَنَمِ أَيَجُوزُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يَجُوزُ هَذَا. مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ
стр. 1650
الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ» وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ
قَالَ مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَسَأَلْتُهُ عَنْ كِرَائِهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو خُزَيْمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَرِيفٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ أَتَى قَوْمَهُ بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ: قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ مُصِيبَةٌ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَسُئِلَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ كَانُوا يَكْرُونَ الْأَرْضَ، فَقَالَ: بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ مُسَمًّى، وَيَشْتَرِطُونَ أَنَّ لَنَا مَا نَبَتَ بِمَاذِيَانَاتِ الْأَرْضِ وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ. مَسْلَمَةُ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَوْلًى لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا فَقَالَ: قَالَ لَنَا: مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ قُلْنَا: نُؤَاجِرُهَا عَنْ الرُّبْعِ وَالْأَوْسُقِ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.» وَأَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ بِنَحْوِ هَذَا وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِهَا بِالثُّلُثِ وَلَا بِالرُّبُعِ وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى» هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: «كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَأْخُذُ الْأَرْضَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَبالماذِيَانَاتِ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ» . اللَّيْثُ، عَنْ رَبِيعَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَسَأَلَهُ عَنْ كَرَائِهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِكِرَائِهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ»
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطِّيبِ وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطِّيبِ وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَرْضَ أَيَجُوزُ أَنْ أَتَكَارَاهَا بِجَمِيعِ الطِّيبِ؟
قَالَ: أَمَّا بِالزَّعْفَرَانِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ فَمَا كَانَ مِنْ الطِّيبِ مِمَّا يُشْبِهُ الزَّعْفَرَانَ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ بِالْعُصْفُرِ.
قُلْتُ: وَالْعُودُ وَالصَّنْدَلُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا أَيَجُوزُ وَهَذَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ أَنْ أَتَكَارَى بِهِ الْأَرْضَ؟
قَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا بِالْعُودِ وَالصَّنْدَلِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا.
стр. 1651
قُلْتُ: فَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَيْت الْأَرْضَ بِالْحَطَبِ وَبِالْجُذُوعِ وَبِالْخَشَبِ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُ هَذَا الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ مِنْ الطِّيبِ وَالْخَشَبِ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا الْخَشَبُ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ مَالِكٌ مَا قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَرِيفٍ أَبُو خُزَيْمَةَ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمْ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الدَّرَقِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْمُزَارِعِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِكِرَائِهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسَائِرِ وَلَدِهِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ: أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بَأْسًا. ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ كَانَ يُكْرِي بَيَاضَ أَرْضِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَكَارَى أَرْضًا فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى مَاتَ. قَالَ ابْنُهُ: فَمَا كُنْتُ أَرَى إلَّا أَنَّهَا لَنَا مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى ذَكَرَهَا لَنَا عِنْدَ مَوْتِهِ. أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُكْرِي أَرْضًا لَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ بِثَمَانِينَ دِينَارًا؛ إلَّا أَنْ ابْنَ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: بِذَهَبٍ. وَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَعْطَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَرْضًا لَهُ زَارَعَهُ إيَّاهَا عَلَى النِّصْفِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتُحِبُّ أَنْ تَأْكُلَ الرِّبَا وَنَهَاهُ عَنْهُ» . ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُعْطِي صَاحِبَهُ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ عَلَى النِّصْفِ أَوْ الرُّبْعِ فَقَالَ: لَا يَصْلُحُ.
стр. 1652
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالشَّجَرِ وَالْقَصِيلِ]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالشَّجَرِ وَالْقَصِيلِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ مِنْكَ أَرْضًا بِشَجَرٍ لِي عَلَى أَنَّ لَكَ الشَّجَرَ بِأُصُولِهَا أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَذَا عِنْدِي إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الشَّجَرِ يَوْمَ تَكَارَى الْأَرْضَ ثَمَرَةٌ فَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَ شِرَاءَ الشَّجَرِ وَفِيهَا ثَمَرٌ بِالطَّعَامِ، وَإِنْ كَانَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ قَالَ: وَلِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَ اسْتِكْرَاءَ الْأَرْض بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اشْتَرَى أَصْلَ الْأَرْضِ الَّتِي تَكَارَاهَا بِتِلْكَ الشَّجَرِ، وَفِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ابْتَاعَ أَرْضًا بِحِنْطَةٍ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ إذَا تَعَجَّلَ الْحِنْطَةَ. قَالَ: وَإِنْ أَخَّرَ الْحِنْطَةَ إلَى أَجَلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ نَخْلًا بِثَمَرٍ إلَى أَجَلٍ يَسْتَأْخِرُ فِيهِ الْأَجَلَ حَتَّى يُثْمِرَ فِيهِ النَّخْلُ وَهُوَ مِثْلُ اشْتِرَاءِ الشَّاةِ الَّتِي لَا لَبَنَ فِيهَا بِاللَّبَنِ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَكُونُ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ كَتَّانًا بِثَوْبِ كَتَّانٍ إلَى أَجَلٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَتَّانِ ثَوْبٌ لَمَا كَانَ فِيهِ خَيْرٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَلَوْ بَاعَ ثَوْبَ كَتَّانٍ بِكَتَّانٍ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يَكُونُ مِنْهُ كَتَّانٌ وَالْكَتَّانُ يَكُونُ مِنْهُ ثَوْبٌ، وَلَوْ بَاعَ كَتَّانًا بِثَوْبٍ إلَى أَجَلٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ الْكَتَّانِ ثَوْبٌ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ لِقُرْبِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّعِيرُ بِالْقَصِيلِ إلَى أَجَلٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ الْقَصِيلُ مِنْ الشَّعِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ إلَيْهِ الْقَصِيلُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: وَالْقَصِيلُ بِالشَّعِيرِ إلَى أَجَلٍ لَا بَأْسَ بِهِ بَعُدَ الْأَجَلُ أَوْ قَرُبَ.
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالْأَرْضِ]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالْأَرْضِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ أَرْضًا بِأَرْضٍ أُخْرَى أَعْطَيْته أَرْضِي وَأَعْطَانِي أَرْضَهُ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ، وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُكْرِي دَارِهِ بِدَارٍ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَكْرَى أَرْضَهُ مِنِّي نَزْرَعُهَا الْعَامَ بِأَرْضٍ لِي يَزْرَعُهَا هُوَ الْعَامَ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَرْضَكَ هَذِهِ أَزْرَعُهَا الْعَامَ بِنَفْسِي بِزِرَاعَتِكَ أَرْضِي هَذِهِ الْأُخْرَى بِنَفْسِكَ قَابِلًا أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَتْ
стр. 1653
الْأَرَضُونَ مَأْمُونَةً؛ لِأَنَّ النَّقْدَ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي الْأَرَضِينَ الْمَأْمُونَةِ وَلِأَنَّ قَبْضَ الْأَرْضِ نَقْدًا بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَبِيعُ السِّلْعَةَ الْغَائِبَةَ بِسِلْعَةٍ حَاضِرَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُدَ الْحَاضِرَةَ وَإِنْ كَانَتْ عَرَضًا بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَكَذَلِكَ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ أَرْضَكَ هَذِهِ السَّنَةَ أَزْرَعُهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَدْفَعُهَا إلَيْك عَلَى عَشْرِ سِنِينَ عَلَى أَنْ أَقْبِضَ الْأَرْضَ مِنْكَ قَابِلًا فَأَزْرَعُهَا قَابِلًا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَدْ بَيَّنَّا هَذَا وَمِثْلَهُ فِي الْكِرَاءِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْعُرُوض وَالْحَيَوَانُ وَغَيْرُهُمَا، وَالثِّمَارُ تَكُونُ بِبَلَدٍ فَيَشْتَرِيهَا مِنْ صَاحِبِهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَهَا بِذَلِكَ الْبَلَدِ، وَالثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ وَجْهِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
[الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ أَرْضًا بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذْت مِنْهُ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ يَدًا بِيَدٍ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
[الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ إلَى أَجَلٍ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مَكَانَهَا طَعَامًا أَوْ إدَامًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذْت بِذَلِكَ مِنْهُ طَعَامًا أَوْ إدَامًا أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ لَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُكْرِيَ بِهِ أَرْضَكَ فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَصْرِفَ فِيهِ كِرَاءَ أَرْضِكَ، وَمَا كَانَ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُكْرِي بِهِ أَرْضَكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَصْرِفَ فِيهِ كِرَاءَ أَرْضِكَ.
[الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يُشْتَرَطُ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يُشْتَرَطُ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ آجَرْت أَرْضًا بِدَرَاهِمَ عَلَى أَنْ آخُذَ بِهَا دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ بِكُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِينَارًا أَيَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا سَمَّى عِدَّةَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَوَقَعَتْ الصَّفْقَةُ بِهَا.
стр. 1654
قُلْتُ: فَإِنْ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرَطَ الدَّنَانِيرَ بَعْدَ وُقُوعِ الصَّفْقَةِ؟
قَالَ: الْكِرَاءُ جَائِزٌ بِالدَّرَاهِمِ، وَاشْتِرَاطُهُ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِالدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ يَدًا بِيَدٍ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ.
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الَّتِي وَقَعَ الْكِرَاءُ بِهَا إلَى أَجَلٍ فَأَخَذَ بِهَا دَنَانِيرَ مُعَجَّلَةً وَإِنَّمَا وَقَعَتْ صَفْقَةُ الْكِرَاءِ بِالدَّرَاهِمِ أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا.
قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَقَعَتْ صَفْقَةٌ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ بِكُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِينَارًا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكُلُّ صَفْقَةٍ وَقَعَتْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَكَانَ فِي لَفْظِهِمَا مَا يُفْسِدُ الصَّفْقَةَ، وَفِعْلُهُمَا حَلَالٌ فَإِنَّكَ تُجِيزُ الصَّفْقَةَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى لَفْظِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
[الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِدَرَاهِمَ وَخَمْرٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِدَرَاهِمَ وَخَمْرٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا بِدَرَاهِمَ وَخَمْرٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً أَتَجُوزُ حِصَّةُ الدَّرَاهِمِ أَمْ لَا؟
قَالَ: إذَا بَطَل بَعْضُ الصَّفْقَةِ هَاهُنَا بَطَلَتْ كُلُّهَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا قَوْلُهُ.
قُلْتُ: وَكُلُّ صَفْقَةٍ وَقَعَتْ بِحَلَالٍ وَحَرَامٍ بَطَلَتْ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا فِي قَوْل مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا فِي مَسْأَلَتِكَ الَّتِي سَأَلْتَ عَنْهَا فَإِنَّ الصَّفْقَةَ كُلَّهَا تَبْطُلُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَمَّا لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِي مِائَةَ دِينَارٍ أُخْرَى فَإِنَّ هَذِهِ الصَّفْقَةَ تَبْطُلُ جَمِيعُهَا إلَّا أَنْ يَرْضَى بَائِعُ الْعَبْدِ أَنْ يَدَعَ السَّلَفَ وَلَا يَأْخُذَهُ، فَإِنْ أَبْطَلَ سَلَفَهُ، وَرَضِيَ أَنْ يَأْخُذَ الْمِائَةَ فِي ثَمَنِ عَبْدِهِ وَيَتْرُكَ الْقَرْضَ الَّذِي اشْتَرَطَ جَازَ الْبَيْعُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الَّذِي أَكْرَى أَرْضَهُ بِخَمْرٍ وَدَرَاهِمَ: أَنَا أَتْرُكُ الْخَمْرَ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اكْتَرَى الْأَرْضَ بِخَمْرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ إذَا اكْتَرَى بِخَمْرٍ وَدَرَاهِمَ صَارَتْ الْخَمْرُ مُشَاعَهُ فِي جَمِيعِ الصَّفْقَةِ.
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِصُوفٍ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِصُوفٍ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ آجَرْت الْأَرْضَ بِصُوفٍ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: هُوَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا كَانَ يَأْخُذُ فِي جِزَازِهَا.
стр. 1655
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ فِي جِزَازِهَا إلَى خَمْسَةِ أَيَّامٍ أَوْ عَشَرَةٍ؟
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا قَرِيبٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: شِرَاءُ الصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ إلَى خَمْسَةِ أَيَّامٍ أَوْ إلَى عَشَرَةٍ أَجَلٌ قَرِيبٌ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
[اُكْرِي أَرْضَهُ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ فَسَخَهَا فِي عَرَضٍ بِعَيْنِهِ إلَى الْأَجَلِ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَسَخَهَا فِي عَرَضٍ بِعَيْنِهِ إلَى الْأَجَلِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ أَرْضِي هَذِهِ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذْت مِنْكَ ثِيَابًا بِعَيْنِهَا أَقْبِضُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ الثِّيَابَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ وَجْهِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
قُلْتُ: فَلِمَ، وَإِنَّمَا هَذَا شَيْءٌ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مَا كَانَ فِي ذِمَّةِ الرَّجُلِ؟
قَالَ: هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ فَهُوَ يُحْمَلُ مَحْمَلَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، سَحْنُونٌ وَكَانَ الْبَائِعُ وَضَعَ لَهُ مِنْ ثَمَنِ الثِّيَابِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِمَا حَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَصَارَ كَأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً فَصَارَ مَا أَخَّرَ عَنْهُ يَأْخُذُ بِهِ سِلْعَةً بِعَيْنِهَا إلَى أَجَلٍ.
[الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِثِيَابٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ بِثِيَابٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُهُ أَرْضِي بِثِيَابٍ مَوْصُوفَةٍ وَلَمْ أَضْرِبْ لِلثِّيَابِ أَجَلًا أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الْكِرَاءُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، فَلَا يَجُوزُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ حَتَّى يَضْرِبَ لِلثِّيَابِ أَجَلًا؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ إذَا اشْتَرَاهَا الرَّجُلُ مَوْصُوفَةً لَيْسَتْ بِأَعْيَانِهَا لَمْ يَصْلُحْ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لَهَا أَجَلًا عِنْدَ مَالِكٍ.
[الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ أَوْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ وَيَشْتَرِطَانِ الْخِيَارَ]
فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ أَوْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ وَيَشْتَرِطَانِ الْخِيَارَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ بَيْعٍ أَوْ كِرَاءٍ كَانَ فِيهِ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ أَوْ الْبَائِعُ أَوْ كَانَ الْخِيَارُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا، وَلَمْ يَضْرِبَا لِلْخِيَارِ أَجَلًا أَتَكُونُ هَذِهِ صَفْقَةً فَاسِدَةً؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى الْبَيْعَ جَائِزًا وَالْكِرَاءَ جَائِزًا، وَلَكِنْ يُرْفَعُ هَذَا إلَى السُّلْطَانِ فَيُوقَفُ الَّذِي كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، فَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ إذَا كَانَ قَدْ مَضَى لِلْبَيْعِ مُدَّةُ مَا يَخْتَبِرُ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْتَبِرْ ضَرَبَ لَهُ السُّلْطَانُ بِقَدْرِ مَا يَرَى.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا أَوْ اشْتَرَيْت سِلْعَةً عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ وَالْبَائِعُ أَيْضًا مَعِي بِالْخِيَارِ نَحْنُ جَمِيعًا بِالْخِيَارِ أَيَجُوزُ هَذَا الشِّرَاءُ أَوْ الْكِرَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
стр. 1656
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَحَدُهُمَا أَنَا أَخْتَارُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَرُدُّ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ رَدَّ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[اكْتَرَى أَرْضًا عَلَى إنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَكِرَاؤُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ وَإِنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَخَمْسُونَ دِرْهَمًا]
فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ عَلَى إنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَكِرَاؤُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ وَإِنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَكِرَاؤُهَا خَمْسُونَ دِرْهَمًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت مِنْ رَجُلٍ أَرْضَهُ هَذِهِ السَّنَةَ، فَإِنْ زَرَعْتهَا حِنْطَةً فَكِرَاؤُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ زَرَعْتهَا شَعِيرًا فَكِرَاؤُهَا خَمْسُونَ دِرْهَمًا؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَقَعَتْ بِمَا لَا يَعْلَمُ مَا هِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا الْمُتَكَارِي وَلَا رَبُّ الْأَرْضِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا مِنْ وَجْهِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
[أَكْرِي أَرْضًا بِثَمَنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي الْأَرْضَ بِالثَّمَنَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ أَيَّهُمَا شَاءَ الْمُكْتَرِي أَخَذَ أَوْ الْمُتَكَارِي أَعْطَى قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَرْضَكَ هَذِهِ السَّنَةَ بِعَشْرَةِ أَرَادِبَ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ بِعِشْرِينَ إرْدَبًّا مَنْ شَعِيرٍ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ أَيَّهمَا شِئْت أَوْ عَلَى أَنْ أُعْطِيَك أَيَّهمَا شِئْت أَنَا إنْ شِئْت الْحِنْطَةَ وَإِنْ شِئْت الشَّعِيرَ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ أَوْ الشَّعِيرُ حَاضِرَةً بِعَيْنِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ بِعَيْنِهَا فَذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَرْضًا بِهَذَا الثَّوْبِ أَوْ بِهَذِهِ الشَّاةِ بِخِيَارِ أَحَدِهِمَا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ وَجْهٍ أَنَّهُ غَرَرٌ وَمِنْ وَجْهٍ أَنَّهُ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الشَّاةِ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ أَوْ بِهَذِهِ الْأُخْرَى يَخْتَارُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، وَالسِّلْعَتَانِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ تُسْلَفَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فِي الْأُخْرَى؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا كَانَ ذَلِكَ يُلْزِمُ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ أَوْ يُلْزِمَ الْبَائِعَ أَنْ يَبِيعَ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ فَأَمَّا إنْ كَانَ إنْ شَاءَ الْبَائِعُ بَاعَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
[الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ مِنْ رَجُلٍ يَزْرَعُهَا فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فَبَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ مِنْ رَجُلٍ يَزْرَعُهَا فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فَبَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ أَرْضًا مَنْ رَجُلٍ يَزْرَعُهَا قَضْبًا أَوْ قَصِيلًا أَوْ بَقْلًا أَوْ قَمْحًا أَوْ
стр. 1657
شَعِيرًا أَوْ قُطْنِيَّةً فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ فَذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نِصْفَيْنِ أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نِصْفَيْنِ وَعَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نِصْفَيْنِ أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: اغْرِسْهَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا فَإِذَا بَلَغَتْ النَّخْلُ كَذَا وَكَذَا سَعَفَةً أَوْ الشَّجَرُ إذَا بَلَغَتْ كَذَا وَكَذَا، فَالْأَرْضُ وَالشَّجَرُ وَالنَّخْلُ بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَيْنِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: الشَّجَرُ بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ الْأَرْضُ بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَيْنِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ كَانَ اشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ مَوْضِعَهَا مِنْ الْأَرْضِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّ لَهُ مَوْضِعَ أَصْلِهَا مِنْ الْأَرْضِ وَشَرَطَ لَهُ تَرْكَ النَّخْلِ فِي أَرْضِهِ حَتَّى يَبْلَى فَلَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
[أَكْرِي أَرْضَهُ مِنْ رَجُلٍ يَزْرَعُهَا حِنْطَةً عَلَى أَنَّ لَهُ طَائِفَةً أُخْرَى مِنْ أَرْضِهِ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ مِنْ رَجُلٍ يَزْرَعُهَا حِنْطَةً مِنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ طَائِفَةً أُخْرَى مِنْ أَرْضِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَرْضًا لِي يَزْرَعُهَا بِحِنْطَةٍ مَنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى مِنْ أَرْضِي يَزْرَعُهَا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَكْرَى أَرْضَهُ بِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: اغْرِسْ لِي أَرْضِي هَذِهِ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا بِهَذِهِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مِنْ أَرْضِي أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: لِمَ أَجَازَ مَالِكٌ هَذَا، وَالنَّخْلُ وَالشَّجَرُ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ؟
قَالَ: لَيْسَ هَذَا طَعَامًا وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا تُنْبِتُ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا لَا تُنْبِتُهُ مِنْ الطَّعَامِ، وَالْأُصُولُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبِ، وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُكْرَى بِهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْتُ إلَى رَجُلٍ أَرْضِي يَزْرَعُهَا بِحَبٍّ مِنْ عِنْدِي عَلَى أَنَّ لَهُ طَائِفَةً أُخْرَى مِنْ أَرْضِي لَيْسَ هُوَ مِمَّا يَزْرَعُ لِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا جَائِزٌ.
[اكْتِرَاءِ ثُلُثِ الْأَرْضِ أَوْ رُبْعِهَا أَوْ اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ الْأَذْرُعِ]
فِي اكْتِرَاءِ ثُلُثِ الْأَرْضِ أَوْ رُبْعِهَا أَوْ اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ الْأَذْرُعِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثُلُثَ أَرْضٍ أَوْ رُبْعَهَا أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
стр. 1658
قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا وَلَكِنَّ الْكِرَاءَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ رُبْعَهَا أَوْ خُمْسَهَا، قَالَ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَكْرَى رُبْعَ دَارِهِ أَوْ خُمْسَ دَارِهِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَسْتَأْجِرَ الْأَرْضَ بِالْأَذْرُعِ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: أُكْرِيكَ مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ أَرْضِي مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُخْتَلِفَةً وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مَوْضِعًا مَعْلُومًا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً فَلَا يَجُوزُ لَهُ حَتَّى يُسَمِّيَ لَهُ الْمَوْضِعَ، وَهَذَا رَأْيِي.
[الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ لِلزَّرْعِ وَفِيهَا نَخْلٌ أَوْ شَجَرٌ]
فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ لِلزَّرْعِ وَفِيهَا نَخْلٌ أَوْ شَجَرٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَرْضًا بَيْضَاءَ لِلزَّرْعِ وَفِيهَا نَبْذٌ مَنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ لِمَنْ تَكُونُ ثَمَرَةُ تِلْكَ الشَّجَرِ أَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَمْ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الثَّمَرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّجَرُ الثُّلُثَ فَأَدْنَى فَاشْتَرَطَهُ الْمُتَكَارِي فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَاشْتَرَطَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَكَانَ الْكِرَاءُ فَاسِدًا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَاشْتَرَطَهَا وَزَرَعَ عَلَى هَذَا؟
قَالَ: الثَّمَرَةُ عِنْدَ مَالِكٍ لِصَاحِبِهَا وَيَقُومُ عَلَى الْمُتَكَارِي كِرَاءُ الْأَرْضِ بِغَيْرِ ثَمَرَةٍ وَيُعْطَى الْمُتَكَارِي أَجْرَ مَا سَقَى بِهِ الثَّمَرَةَ إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ أَوْ سَقْيٌ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ إنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا، وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ بَقْلٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ فَاشْتَرَطْتُهُ لِنَفْسِي حِينَ اكْتَرَيْت الْأَرْضَ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الشَّيْءُ التَّافِهُ الْيَسِيرُ جَازَ ذَلِكَ وَلَسْت أَبْلُغُ بِهِ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الْأَرْضَ أَوْ الدَّارَ وَفِيهَا النَّخَلَاتُ أَوْ السِّدْرَةُ أَوْ الدَّالِيَةُ وَفِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَيَشْتَرِطُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَا ثَمَرَ فِيهَا فَاشْتَرَطَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرِهَا لِنَفْسِهِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَلَا صَاحِبُ الْكِرَاءِ نِصْفَ مَا فِي شَجَرِهِ أَوْ نِصْفَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا كَمَا يَجُوزُ لِمُسَاقِي النَّخْلِ أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَ مَا يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ إذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ فِي هَذَا أَنْ يَشْتَرِطَ
стр. 1659
نِصْفَ الثَّمَرِ أَوْ نِصْفَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، قَالَ مَالِكٌ:؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ.
[أَكْرِي أَرْضَهُ وَاشْتَرَطَ تَكْرِيبَهَا أَوْ تَزْبِيلَهَا أَوْ حَرْثَهَا]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الْمُكْتَرِي تَكْرِيبَهَا أَوْ تَزْبِيلَهَا أَوْ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ حَرْثَهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُكَ أَرْضِي هَذِهِ السَّنَةَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ اشْتَرَطْت عَلَيْكَ أَنْ لَا تَزْرَعَهَا حَتَّى تُكْرِبَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَتَزْرَعُهَا فِي الْكِرَابِ الرَّابِعِ، وَفِي هَذَا مَنْفَعَةٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ أَرْضَهُ تَصْلُحُ عَلَى هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُهُ أَرْضِي وَشَرَطْت عَلَيْهِ أَنْ يُزَبِّلَهَا؟
قَالَ: إذَا كَانَ الَّذِي يُزَبِّلُهَا بِهِ شَيْئًا مَعْرُوفًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْكِرَاءِ وَالْبَيْعِ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت مِنْكَ أَرْضًا بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنَّ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ حَرْثَهَا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ يَجُوزُ.
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ الْغَائِبَةِ وَالنَّقْدِ فِي ذَلِكَ]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ الْغَائِبَةِ وَالنَّقْدِ فِي ذَلِكَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت مِنْكَ دَارًا وَلَمْ أَرَهَا، أَوْ اكْتَرَيْت مِنْكَ أَرْضًا وَلَمْ أَرَهَا أَيَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: إذَا وَصَفَاهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: الْكِرَاءُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، وَقَالَ فِي الْبُيُوعِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّلْعَةِ الْغَائِبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ رَآهَا أَوْ اشْتَرَاهَا عَلَى صِفَةٍ، فَكَذَلِكَ الْأَرْضُ وَالدُّورُ فِي الْكِرَاءِ إنَّمَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ إذَا رَآهَا أَوْ وُصِفَتْ لَهُ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَأَيْت أَرْضًا أَوْ دَارًا مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ فَاكْتَرَيْتُهَا عَلَى تِلْكَ الرُّؤْيَةِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا كَانَ بَيْنَ اكْتِرَائِهِ وَنَظَرِهِ إلَيْهَا الْأَمْرُ الْقَرِيبُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ دَارًا فِي بَلَدٍ غَائِبَةٍ عَنْهُ إذَا وُصِفَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَالنَّقْدُ فِي الدُّورُ وَالْأَرَضِينَ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
[الرَّجُلِ يُكْرِي مَرَاعِيَ أَرْضِهِ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي مَرَاعِيَ أَرْضِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ أَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ مَرَاعِيَ أَرْضِهِ؟
قَالَ: قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مَرَاعِيَ أَرْضِهِ سَنَةً وَاحِدَةً وَلَا يَبِيعَهَا سَنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً وَلَا يَبِيعَ مَرَاعِيَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطِيبَ
стр. 1660
مَرَاعِيهَا وَيَبْلُغَ الْخِصْبُ أَنْ يَرْعَى فِيهَا وَلَا يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ خِصْبُهَا. أَشْهَبُ: نُخَالِفُهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ.
[الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَ امْرَأَتِهِ وَالْوَصِيِّ يُكْرِي أَرْضَ يَتِيمِهِ]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَ امْرَأَتِهِ وَالْوَصِيِّ يُكْرِي أَرْضَ يَتِيمِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُؤَاجِرُ أَرْضَ امْرَأَتِهِ وَدُورَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ يَتِيمًا فِي حِجْرِي تَكَارَيْتُ أَرْضَهُ لِأَزْرَعَهَا لِنَفْسِي أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ: لَا أُحِبُّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا، فَهَذَا مِثْلُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ مِثْلَ هَذَا وَاكْتَرَى الْوَصِيُّ فِي مَسْأَلَتِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اشْتَرَى الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَأَرَى أَنْ يُعَادَ فِي السُّوقِ، فَإِنْ زَادُوهُ بَاعُوهُ وَإِلَّا لَزِمَ الْوَصِيُّ بِاَلَّذِي اشْتَرَى فَكَذَلِكَ الْكِرَاءُ عِنْدِي إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَتْ أَيَّامُ الْكِرَاءِ فَيَسْأَلُ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ غَرِمَهُ الْوَصِيُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ كَانَ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ الَّذِي اكْتَرَى بِهِ.
[أَكْرِي أَرْضًا فَزَرَعَهَا وَحَصَدَ زَرْعَهُ فَنُثِّرَ مِنْهُ فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَنَبِتْ قَابِلًا]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي الْأَرْضَ فَيَزْرَعُهَا وَيَحْصُدُ زَرْعَهُ فَيَنْثُرُ مِنْ زَرْعِهِ فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَيُنْبِتُ قَابِلًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زَرَعْت أَرْضَ رَجُلٍ شَعِيرًا فَحَصَدْتُ مِنْهَا شَعِيرًا فَانْتَثَرَ مِنْهُ حَبٌّ كَثِيرٌ فَنَبَتَ قَابِلًا فِي أَرْضِهِ لِمَنْ يَكُونُ ذَلِكَ؟
قَالَ: أَرَاهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ.
وَلَا يَكُونُ لِلزَّارِعِ شَيْءٌ لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ زَرَعَ أَرْضًا فَحَمَلَ السَّيْلُ زَرْعَهُ إلَى أَرْضِ رَجُلٍ آخَرَ فَنَبَتَ فِي أَرْضِهِ؛ قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ لِلزَّارِعِ وَأَرَى الزَّرْعَ لِلَّذِي جَرَّهُ السَّيْلُ إلَيْهِ.
[اشْتَرَى زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَحْصُدَهُ ثُمَّ اكْتَرِي الْأَرْضَ فَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَهُ]
فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الزَّرْعَ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَحْصُدَهُ ثُمَّ يَكْتَرِي الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُرِيدُ أَنْ يَتْرُكَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ اشْتَرَيْت زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَاسْتَأْذَنْتُ رَبَّ الْأَرْضِ فِي أَنْ أَتْرُكَ الزَّرْعَ فِي أَرْضِهِ فَأَذِنَ لِي بِذَلِكَ أَوْ اكْتَرَيْت الْأَرْضَ مِنْهُ أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أُقِرَّ الزَّرْعَ فِيهَا حَتَّى يَبْلُغَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ أَحْصُدَهُ ثُمَّ اشْتَرَيْت الْأَرْضَ أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَدَعَ الزَّرْعَ حَتَّى يَبْلُغَ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
стр. 1661
[اكْتَرِي أَرْضًا بِعَبْدِ بِعَيْنِهِ فَزَرَعَ الْأَرْضَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ]
فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ بِالْعَبْدِ أَوْ بِالثَّوْبِ أَوْ بِالْعَرَضِ بِعَيْنِهِ فَيَزْرَعُ الْأَرْضَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ الْأَرْضُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الثَّوْبُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا بِعَبْدٍ أَوْ بِثَوْبٍ فَزَرَعْتُ الْأَرْضَ وَاسْتُحِقَّ الْعَبْدُ أَوْ الثَّوْبُ مَا يَكُونُ عَلَيَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: عَلَيْكَ قِيمَةُ كِرَاءِ الْأَرْضِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتهَا بِحَدِيدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِرَصَاصٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِنُحَاسٍ بِعَيْنِهِ فَاسْتُحِقَّ ذَلِكَ الْحَدِيدُ أَوْ النُّحَاسُ أَوْ الرَّصَاصُ وَقَدْ عَرَفْنَا وَزْنَهُ أَيَكُونُ عَلَيَّ مِثْلُ وَزْنِهِ أَوْ يَكُونُ عَلَيَّ مِثْلُ كِرَاءِ الْأَرْضِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ أَوْ يَحْرُثَهَا أَوْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا عَمَلٌ - يُفْسَخُ الْكِرَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ فِيهَا عَمَلًا أَوْ زَرْعًا كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا.
[اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ مِنْ الذِّمِّيِّ]
فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ مِنْ الذِّمِّيِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَكْتَرِيَ أَرْضَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ كِرَاءَ أَرْضِ الْجِزْيَةِ، قَالَ: وَأَمَّا إذَا أَكْرَى الْمُسْلِمُ أَرْضَهُ مَنْ ذِمِّيٍّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ الذِّمِّيُّ يَغْرِسُ فِيهَا شَجَرًا يَعْصِرُ مِنْهَا خَمْرًا.
[يُكْرِي أَرْضَهُ مِنْ رَجُلٍ سَنَةً ثُمَّ يُكْرِيهَا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ سَنَةً أُخْرَى بَعْدَ السَّنَةِ الْأُولَى]
فِي الرَّجُلِ يُكْرِي أَرْضَهُ مِنْ رَجُلٍ سَنَةً ثُمَّ يُكْرِيهَا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ سَنَةً أُخْرَى بَعْدَ السَّنَةِ الْأُولَى قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ رَجُلًا أَرْضِي هَذِهِ السَّنَةَ ثُمَّ أَكْرَيْتُهَا مَنْ رَجُلٍ آخَرَ سَنَةً أُخْرَى بَعْدَ الْأُولَى؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. سَحْنُونٌ: وَقَدْ وَصَفْنَا مِثْلَ هَذَا.
[الرَّجُلِ يَكْتَرِي أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنْ رَجُلٍ فَيَجُورُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ]
فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنْ رَجُلٍ فَيَجُورُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَرْضَ إذَا اكْتَرَيْتهَا مِنْ رَجُلٍ فَأَتَانِي السُّلْطَانُ فَأَخَذَ مِنِّي الْخَرَاجَ فَجَار عَلَيَّ أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَكْرَانِي الْأَرْضَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى إنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ لَمْ يُؤَدِّ الْخَرَاجَ إلَى السُّلْطَانِ وَلَمْ يَأْخُذَ السُّلْطَانُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَرَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِخَرَاجِ الْأَرْضِ وَلَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا جَارَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ فَلَا أَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا زَادَ السُّلْطَانُ عَلَى أَصْلِ الْخَرَاجِ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 1662
[مُتَكَارِي الْأَرْضَ يُفْلِسُ]
فِي مُتَكَارِي الْأَرْضَ يُفْلِسُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ رَجُلًا أَرْضًا فَزَرَعَهَا وَلَمْ أَنْتَقِدْ الْكِرَاءَ فَفَلِسَ الْمُكْتَرِي مَنْ أَوْلَى بِالزَّرْعِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الْأَرْضِ أَوْلَى بِالزَّرْعِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ كِرَاءَهُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ.
قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي أَرْضِهِ وَهُوَ أَوْلَى بِهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يُكْرِي دَارِهِ سَنَةً فَيُفْلِسُ الْمُكْتَرِي إنَّ الَّذِي اكْتَرَى أَوْلَى بِسُكْنَى الدَّارِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْكُنْ فَهُوَ أَوْلَى بِجَمِيعِ السُّكْنَى وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبِلِ يَتَكَارَاهَا الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَيْهَا بَزَّهُ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَيُفْلِسُ الْجَمَّالُ أَوْ الْبَزَّازُ أَيُّهُمَا فَلِسَ، إنْ فَلِسَ الْجَمَّالُ فَالْبَزَّازُ أَوْلَى بِالْإِبِلِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رُكُوبَهُ إلَّا أَنْ يَضْمَنُوا الْغُرَمَاءُ حُمْلَانَهُ وَيَكْتَرُوا لَهُ مِنْ أَمْلِيَاءٍ ثُمَّ يَأْخُذُونَ الْإِبِلَ فَيَبِيعُونَهَا فِي دَيْنِهِمْ، وَإِنْ أَفْلَسَ الْبَزَّازُ فَالْجَمَّالُ أَوْلَى بِالْبَزِّ إذَا كَانَ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ كِرَاءَهُ. قَالَ سَحْنُونٌ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَضْمُونًا وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ الْغُرَمَاءُ حُمْلَانَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَكْرَاهُ إلَى مَكَّةَ فَفَلِسَ الْبَزَّازُ بِبَعْضِ الْمَنَاهِلِ كَيْفَ يَصْنَعُ الْجَمَّالُ؟
قَالَ: الْجَمَّالُ أَحَقُّ بِالْبَزِّ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ كِرَاءَهُ إلَى مَكَّةَ وَيُبَاعَ الْبَزُّ وَيُقَالَ لِلْغُرَمَاءِ اكْتَرَوْا الْإِبِلَ إلَى مَكَّةَ إنْ أَحْبَبْتُمْ فِي مِثْلِ مَا كَانَ لِصَاحِبِكُمْ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ تَكَارَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضَهُ ثُمَّ مَاتَ الزَّارِعُ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ أَفْلَسَ الزَّارِعُ فَصَاحِبُ الْأَرْضِ أَوْلَى بِالزَّرْعِ، وَمَنْ تَكَارَى إبِلًا فَحَمَلَ عَلَيْهَا مَتَاعًا أَوْ دَفَعَ إلَى صَانِعٍ مَتَاعًا يَصْنَعُهُ أَوْ يَخِيطُهُ أَوْ يَغْسِلُهُ كَانَ الْمُكْرِي أَوْ الصَّانِعُ أَوْلَى بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
[الْإِقَالَةِ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ بِزِيَادَةِ دَرَاهِمَ]
فِي الْإِقَالَةِ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ بِزِيَادَةِ دَرَاهِمَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اكْتَرَيْت أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ فَنَدِمْتُ فَطَلَبْتُ إلَيْهِ أَنْ يُقِيلَنِي فَأَبَى فَزِدْتُهُ دَرَاهِمَ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
стр. 1663
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
[كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ]
ِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ اسْتِثْنَاءِ الْبَيَاضِ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت نَخْلًا مُسَاقَاةً عَلَى أَنَّ لِي جَمِيعَ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ أَجَازَهُ مَالِكٌ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ، يَدْفَعُهُ إلَيْكَ مُقَارَضَةً عَلَى أَنَّ لَكَ رِبْحَهُ، وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ لَكَ نِصْفَ الثَّمَرَةِ بِعَمَلِكَ فِي الْحَائِطِ، جَازَ أَنْ يَتْرُكَ لَكَ الثَّمَرَةَ كُلَّهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ نَخْلًا مُسَاقَاةً، مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ، فَدَفَعْتُهَا مُعَامَلَةً عَلَى النِّصْفِ كُلَّهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقَاةَ أَتَجُوزُ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ» .
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَكَانَ بَيَاضُ خَيْبَرَ تَبَعًا لِسَوَادِهَا، وَكَانَ يَسِيرًا بَيْنَ أَضْعَافِ السَّوَادِ. اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ حَائِطَهُ، يَسْقِيهِ عَلَى النِّصْفِ أَوْ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ. فَأَمَّا أَنْ يُسَاقِيَهُ بِكَيْلٍ مَعْرُوفٍ فَلَا. ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِ فِي خِلَافَتِهِ، وَعُثْمَانُ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ فِي بَيْعِ الثَّمَرِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ: أَنْ تُبَاعَ كُلُّ أَرْضٍ ذَاتِ أَصْلٍ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ رُبْعِهِ أَوْ الْجُزْءِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا بِمَا يَتَرَاضَوْنَهُ. وَلَا تُبَاعُ بِشَيْءٍ سِوَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَأَنْ يُبَاعَ الْبَيَاضُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ الْأُصُولِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ. ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ فِيهَا الْأَصْلُ وَالْبَيَاضُ: أَيُّهُمَا كَانَ رِدْفًا أُلْغِيَ، وَاكْتُرِيَتْ بِكِرَاءِ أَكْثَرِهِمَا إنْ كَانَ
стр. 1664
الْبَيَاضُ أَفْضَلَهُمَا اُكْتُرِيَتْ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ. وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ أَفْضَلَهُمَا، اُكْتُرِيَتْ بِالْجُزْءِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرِهِ، وَأَيُّهُمَا كَانَ رِدْفًا أُلْغِيَ وَحُمِلَ كِرَاؤُهُ عَلَى كِرَاءِ صَاحِبِهِ.
[مُسَاقَاةُ النَّخْلِ الْغَائِبَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَاقَيْت رَجُلًا حَائِطًا لِي بِالْمَدِينَةِ، وَنَحْنُ بِالْفُسْطَاطِ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْمُسَاقَاةُ فِيمَا بَيْنَنَا؟
قَالَ: إذَا وَصَفْتُمَا الْحَائِطَ فَلَا بَأْسَ بِالْمُسَاقَاةِ فِيمَا بَيْنَكُمَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ نَخْلًا، يَكُونُ لَهُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، وَيَصِفُ النَّخْلَ إذَا بَاعَ، فَإِنْ لَمْ يَصِفْ النَّخْلَ حِينَ بَاعَ، فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ. فَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ عِنْدِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ خَرَجْتُ إلَى الْمَدِينَةِ، أُرِيدُ أَنْ أَعْمَلَ فِي الْحَائِطِ الَّذِي أَخَذْته مُسَاقَاةً. أَيْنَ نَفَقَتِي؟ وَعَلَى مَنْ هِيَ؟
قَالَ: عَلَيْكَ نَفَقَتُكَ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْقِرَاضَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعَامِلِ فِي الْحَائِطِ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ.
[رَقِيقُ الْحَائِطِ وَدَوَابُّهُ وَعُمَّالُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَأْخُذُ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ مُسَاقَاةً، أَيَكُونُ جَمِيعُ الْعَمَلِ مِنْ عِنْدِ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْحَائِطِ دَوَابُّ أَوْ غِلْمَانٌ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الْحَائِطِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُمُ الْمُسَاقِي فِي الْحَائِطِ، وَأَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ الْحَائِطِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا عِنْدَ مُعَامَلَتِهِ وَاشْتِرَاطِهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَدْفَعُ إلَيْكَ الْحَائِطَ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنْ أُخْرِجَ مَا فِيهِ مِنْ دَوَابِّي وَغِلْمَانِي. وَلَكِنْ إنْ أَخْرَجَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَفَعَ الْحَائِطَ مُسَاقَاةً لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ. قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ رَبُّ الْحَائِطِ عَلَى الْمُسَاقَاةِ، إذَا دَفَعَ إلَيْهِ حَائِطَهُ مُسَاقَاةً؟ قَالَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ وَجْهِ الزِّيَادَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت شَجَرًا مُسَاقَاةً، أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، الدِّلَاءَ وَالْحِبَالَ وَأَجِيرًا يَعْمَلُ مَعِي فِي الْحَائِطِ، أَوْ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ رَبِّ الْمَالِ يَعْمَلُ مَعِي فِي الْحَائِطِ؟ .
قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ فِي الْحَائِطِ يَوْمَ أَخَذْتَ الْحَائِطَ مُسَاقَاةً، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ مِثْلَ الدَّابَّةِ أَوْ الْغُلَامِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ لِمَ جَوَّزْتَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا أَيْضًا، جَوَّزَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُسَاقِي خَمَّ الْعَيْنِ، وَسَرْوَ الشِّرْبِ، وَقَطْعَ الْجَرِيدِ، وَأُبَارَ النَّخْلِ، وَالشَّيْءَ الْيَسِيرَ فِي الضَّفِيرَةِ يَبْنِيهَا، وَلَوْ عَظُمَتْ نَفَقَتُهُ فِي الضَّفِيرَةِ، لَمْ يَصْلُحْ لَهَا
стр. 1665
أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْعَامِلِ.
قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا سَهَّلَ فِي الدَّابَّةِ الْوَاحِدَةِ. وَهُوَ عِنْدِي، إذَا كَانَ الْحَائِطُ لَهُ قَدْرٌ، يَكُونُ حَائِطًا كَبِيرًا؛ لِأَنَّ مِنْ الْحَوَائِطِ - عِنْدَنَا بِالْفُسْطَاطِ - مَنْ تُجْزِئُهُ الدَّابَّةُ الْوَاحِدَةُ فِي عَمَلِهِ. فَإِذَا كَانَ الْحَائِطُ هَكَذَا لَهُ قَدْرٌ، كَانَ قَدْ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ عَمَلَ الْحَائِطِ بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَهُ الْعَمَلُ الْكَبِيرُ، فَيَشْتَرِطُ عَمَلَ الْحَائِطِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ - فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي فِي الدَّابَّةِ الَّتِي وَسَّعَ فِيهَا مَالِكٌ، إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَائِطِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَكْثُرُ عَمَلُهُ وَتَكْثُرُ مُؤْنَتُهُ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَمَا مَاتَ مِنْ دَوَابِّ الْحَائِطِ أَوْ رَقِيقِ الْحَائِطِ، الَّذِينَ كَانُوا فِيهِ يَوْمَ سَاقَاهُ، فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْلِفَهُمْ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا عَمِلَ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اشْتَرَطَ رَبُّ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ، أَنَّ مَا مَاتَ مَنْ رَقِيقِ الْحَائِطِ الَّذِينَ كَانُوا فِيهِ يَوْمَ سَاقَاهُ فَعَلَى الْعَامِلِ فِي الْحَائِطِ أَنْ يُخْلِفَهُ.
قَالَ: فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْحَائِطُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَوَابُّ وَلَا رَقِيقٌ، يَوْمَ دَفَعَهُ رَبُّ الْمَالِ مُسَاقَاةً، الْحَائِطَ الَّذِي فِيهِ الدَّوَابُّ وَالرَّقِيقُ يَوْمَ دَفَعَهُ رَبُّهُ مُسَاقَاةً؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ الَّذِي فِيهِ الدَّوَابُّ وَالرَّقِيقُ، عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يُخْلِفَهُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ خَلَفَهُمْ. وَالْحَائِطُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رَقِيقٌ وَلَا دَوَابُّ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَلَا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مِمَّا أَدْخَلَ أَنْ يَشْتَرِطَ خَلَفَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ الْحَائِطَ مُسَاقَاةً، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ غِلْمَانِهِ وَدَوَابِّهِ وَمَتَاعِهِ فَأَخْرَجَهُمْ رَبُّ الْحَائِطِ، ثُمَّ عَمِلَ الْعَامِلُ عَلَى هَذَا، فَأَخْرَجَ الْحَائِطُ ثَمَرًا كَثِيرًا أَوْ لَمْ يُخْرِجْ، مَا الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَى فِي هَذَا أَنَّهُ أَجِيرٌ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الثَّمَرَةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ عُمَّالًا لِلنَّخْلِ لَمْ يَكُونُوا فِي الْحَائِطِ. اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ الْحَائِطُ فِيهِ النَّخْلُ، فَيُعْطِيَهُ رَجُلًا فَيَسْقِيَهُ بِنَاضِحٍ مِنْ عِنْدِهِ وَيُعَالِجَهُ، عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ النَّخْلِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الثَّمَرَةِ وَلِلْمُسَاقِي مَا بَقِيَ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: نَهَى عَنْهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْغَرَرِ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ رُبَّمَا لَمْ تُخْرِجْ إلَّا مَا اشْتَرَطَ صَاحِبُهَا، فَيَذْهَبُ سَقْيُ الْمُسَاقِي بَاطِلًا.
ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سُئِلَ رَبِيعَةُ عَنْ رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا حَدِيقَةَ عِنَبٍ لَهُ، يَعْمَلُ فِيهَا وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ عَلَى النِّصْفِ، أَوْ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ بِجُزْءٍ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ. قَالَ: وَسُئِلَ رَبِيعَةُ عَنْ رَجُلٍ، أَعْطَى لِرَجُلٍ حَدِيقَةَ عِنَبٍ لَهُ، يَعْمَلُ فِيهَا، وَنَفَقَتُهُ عَلَى رَبِّ الْعِنَبِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ثَمَرَتِهَا أَوْ ثُلُثَيْهَا؟ قَالَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ. قَالَ فَقِيلَ لِرَبِيعَةَ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَى رَبِّ الْعِنَبِ، وَعَلَى ذَلِكَ كَانَتْ مُسَاقَاةُ النَّاسِ. وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَعَلَى أَهْلِ الْمُسَاقَاةِ عَمَلُهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ خَالِصًا؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَعَلَى ذَلِكَ كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَأَلْتُ اللَّيْثَ عَنْ الْمُسَاقَاةِ؟ فَقَالَ
стр. 1666
لِي: الْمُسَاقَاةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ أَعْطَى أَهْلَ خَيْبَرَ نَخْلَهُمْ وَبَيَاضَهُمْ يَعْمَلُونَهَا، عَلَى أَنَّ لَهُمْ شَطْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُمْ شَيْئًا. اللَّيْثُ وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَمْ يَزَالُوا يُسَاقُونَ نَخْلَهُمْ عَلَى أَنَّ الرَّقِيقَ وَالدَّوَابَّ الَّتِي فِي النَّخْلِ، وَالْآلَةَ مِنْ الْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ لِلَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ الْمُسَاقَاةُ يَسْتَعِينُ بِهَا.
[مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْحَائِطِ وَدَوَابِّهِ وَنَفَقَةِ الْمُسَاقِي]
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: نَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ كَانَتْ مِنْ عِنْدِ الْعَامِلِ، أَوْ كَانَتْ فِي الْحَائِطِ يَوْمَ أَخَذَهُ الْعَامِلُ مُسَاقَاةً، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْعَامِلِ لَيْسَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَفَقَةَ الْعَامِلِ نَفْسِهِ أَتَكُونُ نَفَقَتُهُ مِنْ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: عَلَى نَفْسِهِ نَفَقَتُهُ، وَنَفَقَةُ الدَّوَابِّ وَالْعُمَّالِ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ فِي ثَمَرَةِ الْحَائِطِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت نَخْلًا مُسَاقَاةً عَلَى أَنَّ طَعَامِي عَلَى رَبِّ النَّخْلِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ، عَلَى أَنَّ عَلَى رَبِّ الْمَالِ عَلَفَ الدَّوَابِّ. فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
[فِي أَكْلِ الْمُسَاقِي مِنْ الثَّمَرَةِ إذَا طَابَتْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَثْمَرَ الْحَائِطُ، أَيَجُوزُ لِلْمُسَاقِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت الْحَائِطَ مُسَاقَاةً، عَلَى مَنْ جُذَاذُ الثَّمَرَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: عَلَى الْعَامِلِ.
قُلْتُ: وَإِذَا أَخَذْت زَرْعًا مُسَاقَاةً، عَلَى مَنْ حَصَادُهُ وَدِرَاسُهُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ مُسَاقَاةِ الزَّيْتُونِ، عَلَى مَنْ عَصْرُهُ؟ قَالَ: هُوَ عَلَى مَا اشْتَرَطَا عَلَيْهِ، إنْ كَانَ شُرِطَ الْعَصْرُ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْحَائِطِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَطَا أَنْ يُقَاسِمَهُ الزَّيْتُونَ حَبًّا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَرَأَى مَالِكٌ هَذَا كُلَّهُ وَاسِعًا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الزَّرْعِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ مِثْلُ الَّذِي ذَكَرْتُ فِي النَّخْلِ، أَنَّ جُذَاذَهُ عَلَى الْعَامِلِ، فَأَرَى أَنْ يَكُونَ حَصَادُ الزَّرْعِ وَدِرَاسُهُ عَلَى الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقْسِمُوهُ إلَّا بَعْدَ دِرَاسِهِ كَيْلًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ صِرَامَ النَّخْلِ؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الْجُذَاذَ مِمَّا اُشْتُرِطَ عَلَى الدَّاخِلِ.
[تَلْقِيحُ النَّخْلَ الْمُسَاقِي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقِيَ إذَا اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ، التَّلْقِيحَ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، فَعَلَى مَنْ يَكُونُ التَّلْقِيحُ؟ قَالَ: التَّلْقِيحُ عَلَى الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: جَمِيعُ عَمَلِ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ.
стр. 1667
[مُسَاقَاةُ الثَّمَرِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ، أَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ كُلُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّخْلَ، إذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ، أَيَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الثِّمَارُ كُلُّهَا الَّتِي لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا، الْمُسَاقَاةُ فِيهَا جَائِزَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي الشَّجَرِ ثَمَرَةٌ يَوْمَ سَاقَاهُ إلَّا أَنَّ بَيْعَهَا لَمْ يَحِلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْمُسَاقَاةُ فِيهَا جَائِرَةٌ.
[مَا جَاءَ فِي مُسَاقَاةِ الَّذِي قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ، حَائِطٌ فِيهِ نَخْلٌ قَدْ أَطْعَمَ، وَنَخْلٌ لَمْ يُطْعِمْ، أَيَجُوزُ أَنْ آخُذَ الْحَائِطَ كُلَّهُ مُسَاقَاةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِرَبِّ الْحَائِطِ يَزْدَادُهَا عَلَى الْعَامِلِ فِي الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ قَدْ حَلَّ. وَلِأَنَّ الْحَائِطَ إذَا زَهَا بَعْضُهُ وَلَمْ يَزْهُ بَعْضُهُ حَلَّ بَيْعُهُ.
[مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقِي يَعْجِزُ عَنْ السَّقْيِ بَعْدَ مَا حَلَّ بَيْعُ الثَّمَرَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَامِلَ فِي النَّخْلِ، الَّتِي يَأْخُذُهَا مُسَاقَاةً، إذَا حَلَّ بَيْعُ الثَّمَرَةِ فَعَجَزَ الْمُسَاقِي عَنْ الْعَمَلِ فِيهَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ؟ قَالَ: إذَا حَلَّ بَيْعُ الثَّمَرَةِ، فَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ، وَإِنْ عَجَزَ إنَّمَا يُقَالُ لَهُ: اسْتَأْجِرْ مَنْ يَعْمَلُ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ وَيَسْتَأْجِرَ بِهِ فَعَلَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَصِيبِهِ مَنْ ثَمَرِ النَّخْلِ مَا يَبْلُغُ بَقِيَّةَ عَمَلِ النَّخْلِ؟ قَالَ: يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهَا، وَيُبَاعُ نَصِيبُهُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَانَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ نُقْصَانٌ اتَّبَعَ بِهِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ النَّخْلِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْفِيَهُ مِنْ الْعَمَلِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
[مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقِي يُسَاقِي غَيْرَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت نَخْلًا أَوْ زَرْعًا أَوْ شَجَرًا مُعَامَلَةً، أَيَجُوزُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ غَيْرِي مُعَامَلَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا دَفَعَهَا إلَى أَمِينٍ ثِقَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ خَالَفَ الْعَامِلُ فِي الْحَائِطِ فَأَعْطَى الْحَائِطَ مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْأَمَانَةِ وَالْكِفَايَةِ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَأَرَى إذَا دَفَعَهُ إلَى غَيْرِ أَمِينٍ أَنَّهُ ضَامِنٌ. مِنْ ابْنِ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسَاقَاةِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِثْلُ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. وَلَا يَصْلُحُ الرِّبْحُ فِي الْمُسَاقَاةِ إلَّا فِي الثَّمَرِ خَاصَّةً، يَأْخُذُهُ بِالنِّصْفِ وَيُسَاقِيهِ غَيْرَهُ
стр. 1668
بِالثُّلُثِ، فَيَرْبَحُ السُّدُسَ. وَأَمَّا رِبْحٌ عَلَيْهِ عَلَى نَحْوِ هَذَا. مِنْ رِبْحٍ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا أَوْ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسَاقِي أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ مِنْ النَّخْلِ إلَّا مَا شَرِكَهُ فِي ثَمَرِهِ بِحِسَابِ مَا عَلَيْهِ سَاقَى، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَيْئًا لَا يَأْخُذُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا لِيَسَارَتِهِ، فَأَمَّا بِشَيْءٍ لَهُ اسْمٌ أَوْ عَدَدٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُ: اسْقِ لِي هَذَا الْحَائِطَ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْآخَرِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْرُجُ مِنْ الْآخَرِ؟ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنَّهُ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَسْقِيَ هَذَا بِثَمَرَةِ هَذَا وَلَا يَدْرِي كَمْ تَأْتِي ثَمَرَتُهُ.
[مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقِي يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ مَكِيلَةً مِنْ التَّمْرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَامِلَ فِي النَّخْلِ، إذَا اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مَكِيلَةً مِنْ التَّمْرِ مَبْدَأَةً عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْمَكِيلَةِ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ، أَوْ اشْتَرَطَ رَبُّ الْحَائِطِ مَكِيلَةً مِنْ التَّمْرِ مَعْلُومَةً، ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، فَعَمِلَ عَلَى هَذَا. فَأَخْرَجَتْ النَّخْلُ تَمْرًا كَثِيرًا، أَوْ لَمْ تُخْرِجْ شَيْئًا، مَا الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: الْعَامِلُ أَجِيرٌ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ أَخْرَجَتْ النَّخْلُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ. وَمَا أَخْرَجَتْ النَّخْلُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لِرَبِّ الْحَائِطِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَيْهِ نَخْلًا مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فَبَيْنَنَا نِصْفَيْنِ عَلَى أَنْ يَقُولَ رَبُّ النَّخْلِ لِلْعَامِلِ: لَكَ نَخْلَةٌ مَنْ الْحَائِطِ جَعَلَ ثَمَرَةَ تِلْكَ النَّخْلَةِ لِلْعَامِلِ دُونَ رَبِّ الْحَائِطِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ قَدْ ازْدَادَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت حَائِطًا لِرَجُلٍ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْحَائِطِ نِصْفَ ثَمَرَةِ الْبَرْنِيِّ الَّذِي فِي الْحَائِطِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَلِلْعَامِلِ كُلُّهُ. أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْخِطَارُ بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ الْحَائِطَ إلَيْهِ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ. أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَلِمَ أَجَزْتَ هَذَا وَكَرِهْتَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَخَذَ الْحَائِطَ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْحَائِطِ نِصْفَ الْبَرْنِيِّ؟ قَالَ: الَّذِي أَعْطَى حَائِطَهُ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ جَمِيعَ ثَمَرَتِهِ لِلْعَامِلِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا خِطَارٌ.
وَإِنَّمَا هَذَا رَجُلٌ أَطْعَمَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ هَذَا الرَّجُلَ سَنَةً، وَأَمَّا الَّذِي جَعَلَ نِصْفَ تَمْرَةِ الْبَرْنِيِّ لِرَبِّ الْحَائِطِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَلِلْعَامِلِ، فَهَذَا الْخِطَارُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ ذَهَبَ الْبَرْنِيُّ كُلُّهُ، كَانَ الْعَامِلُ قَدْ غَبَنَ رَبَّ الْحَائِطِ. وَإِنْ ذَهَبَ مَا سِوَى الْبَرْنِيُّ، كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ قَدْ غَبَنَ الْعَامِلَ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي فِي الْبَرْنِيِّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت النَّخْلَ مُعَامَلَةً، عَلَى أَنْ أُخْرِجَ مِنْ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ نَفَقَتِي ثُمَّ مَا بَقِيَ فَبَيْنَنَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ. سَحْنُونٌ وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَّذِي فِي صَدْرِ الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا. وَقَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا.
стр. 1669
[مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقِيَ إذَا اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ فِيهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَأَرَى أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ أَجَازَ - فِيمَا بَلَغَنِي - الدَّابَّةَ يَشْتَرِطُهَا يَعْمَلُ عَلَيْهَا وَالْغُلَامَ يَشْتَرِطُهُ يَعْمَلُ مَعَهُ، إذَا كَانَ لَا يَزُولُ، وَإِنْ مَاتَ أَخْلَفَهُ لَهُ. قَالَ: وَلَقَدْ جَاءَهُ قَوْمٌ قَدْ سَاقَوْا رَجُلًا - وَفِي النَّخْلِ ثَمَرَةٌ قَدْ طَابَتْ - فَسَاقَوْهُ هَذِهِ السَّنَةَ وَسَنَتَيْنِ فِيمَا بَعْدَهَا، فَعَمِلَ فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى لِلْعَامِلِ فِي الثَّمَرَةِ الْأُولَى: أَنْ يُعْطَى مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَإِجَارَةَ عَمَلِهِ، وَيَكُونُ فِي السَّنَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ عَلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلْقِرَاضِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَمَلَ وَالنَّفَقَةَ وَالْمُؤْنَةَ كُلَّهَا عَلَى الْعَامِلِ؟ وَإِنَّمَا رَبُّ الْحَائِطِ عَامِلٌ مَعَهُ بِبَدَنِهِ، بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ يَشْتَرِطُهَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ. فَهَذَا الَّذِي سَهَّلَ مَالِكٌ فِيهِ، فَأَرَى هَذَا مِثْلَهُ وَيَكُونُ عَلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَدْرَكَ هَذَا الَّذِي سَاقَاهُ وَفِي النَّخْلِ ثَمَرَةٌ قَدْ طَابَتْ، فَأَخَذَهَا الْعَامِلُ مُسَاقَاةً ثَلَاثَ سِنِينَ، إنْ أَدْرَكَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَامِلُ فِي الْحَائِطِ، أَنَفْسَخُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُفْسَخَ إذَا أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَامِلُ فِي الْحَائِطِ، أَوْ بَعْدَ مَا جَذَّ الثَّمَرَةَ؛ لِأَنَّهُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ لَهُ نَفَقَتُهُ الَّتِي أَنْفَقَ، وَعَمَلُ مِثْلِهِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ. قَالَ: فَإِنْ عَمِلَ فِي النَّخْلِ بَعْدَ مَا جُذَّتْ الثَّمَرَةُ، لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا إنَّمَا رَدَّهُ إلَى عَمَلِ مِثْلِهِ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ سَنَةً. قَالَ: وَأَرَى أَنْ يُكْمِلَ لَهُ مَا بَقِيَ مِمَّا لَمْ يَعْمَلْهُ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ السَّنَتَيْنِ، فَهُوَ عِنْدِي: إذَا عَمِلَ بَعْدَ مَا جَذَّ الثَّمَرَةَ فِي النَّخْلِ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ السَّنَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِي الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ قَدْ تُخْطِئُ فِي الْعَامِ وَتُطْعِمُ فِي الْآخَرِ. فَإِنْ أَخَذَهُ فِي أَوَّلِ عَامٍ، وَلَمْ تَحْمِلْ النَّخْلُ شَيْئًا، كُنْت قَدْ ظَلَمْته. وَإِنْ كَثُرَ حَمْلُهَا فِي أَوَّلِ عَامٍ، وَأَخْطَأَتْ فِي الْعَامِّ الثَّانِي بَعْدَ مَا نَزَعْتهَا مِنْ الْعَامِلِ، كُنْت قَدْ ظَلَمْت صَاحِبَهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ إذَا قَارَضَهُ بِعَرَضٍ: أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ بَعْدَ مَا بَاعَ الْعَرَضَ، فُسِخَ الْقِرَاضُ بَيْنَهُمَا وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا بَاعَ. وَإِنْ عَمِلَ، كَانَ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَكَانَ لَهُ فِيمَا بَاعَ أَجْرُ مِثْلِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت نَخْلًا مُعَامَلَةً، عَلَى أَنْ أَبْنِيَ حَوْلَ النَّخْلِ حَائِطًا، أَوْ أَزْرُبَ حَوْلَ النَّخْلِ زَرْبًا، أَوْ أَخْرِقَ فِي النَّخْلِ مَجْرًى لِلْعَيْنِ، أَوْ أَحْفِرَ فِي النَّخْلِ بِئْرًا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْمُسَاقَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ وَقَعَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا، أَتَجْعَلُ الْعَامِلَ أَجِيرًا، أَمْ تَرُدَّهُ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ؟ قَالَ: أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَطَ رَبُّ الْمَالِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ازْدَادَهُ بِالْكِفَايَةِ حَطَّ عَنْهُ بِهِ مُؤْنَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ الَّذِي اشْتَرَطَ رَبُّ الْمَالِ قَدْرُهُ يَسِيرًا، مِثْلُ: خَمِّ الْعَيْنِ، وَسَرْوِ الشِّرْبِ، وَسَدِّ الْخِطَارِ،
стр. 1670
جَعَلْتُهُ أَجِيرًا وَإِنْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ شَيْئًا مُؤْنَتُهُ مِثْلُ مُؤْنَتِهِ. هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ أَجَزْتُ الْمُسَاقَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا أَجَازَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ خَمِّ الْعَيْنِ وَنَحْوِهِ، أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ. فَرَأَيْتُ أَنَا الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ وَأَجَزْتُهُ لَكَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي خَمِّ الْعَيْنِ وَسَرْوِ الشِّرْبِ. قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ الدَّابَّةَ وَالْغُلَامَ يَشْتَرِطُهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكَ. قُلْتُ: وَمَا سَرْوُ الشِّرْبِ؟ قَالَ: تَنْقِيَةُ مَا حَوْلَ النَّخْلِ، الَّذِي يُجْعَلُ حَوْلَ النَّخْلَةِ لِيَسْتَنْقِعَ الْمَاءُ فِيهَا.
قُلْتُ: وَمَا خَمُّ الْعَيْنِ؟ قَالَ: كَنْسُهَا. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ أَخْبَرَكُمْ مَالِكٌ أَنَّ خَمَّ الْعَيْنِ وَسَرْوَ الشِّرْبَ مَا ذَكَرْتَ لِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ مِنْ تَفْسِيرِهِ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَائِطُ، فَيُهَوَّرُ بِئْرُهَا، وَلَهُ جَارٌ لَهُ بِئْرٌ. فَيَقُولُ لَهُ: أَنَا آخُذُ مِنْكَ نَخْلَك مُسَاقَاةً، عَلَى أَنْ أَسُوقَ مَاءٍ إلَيْهَا أَسْقِيَهَا بِهِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. سَأَلْتُهُ عَنْهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَأَجَازَ هَذِهِ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْلَا أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَكَرِهْتُهَا.
قُلْتُ: وَلِمَ تَكْرَهُهَا، قَالَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ عَيْنٌ لَهُ يَشْرَبُ مِنْهَا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: أَنَا آخُذُ مِنْكَ نَخْلَكَ هَذِهِ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنْ أَسْقِيَهَا بِمَائِي، وَاصْرِفْ أَنْتَ مَاءَكَ حَيْثُ شِئْتَ، وَاسْقِ بِهِ مَا شِئْتَ مِنْ مَالِكَ سِوَى هَذَا، لَمْ تَجُزْ عِنْدِي. فَاَلَّذِي أَجَازَهُ مَالِكٌ إنَّمَا أَجَازَهُ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ. قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهْتَ مَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ جَارُهُ: أَنَا آخُذُ مِنْكَ نَخْلَكَ مُعَامَلَةً، عَلَى أَنْ أَسْقِيَهَا بِمَائِي، وَسَقِّ أَنْتَ مَاءَكَ حَيْثُ شِئْتَ، لِمَ كَرِهْتَ هَذَا؟ قَالَ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ النَّخْلِ فِيهِ مَنْفَعَةً فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ مِنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ، ازْدَادَهَا رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ، حِين اشْتَرَطَ الْمَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ دِينَارًا وَاحِدًا زِيَادَةً يَزْدَادُهَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. فَالْمَاءُ قَدْ يَكُونُ ثَمَنُهُ مَالًا عَظِيمًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ فَضْلَ دِينَارٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ إلَيَّ نَخْلَهُ مُسَاقَاةً، أَوْ زَرْعَهُ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنْ أَحْفِرَ فِي أَرْضِهِ بِئْرًا أَسْقِي بِهَا النَّخْلَ أَوْ الزَّرْعَ، أَوْ أَبْنِيَ حَوْلَهَا حَائِطًا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَفِيمَا كَتَبْتُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا.
[مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقِي يَشْتَرِطُ الزَّكَاةَ]
َ قُلْتُ: أَيَحِلُّ لِرَبِّ النَّخْلِ أَنْ يَشْتَرِطَ الزَّكَاةَ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْحَائِطِ، أَوْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ؟ قَالَ: أَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَاقَاهُ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ. كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَكَ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ وَلِي سِتَّةٌ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَإِنْ اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ؟ قَالَ: إنْ
стр. 1671
اشْتَرَطَ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي نَصِيبِ رَبِّ الْحَائِطِ، عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، وَلِرَبِّ الْحَائِطِ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، وَعَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي جُزْءِ رَبِّ الْمَالِ يُخْرِجُهُ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْأَجْزَاءِ، الَّتِي هِيَ لَهُ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: فِي الْعَامِلِ، مَا أَخْبَرْتُكَ، إذَا اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ. وَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ إذَا اشْتَرَطَهُ فِي الثَّمَرَةِ بِعَيْنِهَا قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَطَهُ فِي غَيْرِ الثَّمَرَةِ، فِي الْعُرُوضِ أَوْ الدَّرَاهِمِ؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ شَرْطُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الزَّكَاةَ فِي حَظِّ مَنْ تَكُونُ؟ قَالَ: يُبْدَأُ بِالزَّكَاةِ فَتُخْرَجُ، ثُمَّ يَكُونُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[الْمُسَاقَاةُ إلَيَّ أَجَلٍ]
ٍ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ النَّخْلِ أَشْهُرًا وَلَا سَنَةً وَإِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ إلَى الْجَدَادِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْتُ شَجَرًا مُعَامَلَةً، وَهِيَ تُطْعِمُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَلَمْ أُسَمِّ الْأَجَلَ الَّذِي أَخَذْتُ إلَيْهِ، أَيَكُونُ مُعَامَلَتِي إلَى أَوَّلِ بَطْنٍ أَوْ السَّنَةِ كُلِّهَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: إنَّمَا مُعَامَلَةُ النَّخْلِ إلَى الْجَدَادِ، وَلَيْسَ يَكُونُ فِيهَا أَشْهُرٌ مُسَمَّاةٌ، فَهُوَ عِنْدِي عَلَى مَا سَاقَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرْطٌ فَإِنَّمَا مُسَاقَاتُهُ إلَى الْجَدَادِ الْأَوَّلِ.
[فِي الْمُسَاقَاةِ سِنِينَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقَاةَ أَتَجُوزُ عَشْرَ سِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُسَاقَاةُ سِنِينَ جَائِزَةٌ، فَأَمَّا مَا يُحَدَّدُ إلَى عَشْرِ سِنِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ خَمْسِينَ، فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَأَمَّا مَا لَمْ يَكْثُرْ جِدًّا فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
[مُسَاقَاةُ الْأَرْضِ سِنِينَ عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا وَيَقُومَ عَلَيْهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَيْهِ أَرْضًا، عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا وَيَقُومَ عَلَى الشَّجَرِ، حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الشَّجَرُ كَانَتْ فِي يَدِهِ مُسَاقَاةً عَشْرَ سِنِينَ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّخْلَ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ، أَوْ الشَّجَرَ آخُذُهَا مُسَاقَاةً عَشْرَ سِنِينَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّخْلَ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ، أَوْ الشَّجَرَ آخُذُهُمَا مُسَاقَاةً خَمْسَ سِنِينَ، وَهِيَ تَبْلُغُ إلَى سَنَتَيْنِ أَتَجُوزُ هَذِهِ الْمُسَاقَاةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
[تَرْكُ الْمُسَاقَاةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقِيَ إذَا أَخَذَ النَّخْلَ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَعَمِلَ فِي النَّخْلِ سَنَةً، ثُمَّ أَرَادَ
стр. 1672
أَنْ يَتْرُكَ النَّخْلَ وَلَا يَعْمَلَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ لِرَبِّ النَّخْلِ أَنْ يَأْخُذَ نَخْلَهُ، حَتَّى يَنْقَضِيَ أَجَلُ الْمُسَاقَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِنْ رَضِيَا أَنْ يَتَتَارَكَا قَبْلَ مُضِيِّ أَجَلِ الْمُسَاقَاةِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَتَارَكَا، إذَا لَمْ يَأْخُذْ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى الْمُتَارَكَةِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ السَّقْيِ: أَنْ يُقَالَ لَهُ سَاقِ مَنْ أَحْبَبْتَ أَمِينًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ أَسْلِمْ إلَى رَبِّ الْحَائِطِ حَائِطَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَاقَاهُ ذَلِكَ جَازَ كَمَا جَازَ فِي الْأَجْنَبِيِّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَخَذْت الْحَائِطَ مُسَاقَاةً، فَلَمْ أَعْمَلْ فِيهِ وَلَمْ أَقْبِضْهُ مَنْ رَبِّهِ، إلَّا أَنَّا قَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَرْطِنَا. أَيَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ؟ قَالَ: هُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، إذَا عَقَدَا ذَلِكَ بِالْقَوْلِ مِنْهُمَا فَقَدْ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاَلَّذِي أَخْبَرْتُكَ مِنْ الْمُسَاقِي وَرَبِّ الْحَائِطِ إذَا تَتَارَكَا بِغَيْرِ جُعْلٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ طَعَنَ فِيهِ طَاعِنٌ فَقَالَ: هَذَا بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَإِنَّ الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ، أَنَّ الْعَامِلَ فِي النَّخْلِ لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَدْفَعَ النَّخْلَ إلَى غَيْرِهِ مُعَامَلَةً، فَإِذَا كَانَ لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَدْفَعَ النَّخْلَ مُعَامَلَةً إلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ إذًا تَارِكُ النَّخْلِ. فَكَأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَى رَبِّ النَّخْلِ مُعَامَلَةً بِاَلَّذِي أَخَذَهُ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهُوَ فِيمَا بَلَغَنِي قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت زَرْعًا مُسَاقَاةً، أَوْ شَجَرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ الزَّرْعَ جَمِيعًا - أَنَا وَرَبُّ الْحَائِطِ - قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مِمَّنْ يَحْصُدُهُ قَصِيلًا، أَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ ثَمَرَةَ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ، اجْتَمَعْنَا أَنَا وَرَبُّ الْحَائِطِ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَمَا أَرَى فِيهِ مَغْمَرًا وَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَى رَجُلٌ مِنِّي دَارًا، أَوْ أَخَذَ حَائِطِي مُسَاقَاةً، فَإِذَا هُوَ سَارِقٌ مُبَرِّحٌ أَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ بِثَمَرَةِ حَائِطِي، أَوْ يُقَطِّعَ جُذُوعِي أَوْ يُخَرِّبَ دَارِي أَوْ يَبِيعَ أَبْوَابَهَا أَيَكُونُ لِي أَنْ أُخْرِجَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَأَرَى الْمُسَاقَاةَ وَالْكِرَاءَ لَازِمًا لَهُ، وَلْيَحْتَفِظْ مِنْهُ إنْ خَافَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ. قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ إلَى أَجَلٍ، وَهُوَ مُفْلِسٌ وَلَا يَعْلَمُ الْبَائِعُ بِذَلِكَ: إنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ. فَهَذَا وَذَلِكَ عِنْدِي سَوَاءٌ.
[الْإِقَالَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مِنْ رَجُلٍ نَخْلًا مُعَامَلَةً، فَنَدِمَ فَسَأَلَنِي أَنْ أُقِيلَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْعَمَلِ، فَأَبَيْتُ أَنْ أُقِيلَهُ، فَقَالَ: أَنَا أُعْطِيَك مِائَةَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تُقِيلَنِي فَأَقَلْته، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، لَا قَبْلَ أَنْ تَعْمَلَ وَلَا بَعْدَ مَا عَمِلْتَ. قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ؟ قَالَ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، إنْ تَمَّ ثَمَرَةُ النَّخْلِ ذَلِكَ الْعَامَ فَقَدْ بَاعَ هَذَا هَذِهِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ فَقَدْ أَخَذْتَ مَالَ رَبِّ الْحَائِطِ بَاطِلًا.
стр. 1673
[فِي سَوَاقِطِ نَخْلِ الْمُسَاقَاةِ]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ سَوَاقِطَ النَّخْلِ، جَرَائِدَهُ وَلِيفَهُ لِمَنْ تَكُونُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: عَلَى قَدْرِ مَا يَتَعَامَلَانِ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الزَّرْعَ إذَا دَفَعْته مُعَامَلَةً، لِمَنْ التِّبْنُ؟ قَالَ: أَرَاهُ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ سَوَاقِطِ النَّخْلِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي سَوَاقِطِ النَّخْلِ بَيْنَهُمَا فَالتِّبْنُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا سَقَطَ مَنْ الثِّمَارِ، مِثْلِ الْبَلَحِ وَمَا أَشْبَهَهُ لِمَنْ يَكُونُ؟ قَالَ: أَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ سَوَاقِطِ النَّخْلِ.
[الدَّعْوَى فِي الْمُسَاقَاةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَجَاحَدَا فِي الْمُسَاقَاةِ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي النَّخْلِ إنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ. قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُسَاقَاةِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا مُسَاقَاةً فَاسِدَةً، وَادَّعَى الْآخَرُ مُسَاقَاةً جَائِزَةً؟ قَالَ: الْقَوْلُ عِنْدِي، قَوْلُ الَّذِي ادَّعَى الْحَلَالَ مِنْهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَدْفَعُ نَخْلِي مُسَاقَاةً، فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتهَا إلَى هَذَا الرَّجُلِ وَكَذَّبَهُ رَبُّ النَّخْلِ؟ قَالَ: أَرَى ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَأْمُرُ الرَّجُلَ، يَبِيعُ لَهُ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، فَيَقُولُ الْمَأْمُورُ: قَدْ بِعْتُهَا وَيُكَذِّبُهُ رَبُّ السِّلْعَةِ. قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الْمُسَاقَاةِ. قُلْتُ: فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ إذَا بَعَثَ مَعَهُ بِمَالٍ لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ لَهُ، فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُهُ، وَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ بِالْمَالِ، وَقَالَ مَا دَفَعَ إلَيَّ شَيْئًا؟ قُلْتُ: عَلَى الرَّسُولِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ وَلَا غُرْمَ مَا فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَأْمُورِ بِالْبَيْعِ، جَعَلْتُ الْمَأْمُورَ بِالْبَيْعِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَجَعَلْتُ الْمَأْمُورَ بِدَفْعِ الْمَالِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ بِالْمَالِ؟ قَالَ: فَرَّقَ بَيْنَ مَا بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ صَدَّقَ الْبَائِعَ، فَلَا قَوْلَ لِلْآمِرِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَالْمَأْمُورَ قَدْ تَصَادَقَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِ بِالْمَالِ لَمْ يُصَدِّقْ الرَّسُولَ، وَقَالَ: مَا أَخَذْتُ مِنْكَ شَيْئًا. فَهَذَا فَرَّقَ مَا بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لِلرَّسُولِ: أَقِمْ بَيِّنَتَكَ أَنَّكَ دَفَعْتَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقْكَ وَإِلَّا فَاغْرَمْ
[فِي مُسَاقَاةِ الْحَائِطَيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَيْهِ نَخْلًا مُسَاقَاةً، حَائِطًا عَلَى النِّصْفِ وَحَائِطًا عَلَى الثُّلُثِ. أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِلْخِطَارِ؛ لِأَنَّهُمَا تَخَاطَرَا فِي الْحَائِطَيْنِ، إنْ ذَهَبَ أَحَدُهُمَا غَبَنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْآخَرِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ إلَيْهِ حَائِطَيْنِ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُمَا: كُلُّ حَائِطٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ، أَوْ كُلُّ حَائِطٍ مِنْهُمَا عَلَى الثُّلُثِ، أَوْ كُلُّ حَائِطٍ مِنْهُمَا عَلَى الرُّبْعِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لِلْخِطَارِ هَاهُنَا مَوْضِعٌ؟ قَالَ: لَيْسَ لَلْخَطْرِ هُنَا مَوْضِعٌ؟ قَالَ: وَكَذَلِكَ
стр. 1674
سَاقَى النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ كُلَّهَا، حِيطَانَهَا كُلَّهَا عَلَى النِّصْفِ وَفِيهَا الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ، يُسَاقِيهِمَا الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى النِّصْفِ فِي كُلِّ حَائِطٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ أُفْرِدَ سُوقِيَ عَلَى الثُّلُثِ، وَالْآخَرُ لَوْ أُفْرِدَ سُوقِي عَلَى الثُّلُثَيْنِ، لِجَوْدَةِ هَذَا وَرَدَاءَةِ هَذَا، فَيَأْخُذُهُمَا جَمِيعًا عَلَى النِّصْفِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَدْ حَمَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَبَيْنَ أَنْ يُسَاقِيَ أَحَدَ الْحَائِطَيْنِ عَلَى الثُّلُثِ وَالْآخَرَ عَلَى النِّصْفِ؟ قَالَ: فَقَالَ مَالِكٌ: «قَدْ سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ عَلَى مُسَاقَاةٍ وَاحِدَةٍ، عَلَى النِّصْفِ وَفِيهَا الرَّدِيءُ وَالْجَيِّدُ، وَهِيَ سُنَّةٌ اُتُّبِعَتْ» ، وَهَذَا الْآخَرُ لَيْسَ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ حَائِطًا لِي مُسَاقَاةً عَلَى النِّصْفِ، وَزَرْعًا عَلَى الثُّلُثِ، فَدَفَعْتُ ذَلِكَ صَفْقَةً وَاحِدَةً أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَلَا أَرَى هَذَا جَائِزًا.
قُلْتُ: إنْ كَانَ زَرْعٌ لِي قَدْ عَجَزْتُ عَنْهُ وَنَخْلٌ لِي، فَدَفَعْتُهُمَا مُسَاقَاةً: الزَّرْعُ عَلَى النِّصْفِ وَالْحَائِطُ عَلَى النِّصْفِ، وَالزَّرْعُ فِي نَاحِيَةٍ وَالْحَائِطُ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْحَائِطَيْنِ الْمُخْلِفَيْنِ إذَا أَخَذَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، كُلُّ حَائِطٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، فَكَذَلِكَ الزَّرْعُ، وَالْحَائِطُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطَيْنِ الْمُخَلِّفَيْنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت الْحَائِطَ عَلَى النِّصْفِ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لِي حَائِطِي هَذَا الْآخَرَ بِغَيْرِ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ.
[مَا جَاءَ فِي النَّخْلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُسَاقِي أَحَدُهُمَا الْآخَرَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّخْلَ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، أَيَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ صَاحِبِهِ مُسَاقَاةً؟ قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي.
[مُسَاقَاةُ حَائِطِ الْأَيْتَامِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ حَائِطَ الصِّبْيَانِ مُسَاقَاةً؟ قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: بَيْعُهُ لِلصِّبْيَانِ وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ.
[مُسَاقَاةُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْضًا مُسَاقَاةً وَيُعْطِيَ أَرْضَهُ مُسَاقَاةً؟ قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
стр. 1675
[مُسَاقَاةُ نَخْلِ الْمِدْيَانِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ عَلَيَّ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِي، فَدَفَعْتُ نَخْلِي مُسَاقَاةً، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. إنَّهُ يُكْرِي أَرْضَهُ وَدَارَهُ وَيَجُوزُ كِرَاؤُهُ، فَإِنْ قَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْكِرَاءَ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَكْرَى أَوْ سَاقَى بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ كِرَاؤُهُ وَلَا مُسَاقَاتُهُ.
[مُسَاقَاةُ نَخْلِ الْمَرِيضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرِيضَ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَ نَخْلَهُ فِي الْمَرَضِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا، وَأُرَاهُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ، كَانَ مِنْ الثُّلُثِ.
[مُسَاقَاةُ الرَّجُلَيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَيَصْلُحُ لِلرَّجُلَيْنِ أَنْ يَأْخُذَا مِنْ رَجُلٍ نَخْلًا مُسَاقَاةً؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَصْلُ الْحَائِطِ لِجَمَاعَةِ قَوْمٍ، فَدَفَعُوهُ مُسَاقَاةً إلَى جَمَاعَةِ قَوْمٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
[فِي الْمُسَاقِي يَمُوتُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَامِلَ فِي النَّخْلِ، إذَا مَاتَ مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِوَرَثَتِهِ؟ قَالَ: يُقَالُ لَهُمْ: اعْمَلُوا كَمَا كَانَ صَاحِبُكُمْ يَعْمَلُ. فَإِنْ أَبَوْا كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لَازِمًا لَهُمْ. قُلْتُ: أَفَيُسَلَّمُ الْحَائِطُ إلَيْهِمْ إذَا كَانُوا غَيْرَ أُمَنَاءَ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ رَبُّ النَّخْلِ؟ قَالَ: لَا تَنْتَقِضُ الْمُسَاقَاةُ بِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
[فِي الْمُسَاقِي يُعْرِي مِنْ حَائِطِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقِيَ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْرِيَ مِنْ حَائِطِهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: كَيْفَ يُعْرِي وَلَيْسَ لَهُ نَخْلَةٌ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ شَرِيكٌ فِي الثَّمَرَةِ، وَإِنَّمَا يُعْرِي النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَاتِ، فَهَذَا إنْ ذَهَبَ يُعْرِي فَلَيْسَ الَّذِي أَعْرَى لَهُ وَحْدَهُ. قُلْتُ: أَفَيَجُوزُ حِصَّتُهُ مِنْ النَّخَلَاتِ الَّتِي أَعْرَاهَا. أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: قَدْ أَعْرَيْتُكَ نَصِيبِي مِنْ هَذِهِ النَّخَلَاتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَى هَذَا جَائِزًا.
стр. 1676
[مُسَاقَاةُ الْبَعْلِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّجَرَ الْبَعْلَ، أَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا مِثْلَ شَجَرِ إفْرِيقِيَّةَ وَالشَّامِ وَالْأَشْجَارِ عَلَى غَيْرِ الْمَاءِ أَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالْمُسَاقَاةِ فِي الشَّجَرِ الْبَعْلِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مِثْلَ زَرْعِ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ، أَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ وَهُوَ لَا يُسْقَى؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، إذَا كَانَ يَحْتَاجُ مِنْ الْمُؤْنَةِ مِثْلَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي شَجَرِ الْبَعْلِ، فَإِنْ تُرِكَ خِيفَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ بَعْلًا لَا مُؤْنَةَ فِيهِ وَلَا عَمَلَ، فَلَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، إنَّمَا هُوَ يَقُولُ لَهُ: احْفَظْهُ لِي وَاحْصُدْهُ وَادْرُسْهُ عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَهُ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ. قُلْتُ: لِمَ أَجَزْتَهُ فِي الشَّجَرِ الْبَعْلِ وَكَرِهْتَهُ فِي الزَّرْعِ الْبَعْلِ؟ قَالَ: لِأَنَّ الزَّرْعَ الْبَعْلَ إنَّمَا أَجَازُوا الْمُسَاقَاةَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ، فَهَذَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مَوْتُهُ.
[مُسَاقَاةُ النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت نَخْلَةً أَوْ نَخْلَتَيْنِ مُسَاقَاةً أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ كُلُّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ
[مُسَاقَاةُ الْمُسْلِمِ حَائِطَ النَّصْرَانِيِّ]
ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَائِطَ الذِّمِّيِّ، أَيَجُوزُ لِي أَنْ آخُذَهُ مُسَاقَاةً؟ قَالَ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مَالًا قِرَاضًا، فَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ عِنْدِي. قَالَ: وَلَوْ أَخَذَهُ لَمْ أَرَهُ حَرَامًا.
[مُسَاقَاةُ النَّصْرَانِيِّ حَائِطَ الْمُسْلِمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَائِطَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ النَّصْرَانِيَّ مُسَاقَاةً؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، يُرِيدُ إذَا كَانَ النَّصْرَانِيُّ مِمَّنْ لَا يَعْصِرُهُ خَمْرًا.
[فِي الْمُسَاقِي يُفْلِسُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت نَخْلَ رَجُلٍ مُسَاقَاةً، فَفَلِسَ رَبُّ الْحَائِطِ، أَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَبِيعُوا النَّخْلَ وَتَنْتَقِضُ الْمُسَاقَاةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: الْمُسَاقَاةُ لَا تَنْتَقِضُ، وَلَكِنْ يُقَالُ لِلْغُرَمَاءِ: بِيعُوا الْحَائِطَ عَلَى أَنَّ هَذَا مُسَاقًى كَمَا هُوَ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يَقْدِرُ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَأْخُذُوهُ مِنْ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهُ مُسَاقَاةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الْغُرَمَاءُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ. قُلْتُ: وَلِمَ أَجَزْتَهُ، وَرَبُّ الْحَائِطِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْحَائِطَ وَيَسْتَثْنِيَ ثَمَرَتَهُ سِنِينَ لَمْ
стр. 1677
يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: هَذَا وَجْهُ الشَّأْنِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَاقَاهُ فِيهِ، فَإِنْ طَرَأَ دَيْنٌ بَعْدَ ذَلِكَ بَاعُوا النَّخْلَ عَلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ كَمَا هِيَ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي اسْتِثْنَاءَ ثَمَرَةٍ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَكُونُ مَوْقُوفًا، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْعَامِلُ بِتَرْكِهَا فَيَجُوزُ بَيْعُهَا، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا فَيَجُوزُ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَسَوَاءٌ إنْ فَلِسَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ الْمُسَاقِي فِي الْحَائِطِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَا تَنْتَقِضُ الْمُسَاقَاةُ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي زَرْعٍ، أَوْ نَخْلٍ أَوْ أَصْلٍ يَسْقِيهِ، فَسَقَاهُ فَفَلِسَ صَاحِبُهُ، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ. وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ الْأَصْلِ أَوْ الزَّرْعِ فَالْمُسَاقِي فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي إبِلٍ يَرْعَاهَا، أَوْ يُرْحِلُهَا، أَوْ يَعْلِفُهَا، أَوْ دَوَابَّ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالتَّفْلِيسِ جَمِيعًا. وَكُلُّ ذِي صَنْعَةٍ، مِثْلِ الْخِيَاطَةِ وَالصِّيَاغَةِ وَالصِّبَاغَةِ وَمَا أَشْبَهَهُمْ مِنْ الصِّنَاعِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالتَّفْلِيسِ جَمِيعًا. وَكَانَ مَنْ تُكُورِيَ عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ، فَحَمَلَهُ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ، فَالْمُتَكَارِي أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْإِبِلِ أَيْضًا فِي الْمَوْتِ وَالتَّفْلِيسِ مِنْ الْغُرَمَاءِ. قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْحَوَانِيتُ يَسْتَأْجِرُهَا النَّاسُ، يَبِيعُونَ فِيهَا الْأَمْتِعَاتِ فَيُفْلِسُ مُكْتَرِيهَا، فَيَقُولُ أَرْبَابُهَا: نَحْنُ أَوْلَى بِمَا فِيهَا حَتَّى نَسْتَوْفِيَ؟ قَالَ: هُمْ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. وَإِنَّمَا الْحَوَانِيتُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ يَكْتَرِيهَا لِيَسْكُنَهَا. فَيُدْخِلُ فِيهَا مَتَاعَهُ وَرَقِيقَهُ وَعِيَالَهُ، أَفَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّارِ أَوْلَى بِمَا فِيهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ إنْ فَلِسَ؟ قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ جَمِيعًا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
[مُسَاقَاةُ النَّخْلِ فِيهَا الْبَيَاضُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي النَّخْلِ بَيَاضٌ، فَاشْتَرَطَ رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ لِرَبِّ النَّخْلِ، مِنْ عِنْدِ الْعَامِلِ الْبَذْرُ وَالْعَمَلُ، وَعَلَى أَنَّ الزَّرْعَ الَّذِي يَزْرَعُ الْعَامِلُ فِي الْبَيَاضِ كُلَّهُ لِرَبِّ النَّخْلِ. أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ رَبُّ النَّخْلِ لِلْعَامِلِ: خُذْ النَّخْلَ مُعَامَلَةً، عَلَى أَنْ تَزْرَعَ لِي فِي الْبَيَاضِ، وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِي وَالْعَمَلُ مِنْ عِنْدِكَ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ كُلَّهُ لِي؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَفْضَلَ عَلَى الْعَامِلِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَنَانِيرَ رَادَّهَا الْعَامِلُ لِرَبِّ النَّخْلِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَبُّ الْحَائِطِ: خُذْ النَّخْلَ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنْ تَزْرَعَ الْبَيَاضَ بَيْنَنَا، عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ مَنْ عِنْدِكَ أَيُّهَا الْعَامِلُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُلْغِيَ الْبَيَاضَ فَيَكُونَ لِلْعَامِلِ. قُلْتُ: لِمَ أَجَازَهُ مَالِكٌ؟ قَالَ: لِلسُّنَّةِ الَّتِي جَاءَتْ فِي خَيْبَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ الْبَيَاضَ وَالسَّوَادَ عَلَى النِّصْفِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي خَيْبَرَ وَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ فِيهَا بَيَاضٌ حِينَ سَاقَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَكَانَ يَسِيرًا فَلِذَلِكَ أَجَازَهُ مَالِكٌ إذَا اشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ، وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ الْعَامِلِ
стр. 1678
وَالْعَمَلُ، عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَيَاضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ مَالِكٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُلْغِيَ لِلْعَامِلِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَا أَنَّ الْبَذْرَ الَّذِي يَبْذُرُهُ الْعَامِلُ فِي الْبَيَاضِ مِنْ عِنْدِهِمَا، نِصْفُهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ النَّخْلِ وَنِصْفُهُ مَنْ عِنْدِ الْعَامِلِ، وَالْعَمَلُ كُلُّهُ مِنْ الْعَامِلِ أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْبَذْرِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ النَّخْلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يَجُوزُ. قُلْتُ: لِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا الْعَامِلُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ فِي النَّخْلِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ حَرْثَ الْبَيَاضِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ فَمِنْ عِنْدِ الْعَامِلِ فِي النَّخْلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الْعَمَلُ وَالْمُؤْنَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ الدَّاخِلِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ: فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ، أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ حَرْثَ الْبَيَاضِ، وَإِنْ جَعَلَا الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ النَّخْلَ مُعَامَلَةً، عَلَى أَنَّ الْبَيَاضَ لِلْعَامِلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا أُحِلُّهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَاقَى الرَّجُلُ الزَّرْعَ، وَفِي وَسَطِ الزَّرْعِ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلِيلَةٌ، وَهِيَ تَبَعٌ لِلزَّرْعِ، فَاشْتَرَطَ الْعَامِلُ تِلْكَ الْأَرْضَ لِنَفْسِهِ يَزْرَعُهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى بَأْسًا، مِثْلَ النَّخْلِ وَالْبَيَاضِ، إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الزَّرْعُ تَبَعًا لِلزَّرْعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ نَخْلًا مُسَاقَاةً خَمْسَ سِنِينَ، وَفِي النَّخْلِ بَيَاضٌ وَهُوَ تَبَعٌ لِلنَّخْلِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ أَوَّلَ سَنَةٍ لِلْعَامِلِ يَزْرَعُهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْبَيَاضُ إلَى رَبِّ النَّخْلِ يَعْمَلُهُ رَبُّ النَّخْلِ لِنَفْسِهِ، وَتَكُونُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْأَرْضِ الْأَرْبَعَ سِنِينَ الْبَاقِيَةَ فِي النَّخْلِ وَحْدَهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ خَطَرٌ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ حَائِطَيْنِ مُعَامَلَةً مِنْ رَجُلٍ، عَلَى النِّصْفِ سَنَتَيْنِ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ أَوَّلَ سَنَةٍ فِي الْحَائِطَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَرُدَّ أَحَدَ الْحَائِطَيْنِ إلَى رَبِّهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَعْمَلَ الْحَائِطَ الْآخَرَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَحْدَهُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا الْآخَرُ أَيْضًا. وَهَذَا شَبَهُ مَسْأَلَتِك الْأُولَى فِي النَّخْلِ وَالْبَيَاضِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا خَطَرٌ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ. هَذَا رَأْيِي.
[مُسَاقَاةُ الزَّرْعِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقَاةَ فِي الزَّرْعِ أَيَجُوزُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ لَا تَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ يَعْجِزَ عَنْ سَقْيِهِ، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الزَّرْعَ، إذَا بَذَرَهُ صَاحِبُهُ، وَلَمْ يَطْلُعْ مِنْ الْأَرْضِ. أَتَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ إذَا عَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ، إلَّا بَعْدَ مَا يَبْدُو وَيَسْتَقِلُّ،
стр. 1679
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا سَنْبَلَ الزَّرْعُ، أَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ فَالْمُسَاقَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ، إذَا كَانَ يَحْتَاجُ إلَى الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ لَمَاتَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ صَاحِبَ الزَّرْعِ إذَا كَانَ لَهُ الْمَاءُ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَ فِي زَرْعِهِ، وَتَرَاهُ عَاجِزًا وَلَهُ مَاءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْبَقَرِ، وَمَنْ يَسْقِيهِ، وَالْأُجَرَاءِ. قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ سَيْحًا مِثْلَ الْعُيُونِ، أَتَجْعَلُهُ عَاجِزًا إنْ عَجَزَ عَنْ الْأُجَرَاءِ وَتُجِيزُ مُسَاقَاتِهِ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ عَاجِزٌ جَازَتْ مُسَاقَاتُهُ. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: إذَا عَجَزَ فَانْظُرْ أَنْتَ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَكَ عَاجِزًا جَازَتْ مُسَاقَاتُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ زَرْعًا مُسَاقَاةً، وَشَجَرًا مُفْتَرِقًا فِي الزَّرْعِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهَذَا بَأْسًا، إذَا كَانَ تَبَعًا لِلزَّرْعِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مِنْ الِاشْتِرَاطِ خِلَافُ الزَّرْعِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت زَرْعًا مُسَاقَاةً، وَفِي الزَّرْعِ شَجَرَاتٌ قَلَائِلُ، فَاشْتَرَطَ الْعَامِلُ فِي الزَّرْعِ، أَنَّ: مَا أَخْرَجَ اللَّهُ مَنْ الثَّمَرَةِ فَهِيَ لِلْعَامِلِ دُونَ رَبِّ الشَّجَرِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى: أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ الشَّجَرِ فَهُوَ لِرَبِّ الشَّجَرِ؟ قَالَ: هَذِهِ مُسَاقَاةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ازْدَادَ عَلَى الْعَامِلِ سَقْيُ الشَّجَرِ. قُلْتُ: هَذِهِ الْمَسَائِلُ قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّجَرَ الَّتِي فِي الزَّرْعِ، إذَا أُخِذَ الزَّرْعُ مُسَاقَاةً، وَالشَّجَرُ الثُّلُثُ فَأَدْنَى مُخَالِفٌ لِلْبَيَاضِ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ لِلنَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[مُسَاقَاةُ كُلِّ ذِي أَصْلٍ وَالْيَاسَمِينَ وَالْوَرْدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقَاةَ، أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الشَّجَرِ كُلِّهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ ذِي أَصْلٍ مِنْ الشَّجَرِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينَ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الْيَاسَمِينَ وَالْوَرْدِ وَالْقُطْنِ.
[مُسَاقَاةُ الْمَقَاثِي]
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمَقَاثِي: هَلْ تَجُوزُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ؟ فَقَالَ: تَجُوزُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ إذَا عَجَزَ عَنْهَا صَاحِبُهَا بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى الْبَصَلَ مِثْلَ الْمَقَاثِي، وَقَصَبَ السُّكْرِ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ وَاحِدَةٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَقَاثِيَ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ: تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا إذَا عَجَزَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَهِيَ إنَّمَا يُطْعَمُ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضٍ وَقَدْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إذَا حَلَّ بَيْعُهَا. وَيَشْتَرِطُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ فَكَيْفَ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ فِيهَا وَبَيْعُهَا حَلَالٌ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْمَقَاثِي إذَا حَلَّ بَيْعُهَا، وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهَا. قَالَ: وَالْمَقَاثِي، قَالَ لِي مَالِكٌ: إنَّمَا هِيَ شَجَرَةٌ
стр. 1680
وَإِنَّمَا هِيَ نَبَاتٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ التِّينِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الثِّمَارِ، الَّتِي يَكُونُ طِيبُ بَعْضِ مَا فِيهَا قَبْلَ بَعْضٍ، فَكَذَلِكَ الْمَقَاثِي؛ لِأَنَّ الْمَقْثَاةَ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرَةِ وَثَمَرَهَا بِمَنْزِلَةِ ثَمَرِ الشَّجَرِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَقَاثِيَ إذَا حَلَّ بَيْعُهَا، فَعَجَزَ صَاحِبُهَا عَنْ عَمَلِهَا أَتَجُوزُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا حَلَالٌ.
[مُسَاقَاةُ الْقَصَبِ وَالْقَرَظِ وَالْبُقُولِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَاقَاةَ، هَلْ تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ وَالْبُقُولِ وَالْقَصَبِ الْحُلْوِ أَوْ الْقَصَبِ أَوْ فِي الْبَصَلِ أَوْ فِي الْقَرَظِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ، إلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ وَيَعْجِزَ عَنْ سَقْيِهِ، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَهُ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْقَصَبِ الْحُلْوِ، أَتَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ؟ قَالَ: هُوَ عِنْدِي مِثْلُ الزَّرْعِ، إذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ جَازَتْ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ. قَالَ: وَأَمَّا الْقَصَبُ، فَلَيْسَ ثَمَرُهُ بِمَنْزِلَةِ ثَمَرَةِ الْمَقَاثِي، إنَّمَا هُوَ بُطُونٌ تَأْتِي، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْقَصَبِ فِيهِ نَفْسِهِ، وَقَدْ حُلَّ بَيْعُهُ فَلَا يَجُوزُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا حُلَّ بَيْعُهَا لَمْ تَجُزْ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا؟ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا الْقَرَظُ وَالْبَقْلُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْقَصَبِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْقَصَبِ؛ لِأَنَّهُ جَزَّةٌ بَعْدَ جَزَّةٍ وَلَيْسَتْ بِثَمَرَةٍ تُجْنَى مَرَّةً وَاحِدَةً. وَاَلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُسَاقِيَهَا، فَلْيَشْتَرِهَا وَلْيَشْتَرِطْ لِنَفْسِهِ خِلْفَتَهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّجَرَةَ، إذَا كَانَتْ تُثْمِرُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ، أَتَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَهَا سِنِينَ. قُلْتُ: فَمَا فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقَصَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّ الشَّجَرَةَ لَا يَحِلُّ بَيْعُ ثَمَرَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَتَطِيبَ، وَالْقَصَبُ يَحِلُّ بَيْعُهُ وَبَيْعُ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ، فَلَا تَصْلُحُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْبُقُولِ، وَلَا فِي الْمَوْزِ وَلَا فِي الْقَصَبِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تُبَاعُ بُطُونًا. قُلْتُ لِمَالِكٍ فَالزَّرْعُ؟ قَالَ: إذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ، جَازَتْ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ فَلَا تَجُوزُ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْمَقَاثِي؟ قَالَ: هِيَ مِثْلُ الزَّرْعِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَقَصَبُ السُّكْرِ؟ وَوَصَفْتُهُ لَهُ، وَإِنَّمَا يُسْقَى سَنَةً، فَرُبَّمَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ قَالَ: أَرَاهُ مِثْلَ الزَّرْعِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ.
[مُسَاقَاةُ الْمَوْزِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَوْزَ، أَتَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ. وَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْقَصَبِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ عَجَزَ عَنْ عَمَلِهِ وَهُوَ شَجَرٌ لَيْسَ فِيهِ ثَمَرٌ أَتَصْلُحُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ لَنَا: الْمُسَاقَاةُ فِي الْمَوْزِ
стр. 1681
لَا تَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْمَوْزُ عِنْدِي، أَنَّهُ يُجَزُّ إذَا أَثْمَرَ ثُمَّ يُخَلِّفُ ثُمَّ يَجُزُّ إذَا أَثْمَرَ ثُمَّ يُخَلِّفُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَصَبِ عِنْدِي. وَلَا أَرَى الْمُسَاقَاةَ فِيهِ تَحِلُّ، عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَوْ لَمْ يَعْجِزْ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا الْمَوْزُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَوْزَ إذَا حَلَّ بَيْعُهُ، أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَأَسْتَثْنِيَ بُطُونًا فِي الْمُسْتَقْبِلِ خَمْسَةً أَوْ عَشْرَةً؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْتُهُ حِينَ حَلَّ بَيْعُهُ، فَقُلْتُ: لِلْبَائِعِ: لِي مَا يُطْعِمُ هَذِهِ السَّنَةَ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَا يُطْعِمُ سَنَةً هُوَ مَعْرُوفٌ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَوْزَ السَّنَةَ وَالسَّنَةَ وَالنِّصْفَ إذَا حَلَّ بَيْعُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَصَبَ، أَهُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَصْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْمُسَاقَاةِ: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُجَزُّ ثُمَّ يُخَلِّفُ ثُمَّ يُجَزُّ ثُمَّ يُخَلِّفُ، أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَجُوزُ فِيهِ. قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ، إنَّمَا تُجْنَى ثَمَرَتُهُ، وَالْأَصْلُ ثَابِتٌ أَوْ غَيْرُ ثَابِتٍ، إذَا كَانَ إنَّمَا نَجْنِي ثَمَرَتَهُ إذَا كَانَتْ ثَمَرَتُهُ نَبَاتًا مِنْهَا، فَالْمُسَاقَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَصَبَ وَالْمَوْزَ، إذَا عَجَزَ عَنْهُمَا صَاحِبُهُمَا، أَتَجُوزُ فِيهِمَا الْمُسَاقَاةُ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ فِيهِمَا الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا صَاحِبُهُمَا. قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ الْمُسَاقَاةَ فِيهِمَا، وَهُمَا مِنْ الْأُصُولِ؟ قَالَ: لَيْسَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأُصُولِ، إنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ الْبُقُولِ. إنَّمَا تُطْعَمُ الْبُقُولُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ. قُلْتُ: وَالْبُقُولُ، أَتَجُوزُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا عَجَزَ عَنْ سَقْيِهَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا أَيْضًا.
стр. 1682
[كِتَابُ الْجَوَائِحِ] [ مَا جَاءَ فِي جَائِحَةِ الْمَقَاثِي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْجَوَائِحِ مَا جَاءَ فِي جَائِحَةِ الْمَقَاثِي قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْمَقَاثِيَ هَلْ فِيهَا جَائِحَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَصَابَتْ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا أَصَابَهُ مِنْ الْجَائِحَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَاهَا وَفِيهَا بِطِّيخٌ وَقِثَّاءٌ، فَأَصَابَتْ الْجَائِحَةُ جَمِيعَ مَا فِي الْمَقْثَأَةِ مَنْ ثَمَرَتِهَا، وَهِيَ تُطْعَمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَيْفَ يَعْرِفُ مَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ كِرَاءِ الْأَرَضِينَ وَالدُّورِ. أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْمَقْثَأَةِ، كَمْ كَانَ نَبَاتُهَا مِنْ أَوَّلِ مَا اشْتَرَى إلَى آخِرِ مَا تَنْقَطِعُ ثَمَرَتُهَا. فَيَنْظُرُ كَمْ قَطَفَ مِنْهَا وَكَمْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ مَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهَا ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، نَظَرَ إلَى قِيمَةِ مَا قَطَفَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ النِّصْفَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قَدْرُ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَمْلَهَا وَنِفَاقَهَا فِي الْأَشْهُرِ مُخْتَلِفٌ، فَتُقَوَّمُ وَيُقَوَّمُ مَا بَقِيَ مِنْ النَّبَاتِ مِمَّا لَمْ يَأْتِ بَعْدُ فِي كَثْرَةِ نَبَاتِهِ وَنِفَاقِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، مِمَّا يُعْرَفُ مِنْ نَاحِيَةِ نَبَاتِهِ. فَيَنْظُرُ إلَى الَّذِي حَدَّهُ فَيُقَوَّمُ عَلَى حِدَتِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ عَلَى حِدَتِهِ، فَيَنْظُرُ مَا مَبْلَغُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ. فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ الَّتِي أَكَلَهَا الْمُشْتَرِي هُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ، وَرُبَّمَا كَانَ طَعَامُ الْمَقْثَأَةِ أَوَّلُهُ هُوَ أَقَلُّهُ وَأَغْلَاهُ ثَمَنًا، تَكُونُ الْبِطِّيخَةُ وَالْفَقُّوسَةُ أَوْ الْقَثَّاةُ بِعَشَرَةِ أَفْلُسٍ أَوْ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِالدِّرْهَمِ، وَالْبِطِّيخَةُ مِثْلُ ذَلِكَ. وَفِي آخَرِ الزَّمَانِ تَكُونُ بِالْفَلْسِ وَالْفَلْسَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَيَكُونُ الْقَلِيلُ الَّذِي كَانَ فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَكْثَرَ الْمَقْثَأَةِ ثَمَنًا، لِنِفَاقِهِ فِي السُّوقِ. وَعَلَى هَذَا يَقَعُ شِرَاءُ النَّاسِ. إنَّمَا يَحْمِلُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ وَآخِرُهُ أَوَّلَهُ. وَلَوْ كَانَ إنَّمَا يَقَعُ الشِّرَاءُ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عَلَى حِدَتِهِ، لَكَانَ لِكُلِّ بَطْنٍ جُزْءٌ مُسَمًّى مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنَّمَا يُحْسَبُ بُطُونُ الْمَقْثَأَةِ الَّتِي تُطْعَمُ فِيهَا بِقَدْرِ إطْعَامِهَا عَلَى قَدْرِ نِفَاقِهَا فِي الْأَسْوَاقِ فِي كُلِّ بَطْنٍ، ثُمَّ يُقَوَّمُ
стр. 1683
كُلُّ مَا أَطْعَمَتْ فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى قَدْرِ نِفَاقِهِ فِي الْأَسْوَاقِ فِي كُلِّ بَطْنٍ، ثُمَّ يُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ هُوَ النِّصْفَ أَوْ الثُّلُثَيْنِ، رُدَّ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْبَطْنُ الْآخَرُ الَّذِي انْقَطَعَ مِنْهُ هُوَ النِّصْفَ أَوْ الثُّلُثَيْنِ، رُدَّ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نَبَاتِهَا فِي إطْعَامِهَا، فَيُقَسَّمُ عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وَعَدَدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى أَسْوَاقِهِ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ إلَى كَثْرَتِهِ وَنِفَاقِهِ فِي الْأَسْوَاقِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ الْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُجْنَى بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، فَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ فِي الْمَقْثَأَةِ. وَمَا كَانَ يَطِيبُ بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ، فَعَلَى هَذَا يُحْسَبُ أَيْضًا مِمَّا يَنْبُتُ جَمِيعًا، مِثْلِ التُّفَّاحِ وَالْخَوْخِ وَالتِّينِ وَالرُّمَّانِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْفَاكِهَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ الرُّمَّانَ وَالْخَوْخَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْفَاكِهَةِ مِمَّا لَا يُخْرَصُ، إنَّمَا يُشْتَرَى إذَا بَدَا أَوَّلُهُ لِأَنَّهُ يُعَجَّلُ بَيْعُهُ، فَيَكُونُ لَهُ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ ثَمَنٌ، لَا يَكُونُ آخِرُهُ فِي نِفَاقِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَأَسْوَاقُهُ وَكَثْرَتُهُ فِي اجْتِمَاعِهِ فِي آخَرِ الزَّمَانِ، فَإِنَّمَا يَشْتَرِي الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ وَيُعْطِي ذَهَبَهُ، لَأَنْ يَكُونَ لَهُ آخِرُهُ مَعَ أَوَّلِهِ. وَلَوْ أُفْرِدَ مَا يَطِيبُ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ، حَتَّى يُبَاعَ عَلَى حِدَتِهِ، لَاخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهَا. وَإِنَّمَا يَشْتَرِي الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّهُ يُحْمَلُ الْغَالِي مِنْهُ عَلَى رَخِيصِهِ، وَالرَّخِيصُ مِنْهُ عَلَى غَالِيهِ. فَإِذَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهُ مَا يَبْلُغُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، نَظَرَ إلَى مَا قَبَضَ ثُمَّ نُظِرَ إلَى الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ الَّتِي اشْتَرَى، وَضِعَ عَنْهُ مَا يُصِيبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الثَّمَرَةِ أَوْ فِي وَسَطِهَا أَوْ فِي آخِرِهَا، فَإِنْ كَانَتْ ثُلُثَ هَذِهِ الثَّمَرَةِ الَّتِي أَصَابَتْهَا الْجَائِحَةُ يَكُونُ حَظُّهَا مِنْ الْقِيمَةِ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْقِيمَةِ، وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي تِسْعَةُ أَعْشَارِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَظُّ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا عُشْرَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ، وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي عُشْرُ الثَّمَنِ. وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا، إلَى الْجَائِحَةِ إذَا أَصَابَتْ. فَإِنْ أَصَابَتْ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، نُظِرَ إلَى مَا كَانَ يُصِيبُ هَذَا الثُّلُثَ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى حَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ غَلَائِهِ وَرُخْصِهِ.
فَيُوضَعُ عَنْهُ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ الثُّلُثَ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ. فَإِنْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ، وَكَانَ حَظُّ مَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْ الثَّمَنِ يَبْلُغُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الثَّمَنِ، لَمْ يُوضَعْ عَنْ الْمُشْتَرِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَلَا يُوضَعُ الْمُشْتَرِي فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ، حَتَّى تَبْلُغَ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ. فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي حَظُّهَا مِنْ الثَّمَنِ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا وَصَفْتُ لَكَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ، إنَّمَا يُنْظَرُ فِي الْبُطُونِ إلَى مَا أَذْهَبَتْ الْجَائِحَةُ، فَإِنْ كَانَ يَكُونُ قِيمَةُ مَا يَصِيرُ لَهُ ثُلُثَ الثَّمَنِ وُضِعَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّمَرَةِ عُشْرُهَا، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَتْ الْجَائِحَةُ لَا يَصِيرُ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ ثُلُثُهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ أَقَلُّ، لَمْ يُوضَعْ
стр. 1684
عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّمَرَةِ تِسْعَةُ أَعْشَارِهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُصِيبَةً إذَا أَذْهَبَتْ مِثْلَ ثُلُثِ الثَّمَنِ. وَلَيْسَ يُلْتَفَتُ إلَى ثُلُثِ الثَّمَرَةِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ ثُلُثُ الثَّمَرَةِ إنَّمَا غَلَّتُهُ عُشْرُ الثَّمَنِ، فَلَا يَكُونُ مُصِيبَةً، وَرُبَّمَا كَانَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ وَيَكُونُ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ نِصْفُ الثَّمَنِ، فَيَكُونُ مُصِيبَةً. فَلِذَلِكَ تُوضَعُ الْجَوَائِحُ إذَا وَقَعَتْ الْمَصَائِبُ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَأَمَّا الْبَطْنُ الْوَاحِدُ وَهُوَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ بِثُلُثِ الثَّمَنِ إذَا كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا مِنْ الثَّمَرَةِ، فَاجْتَمَعَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَلِذَلِكَ وُضِعَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا كَانَ مِمَّا يُخْرَصُ مِنْ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، أَوْ مِمَّا لَا يُخْرَصُ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى ثُلُثِ الثَّمَرَةِ، فَيُوضَعُ مِنْ الثَّمَنِ ثُلُثُهُ. وَلَا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى اخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَشْتَرِيهَا الْمُشْتَرِي، فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبِسُهَا حَتَّى يَجِدَّهَا يَابِسَةً فَيَدَّخِرَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَعَجَّلُ أَكْلَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّخِرُ بَعْضَهَا أَوْ يَبِيعُ بَعْضًا.
فَالْبَائِعُ حِينَ يَبِيعُ إنَّمَا يَبِيعُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ شَاءَ حَبَسَ وَإِنْ شَاءَ جَدَّ. فَإِنَّمَا فِي ثُلُثِ الثَّمَرَةِ إذَا أَصَابَتْهَا الْجَائِحَةُ ثُلُثُ الثَّمَنِ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الثَّمَرُ صِنْفًا وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً، مِثْلَ الْبَرْنِيِّ وَالْعَجْوَةِ وَعِذْقِ ابْنِ زَيْدٍ وَالشَّقَمِ، فَأَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْ الثَّمَرِ الثُّلُثَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَتْ مِنْ الْبَرْنِيِّ أَوْ الْعَجْوَةِ، نُظِرَ إلَى قِيمَتِهِ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ، فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى الْقِيَمِ لِاخْتِلَافِ الثَّمَرِ فِي الْقِيَمِ. فَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْبُطُونِ فِي اخْتِلَافِ أَثْمَانِهَا. وَإِنَّ الرُّمَّانَ وَالتُّفَّاحَ وَالْخَوْخَ وَالْأُتْرُجَّ وَالْمَوْزَ وَالْمَقَاثِيَ وَمَا أَشْبَهَهَا، إنَّمَا يُشْتَرَى عَلَى أَنَّ طِيبَ بَعْضِهِ بَعْدَ بَعْضٍ. وَلَوْ تَرَكَ مَنْ يَشْتَرِيهِ أَوَّلَهُ لِآخِرِهِ حَتَّى يَطِيبَ كُلُّهُ لَكَانَ فَسَادًا لِأَوَّلِهِ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ طِيبَ بَعْضِهِ بَعْدَ بَعْضٍ رَحْمَةً، وَلَوْ جَعَلَ طِيبَهُ وَاحِدًا لَكَانَ فَسَادًا. وَالْمُشْتَرِي حِينَ يَشْتَرِي مَا يَطِيبُ. بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ، فَالْبَائِعُ يَعْرِفُ، وَالْمُشْتَرِي أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَجْنِيهِ كُلَّ مَا طَابَ بِمَنْزِلَةِ الْمَقَاثِي وَغَيْرِهَا. وَإِنَّ الَّذِي يُخْرَصُ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الثِّمَارِ، وَلَا مَا يُقْدَرُ عَلَى تَرْكِهِ حَتَّى تُجَدَّ جَمِيعُهُ مَعًا فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يُخْرَصُ سَوَاءً، فَمَحْمَلُهُمَا فِي الْجَائِحَةِ سَوَاءٌ سَحْنُونٌ: فَكُلُّ مَا يُقْدَرُ عَلَى تَرْكِ أَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ وَلَا يَكُونُ فَسَادًا حَتَّى يَيْبَسَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ. وَكُلُّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ تَرْكُ أَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي شَجَرِهِ، فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ الْمَقَاثِي. قَالَ سَحْنُونٌ: فَهَذَا أَصْلُ قَوْلِهِ، وَكُلُّ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ.
[مَا جَاءَ فِي جَائِحَةِ الْقَصِيلِ]
ِ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقَصِيلُ إذَا اُشْتُرِيَ جِزَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهُ الثُّلُثَ،
стр. 1685
وُضِعَ عَنْهُ وَلَمْ يُنْظَرْ إلَى غَلَاءِ أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أَوْ رُخْصِهِ، لِأَنَّ قَصْلَهُ قَصْلَةً وَاحِدَةً إنْ أَرَادَ أَنْ يَقْصِلَهُ وَقَدْ أَدْرَكَ جَمِيعَهُ حِينَ اشْتَرَاهُ.
وَالْفَاكِهَةُ لَمْ تُدْرَكْ جَمِيعُهَا وَلَا الْمَقَاثِي وَلَا الْيَاسَمِينُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَصِيلَ وَخِلْفَتَهُ الَّتِي بَعْدَهُ. فَتُصَابُ الْأُولَى وَتَثْبُتُ الْأُخْرَى، أَوْ تُصَابُ الْأُخْرَى وَتَسْلَمُ الْأُولَى، فَيُحْسَبُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ. يُنْظَرُ كَمْ كَانَ نَبَاتُ الْأُولَى مِنْ الْأُخْرَى فِي رُخْصِ آخِرِهِ أَوْ غَلَائِهِ، أَوْ فِي رُخْصِ أَوَّلِهِ أَوْ غَلَائِهِ، وَحَالِ رَغْبَةِ النَّاسِ فِيهِ وَغَلَائِهِ عِنْدَهُمْ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، إذَا كَانَ الَّذِي أَذْهَبَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهُ ثُلُثًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ وَهُوَ فِي النَّبَاتِ الثُّلُثُ، رُدَّ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ فَبِقَدْرِ ذَلِكَ يُرَدُّ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ نِصْفَ الثَّمَنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ فِي نِفَاقِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَقِيمَتِهِ، رُدَّ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَرْضِ: تُتَكَارَى ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعًا، فَيَزْرَعُ الرَّجُلُ السَّنَةَ أَوْ السَّنَتَيْنِ فَيَعْطَشُ أَوَّلُهَا أَوْ آخِرُهَا أَوْ وَسْطُهَا، وَقَدْ تَكَارَاهَا أَرْبَعَ سِنِينَ كُلُّ سَنَةٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَيَعْطَشُ سَنَةً مِنْهَا. قَالَ مَالِكٌ: تُقَوَّمُ كُلُّ سَنَةٍ بِمَا كَانَتْ تُسَاوِي مِنْ نِفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَتَشَاحَّ النَّاسُ فِيهَا ثُمَّ يُحْمَلُ بَعْضُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ، فَيُقَسَّمُ الْكِرَاءُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَيُرَدُّ مِنْ الْكِرَاءِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَيُوضَعُ عَنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ. وَلَا يُنْظَرُ إلَى قَدْرِ السِّنِينَ فَيُقَسَّمُ الْكِرَاءُ عَلَيْهَا، إنْ كَانَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ لَمْ يُقَسَّمْ الثَّمَنُ عَلَيْهَا أَرْبَاعًا وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ. فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّارَ سَنَةً فَتُهْدَمُ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الدَّارُ يَتَكَارَاهَا فِي السَّنَةِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَيَكُونُ فِيهَا أَشْهُرٌ كِرَاؤُهَا غَالٍ، وَأَشْهُرٌ كِرَاؤُهَا رَخِيصٌ، مِثْلُ كِرَاءِ دُورِ مَكَّةَ فِي إبَّانِ الْحَجِّ وَغَيْرِ إبَّانِ الْحَجِّ. وَالْفَنَادِقِ تُتَكَارَى سَنَةً، وَلَهَا إبَّانٌ نِفَاقُهَا فِيهِ لَيْسَتْ كَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْإِبَّانِ، فَيَسْكُنُهَا الْأَشْهُرَ ثُمَّ تَنْهَدِمُ أَوْ تَحْتَرِقُ فَإِنَّمَا يُرَدُّ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْهُرِ. حَتَّى إنَّ الشَّهْرَ لَيَعْدِلُ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ وَالْخَمْسَةَ أَوْ جَمِيعَ السَّنَةِ، وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى السَّنَةِ. فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَلَكِنْ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ. وَكُلُّ مَا فَسَّرْتُ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْجَائِحَةِ، فَهُوَ تَفْسِيرُ مَا حَمَلْتُ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَاَلَّذِي شَبَّهَهُ مَالِكٌ مِنْ الْفَاكِهَةِ فِي جَائِحَتِهِ بِالنَّخْلِ مِمَّا يُخْرَصُ، أَهُوَ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ مِثْلُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْجِلَّوْزِ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَالتِّينُ هُوَ مِمَّا يَيْبَسُ أَيْضًا وَيُدَّخَرُ، وَهُوَ مِمَّا يُطْعَمُ بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ، وَهُوَ مِمَّا يَيْبَسُ فَكَيْفَ يُعْرَفُ شَأْنُهُ؟ قَالَ: يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت مَقْثَأَةً، وَفِيهَا بِطِّيخٌ وَقِثَّاءٌ، فَأَصَابَتْ الْجَائِحَةُ جَمِيعَ مَا فِي الْمَقْثَأَةِ مَنْ الثَّمَرَةِ وَهِيَ تُطْعَمُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُنْظَرُ إلَى هَذَا الْبَطْنِ الْأَوَّلِ
следующие страницы →