Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
وَضَيَاعُ الْأَلْفِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْ فِيهَا صَاحِبُهَا شَيْئًا مِنْ صَاحِبِهَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ لَا يَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا شِرْكٌ، لِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يَكُونُ إلَّا أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَ. أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ الْمِائَةِ الَّتِي اشْتَرَى بِهَا، يَقُولُ لَمْ أَرْضَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعِي نَصِيبٌ فِي مَالِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِي مَعَهُ نَصِيبٌ فِي مَالِهِ، فَإِذَا كَانَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِي فِي مَالِهِ شَرِكَةٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مَالِي. أَوْ لَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَدْ قَالَ، فِي الَّذِي أَخْرَجَ مِائَتَيْنِ، وَأَخْرَجَ الْآخَرُ مِائَةً، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالنُّقْصَانَ عَلَيْهِمَا، فَفَعَلَا وَاشْتَرَيَا عَلَى ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمَا بِاَلَّذِي يُوجِبُ لِصَاحِبِ الْقَلِيلِ الرَّأْسِ الْمَالِ فِي مَالِ صَاحِبِهِ الْكَثِيرِ الرَّأْسِ الْمَالِ نِصْفَهُ، وَقَدْ فَعَلَا عَلَى الرِّضَا مِنْهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمَا، إنْ وَقَعَتْ وَضِيعَةٌ أَنْ يَضْمَنَ الْقَلِيلُ الرَّأْسِ الْمَالِ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ الْكَثِيرِ الرَّأْسِ الْمَالِ شَيْئًا، فَلَا تَكُونُ شَرِكَةً إلَّا مَا خَلَطَا وَجَمَعَا.
[فِي الشَّرِيكَيْنِ فِي الْبَلَدَيْنِ يُجَهِّزُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ كَيْفَ نَفَقَتُهُمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكْنَا بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَهُوَ فِي بَلَدٍ وَأَنَا فِي بَلَدٍ، يُجَهِّزُ عَلَيَّ وَأُجَهِّزُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قُلْتُ: تَحْفَظْهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، كَيْفَ يَصْنَعَانِ فِي نَفَقَتِهِمَا؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الشَّرِيكَيْنِ يَكُونَانِ فِي بَلَدَيْنِ، يُجَهِّزُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَأَسْعَارُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَيُنْفِقُ هَذَا هَاهُنَا وَيُنْفِقُ هَذَا هَاهُنَا، أَتَرَى أَنْ يَحْسِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَنْفَقَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ تُلْغَى نَفَقَةُ هَذَا وَنَفَقَةُ هَذَا جَمِيعًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمُنْفَرِدُ بِيَدَيْهِ لَا عِيَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، وَالْآخَرُ لَهُ عِيَالٌ وَوَلَدٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا، رَأَيْتُ أَنْ يَحْسُبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَنْفَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَلَى ذَلِكَ، رَأَيْتُ أَنْ تُلْغَى النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَا فِي بَلَدَيْنِ، فَاخْتَلَفَتْ الْأَسْعَارُ: إنَّ النَّفَقَةَ تُلْغَى بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ تُلْغَى النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا، لَا شَكَّ فِي هَذَا إذَا كَانَ لَهُمَا عِيَالٌ.
[الشَّرِكَةُ فِي الْمُفَاوَضَةِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يَعْرِفُ مَالِكٌ شَرِكَةَ عِنَانٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَعْرِفُهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا اشْتَرَكَا فِيهِ، إنْ كَانَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَقَدْ تَفَاوَضَا، وَإِنْ كَانَا إنَّمَا اشْتَرَكَا فِي أَنْ اشْتَرَيَا نَوْعًا وَاحِدًا مِنْ التِّجَارَةِ مِثْلَ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ، فَقَدْ تَفَاوَضَا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ. فَأَمَّا الْعِنَانُ، فَلَا يُعْرَفُ وَلَا نَعْرِفُهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا مَا وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا فِي شِرَاءِ الرَّقِيقِ وَحْدَهَا، أَتَرَاهُمَا مُتَفَاوِضَيْنِ فِي شِرَاءِ الرَّقِيقِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ إذَا اشْتَرَكَا عَلَى أَصْلِ مَالٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مُفَاوَضَةٌ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ عَلَى الثُّلُثَيْنِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ إنْ اشْتَرَكَا عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ
стр. 1717
[الشَّرِكَةُ فِي مَالِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ، وَلِأَحَدِهِمَا مَالٌ دُونَ صَاحِبِهِ عَرْضٌ أَوْ نَاضٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَلَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا، إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ عَرْضٌ دُونَ صَاحِبِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ عَلَى رَجُلٍ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مُفَاوَضَةٌ فِي جَمِيعِ مَالِهِ أَيَكُونُ جَمِيعُ مَا فِي يَدَيْ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا، إلَّا مَا أَقَامَا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، أَنَّهُ وَرِثَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ، أَوْ وُهِبَ لَهُ، أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَفَاوَضَا وَأَنَّهُ لَمْ يُفَاوِضْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلُ مَالٍ، دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ وَرِثَهَا، أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَتَنْقَطِعُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَنْقَطِعُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ، وَيَكُونُ مَا وَرِثَ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، لَهُ خَاصَّةً دُونَ صَاحِبِهِ.
[اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَيَلْزَمُ شَرِيكَهُ]
فِي الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ مِنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَالْمُدَايِنَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، أَيَلْزَمُ شَرِيكَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ لَازِمٌ لِشَرِيكِهِ. قَالَ: وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ فُقَهَاءَ يَعْرِفُونَ مَا يَشْتَرُونَ وَمَا يَبِيعُونَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَذَلِكَ لَازِمٌ لِشَرِيكِهِ إذَا فَاتَ كَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ وَحْدَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَرِيكٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مَنْ طَعَامٍ أَوْ كُسْوَةٍ، لِنَفْسِهِ أَوْ لِعِيَالِهِ، أَيَكُونُ لِبَائِعِ الطَّعَامِ أَوْ الْكُسْوَةِ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ أَيِّ الشَّرِيكَيْنِ قَدَرَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: مَا اشْتَرَيَا مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَنْفَقَاهَا عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى عِيَالِهِمَا، كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ يُلْغِي ذَلِكَ إذَا كَانَا جَمِيعًا لَهُمَا عِيَالٌ.
فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ: تُلْغَى النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا، عَلِمْنَا أَنَّ مَا أَنْفَقَا إنَّمَا هُوَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَالْكُسْوَةُ، لَهُمَا أَوْ لِعِيَالِهِمَا، إنَّمَا هُوَ أَيْضًا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ يُلْغِي الْكُسْوَةَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: تُلْغَى النَّفَقَةُ، فَالْكُسْوَةُ مِنْ النَّفَقَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ كُسْوَةً لَيْسَ مِمَّا يَبْتَذِلُهَا الْعِيَالُ، وَإِنَّمَا هِيَ كُسْوَةٌ مِثْلُ الْقَصَبِيِّ وَالشَّطَوِيِّ وَالْوَشِيِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ لَا يُلْغَى. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، أَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ الشَّرِيكَ الْآخَرَ، الَّذِي لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَا مُتَفَاوِضَيْنِ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا اشْتَرَى صَاحِبُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّيْنَ يَكُونُ عَلَى رَجُلٍ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَيَقْبِضُهُ شَرِيكُهُ؟ قَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ
[فِي مُفَاوَضَةِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ مُفَاوَضَةُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَذَلِكَ
стр. 1718
أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَارِضَ الْعَبْدُ الْحُرَّ، إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ مُقَارَضَةً.
قُلْتُ: وَشَرِكَةُ الْعَبِيدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ جَائِزَةٌ؟ قَالَ: جَائِزَةٌ فِي رَأْيِي إذَا أُذِنَ لَهُمْ فِي التِّجَارَةِ.
[فِي شَرِكَةِ الْمُسْلِمِ النَّصْرَانِيَّ وَالرَّجُلِ الْمَرْأَةَ]
َ قُلْتُ: أَتَصْلُحُ شَرِكَةُ النَّصْرَانِيِّ الْمُسْلِمَ، وَالْيَهُودِيِّ الْمُسْلِمَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَغِيبُ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ عَلَى شَيْءٍ، فِي شِرَاءٍ وَلَا بَيْعٍ وَلَا قَبْضٍ وَلَا صَرْفٍ وَلَا تَقَاضِي دَيْنٍ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ مَعَهُ. فَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ وَإِلَّا فَلَا. قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا عَلِمْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا كَرَاهِيَةً، وَلَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَشُكُّ فِي هَذَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا قُلْتُ: وَكَذَلِكَ شَرِكَةُ النِّسَاءِ مَعَ النِّسَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَيُشَارِكُ الْمُسْلِمُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ؟ فَقَالَ: فَلَا يَفْعَلُ، لِأَنَّهُمْ يُرْبُونَ وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحِلُّ لَكَ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلُهُ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ. وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ.
[فِي الشَّرِيكَيْنِ يَتَفَاوَضَانِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا وَيَبِيعَا وَيَتَدَايَنَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا مَالًا، وَأَخْرَجَ الْآخَرُ مَالًا مِثْلَهُ، ثُمَّ اشْتَرَكَا وَتَفَاوَضَا، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِهَذَا الْمَالِ وَبِالدَّيْنِ أَيْضًا، وَيَبِيعَا بِالدَّيْنِ أَيْضًا، فَمَا رَزَقَهُمَا اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَفَاوَضَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِأَكْثَرَ مِنْ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ، إلَّا عَلَى الْأَمْوَالِ. فَإِنْ فَعَلَا فَاشْتَرَيَا بِالدَّيْنِ، كَانَ مَا اشْتَرَيَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا. قَالَ سَحْنُونُ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِهَذِهِ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ، اللَّذَيْنِ لَمْ يَخْلِطَا وَهَذِهِ الَّتِي تَحْتَهَا مِثْلُهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى هَذَا سِلْعَةً عَلَى حِدَةٍ بِالدَّيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَاشْتَرَى صَاحِبُهُ كَذَلِكَ، أَيَكُونُ مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، أَمْ يَكُونُ مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ خَاصَّةً، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِالدَّيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا لَا يُعْجِبُكَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَرَى كُلَّ مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَلَيْهِ، فَأَرَى مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ نِصْفُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَنِصْفُهُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَفَاوَضَ رَجُلَانِ بِمَالٍ أَخْرَجَاهُ، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا الرَّقِيقَ وَيَبِيعَا، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا جَمِيعَ السِّلَعِ وَيَبِيعَا تَفَاوُضًا، وَلَمْ يَذْكُرَا بَيْعَ الدَّيْنِ فِي أَصْلِ شَرِكَتِهِمَا. فَبَاعَ أَحَدُهُمَا بِالدَّيْنِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ شَرِيكُهُ، وَقَالَ: لَا أُجِيزَ لَكَ أَنْ تَبِيعَ عَلَيَّ بِالدَّيْنِ.
أَيَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالدَّيْنِ أَمْ لَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى شَرِيكِهِ.
стр. 1719
[فِي الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَشْتَرِي أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ جَارِيَةً أَوْ طَعَامًا مِنْ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ تَفَاوَضَا فِي شِرَاءِ التِّجَارَاتِ كُلِّهَا، بِمَالٍ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ دُونَ صَاحِبِهِ، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا جَارِيَةً، فَقَالَ شَرِيكُهُ: هِيَ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّمَا اشْتَرَيْتهَا لِنَفْسِي؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا بِمَا فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ. وَلَوْ أَنَّهُ أَشْهَدَ حِينَ اشْتَرَاهَا، أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِنَفْسِهِ مَا جَازَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَكَانَ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ، لِأَنَّهُمَا قَدْ تَفَاوَضَا فِي جَمِيعِ مَا فِي أَيْدِيهِمَا مِمَّا يَمْلِكَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَفَاوَضَا وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ دُونَ صَاحِبِهِ، ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا جَارِيَةً لِلْوَطْءِ أَوْ لِلْخِدْمَةِ، بِمَالٍ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، أَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لَهُ أَمْ تَكُونُ مِنْ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا بِمَالِ الشَّرِكَةِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا مُتَفَاوِضَيْنِ، كَانَا يَشْتَرِيَانِ الْجَوَارِيَ. فَيَشْتَرِيَانِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، فَيَشْتَرِي هَذَا الْجَارِيَةَ فَيَطَؤُهَا، فَإِذَا بَاعَهَا رَدَّ ثَمَنَهَا فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَيَفْعَلُ شَرِيكُهُ كَذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: إنَّهُ قِيلَ لَهُمَا لَا خَيْرَ فِي هَذَا، فَكَيْفَ يَفْعَلَانِ بِمَا فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ الْجَوَارِي مِمَّا قَدْ اشْتَرَيَا عَلَى هَذَا الشِّرَاءِ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَتَقَاوَمَاهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ اشْتَرَاهَا الَّذِي هِيَ عِنْدَهُ، كَانَتْ عَلَيْهِ بِرَأْسِ مَالٍ قَدْ عَرَفَهُ، وَالْآخَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَيَحِلُّ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَطَأَهَا.
قُلْتُ: وَلِمَ لَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مِنْ هَذَيْنِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، حِينَ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ مِنْ مَالٍ هُوَ بَيْنَهُمَا اشْتَرَاهَا لِلْوَطْءِ أَوْ لِلْخِدْمَةِ، أَنْ لَا يَجْعَلَهُ مَالِكٌ غَاصِبًا لِلدَّنَانِيرِ حَتَّى اشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَيَجْعَلَ الْجَارِيَةَ جَارِيَتَهُ، وَيَجْعَلَ عَلَيْهِ مِثْلَ نِصْفِ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ؟ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ دَنَانِيرَ، فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً، عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ مِثْلَ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، وَلَا تَكُونُ الْجَارِيَةُ لِلَّذِي غُصِبَتْ مِنْهُ الدَّنَانِيرُ وَإِنْ قَالَ الْمَغْصُوبُ أَنَا آخُذُ الْجَارِيَةَ، لِأَنَّهَا إنَّمَا اُشْتُرِيَتْ بِدَنَانِيرِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ؟ قَالَ: فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا، أَنَّ الْمُفَاوِضَ مَأْمُورٌ، لِأَنَّهُ، كَأَنَّهُ رَجُلٌ أَبْضَعَ مِنْهُ بِضَاعَةً، أَمَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا سِلْعَةً، فَخَالَفَ، فَرَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَى الْمُبْضَعُ مَعَهُ، أَوْ يُسَلِّمَهَا وَيَأْخُذَ رَأْسَ مَالِهِ. فَهَذَا إنَّمَا يَشْتَرِي بِمَالِ الشَّرِكَةِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ. فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْفَذَهَا لَهُ بِمَا اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ قَاوَمَهُ إيَّاهَا. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ: إنْ شَاءَ أَنْفَذَهَا لَهُ بِالثَّمَنِ، وَلَكِنْ هَكَذَا رَأْيِي. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: الشَّرِيكُ لَا أُقَاوِمُهُ وَلَا أَنْفُذُهَا لَهُ، وَلَكِنِّي أَرُدُّ الْجَارِيَةَ فِي الشَّرِكَةِ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ يَتَقَاوَمَانِهَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: فَهَذَا خِلَافُ الْمُبْضَعِ مَعَهُ، لِأَنَّ الْمُبْضَعَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ، مُخَيَّرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إنْ
стр. 1720
شَاءَ أَخْذَهَا وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مَالَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ. وَأَمَّا هَذَا الْمُشْتَرِي الْمُفَاوِضُ فَقَدْ وَطِئَ جَارِيَةً هِيَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ جَارِيَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا وَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُ، أَنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وَطِئَهَا.
فَهَذَا الْمُفَاوِضُ لَمَّا وَطِئَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بُدٌّ مِنْ أَنْ يَتَقَاوَمَاهَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ مَالًا بَيْنَهُمَا فَاشْتَرَى بِهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ. وَأَنَّ الْمُبْضَعَ مَعَهُ إنَّمَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ لِيَسْتَأْثِرَ بِالرِّبْحِ، وَلِيَقْطَعَ عَنْ صَاحِبِهِ مَنْفَعَةَ مَا أَبْضَعَ مَعَهُ فِيهِ. وَإِنَّمَا قُلْتُ لَكَ هَذَا، لِأَنَّ التَّعَدِّيَ لَيْسَ كُلُّهُ بِوَاحِدٍ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَ مَالًا، ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً، لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْجَارِيَةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. فَهَذَا أَيْضًا - فِي هَذَا الْوَجْهِ - مُخَالِفٌ لِلْبِضَاعَةِ وَالْقِرَاضِ، وَقَدْ كَانَا جَمِيعًا أَمِينَيْنِ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمَا، مُصَدَّقًا قَوْلَهُمَا فِيمَا فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ ذَلِكَ، فَلِكُلِّ مُتَعَدٍّ سُنَّةٌ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، فَمَنْ غَصَبَ دَنَانِيرَ مِنْ رَجُلٍ، فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً، لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إلَّا مِثْلُ دَنَانِيرِهِ. وَمَنْ اسْتَوْدَعَ دَنَانِيرَ، فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً، لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الدَّنَانِيرِ إلَّا مِثْلُ دَنَانِيرِهِ أَيْضًا. وَمَنْ أُبْضِعَ مَعَهُ أَوْ قُورِضَ فَخَالَفَ، كَانَ رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ، وَإِنَّمَا حُمِلَ الشَّرِيكَانِ، عَلَى أَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا لِلْوَطْءِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، أَنَّهَا بَيْنَهُمَا فَلِذَلِكَ أَمَرَهُمَا أَنْ يَتَقَاوَمَاهَا. قُلْتُ: وَاَلَّذِي ذَكَرْتَ لِي مِنْ أَمْرِ الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْبِضَاعَةِ إذَا تَعَدَّوْا، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا اشْتَرَى طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ أَوْ لِبَيْتِهِ، فَطَلَبَ صَاحِبُهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي ذَلِكَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَلَا أَرَى هَذَا مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ عَرَفَ حِينَ اشْتَرَكَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُنْفِقُ فِي مَنْزِلِهِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا لِمَنْزِلِهِ لِيَأْكُلَهُ، مِنْ قَمْحٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ لَحْمٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ كُسْوَةٍ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِعِيَالِهِ، ابْتَغَى لِصَاحِبِهِ أَنْ يُدَارِكَهُ وَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
[أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَبِيعُ وَيُؤَخِّرُ بِالدَّيْنِ]
ِ وَيَضَع ثَمَن السَّلَع طَلَب الْفَضْل وَالِاسْتِغْزَار
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، بَاعَ أَحَدُهُمَا سِلْعَةً بِالدَّيْنِ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ، أَخَّرَهُ الشَّرِيكُ الْآخَرُ، أَوْ أَخَّرَهُ الشَّرِيكُ الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ، هَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَكِيلِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، يَبِيعُ لَهُ مَتَاعَهُ وَيَقْتَضِي لَهُ الثَّمَنَ، فَبَاعَ بَعْضَ مَتَاعِهِ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَّرَ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، قَالَ: إذَا كَانَ تَأْخِيرُهُ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِرَبِّ الْمَتَاعِ، إنَّمَا أَخَّرَهُ لِيَسْتَأْنِفَهُ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ لِمَعْرُوفٍ صَنَعَهُ الْوَكِيلُ بِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْوَكِيلِ هَذَا، إنَّمَا هُوَ نَظَرً لِرَبِّ الْمَتَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ. وَإِنْ أَخَّرَهُ طَلَبُ مَعْرُوفٍ صَنَعَهُ الْوَكِيلُ
стр. 1721
بِالْمُشْتَرِي، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ فِي مَالِ رَبِّ الْمَتَاعِ إلَّا بِأَمْرِهِ. فَكَذَلِكَ الشَّرِيكَانِ اللَّذَانِ سَأَلْتَنِي عَنْهُمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَصْنَعَ أَحَدُهُمَا الْمَعْرُوفَ فِي مَالِ صَاحِبِهِ إلَّا بِأَمْرِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ وَجْهِ التِّجَارَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى صَاحِبِهِ. فَإِذَا أَخَّرَهُ إرَادَةُ اسْتِئْلَافِ الْمُشْتَرِي لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَ أَحَدُهُمَا لِلْمُشْتَرِي مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بَعْدَ مَا وَجَبَ الْبَيْعُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي الْوَكِيلِ الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ: إنَّهُ إذَا وَضَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي إرَادَةَ الِاسْتِغْزَارِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِرَبِّ الْمَتَاعِ وَاسْتِئْلَافِ الْمُشْتَرِي، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ. فَكَذَلِكَ الشَّرِيكَانِ الْمُتَفَاوِضَانِ أَيْضًا، يَجُوزُ عَلَيْهِمَا عِنْدِي مَا جَوَّزَ مَالِكٌ عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ، فِيمَا وَضَعَ الْوَكِيلُ عَنْ الْمُشْتَرِي.
[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِ السِّلَعِ وَيُؤَخِّرُ بِالدَّيْنِ إرَادَةَ الْمَعْرُوفِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ وَضَعَ الْوَكِيلُ أَوْ الشَّرِيكُ عَنْ الْمُشْتَرِي إرَادَةَ مَعْرُوفٍ يَصْنَعُهُ إلَيْهِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَيْنِ، إذَا وَضَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، أَوْ أَخَّرَ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي حِصَّتِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي حِصَّتِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ التَّأْخِيرِ وَالْوَضِيعَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْمُشْتَرِي؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي مَا صَنَعَ بِهِ الْوَكِيلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِرَبِّ الْمَتَاعِ أَنْ يَرُدَّ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ فِي مَالِهِ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ فِي مَالِ رَبِّ الْمَتَاعِ مِنْ الْمَعْرُوفِ، أَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْوَكِيلِ، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ كُلُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بَاعَ جَارِيَة إلَيْهِ أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا الْآخَرُ بِثَمَنٍ أَقَلَّ قَبْلَ الْأَجَلِ]
أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بَاعَ جَارِيَة إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا الْآخَرُ بِثَمَنٍ أَقَلَّ قَبْلَ الْأَجَلِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ جَارِيَةً بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، بَاعَهَا أَحَدُهُمَا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، أَيَصْلُحُ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ قَبْلَ الْأَجَلِ نَقْدًا؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، إلَّا بِمَا يَصْلُحُ لِبَائِعِهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِهِ.
[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُبْضِعُ الْبِضَاعَةَ ثُمَّ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَبْضَعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مَعَ رَجُلٍ دَنَانِيرَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ لِيَشْتَرِيَ بِهَا سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، فَمَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْمُبْضَعُ مَعَهُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي أَبْضَعَهُ مَعَهُ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، فَلَا يَشْتَرِي بِهِ شَيْئًا وَيَرُدُّهُ عَلَى الْبَاقِي وَعَلَى الْوَرَثَةِ.
стр. 1722
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَ الْبِضَاعَةَ هُوَ الْمَيِّتُ أَوْ هُوَ الْحَيُّ مِنْهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ سَوَاءٌ. قُلْتُ: وَلِمَ نَهَيْتَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا وَاَلَّذِي أَبْضَعَ ذَلِكَ مَعَهُ هُوَ حَيٌّ؟ قَالَ: لِأَنَّ الشَّرِكَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، وَصَارَ الْمَالُ لِلْوَرَثَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَكِنْ افْتَرَقَا وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْمُبْضَعُ مَعَهُ؟ قَالَ: يَشْتَرِي بِمَا أَبْضَعَ مَعَهُ، وَلَا يُشْبِهُ افْتِرَاقُهُمَا فِي الشَّرِكَةِ مَوْتَ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا فَإِنَّمَا يَقَعُ مَا اشْتَرَى الْمُبْضَعُ مَعَهُ لَهُمَا، وَفِي الْمَوْتِ إنَّمَا يَقَعُ لِلْوَرَثَةِ، وَالْوَرَثَةُ لَمْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُبْضِعُ أَوْ يُقَارِضُ أَوْ يَسْتَوْدِعُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يُبْضِعَ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ، أَوْ يُقَارِضَ دُونَ صَاحِبِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَا تَفَاوَضَا كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، قَدْ فَوَّضَ هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: اعْمَلْ بِاَلَّذِي تَرَى قُلْتُ: وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَسْتَوْدِعَ؟ قَالَ: إذَا احْتَاجَ إلَى أَنْ يَسْتَوْدِعَ، جَازَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي، وَذَلِكَ أَنَّا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ، يَسْتَوْدِعُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ فَيَسْتَوْدِعُهَا غَيْرَهُ فَتَهْلَكُ، هَلْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ؟ قَالَ: إنْ كَانَ رَجُلًا أَرَادَ سَفَرًا، أَوْ كَانَ بَيْتُهُ مُعْوِرًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْعُذْرِ، فَأَرَى أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ هَذَا فَأَرَاهُ ضَامِنًا. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَالْمُسَافِرُ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلُ الْبِضَاعَةَ فِي سَفَرِهِ يَرْفَعُهَا لَهُ فَيَدْفَعُهَا إلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ، وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَ الْحَاضِرِ، لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ عَرَفَ نَاحِيَتَهُ وَأَنَّهُ فِي سَفَرٍ. فَالشَّرِيكُ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ إذَا نَزَلَ الْبَلَدَ، فَخَافَ عَلَى مَا مَعَهُ فَاسْتَوْدَعَهَا رَجُلًا، لِأَنَّ التُّجَّارَ مَنَازِلُهُمْ فِي الْغُرْبَةِ مَا عَلِمْتَ إنَّمَا هِيَ الْفَنَادِقُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي يَتَخَوَّفُونَ فِيهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْحَالِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ فَاسْتَوْدَعَهَا رَأَيْتُهُ ضَامِنًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا دَفَعَ إلَيَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَدِيعَةً مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، فَرَدَدْتُهَا عَلَى شَرِيكِهِ، أَيَكُونُ عَلَيَّ الضَّمَانُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْكَ إذَا صَدَقَكَ بِذَلِكَ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْدَعَنِي أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَدِيعَةً مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، أَوْ بَايَعَنِي، فَرَدَدْتُ الْوَدِيعَةَ عَلَى شَرِيكِهِ، أَوْ دَفَعْت الثَّمَنَ إلَى شَرِيكِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَبِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَكَذَّبَنِي شَرِيكُهُ وَقَالَ: لَمْ تَدْفَعْ لِي شَيْئًا؟ قَالَ: أَنْتَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَكَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَذَا الشَّرِيكِ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ مِنْكَ ذَلِكَ الدَّيْنَ أَوْ تِلْكَ الْوَدِيعَةَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى وَكِيلِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ هَذَا الْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْمَالُ: قَدْ دَفَعْتُ الْمَالَ إلَى
стр. 1723
وَكِيلِكَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى الرَّسُولِ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ، وَإِلَّا ضَمِنَ الْمَالَ. قُلْتُ: وَالْمُفَاوِضُ إذَا قَالَ لِشَرِيكِهِ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْ فُلَانٍ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أَوْدَعْتُهُ، أَوْ ثَمَنَ السِّلْعَةِ الَّتِي بِعْتُهَا مِنْهُ، كَانَ فُلَانٌ ذَلِكَ بَرِيئًا مِمَّا اسْتَوْدَعَ وَمِمَّا اشْتَرَى؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَدِيعَةً مِنْ تِجَارَتِهِمَا عِنْدَ رَجُلٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ الْمُسْتَوْدَعُ: قَدْ دَفَعْتهَا إلَيْك، وَكَذَّبَهُ الَّذِي أَوْدَعَهُ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ إذَا قَالَ قَدْ رَدَدْتُهَا إلَى الَّذِي أَوْدَعَنِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِبَيِّنَةٍ اسْتَوْدَعَهُ، فَلَا يَبْرَأُ بِقَوْلِهِ قَدْ رَدَدْتُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ، إلَّا أَنْ يَقُولَ قَدْ هَلَكَتْ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَلَهُ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ، فَاسْتَوْدَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَا اسْتَوْدَعَ شَرِيكَهُ؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِيمَا وَصَفْتُ لَكَ، مِنْ عَوْرَةِ بَيْتِ أَوْ سَفَرٍ أَرَادَهُ عَلَى مِثْلِ مَا يَجُوزُ لَهُ فِي غَيْرِ شَرِكَةٍ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِنٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَوْدَعْت أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَدِيعَةً، وَهُمَا مُتَفَاوِضَانِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ دُونَ صَاحِبِهِ، أَتَكُونُ الْوَدِيعَةُ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا، أَوْ عِنْدَ الَّذِي اسْتَوْدَعْت؟ قَالَ: لَا تَكُونُ إلَّا عِنْدَ الَّذِي اسْتَوْدَعْتَهَا إيَّاهُ. قُلْتُ:، فَإِنْ مَاتَ هَذَا الَّذِي اسْتَوْدَعْتُهَا إيَّاهُ وَلَا تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا؟ قَالَ: تَكُونُ دَيْنًا فِي مَالِ هَذَا الْمَيِّتِ الْمُسْتَوْدَعِ وَحْدَهُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ فِي مَالِ شَرِيكِهِ الْمُفَاوَضِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةَ فَتَهْلِكُ وَلَا تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا عِنْدَهُ: إنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا فِي مَالِهِ، فَالشَّرِيكُ الْمُسْتَوْدَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ضَامِنٌ لَهَا إذَا لَمْ تُعْرَفْ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا جَعَلْتُهَا فِي مَالِهِ دُونَ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا وَدِيعَةً، أَوْ أَبْضَعْتُ مَعَهُ بِضَاعَةً، أَوْ قَارَضْتُهُ بِمَالٍ فَمَاتَ، وَلَا يَعْلَمُ مَا صَنَعَ بِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَلَهُ مَالٌ، أَتَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ دَيْنًا فِي مَالِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ كُلُّهُ دَيْنٌ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ ضَرَبَ صَاحِبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَعَ الْغُرَمَاءِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً، فَعَمِلَ فِيهَا وَتَعَدَّى فَرَبِحَ، أَيَكُونُ لِشَرِيكِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ شَرِيكُهُ قَدْ عَلِمَ بِمَا تَعَدَّى صَاحِبُهُ فِي تِلْكَ الْوَدِيعَةِ، وَرَضِيَ بِأَنْ يَتَّجِرَ بِهَا بَيْنَهُمَا، فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا ضَامِنَانِ لِلْوَدِيعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ لِلْمُتَعَدِّي، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَا يَكُونُ عَلَى شَرِيكِهِ الضَّمَانُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَهُوَ رَأْيِي. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَعَمِلَ مَعَهُ،
стр. 1724
فَإِنَّمَا لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا أَعَانَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ مَعَهُ، وَإِنْ رَضِيَ وَلَمْ يَعْمَلْ مَعَهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ رِضَاهُ إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا وَيُغَيِّبْ عَلَيْهَا وَيُقَلِّبْهَا، فَلَيْسَ رِضَاهُ بِاَلَّذِي يُضَمِّنُهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ بِالرِّضَا رِبْحُ مَا لَمْ يَعْمَلْ، وَلَا إجَارَةُ مَا لَمْ يَعْمَلْ إلَّا مِنْ وَجْهِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِلرَّجُلِ: لَكَ نِصْفُ مَا أَرْبَحُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ، فَطَلَعَ فِيهَا رِبْحٌ، فَلَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ فَيَأْخُذَهُ، مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ أَوْ يَذْهَبْ.
[أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُشَارِكُ رَجُلًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ، شَارَكَ أَحَدُهُمَا شَرِيكًا آخَرَ فَاوَضَهُ بِمَالٍ بِغَيْرِ أَمْرِ شَرِيكِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ إنَّمَا يُشَارِكُهُ شَرِكَةً لَيْسَتْ بِشَرِكَةِ مُفَاوَضَةٍ، مِثْلُ السِّلْعَةِ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ تِجَارَةٌ مِنْ التِّجَارَاتِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُشَارِكُهُ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، حَتَّى يَكُونَ شَرِيكًا لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتِجَارَاتِهِمْ يَقْضِي فِي ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يُقَارِضَ أَحَدَهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَا تَفَاوَضَا كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، قَدْ فَوَّضَ هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا يَعْمَلُ بِاَلَّذِي يَرَى
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، أَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ فِي هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ ضَمَانِ هَذِهِ الْمُقَارَضَةِ إنْ تَعَدَّى أَحَدُهُمَا، وَلَا أَرَى لَهُ مِنْ رِبْحِهَا شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهَا مَعَ صَاحِبِهَا، لِأَنَّ الْمُقَارَضَةَ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ، إنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ آجَرَ نَفْسَهُ فِيهَا، فَلَا يَكُونُ لِشَرِيكِهِ فِيهَا شَيْءٌ.
[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَسْتَعِيرُ الْعَارِيَّةَ لِتِجَارَتِهِمَا فَتَتْلَفُ أَيَضْمَنَاهَا جَمِيعًا أَمْ لَا .]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اسْتَعَارَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ شَيْءٍ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مَنْ تِجَارَتِهِمَا أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَتِهِمَا فَتَلِفَ، أَيَضْمَنَانِهِ جَمِيعًا؟ أَوْ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الَّذِي اسْتَعَارَ وَحْدَهُ؟ قَالَ: الضَّمَانُ عَلَى الَّذِي اسْتَعَارَ وَحْدَهُ، وَلَا يَكُونُ عَلَى شَرِيكِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَقُولُ: أَنَا لَمْ آمُرْكَ بِالْعَارِيَّةِ، إنَّمَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَسْتَأْجِرَ عَلَيَّ، لِأَنَّكَ إذَا اسْتَأْجَرْتَ لَمْ أَضْمَنْ. فَأَمَّا مَا يَدْخُلُ عَلَيَّ فِيهِ الضَّرَرُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ التِّجَارَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَكَ. فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَا قَالَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِينَارٍ، وَالسَّفِينَةَ قِيمَتُهَا أَيْضًا كَذَلِكَ، وَهُوَ لَوْ تَكَارَاهَا، كَانَ كِرَاؤُهَا دِينَارًا فَهَذَا يُدْخِلُ عَلَى صَاحِبِهِ الضَّرَرَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهِ. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ.
стр. 1725
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهَذِهِ الدَّوَابُّ عَارِيَّةٌ لَا تُضْمَنُ، إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى الْمُسْتَعِيرُ. وَلَوْ اسْتَعَارَاهَا جَمِيعًا، فَتَعَدَّى أَحَدُهُمَا لَمْ يَضْمَنْ إلَّا الْمُتَعَدِّي فِي مُصَابَتِهِ، وَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُهُ، لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ جَانٍ وَصَاحِبُهُ لَا يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا طَعَامًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، فَخَالَفَهُ شَرِيكُهُ فَحَمَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ أَمَرَهُ طَعَامًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ، أَيَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَرَى عَلَيْهِ الضَّمَانَ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ فَعَلَ مَا كَانَ يَجُوزُ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَفْعَلَ. وَإِنَّمَا اسْتَعَارَهَا شَرِيكُهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا سِلْعَةً مِنْ تِجَارَتِهِمَا، فَإِنَّمَا حَمَلَ عَلَيْهَا هَذَا مَا اسْتَعَارَهَا فِيهِ صَاحِبُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي سَحْنُونُ: وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لِمَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا، فَعَمِلَهُ الْآخَرُ، فَكَأَنَّهُ وَكِيلٌ لَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ لَهُ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَ رَجُلٌ دَابَّةً، لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا غُلَامًا لَهُ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَرَبَطَهَا فِي الدَّارِ، فَأَتَى إنْسَانٌ فَحَمَلَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْغُلَامَ الَّذِي اسْتَعَارَهَا سَيِّدُهُ لَهُ، فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَاهُ ضَامِنًا، لِأَنَّهُ حَمَلَ عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَبِغَيْرِ وَكَالَةٍ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُعِيرُ أَوْ يَهِبُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ أَنْ يُعِيرَ شَيْئًا مَنْ مَتَاعِ الشَّرِكَةِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَسَّعَ لَهُ فِي ذَلِكَ شَرِيكُهُ، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الْخَفِيفِ، مِثْلُ الْغُلَامِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسْقِيَ الدَّابَّةَ لِرَجُلٍ، فَهَذَا أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَالْعَارِيَّةُ إنَّمَا هِيَ مَعْرُوفٌ، فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ الْمَعْرُوفَ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ اسْتِئْلَافًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مَا وَضَعَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَعَارَ أَوْ وَهَبَ قَالَ: فَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ عِنْدِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِيَجْتَرَّ بِهِ فِي الشِّرَاءِ وَالِاسْتِغْزَارِ مِنْ سِلَعِهِ الَّتِي يَبِيعُ، فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فِيمَا ضَيَّعَ، لِأَنَّ هَذَا يَصِيرُ مِنْ تِجَارَتِهِمَا. وَأَمَّا إنْ صَنَعَ ذَلِكَ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا صَنَعَهُ مَعْرُوفًا مِنْهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَيَضْمَنُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا مَا اجْتَرَّ بِهِ مَنْفَعَةً: قُلْتُ. أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ جَارِيَةً مِنْ شَرِكَتِهِمَا، ثُمَّ وَهَبَ الثَّمَنَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِي حِصَّتِهِ سَحْنُونُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ، لَا مِنْ حِصَّتِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ الْمَالِ، وَيُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ، لِأَنَّهُ إذَا وَهَبَ لِرَجُلٍ مِنْ حِصَّتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ لِلْآخَرِ فِي الْبَيْعِ، فَقَدْ أَضَرَّ بِصَاحِبِهِ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الضَّعْفَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، فَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ فِعْلُهُ وَتَبْقَى الشَّرِكَةُ، وَلَكِنْ فِعْلُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ فِيمَا وَهَبَ أَوْ وَضَعَ، وَتَنْفَسِخُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا.
стр. 1726
[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُكَاتِبُ الْعَبْدَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا أَوْ يَأْذَنُ لَهُ بِالتِّجَارَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَبْدًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ شَرِكَتِنَا وَنَحْنُ مُتَفَاوِضَانِ، أَذِنَ لَهُ أَحَدُنَا فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: تَحْفَظْهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، وَهُوَ رَأْيِي أَنَّهُ يَجُوزُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَاتَبَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ مِمَّا فِي يَدِ الْعَبْدِ، فَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ عِنْدِي، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، لَرَأَيْتُ ذَلِكَ جَائِزًا، لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ وَضِيعَةٌ عَنْ قِيمَتِهِ، لَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا. وَالْعِتْقُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ إلَّا خَيْرًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ.
[فِي كَفَالَةِ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَغَصْبِهِ وَجِنَايَتِهِ أَيَلْزَمُ شَرِيكَهُ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَيَلْزَمُ كَفَالَةُ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ شَرِيكَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ شَرِيكَهُ، لِأَنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اغْتَصَبَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، أَوْ عَقَرَ دَابَّةً أَوْ أَحْرَقَ ثَوْبًا أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ فَعَمِلَ الطِّينَ وَالطُّوبَ، أَوْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ نَحْوَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَوْ جَنَى جِنَايَةً، أَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ شَرِيكَهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى شَرِيكِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِيمَا أَصَابَ شَيْءٌ. قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَذَا رَأْيِي.
[أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بَاعَ جَارِيَة فَوُجِدَ بِهَا الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّهَا عَلَى شَرِيكِهِ الْآخَرِ]
فِي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَبِيعُ الْجَارِيَةَ فَيَجِدُ بِهَا الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَيُرِيدُ رَدَّهَا عَلَى شَرِيكِهِ الْآخَرِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ جَارِيَةً مِنْ شَرِكَتِهِمَا، فَأَصَابَ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا، أَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ؟ .
قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مَعَهُ مُقِيمًا، أَوْ غَابَ غَيْبَةً قَرِيبَةً، فَيَنْظُرُ حَتَّى يَأْتِيَ لَعَلَّ لَهُ حُجَّةً إذَا كَانَ إنَّمَا غَيْبَتُهُ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ. وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ، أَنَّهُ اشْتَرَى بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَةَ الْإِسْلَامِ نَظَرَ فِي الْعَيْبِ. فَإِنْ كَانَ قَدِيمًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدَّهَا، وَإِنْ كَانَ يَحْدُثُ مِثْلُهُ قِيلَ لَهُ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَإِلَّا حَلَفَ شَرِيكُ الْبَائِعِ بِاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ بِهَا عِنْدَنَا وَيَبْرَأُ. وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، قِيلَ لِلْمُشْتَرِي احْلِفْ مَا حَدَثَ عِنْدَكَ ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ.
стр. 1727
[الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَبِيعَانِ السِّلْعَةَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا إلَيْهِ أَجَلٍ ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ]
فِي الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَبِيعَانِ السِّلْعَةَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ فَيَقْضِي الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ أَحَدَهُمَا أَوْ يَكُونُ لَهُمَا الدَّيْنُ فَيَقْضِيَاهُ أَحَدَهُمَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ، بَاعَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ افْتَرَقَا فَعَلِمَ الْمُشْتَرِي بِافْتِرَاقِهِمَا، فَقَضَى الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهُ الْعَبْدَ، أَيَضْمَنُ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ شَيْئًا أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ ضَامِنٌ لِمَا اُسْتُحِقَّ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ الْعَبْدَ مِنْ الثَّمَنِ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِافْتِرَاقِهِمَا، فَقَضَى الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ الْعَبْدَ؟ قَالَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا قَضَاهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِافْتِرَاقِهِمَا، وَذَلِكَ سَوَاءٌ قَضَى الَّذِي بَاعَهُ أَوْ الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ لَا يَضْمَنُ، إذَا قَضَى وَاحِدًا مِنْهُمَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ وَكِيلًا لِرَجُلٍ، قَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ تِجَارَتَهُ وَبَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ وَبِأَنْ يَقْتَضِيَ دَيْنَهُ وَأَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ وَتَبَرَّأَ مِنْ وَكَالَتِهِ، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ وَكَالَتِهِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ جَمِيعُ غُرَمَائِهِ، فَلَقِيَ الْوَكِيلُ غَرِيمًا مِنْ غُرَمَاءِ الَّذِي كَانَ وَكَّلَهُ فَقَضَاهُ الْغَرِيمُ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبَرِّئُهُ مِنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ هُوَ الَّذِي بَاعَهُ فَقَضَاهُ الْغَرِيمُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ، كَانَ دَيْنًا مِنْ الدَّيْنِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ أَيْضًا وَهُوَ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَيَقْبِضُهُ شَرِيكُهُ الْآخَرُ، أَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّهُ قَدْ فَسَخَ أَمْرَهُ، فَاقْتَضَى بَعْدَ هَذَا وَاَلَّذِي قَضَاهُ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ، فَالْغَرِيمُ لَهُ ضَامِنٌ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ وَقَضَاهُ الْغَرِيمُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَلَا تِبَاعَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ يَعْلَمُ بِفَسْخِ الْوَكَالَةِ وَالْوَكِيلُ لَا يَعْلَمُ فَالْغَرِيمُ ضَامِنٌ.
[فِي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَبْتَاعُ مِنْ شَرِيكِهِ الْعَبْدَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَبْدًا مَنْ تِجَارَتِهِمَا مَنْ شَرِيكِهِ، أَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شِرَاؤُهُ جَائِزٌ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِك؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي، مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ، فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَهُمَا فَيَطَؤُهَا أَحَدُهُمَا: إنَّهُمَا يَتَقَاوَمَانِهَا حَتَّى تَصِيرَ لِأَحَدِهِمَا. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ شِرَاءَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ السِّلْعَةَ، فَيَشْتَرِيهَا مِنْ شَرِيكِهِ وَهِيَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا. قُلْتُ: وَسَوَاءٌ عِنْدَكَ إنْ اشْتَرَاهَا مِنْ شَرِيكِهِ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِيَقْنِيَهَا، قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدِي.
[أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ ابْتَاعَ الْعَبْدَ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَقَبْلَهُ وَأَبَى ذَلِكَ شَرِيكُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا فَقَبِلَهُ
стр. 1728
بَعْدَ مَا اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الشَّرِيكِ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا، فَقَبِلَهُ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا أَرُدُّهُ أَوْ قَدْ رَدَدْتُهُ بِعَيْبِهِ، وَقَالَ صَاحِبُهُ قَدْ قَبِلْتُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ رَدَّهُ بِعَيْبِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ الْآخَرُ وَقَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَبِالرَّدِّ، لَزِمَ ذَلِكَ شَرِيكَهُ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ
[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُوَلِّي أَوْ يُقِيلُ مِنْ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا بَاعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَوْ وَلَّى أَوْ أَقَالَ، أَلَيْسَ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا بَاعَ أَحَدُ الشِّرْكَيْنِ جَارِيَةً مَنْ شَرِكَتِهِمَا وَأَقَالَهُ شَرِيكُهُ الْآخَرُ أَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ حَابَاهُ فِي الْإِقَالَةِ، يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّ إقَالَتَهُ مُحَابَاةٌ، لِإِبْضَاعِ ثَمَنِهَا وَكَثْرَةِ مَا بَاعَهَا بِهِ صَاحِبُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَأَنَّ صَاحِبَهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مَلِيءٌ بِالثَّمَنِ. فَلَوْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ أَخَذَهُ فَأَقَالَهُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا قَدْرَ حِصَّتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ فِي مَالِ شَرِيكِهِ، إلَّا مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ التِّجَارَةَ وَمَا يَجُرُّ بِهِ إلَى التِّجَارَةِ، وَالْمَعْرُوفُ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُضِيفَهُ فِي مَالِ شَرِيكِهِ، وَهُوَ يَجُوزُ عَلَيْهِ هُوَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ حِصَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَقَالَهُ لِعَدَمٍ بِهِ خَافَ أَنْ يَذْهَبَ الثَّمَنُ كُلُّهُ فَأَقَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَلِشَرِيكِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى شَرِيكِهِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَهَذَا شِرَاءٌ حَادِثٌ. قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
[فِي إقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِدَيْنٍ لِذِي قَرَابَتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ، أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ لِزَوْجَتِهِ، أَوْ لِجَدِّهِ بِدَيْنٍ أَوْ لِجَدَّتِهِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لِأَبِيهِ؟ قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ مَنْ تِجَارَتِهِمَا لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ، وَلَا كُلِّ مَنْ يُتَّهَمُ فِيهِ. قُلْتُ: وَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدِي، عَلَيْهِمَا جَمِيعًا إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ تِجَارَتِهِمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُتَفَاوِضَيْنِ فِي تِجَارَةٍ، أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ مِنْ تِجَارَتِهِمَا؟ قَالَ: يَلْزَمُ صَاحِبَهُ إقْرَارُهُ، إذَا كَانَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ فِي دَارٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ، أَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بِنِصْفِ ذَلِكَ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمَا؟ قَالَ: يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَ إقْرَارِ هَذَا الْمُقِرِّ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ، وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي أَحَدِ الْوَرَثَةِ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ: إنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَحْلِفُ مَعَ إقْرَارِ هَذَا وَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ.
стр. 1729
[الْقَضَاءُ فِي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَمُوتُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ؟ قَالَ: إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا أَنْ يُحْدِثَ فِي الْمَالِ الْبَاقِي، وَلَا فِي السِّلَعِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، إلَّا بِرِضَا الْوَرَثَةِ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ حِينَ مَاتَ أَحَدُهُمَا انْقَطَعَتْ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَصَارَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ لِلْوَرَثَةِ، وَهَذَا رَأْيِي.
[الدَّعْوَى فِي الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ اشْتَرَكَا شَرِكَةً صَحِيحَةً، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ ابْتَاعَ سِلْعَةً وَضَاعَتْ مِنْهُ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُصَدَّقَ فِي قَوْلِهِ الَّذِي قَالَ: اشْتَرَيْتُ وَضَاعَ مِنِّي، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنْ يَأْتَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُتَفَاوِضَيْنِ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ الْبَاقِي مِنْهُمَا: قَدْ رَهَنَّا مَتَاعًا كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مَنْ شَرِكَتِنَا عِنْدَ فُلَانٍ، فَقَالَتْ وَرَثَةُ الْهَالِكِ: لَمْ تَرْهَنَاهُ وَلَكِنَّك أَعْطَيْته هَذَا الْمَتَاعَ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِنَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَتَاعُ، حِصَّةُ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ أَنَّهُ رَهَنَ وَهُوَ الْحَيُّ مِنْهُمَا، وَيُقَالُ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَتَاعُ الرَّهْنُ: احْلِفْ لِأَنَّ لَكَ شَهَادَةَ هَذَا، وَاسْتَحِقَّ النِّصْفَ الَّذِي لِلْمَيِّتِ أَنَّهُ رَهَنَ فِي يَدِكَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ أَوْلَادًا، فَأَقَرَّ بَعْضُ وَلَدِهِ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ وَأَنْكَرَ الْبَقِيَّةُ، قَالَ: إنْ أَحَبَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ، لِأَنَّهُ شَاهِدٌ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ دَيْنَهُ كُلَّهُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ كُلِّهِ، وَإِنْ أَبَى أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ نَصِيبِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ دَيْنَهُ كُلَّهُ مِنْ حِصَّةِ هَذَا الشَّاهِدِ وَحْدَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ، جَحَدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. فَتَلِفَ الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ الْجَاحِدِ، أَيَضْمَنُ حِصَّةَ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَ كَانَ مَانِعًا لِحِصَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِهِ حَتَّى يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَهُ صَارَ مَانِعًا مُتَعَدِّيًا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَ إذَا مَاتَ فَأَقَامَ صَاحِبُهُ الْبَيِّنَةَ، أَنَّ مِائَةَ دِينَارٍ مَنْ الشَّرِكَةِ كَانَتْ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَجِدُوهَا وَلَمْ يَعْلَمُوا لَهَا مَسْقَطًا؟ قَالَ: أَرَى إنْ كَانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِنْ أَخْذِهَا فِيمَا يُظَنُّ أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَشْغَلْهَا فِي تِجَارَةٍ، فَأَرَى ذَلِكَ فِي حِصَّتِهِ فِي مَالِهِ، وَأَمَّا مَا تَطَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي عَلَى صَاحِبِهِ، وَيَشْتَرِي عَلَيْهِ وَيَقْضِي عَنْهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مِثْلِ هَذَا. أَرَأَيْتَ لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ مَالًا مُنْذُ سَنَةٍ، وَهُمَا يَبِيعَانِ وَيَشْتَرِيَانِ، أَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ؟ أَيْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ
стр. 1730
[كِتَابُ الْقِرَاضِ] [ الْقِرَاضُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ]
ِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْقِرَاضُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَصْلُحُ الْمُقَارَضَةُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ. قُلْتُ: فَهَلْ تَصْلُحُ بِالْفُلُوسِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَاهُ جَائِزًا، لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ إلَى الْكَسَادِ وَالْفَسَادِ، فَلَا تُنْفَقُ. وَلَيْسَتْ الْفُلُوسُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالسِّكَّةِ الْبَيِّنَةِ، حَتَّى تَكُونَ عَيْنًا بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُجِيزُ شِرَاءَهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ نَظِرَةً، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ مُنْذُ أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: أَكْرَهُهُ وَلَا أَرَاهُ حَرَامًا، كَتَحْرِيمِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ. فَمِنْ هَاهُنَا كَرِهْتُ الْقِرَاضَ بِالْفُلُوسِ. وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَنْ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: الْمُقَارَضَةُ الَّتِي عَلَيْهَا أَصْلُ الْمُقَارَضَةِ: أَنْ تُقَارِضَ مَنْ قَارَضْتَهُ مَالًا، عَلَى أَنَّ رَأْسَ مَالِكَ الَّذِي يُدْفَعُ إلَيْنَا عَيْنًا مَا دَفَعْتَ إلَيْهِ مِنْ وَزْنِ ذَلِكَ وَضَرْبِهِ، يَبْتَغِي فِيهِ صَاحِبُهُ مَا ابْتَغَى، فَيُدِيرُ مَا أَدَارَ مِنْهُ عَلَى مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ زَكَاةٍ، حَتَّى إذَا حَضَرَتْ الْمُحَاسَبَةُ وَنَضَّ الْقِرَاضُ، فَمَا وَجَدْتَ بِيَدِهِ أَخَذْتَ مِنْهُ رَأْسَ مَالِكَ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ رِبْحٍ تَقَاسَمْتُمَاهُ عَلَى مَا تَقَارَضْتُمَاهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْزَاءِ الرِّبْحِ، شَطْرَيْنِ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لَا يَحِلُّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَضْمَنَ لِصَاحِبِهِ رِبْحًا يَأْتِيهِ بِهِ، وَلَا يَحِلُّ قِرَاضٌ عَلَى الضَّمَانِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: الْقِرَاضُ لَا يَكُونُ لَا فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا تَكُونُ مُقَارَضَةٌ إلَّا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ قَالَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَرِهَ الْبَزَّ مُضَارَبَةً.
стр. 1731
[الْمُقَارَضَةُ بِنَقْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّقْرَ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ أَيَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهَا؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَخْبَرَنَا أَنَّ مَالِكًا سَهَّلَ فِيهَا، وَكَانَ اللَّيْثُ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهَا وَكَانَ يَكْرَهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً وَيَقُولُ: لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، فَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِنَقْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
[الْمُقَارَضَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقِرَاضَ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَهِلَا فَأَخَذَا حِنْطَةً قَرْضًا فَبَاعَهَا وَعَمِلَ فَرَبِحَ قَالَ: يُعْطَى أَجْرَ مِثْلِهِ فِي بَيْعِهِ الْحِنْطَةَ، وَيُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ يَوْمَ يَنُضُّ الْمَالُ فِيمَا عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ نِصْفَ الرِّبْحِ قَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَصْلَهُ كَانَ فَاسِدًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقِرَاضَ بِمَا يُوزَنُ وَيُكَالُ، لِمَ كَرِهْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ خَطَرٌ يَأْخُذُ الْحِنْطَةَ أَوْ الشَّعِيرَ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ أَخَذَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَيَعْمَلُ بِهِ فَتَصِيرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ يَرُدَّهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَيَغْتَرِقُ رِبْحُهُ أَوْ تَكُونُ قِيمَتُهَا حِينَ يَرُدَّهَا خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ قَدْ رَبِحَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: الْقِرَاضُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقَارِضَ أَحَدًا مَالًا عَلَى كَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّبْحِ، وَزِيَادَةِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، أَوْ بِشَيْءٍ مُسَمًّى، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الزِّيَادَاتِ قَالَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَلَا تَشْتَرِطْ أَيُّهَا الْمُقَارِضُ الَّذِي لَكَ الْمَالُ، أَنَّك تُعِينُهُ بِنَفْسِكَ، وَلَا تَبِعْ مَعَهُ وَلَا تَبْتَعْ مِنْهُ وَلَا تُعِينُهُ بِغُلَامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ تُزِيدُهُ إيَّاهَا مَعَ مَا سَمَّى لَكَ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا تَخْلِطَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ بِغَيْرِهِ. وَلَيْسَ الْقِرَاضُ بِأَنْ تَدْفَعَ إلَى صَاحِبِكَ سِلْعَةً أَوْ غَيْرَهَا مَا كَانَتْ، ثُمَّ تُسَمِّي لَهُ مَا قَامَ بِهِ عَلَيْكَ، وَتَقُولُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ رِبْحٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَلَيْسَ هَذَا الْقِرَاضَ، وَلَكِنَّ هَذَا بَابٌ مِنْ الْإِجَارَةِ لَا يَصْلُحُ. قَالَ: وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّكَ كَأَنَّكَ اسْتَأْجَرْتَهُ يَبِيعَ لَكَ سِلْعَتَكَ، وَلَهُ نِصْفُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الرِّبْحِ، فَإِنْ لَمْ يَرْبَحْ ذَهَبَ عَمَلُهُ بَاطِلًا، وَمَوْضِعُ الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، إذَا كَانَ يَحْسِبُ لَهُ مَنْ يُبْصِرُ لَهُ ذَلِكَ أَجَرَهُ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ، وَيَكُونُ مَا كَانَ فِي سِلْعَتِكَ مِنْ رِبْحٍ أَوْ نُقْصَانٍ لَكَ وَعَلَيْكَ.
[الْقِرَاضُ الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِي عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْمَلْ بِهَا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ، فِي الْمَالِ إذَا كَانَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ
стр. 1732
رَبُّ الْمَالِ: اعْمَلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْكَ قِرَاضًا، قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا، إلَّا أَنْ يَقْبِضَ دَيْنَهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ بَعْدَ مَا يُقْبِضُهُ، فَأَرَى الْوَدِيعَةَ مِثْلَ هَذَا، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَنْفَقَ الْوَدِيعَةَ فَصَارَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا. قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ قُلْتُ لَهُ: اقْتَضِ دَيْنِي الَّذِي لِي عَلَى فُلَانٍ وَاعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَضَاهُ وَعَمِلَ عَلَى هَذَا فَرَبِحَ أَوْ وَضَعَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ فِي تَقَاضِيهِ وَيَرُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دَيْنًا لِي عَلَى رَجُلٍ، أَمَرْتُهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ قِرَاضًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: خَوْفًا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا اعْتَزَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالدَّيْنِ وَيَزِيدَهُ فِي دَيْنِهِ.
[الْمُقَارِضِ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ إلَيْهِ الْعَامِلِ وَيَقُولُ لَهُ اصْرِفْهَا دَنَانِيرَ وَاعْمَلْ بِهَا قِرَاضًا]
الْمُقَارِضِ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ إلَى الْعَامِلِ وَيَقُولُ لَهُ اصْرِفْهَا دَنَانِيرَ وَاعْمَلْ بِهَا قِرَاضًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ، فَقَالَ اصْرِفْهَا دَنَانِيرَ وَاعْمَلْ بِهَا قِرَاضًا؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا، لِأَنَّ فِي هَذَا مَنْفَعَةً لِرَبِّ الْمَالِ، وَهِيَ مِثْلُ الْأُولَى الَّتِي فَوْقَهَا فِيمَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِ إذَا وَقَعَ وَعَمِلَ بِهِ.
[الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ يَشْتَرِي بِهِ جُلُودًا فَيَعْمَلُهَا خِفَافًا بِيَدِهِ يَبِيعُهَا عَلَى النِّصْفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ جُلُودًا، فَيَعْمَلَهَا بِيَدِهِ خِفَافًا أَوْ نِعَالًا أَوْ سِفْرًا ثُمَّ يَبِيعَهَا، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِيهَا فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا، وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ صَائِغٌ عَلَى أَنْ يَصُوغَ وَيَعْمَلَ، فَمَا رَبِحَ فِي الْمَالِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَاشْتَرَطَ صِيَاغَةَ يَدِهِ فِي الْمَالِ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ: فَإِنْ عَمِلَ رَأَيْتُهُ أَجِيرًا، وَمَا كَانَ فِي الْمَالِ مِنْ رِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ قَالَ سَحْنُونُ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنْ الْمُقَارَضَةِ وَالْبِضَاعَةِ، يَكُونُ ذَلِكَ بِشَرْطٍ. فَقَالَ: لَا يَصْلُحُ مِنْ أَجْلِ الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ فِيهِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ؛ لَا يَصْلُحُ أَنْ تَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً، وَتَشْتَرِطَ مِنْ الرِّبْحِ حَاصِلَةً لَكَ دُونَهُ وَلَوْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَلَكِنْ تَشْتَرِطُ نِصْفَ الرِّبْحِ لَكَ، وَنِصْفُهُ لَهُ، أَوْ ثُلُثَهُ لَكَ وَثُلُثَاهُ لَهُ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ مَا دَامَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ شِرْكٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَلَالٌ، وَهُوَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ سَحْنُونُ: فَكَيْفَ بِمَنْ شَرَطَ عَمَلَ الْعَامِلِ بِيَدِهِ؟ فَذَلِكَ أَعْظَمُ لِلزِّيَادَةِ، وَأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ قِرَاضِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 1733
[فِي الْمُقَارَضَةِ عَلَى الْأَجْزَاءِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَةَ عَلَى النِّصْفِ أَوْ الْخُمْسِ أَوْ السُّدُسِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْطَيْته مَالًا قِرَاضًا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ كُلَّهُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمَالَ، يَعْمَلُ بِهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: قَدْ أَحْسَنَ وَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ النَّخْلَ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَلَمْ أُسَمِّ لَهُ ثُلُثًا وَلَا رُبْعًا وَلَا نِصْفًا، وَلَا أَكْثَرَ مَنْ أَنْ قُلْتُ لَهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ قِرَاضًا فَعَمِلَ فَرَبِحَ وَتَصَادَقَ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ: اجْعَلْهُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ لِي وَالثُّلُثُ لَكَ، أَوْ الثُّلُثَانِ لِلْعَامِلِ وَلِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ، وَقَدْ عَمِلَ بِالْمَالِ فَفَعَلَ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
[دَفَعَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لَهُ وَالثُّلُثَ لِلْآخَرِ وَالسُّدُسَ لِلْآخَرِ]
فِي الْمُقَارِضِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلَيْنِ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لِلْمُقَارِضِ وَالثُّلُثَ لِلْآخَرِ وَالسُّدُسَ لِلْآخَرِ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلَيْنِ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لِي وَثُلُثَ الرِّبْحِ لِأَحَدِهِمَا، وَسُدُسَ الرِّبْحِ لِلْآخَرِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا، لِأَنَّ الْعَامِلَيْنِ فِي الْمَالِ لَوْ اشْتَرَكَا عَلَى مِثْلِ هَذَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ هَذَا، إذَا عَمِلَ الْعَامِلَانِ عَلَى مِثْلِ مَا يَجُوزُ فِي الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا. أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا يَأْخُذُ بَعْضَ رِبْحِ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ؟ قُلْتُ: أَوْ لَيْسَ قَدْ يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَالِ، أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَلِمَ لَا يَجُوزُ لِهَذَيْنِ الْعَامِلَيْنِ، وَلِمَ لَا تَجْعَلْهُمَا كَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ جَعَلَ لِأَحَدِهِمَا السُّدُسَ وَلِلْآخَرِ السُّدُسَ وَزَادَ أَحَدَهُمَا السُّدُسَ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا هَكَذَا، وَلَكِنَّ هَذَا كَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَالَ لِلْعَامِلِ الَّذِي عَمِلَ بِالثُّلُثِ: اعْمَلْ مَعَ هَذَا عَلَى أَنَّ لَكَ رِبْحَ بَعْضِ عَمَلِ هَذَا.
[فِي الْمُتَقَارِضَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي أَجْزَاءِ الرِّبْحِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَيْهِ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى الثُّلُثَيْنِ، وَلَمْ أُبَيِّنْ لِمَنْ الثُّلُثَانِ أَلِرَبِّ الْمَالِ أَوْ لِلْعَامِلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ إذَا اخْتَلَفَا، فَقَالَ: رَبُّ الْمَالِ إنَّمَا عَمِلْتُ عَلَى أَنَّ الثُّلُثَ لَكَ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ عَمِلْتُ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَ
стр. 1734
وَالثُّلُثَيْنِ لِي قَالَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الْعَامِلُ، إذَا كَانَ يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ. فَأَرَى أَنَّ مَسْأَلَتَكَ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ: أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لَهُ وَالثُّلُثُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ، إذَا كَانَ يُشْبِهُ عَمَلَ مِثْلِهِ وَإِلَّا رُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ.
قَالَ: وَأَرَى الْمُسَاقَاةَ فِي هَذَا مِثْلَ الْقِرَاضِ، وَمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا فِي الْمُسَاقَاةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْتُ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاخْتَلَفْنَا، فَقُلْتُ: إنَّمَا دَفَعْت إلَيْك الْمَالَ، عَلَى أَنَّ الثُّلُثَ لَكَ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ دَفَعْت إلَيَّ عَلَى أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِي، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُعْمَلَ فِي الْمَالِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَرَادَّانِ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَنْ يَعْمَلَ عَلَى مَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا فَاخْتَلَفَا فِي أُجْرَةِ الْخِيَاطَةِ قَالَ الْخَيَّاطُ: إجَارَتِي دِرْهَمَانِ، وَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: إجَارَتُك دِرْهَمٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ فَكَذَلِكَ الْمُقَارِضُ، الْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَادَّعَيْتُ أَنِّي دَفَعْت الْمَالَ إلَيْهِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ، عَلَى أَنَّ ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ دَفَعْت إلَيَّ الْمَالَ عَلَى النِّصْفِ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الرِّبْحِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ، فَهَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحَلَالِ، فَكَيْفَ إنْ قُلْتَ فِي الْحَرَامِ؟ فَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الَّذِي ادَّعَى الثُّلُثَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ وَقَالَ: بَلْ قَارَضْتُكَ عَلَى النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَلَالِ مِنْهُمَا إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ.
[فِي الْمُقَارِضَيْنِ يَشْتَرِطَانِ عِنْدَ مُعَامَلَتِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارِضَيْنِ يَشْتَرِطَانِ عِنْدَ مُعَامَلَتِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَهَلْ يَرْجِعَانِ فِيمَا جَعَلَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، وَلَيْسَ يُقْضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَلَا أُحِبُّ لَهُمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ أَنْ يَرْجِعَا فِيمَا جَعَلَا.
[فِي الْمُقَارِضِ يَكُونُ لَهُ شِرْكٌ فِي الْمَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ، عَلَى أَنَّ لَكَ شِرْكًا فِي الْمَالِ أَيُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا مَالِ رَبِّ الْمَالِ فَعَمِلَ، فَهَؤُلَاءِ يُرَدُّونَ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِمْ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا قَالَ لَكَ شِرْكٌ فِي الْمَالِ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا وَتَصَادَقَا فَذَلِكَ النِّصْفُ.
стр. 1735
[فِي أَكْلِ الْعَامِلِ مِنْ الْقِرَاضِ]
ِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا يَأْكُلُ الْعَامِلُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، إذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ مِنْ بَلَدِهِ، وَلَيْسَ حِينَ يَشْتَرِي وَيَتَجَهَّرُ فِي بَلَدِهِ، وَلَكِنْ حِينَ يَخْرُجُ إذَا تَوَجَّهَ وَقَالَ: لِلْعَامِلِ إذَا سَافَرَ النَّفَقَةُ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ النَّفَقَةِ إلَى صَاحِبِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَافَرَ سَفَرًا قَرِيبًا، أَيَأْكُلُ مَنْ مَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يَأْكُلُ مِنْهُ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا. فَإِذَا رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَمْ يَكْتَسِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ إذَا كَانَ سَفَرًا قَرِيبًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا بِمَوْضِعِ إقَامَةٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْكِسْوَةِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ غَرِيبٍ قَدِمَ الْفُسْطَاطَ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ بِالْفُسْطَاطِ يُقِيمُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ، وَبِالْفُسْطَاطِ أَعْطَيْته الْمَالَ، إلَّا أَنَّهُ غَرِيبٌ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ الَّذِي قَالَ مَالِكٌ، لَا يُنْفِقُ فِي الْمَالِ حَتَّى يَطْعَنَ مَنْ هُوَ فِي أَهْلِهِ مِنْ الْفُسْطَاطِ، أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفُسْطَاطِ، وَلَيْسَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ فَأَمَّا الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ احْتَبَسُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمَالِ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُنْفِقُوا، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَسْكُنُ الْبَلَدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَا أَهْلٌ، أَوْ قَدِمَ يَسْكُنُ فَلَا أَرَى لَهُ نَفَقَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ظَعَنَ إلَى الْمَدِينَةِ فِي مَالِ قِرَاضٍ أَخَذَهُ لِيَتَّجِرَ بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ بِهَا وَأَوْطَنَ بِهَا، أَتَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ حِينَ أَوْطَنَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا بِالْفُسْطَاطِ، وَلِي أَهْلٌ بِالْمَدِينَةِ وَأَهْلٌ بِالْفُسْطَاطِ، فَكُنْتُ أَتَّجِرُ فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْفُسْطَاطِ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ أَهْلُهُ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ أَهْلُهُ فَتَجَرَ هُنَاكَ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي ذَهَابِهِ إلَى أَهْلِهِ، وَلَكِنْ لَهُ النَّفَقَةُ فِي رُجُوعِهِ. وَأَرَى فِي مَسْأَلَتِكَ أَنْ لَا يَكُونَ لِهَذَا نَفَقَةٌ، لَا فِي ذَهَابِهِ وَلَا فِي رُجُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَهْلِهِ وَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنْ الْمُقَارَضِ، أَيَأْكُلُ مِنْ الْقِرَاضِ وَيَرْكَبُ أَوْ مِنْ مَالِهِ؟ فَقَالَا: يَأْكُلُ وَيَكْتَسِي وَيَرْكَبُ مِنْ الْقِرَاضِ، إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي سَبَبِ الْقِرَاضِ، وَفِيمَا يَنْبَغِي لَهُ بِالْمَعْرُوفِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ الْمُقَارَضَ يَأْكُلُ مِنْ الْمَالَ وَيَكْتَسِي، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْقِرَاضُ وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، فَإِنَّمَا يَكُونُ طَعَامُ الْعَامِلِ وَكِسْوَتُهُ وَنَفَقَتُهُ مِنْ الْمَالِ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، إذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ ذَلِكَ فِي رِبْحِ الْعَامِلِ، وَلَكِنْ بَلَغَنِي، وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ. إذَا سَافَرَ الرَّجُلُ فِي الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ
стр. 1736
يَشْتَرِي وَيَبِيع، فَلَا يُسْتَنْفَقُ إلَّا أَنْ يَشْتَغِلَ فِي السُّوقِ يَشْتَرِي وَيَبِيع، يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى أَهْلِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَغَدَّى بِالْأَفْلُسِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي بِشْرٌ وَمَسْلَمَةُ أَنَّهُمَا سَمِعَا الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ الْمَالَ مُضَارَبَةً، مَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؟ قَالَ: مِثْلُ الَّذِي يَأْكُلُ فِي أَهْلِهِ فِي غَيْرِ إسْرَافٍ، وَلَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ، وَلَا يُهْدِي مِنْهُ هَدِيَّةً، وَلَا يَصْنَعُ مِنْهُ طَعَامًا يَدْعُو عَلَيْهِ.
[فِي الْمُقَارَضِ يَسْتَأْجِرُ الْأُجَرَاءَ وَالْبُيُوتَ مِنْ الْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، أَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ مَعَهُ فِي الْمُقَارَضَةِ، وَيَسْتَأْجِرَ الْبُيُوتَ لِيَجْعَلَ فِيهَا مَتَاعَ الْمُقَارَضَةِ، وَيَسْتَأْجِرَ الدَّوَابَّ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَتَاعَ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: نَعَمْ، عِنْدَ مَالِكٍ هَذَا جَائِزٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَخْدِمَهُ فِي سَفَرِهِ، أَتَكُونُ إجَارَةُ الْأَجِيرِ مَنْ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: إذَا كَانَ مِثْلَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ، وَالْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، فَذَلِكَ لَهُ. وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَجْهُ الْقِرَاضِ الْمَعْرُوفِ الْجَائِزِ بَيْنَ النَّاسِ: أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَنَفَقَةُ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ، وَطَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ فِي سَفَرِهِ، وَمَا يُصْلِحُهُ بِالْمَعْرُوفِ، بِقَدْرِ الْمَالِ إذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ وَكَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَلَا كِسْوَةَ، وَأَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضَ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضَ مُؤْنَتِهِ، وَمِنْ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْلَمُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلهَا، فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَهَبَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يُوَلِّيَ مِنْهُ وَلَا يُعْطِيَ مِنْهُ أَحَدًا، وَلَا يُكَافِئَ فِيهِ أَحَدًا. فَأَمَّا أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَقَوْمٌ فَيَأْتُونَ بِطَعَامٍ وَيَأْتِي بِطَعَامٍ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَعَمَّدْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ، فَإِنْ حَلَّلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُحَلِّلَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَهُ بِمِثْلِهِ، إذَا كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا لَهُ مُكَافَأَةٌ. وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ.
[فِي التَّاجِرِ الْحَاجِّ يَأْخُذُ مَالًا قِرَاضًا]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: قُلْنَا لِمَالِكٍ: إنَّ عِنْدَنَا تُجَّارًا قَدْ عَرَفُوا أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، يَأْخُذُونَ الْمَالَ قِرَاضًا، فَيَشْتَرُونَ الْبِغَالَ وَالرَّقِيقَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَيَخْرُجُونَ فَيَشْهَدُونَ بِهَا الْمَوْسِمَ، فَلَوْلَا ذَلِكَ مَا خَرَجُوا إلَى الْمَوْسِم فِيمَا يَظُنُّ بِهِمْ، أَفَتَرَى لَهُمْ نَفَقَةً فِي مَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَخْرُجُ حَاجًّا، وَتَكُونُ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَأَبَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَهُ وَلَا لِلْغَازِي قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَفِي رُجُوعِهِ؟ فَقَالَ: وَلَا فِي رُجُوعِهِ
стр. 1737
إلَى بَيْتِهِ، لَا تَكُونُ لَهُ نَفَقَةٌ. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: فَالرَّجُلُ يَقْدَمُ مَنْ بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَيَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضًا فَيَسِيرُ إلَى بَلَدِهِ وَفِيهَا التِّجَارَةُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي ذَهَابِهِ، وَلَا فِي إقَامَتِهِ فِي أَهْلِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي رُجُوعِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِثْلَ الْحَاجِّ وَلَا الْغَازِي وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَتَجَهَّزُ بِمَالٍ أَخَذَهُ قِرَاضًا وَأَرَادَ سَفَرًا، فَتَكَارَى بِهِ وَاشْتَرَى ثِيَابًا لِنَفْسِهِ وَطَعَامًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ الْخُرُوجَ، أَتَاهُ رَجُلٌ بِمَالٍ فَقَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا قِرَاضًا فَكَيْفَ تَرَى أَنْ تَكُونَ لَهُ النَّفَقَةُ، مَنْ الْمَالِ الْأَوَّلِ؟ أَمْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمَالَيْنِ جَمِيعًا؟ قَالَ: بَلْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمَالَيْنِ جَمِيعًا عَلَى قَدْرِهِمَا.
[الْمُقَارَضُ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ فِي الْقِرَاضِ حَتَّى يَقْدَمَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، فَخَرَجَ بِهِ فَأَنْفَقَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فِي سَفَرِهِ لِيَقْتَضِيَهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، فَأَنْفَقَ ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى بِالْمَالِ الْقِرَاضِ سِلَعًا، فَاكْتَرَى لَهَا دَوَابَّ فَحَمَلَ عَلَيْهَا فَاغْتَرَقَ الْكِرَاءُ السِّلَعَ وَزَادَ، قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ
قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى الْمُقَارَضُ بِجَمِيعِ الْمَالِ ثِيَابًا، ثُمَّ صَبَغَ الثِّيَابَ أَوْ قَصَّرَهَا بِمَالٍ مِنْ عِنْدِهِ، أَيَرْجِعُ بِهِ فِي ثَمَنِ الثِّيَابِ إذَا بَاعَ الثِّيَابَ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُقَارَضِ إذَا اشْتَرَى سِلَعًا بِمَالِ الْقِرَاضِ، فَزَادَ فِي ثَمَنِهَا مِنْ عِنْدِهِ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا زَادَ، وَتَكُونُ السِّلْعَةُ كُلُّهَا عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَرِهَ رَبُّ الْمَالِ ذَلِكَ كَانَ الْعَامِلُ شَرِيكًا لِرَبِّ الْمَالِ بِمَا زَادَ مِنْ مَالِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ، إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، ثُمَّ اشْتَرَى بِجَمِيعِهِ بَزًّا، ثُمَّ اكْتَرَى عَلَى الْبَزِّ مَنْ مَالِهِ، أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ؟ أَيَكُونُ شَرِيكًا بِالْكِرَاءِ أَمْ مَاذَا يَكُونُ، أَمْ تَرَاهُ دَيْنًا فِي الْمَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: أَرَاهُ دَيْنًا فِي مَالِ الْقِرَاضِ يَسْتَوْفِيهِ مِنْ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ الْعَامِلُ شَرِيكًا لِرَبِّ الْمَالِ بِهَذَا الْكِرَاءِ. قُلْتُ: فَإِنْ صَبَغَ الْبَزَّ بِمَالٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ كَانَ اشْتَرَى بِجَمِيعِ مَالِ الْقِرَاضِ بَزًّا قَالَ: أَمَّا الصَّبْغُ فَيُقَالُ لِرَبِّ الْمَالِ: ادْفَعْ إلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي صَبَغَ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ شَرِيكًا مَعَكَ بِمَا صَبَغَ مِنْ الثِّيَابِ قَالَ: وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ لَكَ الْفَرْقَ فِيمَا بَيْنَ الصَّبْغِ وَالْكِرَاءِ، أَنَّ الصَّبْغَ رَأْسُ مَالٍ، يُحْسَبُ لِلصَّبْغِ رَأْسُ مَالِهِ وَرِبْحُهُ، مِثْلَ مَا يُحْسَبُ لِرَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَالِ وَرِبْحِهِ إذَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً، وَلَمْ يُجْعَلْ لِلْكِرَاءِ رِبْحٌ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يُحْمَلُ الْكِرَاءُ عَلَى الْمَالِ وَلَا يُجْعَلُ لِلْكِرَاءِ رِبْحٌ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْكِرَاءِ فِي الْمُرَابَحَةِ رِبْحٌ، لَمْ يَكُنْ بِهِ شَرِيكًا؛ لِأَنَّهُ غَيَّرَ
стр. 1738
سِلْعَةً قَائِمَةً فِي الْبَزِّ. وَإِنَّمَا تَكُونُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي سِلْعَةٍ قَائِمَةٍ، يَكُونُ فِيهَا النَّمَاءُ وَالنُّقْصَانُ وَالصَّبْغُ سِلْعَةً قَائِمَةً بِعَيْنِهَا، وَالْكِرَاءُ لَيْسَ بِسِلْعَةٍ قَائِمَةٍ، وَإِنَّمَا الْكِرَاءُ هَاهُنَا سَلَفٌ أَسْلَفَهُ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ فَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ بِذَلِكَ، أَدَّاهُ، وَإِلَّا قِيلَ لِلْعَامِلِ: اقْبِضْهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِينَارٍ قِرَاضًا، فَيَبْتَاعُ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ: إنَّ رَبَّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَإِلَّا كَانَ الْمُبْتَاعُ شَرِيكًا. وَجَعَلَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْمَتَاعَ بِمَالِ قِرَاضٍ، فَيَتَكَارَى لَهُ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَبِيعُهُ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْكِرَاءِ فِي الْمَالِ الْقِرَاضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْكِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَتَاعِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِ الْمَتَاعِ فَعَلَى هَذَا رَأَيْتُ لَكَ أَيْضًا الْكِرَاءَ. وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْكِرَاءِ وَالْمُرَابَحَةِ، حِينَ لَمْ يَجْعَلْهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْقَائِمِ بِعَيْنِهِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْعَامِلِ قِيمَةَ الصَّبْغِ، لَمْ يَكُنْ الصَّبْغُ عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الثِّيَابِ، ضَمِنَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ، فَيَكُونَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ قَدْرُ رَأْسِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ. وَإِنْ أَبَى أَنْ يَضْمَنَهُ كَانَ شَرِيكًا بِقِيمَةِ الصَّبْغِ مِنْ قِيمَةِ الثِّيَابِ وَإِنَّمَا لَمْ يَرَ إنْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ الصَّبْغِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَيَشْتَرِيَ بِهِ سِلَعًا، ثُمَّ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ قِرَاضًا عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ الْمَالَ الْأَوَّلَ. فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَهُ فِيهِ قِيمَةَ الصَّبْغِ، فَلَا أَرَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ مُشْتَرًى بَعْد مَا اشْتَرَى بِالْمَالِ الْأَوَّلِ الثِّيَابَ، وَالْمَالُ الْأَوَّلُ رُبَّمَا رَبِحَ فِيهِ، وَرُبَّمَا خَسِرَ فِيهِ.
فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يُعْطِيَهُ رَبُّ الْمَالِ مَالًا ثَانِيًا بَعْدَ مَا أَشْغَلَ الْأَوَّلَ عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجَازَ فِعْلُ الْعَامِلِ بَعْدَ مَا شَغَلَ الْمَالَ الْأَوَّلَ، بِأَنْ يَخْلِطَ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَسْأَلَةَ مَالِكٍ، الَّتِي قَالَ فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ مَالًا عَلَى الْقِرَاضِ، فَيَزِيدُ الْعَامِلُ مَنْ عِنْدِهِ مَالًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا، فَيَشْتَرِيَ بِجَمِيعِهِ سِلْعَةً يُرِيدُ بِمَا زَادَ سَلَفَ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا حِينَ اشْتَرَى بِهِمَا جَمِيعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ زَادَ الْعَامِلَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ اشْتَرَيْت بَزًّا بِجَمِيعِ مَالِ الْقِرَاضِ، ثُمَّ اكْتَرَيْت لِنَفْسِي مِنْ مَالِي وَأَنْفَقْت عَلَى نَفْسِي مِنْ مَالِي، أَيَكُونُ لِي كِرَائِي وَمَا أَنْفَقْت مِنْ مَالِي عَلَى نَفْسِي دَيْنًا أَرْجِعُ بِهِ فِي ثَمَنِ الْمَتَاعِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي فِي الَّذِي يَخْرُجُ وَيُنْفِقُ مِنْ عِنْدِهِ: إنَّهُ يَحْسِبُ نَفَقَةَ مِثْلِهِ فِي الْمَالِ الْقِرَاضِ، فَيَفُضُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَالِ الْقِرَاضِ، وَعَلَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ
стр. 1739
وَيُجَهِّزَ، ثُمَّ أَتَاهُ رَجُلٌ فَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، فَخَرَجَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ وَفِي الْقِرَاضِ، وَهَذَا إنَّمَا خَرَجَ فِي الْقِرَاضِ وَحْدَهُ.
[فِي الرَّجُلِ يَأْخُذُ الْمَالَ الْقِرَاضَ مِنْ الرَّجُلِ كَيْفَ تَكُونُ نَفَقَتُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، إذَا أَخَذَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا فَسَافَرَ بِهَا، وَبِعَشَرَةِ آلَافٍ مَنْ عِنْدِهِ أَوْ بِعَشَرَةِ آلَافٍ قِرَاضًا فَسَافَرَ بِهَا، وَبِأَلْفِ دِرْهَمٍ مَنْ مَالِهِ، كَيْفَ تَكُونُ النَّفَقَةُ الَّتِي يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ فِي سَفَرِهِ؟ قَالَ: عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ نَفْضُ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَالَيْنِ، فَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ بِحِسَابِ ذَلِكَ مِنْ الْعَشَرَةِ آلَافٍ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، وَمِنْ الْأَلْفِ جُزْءًا وَاحِدًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، كَيْفَ تَكُونُ نَفَقَتُهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا الَّذِي أَخْبَرْتُكَ أَنِّي سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَتَجَهَّزَ فِيهِ فِي جِهَازِ نَفْسِهِ وَسَفَرِهِ، وَتَكَارَى يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى بَلَدٍ مَنْ الْبُلْدَانِ يَشْتَرِي هُنَاكَ مَتَاعًا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَرَفَعَ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى مَنْ تَرَى نَفَقَتَهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: نَفَقَتُهُ مِنْ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، فَأَمَّا مَسْأَلَتُكَ، فَقَدْ تَجَهَّزَ بِالْمَالِ وَاشْتَرَى وَتَكَارَى عَلَى الْبَزِّ، فَهَذَا كُلُّهُ عَلَى رَبِّ الْبَزِّ وَحْدَهُ. وَأَمَّا نَفَقَةُ الْعَامِلِ وَكِرَاؤُهُ، فَهُوَ عَلَى الْمَالَيْنِ جَمِيعًا مِثْلُ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ.
[زَكَاةِ الْقِرَاضِ]
فِي زَكَاةِ الْقِرَاضِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُخْرِجُ الْعَامِلُ زَكَاةَ الْقِرَاضِ إلَّا بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ الزَّكَاةُ قَدْ وَجَبَتْ مُنْذُ قَبَضَهَا الْعَامِلُ فَإِنْ رَبِحَ فِيهَا الْعَامِلُ وَحَالَ الْحَوْلُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ زَكَاةِ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا مِنْ رِبْحِهِ، حَتَّى يَحْضُرَ رَأْسُ الْمَالِ وَيَحْضُرَ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ، لَا رِبْحَ لَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ. وَقَالَ: إنَّمَا يُخْرِجُ الزَّكَاةَ عِنْدَ الْمُقَاسَمَةِ قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَفَيُزَكِّيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ، أَوْ لِكُلِّ سَنَةٍ مَضَتْ زَكَاةٌ؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّ مَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ، لِكُلِّ سَنَةٍ زَكَاةٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي فِي الْمَالِ الَّذِي يُدَارُ، إذَا كَانَ الْعَامِلُ يُدِيرُهُ. وَإِنَّمَا يُزَكِّي لِكُلِّ سَنَةٍ قِيمَةَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَتَاعِ لِكُلِّ سَنَةٍ إنْ كَانَ - أَوَّلَ السَّنَةِ - قِيمَةُ الْمَتَاعِ مِائَةً، وَالسَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِائَتَيْنِ، وَالسَّنَةَ الثَّالِثَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَإِنَّمَا يُزَكِّي كُلَّ سَنَةٍ قِيمَةَ مَا كَانَ يُسَوِّي الْمَتَاعَ.
فَإِنَّمَا يُزَكِّي أَوَّلَ السَّنَةِ مِائَةً، وَالسَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِائَتَيْنِ، وَالسَّنَةَ الثَّالِثَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ، إلَّا مَا يُنْقِصُهُ الزَّكَاةُ كُلَّ سَنَةٍ قُلْتُ: فَلَوْ رَبِحَ الْعَامِلُ دِينَارًا وَاحِدًا فِي الْمَالِ، وَالْمَالُ تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَإِنَّمَا عَمِلَ فِي الْمَالِ يَوْمًا وَاحِدًا فَرَبِحَ هَذَا الدِّينَارُ، فَبَدَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْقِرَاضَ، وَقَدْ كَانَتْ إقَامَةُ التِّسْعَةَ
стр. 1740
عَشَرَ دِينَارًا عِنْدَ رَبِّهَا سَنَةً، أَيَكُونُ عَلَى الْمُقَارَضِ فِي نِصْفِ دِينَارِهِ هَذِهِ الَّذِي رَبِحَهُ فِي عَمَلِ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَصَارَ لَهُ فِي حِصَّتِهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَيْسَ فِي رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ زَكَاةٌ، وَرِبْحُ الْعَامِلِ لَيْسَ هُوَ لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةٌ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَقَدْ زَكَّى مَالَهُ ذَلِكَ، وَمَضَى لِمَالِهِ ذَلِكَ بَعْدَ مَا زَكَّاهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَعَمِلَ الْعَامِلُ بِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ اقْتَسَمَا، فَأَخَذَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَحِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَأَخَذَ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مَنْ الرِّبْحُ، ثُمَّ مَضَتْ السَّنَةُ مِنْ يَوْمِ زَكَّى رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ. قَالَ: رَبُّ الْمَالِ: يُزَكِّي مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ الَّذِي صَارَ لَهُ فِي حِصَّتِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يُزَكِّيَ مَا صَارَ لَهُ فِي رِبْحِهِ، إلَّا أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى مَا صَارَ لَهُ فِي رِبْحِهِ، مِنْ يَوْمِ اقْتَسَمَا وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَفِي يَدَيْهِ عِشْرُونَ دِينَارًا فَصَاعِدًا مِنْ رِبْحِهِ، أَوْ مِنْ مَالٍ كَانَ لَهُ قَبْلَ رِبْحِهِ إنْ ضَمَّهُ إلَى رِبْحِهِ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ عَلَى الْمَالِ الْحَوْلُ، وَرِبْحُهُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضُمُّ الْفَائِدَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ رِبْحِهِ إلَى الرِّبْحِ، فَيَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[فِي الْقِرَاضِ يَتْلَفُ ثُمَّ يَعْمَلُ بِمَا بَقِيَ فَيَرْبَحُ فِيهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، فَلَمْ يَعْمَلْ بِالْمَالِ حَتَّى ضَاعَ مِنْهُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ عَمِلَ فَرَبِحَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالْمَالِ حَتَّى ضَاعَ مِنْهُ قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ فِي الْمَالِ فَخَسِرَ، فَأَتَى إلَى رَبِّ الْمَالِ فَقَالَ: قَدْ وَضَعْت فِي الْمَالِ فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: اعْمَلْ بِمَا بَقِيَ عِنْدَك، فَعَمِلَ فَرَبِحَ، أَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ: لَا أَعْمَلُ بِهِ حَتَّى تَجْعَلَ هَذَا الْبَاقِيَ رَأْسِ مَالِكَ، وَتُسْقِطَ عَنِّي مَا قَدْ خَسِرْتُ فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: نَعَمْ، اعْمَلْ بِهَذَا، وَقَدْ أَسْقَطْتُ عَنْكَ مَا قَدْ خَسِرْتَ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ عَلَى قِرَاضِهِ أَبَدًا، مَا لَمْ يَدْفَعْ إلَى رَبِّ الْمَالِ مَالَهُ وَيُفَاصِلْهُ، وَهُوَ رَأْيِي.
وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ وَيَتَبَرَّأَ مِنْهُ ثُمَّ يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّانِيَةَ إنْ أَحَبَّ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَحْضَرَهُ وَحَاسَبَهُ مَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ، فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا، فَذَهَبَ اللُّصُوصُ بِنِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ سَقَطَ مِنِّي نِصْفُ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ أَعْمَلَ فِي الْمَالِ، ثُمَّ عَمِلْتُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، فَرَبِحْتُ فِيهِ مَالًا، كَيْفَ يَكُون هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: يُتِمُّ رَأْسَ الْمَالِ الَّذِي أَخَذَتْ اللُّصُوصُ، وَاَلَّذِي ضَاعَ مِنْ الرِّبْحِ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَلَا
стр. 1741
يَكُونُ فِي الْمَالُ رِبْحٌ حَتَّى يُتِمَّ رَأْسَ الْمَالِ. قُلْتُ: مَا فَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي أَكَلَهُ الْعَامِلُ فِي الْمَالِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا أَكَلَهُ فَقَدْ ضَمِنَهُ، وَإِذَا سَقَطَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَتْهُ اللُّصُوصُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإِنْ رَبِحَ فِي بَقِيَّةِ الْمَالِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَ رَأْسَ الْمَالِ فَإِذَا أَكَلَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَكَلَ فَاَلَّذِي ضَمِنَ هُوَ تَمَامُ رَأْسِ الْمَالِ، إلَّا أَنَّهُ لَا رِبْحَ لِلَّذِي ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ. قَالَ: وَمَا أَخَذَ الْعَاشِرُ مِنْهُ ظُلْمًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَخَذَتْ اللُّصُوصُ؟ قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَا أَخَذَتْ اللُّصُوصُ مِنْ الْقِرَاضِ فَهُوَ مِنْ الْقِرَاضِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ شَيْءٌ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، فَأَكَلَ خَمْسَمِائَةٍ مِنْهَا، ثُمَّ تَجَرَ فِي الْمَالِ فَرَبِحَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَيْهِ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا، فَتَسَلَّفَ مِنْهُ مَالًا ثُمَّ عَمِلَ بِمَا بَقِيَ. قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ لِمَا تَسَلَّفَ، وَمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ يَعْمَلُ بِهِ، وَاَلَّذِي فِيهِ الْقِرَاضُ وَلَيْسَ الَّذِي تَسَلَّفَ مِنْهُ عَلَى الْقِرَاضِ فَمَسْأَلَتُكَ أَرَى: الْخَمْسَمِائَةِ الَّذِي عَمِلَ بِهَا، هِيَ رَأْسُ مَالِ الْقِرَاضِ، فَرِبْحُهَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا.
وَالْعَامِلُ ضَامِنٌ لِلْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي أَكَلَهَا، وَلَا يُحْسَبُ لَهَا رِبْحٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَامِلِ فِيهَا، إلَّا أَنْ يُخْرِجُهَا قَطُّ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَالًا قِرَاضًا، فَتَجَرَ فِي الْمَالِ فَرَبِحَ أَلْفًا أُخْرَى، فَأَكَلَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْهَا، ثُمَّ تَجَرَ فِي الْأَلْفِ الْبَاقِيَةِ الَّتِي فِي يَدَيْهِ فَأَصَابَ مَالًا. قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ الَّتِي أَكَلَ، وَمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ وَمَا رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا. قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ مَا فِي يَدَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ فِي يَدَيْهِ إلَّا الْأَلْفُ الَّتِي أَكَلَهَا؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِتِلْكَ الْأَلْفِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَيَجْعَلُ تِلْكَ الْأَلْفَ رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبْحَ فِي الْمَالِ، إلَّا بَعْدَ مَا يَسْتَوْفِي رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت عَبْدًا مَنْ مَالِ الْقِرَاضِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ جَمِيعُ الْمَالِ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَجَنَى رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةً، بِنَقْصِ الْعَبْدِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، فَبَاعَ الْعَامِلُ الْعَبْدَ بَعْدَ مَا جَنَى عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَعَمِلَ بِالْخَمْسِمِائَةِ فَرَبِحَ فِيهَا رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ وَضَعَ، أَيَكُونُ مَا صَنَعَ السَّيِّدُ بِالْعَبْدِ اقْتِضَاءً لِرَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ اقْتِضَاءً إلَّا أَنْ يُفَاصِلَهُ وَيُحَاسِبَهُ فَيَحْسُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَعَمِلَ بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُ، فَهَذَا الَّذِي بَقِيَ عِنْدَهُ وَعَمِلَ فِيهِ فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ كَمَا كَانَ، وَمَا صَنَعَ السَّيِّدُ، فَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ. وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ عَنْ مَالِكٍ.
[الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ بِمَالِ الْقِرَاضِ فَإِذَا ذَهَبَ يَنْقُدُ وَجَدَ الْقِرَاضَ قَدْ تَلِفَ]
فِي الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ بِمَالِ الْقِرَاضِ فَإِذَا ذَهَبَ يَنْقُدُ وَجَدَ الْقِرَاضَ قَدْ تَلِفَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ أَعْمَلَ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ
стр. 1742
عَبْدًا أَوْ سِلْعَةً، فَجِئْتُ لِأَنْقُدَ الْبَائِعَ الْمَالَ، فَوَجَدْتُ الْمَالَ قَدْ ضَاعَ؟ قَالَ: يُقَالُ لِرَبِّ الْمَالِ: إنْ أَحْبَبْتَ فَادْفَعْ الثَّمَنَ، وَتَكُونُ السِّلْعَةُ قِرَاضًا عَلَى حَالِهَا، وَإِنْ أَبَى لَزِمَ الْمُقَارَضَ أَدَاءُ ثَمَنِهَا وَكَانَتْ لَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ النُّقْصَانُ وَلَهُ الرِّبْحُ. قُلْتُ: فَإِنْ نَقَدَ رَبُّ الْمَالِ الْمَالَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، كَمْ يَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ، أَيَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ الْمَالَ الَّذِي تَلِفَ، أَوْ هَذَا الْمَالَ الَّذِي نُقِدَ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لَا الْمَالُ الْآخَرُ الَّذِي نَقَدَ رَبُّ الْمَالِ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، هُوَ رَأْسُ مَالِهِ فَقَطْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت بِالْمَالِ الْقِرَاضِ سِلْعَةً، فَضَاعَتْ السِّلْعَةُ وَضَاعَ الثَّمَنُ قَبْلَ أَنْ أَنْقُدَ الثَّمَنَ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَيَغْرَمُ الْمُقَارَضُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُدَ الثَّمَنَ، فَقُطِعَ عَلَيَّ الطَّرِيقُ فَذَهَبَ الْمَالُ، أَهَذَا وَضَيَاعُ الْمَالِ سَوَاءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ فِي الْمَالِ بَقِيَّةٌ، فَعَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، جُبِرَ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ بَقِيَّةٌ، قِيلَ لِرَبِّ الْمَالِ: ادْفَعْ الثَّمَنَ إنْ شِئْتَ، وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَرِهْتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ. فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ كَانَ رَأْسُ مَالِ الْقِرَاضِ الْمَالَ الَّذِي يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ إلَى رَبِّ السِّلْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ، لَزِمَ الثَّمَنُ الْمُشْتَرِيَ الْعَامِلَ، وَكَانَتْ السِّلْعَةُ لَهُ وَرِبْحُهَا لَهُ وَنُقْصَانُهَا عَلَيْهِ.
[فِي الْعَامِلِ الْمُقَارَضِ يَخْلِطُ مَالَهُ بِالْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ الْقِرَاضَ، فَيَعْمَلُ بِهِ وَلَهُ مَالٌ فَيَتَّجِرُ بِهِ لِنَفْسِهِ فَيَتَخَوَّفُ، إنْ قَدَّمَ مَالَهُ وَأَخَّرَ مَالَ الرَّجُلِ، وَقَعَ الرُّخْصُ فِي الْأَوَّلِ، أَوْ يَخَافُ أَنْ يُقَدِّمَ مَالَ الرَّجُلِ وَيُؤَخِّرَ مَالَهُ، فَيَقَعُ الرُّخْصُ فِي الْآخَرِ، فَكَيْفَ تَأْمُرهُ أَنْ يَعْمَلَ؟ قَالَ: الصَّوَابُ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ يَخْلِطَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِهِمَا جَمِيعًا. قَالَ مَالِكٌ: وَلَكِنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَارِضَهُ، عَلَى أَنْ يَخْلِطَ الْمُقَارَضُ مَالَهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا لَا يَجُوزُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَخْلِطَ مَالِي بِمَالِهِ، فَخَلَطْتُ مَالَهُ بِمَالِي أَأَضْمَنُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَضْمَنُ لَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت بِمَالِ الْقِرَاضِ وَبِمَالٍ مَنْ عِنْدِي، مِنْ غَيْر أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ عَلَيَّ رَبُّ الْمَالِ أَنْ أَخْلِطَهُ بِمَالِي، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: وَتَكُونُ السِّلْعَةُ عَلَى الْقِرَاضِ وَعَلَى مَا نُقِدَتْ فِيهَا، فَتَكُونُ حِصَّةُ الْقِرَاضِ رَأْسَ مَالِ الْقِرَاضِ، وَتَكُونُ حِصَّتُكَ أَنْتَ مَا نَقَدْتَ فِيهَا مِنْ مَالِكَ.
[الْمُقَارَضُ يُشَارِكُ بِمَالِ الْقِرَاضِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يُشَارِكَ أَحَدًا، وَإِنَّمَا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ
стр. 1743
الْمُقَارَضِ يَأْتِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَيَأْتِي رَجُلٌ بِأَلْفٍ فَيَعْمَلَانِ بِهِمَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ شَارَكَ فَهُوَ ضَامِنٌ. قَالَ: وَإِنْ عَمِلَا جَمِيعًا فَهُوَ ضَامِنٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَدَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى رَجُلٍ آخَرَ مَالًا قِرَاضًا، أَيَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَشْتَرِكَا بِالْمَالَيْنِ، فَيَعْمَلَا، وَرَبُّ الْمَالَيْنِ إنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْمَالَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ قِرَاضًا، إلَّا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الْخَوْفِ فَهَذَا إنْ يُشَارِكْ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَسْتَوْدِعَ مَالًا قَدْ اسْتَوْدَعْتَهُ رَجُلًا، أَنْ تَذْهَبَ فَتَسْتَوْدِعَهُ رَجُلًا آخَرَ، وَإِنْ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ الَّذِي اسْتَوْدَعَكَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ وَدَائِعُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يَأْذَنْ لَكَ فِي ذَلِكَ.
[فِي الْمُقَارَضِ يَبْضَعُ مِنْ الْقِرَاضِ]
ِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، إنْ أَبْضَعَ الْمُقَارَضُ فَهُوَ ضَامِنٌ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا، فَلَمَّا أَخَذْت الْمَالَ مِنْهُ، طَلَبْتُ إلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لِي أَنْ أَبْضَعَهُ فَأَذِنَ لِي، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى أَنْ يَبْضَعَ بِهِ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَبْضِعَ مَعَ عَبْدٍ لِرَبِّ الْمَالِ اشْتَرَطْتُهُ فِي الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعَانَكَ بِغُلَامِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ أَنْ تَبْضِعَ مَعَهُ بِالْمَالِ.
[فِي الْمُقَارَضِ يَسْتَوْدِعُ غَيْرَهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، إذَا أَذِنْت لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَبِالنَّسِيئَةِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَوْدِعَ غَيْرَهُ؟ قَالَ: لَا، إلَّا عَلَى خَوْفٍ، مِثْلَ مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ الَّذِي يَسْتَوْدِعُهَا قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَدِيعَةِ إنْ اسْتَوْدَعَهَا غَيْرَهُ: إنَّهُ ضَامِنٌ، إلَّا مِنْ عُذْرٍ، مِنْ خَرَابِ مَنْزِلٍ أَوْ إرَادَةِ سَفَرٍ، أَوْ لَا يَكُونُ مَنْزِلُهُ حَرِيزًا، أَوْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَيَسْتَوْدِعُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَامِلَ، أَلَهُ أَنْ يَسْتَوْدِعَ مَالَ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا عَلَى وَجْهِ خَوْفٍ، أَوْ إنَّمَا فَعَلَهُ نَظَرًا لِخَوْفٍ، تَخَوَّفَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَمَنْزِلُهُ مَعُورٌ. قَالَ مَالِكٌ فِي مِثْلِ هَذَا: إذَا اسْتَوْدَعَهُ غَيْرَهُ مِنْ خَوْفٍ دَخَلَ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ اسْتَوْدَعَهُ، إذَا كَانَ بِهَذَا الْحَالِ، فَالْقِرَاضُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ.
[فِي الْمُقَارَضِ يُقَارِضُ غَيْرَهُ]
ُ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يُقَارِضَ غَيْرَهُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ. قَالَ:
стр. 1744
وَكَذَلِكَ أَيْضًا، لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يُشَارِكَ بِالْقِرَاضِ، إلَّا بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يُقَارِضَ بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ جَازَتْ لَهُ الشَّرِكَةُ.
قَالَ: وَإِذَا دَفَعَ إلَى الْعَامِلِ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ قِرَاضًا عَلَى الثُّلُثَيْنِ فَهُوَ ضَامِنٌ عِنْدَ مَالِكٍ. فَإِنْ عَمِلَ الثَّانِي بِهِ فَرَبِحَ، فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِرِبْحِ نِصْفِ جَمِيعِ الْمَالِ، وَيَكُونُ لِلْمُقَارِضِ الْآخَرِ النِّصْفُ أَيْضًا، وَيَرْجِعُ الْمُقَارِضُ الْآخَرُ عَلَى الْمُقَارَضِ الْأَوَّلِ بِمِثْلِ سُدُسِ الرِّبْحِ، يَأْخُذهُ مِنْهُ ضَامِنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ثُلُثَيْنِ فَلَمْ يُتِمَّ لَهُ الثُّلُثَيْنِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ لَهُ ثُلُثَيْ الرِّبْحِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ سَاقَى رَجُلًا حَائِطًا لَهُ عَلَى النِّصْفِ، فَسَاقَى الْمُسَاقِي رَجُلًا آخَرَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ. قَالَ مَالِكٌ: لِلْمُسَاقِي الْأَوَّلِ النِّصْفُ يَأْخُذُهُ مِنْ حَائِطِهِ، وَيَتْبَعُ الْمُسَاقِي الْآخَرُ الْمُسَاقِيَ الْأَوَّلَ بِالسُّدُسِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ، فَيَأْخُذهُ مِنْهُ، فَالْقِرَاضُ مِثْلُهُ قُلْتُ: فَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْمُقَارِضِ الْآخَرِ، وَرَبِحَ الْآخَرُ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: رَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِرَأْسِ مَالِهِ الَّذِي مَعَ الْمُقَارِضِ الْآخَرِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتْبَعُ الْمُقَارِضُ الْآخَرُ الْمُقَارِضَ الْأَوَّلَ بِمَا كَانَ يُصِيبُهُ مِنْ الرِّبْحِ، عَلَى حِسَابِ الْمَالِ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِ. قَالَ: وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانِينَ دِينَارًا، فَضَاعَ مِنْهَا عِنْدَ الْمُقَارِضِ الْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، وَبَقِيَ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ قِرَاضًا، فَعَمِلَ فِيهَا فَصَارَتْ مِائَةً. فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يَأْخُذُ مِنْهَا رَأْسَ مَالِهِ ثَمَانِينَ، ثُمَّ يَأْخُذُ نِصْفَ مَا بَقِيَ مِنْ رِبْحِهِ، وَهِيَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، إنْ كَانَ قِرَاضُهُمَا عَلَى النِّصْفِ، وَيَبْقَى لِلْعَامِلِ الثَّانِي فِي يَدِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَامِلُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ رِبْحَ الْمَالِ كَانَ سِتِّينَ دِينَارًا، لَهُ مِنْهَا ثَلَاثُونَ، فَلَمْ يَبْقَ فِي يَدَيْهِ إلَّا عَشَرَةٌ، وَبَقِيَتْ لَهُ عِشْرُونَ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ رَأْسُ الْمَالِ فِي يَدِ هَذَا الثَّانِي أَرْبَعُونَ، وَلَا يَحْسُبُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَخَذَ، فَإِنَّمَا يَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ مَا دَفَعَ إلَيْهِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، وَنِصْفُ الرِّبْحِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ، وَيَرْجِعُ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَتْلَفَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى تَعَدِّيًا، رَجَعَ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ بِتَمَامِ عَشَرَةٍ وَمِائَةٍ إلَيْهِ مَا أَخَذَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْبَعُونَ الْأُولَى، إنَّمَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، رَجَعَ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ، وَفِي يَدِ رَبِّ الْمَالِ سَبْعُونَ، فَقَدْ اسْتَوْفَى رَأْسَ مَالِهِ، وَرِبْحُهُ عَشَرَةٌ. وَلَا يَرْجِعُ بِهَذِهِ الْعِشْرِينَ عَلَى الْعَامِلِ الثَّانِي فَيَظْلِمُ عَمَلَهُ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الَّذِي صَيَّرَهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَمِلَ فِي الْمَالِ لَكَانَ مَا صَارَ إلَى الْعَامِلِ الثَّانِي يُجْبَرُ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجْلِبُهُ الْمَالُ فَالْمَالُ أَوْلَى بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَهُ، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ الثَّانِيَ لَا يُظْلَمُ عَمَلُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَيَكُونُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُتَعَدِّي، وَهُوَ الْأَوَّلُ.
стр. 1745
[فِي الْمُقَارَضِ يُوَكِّلُ مَنْ يَتَقَاضَى لَهُ دَيْنَ الْقِرَاضِ فَيَتْلَفُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُقَارَضًا وَكَّلَ وَكِيلًا يَتَقَاضَى لَهُ دَيْنًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَتَقَاضَاهُ فَتَلِفَ مِنْهُ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا قَارَضَ الْمُقَارَضُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ، ضَمِنَ. فَهَذَا أَرَاهُ ضَامِنًا إنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْدَعَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ضَمِنَ.
[فِي الْمُقَارَضِ يَسْتَأْجِرُ غُلَامَهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ إنْ أَرْسَلَ غُلَامَهُ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ بِبَعْضِ مَالِ الْقِرَاضِ يَتَّجِرُ لَهُ، أَوْ يَشْتَرِي لَهُ هُنَاكَ بَعْضَ السِّلَعِ، أَيَضْمَنُ فِي قَوْل مَالِكٍ؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْضَعَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ بِذَلِكَ.
[فِي الْعَامِلِ بِالْقِرَاضِ يَبِيعُ بِالنَّقْدِ وَيُؤَخِّرُ رَبَّ الْمَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُقَارَضًا بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ مَنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَأَخَّرَهُ رَبُّ الْمَالِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَظِّ رَبِّ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَظِّ الْمُقَارَضِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ. قَالَ: وَإِنْ نَوَى حَظّ رَبِّ الْمَالِ، وَقَدْ اقْتَضَى الْعَامِلُ فِي الْمَالِ حَقَّهُ، لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَظِّهِ.
[فِي الْمَأْذُونِ لَهُ يَأْخُذُ مَالًا قِرَاضًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا قِرَاضًا أَوْ يُعْطِيَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا فَتَلِفَ. قَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قُلْتُ: وَيُعْطِي مَالًا قِرَاضًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا قِرَاضًا أَوْ يُعْطِيَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ الْمَالَ قِرَاضًا. وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي أَنْ يُعْطِيَ هُوَ الْمَالَ قِرَاضًا شَيْئًا، وَلَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ بِالدَّيْنِ وَيَشْتَرِي.
[فِي الْمُقَارَضِ يَأْخُذُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ مَالًا قِرَاضًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا مِنْ رَجُلٍ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا آخَرَ مَنْ رَجُلٍ آخَرَ قِرَاضًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ
стр. 1746
قِرَاضِ الْأَوَّلِ، لِكَثْرَةِ مَالِ الْأَوَّلِ. فَإِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، فَلَا يَكُون لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْآخَرِ حِينَئِذٍ شَيْئًا. قُلْتُ: وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْلِطَ الْمَالَيْنِ إذَا أَخَذَهُمَا وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْعَمَلَ بِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَخَذَ الْمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مِنْ الثَّانِي الَّذِي يَدْفَع إلَيْهِ، أَنْ يَخْلِطَهُمَا خَلَطَهُمَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
[فِي الَّذِي يُقَارِضُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى عَبْدِهِ مَالًا قِرَاضًا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا لِلْخِدْمَةِ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ إلَى عَبْدِهِ مَالًا قِرَاضًا، فَإِنْ كَانَ الْأَجِيرُ مِثْلَ الْعَبْدِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ.
[مُقَارَضَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ]
فِي مُقَارَضَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَارِضَ رَجُلًا لَا يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا مُسْلِمًا، فَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُقَارِضَ مَنْ يَسْتَحِلُّ شَيْئًا مِنْ الْحَرَامِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَارِضَ الرَّجُلُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ. قَالَ اللَّيْثُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَارِضَ رَجُلًا يَسْتَحِلُّ فِي دِينِهِ أَكْلَ الْحَرَامِ.
[فِي الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ يُقَارِضَانِ بِأَمْوَالِهِمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْضَعَ، أَوْ يَأْخُذَ مَالًا قِرَاضًا، أَوْ يُعْطِيَ مَالًا مُقَارَضَةً؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا حَدًّا أَخَذَهُ، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ.
[فِي أَخْذِ الْمُسْلِمِ الْمَالَ مِنْ النَّصْرَانِيِّ قِرَاضًا]
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا وَابْنَ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، أَيَأْخُذُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ الْمَالَ قِرَاضًا؟ فَكَرِهَا ذَلِكَ جَمِيعًا، قَالَ: وَمَا أَظُنُّ أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُمَا كَرِهَا لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ، لِئَلَّا يَذِلَّ نَفْسَهُ فَأَظُنُّهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَرِهَا ذَلِكَ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ الْمُسْلِمُ إلَى النَّصْرَانِيِّ كَرْمَهُ مُسَاقَاةً، إذْ لَمْ يَكُنْ النَّصْرَانِيُّ يَعْصِرُ حِصَّتَهُ خَمْرًا.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْمُسْلِمِ يَأْخُذُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مُسَاقَاةً شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: أَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مَالًا قِرَاضًا. وَلَا أَرَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مُسَاقَاةً بِمَنْزِلَةِ مَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ الْقِرَاضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَخَذَهُ لَمْ أَرَهُ حَرَامًا.
стр. 1747
[فِي الْقِرَاضِ الَّذِي لَا يَجُوزُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مِائَتَيْ دِينَارٍ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ مِائَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، عَلَى أَنَّ رِبْحَ مِائَةٍ مِنْهُمَا بَيْنَنَا، وَرِبْحُ الْمِائَةِ الْأُخْرَى لِلْعَامِلِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَخَاطَرَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرْبَحْ فِي الْمِائَةِ الَّتِي جَعَلَ رِبْحَهَا بَيْنَهُمَا، وَرَبِحَ فِي الْأُخْرَى، كَانَ قَدْ غَبَنَ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ وَإِنْ رَبِحَ فِي الْمِائَةِ الَّتِي أَخَذَهَا بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَرْبَحْ فِي الْأُخْرَى، كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَدْ غَبَنَ الْعَامِلَ فِيهِ، فَقَدْ تَخَاطَرَا عَلَى هَذَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى أَنَّهُ أُجْبِرَ فِي الْمِائَتَيْنِ وَيَكُونُ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْهَا بِعَيْنِهَا فَذَلِكَ لِلْمُضَارِبِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْهَا بِعَيْنِهَا فَذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ، فَعَمِلَ بِكُلِّ مَالٍ عَلَى حِدَةٍ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا، لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مِائَتَيْ دِينَارٍ، عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا عَلَى النِّصْفِ وَالْأُخْرَى عَلَى الثُّلُثِ، يَعْمَلُ بِهَذِهِ عَلَى حِدَةٍ وَهَذِهِ عَلَى حِدَةٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْحَائِطَانِ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَأْخُذَهُمَا مُسَاقَاةً، هَذَا عَلَى النِّصْفِ وَهَذَا عَلَى الثُّلُثِ يُسَاقِيهِمَا جَمِيعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، إلَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا عَلَى النِّصْفِ، أَوْ جَمِيعًا عَلَى الثُّلُثِ قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَ مَالِكٌ هَذَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَفِي الْقِرَاضِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ فِيهِ خَطَرًا؛ لِأَنَّ الْحَائِطَيْنِ رُبَّمَا قَلَّ ثَمَرُ هَذَا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُ هَذَا. فَكَأَنَّمَا خَاطَرَهُ وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ لِي هَذَا الْحَائِطَ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، فَقَالَ: لَا أَعْمَلُ لَكَ بِالثُّلُثِ فِي هَذَا الْحَائِطِ، إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي حَائِطَكَ هَذَا الْآخَرَ أَعْمَلُ فِيهِ بِالنِّصْفِ، فَقَدْ تَخَاطَرَا إنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَائِطُ الَّذِي بِالثُّلُثِ وَأَثْمَرَ، كَانَ الْعَامِلُ قَدْ غَبَنَ رَبَّ الْحَائِطِ فِي الْحَائِطِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ بِالنِّصْفِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْحَائِطُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى الثُّلُثِ، كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَدْ غَبَنَهُ فِيهِ.
[فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا لَهُ دُونَ الْعَامِلِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ الْمَالَ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ دِرْهَمًا مَنْ الرِّبْحِ خَاصًّا، وَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، فَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَرَبِحَ أَوْ وَضَعَ؟ قَالَ: يَكُونُ الرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ. قُلْتُ: وَيَكُون الْعَامِلُ أَحَقَّ بِرِبْحِ الْمَالِ مِنْ غُرَمَاءِ صَاحِبِهِ إنْ فَلِسَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ أَجْرَ عَمَلِهِ؟ قَالَ: لَا، وَهُوَ أُسْوَةُ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ بِأُجْرَتِهِ فِي الْمَالِ الَّذِي كَانَ فِي يَدَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَفِي جَمِيعِ مَالِ الْمُفْلِسِ قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الْمَالُ كُلُّهُ بَعْدَ مَا عَمِلَ أَيَكُونُ لِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَجْرُ مِثْلِهِ أَيْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَتَبْنَا شَرْطَ الزِّيَادَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَمَنْ قَالَهُ.
стр. 1748
[فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ أَوْ يَشْتَرِطُ عَلَى نَفْسِهِ ضَمَانًا]
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُعْطِي الْمَالَ قِرَاضًا لِرَجُلٍ، عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ رَبُّ الْمَالِ سَلَفًا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ؟ قَالَ مَالِكٌ: يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ أُعْطِيَ مَالًا قِرَاضًا إلَى سَنَةٍ، رُدَّ فِيهِ أَيْضًا إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ فِي الْقِرَاضِ شَرْطُ سَلَفٍ، إنَّهُ يُرَدُّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ؟ وَقَالَ فِي الْقِرَاضِ: إذَا اشْتَرَطَ الْعَامِلُ الضَّمَانَ، أَنْ يُرَدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ؟ وَقَالَ ذَلِكَ أَيْضًا فِيهِ: إذَا كَانَ إلَى أَجَلِ سَنَةٍ، إنَّهُ يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ؟ فَمَا فَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ فِي بَعْضٍ: يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَفِي بَعْضِهِ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ سَلَفَهُ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا أَحَدُهُمَا فِي الْقِرَاضِ، وَلِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْقِرَاضِ لَمْ يَزْدَدْهُ، فَرُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَالضَّمَانُ أَمْرٌ قَدْ ازْدَادَهُ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ إنَّمَا كَانَ فِي الْمَالِ لَمْ تَكُنْ مَنْفَعَتُهُ خَارِجَةً مِنْهُ فِي رِبْحٍ وَلَا سَلَفٍ، فَحُمِلَ عَلَى سَنَةِ الْقِرَاضِ، وَفُسِخَ عَنْهُمَا مَا اشْتَرَطَا فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سَنَتِهِ، وَرُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِمَا مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَمَا يُرَدُّ مِنْ شَرْطِ الضَّمَانِ، وَهَذَا وَجْهُ مَا اسْتَحْسَنْتُ مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا يَتَّجِرُ فِيهِ سَنَةً، ثُمَّ يَتَحَاسَبَانِ فَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا. قَالَ: لَا يَحِلُّ أَنْ يَضْرِبَ لِلْمُقَارَضِ أَجَلًا، وَلَا يَشْتَرِطَ فِي رِبْحِهِ خَاصَّةً مَضْمُونَةً لِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ. قَالَ: وَمَنْ وَضَعَ الْقِرَاضَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي وُضِعَ الْقِرَاضُ عَلَيْهِ، فَلَا يَصْلُحُ فِيهِ شَرْطٌ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَضَعَ مَالَهُ فِي شَيْءٍ يَخْشَى غَرَرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يُشْتَرَطُ فِي الْقِرَاضِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنْ الْقِرَاضِ وَالْبِضَاعَةِ، يَكُونُ ذَلِكَ بِشَرْطٍ؟ فَقَالَا: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الشَّرْطِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ.
[فِي الْمُقَارَضِ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ عِنْدِهِ مِثْلَ الْقِرَاضِ يَعْمَلُ فِيهِمَا]
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ أَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ عِنْدِهِ أَلْفًا أُخْرَى يَعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا، عَلَى أَنَّ لِي رُبْعَ مَا يَخْرُجُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، اغْتَزَى كَثْرَةَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُدْخِلُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةً لِرَبِّ الْمَال. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ بِمَالِهِ وَيَشْتَرِطَ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ رِبْحِ الْمَالِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ: أُقَارِضُكَ بِأَلْفٍ، عَلَى أَنْ تُخْرِجَ مِنْ عِنْدِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، عَلَى أَنْ تَخْلِطَهُمَا بِأَلْفَيْ هَذِهِ تَعْمَلُ بِهَا جَمِيعًا، فَكَرِهَ مَالِكٌ
стр. 1749
هَذَا. قُلْتُ: وَلَمْ كَرِهَ مَالِكٌ هَذَا، أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يُخْرِجَ الْمُقَارَضُ أَلْفًا مِنْ عِنْدِهِ، فَيَخْلِطَهَا بِهَا يَعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا؟ قَالَ: لِاسْتِغْزَارِ الشِّرَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، كَانَ أَعْظَمَ لِلتِّجَارَةِ وَأَكْثَرَ لِلشِّرَاءِ وَأَحْرَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى مَا يُرِيدُ مِنْ الشِّرَاءِ وَأَكْثَرَ لِرِبْحِهِ وَفَضْلِهِ؟ فَيَصِيرُ الَّذِي دَفَعَ الْمَالَ قِرَاضًا، قَدْ جَرَّ إلَى نَفْسِهِ مَنْفَعَةَ مَالٍ غَيْرِ مَالِهِ، بِمُقَارَضَةِ مَالِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَجُرَّ إلَى نَفْسِهِ مَنْفَعَةً غَيْرَ مَالِهِ.
[فِي الْمُقَارَضِ يَأْخُذُ مَالًا قِرَاضًا وَيَشْتَرِطُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعِي رَبُّ الْمَالِ فِي الْمَالِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا قُلْتُ: فَإِنْ نَزَلَ هَذَا؟ قَالَ: يُرَدُّ الْعَامِلُ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ عَمِلَ رَبُّ الْمَالِ بِغَيْرِ شَرْطٍ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمَلًا يَسِيرًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ جَوَارِيَ، فَأَخَذَ رَبُّ الْمَالِ جَارِيَةً فَبَاعَهَا؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا، وَبَيْعُهُ فِيهَا بَاطِلٌ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْعَامِلُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَتَبْنَا مَا كَرِهَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنْ اشْتِرَاطِ عَوْنِ رَبِّ الْمَالِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
[فِي الْمُقَارَضِ يَشْتَرِطُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ غُلَامًا يُعَيِّنُهُ]
ُ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ الْغُلَامَ يُعَيِّنُهُ فِي الْمَالِ، إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يُعَيِّنَهُ فِي غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالدَّابَّةُ عِنْدِي مِثْلُهُ. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ بَلَغَنِي عَنْهُ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ، أَنَّهُ أَجَازَهَا فِي الْمُسَاقَاةِ. وَهِيَ عِنْدِي فِي الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ - إذَا اشْتَرَطَهَا - جَائِزَةٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ عَوْنَ دَابَّتِهِ أَوْ غُلَامِهِ، أَيَصْلُحُ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ، وَقَدْ قَالَ اللَّيْثُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ الْغُلَامَ يُعَيِّنُهُ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ شَيْئًا، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْقِرَاضُ عَلَى سَنَتِهِ، فَإِنْ وَقَعَ جَازَ.
[فِي الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَيْهِ بَلَدٍ يَشْتَرِي بِهِ]
فِي الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى بَلَدٍ يَشْتَرِي بِهِ قُلْتُ: فَلَوْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِالْمَالِ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ يَشْتَرِي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تِجَارَةً؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ مَالِكٌ: يُعْطِيهِ الْمَالَ وَيَقُودُهُ كَمَا يَقُودُ الْبَعِيرَ قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ هَذَا، أَنَّهُ يَحْجِزَ عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَا يَشْتَرِي إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ الْبَلَدَ.
стр. 1750
[الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ بِهِ عَبْدَ فُلَانٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدَ فُلَانٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بَعْد مَا يَبِيعُ عَبْدَ فُلَانٍ مَا شَاءَ بِثَمَنِهِ مِنْ السِّلَعِ؟ قَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ: يَشْتَرِي عَبْدَ فُلَانٍ، فَهَذِهِ أُجْرَةٌ لَيْسَ فِيهَا قِرَاضٌ عِنْد مَالِكٍ. وَأَمَّا مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ قِرَاضٌ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُقَارِضُ الرَّجُلَ بِالْعَرَضِ يَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي بَيْعِهِ الْعُرُوضَ وَتَقَاضِيهِ الثَّمَنَ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْد ذَلِكَ فِيمَا عَمِلَ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا شَرَطَا مِنْ الشَّرْطِ فِيمَا بَيْنَهُمَا نِصْفًا وَلَا ثُلُثًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ الَّتِي كَانَ بِهَا الْقِرَاضُ كَانَتْ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَارَضُ بِالْعُرُوضِ، فَلِذَلِكَ رُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِمَا، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَا اشْتَرَطَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ لَهُ فِيمَا بَاعَ أَجْرَ مِثْلِهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ نَخْلًا مُسَاقَاةً وَفِيهَا ثَمَرَتُهَا قَدْ طَابَتْ، عَلَى أَنْ يَسْقِيَهَا فَتَكُونَ فِي يَدَيْ الْعَامِلِ سِنِينَ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ هَذَا الثَّمَرَ الَّذِي فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مُسَاقَاةٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَامُ لِلْعَامِلِ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ فِي هَذِهِ الثَّمَرَةِ وَأَجْرُ عَمَلِهِ فِيهَا، وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِصَاحِبِهَا. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إنْ عَمِلَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا، وَلَكِنْ يَكُونُ عَلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِالشَّرْطِ الَّذِي كَرِهَهُ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَرَبِيعَةُ، فَهَذَا مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ.
[الْمُقَارَضِ يَقُولُ لِلْعَامِلِ اشْتَرِ وَأَنَا أَنْقُدُ عَنْكَ أَوْ يَضُمُّ مَعَهُ رَجُلًا يُبْصِرُهُ بِالتِّجَارَةِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَهُ وَيَقُولَ لِلْعَامِلِ: اذْهَبْ وَاشْتَرِ، وَأَنَا أَنْقُدُ عَنْكَ وَاقْبِضْ أَنْتَ السِّلَعَ، فَإِذَا بِعْتُ قَبَضْتُ الثَّمَنَ، وَإِذَا اشْتَرَيْت نَقَدْتُ الثَّمَنَ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا الْقِرَاضُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا الْقِرَاضُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَالَ إلَيْهِ قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَوْ ضَمَّ إلَيْهِ رَجُلًا جَعَلَهُ يَقْتَضِي الْمَالَ وَيَنْقُدُ، وَالْعَامِلُ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ وَلَا يَأْمَنُ الْعَامِلَ وَجَعَلَ هَذَا أَمِينًا. قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْمَالَ قِرَاضًا إلَى رَجُلٍ لَهُ أَمَانَةٌ وَبَصَرٌ، وَيَضُمُّ ابْنَهُ مَعَهُ وَلَا بَصَرَ لِابْنِهِ وَلَا أَمَانَةَ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ، لَأَنْ يَضُمَّ ابْنَهُ إلَيْهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ قِرَاضًا؛ لِأَنَّ ابْنَهُ لَا بَصَرَ عِنْدَهُ وَلَا يَأْمَنُ ابْنَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْقِرَاضِ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ الْمَنْفَعَةَ، يُخْرِجُ لَهُ ابْنَهُ وَيُعَلِّمُهُ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مَكَانَ ابْنِهِ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَيْسَ قِبَلَهُ بَصَرٌ بِالتِّجَارَةِ، فَجَعَلَهُ رَبُّ الْمَالِ مَكَانَ ابْنِهِ؟ قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ، فَإِنْ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ مِثْلَ مَا كَانَتْ فِي ابْنِهِ، أَنْ
стр. 1751
يَكُونَ صَدِيقًا لَهُ أَرَادَ أَنْ يَنْفَعَهُ فِي تَخْرِيجِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا مِمَّا يُفْسِدُ مِنْ اشْتِرَاطِ الزِّيَادَةِ وَالشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ.
[فِي الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى النِّصْفِ فَرَبِحَ فِيهَا أَلْفًا أُخْرَى فَيَأْتِيهِ رَبُّ الْمَالِ بِأَلْفٍ أُخْرَى عَلَى أَنْ يَخْلِطَهَا عَلَى النِّصْفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، فَعَمِلَ بِهَا فَرَبِحَ أَلْفًا أُخْرَى، ثُمَّ أَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ أُخْرَى خُذْهَا قِرَاضًا بِالنِّصْفِ وَاخْلِطْهَا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ حِينَ قَالَ لَهُ اخْلِطْهَا وَفِي الْمَالِ رِبْحٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اخْلِطْهَا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ.
فَإِنْ وَضَعْتَ فِي هَذَا الْمَال الثَّانِي، جَبَرْتَهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي فِي يَدَيْكَ مِنْ الْمَالِ الْأَوَّلِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُل دَفَعَ إلَى رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا، فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ دَفَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى رَبُّ الْمَالِ مَالًا آخَرَ، فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَتَيْنِ جَمِيعًا فَرَبِحَ فِي إحْدَاهُمَا وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَالٍ مِنْهُمَا عَلَى قِرَاضِهِ، وَلَا يُجِيزُ نُقْصَانَ هَذَا الْمَالِ مِنْ رِبْحِ هَذَا الْمَالِ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ حَتَّى دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا آخَرَ قِرَاضًا بِالثُّلُثِ، عَلَى أَنْ يَخْلِطَ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمِائَتَيْ دِينَارٍ، عَلَى أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ الْمِائَتَيْنِ - قِرَاضًا - عَلَى الثُّلُثِ، وَالْأُخْرَى قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ إذَا كَانَ لَا يَخْلِطُهُمَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يُرْجِعُ حِسَابَهُ إلَى جُزْءٍ مَعْرُوفٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي دَفَعَ مَالًا بَعْدَ مَالٍ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَالٍ آخَرَ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا يُعْجِبُنِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ خَطَرٌ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ نَقَصَ فِي الْمَالِ الْآخَرِ وَرَبِحَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ جَبَرَهُ بِرِبْحِ الْمَالِ الْأَوَّلِ وَقَدْ كَانَ رِبْحُهُمَا لِلْعَامِلِ؟ وَإِنْ نَقَصَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ وَرَبِحَ فِي الْآخَرِ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا؟ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ السِّلْعَةِ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: هَذَا لَا يُعْرَفُ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ تَتَحَوَّلُ، وَلَا يُعْجِبُنِي عَلَى حَالٍ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ حَتَّى زَادَهُ مَالًا آخَرَ قِرَاضًا عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَهَذَا كَأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ كُلَّهُ جُمْلَةً قَالَ: وَلَمْ
стр. 1752
أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ. وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ جِئْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ أَيْضًا قِرَاضًا وَاعْمَلْ بِهِ عَلَى حِدَةٍ بِالثُّلُثِ أَوْ بِالنِّصْفِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ السِّلْعَةَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، فَنَضَّ فِي يَدِهِ الْمَالُ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ خَسَارَةٌ أَوْ رِبْحٌ أَوْ مِثْلُ رَأْسِ مَالِهِ سَوَاءٌ، فَجَاءَ رَبُّ الْمَالِ بِمَالٍ آخَرَ فَقَالَ: خُذْ هَذَا قِرَاضًا؟ قَالَ: إنْ كَانَ بَاعَ بِرَأْسِ الْمَالِ - سَوَاءً - فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا عَلَى مِثْلِ قِرَاضِهِ الْمَالَ الْأَوَّلَ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ، وَإِنْ كَانَ بَاعَ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ، فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا عَلَى مِثْلِ مَا قَارَضَهُ، وَلَا بِأَدْنَى وَلَا بِأَكْثَرَ.
قُلْتُ: وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ لَمْ يُعْجِبْكَ أَيْضًا؟ قَالَ: هَذَا بَيِّنُ الْفَسَادِ لَا خَيْرَ فِيهِ، إذَا كَانَ خَسِرَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ أَوْ رَبِحَ قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ عَلَى مِثْلِ قِرَاضِ الْأَوَّلِ، نَقْدًا لَا يَخْلِطُهُ بِالْأَوَّلِ إذَا كَانَ فِيهِ رِبْحٌ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ مَالٍ عَلَى حِيَالِهِ، وَقَدْ اشْتَرَى بِالْمَالِ الْأَوَّل سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ قُلْتُ: وَإِنْ بَاعَ السِّلْعَةَ وَنَضَّ فِي يَدَيْهِ ثَمَنُهَا، فَجَاءَ رَبُّ الْمَالِ بِمَالِ آخَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِهِ قِرَاضًا وَقَدْ نَضَّ فِي يَدَيْهِ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ؟ قُلْتُ: لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَوْ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَخْلِطَهُ قُلْتُ: فِيهِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عَلَى حَالٍ لِمَ كَرِهْتَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ إذَا دَفَعَ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً أُخْرَى قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَالٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَرَ بِهَذَا بَأْسًا قَالَ: وَهَكَذَا قَالَ لَنَا مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْمَالَيْنِ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَالٍ عَلَى حِدَةٍ، وَرَبِحَ هَذَا عَلَى النِّصْفِ وَرَبِحَ هَذَا عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يَخْلِطْهُمَا: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ الْأَوَّلُ قَدْ صَرَفَهُ فِي عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، كَانَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ حَتَّى يَبِيعَهُ، فَإِذَا نَضَّ الْمَالُ الْأَوَّلُ، وَكَانَ عَيْنًا فِي يَدِ الْعَامِلِ، ثُمَّ زَادَهُ مَالًا آخَرَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ، لَمْ يَصْلُحْ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ فَيُقَاسِمَهُ رَبُّ الْمَالِ، ثُمَّ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَيَزِيدَهُ مِنْ عِنْدِهِ مَا شَاءَ، فَيَكُونَ قِرَاضًا مُبْتَدَأً.
[فِي الْمُقَارَضِ يُؤْمَرُ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِالنَّسِيئَةِ فَيَبِيعَ بِالنَّقْدِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَأَمَرْته أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِالنَّسِيئَةِ، فَبَاعَ بِالنَّقْدِ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا الْقِرَاضُ جَائِزًا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا،
стр. 1753
وَلَا أَرَاهُ جَائِزًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا مُتَعَدٍّ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى رَجُلًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا صِنْفَ كَذَا وَكَذَا، الصِّنْفُ غَيْرُ مَوْجُودٍ كَانَ قِرَاضًا لَا يَجُوزُ فَلَوْ اشْتَرَى غَيْرَ مَا أَمَرْتُهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَيَكُونُ الْفَضْلُ إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لِرَبِّ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ وَضِيعَةً فَعَلَيْهِ، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي الْوَضِيعَةِ وَيُعْطَى مِنْ الْفَضْلِ إذَا كَانَ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، لِأَنِّي إنْ ذَهَبْتُ أُعْطِيهِ أَجْرَ مِثْلِهِ وَقَدْ تَعَدَّى، فَلَعَلَّ أَجْرَ مِثْلِهِ يَذْهَبُ بِالْفَضْلِ وَبِنِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ، فَيَكُونُ هَذَا قَدْ نَالَ بِتَعَدِّيهِ وَجْهَ مَا طَلَبَ وَأَرَادَ وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ فِي الْمُتَعَدِّي فِي الْقِرَاضِ: إنْ وَضَعَ ضَمِنَ، وَإِنْ رَبِحَ أُدِّبَ، بِأَنْ يُحْرَمَ الرِّبْحَ الَّذِي أَرَادَ، وَيُعْطَى مِنْهُ عَلَى قَدْرِ شَرْطِهِ. فَالْمُتَعَدِّي فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فِي الْمُقَارَضِ يَبِيعُ بِالنَّسِيئَةِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَهُوَ ضَامِنٌ إذَا بَاعَ بِالنَّسِيئَةِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ إلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَمَرَهُ أَنْ لَا يَعْدُوَ الْبَزَّ يَشْتَرِيهِ بِمُقَارَضَتِهِ، فَلَا يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَارِضَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا الْبَزَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَزُّ مَوْجُودًا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا الْبَزَّ فَاشْتَرَاهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْبَزَّ بِالْعَرَضِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ غَيْرَ الْبَزِّ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَجِئْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي شَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَتَّجِرْ بِهَا إلَّا فِي الْبَزِّ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَكَ إذَا كَانَ الْمُقَارَضُ لَمْ يَصْرِفْهَا فِي شَيْءٍ، وَكَانَ الْبَزُّ مَوْجُودًا لَا يَخْلُفُ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّهُ كَانَ يَدْفَعُ الْمَالَ الْمُقَارَضَةُ إلَى الرَّجُلِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ بِهِ بَطْنَ وَادٍ، وَلَا يَبْتَاعَ بِهِ حَيَوَانًا، وَلَا يَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِلَيْلٍ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَمِنَ الْمَالَ، وَإِنْ تَعَدَّى أَمْرَهُ ضَمِنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ السَّبْعَةُ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ أَهْلِ فَضْلٍ وَفِقْهٍ
стр. 1754
[فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَنَهَيْتُهُ عَنْ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، فَاشْتَرَى مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ، أَيَكُونُ ضَامِنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ إنْ كُنْتُ إنَّمَا دَفَعْتُ إلَيْهِ الْمَالَ حِينَ دَفَعْتُهُ عَلَى النَّهْيِ وَتَنْهَاهُ عَنْ تِلْكَ السِّلْعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى، إنْ كُنْتَ إنَّمَا نَهَيْتَهُ بَعْدَ مَا دَفَعْتَ الْمَالَ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ، إنَّهُ ضَامِنٌ أَيْضًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَمِّنَهُ مَالَهُ ضَمَّنَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى الْقِرَاضِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ مَا اشْتَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيمَا بَاعَ فَضْلٌ، كَانَ عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ، كَانَ ضَامِنًا لِرَأْسِ الْمَالِ قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ فَرَّ بِالْمَالِ مِنْ الْقِرَاضِ حِينَ تَعَدَّى لِيَكُونَ لَهُ رِبْحُهُ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَنَهَيْته أَنْ لَا يَشْتَرِيَ حَيَوَانًا فَاشْتَرَى، فَكَانَ قِيمَةُ الْحَيَوَانِ أَقَلَّ مَنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ تَجَرَ بِهَا تَعَدِّيًا فَخَسِرَ، فَجَاءَنِي، وَمَعَهُ سِلَعٌ لَيْسَ فِيهَا وَفَاءٌ بِرَأْسِ مَالِي، أَوْ جَاءَ، وَمَعَهُ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَقَلُّ مِنْ رَأْسِ مَالِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُضَمِّنَهُ وَآخُذَ مَا وَجَدْت فِي يَدَيْهِ وَأُتْبِعَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ رَأْسِ مَالِي. وَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْعَامِلِ وَقَالُوا: نَحْنُ فِي هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ أُسْوَةٌ؛ لِأَنَّكَ إذَا ضَمَّنْتَهُ فَلَسْتَ أَوْلَى بِهَذِهِ السِّلَعِ مِنَّا وَلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرِ وَلَا هَذِهِ الدَّرَاهِمِ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِهَا مِنَّا لَوْ لَمْ تُضَمِّنْهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِهَا.
وَإِنْ كَانَ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاسْتَسْلَفَهُ الْعَامِلُ مَالًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ، قَالَ: إنْ بَاعَ فَرَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ رِبْحُهُ عَلَى شَرْطِهِ، وَإِنْ نَقَصَ كَانَ ضَامِنًا لِمَا نَقَصَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَأَرَاهُ أَوْلَى بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَأَمَّا السِّلَعُ فَإِنْ أَتَى بِالسِّلْعَةِ لَمْ يَبِعْهَا، خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ، قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا، إنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ رَأْسَ الْمَالِ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ.
فَأَرَى فِي السِّلَعِ، إنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي الزِّنَادِ وَنَافِعٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَهَلَكَ ضَمِنَ، وَإِنْ رَبِحَ فَلَهُمْ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَدْ كَانَ النَّاسُ يَشْتَرِطُونَ عَلَى مَنْ قَارَضُوا مِثْلَ هَذَا. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: الرِّبْحُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ عَصَى مَا قَارَضْتَهُ عَلَيْهِ وَالضَّمَانُ عَلَيْهِ.
[فِي الْمُقَارَضِ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَأَمَرْته أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ فَخَرَجَ بِهِ إلَى أَفْرِيقِيَّةَ وَتَعَدَّى، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ بِالْمَالِ شَيْئًا، وَلَمْ يُحَرِّكْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى مِصْرَ فَتَجَرَ فِي الْمَالِ فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَخَسِرَ أَوْ ضَاعَ مِنْهُ لَمَّا رَجَعَ إلَى أَرْضِ مِصْرَ قَبْلَ أَنْ
стр. 1755
يَتَّجِرَ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّهُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَوْ تَلِفَ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ وَدِيعَةً اسْتَوْدَعَهَا رَجُلٌ رَجُلًا، بِمِصْرَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مِصْرَ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا كَانَ ضَامِنًا لَهَا إنْ تَلِفَتْ، وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ حَتَّى يَرُدَّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ فِيهِ رَبُّ الْمَالِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَسْتَوْدِعُ الرَّجُلَ الْمَالَ فَيَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ فَيُنْفِقُهُ، أَوْ يَأْخُذُهَا كُلَّهَا فَيُنْفِقُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا مَكَانَهَا فَتَضِيعُ: إنَّ الضَّمَانَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّهُ حِينَ رَدَّهَا سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ فَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِ رَبِّهَا ثُمَّ رَدَّهَا.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى الْعَامِلُ بِهِ مَتَاعًا وَجِهَازًا يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ الْبُلْدَانِ، فَلَمَّا اشْتَرَاهُ أَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ فَنَهَاهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَمْنَعَهُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَى وَعَمِلَ.
فَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُفْسِدَ ذَلِكَ وَيُبْطِلَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَيْضًا، أَنَّهُ إنْ اشْتَرَى بِهِ سِلَعًا، ثُمَّ أَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْعَامِلِ السِّلَعَ مَكَانَهُ، أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ. وَلَكِنْ يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي ذَاكَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِسُوقٍ يَرْجُوهُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى بَيْعِ تِلْكَ السِّلَعِ. وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهَا إلَى تِلْكَ الْأَسْوَاقِ الَّتِي يَرْجُوهَا لِئَلَّا يَذْهَبَ عَمَلُ هَذَا الْعَامِلِ بَاطِلًا ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا يَخَافُ عَلَيْهِ السُّوسَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَيَتْلَفَ رَأْسُ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ حِينَئِذٍ بِالْبَيْعِ.
قُلْتُ: فَإِنْ تَجَهَّزَ الْعَامِلُ وَاشْتَرَى مَتَاعًا يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ الْبُلْدَانِ فَهَلَكَ رَبُّ الْمَالِ، أَيَكُونُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَخْرُجَ بِهَذَا الْمَتَاعِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[فِي الْمُقَارَضِ يُسَافِرُ بِالْقِرَاضِ إلَيْهِ الْبُلْدَانِ]
فِي الْمُقَارَضِ يُسَافِرُ بِالْقِرَاضِ إلَى الْبُلْدَانِ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، وَلَمْ أَقُلْ لَهُ: اتَّجِرْ بِهِ هَاهُنَا وَلَا هَاهُنَا دَفَعْت إلَى الْمَالَ وَسَكَتَ عَنْهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ فِي أَيِّ الْمَوَاضِعِ أَحَبَّ، وَيَخْرُجَ بِهِ إلَى أَيِّ الْبُلْدَانِ شَاءَ فَيَتَّجِرُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، عِنْدَ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، أَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ إلَى الْبُلْدَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَهَاهُ، وَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ بِالْفُسْطَاطِ: لَا تَخْرُجْ بِهِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ وَلَا مِنْ الْفُسْطَاطِ.
[الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ لَهُ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَجْلِسَ بِهِ فِي حَانُوتٍ أَوْ يَزْرَعَ بِهِ]
ِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَجْلِسَ بِهِ فِي حَانُوتٍ مَنْ الْبَزَّازِينَ أَوْ السَّقَّاطِينَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهِ وَلَا يَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَعَ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ أَجِيرًا يُقَامُ لَهُ أَجْرُ عَمَلِ مِثْلِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ رِبْحٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَلَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَى
следующие страницы →