← Фикх малики

Фикх малики · id 587

المدونة

مالك بن أنس

Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

يَكُونَ صَدِيقًا لَهُ أَرَادَ أَنْ يَنْفَعَهُ فِي تَخْرِيجِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا مِمَّا يُفْسِدُ مِنْ اشْتِرَاطِ الزِّيَادَةِ وَالشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ. [فِي الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى النِّصْفِ فَرَبِحَ فِيهَا أَلْفًا أُخْرَى فَيَأْتِيهِ رَبُّ الْمَالِ بِأَلْفٍ أُخْرَى عَلَى أَنْ يَخْلِطَهَا عَلَى النِّصْفِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، فَعَمِلَ بِهَا فَرَبِحَ أَلْفًا أُخْرَى، ثُمَّ أَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ أُخْرَى خُذْهَا قِرَاضًا بِالنِّصْفِ وَاخْلِطْهَا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ حِينَ قَالَ لَهُ اخْلِطْهَا وَفِي الْمَالِ رِبْحٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اخْلِطْهَا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ. فَإِنْ وَضَعْتَ فِي هَذَا الْمَال الثَّانِي، جَبَرْتَهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي فِي يَدَيْكَ مِنْ الْمَالِ الْأَوَّلِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُل دَفَعَ إلَى رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا، فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ دَفَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى رَبُّ الْمَالِ مَالًا آخَرَ، فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَتَيْنِ جَمِيعًا فَرَبِحَ فِي إحْدَاهُمَا وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَالٍ مِنْهُمَا عَلَى قِرَاضِهِ، وَلَا يُجِيزُ نُقْصَانَ هَذَا الْمَالِ مِنْ رِبْحِ هَذَا الْمَالِ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ حَتَّى دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا آخَرَ قِرَاضًا بِالثُّلُثِ، عَلَى أَنْ يَخْلِطَ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمِائَتَيْ دِينَارٍ، عَلَى أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ الْمِائَتَيْنِ - قِرَاضًا - عَلَى الثُّلُثِ، وَالْأُخْرَى قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ إذَا كَانَ لَا يَخْلِطُهُمَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يُرْجِعُ حِسَابَهُ إلَى جُزْءٍ مَعْرُوفٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي دَفَعَ مَالًا بَعْدَ مَالٍ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَالٍ آخَرَ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا يُعْجِبُنِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ خَطَرٌ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ نَقَصَ فِي الْمَالِ الْآخَرِ وَرَبِحَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ جَبَرَهُ بِرِبْحِ الْمَالِ الْأَوَّلِ وَقَدْ كَانَ رِبْحُهُمَا لِلْعَامِلِ؟ وَإِنْ نَقَصَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ وَرَبِحَ فِي الْآخَرِ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا؟ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ السِّلْعَةِ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: هَذَا لَا يُعْرَفُ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ تَتَحَوَّلُ، وَلَا يُعْجِبُنِي عَلَى حَالٍ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ حَتَّى زَادَهُ مَالًا آخَرَ قِرَاضًا عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَهَذَا كَأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ كُلَّهُ جُمْلَةً قَالَ: وَلَمْ

стр. 1752

أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ. وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ جِئْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ أَيْضًا قِرَاضًا وَاعْمَلْ بِهِ عَلَى حِدَةٍ بِالثُّلُثِ أَوْ بِالنِّصْفِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ السِّلْعَةَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، فَنَضَّ فِي يَدِهِ الْمَالُ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ خَسَارَةٌ أَوْ رِبْحٌ أَوْ مِثْلُ رَأْسِ مَالِهِ سَوَاءٌ، فَجَاءَ رَبُّ الْمَالِ بِمَالٍ آخَرَ فَقَالَ: خُذْ هَذَا قِرَاضًا؟ قَالَ: إنْ كَانَ بَاعَ بِرَأْسِ الْمَالِ - سَوَاءً - فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا عَلَى مِثْلِ قِرَاضِهِ الْمَالَ الْأَوَّلَ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ، وَإِنْ كَانَ بَاعَ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ، فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا عَلَى مِثْلِ مَا قَارَضَهُ، وَلَا بِأَدْنَى وَلَا بِأَكْثَرَ. قُلْتُ: وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ لَمْ يُعْجِبْكَ أَيْضًا؟ قَالَ: هَذَا بَيِّنُ الْفَسَادِ لَا خَيْرَ فِيهِ، إذَا كَانَ خَسِرَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ أَوْ رَبِحَ قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ عَلَى مِثْلِ قِرَاضِ الْأَوَّلِ، نَقْدًا لَا يَخْلِطُهُ بِالْأَوَّلِ إذَا كَانَ فِيهِ رِبْحٌ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ مَالٍ عَلَى حِيَالِهِ، وَقَدْ اشْتَرَى بِالْمَالِ الْأَوَّل سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ قُلْتُ: وَإِنْ بَاعَ السِّلْعَةَ وَنَضَّ فِي يَدَيْهِ ثَمَنُهَا، فَجَاءَ رَبُّ الْمَالِ بِمَالِ آخَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِهِ قِرَاضًا وَقَدْ نَضَّ فِي يَدَيْهِ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ؟ قُلْتُ: لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَوْ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَخْلِطَهُ قُلْتُ: فِيهِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عَلَى حَالٍ لِمَ كَرِهْتَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ إذَا دَفَعَ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً أُخْرَى قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَالٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَرَ بِهَذَا بَأْسًا قَالَ: وَهَكَذَا قَالَ لَنَا مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْمَالَيْنِ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَالٍ عَلَى حِدَةٍ، وَرَبِحَ هَذَا عَلَى النِّصْفِ وَرَبِحَ هَذَا عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يَخْلِطْهُمَا: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ الْأَوَّلُ قَدْ صَرَفَهُ فِي عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، كَانَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ حَتَّى يَبِيعَهُ، فَإِذَا نَضَّ الْمَالُ الْأَوَّلُ، وَكَانَ عَيْنًا فِي يَدِ الْعَامِلِ، ثُمَّ زَادَهُ مَالًا آخَرَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ، لَمْ يَصْلُحْ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ فَيُقَاسِمَهُ رَبُّ الْمَالِ، ثُمَّ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَيَزِيدَهُ مِنْ عِنْدِهِ مَا شَاءَ، فَيَكُونَ قِرَاضًا مُبْتَدَأً. [فِي الْمُقَارَضِ يُؤْمَرُ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِالنَّسِيئَةِ فَيَبِيعَ بِالنَّقْدِ] ِ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَأَمَرْته أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِالنَّسِيئَةِ، فَبَاعَ بِالنَّقْدِ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا الْقِرَاضُ جَائِزًا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا،

стр. 1753

وَلَا أَرَاهُ جَائِزًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا مُتَعَدٍّ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى رَجُلًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا صِنْفَ كَذَا وَكَذَا، الصِّنْفُ غَيْرُ مَوْجُودٍ كَانَ قِرَاضًا لَا يَجُوزُ فَلَوْ اشْتَرَى غَيْرَ مَا أَمَرْتُهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَيَكُونُ الْفَضْلُ إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لِرَبِّ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَتْ وَضِيعَةً فَعَلَيْهِ، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي الْوَضِيعَةِ وَيُعْطَى مِنْ الْفَضْلِ إذَا كَانَ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، لِأَنِّي إنْ ذَهَبْتُ أُعْطِيهِ أَجْرَ مِثْلِهِ وَقَدْ تَعَدَّى، فَلَعَلَّ أَجْرَ مِثْلِهِ يَذْهَبُ بِالْفَضْلِ وَبِنِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ، فَيَكُونُ هَذَا قَدْ نَالَ بِتَعَدِّيهِ وَجْهَ مَا طَلَبَ وَأَرَادَ وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ فِي الْمُتَعَدِّي فِي الْقِرَاضِ: إنْ وَضَعَ ضَمِنَ، وَإِنْ رَبِحَ أُدِّبَ، بِأَنْ يُحْرَمَ الرِّبْحَ الَّذِي أَرَادَ، وَيُعْطَى مِنْهُ عَلَى قَدْرِ شَرْطِهِ. فَالْمُتَعَدِّي فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فِي الْمُقَارَضِ يَبِيعُ بِالنَّسِيئَةِ] ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَهُوَ ضَامِنٌ إذَا بَاعَ بِالنَّسِيئَةِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ إلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَمَرَهُ أَنْ لَا يَعْدُوَ الْبَزَّ يَشْتَرِيهِ بِمُقَارَضَتِهِ، فَلَا يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَارِضَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا الْبَزَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَزُّ مَوْجُودًا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا الْبَزَّ فَاشْتَرَاهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْبَزَّ بِالْعَرَضِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ غَيْرَ الْبَزِّ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَجِئْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي شَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَتَّجِرْ بِهَا إلَّا فِي الْبَزِّ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَكَ إذَا كَانَ الْمُقَارَضُ لَمْ يَصْرِفْهَا فِي شَيْءٍ، وَكَانَ الْبَزُّ مَوْجُودًا لَا يَخْلُفُ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّهُ كَانَ يَدْفَعُ الْمَالَ الْمُقَارَضَةُ إلَى الرَّجُلِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ بِهِ بَطْنَ وَادٍ، وَلَا يَبْتَاعَ بِهِ حَيَوَانًا، وَلَا يَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِلَيْلٍ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَمِنَ الْمَالَ، وَإِنْ تَعَدَّى أَمْرَهُ ضَمِنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ السَّبْعَةُ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ أَهْلِ فَضْلٍ وَفِقْهٍ

стр. 1754

[فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَنَهَيْتُهُ عَنْ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، فَاشْتَرَى مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ، أَيَكُونُ ضَامِنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ إنْ كُنْتُ إنَّمَا دَفَعْتُ إلَيْهِ الْمَالَ حِينَ دَفَعْتُهُ عَلَى النَّهْيِ وَتَنْهَاهُ عَنْ تِلْكَ السِّلْعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى، إنْ كُنْتَ إنَّمَا نَهَيْتَهُ بَعْدَ مَا دَفَعْتَ الْمَالَ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ، إنَّهُ ضَامِنٌ أَيْضًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَمِّنَهُ مَالَهُ ضَمَّنَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى الْقِرَاضِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ مَا اشْتَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيمَا بَاعَ فَضْلٌ، كَانَ عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ، كَانَ ضَامِنًا لِرَأْسِ الْمَالِ قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ فَرَّ بِالْمَالِ مِنْ الْقِرَاضِ حِينَ تَعَدَّى لِيَكُونَ لَهُ رِبْحُهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَنَهَيْته أَنْ لَا يَشْتَرِيَ حَيَوَانًا فَاشْتَرَى، فَكَانَ قِيمَةُ الْحَيَوَانِ أَقَلَّ مَنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ تَجَرَ بِهَا تَعَدِّيًا فَخَسِرَ، فَجَاءَنِي، وَمَعَهُ سِلَعٌ لَيْسَ فِيهَا وَفَاءٌ بِرَأْسِ مَالِي، أَوْ جَاءَ، وَمَعَهُ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَقَلُّ مِنْ رَأْسِ مَالِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُضَمِّنَهُ وَآخُذَ مَا وَجَدْت فِي يَدَيْهِ وَأُتْبِعَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ رَأْسِ مَالِي. وَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْعَامِلِ وَقَالُوا: نَحْنُ فِي هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ أُسْوَةٌ؛ لِأَنَّكَ إذَا ضَمَّنْتَهُ فَلَسْتَ أَوْلَى بِهَذِهِ السِّلَعِ مِنَّا وَلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرِ وَلَا هَذِهِ الدَّرَاهِمِ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِهَا مِنَّا لَوْ لَمْ تُضَمِّنْهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِهَا. وَإِنْ كَانَ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاسْتَسْلَفَهُ الْعَامِلُ مَالًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ، قَالَ: إنْ بَاعَ فَرَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ رِبْحُهُ عَلَى شَرْطِهِ، وَإِنْ نَقَصَ كَانَ ضَامِنًا لِمَا نَقَصَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَأَرَاهُ أَوْلَى بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَأَمَّا السِّلَعُ فَإِنْ أَتَى بِالسِّلْعَةِ لَمْ يَبِعْهَا، خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ، قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا، إنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ رَأْسَ الْمَالِ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ. فَأَرَى فِي السِّلَعِ، إنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي الزِّنَادِ وَنَافِعٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَهَلَكَ ضَمِنَ، وَإِنْ رَبِحَ فَلَهُمْ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَدْ كَانَ النَّاسُ يَشْتَرِطُونَ عَلَى مَنْ قَارَضُوا مِثْلَ هَذَا. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: الرِّبْحُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ عَصَى مَا قَارَضْتَهُ عَلَيْهِ وَالضَّمَانُ عَلَيْهِ. [فِي الْمُقَارَضِ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَأَمَرْته أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ فَخَرَجَ بِهِ إلَى أَفْرِيقِيَّةَ وَتَعَدَّى، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ بِالْمَالِ شَيْئًا، وَلَمْ يُحَرِّكْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى مِصْرَ فَتَجَرَ فِي الْمَالِ فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَخَسِرَ أَوْ ضَاعَ مِنْهُ لَمَّا رَجَعَ إلَى أَرْضِ مِصْرَ قَبْلَ أَنْ

стр. 1755

يَتَّجِرَ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّهُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَوْ تَلِفَ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ وَدِيعَةً اسْتَوْدَعَهَا رَجُلٌ رَجُلًا، بِمِصْرَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مِصْرَ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا كَانَ ضَامِنًا لَهَا إنْ تَلِفَتْ، وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ حَتَّى يَرُدَّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ فِيهِ رَبُّ الْمَالِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَسْتَوْدِعُ الرَّجُلَ الْمَالَ فَيَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ فَيُنْفِقُهُ، أَوْ يَأْخُذُهَا كُلَّهَا فَيُنْفِقُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا مَكَانَهَا فَتَضِيعُ: إنَّ الضَّمَانَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّهُ حِينَ رَدَّهَا سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ فَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِ رَبِّهَا ثُمَّ رَدَّهَا. قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى الْعَامِلُ بِهِ مَتَاعًا وَجِهَازًا يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ الْبُلْدَانِ، فَلَمَّا اشْتَرَاهُ أَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ فَنَهَاهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَمْنَعَهُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَى وَعَمِلَ. فَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُفْسِدَ ذَلِكَ وَيُبْطِلَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَيْضًا، أَنَّهُ إنْ اشْتَرَى بِهِ سِلَعًا، ثُمَّ أَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْعَامِلِ السِّلَعَ مَكَانَهُ، أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ. وَلَكِنْ يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي ذَاكَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِسُوقٍ يَرْجُوهُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى بَيْعِ تِلْكَ السِّلَعِ. وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهَا إلَى تِلْكَ الْأَسْوَاقِ الَّتِي يَرْجُوهَا لِئَلَّا يَذْهَبَ عَمَلُ هَذَا الْعَامِلِ بَاطِلًا ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا يَخَافُ عَلَيْهِ السُّوسَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَيَتْلَفَ رَأْسُ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ حِينَئِذٍ بِالْبَيْعِ. قُلْتُ: فَإِنْ تَجَهَّزَ الْعَامِلُ وَاشْتَرَى مَتَاعًا يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ الْبُلْدَانِ فَهَلَكَ رَبُّ الْمَالِ، أَيَكُونُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَخْرُجَ بِهَذَا الْمَتَاعِ؟ قَالَ: نَعَمْ. [فِي الْمُقَارَضِ يُسَافِرُ بِالْقِرَاضِ إلَيْهِ الْبُلْدَانِ] فِي الْمُقَارَضِ يُسَافِرُ بِالْقِرَاضِ إلَى الْبُلْدَانِ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، وَلَمْ أَقُلْ لَهُ: اتَّجِرْ بِهِ هَاهُنَا وَلَا هَاهُنَا دَفَعْت إلَى الْمَالَ وَسَكَتَ عَنْهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ فِي أَيِّ الْمَوَاضِعِ أَحَبَّ، وَيَخْرُجَ بِهِ إلَى أَيِّ الْبُلْدَانِ شَاءَ فَيَتَّجِرُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، عِنْدَ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، أَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ إلَى الْبُلْدَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَهَاهُ، وَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ بِالْفُسْطَاطِ: لَا تَخْرُجْ بِهِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ وَلَا مِنْ الْفُسْطَاطِ. [الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ لَهُ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَجْلِسَ بِهِ فِي حَانُوتٍ أَوْ يَزْرَعَ بِهِ] ِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَجْلِسَ بِهِ فِي حَانُوتٍ مَنْ الْبَزَّازِينَ أَوْ السَّقَّاطِينَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهِ وَلَا يَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَعَ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ أَجِيرًا يُقَامُ لَهُ أَجْرُ عَمَلِ مِثْلِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ رِبْحٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَلَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَى

стр. 1756

أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: اجْلِسْ فِي هَذَا الْحَانُوتِ وَأُعْطِيكَ مَالًا تَتَّجِرُ فِيهِ، فَمَا رَبِحْتَ فِيهِ فَلَكَ نِصْفُهُ فَهَذَا أَجِيرٌ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّمَا يَجْلِسُ بِهِ فِي حَانُوتٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ. قَالَ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضًا وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَ بِهِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ الْقِرَاضَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ اشْتَرَطَهُ، فَزَرَعَ بِهِ أَيَكُونُ قِرَاضًا جَائِزًا؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، إنَّمَا هِيَ تِجَارَةٌ مِنْ التِّجَارَاتِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ زَرَعَ بِهِ فِي ظُلْمٍ بَيِّنٍ يَرَى أَنَّهُ قَدْ خَاطَرَ بِهِ فِي ظُلْمِ الْعَامِلِ، فَأَرَى أَنَّهُ ضَامِنٌ فَأَمَّا أَنْ يَزْرَعَ عَلَى وَجْهٍ يُعْرَفُ وَعَلَى وَجْهِ عَدْلٍ وَأَمْرٍ بَيِّنٍ فَلَا أَرَاهُ ضَامِنًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ، أَنَّهُ يَزْرَعُ بِهِ وَيَعْمَلُ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ، وَأَرَى أَنْ يُرَدَّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَيَكُونَ جَمِيعُ الزَّرْعِ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: خُذْ هَذَا الْمَالَ قِرَاضًا وَلَا تَشْتَرِ بِهِ إلَّا دَابَّةَ فُلَانٍ، أَوْ لَا تَشْتَرِ بِهِ إلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا لِسِلْعَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ وَلَا مَأْمُونَةٍ فَهَذَا وَاَلَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَ بِالْمَالِ الْقِرَاضِ سَوَاءٌ، هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أُجَرَاءُ قُلْتُ: فَإِنْ أَعْطَاهُ مَالًا قِرَاضًا وَقَالَ لَهُ: اُقْعُدْ بِهِ فِي الْقَيْسَارِيَّةِ، اشْتَرِ وَبِعْ وَمَا رَبِحْتَ فَبَيْنَنَا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ الْحَوَانِيتَ والْقَيْسَارِيَّة. وَالْحَوَانِيتُ عِنْدِي سَوَاءٌ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَارِضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِمَالٍ وَيَقُولَ لَهُ: عَلَى أَنْ لَا تَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ نَزَلَ كَانَ أَجِيرًا. [فِي الْمُقَارَضِ يَزْرَعُ بِالْقِرَاضِ أَوْ يُسَاقِي بِهِ] ِ قُلْتُ: فَلَوْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى بِهِ أَرْضًا أَوْ اكْتَرَاهَا أَوْ اشْتَرَى زَرِيعَةً وَأَزْوَاجًا فَزَرَعَ فَرَبِحَ أَوْ خَسِرَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ قِرَاضًا وَيَكُونُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَاطَرَ بِهِ فِي مَوْضِعِ ظُلْمٍ أَوْ عَدُوٍّ يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ قَدْ خَاطَرَ بِهِ فَيَضْمَنُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ أَمْنٍ وَعَدْلٍ فَلَا يَضْمَنُ قُلْتُ: أَوَلَيْسَ مَالِكٌ قَدْ كَرِهَ هَذَا؟ قَالَ: إنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ إذَا كَانَ يُشْتَرَطُ إنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ قِرَاضًا عَلَى هَذَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْطَيْته مَالًا قِرَاضًا، فَذَهَبَ وَأَخَذَ نَخْلًا مُسَاقَاةً فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، أَيَكُونُ هَذَا مُعْتَدِيًا أَمْ تَرَاهُ قِرَاضًا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَاهُ مُعْتَدِيًا وَأَرَاهُ يُشْبِهُ الزَّرْعَ. [الْمُقَارَضِ يَشْتَرِي سِلْعَةً بِالْقِرَاضِ كُلِّهِ ثُمَّ يَشْتَرِي أُخْرَى بِمِثْلِ الْقِرَاضِ عَلَى الْقِرَاضِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ دَفَعَ إلَيَّ رَجُلٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَرْضًا، فَاشْتَرَيْتُ سِلْعَةً مَنْ السِّلَعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ أَنْقُدْ حَتَّى اشْتَرَيْت سِلْعَةً أُخْرَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى الْقِرَاضِ، أَتَكُونُ السِّلْعَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى الْقِرَاضِ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا فِي يَدِي مِنْ الْمَالِ الْقِرَاضِ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: سَأَلْتُ

стр. 1757

مَالِكًا عَنْ قَوْمٍ يَدْفَعُونَ إلَى أَقْوَامٍ مَالًا قِرَاضًا، فَيَجْلِسُونَ بِهَا فِي الْحَوَانِيتِ فَيَشْتَرُونَ بِأَكْثَرَ مِمَّا دُفِعَ إلَيْهِمْ وَيَضْمَنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُعْطُونَ الَّذِي قَارَضَهُمْ مِنْ رِبْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا، فَأَرَى مَسْأَلَتَكَ تُشْبِهُ هَذَا، وَلَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْقِرَاضِ فِيمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ، أَنْ يَشْتَرِيَ عَلَى الْقِرَاضِ بِدَيْنٍ يَكُونُ الْعَامِلُ ضَامِنًا لِلدَّيْنِ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ. [الْمُقَارَضِ بِأَلْفٍ يَبْتَاعُ عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَلْفَيْنِ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفِ نَقْدًا وَأَلْفٍ إلَى أَجَلٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُقَارَضَةً، فَذَهَبَ فَاشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَلْفَيْنِ؟ قَالَ: يَكُونُ شَرِيكًا مَعَ رَبِّ الْقِرَاضِ، يَكُونُ نِصْفُهَا عَلَى الْقِرَاضِ وَنِصْفُهَا لِلْعَامِلِ عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ قِرَاضًا، فَاشْتَرَى سِلْعَةً بِمِائَتَيْ دِينَارٍ فَنَقَدَ مِائَةً، وَمِائَةٌ إلَى سَنَةٍ، قَالَ: أَرَى أَنْ تُقَوَّمَ السِّلْعَةُ بِالنَّقْدِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسِينَ وَمِائَةً، كَانَ لِرَبِّ الْمَال الثُّلُثَانِ مِنْ السِّلْعَةِ، وَكَانَ لِلْعَامِلِ الثُّلُثُ، فَهَذِهِ تُشْبِهُ مَسْأَلَتَكَ الَّتِي فَوْقَ هَذِهِ، إلَّا أَنَّ مَسْأَلَتَكَ شِرَاؤُهُ بِالنَّقْدِ. قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا تُقَوَّمُ الْمِائَةُ الْآجِلَةُ وَتُفَضُّ قِيمَةُ السِّلْعَةِ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمِائَةِ النَّقْدِ. [فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ يَقْصُرُ مَالَهُ عَنْهَا فَيَأْخُذُ عَلَيْهِ قِرَاضًا يَدْفَعُهُ فِي ثَمَنِهَا] قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ فَيَقْصُرُ مَالُهُ عَنْهَا، فَيَأْتِي إلَى رَجُلٍ فَيَقُولُ لَهُ: ادْفَعْ إلَيَّ مَالًا قِرَاضًا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ فِي ثَمَنِ بَقِيَّةِ تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَى وَيَجْعَلُهُ قِرَاضًا؟ قَالَ مَالِكٌ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَغْلَاهَا، فَيَدْخُلَ مَالُ الرَّجُلِ فِيهِ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ سِلْعَةً، فَأَتَى إلَى رَجُلٍ فَقَالَ: ادْفَعْ إلَيَّ مَالًا أَدْفَعُهُ فِي ثَمَنِهَا وَيَكُونُ قِرَاضًا، قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا، فَإِنْ وَقَعَ لَزِمَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ رَدُّ الْمَالِ إلَى صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ لَهُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رِبْحٍ وَعَلَيْهِ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ وَضِيعَةٍ، وَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ، فَنَقَدَهَا فِي سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا، عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ مَا رَبِحَ فِيهَا وَعَلَيْهِ مَا كَانَ فِيهَا مَنْ وَضِيعَةٍ. [الْمُقَارَضِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ فَيُوجَدُ بِهَا عَيْبٌ فَيَضَعُ مِنْ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْأَقَلَّ] الْمُقَارَضِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ فَيُوجَدُ بِهَا عَيْبٌ فَيَضَعُ مِنْ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ أَقَلَّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ إذَا بَاعَ سِلْعَةً، فَظَهَرَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَحَطَّ مِنْ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مَنْ

стр. 1758

قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ أَقَلَّ، أَوْ اشْتَرَى مَنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ وَلَدِهِ، أَيَجُوزُ هَذَا عَلَى الْمَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إنَّمَا يَنْظُرُ فِي هَذَا، فَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ مِنْ هَذَا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَلَيْسَ فِيهِ مُحَابَاةٌ فَأَرَاهُ جَائِزًا. [فِي الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ فَيَجِدُ بِهِ عَيْبًا فَيُرِيدُ رَدَّهُ وَيَأْبَى ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ] ِ قُلْتُ: فَلَوْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا، ثُمَّ أَصَابَ الْعَامِلُ بِهِ عَيْبًا يَنْقُصُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَأَرَادَ رَدَّ الْعَبْدِ وَأَبَى ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ؟ قَالَ: لَا أَرَى لِرَبِّ الْمَالِ هَاهُنَا قَوْلًا؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَقُولُ: إنْ أَنَا أَخَذْتُهُ - وَقِيمَتُهُ تِسْعُمِائَةٍ - ثُمَّ عَلِمْتُ بِهِ كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُجْبِرَ رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبْحَ لِي إلَّا بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ، فَهَذَا يُدْخِلُ عَلَى الْعَامِلِ الضَّرَرَ، لَا أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: إنْ أَبَيْتَ فَاتْرُكْ الْقِرَاضَ وَاخْرُجْ؛ لِأَنَّكَ إنَّمَا تُرِيدُ رَدَّهُ وَأَنَا أَقْبَلُهُ فَذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ مُقَارِضًا اشْتَرَى عَبْدًا بِهِ عَيْبٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَبِلَ الْعَبْدَ، أَيَكُونُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُقَارَضَةِ أَوْ تَرَاهُ مُتَعَدِّيًا؟ قَالَ: إنْ حَابَى فَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَإِنْ قَبِلَهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُقَارَضِ يَبِيعُ وَيُحَابِي: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ، فَيَجُوزُ قَدْرَ نَصِيبِهِ. [فِي الْمُقَارَضِ يَبِيعُ بِالْقِرَاضِ وَيَحْتَالُ بِالثَّمَنِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى بِهِ وَبَاعَ. فَلَمَّا بَاعَ بَعْضَ السِّلْعَةِ احْتَالَ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ مَلِيءٍ أَوْ مُعْسِرٍ إلَى أَجَلٍ، أَتَرَاهُ ضَامِنًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا بَاعَ الْعَامِلُ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ رَبُّ الْمَالِ بِذَلِكَ، فَهُوَ ضَامِنٌ. فَأَرَاهُ إذَا احْتَالَ بِذَلِكَ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ ضَامِنٌ كَمَنْ بَاعَ بِالدَّيْنِ. [الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ وَيَنْقُدُ ثَمَنَهَا فَإِذَا أَرَادَ قَبْضَهَا جَحَدَهُ رَبُّ السِّلْعَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً مَنْ السِّلَعِ فَنَقَدَ الثَّمَنَ رَبَّ السِّلْعَةِ، فَأَرَادَ قَبْضَ السِّلْعَةِ فَجَحَدَهُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَأَرَاهُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ رَبِّ الْمَالِ حِينَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى الْبَائِعِ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ قُلْتُ: فَإِنْ وَكَّلْت وَكِيلًا وَدَفَعْت إلَيْهِ دَنَانِيرَ يَشْتَرِي لِي بِهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَاشْتَرَى لِي عَبْدًا، فَدَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ وَقَالَ: لَمْ آخُذ الثَّمَنَ، أَيَكُونُ عَلَى الْوَكِيلِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ:

стр. 1759

لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَيْضًا، وَأَرَاهُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ رَبِّ الْمَالِ حِينَ لَمْ يُشْهِدْ قُلْتُ: فَإِنْ عَلِمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ عِنْدَهُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ جَحَدَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ شَيْئًا، يَطِيبُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُغْرِمَ الْوَكِيلَ أَوْ الْمُقَارَضَ الثَّمَنَ بِمَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَالَهُ؟ وَهَلْ يَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ . قَالَ: نَعَمْ، يَقْضِي لَهُ بِأَنْ يُغْرِمَهُ الثَّمَنَ وَيَطِيبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَالَهُ حِينَ لَمْ يُشْهِدْ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الْمَأْمُورُ قَدْ دَفَعْتُ الْمَالَ إلَى فُلَانٍ الَّذِي أَمَرْتَنِي أَنْ أَدْفَعَهُ إلَيْهِ، وَجَحَدَ الرَّجُلُ فَقَالَ: مَا دَفَعَ إلَيَّ شَيْئًا، قَالَ مَالِكٌ: الْمَأْمُورُ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَالَهُ حِينَ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ فِي الْوَكَالَةِ وَالْقِرَاضِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً فَاشْتَرَاهَا، ثُمَّ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ ثَمَنَهَا إلَى الْمَأْمُورِ بَعْدَ مَا اشْتَرَى الْمَأْمُورُ السِّلْعَةَ، وَدَفَعَهَا إلَى الْآمِرِ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْبَائِعِ، ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يُوَصِّلَهُ الْمَأْمُورُ إلَى الْبَائِعِ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْآمِرِ الَّذِي اشْتَرَى لَهُ أَنْ يَغْرَمَ الْمَالَ ثَانِيَةً؟ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَدَنِيِّينَ قَالُوا: لَا يَغْرَمُ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَضَاعَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اقْتَضَى فَقَالَ مَالِكٌ: يَغْرَمُ الْآمِرُ وَلَا يَغْرَمُ الْمَأْمُورُ؛ لِأَنَّهُ رَسُولٌ، وَهُوَ مُؤْتَمَنٌ [فِي الْعَامِلَيْنِ بِالْقِرَاضِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ يَبِيعُ أَحَدَهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ سِلْعَةً] ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، وَدَفَعْت إلَى آخَرَ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا سِلْعَةً مِنْ صَاحِبِهِ فَحَابَاهُ فِيهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَابَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا فِي يَدَيْهِ فَضْلٌ فِي الْمَالِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَابِيَ فِي رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ لِلْمُحَابَاةِ حِصَّةً فِيمَا حَابَاهُ بِهِ هَذَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُحَابِي إنَّمَا حَابَاهُ مِنْ فَضْلٍ فِي يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنْ وَضَعَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، جُبِرَ رَأْسُ الْمَالِ بِذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي حَابَاهُ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيْهِ لَجُبِرَ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ، وَهُوَ حِينَ حَابَاهُ لَمْ يَجْعَلْهُ كُلَّهُ لِرَبِّ الْمَالِ. [فِي الْمُقَارَضِ يَشْتَرِي مِنْ رَبِّ الْمَالِ سِلْعَةً] ً قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا، فَهَلْ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ سِلْعَةً إنْ وَجَدَهَا عِنْدَهُ؟ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنْ صَحَّتْ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَأَخَافُ أَنْ لَا تَصِحَّ مِنْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ يُقَارِضُ. فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَوَجْهُ

стр. 1760

مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ، أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُقَارَضُ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ سِلْعَةً، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ رَأْسَ مَالِهِ، وَيَصِيرَ إنَّمَا قَارَضَهُ بِهَذَا الْعَرَضِ. قَالَ سَحْنُونٌ: ذَلِكَ أَصْلٌ جَيِّدٌ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ تُوجَدُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَرُدَّهَا إلَى هَذِهِ. [فِي الْمُقَارَضِ يَشْتَرِي وَلَدَ رَبِّ الْمَالِ أَوْ وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَ نَفْسِهِ أَوْ وَالِدَهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ وَلَدَ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ وَالِدَهُ، أَوْ وَلَدَ نَفْسِهِ، أَوْ وَالِدَهُ، عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَالْمُقَارَضُ مُعْسِرٌ أَوْ مُوسِرٌ؟ قَالَ: إنْ اشْتَرَى وَالِدَ نَفْسِهِ أَوْ وَلَدَ نَفْسِهِ وَكَانَ مُوسِرًا وَقَدْ عَلِمَ، رَأَيْتُ أَنْ يُعْتَقَا عَلَيْهِ وَيُدْفَعَ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسُ مَالِهِ وَرِبْحُهُ إنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ عَلَى مَا قَارَضَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ وَكَانَ فِيهِمْ فَضْلٌ، يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ نَصِيبُ مَا عَتَقُوا عَلَيْهِ، وَيُرَدُّ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسُ مَالِهِ وَرِبْحُهُ عَلَى مَا قَارَضَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ فَضْلٌ بِيعُوا، وَأَسْلَمَ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَلَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ لَا مَالَ لِلْعَامِلِ، وَكَانَ فِيهِمْ فَضْلٌ بِيعَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَرَبِحَ رَبُّ الْمَالِ فَدَفَعَ إلَى رَبِّ الْمَالِ، وَيُعْتِقُ مِنْهُمْ مَا بَقِيَ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى أَبَا صَاحِبِ الْمَالِ، أَوْ ابْنَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، عَتَقُوا عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ رِبْحٌ دَفَعَ إلَى الْعَامِلِ مِنْ مَالِ صَاحِبِ الْمَالِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ عَلَى مَا قَارَضَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ الْعَامِلُ وَلَهُ مَالٌ، رَأَيْتُ أَنْ يُعْتَقُوا عَلَيْهِ وَيُؤْخَذَ مِنْ الْعَامِلِ ثَمَنُهُمْ، فَيَدْفَعَ إلَى رَبِّ الْمَالِ وَالْوَلَاءُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ حِينَ اشْتَرَاهُمْ، أَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَأَرَاهُ ضَامِنًا إذَا ابْتَاعَهُمْ بِمَعْرِفَةٍ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعُوا، فَأَعْطَى رَبَّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ وَعَتَقَ مِنْهُمْ حِصَّةَ الْعَامِلِ وَحْدَهُ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ وَاخْتَرْتُ لِنَفْسِي. [فِي الْمُقَارَضِ يُعْتِقُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ عَبْدًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ عَبْدًا بِمَالِ الْقِرَاضِ، قِيمَتُهُ مِثْلُ مَالِ الْقِرَاضِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلُّ، فَأَعْتَقَهُ الْعَامِلُ وَهُوَ مُوسِرٌ أَوْ مُعْسِرٌ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الَّذِي حَفِظْنَا عَنْ مَالِكٍ فِي الْعَامِلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَيَطَؤُهَا فَتَحْمِلُ مِنْهُ، أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ قِيمَتُهَا، فَيُجْبَرُ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ وَأَمَّا مَسْأَلَتُكَ فِي الْعِتْقِ، فَإِنِّي أَرَى إنْ كَانَ الْعَامِلُ مُوسِرًا أُعْتِقَ عَلَيْهِ وَغَرِمَ لِرَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا لَا مَالَ لَهُ، لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ رَأْسِ مَالِ رَبِّ الْمَالِ وَرِبْحِهِ إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، وَيُعْتَقُ مِنْهُ نَصِيبُ الْعَامِلِ. قُلْتُ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ رَبُّ الْمَالِ؟ قَالَ: يَجُوزُ عِتْقُهُ وَيَضْمَنُ

стр. 1761

لِلْعَامِلِ رِبْحَهُ، إنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ وَهَذَا رَأْيِي. وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا أُطْلِقَتْ لَهُ فِيهِ يَدُهُ، فَبَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ أَعْتَقَهُ، فَالْآمِرُ بِالْخِيَارِ. فَإِنْ أَجَازَ فِعْلَهُ فَقَدْ تَمَّ عِتْقُهُ، وَإِنْ رَدَّ فِعْلَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ إلَّا الْمُقَارَضَ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ، فَقَدْ عَتَقَهُ لِلشِّرْكِ الَّذِي لَهُ فِيهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَالْأَبُ فِي ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذَا فَاتَ الْعَبْدَ يُعْتَقُ، لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَكَانَ نَظَرًا مِنْهُ لِوَلَدِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، نَفَذَ عِتْقُهُ وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ [فِي الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَيَقْتُلُ الْعَبْدُ عَبْدَ رَجُلٍ عَمْدًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلَ عَبْدٌ مِنْ مَالِ الْمُقَارَضَةِ عَمْدًا، قَتَلَهُ عَبْدُ رَجُلٍ، فَأَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَقْتَصَّ وَقَالَ الْعَامِلُ: أَنَا أَعْفُو، عَلَى أَنْ آخُذَ الْعَبْدَ، أَوْ قَالَ الْعَامِلُ: أَنَا أَقْتُلُ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ أَنَا أَعْفُو عَلَى أَنْ آخُذَ الْعَبْدَ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَفَا مِنْهُمَا عَلَى الرَّقَبَةِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ، وَلَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَمَنْ عَفَا مِنْهُمَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ، أَيَكُونُ هَذَا الْعَبْدُ عَلَى الْقِرَاضِ كَمَا كَانَ الْعَبْدُ الْمَقْتُولُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ سَيِّدُهُ، فَقِيمَةُ الْعَبْدِ فِي الْقِرَاضِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَقَالَ سَيِّدُهُ: أَنَا أَقْتَصُّ، وَأَبَى ذَلِكَ الْعَامِلُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى الْقَوْلَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْقَتْلِ. [فِي الْمُقَارَضِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ يَبِيعَانِ الْجَارِيَةَ بِثَمَنٍ إلَيْهِ أَجَلٍ وَيَبْتَاعَهَا رَبُّ الْمَال أَوْالسَّيِّدُ بِأَقَلَّ قَبْلَ الْأَجَلِ] فِي الْمُقَارَضِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ يَبِيعَانِ الْجَارِيَةَ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ وَيَبْتَاعَهَا رَبُّ الْمَال أَوْ السَّيِّدُ بِأَقَلَّ قَبْلَ الْأَجَلِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُقَارَضًا بَاعَ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ إلَى سَنَةٍ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ، فَاشْتَرَاهَا رَبُّ الْمَالِ بِمِائَةِ دِينَارٍ قَبْلَ الْأَجَلِ، أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ بَاعَ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ، أَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا نَقْدًا قَبْلَ الْأَجَلِ؟ قَالَ: أَمَّا مَسْأَلَتُكَ هَذِهِ فِي الْعَبْدِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَبْدُ إنَّمَا يَتَّجِرُ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ إنَّمَا يَتَّجِرُ بِمَالِ سَيِّدِهِ، فَلَا يَصْلُحُ، وَكَذَلِكَ الْمُقَارَضُ لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالُهُ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَنَى أَسْلَمَ بِمَالِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ؟ أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَحْنَثُ بِالْعِتْقِ فِي عَبِيدِهِ، فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَبِيدُ عَبِيدِهِ وَيَبْقُونَ فِي أَيْدِي عَبِيدِهِ، الَّذِينَ أَعْتَقُوا عَبِيدًا لَهُمْ؟ أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ زَكَاةٌ، نَظَائِرُ لَهُ كَثِيرَةٌ؟ .

стр. 1762

[الدَّعْوَى فِي الْقِرَاضِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا، فَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ: أَوْدَعْتنِي، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَقْرَضْتُك الْمَالَ قِرَاضًا؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا، فَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ: إنَّمَا أَخَذْته قَرْضًا، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَعْطَيْتُك الْمَالَ قِرَاضًا، قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ قُلْتُ: فَإِنْ ادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهُ قِرَاضٌ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ أَبْضَعْتُهُ مَعَكَ لِتَعْمَلَ بِهِ لِي؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ إجَارَةُ مِثْلِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ إجَارَةُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ رِبْحِ الْقِرَاضِ، فَلَا يُعْطِي أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى. فَإِنْ نَكَلَ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا كَانَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ مِثْلُهُ فِي الْقِرَاضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى صَبَّاغٍ ثَوْبًا، فَقَالَ صَاحِبُهُ، اسْتَوْدَعْتُك، إيَّاهُ وَلَمْ آمُرْك بِالْعَمَلِ، وَقَالَ الصَّبَّاغُ: بَلْ اسْتَعْمَلْتَنِيهِ، قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبَّاغِ، وَأَمَّا فِي الْقِرَاضِ، فَإِذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ قَرْضٌ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ هُوَ قِرَاضٌ، قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: أَخَذْتَ مِنِّي الْمَالَ عَلَى ضَمَانٍ، وَقَالَ الْعَامِلُ: إنَّمَا أَخَذْتُهُ مِنْكَ عَلَى غَيْرِ ضَمَانٍ فَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ قَبْلَهُ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْعَامِلُ بِمَخْرَجٍ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: اسْتَوْدَعْتُك، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ أَخَذْته قِرَاضًا قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مُدَّعٍ يُرِيدُ طَرْحَ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ أَيْضًا. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَعْطَيْتُك الْمَالَ قِرَاضًا وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ سَلَفًا؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُدَّعٍ هَاهُنَا فِي الرِّبْحِ فَلَا يُصَدَّقُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: لَكَ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بَلْ هِيَ سَلَفٌ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ قُلْتُ: فَهَلْ يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ هَذَا: أَخَذْتُ مِنْكَ وَأَخَذْتَ مِنِّي؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفَا فِي رَأْسِ الْمَالِ - الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ - فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: رَأْسُ مَالِي أَلْفَانِ، وَقَالَ الْعَامِلُ: رَأْسُ الْمَالِ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَهُوَ أَمِينٌ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَعَمِلَ فَخَسِرَ. فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ تَعَدَّيْتُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَمَرْتُك بِالْبَزِّ وَحْدَهُ، وَقَالَ الْعَامِلُ: لِمَ أَتَعَدَّ وَلَمْ تَنْهَنِي عَنْ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: لَمْ أَقْتَضِ مِنْكَ رَأْسَ مَالِي، وَقَالَ الْعَامِلُ: قَدْ دَفَعْته إلَيْك وَهَذَا الَّذِي مَعِي رِبْحٌ؟ قَالَ: أَرَى الْقَوْلَ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ مَا دَامَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ مَالِهِ، وَعَلَى الْعَامِلِ الْبَيِّنَةُ قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ الْعَامِلِ فِي الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ عَمِلَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ وَخَالَفَهُ رَبُّ

стр. 1763

الْمَالِ. فَلِمَ لَا تَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ الْعَامِلِ فِي مَسْأَلَتِي؟ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ وَأَنَّ هَذَا الَّذِي مَعَهُ رِبْحٌ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ هَاهُنَا أَخَذْتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ رَأْسُ الْمَالِ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَالٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ يَقُولُ قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْكَ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَسَافَرَ بِهِ ثُمَّ قَدِمَ وَمَعَهُ رِبْحُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَنْفَقْت مَنْ مَالِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي سَفَرِي، عَلَى أَنْ آخُذَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، أَوْ جَاءَ بِرَأْسِ الْمَالِ وَحْدَهُ وَقَالَ: لَمْ أَرْبَحْ وَقَدْ أَنْفَقْت مِائَةَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ أَرْجِعَ بِهَا فِي مَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لِي: ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَيَرْجِعُ بِمَا قَالَ: أَنْفَقْتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ إذَا كَانَ يُشْبِهُ - مَا قَالَ - نَفَقَةَ مِثْلِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَقَاسَمَهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ يَدَّعِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. [فِي الْمُقَارِضِ يَبْدُو لَهُ فِي أَخْذِ مَالِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْت مَا لَمْ يَعْمَلْ الْمُقَارَضُ بِالْمَالِ، أَيَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ قِرَاضًا، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، قَالَ: إذَا كَانَ الْمَالُ عَلَى حَالِهِ، أَخَذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَارَضُ قَدْ اشْتَرَى بِالْمَالِ أَوْ تَجَهَّزَ بِالْمَالِ يَخْرُجُ بِهِ إلَى سَفَرٍ، فَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَرُدَّهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ قَدْ مَضَى مَعَهُ فِي بَعْضِ سَفَرِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: ارْجِعْ وَرُدَّ عَلَيَّ مَالِي وَأَنَا أُنْفِقُ عَلَيْكَ فِي رَجْعَتِكَ حَتَّى تَبْلُغَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ بِالْمَالِ سِلْعَةً، فَنَهَيْتُهُ عَنْ الْعَمَلِ فِي الْقِرَاضِ بَعْدَ مَا اشْتَرَى، وَقُلْتُ لَهُ: اُرْدُدْ عَلَيَّ مَالِي، أَيَكُونُ لِي أَنْ أُجْبِرَهُ عَلَى بَيْعِ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ السِّلَعِ، وَآخُذَ الثَّمَنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ السِّلَعِ، فَإِنْ رَأَى السُّلْطَانُ وَجْهَ بَيْعٍ بَاعَ فَأَوْفَاكَ رَأْسَ مَالِكَ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ عَلَى مَا اشْتَرَطْتُمَا، وَإِنْ لَمْ يَرَ السُّلْطَانُ وَجْهَ بَيْعٍ، أَخَّرَ السِّلَعَ حَتَّى يَرَى وَجْهَ بَيْعٍ، قُلْتُ: وَمَا الَّذِي تُؤَخَّرُ لَهُ السِّلَعُ؟ قَالَ: السِّلَعُ لَهَا أَسْوَاقٌ تُكْرَى إلَيْهِ فِي إبَّانِ شِرَائِهَا، وَتُحْبَسُ إلَيْهِ إبَّانَ سُوقِهَا، فَتُبَاعُ فِي ذَلِكَ الْإِبَّانِ، بِمَنْزِلَةِ الْحُبُوبِ الَّتِي تُشْتَرَى فِي أَيَّامِ الْحَصَادِ، فَيَرْفَعُهَا الْمُشْتَرِي إلَى إبَّانِ نَفَاقِهَا، وَمِثْلُ الضَّحَايَا تُشْتَرَى قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَيَرْفَعُهَا إلَى أَيَّامِ النَّحْرِ رَجَاءَ نَفَاقِهَا وَمَا أَشْبَهَهُ. قُلْتُ: فَلَوْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَبَعَثْتُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْمَالِ شَيْئًا فَقُلْتُ: لَا تَشْتَرِ بِالْمَالِ شَيْئًا وَرُدَّهُ عَلَيَّ، فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَرَبِحَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِفَارٍّ مِنْ الْقِرَاضِ، وَأَرَاهُ ضَامِنًا

стр. 1764

لِلْمَالِ وَالرِّبْحُ لَهُ. وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً فَرَبِحَ فِيهَا. فَالرِّبْحُ لَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِلْوَدِيعَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فَارًّا مِنْ الْقِرَاضِ إذَا قَالَ لَهُ: لَا تَشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا، فَذَهَبَ فَاشْتَرَاهَا. فَهَذَا الَّذِي فَرَّ مِنْ الْقِرَاضِ إلَى هَذِهِ السِّلْعَةِ الَّتِي نَهَاهُ عَنْهَا لِيَذْهَبَ بِرِبْحِ الْمَالِ فَجَعَلَ مَالِكٌ الرِّبْحَ عَلَى قِرَاضِهِمَا وَالْوَضِيعَةَ عَلَى الْعَامِلِ لِتَعَدِّيهِ. [فِي الْعَامِلِ يَبْدُو لَهُ فِي تَرْكِ الْقِرَاضِ وَالْمَالُ عَلَى الرِّجَالِ أَوْ فِي السِّلَعِ] ِ قُلْتُ: فَإِنْ بَاعَ الْعَامِلُ أَوْ اشْتَرَى، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَال أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَبِالنَّسِيئَةِ، فَاشْتَرَى وَبَاعَ حَتَّى صَارَ جَمِيعُ مَالِ الْقِرَاضِ دَيْنًا عَلَى النَّاسِ وَفِيهِ وَضِيعَةٌ، فَقَالَ الْعَامِلُ لِرَبِّ الْمَالِ: أَنَا أُحِيلُك عَلَيْهِمْ وَلَا أَقْتَضِي وَلَا أَعْمَلُ فِيهِ؟ قَالَ: يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَقْتَضِي وَلَا أَقْبِضُ، إلَّا أَنْ يَرْضَى رَبُّ الْمَالِ بِالْحَوَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ وَقَدْ صَارَ كُلُّهُ دَيْنًا فَقَالَ لَا أَقْتَضِيهِ، أَيُجْبَرُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسَلِّمَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَيَرْضَى بِذَلِكَ رَبُّ الْمَالُ قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ الْمَالُ دَيْنًا فِي بَلَدٍ، فَأَجْبَرْتُهُ عَلَى أَنْ يَقْتَضِيَهُ وَقَدْ خَسِرَ فِيهِ، أَتَجْعَلُ نَفَقَتَهُ إذَا سَافَرَ لِيَقْتَضِيَهُ فِي الْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى سِلَعًا بِجَمِيعِ الْمَالِ يَرْجُو بِهَا الْأَسْوَاقَ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: أَنَا آخُذُ قِيمَةَ رَأْسِ مَالِي مِنْ هَذِهِ السِّلَعِ، وَأُقَاسِمُكَ مَا بَقِيَ عَلَى مَا اشْتَرَطْنَا مِنْ الرِّبْحِ وَيَأْبَى ذَلِكَ الْعَامِلُ؟ قَالَ: ذَلِكَ إلَى الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أَرْجُو فِي هَذِهِ السِّلَعِ الَّتِي يَأْخُذُهَا رَبُّ الْمَالِ بِقِيمَتِهَا الْيَوْمَ، إنْ ازْدَادَ فِيهَا إذَا جَاءَتْ أَسْوَاقُهَا، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْعَامِلِ يُرِيدُ بَيْعَ مَا مَعَهُ، فَيَقُولُ رَبُّ الْمَالِ: أَنَا آخُذُهَا بِمَا تَسْوَى: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ وَأَجْنَبِيٌّ مِنْ النَّاسِ سَوَاءٌ [فِي الْمُقَارِضِ يَمُوتُ أَوْ الْمُقَارَضِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلَيْنِ مَالًا قِرَاضًا فَهَلَكَ الرَّجُلَانِ وَقَدْ عَمِلَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ ثُمَّ يَمُوتُ الْمُقَارَضُ، قَالَ: إنْ كَانَ وَرَثَتُهُ مَأْمُونِينَ، قِيلَ لَهُمْ: تَقَاضَوْا هَذَا الْمَالَ، وَبِيعُوا مَا بَقِيَ فِي يَدَيْ صَاحِبِكُمْ مِنْ السِّلَعِ، وَأَنْتُمْ عَلَى الرِّبْحِ الَّذِي كَانَ لِصَاحِبِكُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَأْمُونِينَ، فَأَتَوْا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ، وَلَمْ يَكُونُوا مَأْمُونِينَ، أُسْلِمَ الْمَالُ الدَّيْنُ أَوْ الْعُرُوض وَجَمِيعُ مَالِ الْقِرَاضِ إلَى رَبِّ الْمَالِ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ الرِّبْحِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. فَاَلَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ، يُقَالُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لِوَرَثَةِ هَذَا. قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ؟

стр. 1765

قَالَ: فَهَؤُلَاءِ عَلَى قِرَاضِهِمْ، بِحَالِ مَا كَانُوا إنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ مَالِهِمْ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الرَّجُلِ إذَا قَارَضَ رَجُلًا فَاشْتَرَى سِلْعَةً، ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَ مَالِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ، وَالْمَالُ فِي يَدِ الْمُقَارَضِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ بَعْدُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْعَامِلُ بِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ، حَتَّى اشْتَرَى بِالْمَالِ سِلْعَةً بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ؟ قَالَ: هُوَ عَلَى الْقِرَاضِ حَتَّى يَعْلَمَ بِمَوْتِهِ. [فِي الْمُقَارَضِ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ وَدَائِعُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ] ٌ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ، وَقَدْ كَانَ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، وَعِنْدَهُ وَدَائِعُ لِلنَّاسِ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَمْ يُوجَدْ الْقِرَاضُ وَلَا الْوَدَائِعُ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ، قَالَ مَالِكٌ: يَتَحَاصُّ أَهْلُ الْوَدَائِعِ وَأَهْلُ الْقِرَاضِ وَأَهْلُ الدَّيْنِ فِيمَا تَرَكَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ قِيلَ لَهُ: رَجُلٌ كَانَ عِنْدَهُ قِرَاضٌ لِرَجُلٍ فَأَفْلَسَ. قَالَ: لِلْقِرَاضِ هَيْئَةٌ لَيْسَتْ لِمَا سِوَاهُ، لَا يُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِقِرَاضِهِ وَلَكِنْ يَسْتَوْفِيهِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ لِلنَّاسِ قَبْلَ الْقِرَاضِ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ فِي الْقِرَاضِ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَهُ اللَّيْثُ. [فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِمَالِ قِرَاضٍ بِعَيْنِهِ بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَقَرَّ بِهِ بِعَيْنِهِ، فَلَا أُبَالِي كَانَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَ الدَّيْنِ، أَصْحَابُهُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي هَذَا. وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَقَرَّ بِهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَهُوَ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ، وَهَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا أَقَرَّ بِوَدِيعَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ بِمَالِ قِرَاضٍ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دِينٌ فِي صِحَّتِهِ بِبَيِّنَةٍ، إنَّ إقْرَارَهُ جَائِزٌ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَيَأْخُذُ أَهْلُ الْوَدِيعَةِ وَدِيعَتَهُمْ وَأَهْلُ الْقِرَاضِ قِرَاضَهُمْ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ كَانَ قِبَلَهُ مَالُ قِرَاضٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَخَذَهُ غُرَمَاؤُهُ، فَقَالَ يَحْيَى: صَاحِبُ الْقِرَاضِ إنْ عَرَفَ مَالَهُ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَتَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.

стр. 1766

[كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ] ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْخَصْمَيْنِ إذَا أَتَيَا إلَى الْقَاضِي، فَتَبَيَّنَ لِلْقَاضِي الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا، فَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الَّذِي اتَّضَحَ الْحَقُّ عَلَيْهِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَهُوَ يَقُولُ مِنْ وَجْهِ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ، إذَا أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتِهِمَا، وَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا، فَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، أَنْ يَقُولَ لَهُمَا: أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ؟ فَإِنْ قَالَا: لَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَأَوْقَعَ الْحُكْمَ، فَإِنْ أَتَيَا بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدَانِ نَقْضَ ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمَا، إلَّا أَنْ يَأْتِيَا بِأَمْرٍ يَرَى أَنَّ لِذَلِكَ وَجْهًا. قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا؟ قَالَ: مَعْنَاهُ، أَنَّهُ إذَا أَتَى بِشَاهِدٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ، وَقَالَ الْخَصْمُ لَا أَعْلَمُ لِي شَاهِدًا آخَرَ، فَوَجَّهَ الْقَاضِي عَلَيْهِ الْحُكْمَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى شَاهِدٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَقْضِي بِهَذَا الْآخَرِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا قَالَ مَالِكٌ يُعْرَفُ بِهِ وَجْهُ حُجَّتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ، وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَعَهُ إنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيزُ شَهَادَةَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَمِعَ رَجُلٌ رَجُلًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَقُولُ: فُلَانٌ قَتَلَ فُلَانًا، أَوْ يَقُولُ: سَمِعْته قَذَفَ فُلَانًا أَوْ يَقُولُ: سَمِعْت فُلَانًا طَلَّقَ فُلَانَةَ وَلَمْ يَشْهَدْهُ، إلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِهِ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَيَشْهَدُ بِهَا وَإِنَّمَا مَرَّ فَسَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ بِهَا وَلَمْ يَشْهَدْهُ؟ قَالَ: لَا يَشْهَدُ بِهَا، وَلَكِنْ إنْ مَرَّ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، وَسَمِعَ رَجُلًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُشْهِدَاهُ، قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدَاهُ. قَالَ: فَيَأْتِي مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةً. قَالَ: وَسَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ هَذَا فِي الْحُدُودِ، أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، قَالَ: فَأَمَّا قَوْلُكَ الْأَوَّلُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ وَهُمَا يَتَكَلَّمَانِ فِي الشَّيْءِ وَلَمْ

стр. 1767

يَسْتَشْهِدَاهُ، فَيَدْعُوهُ أَحَدُهُمَا إلَى الشَّهَادَةِ، أَتَرَى أَنْ يَشْهَدَ بِهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَوْعَبَ كَلَامَهُمَا، إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الَّذِي سَمِعَ لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَهُ كَلَامٌ يُبْطِلُ مَا بَعْدَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ الْقِصَاصَ، أَوْ أَنَّهُ ضَرَبَنِي بِالسَّوْطِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، أَتَسْتَحْلِفُهُ لِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَا يُسْتَحْلَفُ، لَكَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِشَاهِدِ عَدْلٍ فَيُسْتَحْلَفَ لَكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا وَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَتُقْطَعُ يَدُ الْقَاطِعِ. قَالَ: الْقَاسِمُ: فَإِنْ نَكَلَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ عَنْ الْيَمِينِ، اُسْتُحْلِفَ لَهُ الْقَاطِعُ. فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِلَّا حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ، أَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ؟ قَالَ: إذَا كَانَ عَدْلًا، أَقْسَمَ هُوَ وَبَعْضُ عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ الَّذِينَ هُمْ وُلَاتُهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُقْتَلُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَلِمَ قُلْتَ يُقْسِمُ هُوَ وَآخَرُ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْعَمْدِ لَا تَكُونُ بِأَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ. قُلْتُ: لِمَ لَا يَكُونُ لَهُ إنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا أَنْ يَحْلِفَ فِي الْعَمْدِ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيُقْتَلُ، كَمَا يَحْلِفُ فِي الْحُقُوقِ، وَهَلْ الْيَمِينُ إلَّا مَوْضِعُ الشَّاهِدِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا يُقْسِمُ فِي الْقَسَامَةِ فِي الْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْقَاتِلِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ، إلَّا أَنْ يُقْسِمَ مَعَ الشَّاهِدِ رَجُلَانِ فَصَاعِدًا يَقْسِمَانِ خَمْسِينَ يَمِينًا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ فِي الْقَسَامَةِ، إنَّمَا هُوَ لَوْثٌ لَيْسَتْ شَهَادَةً؛ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا اثْنَيْنِ فَأَقْسَمَا، فَإِنَّمَا هُمَا مَوْقِعُ الشَّهَادَةِ التَّامَّةِ، وَبِالْقَسَامَةِ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَوْثٌ. كَذَلِكَ إذَا قَالَ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. وَأَمَّا فِي الْحُقُوقِ فَإِنَّمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَالشَّاهِدُ فِي الْحُقُوقِ قَدْ تَمَّتْ بِهِ الشَّهَادَةُ، إلَّا أَنَّ مَعَهُ يَمِينَ طَالِبِ الْحَقِّ، وَجُعِلَ فِي الْقَسَامَةِ لَا يُقْسِمُ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا جُعِلَا جَمِيعًا مَوْقِعَ الشَّهَادَةِ، وَاللَّوْثُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً. فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ وَبَيْنَ الْيَمِينِ فِي الْحُقُوقِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْسِمُ فِي الدَّمِ إلَّا مَعَ شَاهِدِ عَدْلٍ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، وَلَا يُقْسِمُ الشَّاهِدُ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ أَبِي، وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرِي مَنْ يُقْسِمُ مَعِي؟ قَالَ: يُقْسِمُ مَعَكَ عَمُّكَ أَوْ ابْنُ عَمِّكَ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ عُصْبَتِهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ وُلَاتَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ حَيًّا، إنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْ الْأَعْمَامِ أَوْ بَنِي الْأَعْمَامِ حُضُورًا. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْأَعْمَامُ وَبَنُو الْأَعْمَامِ حَضَرُوا مَعَهُ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَحْلِفَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْعَشِيرَةِ؟ قَالَ:

стр. 1768

لَا، وَلَا يُقْسِمُ مَعَهُ فِي الْعَمْدِ إلَّا عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالدَّمِ، وَيَكُونُونَ هُمْ وُلَاتَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ حَيًّا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ عَلَى حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ، وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَحْلِفْهُ لِي مَعَ شَاهِدَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ لَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ، إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ قَضَاهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ، كَيْفَ يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَيَسْتَحْلِفُهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، أَمْ يَزِيدُ عَلَى هَذَا: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا. وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ وَبِهِ مَضَى أَمْرُ النَّاسِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الَّذِي يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، فَإِنَّمَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ لَنَا مَالِكٌ. قُلْتُ: فَأَيْنَ يَحْلِفَانِ الَّذِي يُدَّعَى قِبَلَهُ الْحَقُّ وَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ مَعَ شَاهِدِهِ أَيْنَ يَسْتَحْلِفُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ، فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِيهِ هَذَانِ جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ. فَقِيلَ لِمَالِكٍ. عِنْدَ الْمِنْبَرِ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ ﵊، فَأَمَّا مَسَاجِدُ الْآفَاقِ فَلَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ فِيهَا، وَلَكِنَّ لِلْمَسَاجِدِ مَوَاضِعَ هِيَ أَعْظَمُ. فَأَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ عِنْدَهُمْ. قَالَ مَالِكٌ: وَعِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ لَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. قَالَ: فَقُلْتُ: فَالْقَسَامَةُ، أَيْنَ يُسْتَحْلَفُ فِيهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْمَسَاجِدِ وَعَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ. قُلْتُ: فَاللِّعَانُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ. قُلْتُ: وَلَمْ يَذْكُرْ لَكُمْ مَالِكٌ أَنَّهُمَا يَلْتَعِنَانِ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ أَنَّهُمَا يَلْتَعِنَانِ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالنَّصْرَانِيَّة تَكُونُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ أَيْنَ تَلْتَعِنُ؟ قَالَ مَالِكٌ: فِي كَنِيسَتِهَا وَحَيْثُ يُعَظِّمُونَ وَتَحْلِفُ بِاَللَّهِ. قُلْتُ: وَهَلْ ذَكَرَ لَكُمْ مَالِكٌ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّة يَحْلِفَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَيْمَانِهِمَا فِي دَعْوَاهُمَا؟ أَوْ إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمَا أَوْ فِي لِعَانِهِمَا، بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ إلَّا يَحْلِفُوا بِاَللَّهِ فَقَطْ. قُلْتُ: فَالْيَهُودُ، هَلْ سَمِعْته يَقُولُ إنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى؟ قَالَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ. قُلْتُ: فَهَلْ يَحْلِفُ الْمَجُوسِيُّ فِي بَيْتِ نَارِهِمْ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ لَا يَحْلِفُوا إلَّا بِاَللَّهِ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْقَسَامَةِ فِي أَهْلِ الْقُرَى أَيْنَ يَحْلِفُونَ؟ قَالَ: أَمَّا

стр. 1769

أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَرَى أَنْ يُجْلَبُوا إلَيْهَا فَيُقْسِمُونَ فِيهَا. قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ الْآفَاقِ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفُوا فِي مَوَاضِعِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوَاضِعُهُمْ مِنْ الْمِصْرِ قَرِيبًا الْعَشَرَةُ الْأَمْيَالَ وَنَحْوَهَا فَأَرَى أَنْ يُجْلَبُوا إلَى الْمِصْرِ فَيَحْلِفُوا فِي الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ، مِنْ أَنَّهُمْ يُجْلَبُونَ إلَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الْقَسَامَةِ؟ مِنْ أَيْنَ يُجْلَبُونَ إلَى هَذَا؟ أَوْ مِنْ مَسِيرَةِ كَمْ مِنْ يَوْمٍ أَوْ مِنْ مَسِيرَةِ عَشْرَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: لَمْ أُوقِفْ مَالِكًا عَلَيْهِ، وَلَمْ أَشُكَّ أَنَّ أَهْلَ عَمَلِ مَكَّةَ حَيْثُ مَا كَانُوا يُجْلَبُونَ إلَى مَكَّةَ، وَأَهْلَ عَمَلِ الْمَدِينَةِ حَيْثُ مَا كَانُوا يُجْلَبُونَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَأَهْلَ عَمَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَيْثُ مَا كَانُوا يُجْلَبُونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَالِفَ، هَلْ يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْقِبْلَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النِّسَاءَ الْعَوَاتِقَ وَغَيْرَ الْعَوَاتِقِ، وَالْإِمَاءَ وَالْعَبِيدَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُكَاتَبِينَ وَالْمُدَبَّرِينَ، أَيَحْلِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ؟ قَالَ: إنَّمَا سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ النِّسَاءِ أَيْنَ يَحْلِفْنَ فَقَالَ: أَمَّا كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ فَإِنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ فِيهِ إلَى الْمَسَاجِدِ. فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ أُخْرِجَتْ نَهَارًا فَأُحْلِفَتْ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ أُخْرِجَتْ لَيْلًا فَأُحْلِفَتْ فِيهِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ إنَّمَا هُوَ يَسِيرٌ لَا بَالَ لَهُ، أُحْلِفَتْ فِي بَيْتِهَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ، وَأَرْسَلَ الْقَاضِي إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا لِطَالِبِ الْحَقِّ، فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، فَسُنَّتُهُمْ سُنَّةُ الْأَحْرَارِ، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِمَنْزِلَةِ الْأَحْرَارِ: مِنْهُنَّ مَنْ تَخْرُجُ وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَخْرُجُ. قُلْتُ: هَلْ يُجْزِئُ فِي هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُسْتَحْلَفُ فِي بَيْتِهَا رَسُولٌ وَاحِدٌ مِنْ الْقَاضِي يَسْتَحْلِفُهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُجْزِئَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصِّبْيَانَ، هَلْ عَلَيْهِمْ يَمِينٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، أَيَحْلِفُونَ إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَحْلِفُونَ إذَا كَانَ لَهُمْ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ الصِّبْيَانُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، ادَّعَوْا أَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَهْلَكُ وَيَتْرُكُ أَوْلَادًا صِغَارًا، فَيُوجَدُ لِلْمَيِّتِ ذِكْرُ حَقٍّ فِيهِ شُهُودٌ، فَيَدَّعِي الْحَيُّ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْمَيِّتَ حَقَّهُ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَفَيَحْلِفُ الْوَرَثَةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَدْ بَلَغَ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْقَضَاءِ أُحْلِفَ، وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: فَإِنْ نَكَلَ هَذَا الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْقَضَاءِ عَنْ الْيَمِينِ، أَيَسْقُطُ الدَّيْنُ كُلُّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ كُلُّهُ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرُ حَقِّهِ إذَا حَلَفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْمَيِّتَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الطَّلَاقَ، أَيُحْلَفُ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا؟

стр. 1770

قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ لَهَا إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَيَحْلِفَ لَهَا، وَإِنْ أَبَى قَالَ مَالِكٌ: آخِرُ مَا لَقِينَاهُ. قَالَ: يُسْجَنُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَثَبَتَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يَقُولُ لَنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى إنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَطَالَ حَبْسُهُ؛ أَنْ يُخَلَّى سَبِيلُهُ وَيُدَيَّنُ فِي ذَلِكَ. قَالَ وَقَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلْطَةٌ، ادَّعَيْت عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ الْحُقُوقِ وَاسْتَحْلَفْته؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ بَرِئَ. قُلْتُ: وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَقَالَ أَنَا أَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَمْ يَقْضِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ أَبَدًا، حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى حَقِّهِ. وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي بِالْحَقِّ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي. وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الطَّالِبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِلطَّالِبِ بِالْحَقِّ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنْ الْيَمِينِ، حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الطَّالِبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَدَّعِي الْمَطْلُوبُ يَمِينَ الطَّالِبِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ لِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ هَذَا، أَنَّهُ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الطَّالِبِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، وَنَكَلَ الْمُدَّعِي أَيْضًا عَنْ الْيَمِينِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَبْطُلُ حَقُّهُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا فَاسْتَحْلَفْتُهُ فَحَلَفَ، ثُمَّ أَصَبْت عَلَيْهِ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ حَقِّي مِنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ إذَا كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بَيِّنَتَهُ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا اسْتَحْلَفَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهَا فَلَا حَقَّ لَهُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ غَيْبًا بِبَلَدٍ آخَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمَطْلُوبَ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِبِلَادٍ أُخْرَى فَاسْتَحْلَفَهُ، ثُمَّ قُدِّمَتْ الْبَيِّنَةُ، أَيُقْضَى لَهُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَيُرَدُّ يَمِينُ الْمَطْلُوبِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ إذَا كَانَ عَارِفًا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْهُ وَرَضِيَ بِالْيَمِينِ مِنْ الْمَطْلُوبِ تَارِكًا لِلْبَيِّنَةِ، لَمْ أَرَ لَهُ حَقًّا وَإِنْ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ. قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: تَارِكًا لِلْبَيِّنَةِ؟ أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ، فَأَحْلِفْهُ لِي فَإِنْ حَلَفَ فَقَدَّمْتُ بَيِّنَتِي، فَأَنَا عَلَى حَقِّي وَلَسْتُ بِتَارِكٍ لِبَيِّنَتِي؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بَعِيدَةً وَخَافَ عَلَى الْغَرِيمِ أَنْ يَذْهَبَ، أَوْ أَنْ يَتَطَاوَلَ ذَلِكَ. أَرَأَيْتَ أَنْ يُحَلِّفَهُ لَهُ وَيَكُونَ عَلَى حَقِّهِ إذَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ؟ قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بِبِلَادٍ قَرِيبَةٍ؟ قَالَ: فَلَا أَرَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ لَهُ إذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ قَرِيبَةً الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَيُقَالُ لَهُ: قَرِّبْ بَيِّنَتَكَ وَإِلَّا فَاسْتَحْلِفْهُ عَلَى تَرْكِ الْبَيِّنَةِ. قُلْتُ: أَيْنَ تَحْلِفُ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي كَنَائِسِهِمْ حَيْثُ

стр. 1771

يُعَظِّمُونَ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَحْلِفُونَ إلَّا بِاَللَّهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ، هَلْ تَجُوزُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ تَجُوزُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَلِمَوَالِيهِ، فَالصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَمُونُهُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّائِلِ وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيِّنَ الْعَدَالَةِ وَإِنَّمَا الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ السُّؤَالِ، فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ مِثْلُ الْأَمْوَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَأَمَّا الشَّيْءُ التَّافِهُ الْيَسِيرُ فَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَأَمَّا الْأَجِيرُ، فَإِنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ تَابَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الْمُغَنِّيَةِ وَالْمُغَنِّي وَالنَّائِحَةِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الشَّاعِرِ أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَيَهْجُوهُمْ إذَا لَمْ يُعْطُوهُ، وَيَمْدَحُهُمْ إذَا أَعْطَوْهُ، فَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لَا يَهْجُو، وَهُوَ إنْ أُعْطِيَ شَيْئًا، أَخَذَ، وَلَيْسَ يُؤْذِي أَحَدًا بِلِسَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَهْجُ، فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا. فَأَمَّا النَّائِحَةُ وَالْمُغَنِّيَةُ وَالْمُغَنِّي، فَمَا سَمِعْتُ فِيهِمْ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّاةَ، إذَا بَاعَهَا الرَّجُلُ، أَوْ الْبَعِيرَ أَوْ الْبَقَرَةَ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا أَوْ نِصْفًا، أَوْ اسْتَثْنَى جِلْدَهَا أَوْ رَأْسَهَا أَوْ فَخِذَهَا أَوْ كَبِدَهَا أَوْ صُوفَهَا أَوْ شَعْرَهَا أَوْ أَكَارِعَهَا، أَوْ اسْتَثْنَى بُطُونَهَا كُلَّهَا أَوْ اسْتَثْنَى مِنْهَا أَرْطَالًا مُسَمَّاةً كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً، أَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ كُلُّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ . قَالَ: أَمَّا إذَا اسْتَثْنَى ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا أَوْ نِصْفًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى جِلْدَهَا أَوْ رَأْسَهَا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ حَاضِرًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ. قُلْتُ: لِمَ أَجَازَهُ مَالِكٌ فِي السَّفَرِ وَكَرِهَهُ فِي الْحَضَرِ؟ قَالَ: السَّفَرُ إذَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ فِيهِ الرَّأْسَ وَالْجِلْدَ فَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثَمَنٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ، فَلَا يُعْجِبنِي وَلَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا يَطْلُبُ بِشِرَائِهِ اللَّحْمَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي إذَا اشْتَرَى فِي السَّفَرِ وَاسْتَثْنَى الْبَائِعُ جِلْدَهَا وَرَأْسَهَا، فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَذْبَحُهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَعِيرَ الَّذِي قَدْ قَامَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ مِنْ أَهْلِ الْمِيَاهِ، وَيَسْتَثْنِي الْبَائِعُ جِلْدَهُ وَيَبِيعُهُمْ إيَّاهُ لِيَنْحَرُوهُ فَاسْتَحْيَوْهُ، قَالَ مَالِكٌ: أَرَى لِصَاحِبِ الْجِلْدِ شَرْوَى جِلْدِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَوْ قِيمَةُ الْجِلْدِ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَوْ قِيمَتُهُ، كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. قَالَ: قُلْتُ: مَا مَعْنَى شَرْوَى جِلْدِهِ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: جِلْدٌ مِثْلُهُ. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ صَاحِبُ الْجِلْدِ: أَنَا أَرْضَى أَنْ أَكُونَ شَرِيكًا فِي الْبَعِيرِ بِقَدْرِ الْجِلْدِ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، يَبِيعُهُ عَلَى الْمَوْتِ وَيَكُونُ شَرِيكًا عَلَى الْحَيَاةِ، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. وَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَةُ جِلْدِهِ أَوْ شَرْوَاهُ. فَمَسْأَلَتُكَ فِي الْمُسَافِرِ مِثْلُ

стр. 1772

هَذَا. قَالَ: وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى فَخِذَهَا، فَلَا خَيْرَ فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْفَخِذِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى كَبِدَهَا، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْبُطُونِ، فَالْكَبِدُ مِنْ الْبُطُونِ. قَالَ: وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى صُوفَهَا أَوْ شَعْرَهَا، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَنَّهُ جَائِزٌ. قَالَ: وَأَمَّا الْأَرْطَالُ إذَا اسْتَثْنَاهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ، الثَّلَاثَةَ الْأَرْطَالَ وَالْأَرْبَعَةَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا اسْتَثْنَيْت أَرْطَالًا فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَذْبَحُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَذْبَحَ عَلَى مَا أُحِبُّ أَوْ أَكْرَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدِي شَهِدَ لِي شَهَادَةً وَهُوَ عَبْدِي، ثُمَّ أَعْتَقْته فَشَهِدَ لِي بِهَا أَتَجُوزُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ جَائِزَةٌ، إذَا كَانَ عَدْلًا. فَأَرَى شَهَادَةَ هَذَا جَائِزَةً لِلَّذِي قَالَ مَالِكٌ مِنْ شَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَتَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي الْقِصَاصِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ. وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى شَهَادَةٍ، إذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فِي الْأَمْوَالِ وَفِي الْوَكَالَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ. وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ عَلَى شَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَلَا رَجُلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ. كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا تَجُوزُ مِنْ النِّسَاءِ إذَا شَهِدَ امْرَأَتَانِ، عَلَى مَالٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَإِذَا كَانَتْ الشَّهَادَتَانِ عَلَى شَهَادَةٍ كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، فَلَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُ غَيْرُهُ. فَكَذَلِكَ هُنَا لَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُمَا رَجُلٌ. وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَمَا أَكْثَرُ مِنْهُنَّ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُنَّ رَجُلٌ إلَّا أَنْ يَشْهَدْنَ هُنَّ أَنْفُسُهُنَّ عَلَى حَقٍّ، فَيَكُنَّ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ مَعَ الْيَمِينِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ، هَلْ يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ. لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ اسْتِهْلَالَ هِلَالِ رَمَضَانَ، هَلْ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا. قُلْتُ: فَشَهَادَةُ رَجُلَيْنِ؟ قَالَ: جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هِلَالَ شَوَّالٍ؟ قَالَ: كَذَلِكَ أَيْضًا، لَا يَجُوزُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ. وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ وَالْمُكَاتَبِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالٍ؟ قَالَ: مَا وَقَّفْنَا مَالِكًا عَلَى هَذَا، وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ أَنَّ الْعَبِيدَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْحُقُوقِ، فَفِي هَذَا أَبْعَدُ أَنْ لَا تَجُوزَ فِيهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الَّذِينَ قَالُوا إنَّهُ يُصَامُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، قَالَ مَالِكٌ: أَرَأَيْتَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمْ هِلَالُ

стр. 1773

شَوَّالٍ، كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ أَيُفْطِرُونَ أَمْ يَصُومُونَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ؟ فَإِنْ أَفْطَرُوا خَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ؟ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمَوْسِمِ: إنَّهُ يُقَامُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا أَخَذَ شَاهِدَ زُورٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ وَمَا يَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، يَضْرِبُهُ وَيَطُوفُ بِهِ فِي الْمَجْلِسِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَسِبْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الْمَجَالِسَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ. قُلْتُ: وَكَمْ يَضْرِبُهُ؟ قَالَ: قَدْرَ مَا يَرَى. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ وَهُوَ رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا عَلَى مِائَةٍ وَآخَرَ عَلَى خَمْسِينَ؟ قَالَ: إنْ أَرَدْتَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِكَ الَّذِي شَهِدَ لَكَ بِمِائَةٍ وَتَسْتَحِقَّ الْمِائَةَ فَذَلِكَ لَكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تَحْلِفَ وَأَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ خَمْسِينَ فَذَلِكَ لَكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى حَقٍّ لِي، وَأَبَيْت أَنْ أَحْلِفَ وَرَدَدْت الْيَمِينَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ؟ قَالَ: يَغْرَمُ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَيَغْرَمُهُ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَبَيْتَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِكَ وَرَدَدْتَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ غَرِمَ وَلَمْ يُرْجِعْ الْيَمِينَ عَلَيْكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلَّذِي لَمْ يَأْتِ بِشَاهِدٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا كَانَتْ مَعَ الشَّاهِدِ لِلْمُدَّعِي، وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا غَرِمَ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الَّذِي لَا شَاهِدَ لَهُ إنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْمُدَّعِي لَا عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَجِيرَ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، فَأَرَى الْأَجِيرَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا لَا يَكُونُ فِي عِيَالِهِ وَلَا مُؤْنَتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ لَهُمَا وَلِفُلَانٍ مَعَهُمَا عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لِفُلَانٍ بِحِصَّتِهِ مَنْ الدَّيْنِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ إذَا شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَصِيَّةِ وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى وَصِيَّةٍ قَدْ أَوْصَى لَهُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ شَيْئًا تَافِهًا يَسِيرًا لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا كَثِيرًا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَالْحُقُوقُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ إذَا أَرَدْتَ شَهَادَتَهُ فِي حَقٍّ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ لِغَيْرِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَازَ بَعْضُ الشَّهَادَةِ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَى وَصِيَّةِ رَجُلٍ وَفِيهَا عِتْقٌ وَوَصَايَا لِقَوْمٍ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِي الْعِتْقِ، وَجَازَتْ لِلْقَوْمِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ. وَإِنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إذَا شَهِدَ لِغَيْرِهِ إذَا كَانَ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ الرَّجُلِ فِيهِ حَقٌّ. فَهَذَا الَّذِي تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَحْلَفْتُهُمْ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْوَصِيَّةِ وَفِيهَا الْعِتْقُ وَالثُّلُثُ

стр. 1774

لَا يُحْمَلُ؟ قَالَ: إنَّمَا يَكُونُ لَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ مَا فَضَلَ عَنْ الْعِتْقِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ عِنْدَنَا مَيِّتٌ، فَأَتَى رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ، وَلَمْ تَشْهَدْ الشُّهُودُ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، أَتُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ وَيُعْطَى هَذَا الْمِيرَاثَ أَمْ لَا يُعْطَى مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْئًا؟ وَهَلْ تَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْوَجْهِ؟ قَالَ: وَجْهُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا، أَنْ يَقُولُوا إنَّهُ ابْنُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِذَا لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، فَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَيَسْأَلَ وَيَنْظُرَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى دَارٍ أَنَّهَا دَارُ جَدِّي، وَلَمْ تَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّ جَدِّي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِأَبِي، وَأَنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، لَمْ يُحَدِّدُوا الْمَوَارِيثَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي حَاضِرًا بِالْبَلَدِ الَّتِي الدَّارُ بِهَا، وَقَدْ حِيزَتْ دُونَهُ السِّنِينَ يَرَاهُمْ يَسْكُنُونَ وَيَحُوزُونَ بِمَا تُحَازُ بِهِ الدُّورُ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ الَّذِي الدَّارُ بِهِ، وَإِنَّمَا قَدِمَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا دَارُ أَبِيهِ وَدَارُ جَدِّهِ؛ قَالَ سَحْنُونٌ: وَحَدَّدُوا الْمَوَارِيثَ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ إلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: يُسْأَلُ مَنْ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَصْلِ شِرَاءٍ، أَوْ الْوَجْهِ الَّذِي صَارَتْ بِهِ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَسَمَاعٌ مِنْ جِيرَانِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِيرَانِهِ، أَنَّ جَدَّهُ أَوْ وَالِدَهُ كَانَ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ هُوَ نَفْسَهُ إذَا طَالَ الزَّمَانُ، فَقَالُوا: طَالَ سَمْعُنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا، فَهَهُنَا عِنْدَنَا دُورٌ يُعْرَفُ لِمُزَاوِلِهَا تَقَادُمُ الزَّمَانِ، وَلَيْسَ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ بَيِّنَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَمَاعٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ فُلَانًا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ، اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ أَوْ اشْتَرَاهَا وَالِدُهُ أَوْ اشْتَرَاهَا جَدُّهُ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَلَكِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِاَلَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ مَنْ هُوَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعِ صِحَّةٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ أَبِي هَذَا الْمُدَّعِي أَوْ جَدِّهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحِيَازَةَ، هَلْ وَقَّتَ مَالِكٌ فِيهَا سِنِينَ مُسَمَّاةً عَشَرَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؟ قَالَ: لَا، لَمْ يُوَقِّتْ لَنَا مَالِكٌ فِي الْحِيَازَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ: عَلَى قَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا حِيَازَةٌ إذَا حَازَهَا السِّنِينَ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا طَرَأَ رَجُلٌ عَلَى قَوْمٍ مِنْ بَلَدٍ وَلَا يَعْرِفُونَهُ فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ، فَأَقَامَ بَيْنَهُمْ أَمْرًا قَرِيبًا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لَسْتَ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُضْرَبُ هَذَا الَّذِي قَالَ لَهُ لَسْتَ مِنْ الْعَرَبِ الْحَدَّ، إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ زَمَانُهُ مُقِيمًا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ الْعَرَبِ، فَيُولَدُ لَهُ أَوْلَادٌ وَيَكْتُبُ شَهَادَتَهُ وَيَحُوزُ نَسَبَهُ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ رَجُلٌ: لَسْتَ مِنْ الْعَرَبِ. قَالَ: فَهَذَا الَّذِي يُضْرَبُ مَنْ قَالَ لَهُ لَسْتَ مِنْ الْعَرَبِ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَازَ نَسَبُهُ هَذَا الزَّمَانَ كُلَّهُ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ.

стр. 1775

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ مِنْ انْتَهَى هُوَ وَعُصْبَتُهُ إلَى جَدٍّ جَاهِلِيٍّ، أَيَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي كُلِّ بِلَادٍ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَكَانَتْ دَارَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ سَكَنَهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ: إنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُمْ عَلَى أَنْسَابِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ حِينَ أَسْلَمَتْ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْمٌ تَحَمَّلُوا، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ عَدَدٌ وَكَثْرَةٌ تَوَارَثُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ الْحِصْنُ يُفْتَحُ، فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ. وَأَمَّا النَّفَرُ الْيَسِيرُ يَتَحَمَّلُونَ مِثْلُ الْعَشَرَةِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى الْأَصْلِ، مِثْلُ الْأُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُونَ عِنْدَهُمْ فَيَخْرُجُونَ فَيَشْهَدُونَ لَهُمْ. فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ لِي مَالِكٌ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ: إنَّهَا جَائِزَةٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: يُرِيدُ فِي الْمَالِ لَيْسَ فِي الْوَلَاءِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا فِي يَدَيَّ وَرِثْتهَا عَنْ أَبِي، فَأَقَامَ ابْنُ عَمِّي الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُ جَدِّي وَطَلَبَ مُورَثَهُ؟ قَالَ: هَذَا مِنْ وَجْهِ الْحِيَازَةِ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَاخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي أَرْضٍ احْتَفَرَ فِيهَا رَجُلٌ عَيْنًا، فَادَّعَى فِيهَا رَجُلٌ دَعْوَى فَاخْتَصَمُوا فِيهَا إلَى صَاحِبِ تِلْكَ الْمِيَاهِ، فَأَوْقَفَهُمْ حَتَّى يَرْتَفِعُوا إلَى الْمَدِينَةِ. فَأَتَى صَاحِبُ الْعَيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا فَشَكَا ذَلِكَ إلَى مَالِكٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ أَحْسَنَ حِينَ أَوْقَفَهَا وَرَآهُ قَدْ أَصَابَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ: اُتْرُكْ عُمَّالِي يَعْمَلُونَ فَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ فَلْيَهْدِمْ عَمَلِي. قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ يُوقِفَ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ أَخَذَهُ وَإِلَّا ثَبَتَتْ. قُلْتُ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَغَيْرِ شَيْءٍ تُوقَفُ هَذِهِ الْأَرْضُ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَرَى أَنْ تُوقَفَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يُرَى لِقَوْلِ الْمُدَّعِي وَجْهٌ فَتُوقَفُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى نَسَبٍ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، أَتُثْبِتُ النَّسَبَ أَمْ تَرُدُّهُ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فِيهِ، فَالْقَضَاءُ نَافِذٌ وَلَا يُرَدُّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّاهِدَ، بِمَ يُجَرَّحُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يُجَرَّحُ إذَا أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ آكِلُ رِبًا، أَوْ صَاحِبُ قِيَانٍ، أَوْ كَذَبَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ أَوْ نَحْوِ هَذَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَطَ دِينَارٌ لِي بِمِائَةِ دِينَارٍ لَكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ فِيمَا ضَاعَ مِنْهُمَا، هَذَا بِجُزْءٍ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ وَجُزْءٍ، وَصَاحِبُ الْمِائَةِ بِمِائَةِ جُزْءٍ، كَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى، أَنَّ لِصَاحِبِ الْمِائَةِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ دِينَارًا، وَيُقَسِّمُ صَاحِبُ الْمِائَةِ وَصَاحِبُ الدِّينَارِ الدِّينَارَ الْبَاقِيَ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مِنْهَا لِصَاحِبِ الْمِائَةِ، فَكَيْفَ يَدْخُلُ صَاحِبُ الدِّينَارِ فِيمَا يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ؟ وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ.

стр. 1776

[كِتَابُ الْقَضَاءِ] ِ قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى لِلْقَاضِي إذَا قَضَى بِقَضِيَّةٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ غَيْرَ مَا قَضَى بِهِ أَصْوَبُ مِمَّا قَضَى بِهِ، أَلَهُ أَنْ يَرُدَّ قَضِيَّتَهُ وَيَقْضِي بِمَا رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ قَضِيَّتُهُ الْأُولَى مِمَّا قَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَرْجِعُ فِيمَا قَضَتْ بِهِ الْقُضَاةُ مِمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلْقَاضِي، إذَا دَخَلَهُ وَهْمٌ أَوْ نُعَاسٌ أَوْ ضَجَرٌ أَنْ يَقْضِيَ وَقَدْ دَخَلَهُ شَيْءٌ مَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكْثِرَ جِدًّا إذَا تَخَلَّطَ، يُرِيدُ بِهَذَا أَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ سَمِعْتَ مَالِكًا يَقُولُ: أَيْنَ يَقْضِي الْقَاضِي، أَفِي دَارِهِ أَمْ فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ خَلْدَةَ وَقَاضِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقْضِيَانِ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَوَصَلَ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ وَإِذَا احْتَجَبَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ النَّاسُ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: أَفَيَضْرِبُ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: أَمَّا الْأَسْوَاطُ الْيَسِيرَةُ مِثْلُ الْأَدَبِ فَلَا بَأْسَ، وَأَمَّا الْحُدُودُ وَمَا أَشْبَهَهَا فَلَا. قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ مَالِكًا يَقُولُ: يَضْرِبُ الْقَاضِي الْخَصْمَ عَلَى اللَّدَدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَضْرِبُ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ أَلَدَّ وَأَنَّهُ ظَالِمٌ. قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يَسْأَلُ فِي السِّرِّ عَنْهُمْ. قُلْتُ: فَهَلْ يَقْبَلُ تَزْكِيَةَ وَاحِدٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُمْ وَمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ مِنْ التَّزْكِيَةِ لِعَدَالَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي. قُلْتُ: وَيُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا زُكُّوا فِي السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ، أَيَكْتَفِي بِذَلِكَ مَالِكٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا زَكَّاهُ رَجُلَانِ أَجْزَأَهُ. قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُقِيلُ الشَّاهِدَ إذَا جَاءَ يَسْتَقِيلُ شَهَادَتَهُ؟ قَالَ: أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِ فَلَا يُقِيلُهُ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَسْتَقِيلُ. وَأَمَّا إذَا اسْتَقَالَ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى بِشَهَادَتِهِ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا شَكَّ فِي أَنَّهُ يُقَالُ وَلَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ إذَا ادَّعَى الْوَهْمَ وَالشُّبْهَةَ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ مِنْهُ كَذِبٌ فِي شَهَادَتِهِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ فِي هَذِهِ وَفِيمَا يَسْتَقِيلُ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَأَى خَطَّهُ فِي كِتَابٍ، عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّهُ وَفِيهِ شَهَادَتُهُ بِخَطِّ نَفْسِهِ فَعَرَفَ خَطَّ نَفْسِهِ وَلَا يَذْكُرُ شَهَادَتَهُ تِلْكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْهَدُ بِهَا حَتَّى يَسْتَيْقِنَ الشَّهَادَةَ وَيَذْكُرَهَا. قُلْتُ: فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ هُوَ خَطَّ الْكِتَابَ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ؟ قَالَ: هَكَذَا سَأَلْتُ مَالِكًا أَنَّهُ يَذْكُرُ الْكِتَابَ وَيَعْرِفُهُ وَلَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْهَدُ بِهَا

стр. 1777

وَلَكِنْ يُؤَدِّيهَا هَكَذَا كَمَا عَلِمَ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَفَتَنْفَعُهُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ إذَا أَدَّاهَا هَكَذَا؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ، وَقَدْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ عِنْدَ الْمَعْزُولِ أَوْ الْمَيِّتِ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فِي دِيوَانِهِ، أَيَنْظُرُ هَذَا الَّذِي وُلِّيَ الْقَضَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيُجِيزُهُ؟ قَالَ: لَا يُجِيزُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَأَمَرَهُمْ هَذَا الْقَاضِي الْمُحْدَثُ أَنْ يُعِيدُوا شَهَادَاتِهِمْ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي دِيوَانِي قَدْ شَهِدَتْ بِهِ الشُّهُودُ عِنْدِي؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ وَلَا أَرَاهُ شَاهِدًا، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَهُ. قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِي عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا هَذِهِ الشَّهَادَةُ الَّتِي فِي دِيوَانِ الْقَاضِي مِمَّا شَهِدَتْ الشُّهُودُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَمْضَيْتُ عَلَيْهِ تِلْكَ الشَّهَادَةَ. قَالَ: وَإِذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَحْلَفَ الْمَشْهُودُ لَهُ الطَّالِبَ، وَيَثْبُتُ لَهُ الشَّهَادَاتُ، وَيَنْظُرُ فِيهِ الْقَاضِي الْمُحْدَثُ بِحَالِ مَا كَانَ لِلْمَعْزُولِ يَنْظُرُ فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ حُكْمٍ يَدَّعِي الْقَاضِي الْمَعْزُولُ أَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِهِ، أَيَكُونُ شَاهِدًا وَيَحْلِفُ الْمَحْكُومُ لَهُ مَعَ الْقَاضِي أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَاكِمُ بِهَذَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ، أَيَكْرَهُ لَهُ مَالِكٌ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا مَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يُسْتَكْتَبُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَتَبَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ، فَمَاتَ الَّذِي كَتَبَ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ وَوُلِّيَ الْقَضَاءَ غَيْرُهُ، أَيَقْبَلُ هَذَا الْكِتَابَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا، وَإِنَّمَا كُتِبَ الْكِتَابُ إلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا أَدْرِي مَوْتَ أَيِّهِمَا ذَكَرَ، مَوْتَ الَّذِي كَتَبَ أَوْ مَوْتَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. مَنْ عُزِلَ مِنْهُمَا أَوْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوْ مَاتَ فَالْكِتَابُ جَائِزٌ، يُنْفِذُهُ هَذَا الَّذِي وُلِّيَ وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا كُتِبَ إلَى غَيْرِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُتُبَ الْقُضَاةِ، أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَى الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا جَائِزَةٌ. فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّكَ أَنَّ كُتُبَ الْقُضَاةِ فِي ذَلِكَ جَائِزَةٌ فِي رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقٍّ لِي عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ، فَقَدِمَ بَعْدَمَا أَوْقَعْت الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ، ثُمَّ قَدِمَ، أَيَأْمُرُنِي الْقَاضِي بِإِعَادَةِ بَيِّنَتِي أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ، فَلَمَّا قَالَ لَنَا مَالِكٌ: يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ، رَأَيْتُ أَنْ لَا يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ، وَهُوَ رَأْيِي أَنْ لَا يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ، وَلَكِنَّهُ يُعْلِمُ الْخَصْمَ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ.

стр. 1778

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مِثْلَ وَالِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة إنْ اسْتَقْضَى قَاضِيًا فَقَضَى بِقَضَاءٍ، أَوْ قَضَى وَالِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة نَفْسُهُ بِقَضَاءٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: كَانُوا يَأْتُونَ إلَى مَالِكٍ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ أَشْيَاءَ قَدْ قَضَتْ بِهِ وُلَاةُ الْمِيَاهِ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا حَكَمَ بِهِ الْوَالِي، وَالِي الْفُسْطَاطِ أَمِيرُ الصَّلَاةِ، أَيَجُوزُ وَيَنْفُذُ كَمَا تَجُوزُ الْقُضَاةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا فَيَرُدُّهُ الْقَاضِي. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلَيْنِ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى لِلْقَاضِي أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءَهُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَرُدَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذَكَرْتَ لِي مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الدَّابَّةَ، فَتُعْرَفُ فِي يَدِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ؟ قَالَ: يُخْرِجُ قِيمَتَهَا فَتُوضَعُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَتُدْفَعُ إلَيْهِ الدَّابَّةُ بِطَلَبِ حَقِّهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَدَّ الدَّابَّةَ وَقَدْ حَالَتْ أَسْوَاقُهَا أَوْ تَغَيَّرَتْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ بَيِّنٍ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ الْقِيمَةَ الَّتِي وَضَعَهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَصَابَهَا نُقْصَانٌ فَهُوَ لَهَا ضَامِنٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ مِثْلَ الْعَوَرِ وَالْكَسْرِ وَالْعَجَفِ. قَالَ: وَأَمَّا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا، هَلْ هُوَ فِي الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ مِثْلُهُ فِي الدَّابَّةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، إلَّا أَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْأَمَةِ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ أَمِينًا وَدُفِعَتْ إلَيْهِ الْجَارِيَةُ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهَا رَجُلًا أَمِينًا يَخْرُجُ بِهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَيُطْبَعُ فِي أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: وَلِمَ قُلْتَ يُطْبَعُ فِي أَعْنَاقِهِمْ؟ قَالَ: لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ ثِيَابًا أَوْ عُرُوضًا، أَيُمَكِّنُهُ مِنْهَا وَيَأْخُذُ الْقِيمَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَجْرَ الْقُسَّامِ، أَعَلَى عَدَدِ الْأَنْصِبَاءِ أَمْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ، فَأَنَا أَرَى إنْ وَقَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا بَيْنَهُمْ شَيْئًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَسَّامَ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُمْ قَسَمُوا هَذِهِ الدَّارَ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ إنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ شَهَادَةِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ لِيُجِيزُوهُ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ قَسَمُوا فَادَّعَى بَعْضُهُمْ الْغَلَطَ فِي الْقِسْمَةِ، أَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا فَادَّعَى الْغَلَطَ يَقُولُ: أَخْطَأْتُ بِهِ، أَوْ بَاعَهُ مُرَابَحَةً فَيَقُولُ: أَخْطَأْتُ: إنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ أَمْرٍ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ ثَوْبَهُ ذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَأَرَى الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبُيُوعِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ دَفَعَ مَالًا إلَى رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْمَالُ: قَدْ دَفَعْت الْمَالَ الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ الْقَاضِي، وَأَنْكَرَ الَّذِي أَمَرَهُ الْقَاضِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ، أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ الْمَالَ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ.

стр. 1779

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ، أَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ قَاسِمًا مَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي كِتَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَا قَدْ أَعْلَمْتُكَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الْعُدُولَ الْمَرْضِيِّينَ، وَهَذَا رَأْيِي. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ يَقْسِمَانِ فِي زَمَانِهِمَا وَلَا يَأْخُذَانِ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا رَأَى مَنْ يَزْنِي أَوْ مَنْ يَسْرِقُ أَوْ مَنْ يَشْرَبُ خَمْرًا، أَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَدَ السُّلْطَانُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الَّذِي فَوْقَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَآهُ السُّلْطَانُ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ سُلْطَانٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْقَاضِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مِثْلَ أَمِيرِ مِصْرٍ، إنْ رَأَى أَحَدًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، أَيَرْفَعُهُ إلَى الْقَاضِي أَوْ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: يَرْفَعُهُ إلَى الْقَاضِي وَيَكُونُ الْأَمِيرُ شَاهِدًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَمِعَ الْقَاضِي رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، أَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَمْ لَا؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ سَمِعَ السُّلْطَانُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَ السُّلْطَانِ شُهُودٌ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ يُرِيدُ سَتْرًا يَخَافُ إنْ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ عَنْ الْقَاذِفِ أَنْ يَأْتِيَ الْقَاذِفُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَذَلِكَ. فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَكَيْفَ يُعْرَفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَسْأَلُ الْإِمَامُ فِي السِّرِّ وَيُسْتَحْسَنُ ذَلِكَ، فَإِذَا أُخْبِرَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ قَدْ سُمِعَ أَجَازَ عَفْوَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَأَى الْقَاضِي بَعْدَمَا وُلِّيَ الْقَضَاءَ رَجُلًا يَأْخُذُ مَالَ رَجُلٍ أَوْ يَغْصِبُهُ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، أَيَقْضِي بِذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ إنْ أَنْكَرَهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَخْتَصِمَانِ إلَى الْقَاضِي وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ، فَيُقِرُّ أَحَدُهُمَا بِالشَّيْءِ ثُمَّ يَأْتِيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجْحَدُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ أَقَرَّ عِنْدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، أَتَرَى أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِمَا أَقَرَّ بِهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ عِنْدِي مِثْلُ الْحَدِّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَلَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ سِوَاهُ عِنْدَهُ، أَوْ يَرْفَعَهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، فَيَكُونُ شَاهِدًا، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْضِيَ وَبَعْدَمَا يَسْتَقْضِي، فَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ، فَرَآهُ وَاحِدًا. وَرَأَى أَنْ لَا يَقْضِيَ بِهِ وَرَآهُ مِثْلَ الْحَدِّ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي حَدِّ الْفِرْيَةِ، إلَّا أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَيَكُونُ شَاهِدًا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَخْبَرَنِي بِهَذَا عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَثِقُ بِهِ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتَامَى، أَوْ بَاعَ مَالَ رَجُلٍ مُفْلِسٍ فِي الدَّيْنِ، أَوْ بَاعَ مَالَ مَيِّتٍ وَوَرَثَتُهُ غُيَّبٌ، عَلَى مَنْ الْعُهْدَةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَصِيِّ: إنَّهُ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْقَاضِي لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: فَعَلَى مَنْ عُهْدَةُ الْمُشْتَرِي إذَا بَاعَ الْوَصِيُّ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ؟ قَالَ: فِي مَالِ الْيَتَامَى. قُلْتُ: فَإِنْ

стр. 1780

ضَاعَ الثَّمَنُ، أَوْ ضَاعَ مَالُ الْيَتَامَى وَلَا مَالَ لِلْيَتَامَى غَيْرُ ذَلِكَ وَاسْتُحِقَّتْ السِّلَعُ الَّتِي بَاعَ؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَثِقُ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي عَنْ الْقَضَاءِ، وَقَدْ حَكَمَ عَلَى النَّاسِ بِأَحْكَامٍ، فَادَّعَوْا أَنَّهُ قَدْ جَارَ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ؟ قَالَ: لَا يُنْظَرُ فِيمَا قَالُوا، وَمَا حَكَمَ الْقَاضِي بِهِ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَاضِي خُصُومَةٌ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ قَضَائِهِ جَوْرًا بَيِّنًا فَيَرُدَّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا وُلِّيَ الْقَضَاءَ رَجُلٌ، أَيَنْظُرُ فِي قَضَاءِ الْقُضَاةِ قَبْلَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَعْرِضُ لِقَضَاءِ الْقُضَاةِ قَبْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا. قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ كَانَ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لَنَا مَالِكٌ مَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَانَ يُعْجِبُهُ فِيمَا رَأَيْتُ مِنْهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ حَتَّى يَكُونَ عَارِفًا بِآثَارِ مَنْ مَضَى، مُسْتَشِيرًا لِذَوِي الرَّأْسِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يَسْتَبْحِرَ فِي الْعِلْمِ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحِيمِ: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ أَنْ يُفْتِيَ النَّاسَ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِلْفُتْيَا، فَإِذَا رَآهُ النَّاسُ أَهْلًا لِلْفُتْيَا فَلْيُفْتِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَقَدْ أَتَى رَجُلٌ فَقَالَ لِابْنِ هُرْمُزَ: إنَّ هَذَا السُّلْطَانَ قَدْ اسْتَشَارَنِي أَفَتَرَى أَنْ أَفْعَلَ؟ قَالَ فَقَالَ ابْنُ هُرْمُزَ: إنْ رَأَيْتَ نَفْسَكَ أَهْلًا لِذَلِكَ وَرَآكَ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ فَافْعَلْ.

стр. 1781

[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] [ فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ] ِ فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْأَجِيرَ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا لَا يَكُون فِي عِيَالِهِ وَلَا فِي مُؤْنَتِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِذَا كَانَ الْأَجِيرُ فِي عِيَالِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا رَدَدْتُ شَهَادَتَهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَيْهِ وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخَ إذَا كَانَ فِي عِيَالِ أَخِيهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لِجَرِّهِ إلَيْهِ، وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَكَانَ مُبَرِّزًا فِي حَالِهِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ» أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُجِيزَ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ وَلَا الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا الْخَصْمِ وَلَا دَافِعِ الْمَغْرَمِ. [فِي شَهَادَةِ السُّؤَالِ] ِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ السُّؤَالِ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ الْأَمْوَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَأَمَّا الشَّيْءُ التَّافِهُ الْيَسِيرُ فَهِيَ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ السَّلَفُ الَّذِينَ مَضَوْا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْقَانِعِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَكَانَ بَعْضُ مَنْ مَضَى لَمْ يَكُنْ يُجِيزُ شَهَادَةَ السَّائِلِ.

стр. 1782

[فِي شَهَادَةِ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ وَالشَّاعِرِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الْمُغَنِّيَةِ وَالْمُغَنِّي وَالشَّاعِرِ وَالنَّائِحَةِ أَتُقْبَلُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الشَّاعِرِ، أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ يَهْجُوهُمْ إذَا لَمْ يُعْطُوهُ، وَيَمْدَحُهُمْ إذَا أَعْطَوْهُ، فَلَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَهْجُو أَحَدًا، وَهُوَ مِمَّنْ إذَا أُعْطِي شَيْئًا أَخَذَهُ، وَلَيْسَ يُؤْذِي أَحَدًا بِلِسَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَهْجُ؛ فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا. وَأَمَّا النَّائِحَةُ وَالْمُغَنِّيَةُ وَالْمُغَنِّي، فَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ. [فِي شَهَادَةِ اللَّاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ، أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ الْمُدْمِنِ عَلَيْهَا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا. قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُلْعَبَ بِالشِّطْرَنْجِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَرَاهَا أَشَدَّ مِنْ النَّرْدِ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا كُلِّهِ، فَأَخْبَرَنِي بِمَا أَخْبَرْتُكَ. [فِي شَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدِي شَهِدَ لِي عَلَى شَهَادَةٍ وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ أَعْتَقْته فَشَهِدَ لِي بِهَا، تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا. فَأَرَى شَهَادَتَهُ جَائِزَةً لِلَّذِي قَالَ مَالِكٌ مِنْ شَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ، إذَا كَانَ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ لَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا وَلَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْهَا شَيْئًا. [فِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِعَبْدِ ابْنِهِ وَالرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ لِعَبْدِ ابْنِهِ أَتَجُوزُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِهِ، فَعَبْدُهُ بِمَنْزِلَتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَمَةً شَهِدَ لَهَا بِالْعِتْقِ زَوْجُهَا وَرَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ وَلَا الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا. قَالَ: فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ وَرَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ، أَنَّ سَيِّدَهَا أَعْتَقَهَا، لَكَانَ أَحْرَى أَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا أَسْفَلَ. [فِي شَهَادَةِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالنَّصْرَانِيِّ] ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إذَا شَهِدَ بِشَهَادَةٍ وَهُوَ صَغِيرٌ فَرَدَّهَا الْقَاضِي، أَوْ الْعَبْدَ أَوْ النَّصْرَانِيَّ إذَا شَهِدُوا فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ، فَكَبُرَ الصَّبِيُّ وَأُعْتِقَ الْعَبْدُ وَأَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ

стр. 1783

ثُمَّ شَهِدُوا بِهَا بَعْدَ أَنْ رُدَّتْ؟ قَالَ: فَإِنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ قَضَى فِي شَهَادَةِ الْمَمْلُوكِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُشْرِكِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ إذَا شَهِدَ بِهَا الْمَمْلُوكُ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَالصَّغِيرُ بَعْدَ كِبَرِهِ، وَالْمُشْرِكُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَهِيَ مَرْدُودَةٌ أَبَدًا. وَقَالَهُ أَبُو الزِّنَادِ وَمَكْحُولٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ مِثْلَهُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ فِي الْمُشْرِكِ مِثْلَ قَوْلِ عُثْمَانَ. [فِي شَهَادَةِ ذَوِي الْقَرَابَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ لِي أَبِي أَوْ ابْنِي، أَنَّ فُلَانًا هَذَا الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيَّ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ وَلَا شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ. قُلْتُ: تَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي شَهَادَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ لِجَدِّهِمْ، أَوْ شَهَادَةِ الْجَدِّ لِوَلَدِ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ. قُلْتُ: فَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِمُكَاتَبِهِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ، وَلَا أَرَاهَا جَائِزَةً. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، أَوْ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ. قُلْتُ: أَفَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأُمِّ لِابْنِهَا، أَوْ الِابْنِ لِأُمِّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَتَّهِمُ سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحُ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَا الْأَخِ لِأَخِيهِ، وَلَا الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَظَهَرَتْ مِنْهُمْ أُمُورٌ حَمَلَتْ الْوُلَاةَ عَلَى اتِّهَامِهِمْ، فَتَرَكَتْ شَهَادَةَ مَنْ يُتَّهَمُ إذَا كَانَتْ مِنْ قَرَابَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْأَخِ وَالزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ، لَمْ يُتَّهَمْ إلَّا هَؤُلَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلُهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجَيْنِ وَالْأَخِ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: هَؤُلَاءِ دَافِعُوا مَغْرَمٍ، فَلَمْ يَكُنْ يُجِزْ شَهَادَتَهُمْ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ وَالزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ. وَقَدْ قَالَ فِي الشَّهَادَاتِ: وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْهَا لِذَوِي الْقَرَابَاتِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ ذَلِكَ يَرْجِعُ كُلُّهُ إلَى جَرِّ الْمَرْءِ إلَى نَفْسِهِ وَدَفْعِهِ عَنْهَا، أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ وَلَدٌ لِوَالِدٍ وَلَا وَالِدٌ لِوَلَدٍ وَلَا زَوْجٌ لِامْرَأَتِهِ وَلَا امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا. مِنْ ذَلِكَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِالْمَالِ وَشَهَادَتُهُ لَهُ بِالتَّعْدِيلِ، وَجُرْحَتُهُ عَنْهُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ دَفْعِهِ عَنْهُ وَدَفْعِهِ عَنْهُ جَرٌّ إلَيْهِ، وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَيْهِ أَنَّ الْمَرْءَ فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنْهُ كَأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَجُرُّ إلَيْهَا، وَالدَّفْعُ عَنْهَا جَرٌّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَرَّ إلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُمْ، وَدَفْعُهُ عَنْهُمْ جَرٌّ إلَيْهِمْ وَجَرُّهُ إلَيْهِمْ لِمَوْضِعِهِمْ مِنْهُ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ.

стр. 1784

[فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ وَالْأَخِ وَالشَّرِيكِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ، هَلْ تَجُوزُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ تَجُوزُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَلِمَوْلَاهُ، فَالصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُمَوِّنُهُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَيْنِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِشَهَادَةٍ مِنْ غَيْرِ التِّجَارَةِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَيْئًا. قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟ : قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ. ابْنُ مَهْدِيٍّ وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحًا وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَالْحَسَنَ قَالُوا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إذَا كَانَ عَدْلًا. وَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ: مَا أَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنْ شَهَادَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ؟ فَقَالَ: الْأَخُ لِأَخِيهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ، وَلَا الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا. فَأَمَّا الْأَخُ إذَا كَانَ غِنَاهُ لَهُ غِنًى إنْ أَفَادَ شَيْئًا أَصَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ كَانَ فِي عِيَالِهِ، فَإِنِّي لَا أَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا مِنْهُ لَا تَنَالُهُ صِلَتُهُ وَلَا فَائِدَتُهُ. قَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَا بَأْسَ بِحَالِهِ رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً. فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ ذَا الْوُدِّ لِلرَّجُلِ، الْمُصَافِي لَهُ يَصِلُهُ وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَا أَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً، وَإِذَا كَانَ لَا يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ وَلَا صِلَتُهُ فَأَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً. [فِي شَهَادَةِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَعَهُ إنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيزُ شَهَادَةَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَلَا النَّصْرَانِيِّ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُسْلِمُوا. قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَهَادَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ حُكْمٌ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ كَافِرٍ، إلَّا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. [فِي شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَجُوزُ

стр. 1785

شَهَادَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَاتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ يَهُودِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ، وَلَا نَصْرَانِيٍّ عَلَى يَهُودِيٍّ، وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، وَالْمَجُوسِيِّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ إلَّا الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ. [فِي شَهَادَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الِاسْتِهْلَالِ] ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوِلَادَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ: شَهَادَةُ رِجَالِهِمْ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، فَكَيْفَ تَجُوزُ شَهَادَةُ نِسَائِهِمْ. وَقَدْ رَدَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ. [شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الِاسْتِهْلَالِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الِاسْتِهْلَالَ، هَلْ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فِي الِاسْتِهْلَالِ جَائِزَةٌ. قُلْتُ: كَمْ يُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ مَنْ النِّسَاءِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِهْلَالَ سُنَّةٌ، وَمِمَّا يَكُونُ أَنَّهُ لَا تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ النِّفَاسِ إلَّا النِّسَاءَ. وَقَدْ رَأَى النَّاسُ أَنْ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ وَكَمُلَ جَسَدُهُ إلَّا الِاسْتِهْلَالَ لَا يَبْقَى كَمَا يَبْقَى الْجَسَدُ، فَيُرَى وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ. فَشَهَادَةُ مَنْ حَضَرَ النِّفَاسَ مِنْ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ. [شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ، هَلْ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ. لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مَنْ الْأَشْيَاءِ. قُلْتُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوِلَادَةَ، أَيُجِيزُ مَالِكٌ فِيهَا شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ امْرَأَتَيْنِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَنْظُرُ إلَى الرِّجَالُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: امْرَأَتَانِ. ابْنُ مَهْدِيٍّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِيمَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ. قَالَ سَحْنُونٌ: فَكَيْفَ بِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ

стр. 1786

وَاحِدَةٍ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُخْبِرَ عَنْ رَضَاعِ امْرَأَةٍ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: فَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيِّ عَنْ حُلَّامِ الْعَبْسِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَقَالَا: إنْ تَتَنَزَّهَ عَنْهَا فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَأَمَّا أَنْ يُحَرِّمَهَا أَحَدٌ عَلَيْكَ فَلَا. [فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ تَابَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الطَّلَاقِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَحَسُنَتْ حَالُهُ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ إخْوَانِنَا أَنَّهُ قِيلَ لِمَالِكٍ فِي الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ يَقْذِفُ فَيُجْلَدُ فِيمَا قَذَفَ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَدَالَتُهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا ازْدَادَ دَرَجَةً إلَى دَرَجَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَلَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَنَا هَهُنَا رَجُلًا صَالِحًا عَدْلًا، فَلَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَةَ ازْدَادَ وَارْتَفَعَ وَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَارْتَفَعَ إلَيْهِ فَوْقَ مَا كَانَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَجَازَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَهَادَةَ مَنْ تَابَ مِنْ الَّذِينَ جَلَدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَابْنَ قُسَيْطٍ وَابْنَ شِهَابٍ وَشُرَيْحًا وَعَطَاءً قَالُوا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ مَعَ آخَرَ مَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَتَابَ الثَّلَاثَةَ، فَتَابَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ، فَجَازَتْ شَهَادَةُ اللَّذَيْنِ تَابَا وَلَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ أَبِي بَكْرَةَ. [الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ] ِ قُلْتُ: أَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحُدُودِ وَالْفِرْيَةِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْفِرْيَةِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهِ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ، أَتَجُوزُ فِي الْوَلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: وَشَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ تَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ عَدَدٍ كَثِيرٍ.

стр. 1787

[شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ] ِ قُلْتُ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا شَاهِدَانِ عَلَى شَاهِدٍ. قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ عَلَى شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَ هَذَا الشَّاهِدِ عَلَى شَهَادَةِ ذَلِكَ الشَّاهِدِ الَّذِي أَشْهَدَهُ؟ قَالَ: لَا يَحْلِفُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ تَامٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ بَعْضُ شَهَادَةٍ فَلَا يَحْلِفُ مَعَهَا الْمُدَّعِي. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْمَالِ، وَإِنْ حَلَّفَهُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ. قَالَ سَحْنُونٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ تَجُوزُ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، فَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيهِ جَائِزَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَازَ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ الشَّاهِدُ، لَمْ يَصِلْ إلَى قَبْضِ ذَلِكَ الْمَالِ إلَّا بِيَمِينٍ ثَانِيَةٍ، فَصَارَتْ عَلَيْهِ يَمِينَانِ؟ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَإِنَّمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينُ وَاحِدَةٌ وَلَا يَكُونُ يَمِينَيْنِ. [فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَتَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي الْقِصَاصِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ. قَالَ: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الشَّهَادَةِ إذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فِي الْأَمْوَالِ وَفِي الْوَكَالَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كُنَّ عِشْرِينَ امْرَأَةً، عَلَى شَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَلَا رَجُلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ النِّسَاءِ إذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى مَالٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الشَّاهِدَتَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ هُمَا لَا يَجُوزَانِ إلَّا وَمَعَهُمَا رَجُلٌ. وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَمَا كَثُرَ مِنْهُنَّ سَوَاءٌ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدَةٍ، لَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُنَّ رَجُلٌ، إلَّا أَنْ يَشْهَدْنَ هُنَّ أَنْفُسُهُنَّ عَلَى حَقٍّ، فَيَكُنَّ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ مَعَ الْيَمِينِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَتِهِنَّ عَلَى الشَّهَادَةِ. سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ كِبَارُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ عَلَى شَهَادَةٍ وَلَا عَلَى وَكَالَةٍ فِي مَالٍ، وَهُوَ وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ عَدْلٌ مِنْ الْقَوْلِ. وَلَا تَجُوزُ تَزْكِيَةُ النِّسَاءِ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، لَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُزْكِينَ النِّسَاءَ وَلَا الرِّجَالَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ التَّزْكِيَةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُنَّ عَلَى مَالٍ وَلَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ

стр. 1788

مَالٌ، وَشَهَادَتُهُنَّ فِي الْمَالِ جَائِزَةٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْخَطَأِ إذَا بَقِيَ الْبَدَنُ قَائِمًا، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَتِيلًا. فَأَمَّا أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً وَقُلْنَ رَأَيْنَا فُلَانًا قَتِيلًا قَتَلَهُ فُلَانٌ خَطَأً، وَقَدْ دُفِنَ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ إنَّمَا جَازَتْ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَبْقَى وَإِنَّ الْبَدَنَ يَبْقَى فَلَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، وَإِذَا بَقِيَ بَدَنُ الصَّبِيِّ وَشَهِدَ الْعُدُولُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ لَا يَبْقَى وَالْبَدَنَ يَبْقَى فَيُرَى. ابْنُ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ: وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ، شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَدَنُ قَائِمًا. وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْقَتْلِ، إذَا رُئِيَ الْبَدَنُ وَشَهِدَ الْعُدُولُ أَنَّهُمْ رَأَوْا بَدَنَ الصَّبِيِّ. [شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَنْسَابِ وَالْوَلَاءِ وَالْمَوَارِيثِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَتَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ عِنْدِي فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ، أَتَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْعَفْوِ مِنْ الدَّمِ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ فِي دَمِ الْعَمْدِ، فَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ، هَلْ تَجُوزُ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْأَنْسَابِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِي الْمَوَارِيثِ وَفِي الْأَمْوَالِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْأَنْسَابِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا جَازَتْ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَالِ فِي الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَالنَّسَبُ مَعْرُوفٌ بِغَيْرِ شَهَادَتِهِنَّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ، هَلْ تَجُوزُ عَلَى الْوَلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْوَلَاءِ وَلَا عَلَى النَّسَبِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَتْ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ عَلَى السَّمَاعِ وَلَا عَلَى غَيْرِ السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ وَلَا فِي النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الدَّعْوَى وَلَا فِي النَّسَبِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ. سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَذَكَرَهُ أَيْضًا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ إلَّا أَنَّ عُقَيْلًا لَمْ يَذْكُرْ الْخَلِيفَتَيْنِ.

стр. 1789

ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي الْقَتْلِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَضَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ بِأَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ فِي الْقَتْلِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْقَتْلِ وَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْعَتَاقَةِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَلَا فِي الْعَتَاقَةِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ، إلَّا فِي الدَّيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا حَيْثُ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الدَّيْنِ، أَوْ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا هُنَّ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقُ مِنْ أَشَدِّ الْحُدُودِ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْفُرْقَةِ وَالنِّكَاحِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا تَجُوزُ فِي الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقُ مِنْ الْحُدُودِ. [شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ] ٍ قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ غُلَامَيْنِ لَمْ يَبْلُغَا الْحُلُمَ اقْتَتَلَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ الْمَيِّتُ: فُلَانٌ قَتَلَنِي وَشَهِدَ عَلَى لِسَانِهِ وَاعْتَرَفَ الْقَاتِلُ الْحَيُّ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، أَتَرَى أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ وَيَقْسِمُ عَلَيْهِ، أَوْ بِاعْتِرَافِ الْقَاتِلِ الْحَيِّ لِصَاحِبِهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُكَ هَذَا إلَّا بِالشُّهُودِ وَلَا يَنْفَعُكَ قَوْلُ الْمَيِّتِ وَلَا إقْرَارَ الْحَيِّ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، لَا يَكُونُ فِي هَذَا قَسَامَةٌ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَالِكٍ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَعْضِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا، أَوْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ أَوْ يُخَبَّبُوا فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي الْجِرَاحَاتِ وَالْقَتْلِ إذَا شَهِدَ فِيهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَ ذَلِكَ صِبْيَانٌ كُلُّهُمْ. وَلَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ أَيْضًا مَنْ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحَاتِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصَّبِيَّانِ الْكَبِيرَانِ، كَانُوا شَهِدُوا لَهُ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ عَلَى كَبِيرٍ، وَلَيْسَ فِي الصِّبْيَانِ قَسَامَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ كَبِيرٌ صَبِيًّا فَشَهِدَ رَجُلٌ عَلَى قَتْلِهِ، فَتَكُونَ الْقَسَامَةُ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الشَّاهِدُ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ. سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، مِنْهُمْ أَشْهَبُ: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَتْلِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ. سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ كَبِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَخْزُومِيُّ: إنَّ الْإِنَاثَ يَجُزْنَ، وَإِنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْقَتْلِ جَائِزَةٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَغَيْرُهُ، فِي الصَّبِيِّ يَشْهَدُ عَلَيْهِ صِبْيَانٌ أَنَّهُ ضَرَبَ صَبِيًّا أَوْ جَرَحَهُ، فَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ، أَوْ يَتَرَاخَى ذَلِكَ الْجُرْحُ فَيَمُوتُ، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ يُقْسِمُونَ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: وَهَذَا الصَّوَابُ وَاَلَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَشُرَيْحًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَابْنَ قُسَيْطٍ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ

стр. 1790

وَرَبِيعَةَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا أَوْ يَنْقَلِبُوا إلَى أَهْلِهِمْ أَوْ يَخْتَلِفُوا، أَوْ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ قَوْلِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَسْتَجِيزُونَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ لَا يُجِيزُهَا عَلَى الرِّجَالِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحَسَنِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عَزَّةَ، وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إنَّهَا السُّنَّةُ. وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ. [شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ أَوْ الْوَارِثَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّيْنِ إذَا شَهِدَا بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ شَهِدَ وَارِثٌ وَاحِدٌ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، أَخَذَ مِنْ شَاهِدِهِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ. فَإِنْ كَانَ سَفِيهًا. لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي حَظِّهِ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ. [شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ وَالْوَارِثَيْنِ بِوَصِيٍّ ثَالِثٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ، فَشَهِدَ الْوَصِيَّانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي أَنَّهُ أَوْصَى إلَى فُلَانٍ أَيْضًا مَعَنَا، أَتَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ تَجُوزُ. سَحْنُونٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: تَجُوزُ إنْ ادَّعَى ذَلِكَ الْوَصِيُّ الثَّالِثُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا فِيمَا أَدْخَلَاهُ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا مَنْفَعَةً لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدٍ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ مِثْلُ شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إلَى فُلَان؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ شَهِدَ الْوَارِثَانِ عَلَى نَسَبٍ يَلْحَقَانِهِ بِأَبِيهِمَا، أَوْ بِوَصِيَّةٍ لِرَجُلٍ بِمَالٍ أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِمَا جَازَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْوَارِثَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى عِتْقٍ وَمَعَهُمَا أَخَوَاتٌ؟ قَالَ: إنْ كَانَا مِنْ الرَّقِيقِ الَّذِينَ لَا يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ الْوَلَاءِ إلَيْهِمَا فِي دَنَاءَةِ الرَّقِيقِ وَضِعَتِهِمْ؛ جَازَ ذَلِكَ وَعَتَقَ الرَّقِيقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ يُرْغَبُ فِي وَلَائِهِمْ، وَيُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَاءِ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ دُونَ أَخَوَاتِهِمَا، أَوْ امْرَأَةِ أَبِيهِمَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ النِّسَاءُ لِلْوَصِيِّ أَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِ هَذَا الْمَيِّتُ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ فِي شَهَادَتِهِنَّ عِتْقٌ وَإِيضَاعُ النِّسَاءِ، فَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ لَيْسَ بِجَائِزَةٍ،
следующие страницы →