Полный текст (2 437 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَارِثٍ زَكَاةٌ فِي مَالٍ وَرِثَهُ فِي دَيْنٍ وَلَا عَرْضٍ وَلَا عَيْنٍ وَلَا دَارٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا وَلِيدَةٍ، حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِ مَا بَاعَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ قَبَضَ مِنْ الْعَيْنِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبَضَهُ وَنَضَّ فِي يَدَيْهِ لِأَنَّهُ فَائِدَةٌ، وَأَرَى غَلَّةَ الدُّورِ وَالرَّقِيقَ وَالدَّوَابَّ وَإِنْ اُبْتِيعَ لِغَلَّةٍ فَائِدَةً لَا تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبَضَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ فَإِنَّ إجَارَتَهُ أَيْضًا فَائِدَةٌ، وَمَهْرُ الْمَرْأَةِ أَيْضًا عَلَى زَوْجِهَا فَائِدَةٌ لَا يَجِبُ فِيهِ عَلَيْهَا الزَّكَاةُ حَتَّى تَقْبِضَهُ، وَيَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ تَقْبِضُ، وَمَا فَضَلَ بِيَدِ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ عِتْقِهِ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ مِثْلُهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ بَعْدِ عِتْقِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ عَلَى إبِلٍ بِأَعْيَانِهَا فَلَمْ تَقْبِضْهَا حَتَّى حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عِنْدَ الزَّوْجِ ثُمَّ قَبَضَتْهَا بَعْدَ الْحَوْلِ؟ فَقَالَ: أَرَى عَلَيْهَا زَكَاتَهَا لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ ضَمِنَتْهَا، وَلَيْسَ هَذِهِ مِثْلَ الَّتِي تَغَيَّرَ أَعْيَانُهَا لِأَنَّ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَعْيَانِهَا لَمْ تَجُزْ فِيهَا الزَّكَاةُ لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ وَأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ تَتَزَوَّجُ بِالْعَبْدِ بِعَيْنِهِ تَعْرِفُهُ ثُمَّ لَا تَقْبِضُهُ حَتَّى يَمُوتَ الْعَبْدُ، عَلَى مَنْ ضَمَانُهُ؟ فَقَالَ: عَلَى الْمَرْأَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ عَلَى دَنَانِيرَ فَلَمْ تَقْبِضْهَا حَتَّى حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عِنْدَ الزَّوْجِ ثُمَّ قَبَضَتْهَا بَعْدَمَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عَلَى الدَّنَانِيرِ عِنْدَ الزَّوْجِ، أَعْلَيْهَا أَنْ تُزَكِّيَهَا إذَا قَبَضَتْهَا أَمْ تَسْتَقْبِلَ بِهَا حَوْلًا مِنْ يَوْمِ قَبَضَتْهَا؟
قَالَ: بَلْ تَسْتَقْبِلُ بِهَا حَوْلًا مِنْ يَوْمِ قَبَضَتْهَا لِأَنَّهَا فَائِدَةٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُهُورِ النِّسَاءِ إذَا تَزَوَّجْنَ عَلَى مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مَنْ الدَّنَانِيرِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَلَمْ تَقْبِضْهَا حَتَّى حَالَ عَلَيْهَا عِنْدَ الزَّوْجِ أَحْوَالٌ؟
قَالَ: إذَا قَبَضَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ تَقْبِضُ، قَالَ: وَمَهْرُهَا إنَّمَا هُوَ فَائِدَةٌ مِنْ الْفَوَائِدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي قَوْمٍ وَرِثُوا دَارًا فَبَاعَهَا لَهُمْ الْقَاضِي وَوَضَعَ ثَمَنَهَا عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ حَتَّى يُقَسِّمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، فَأَقَامَتْ الذَّهَبُ فِي يَدَيْ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى يَدَيْهِ سِنِينَ ثُمَّ دُفِعَتْ إلَيْهِمْ، أَتَرَى عَلَيْهِمْ فِيهَا الزَّكَاةَ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِمْ فِيهَا الزَّكَاةَ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِمْ عِنْدَهُمْ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبَضُوهَا.
ثُمَّ سُئِلَ أَيْضًا عَنْ الرَّجُلِ يَرِثُ الْمَالَ بِالْمَكَانِ الْبَعِيدِ، فَيُقِيمُ عِنْدَهُ الثَّلَاثَ سِنِينَ هَلْ يُزَكِّيهِ إذَا قَبَضَهُ؟ فَقَالَ: إذَا قَبَضَهُ لَمْ يُزَكِّهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبَضَهُ، فَقِيلَ لَهُ: فَلَوْ بَعَثَ رَسُولًا مُسْتَأْجَرًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَأْجَرٍ فَقَبَضَهُ الرَّسُولُ؟ فَقَالَ: رَسُولُهُ بِمَنْزِلَتِهِ يَحْسُبُ لَهُ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ قَبَضَهُ رَسُولُهُ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْأَمْوَالُ تَكُونُ لِلرَّجُلِ دَيْنًا فَيَأْمُرُ مَنْ يَتَقَاضَاهَا لَهُ وَهُوَ عَنْهَا غَائِبٌ، فَكُلُّ مَا اقْتَضَاهُ وَكِيلُهُ فَإِنَّهُ يَحْسُبُ لَهُ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ قَبَضَهُ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ مَا وَرِثَ الصَّغِيرُ عَنْ أَبِيهِ مِنْ الْعَيْنِ، فَقَبَضَهُ وَصِيُّهُ فَمِنْ حِينِ قَبَضَهُ وَصِيُّهُ يَحْسُبُ لَهُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ قَبَضَهُ الْوَصِيُّ.
قُلْتُ:
стр. 212
أَرَأَيْتَ لَوْ وَرِثَ مَاشِيَةً تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ فَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا وَهِيَ فِي يَدَيْ الْوَصِيِّ أَوْ فِي يَدَيْ غَيْرِ الْوَصِيِّ أَعَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ؟
قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَفِيمَا وَرِثَ مِنْ ثَمَرَةٍ وَلَوْ أَقَامَ ذَلِكَ عِنْدَهُ سِنِينَ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَصْلًا، فَإِنَّ السَّاعِيَ يُزَكِّيهَا فِي كُلِّ عَامٍ وَيَأْخُذُ زَكَاتَهَا كُلَّ سَنَةٍ وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الْعَيْنِ فِي هَذَا.
قُلْتُ لَهُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَالثِّمَارِ وَبَيْنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فِي الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ لِي: لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا جَاءَتْ فِي الضِّمَارِ وَهُوَ الْمَالُ الْمَحْبُوسُ فِي الْعَيْنِ، وَإِنَّ السُّعَاةَ يَأْخُذُونَ النَّاسَ بِزَكَاةِ مَوَاشِيهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَلَا يَأْخُذُونَهُمْ بِزَكَاةِ الْعَيْنِ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ قَوْلَهُمْ فِي الْعَيْنِ فَلَوْ كَانَتْ الْمَاشِيَةُ وَالثِّمَارُ لِرَجُلٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَاشِيَةً مِثْلَهَا أَوْ ثِمَارً مِثْلَهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَاشِيَتِهِ أَوْ ثِمَارِهِ، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا، كَانَ دَيْنُهُ فِيهَا كَائِنًا ذَلِكَ الدَّيْنُ مَا كَانَ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَاَلَّذِي يَرِثُ الدَّنَانِيرَ لَا تَصِيرُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَقْبِضَهَا.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْغَنَمَ لِلتِّجَارَةِ فَيَجُزُّهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَشْهُرٍ، كَيْفَ تَرَى فِي ثَمَنِ أَصْوَافِهَا أَيَكُونُ زَكَاةُ الصُّوفِ مَعَ رِقَابِهَا؟
قَالَ: لَا بَلْ الصُّوفُ فَائِدَةٌ يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ يَبِيعُهُ وَيَنِضُّ الْمَالُ فِي يَدَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَاعَ الصُّوفَ زَكَاةٌ فِي ثَمَنِهِ، وَالْغَنَمُ إنْ بَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ حَسَبَ مِنْ يَوْمِ زَكَّى الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ. فَهِيَ خِلَافُ الصُّوفِ، فَإِنْ أَقَامَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَيَأْتِيهِ الْمُصَدِّقُ زَكَّى رِقَابَهَا وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ فِيهَا، فَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَمَا زَكَّى رِقَابَهَا حَسَبَ مِنْ يَوْمِ أُخِذَتْ مِنْهُ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ فَأَكْمَلَ بِهِ سَنَةً مِنْ يَوْمئِذٍ ثُمَّ يُزَكِّي أَثْمَانَهَا، وَالصُّوفُ وَإِنَّمَا هُوَ فَائِدَةٌ مِنْ الْغَنَمِ، وَالْغَنَمُ إنَّمَا اُشْتُرِيَتْ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ كِرَاءُ الْمَسَاكِنِ إذَا كَانَ اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ، وَكِرَاءُ الْعَبِيدِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَكَذَلِكَ ثَمَنُ النَّخْلِ
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ النَّخْلَ لِلتِّجَارَةِ فَتُثْمِرُ النَّخْلُ وَيَكُونُ فِيهَا ثَمَرٌ فَتُخْرَصُ وَتُجَدُّ وَتُؤْخَذُ مِنْهَا الصَّدَقَةُ، ثُمَّ يَبِيعُ رَبُّ الْحَائِطِ بَعْدَ ذَلِكَ الرِّقَابَ إنَّهُ يُزَكِّي ثَمَنَ الْحَائِطِ حِينَ بَاعَهُ إذَا كَانَ قَدْ حَالَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْحَائِطَ، فَقِيلَ لَهُ: فَالثَّمَرَةُ إذَا بَاعَهَا؟ فَقَالَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِ الثَّمَرَةِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَاعَ الثَّمَرَةَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَيَصِيرُ حَوْلُ الثَّمَرَةِ عَلَى حِدَةٍ وَحَوْلُ الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ النَّخْلَ عَلَى حِدَةٍ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ أَيْضًا، أَنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يُدِيرُ مَالَهُ فِي التِّجَارَةِ وَلَهُ شَهْرٌ يُقَوِّمُ فِيهِ لَقَوَّمَ الرِّقَابَ وَلَمْ يُقَوِّمْ الثَّمَرَةَ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا قُوِّمَتْ سَقَطَ مِنْهَا زَكَاةُ الْخَرْصِ وَالْخَرْصُ أَمْلَكُ بِهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَطْرَحَ مِنْ الثَّمَرَةِ زَكَاةَ الْخَرْصِ لِمَكَانِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ فَإِذَا صَارَتْ الثَّمَرَةُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَحْوِيلِ الْوَقْتِ فِي الزَّكَاةِ فِي الثَّمَرَةِ وَالنَّخْلِ وَهُمَا جَمِيعًا لِلتِّجَارَةِ، فَكَذَلِكَ
стр. 213
الْغَنَمُ الْأُولَى الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ إنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ مُكَاتَبٍ لَهُ قَاطَعَهُ بِمَالٍ عَظِيمٍ، هَلْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ؟ فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ مَالٍ زَكَاةً حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إذَا أَعْطَى النَّاسَ أَعْطِيَاتِهِمْ، يَسْأَلُ الرَّجُلَ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، أَخَذَ مِنْ عَطَائِهِ زَكَاةَ مَالِ ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ " لَا " أَسْلَمَ إلَيْهِ عَطَاءَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ إذَا جِئْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ آخُذُ عَطَائِي سَأَلَنِي: وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ فَإِنْ قُلْتُ: نَعَمْ، أَخَذَ مِنْ عَطَائِي زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْتُ: لَا، أَسْلَمَ إلَيَّ عَطَائِي. قَالَ مَالِكٌ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، إنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَيْسَ فِي الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَفِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَمَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ: لَا تَجِبُ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
[زَكَاةُ الْمِدْيَانِ]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ الدَّنَانِيرُ فَيَحُولُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَهِيَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ عُرُوضٌ أَيْنَ يَجْعَلُ دَيْنَهُ؟ فَقَالَ: فِي عُرُوضِهِ، فَإِنْ كَانَتْ وَفَاءَ دَيْنِهِ زَكَّى هَذِهِ الْعِشْرِينَ النَّاضَّةَ الَّتِي حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عِنْدَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ عُرُوضُهُ ثِيَابَ جَسَدِهِ وَثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ وَسِلَاحَهُ وَخَاتَمَهُ وَسَرْجَهُ وَخَادِمًا تَخْدُمَهُ وَدَارًا يَسْكُنُهَا؟ فَقَالَ: أَمَّا خَادِمُهُ وَدَارُهُ وَسِلَاحُهُ وَسَرْجُهُ وَخَاتَمُهُ، فَهِيَ عُرُوضٌ يَكُونُ الدَّيْنُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءُ الدَّيْنِ زَكَّى الْعِشْرِينَ الَّتِي عِنْدَهُ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْلُ هَذَا فِيمَا جَعَلْنَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَا كَانَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَبِيعَهُ فِي دَيْنِهِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ دَيْنَهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا كَانَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نَاضٍّ، وَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَبِيعُ دَارِهِ وَعُرُوضَهُ كُلَّهَا مَا كَانَ مِنْ خَادِمٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ ثِيَابِ جَسَدِهِ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ
стр. 214
وَيَتْرُكُ لَهُ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ الْأَيَّامَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ ثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ أَيَبِيعُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ ذَلِكَ فِي دَيْنِهِ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَا لَيْسَ لَهُمَا تِلْكَ الْقِيمَةُ فَلَا يَبِيعُهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا قِيمَةٌ بَاعَهُمَا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ لَهُ مَالٌ نَاضٌّ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ هَذَا الْمَالِ النَّاضِّ الَّذِي عِنْدَهُ، وَلَهُ مُدَبَّرُونَ قِيمَتُهُمْ أَوْ قِيمَةَ خِدْمَتِهِمْ مِثْلُ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: يَجْعَلُ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ فِي قِيمَةِ الْمُدَبَّرِينَ، قُلْت: قِيمَةُ رِقَابِهِمْ أَمْ قِيمَةُ خِدْمَتِهِمْ؟ فَقَالَ: قِيمَةُ رِقَابِهِمْ وَيُزَكِّي الدَّنَانِيرَ النَّاضَّةَ الَّتِي عِنْدَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَنَانِيرُ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَلَهُ مُكَاتَبُونَ؟ فَقَالَ: يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْكِتَابَةِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْكِتَابَةِ؟ فَقَالَ: يُقَالُ مَا قِيمَةُ مَا عَلَى هَذَا الْمُكَاتَبِ مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ عَلَى مَحِلِّهَا بِالْعَاجِلِ مِنْ الْعُرُوضِ، ثُمَّ يُقَالُ مَا قِيمَةُ هَذِهِ الْعُرُوضِ بِالنَّقْدِ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُبَاعَ إلَّا بِالْعَرْضِ إذَا كَانَ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ، فَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ الْآنَ بَعْدَ التَّقْوِيمِ فَيُجْعَلُ دَيْنُهُ فِيهِ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ، لَوْ شَاءَ أَنْ يَتَعَجَّلَهُ تَعَجَّلَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَبِيعَ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ فَعَلَ، فَإِذَا جَعَلَ دَيْنَهُ فِي قِيمَةِ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ زَكَّى مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ النَّاضِّ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ مِثْلَ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، قَالَ: وَكَانَتْ الدَّنَانِيرُ الَّتِي فِي يَدَيْهِ هَذِهِ النَّاضَّةُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ أَقَلَّ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ جَعَلَ فَضْلَ دَيْنِهِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ النَّاضِّ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْءٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُكَاتَبِ؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا كُلَّهُ وَلَكِنْ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ مِائَةُ دِينَارٍ فِي يَدَيْهِ وَعَلَيْهِ دَيْنُ مِائَةِ دِينَارٍ وَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ، أَرَأَيْتَ أَنْ يُزَكِّيَ الْمِائَةَ النَّاضَّةَ الَّتِي فِي يَدَيْهِ وَرَأَيْتَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ إنْ كَانَ دَيْنًا تَرْتَجِيهِ وَهُوَ عَلَى مَلِيءٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرْتَجِيهِ؟ فَقَالَ: لَا يُزَكِّيهِ فَمَسْأَلَةُ الْمُكَاتَبِ عِنْدِي عَلَى مِثْلِ هَذَا، لِأَنَّ كِتَابَةَ الْمُكَاتَبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ بِعَرَضٍ مُخَالِفٍ لِمَا عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَهُوَ مَالٌ لِلسَّيِّدِ كَأَنَّهُ عَرَضٌ فِي يَدَيْهِ لَوْ شَاءَ أَنْ يَبِيعَهُ بَاعَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ عَبِيدٌ قَدْ أَبِقُوا وَفِي يَدَيْهِ مَالٌ نَاضٌّ، أَيُقَوِّمُ الْعَبِيدَ الْأُبَّاقَ فَيَجْعَلُ الدَّيْنَ فِيهِمْ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ: لِأَنَّ الْأُبَّاقَ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهُمْ وَلَا يَكُونُ دَيْنُهُ فِيهِمْ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا وَلَكِنْ هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَالثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا جَاءَتْ فِي الضِّمَارِ وَهُوَ الْمَالُ الْمَحْبُوسُ فِي الْعَيْنِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانُوا يَبْعَثُونَ الْخُرَّاصَ فِي وَقْتِ الثِّمَارِ فَيَخْرِصُونَ عَلَى النَّاسِ لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ، وَلِمَا لِلنَّاسِ فِي
стр. 215
ذَلِكَ مِنْ تَعْجِيلِ مَنَافِعِهِمْ بِثِمَارِهِمْ الْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُؤْمَرُونَ فِيهِ بِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ دَيْنٍ لِيُحَصِّلَ أَمْوَالَهُمْ، وَكَذَلِكَ السُّعَاةُ يَبْعَثُونَهُمْ فَيَأْخُذُونَ مِنْ النَّاسِ مِمَّا وَجَدُوا فِي أَيْدِيهِمْ وَلَا يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: كَانَ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهِمْ مِمَّنْ يُرْضَى وَيُنْتَهَى إلَى قَوْلِهِمْ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فِي مَشْيَخَةِ سِوَاهُمْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ أَهْلُ فِقْهٍ وَفَضْلٍ، وَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ فَأَخَذَ يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ إنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُصَدِّقُ الْمُصَدِّقُ إلَّا مَا أَتَى عَلَيْهِ لَا يَنْظُرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ وَهِيَ السُّنَّةُ.
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَصِيحُ فِي النَّاسِ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ حَتَّى تُحَصَّلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهَا الزَّكَاةَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُحْصِي دَيْنَهُ ثُمَّ يُؤَدِّي مِمَّا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ إنْ كَانَ مَا بَقِيَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ النَّضْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُول: كَانُوا لَا يَرْصُدُونَ الثِّمَارَ فِي الدَّيْنِ وَيَنْبَغِي لِلْعَيْنِ أَنْ تُرْصَدَ فِي الدَّيْنِ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ الْمُصَدِّقُ يَجِيءُ فَأَيْنَمَا رَأَى زَرْعًا قَائِمًا أَوْ إبِلًا قَائِمَةً، أَوْ غَنَمًا قَائِمَةً أَخَذَ مِنْهَا الصَّدَقَةَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ فِي يَدَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ نَاضَّةٌ فَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ مَهْرٌ لِامْرَأَتِهِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ الزَّكَاةُ؟ فَقَالَ: لَا.
قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟ فَقَالَ قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا أَفْلَسَ زَوْجُهَا حَاصَّتْ الْغُرَمَاءَ، فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا حَاصَّتْ الْغُرَمَاءَ فَهُوَ دَيْنٌ وَهَذَا مِثْلُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ عِنْدَهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَقَدْ كَانَ فَرَّطَ فِيهَا، لَمْ يُؤَدِّهَا مَنْ زَكَاةِ الْمَالِ وَالْمَاشِيَةِ وَمَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ الزَّكَاةُ؟ فَقَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ الزَّكَاةُ، إلَّا أَنْ يَبْقَى فِي يَدَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا كَانَ فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِشْرُونَ دِينَارًا فَصَاعِدًا، فَإِنْ بَقِيَ فِي يَدَيْهِ عِشْرُونَ دِينَارًا فَصَاعِدًا زَكَّاهُ.
قُلْتُ: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: هَذَا رَأْيِي وَذَلِكَ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الزَّكَاةِ: إذَا فَرَّطَ فِيهَا الرَّجُلُ ضَمِنَهَا وَإِنْ أَحَاطَتْ بِمَالِهِ فَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَعَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَةُ شَهْرٍ قَدْ كَانَ فَرَضَهَا عَلَيْهِ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِشَهْرٍ؟ فَقَالَ: يَجْعَلُ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ فِي هَذِهِ الْعِشْرِينَ الدِّينَارَ، فَإِذَا انْحَطَّتْ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَكُنْ فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي، وَلَكِنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا شَهْرًا قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ أَتْبَعَتْهُ بِنَفَقَةِ الشَّهْرِ وَعِنْدَ
стр. 216
الزَّوْجِ هَذِهِ الْعِشْرُونَ الدِّينَارَ؟ فَقَالَ: تَأْخُذُ نَفَقَتَهَا وَلَا يَكُونُ عَلَى الزَّوْجِ فِيهَا زَكَاةٌ.
قُلْتُ: وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ مَا أَنْفَقَتْ مَنْ مَالهَا وَإِنْ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا الْقَاضِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ مُوسِرٍ فَلَا يَضْمَنُ لَهَا مَا أَنْفَقَتْ، فَمَسْأَلَتُكَ أَنَّهَا أَنْفَقَتْ وَعِنْدَ الزَّوْجِ عِشْرُونَ دِينَارًا فَالزَّوْجُ يُتْبَعُ بِمَا أَنْفَقَتْ يَقْضِي لَهَا عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا، فَإِذَا قَضَى لَهَا بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَطَّتْ الْعِشْرُونَ الدِّينَارَ إلَى مَا لَا زَكَاةَ فِيهَا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَزَوْجُهَا فِي حَضَرٍ أَوْ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَمَا أَنْفَقَتْ فَهُوَ فِي مَالِ الزَّوْجِ إنْ أَتْبَعَتْهُ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ الزَّوْجُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَتْبَعَتْهُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ فَجَعَلَتْهُ فِي هَذِهِ الْعِشْرِينَ فَبَطَلَتْ الزَّكَاةُ عَنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ هَذِهِ النَّفَقَةُ الَّتِي عَلَى هَذَا الزَّوْجِ الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ إنَّمَا هِيَ نَفَقَةُ وَالِدَيْنِ أَوْ وَلَدٍ؟ فَقَالَ: لَا تَكُونُ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ دَيْنًا أُبْطِلُ بِهِ الزَّكَاةَ عَنْ الرَّجُلِ، لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدَ إنَّمَا تَلْزَمُ النَّفَقَةُ لَهُمْ إذَا ابْتَغَوْا ذَلِكَ، وَإِنْ أَنْفَقُوا ثُمَّ طَلَبُوهُ بِمَا أَنْفَقُوا لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَنْفَقُوا وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَالْمَرْأَةُ تُلْزِمُهُ مَا أَنْفَقَتْ قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَهُ بِالنَّفَقَةِ إنْ كَانَ مُوسِرًا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَدْ فَرَضَ لِلْأَبَوَيْنِ نَفَقَةً مَعْلُومَةً فَلَمْ يُعْطِهِمَا ذَلِكَ شَهْرًا وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَا عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ بَعْدَ هَذَا الشَّهْرِ أَتُجْعَلُ نَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ هَهُنَا دَيْنًا فِيمَا فِي يَدَيْهِ إذَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي؟
قَالَ: لَا.
قَالَ أَشْهَبُ: أَحُطُّ عَنْهُ بِهِ الزَّكَاةَ وَأُلْزِمُهُ ذَلِكَ إذَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الْأَبَوَيْنِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَهُمَا إنَّمَا تَكُونُ إذَا طَلَبَا ذَلِكَ وَلَا يُشْبِهَانِ الْوَلَدَ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ بِمَا تَدَايَنَ بِهِ الْوَلَدُ أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَيَحُطُّ بِذَلِكَ عَنْهُ الزَّكَاةَ كَانَتْ بِفَرِيضَةٍ مِنْ الْقَاضِي أَوْ لَمْ تَكُنْ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُمْ عَنْ الْوَالِدِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ أَوَّلِ مَا كَانُوا حَتَّى يَبْلُغُوا، وَالْوَالِدَيْنِ قَدْ كَانَتْ نَفَقَتُهُمَا سَاقِطَةً فَإِنَّمَا تَرْجِعُ نَفَقَتُهُمَا بِالْفِضَّةِ، وَالْحُكْمُ مِنْ السُّلْطَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا كَانَتْ عِنْدَهُ دَنَانِيرُ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَعَلَيْهِ إجَارَةُ أُجَرَاءَ قَدْ عَمِلُوا عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَى مَا عِنْدَهُ الْحَوْلُ، أَوْ كِرَاءُ إبِلٍ أَوْ دَوَابَّ أَيَجْعَلُ ذَلِكَ الْكِرَاءَ وَالْإِجَارَةَ فِيمَا فِي يَدَيْهِ مَنْ النَّاضِّ ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُرُوضٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْعَامِلِ إذَا عَمِلَ بِالْمَالِ قِرَاضًا سَنَةً فَرَبِحَ رِبْحًا، وَعَلَى الْعَامِلِ الْمُقَارَضِ دَيْنٌ فَاقْتَسَمَاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَأَخَذَ الْعَامِلُ رِبْحَهُ، هَلْ تَرَى عَلَى الْعَامِلِ فِي حَظِّهِ زَكَاةً وَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ عُرُوضٌ فِيهَا وَفَاءٌ بِدِينِهِ فَيَكُونُ دَيْنُهُ فِي الْعُرُوضِ وَيَكُونُ فِي رِبْحِهِ هَذَا الزَّكَاةُ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عُرُوضٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي رِبْحِهِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ يُحِيطُ بِرِبْحِهِ
стр. 217
كُلِّهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، إنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُمَا عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، حَتَّى تُحَصَّلَ أَمْوَالُكُمْ، فَتُؤَدُّونَ مِنْهَا الزَّكَاةَ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ الَّذِي تُؤَدُّونَ فِيهِ زَكَاتَكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِ دَيْنَهُ فَإِنْ فَضَلَ عِنْدَهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلْيُؤَدِّ زَكَاتَهُ، ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ يَزِيدَ بْنَ خُصَيْفَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ، أَعَلَيْهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَنَافِعٍ مِثْلَ قَوْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ الدَّرَاهِمَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِنْهَا؟ فَقَالَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ.
[زَكَاة الْقِرَاض]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَأْخُذُ مَالًا قِرَاضًا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةُ الرِّبْحِ وَرَأْسُ الْمَالِ، أَوْ زَكَاةُ الرِّبْحِ وَرَأْسُ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ زَكَاةَ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامِلَ لَوْ لَمْ يَرْبَحْ فِي الْمَالِ إلَّا دِينَارًا وَاحِدًا وَكَانَ الْقِرَاضُ أَرْبَعِينَ دِينَارًا فَأَخْرَجَ ذَلِكَ الدِّينَارَ فِي الزَّكَاةِ، لَذَهَبَ عَمَلُهُ بَاطِلًا فَلَا يَجُوزُ هَذَا، قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ الرِّبْحِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، وَيَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةَ الرِّبْحِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ جُزْءًا مُسَمًّى كَأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ عَشَرَةٍ وَلِرَبِّ الْمَالِ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ عَشَرَةٍ، وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ الْجُزْءُ الْبَاقِي يُخْرِجُهُ مِنْ الرِّبْحِ عَنْهَا لِلزَّكَاةِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَطَ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ الزَّكَاةَ عَلَى رَبِّ الْأَصْلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ جُزْءًا مُسَمًّى وَهُوَ خَمْسَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ عَشَرَةٍ، وَلِرَبِّ الْمَالِ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ وَالْجُزْءُ الْفَاضِلُ فِي الزَّكَاةِ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا إنَّهُ لَا خَيْرَ فِي اشْتِرَاطِ زَكَاةِ الرِّبْحِ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا فِي الْمُسَاقَاةِ أَيْضًا، لِأَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ رُبَّمَا كَانَ أَصْلُهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَرُبَّمَا اغْتَرَقَهُ الدَّيْنُ فَأَبْطَلَ الزَّكَاةَ وَالْمُسَاقَاةُ رُبَّمَا لَمْ يُخْرِجْ الْحَائِطُ إلَّا أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ وَرُبَّمَا أَخْرَجَ عَشَرَةً، فَتَخْتَلِفُ الْأَجْزَاءُ فَيَصِيرُ الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ جُزْءٍ مُسَمًّى.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْمَالَ إلَى الرَّجُلِ قِرَاضًا فَيَتَّجِرُ بِهِ إلَى بَلَدٍ فَيَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أَتَرَى أَنْ يُخْرِجَ زَكَاتَهُ الْمُقَارَضُ؟
قَالَ: لَا حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى
стр. 218
الرَّجُلِ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْمُقَارَضَ إذَا أَخَذَ رِبْحَهُ وَإِنَّمَا عَمِلَ فِي الْمَالِ شَهْرًا وَاحِدًا، فَكَانَ رِبْحُهُ الَّذِي أَخَذَ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا؟ فَقَالَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَيَسْتَقْبِلُ بِمَا أَخَذَ مِنْ رِبْحِهِ سَنَةً مِنْ ذِي قَبْلُ بِمَنْزِلَةِ الْفَائِدَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّكَاةُ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ إذَا عَمِلَ بِهِ سَنَةً مِنْ يَوْمِ أَخَذَهُ، فَيَكُونُ فِي الْمَالِ الزَّكَاةُ، كَانَتْ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ ذَلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ فَهُوَ سَوَاءٌ، يُؤَدِّي الزَّكَاةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ إذَا عَمِلَ بِهِ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ حَالِ عَلَى الْعَامِلِ مِنْ يَوْمِ قَبَضَ الْمَالَ حَوْلٌ وَأَخَذَ رِبْحَهُ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَغْتَرِقُ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَحُلْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَامِلِ أَيْضًا فِي حِصَّتِهِ زَكَاةٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْمَالِ مِنْ يَوْمِ أَخَذَهُ، لِأَنَّ أَصْلَ الْمَالِ لَا زَكَاةَ فِيهِ حِينَ كَانَ الدَّيْنُ أَوْلَى بِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي نَخْلَةً فَيَصِيرُ لِلْعَامِلِ فِي الثَّمَرِ أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ حَظُّهُ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّدَقَةُ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُزَكِّي مَالَهُ ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلَى رَجُلٍ يَعْمَلُ بِهِ قِرَاضًا فَيَعْمَلُ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ أَقَلَّ مَنْ الْحَوْلِ، فَيَقْتَسِمَانِ فَيَدْفَعُ الْعَامِلُ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ وَيَأْخُذُ هُوَ رِبْحَهُ، وَفِيمَا صَارَ لِلْعَامِلِ مَا يَكُونُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا يَكُونُ فَيَحُولُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَرِبْحِهِ الْحَوْلُ فَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ، هَلْ تَرَى عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمَالِ فِيمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِمَّا أَخَذَ مِنْ رِبْحِهِ زَكَاةً؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَاسَمَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَى الْعَامِلِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ زَكَّاهُ رَبُّهُ وَدَفَعَ الْعَامِلُ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ. قَالَ: يَسْتَقْبِلُ الْعَامِلُ بِمَا فِي يَدَيْهِ سَنَةً مُسْتَقْبَلَةً لِأَنَّهَا فِي هَذَا الْوَجْهِ فَائِدَةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الزَّكَاةُ إلَّا أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عِنْدَهُ مِنْ يَوْمِ قَبَضَ رِبْحَهُ وَفِيهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
قَالَ: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْحُرِّ يَأْخُذُ مِنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مَالًا قِرَاضًا فَيَعْمَلُ فِيهِ سَنَةً، فَيُقَاسِمُهُ فَيَصِيرُ فِي يَدَيْ الْحُرِّ الْعَامِلِ رِبْحٌ فِيهِ الزَّكَاةُ هَلْ تَرَى عَلَيْهِ فِي رِبْحِهِ الزَّكَاةَ؟ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ، لِأَنَّ أَصْلَ الْمَالِ كَانَ لِلْعَبْدِ وَلَا زَكَاةَ فِي أَمْوَالِ الْعَبِيدِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الْمَالِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ هَذَا الْمُقَارِضُ الزَّكَاةُ، كَانَ رِبْحُهُ فَائِدَةً فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
[زَكَاةِ تِجَارَةِ الْمُسْلِمِينَ]
فِي زَكَاةِ تِجَارَةِ الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ: أَكَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ إذَا اتَّجَرُوا الزَّكَاةُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَفِي بِلَادِهِمْ أَمْ إذَا خَرَجُوا مِنْ بِلَادِهِمْ؟ فَقَالَ: فِي بِلَادِهِمْ عِنْدَهُ وَغَيْرِ بِلَادِهِمْ سَوَاءٌ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ.
قُلْتُ: فَيَسْأَلُهُمْ إذَا أَخَذَ مِنْهُمْ الزَّكَاةَ هَذَا
стр. 219
الَّذِي يَأْخُذُ عَمَّا فِي بُيُوتِهِمْ مِنْ نَاضِّهِمْ فَيَأْخُذُ زَكَاتَهُ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى إنْ كَانَ الْوَالِي عَدْلًا أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قُلْتُ: أَفَيَسْأَلُ عَنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ النَّاضِّ إذَا لَمْ يَتَّجِرُوا؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إذَا أَعْطَاهُ عَطَاءً: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ أَخَذَ مِنْ عَطَائِهِ زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ " لَا " أَسْلَمَ إلَيْهِ عَطَاءَهُ وَلَا أَرَى أَنْ يَبْعَثَ فِي ذَلِكَ أَحَدًا، وَإِنَّمَا إلَى أَمَانَةِ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ.
قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ أَيْنَ يُنْصَبُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْعُشُورَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي رَأَيْتُهُ فِيمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُعْجِبُهُ أَنْ يُنْصَبَ لِهَذِهِ الْمُكُوسِ أَحَدٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ بَنِي الْقَارَةِ حَلِيفٍ لِبَنِي زُهْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَامِلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَضَعَ الْمَكْسَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْمَكْسِ وَلَكِنَّهُ الْبَخْسُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء: ١٨٣] وَمَنْ أَتَاكَ بِصَدَقَةٍ فَاقْبَلْهَا مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يَأْتِكَ بِهَا فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ، وَالسَّلَامُ قُلْتُ: أَلَيْسَ إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنْ تَجَرُوا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَهُمْ خِلَافُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَنْ تَجَرَ وَمَنْ لَمْ يَتْجُرْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ مِصْرَ بِتِجَارَةٍ إلَى الْمَدِينَةِ، أَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ مَا فِي يَدَيْهِ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ؟ فَقَالَ: لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ إذَا بَاعَ أَدَّى الزَّكَاةَ.
قَالَ: وَلَا يُقَوَّمُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، فَإِذَا بَاعُوا أَخَذَ مِنْهُمْ الْعُشْرَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدِمَ بِتِجَارَةٍ، فَقَالَ هَذَا الَّذِي مَعِي مُضَارَبَةٌ أَوْ بِضَاعَةٌ أَوْ عَلَيَّ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَحُلْ عَلَى مَا عِنْدِي الْحَوْلُ أَيُصَدَّقُ وَلَا يُحَلَّفُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، يُصَدَّقُ وَلَا يُحَلَّفُ.
[تَعْشِيرُ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ إذَا اتَّجَرَ فِي بَلْدَةٍ مِنْ أَعْلَاهَا إلَى أَسْفَلِهَا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بِلَادِهِ إلَى غَيْرِهَا؟ فَقَالَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ كُرُومِهِمْ وَلَا مِنْ زُرُوعِهِمْ وَلَا مِنْ مَاشِيَتِهِمْ وَلَا مِنْ نَخْلِهِمْ شَيْءٌ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَلْدَةٍ إلَى غَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ تَاجِرًا لَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ مِمَّا حَمَلَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ حَتَّى يَبِيعَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ مَتَاعَهُ إلَى بِلَادٍ أَوْ يَرْتَحِلَ بِهِ إلَى بِلَادٍ أُخْرَى فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا إذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ بِحَالِ مَا
стр. 220
دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَبِعْ فِي بِلَادِهِمْ شَيْئًا وَلَمْ يَشْتَرِ عِنْدَهُمْ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى عِنْدَهُمْ شَيْئًا بِمَالٍ نَاضٍّ كَانَ مَعَهُ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ مَكَانَهُ مِنْ السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَى حِينَ اشْتَرَى.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هُوَ بَاعَ مَا اشْتَرَى بَعْدَمَا أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ حِينَ كَانَ اشْتَرَاهُ، أَيُؤْخَذُ مِنْ ثَمَنِهِ أَيْضًا الْعُشْرُ؟
قَالَ: لَا وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَهُمْ سِنِينَ بَعْدَ الَّذِي أَخَذُوا مِنْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ بِلَادِهِمْ بِمَا قَدْ اشْتَرَى فِي بِلَادِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَخَذُوا الْعُشْرَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ اشْتَرَى وَبَاعَ مِرَارًا بَعْدَمَا أَخَذُوا مِنْهُ الْعُشْرَ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيمَا اشْتَرَى مِمَّا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ بِلَادِهِمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ مَالٍ نَاضٍّ إنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ بِمَتَاعٍ مَتَى يُؤْخَذُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: إذَا بَاعَهُ: قُلْتُ: فَإِذَا بَاعَهُ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ مَكَانَهُ مِنْ ثَمَنِ الْمَتَاعِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى بَعْدَ ذَلِكَ وَبَاعَ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي النَّاضِّ، الَّذِي دَخَلَ بِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النَّصْرَانِيِّ، يُكْرِي إبِلَهُ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ أَيُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كِرَائِهِ الْعُشْرُ بِالْمَدِينَةِ إذَا دَخَلَهَا؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَكْرَى مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ رَاجِعًا، أَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ بِالْمَدِينَةِ إذَا أَكْرَاهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ
قُلْتُ: فَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا نَزَلُوا بِالتِّجَارَةِ؟ فَقَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فِي سِلَعِهِمْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ عُشْرٌ وَلَا غَيْرُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الذِّمِّيَّ إذَا خَرَجَ بِمَتَاعٍ إلَى الْمَدِينَةِ فَبَاعَ بِأَقَلَّ مَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا تَجَرَ عَبِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ أُخِذَ مِنْهُمْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ سَادَاتِهِمْ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا تَجَرَ الذِّمِّيُّ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ مَا يَحْمِلُ إذَا بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ، بَزًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْعُرُوضِ عَلَى مَا فَسِرْتُ لَكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، حَدَّثَهُمَا عَنْ رَبِيعَةَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَّجِرُونَ إلَى الْمَدِينَةِ: إنْ تَجَرْتُمْ فِي بِلَادِكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ زَكَاةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ إلَّا جِزْيَتُكُمْ الَّتِي فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ وَضَرَبْتُمْ فِي الْبِلَادِ وَأَدَرْتُمْ أَمْوَالَكُمْ أَخَذْنَا مِنْكُمْ وَفَرَضْنَا عَلَيْكُمْ كَمَا فَرَضْنَا جِزْيَتَكُمْ، فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ مِنْ كُلِّ مَا جَلَبُوا مِنْ الطَّعَامِ نِصْفَ الْعُشْرِ كُلَّمَا قَدِمُوا بِهِ مِنْ مَرَّةٍ، وَلَا يَكْتُبُ لَهُمْ بَرَاءَةً كَمَا يَكْتُبُ لِلْمُسْلِمِينَ إلَى الْحَوْلِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ كُلَّمَا جَاءُوا وَإِنْ جَاءُوا فِي السَّنَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ وَلَا يَكْتُبُ لَهُمْ بَرَاءَةً بِمَا أَخَذَ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ، وَقَالَ سَحْنُونٌ وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ " فِي تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرُ ". وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، إنَّمَا هُوَ مَا رَاضَاهُمْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ مَعْلُومٌ.
стр. 221
[مَا جَاءَ فِي الْجِزْيَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ أَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي جِزْيَتِهِمْ الصَّدَقَةُ مُضَاعَفَةً؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا أَحْفَظُهُ، قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مُضَاعَفَةً عِنْدَ مَالِكٍ مَا جَهِلْنَاهُ وَلَكِنْ لَا نَعْرِفُهُ، قَالَ: وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُ هَذَا، قُلْتُ: أَفَتَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ جَمَاجِمِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِهِ فِي هَذَا شَيْئًا وَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، قَالَ أَشْهَبُ: وَعَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﵎ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَنْ لَا كِتَابَ لَهُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» ، وَذَلِكَ السُّنَّةُ وَالْأَمْرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِنْهُ قَوْلُ غَيْرِهِ وَالْمَعْنَى كُلُّهُ وَاحِدٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ إذَا أَعْتَقَهُ الْمُسْلِمُ أَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْمُعْتَقِ النَّصْرَانِيِّ الْجِزْيَةُ؟ فَقَالَ: لَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ جَعَلْتُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ لَكَانَ الْعِتْقُ إذًا أَضَرُّ بِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ الْعِتْقُ شَيْئًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ أَتَكَوُّنُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ الْجِزْيَةُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ تُجْعَلُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَالِكًا وَهُوَ يَقُولُ: تُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ النَّصَارَى إذَا تَجَرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ الْعُشْرُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ تَمْضِي السَّنَةُ بِهِ فَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ جِزْيَةٌ حَتَّى أَسْلَمَ أَتُؤْخَذُ جِزْيَةُ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ أَسْلَمَ أَمْ لَا؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ حِصْنٍ هَادَنُوا الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَيْئًا مَعْلُومًا فَأَعْطَوْهُمْ سَنَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَسْلَمُوا، قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُوضَعَ عَنْهُمْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا فِي مَسْأَلَتِكَ وَهُوَ عِنْدِي مِثْلُهُ لَا أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ شَيْءٌ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَالَ الَّذِي هَادَنَهُمْ عَلَيْهِ أَيَخْمُسُ أَمْ مَاذَا يُصْنَعُ بِهِ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَاهُ مِثْلَ الْجِزْيَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ، أَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْ جُمْجُمَتِهِ وَعَنْ أَرْضِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ أَرْضُهُ أَرْضَ صُلْحٍ سَقَطَتْ الْجِزْيَةُ عَنْهُ وَعَنْ أَرْضِهِ وَتَكُونُ أَرْضُهُ لَهُ، قَالَ: وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ عَنْوَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْضُهُ وَلَا مَالُهُ وَلَا دَارُهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، فِي مُسْلِمٍ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَذِمَّتُهُ ذِمَّةُ مَوْلَاهُ.
قَالَ أَشْهَبُ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ فِي النَّصْرَانِيِّ يُعْتَقُ: لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَسِّرْ مَنْ أَعْتَقَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، إنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَضَعُوا الْجِزْيَةَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ حِينَ
стр. 222
يُسْلِمُونَ، قَالَ مَالِكٌ: وَهِيَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ يَكْرَهُونَ بَيْعَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ أَرْضُهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذِئْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لِنَصَارَى كَلْبٍ وَتَغْلِبَ. لَا نَأْخُذُ مِنْكُمْ الصَّدَقَةَ وَعَلَيْكُمْ الْجِزْيَةُ، فَقَالُوا: أَتَجْعَلُنَا كَالْعَبِيدِ؟ قَالَ: لَا نَأْخُذُ مِنْكُمْ إلَّا الْجِزْيَةَ. قَالَ: فَتُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ﵀ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ إنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ اشْتَرَى مِنْ أَهْلِ سَوَادِ الْكُوفَةِ أَرْضًا لَهُمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ رِضَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَهُ الْأَشْعَثُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي اشْتَرَيْتُ أَرْضًا بِسَوَادِ الْكُوفَةِ وَاشْتَرَطُوا عَلَيَّ إنْ أَنْتَ رَضِيَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: مِمَّنْ اشْتَرَيْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَقَالَ: عُمَرُ: كَذَبْتَ وَكَذَبُوا لَيْسَتْ لَكَ وَلَا لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ عُمَرَ نَهَى أَنْ يُشْتَرَى رَقِيقُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَرْضُهُمْ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: لَا نَشْتَرِي أَرْضًا مِنْ دُونِ الْجَبَلِ إلَّا مِنْ بَنِي صُلِّيَتَا وَأَهْلِ الْحِيرَةِ فَإِنَّ لَهُمْ عَهْدًا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: ضَعُوا الْجِزْيَةَ عَنْ أَرْضِي، فَقَالَ عُمَرُ: لَا إنَّ أَرْضَكَ أُخِذَتْ عَنْوَةً. قَالَ: ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ أَسْلَمَ، فَقَالَ: ارْفَعْ عَنْ أَرْضِي الْخَرَاجَ، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ أَرْضَكَ أُخِذَتْ عَنْوَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنَّ أَرْضَ كَذَا وَكَذَا لَتُطِيق أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ إنَّمَا صَالَحْنَاهُمْ.
[أَخْذُ الْإِمَامِ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَانِعِ زَكَاتَهُ]
ُ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَعْلَمُ الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ النَّاضِّ، أَتَرَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ؟ فَقَالَ: إذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْمًا مِنْ الْخَوَارِجِ غَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَلَمْ يُؤَدُّوا زَكَاةَ مَوَاشِيهِمْ أَعْوَامًا، أَيَأْخُذُ مِنْهُمْ الْإِمَامُ إذَا كَانَ عَدْلًا زَكَاةَ تِلْكَ السِّنِينَ إذَا ظَفِرَ بِهِمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَزَكَاةُ الثِّمَارِ وَالْحَبِّ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَ هَذَا، وَإِنَّمَا سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَقُولُوا قَدْ أَدَّيْنَا مَا قِبَلَنَا لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَرَّ بِزَكَاتِهِ، وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ خَرَجُوا عَلَى التَّأْوِيلِ إلَّا صَدَقَةَ الْعَامِ الَّذِي ظَفِرَ بِهِمْ فِيهِ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ.
стр. 223
[تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ حُلُولَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعَجِّلُ زَكَاةَ مَالِهِ فِي الْمَاشِيَةِ وَفِي الْإِبِلِ أَوْ فِي الْمَالِ لِسَنَةٍ أَوْ لِسَنَتَيْنِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ، قَالَ: لَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قُرْبَ الْحَوْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَفْعَلَ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعَجِّلُ صَدَقَةَ مَاشِيَتِهِ لِسِنِينَ ثُمَّ يَأْتِيهِ الْمُصَدِّقُ، أَيَأْخُذُ مِنْهُ صَدَقَةَ مَاشِيَتِهِ أَمْ يُجْزِئُهُ مَا عَجَّلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُ مَا عَجَّلَ مِنْ ذَلِكَ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ زَكَاةَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ مَاشِيَتِهِ، قَالَ أَشْهَبُ وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّ الَّذِي أَدَّاهَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَارَبَ ذَلِكَ فَلَا تُجْزِئُهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُصَلِّي الظُّهْرَ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ.
وَقَالَ اللَّيْثُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ بِثَلَاثَةٍ. قَالَ أَشْهَبُ عَنْ اللَّيْثِ، إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ الْفَهْمِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهَا يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يُخْرِجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .
[دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الْإِمَامِ]
ِ الْعَدْلِ أَوْ غَيْرِ الْعَدْلِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَعْدِلُ لَمْ يَسَعْ الرَّجُلَ أَنْ يُفَرَّقَ زَكَاةَ مَالِهِ النَّاضِّ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَدْفَعُ زَكَاةَ النَّاضِّ إلَى الْإِمَامِ وَيَدْفَعُهُ الْإِمَامُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَمَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَبْعَثُ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْمًا مِنْ الْخَوَارِجِ غَلَبُوا عَلَى بَلْدَةٍ فَأَخَذُوا الصَّدَقَاتِ وَالْخَرَاجَ ثُمَّ قُتِلُوا، أَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ وَالصَّدَقَاتُ مِنْهُمْ مَرَّةً أُخْرَى؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ ثَانِيَةً.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، إنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَعْدَ بْنَ مَالِكٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالُوا كُلُّهُمْ: يُجْزِئُ مَا أَخَذُوا وَإِنْ فَعَلُوا قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: يَحْتَسِبُ بِمَا أَخَذَ الْعَاشِرُ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلِهِ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالْحَسَنِ قَالَا: مَا أَعْطَيْتَ فِي الْجُسُورِ وَالطُّرُقِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مَاضِيَةٌ، قَالَ الْحَسَنُ: مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَحْبِسَهَا عَنْهُمْ حَتَّى تَضَعَهَا حَيْثُ أَمَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى فَافْعَلْ.
[الْمُسَافِرِ إذَا حَلَّتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي السَّفَرِ]
فِي الْمُسَافِرِ تَحِلُّ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي السَّفَرِ قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمُسَافِرِ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ فِي سَفَرِهِ، أَيُقَسِّمُهَا فِي سَفَرِهِ
стр. 224
فِي غَيْرِ بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ مَالُهُ وَرَاءَهُ فِي بَلَدِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ يَخَافُ أَنْ يَحْتَاجَ فِي سَفَرِهِ وَلَا قُوتَ مَعَهُ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَقْدُمَ بَلَدَهُ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ حَتَّى يَقْدُمَ إلَى بِلَادِهِ، أَتَرَى أَنْ يُقَسِّمَ زَكَاتَهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَيَخْرُجُ إلَى الْمَدِينَةِ بِتِجَارَةٍ وَهُوَ مِمَّنْ يُدِيرُ التِّجَارَةَ وَلَهُ مَالٌ نَاضٌّ بِمِصْرَ وَمَالٌ بِالْحِجَازِ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُزَكِّيَ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ مَا مَعَهُ وَمَا خَلَّفَهُ بِمِصْرَ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: فَإِنْ كَانَ مَالُهُ خَلَّفَهُ بِمِصْرَ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يُسَلِّفَهُ زَكَاتَهُ حَيْثُ هُوَ؟
قَالَ: فَلْيَتَسَلَّفْ وَلْيُؤَدِّ حَيْثُ هُوَ، قَالَ فَقُلْنَا لَهُ: فَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ وَلَيْسَ مَعَهُ قُوتُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلْيُؤَخِّرْ ذَلِكَ حَتَّى يَقْدُمَ بَلَدَهُ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ يُقَسِّمُ فِي بِلَادِهِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ كُبَرَاءِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُوَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ مَالُهُ وَرَاءَهُ فِي بِلَادِهِ وَكَانَ يُقَسِّمُ فِي بِلَادِهِ عَاجِلًا عِنْدَ حَوْلِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا أَرَى أَنْ يُقَسِّمَهَا فِي سَفَرِهِ. وَأَرَى أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِأَهْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ حَاجَةٌ مُفْدِحَةٌ وَنَازِلَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَحَبُّ إلَيَّ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ إنْ كَانَ يَجِدُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ مَالِهِ بِبَلَدِهِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ.
[إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ صَدَقَةَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ مِنْ الْحَبِّ وَالْقُطْنِيَّةِ أَوْ الثِّمَارِ، أَتُنْقَلُ هَذِهِ الزَّكَاةُ مَنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ، قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَيْنَ تُقَسَّمُ؟ فَقَالَ: فِي أَهْلِ الْبَلَدِ الَّتِي تُؤْخَذُ فِيهَا الصَّدَقَةُ، وَفِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْهُمْ فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمْ فَضْلٌ نُقِلَتْ إلَى أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ إلَيْهِمْ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمُدُنِ كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَبَلَغَ الْإِمَامَ عَنْ بَلَدٍ آخَرَ حَاجَةٌ نَزَلَتْ بِهِمْ أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ أَذْهَبَتْ مَوَاشِيَهُمْ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَنُقِلَتْ إلَيْهِمْ بَعْضُ تِلْكَ الصَّدَقَةِ، رَأَيْتَ ذَلِكَ صَوَابًا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُسْوَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ الْحَاجَةُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ حَلَّتْ زَكَاتُهُ عَلَيْهِ، وَمَالُهُ بِمِصْرَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، أَتَرَى أَنْ يُقَسِّمَ زَكَاتَهُ بِالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ زَكَاتَهُ فَبَلَغَهُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَاجَةٌ. فَبَعَثَ إلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ مَا رَأَيْتَ بِذَلِكَ بَأْسًا.
قُلْتُ: وَرَأَيْتُهُ صَوَابًا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: تُقَسَّمُ الصَّدَقَةُ فِي مَوَاضِعِهَا، فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ فَأَقْرَبُ الْبُلْدَانِ إلَيْهِمْ وَقَدْ نَقَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ أَشْهَبُ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بِمِصْرَ عَامَ الرَّمَادَةِ، يَا غَوْثَاهُ يَا غَوْثَاهُ لِلْعَرَبِ جَهِّزْ إلَيَّ عِيرًا يَكُونُ أَوَّلُهَا عِنْدِي وَآخِرُهَا عِنْدَكَ، تَحْمِلُ الدَّقِيقَ فِي الْعَبَاءِ فَكَانَ عُمَرُ يُقَسِّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا
стр. 225
يَرَى، وَيُوَكِّلُ عَلَى ذَلِكَ رِجَالًا وَيَأْمُرُهُمْ بِحُضُورِ نَحْرِ تِلْكَ الْإِبِلِ، وَيَقُولُ: إنَّ الْعَرَب تُحِبُّ الْإِبِلَ فَأَخَافُ أَنْ يَسْتَحْيُوهَا، فَلْيَنْحَرُوهَا وَلْيَأْتَدِمُوا بِلُحُومِهَا وَشُحُومِهَا وَلْيَلْبَسُوا الْعَبَاءَ الَّذِي أُتِيَ فِيهَا بِالدَّقِيقِ.
[زَكَاةُ الْمَعَادِنِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي زَكَاةِ الْمَعَادِنِ: إذَا أَخْرَجَ مِنْهَا وَزْنَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ وَزْنَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ مَكَانَهُ وَلَمْ يُؤَخِّرْ، وَمَا خَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ أُخِذَ مِنْهُ بِحِسَابِ ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَ رُبْعُ عُشْرِهِ إلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ نَيْلُ ذَلِكَ الْغَارِ، ثُمَّ يَعْمَلُ فِي طَلَبِهِ أَوْ يَبْتَدِئُ فِي شَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ يُدْرِكُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ فِيمَا يُصِيبُ وَزْنُ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ وَزْنُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، قَالَ: وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الزَّرْعِ إذَا رُفِعَ مِنْ الْأَرْضِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أُخِذَ مِنْهُ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَعَادِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَيُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ؟ فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَعَادِنِ: مَا نِيلَ مِنْهَا بِعَمَلٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، فَقِيلَ لَهُ: فَالنَّدْرَةُ تُوجَدُ فِي الْمَعَادِنِ مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ عَمَلٍ؟
قَالَ: أَرَى فِيهَا الْخُمْسَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ تُكُلِّفَ فِيهَا عَمَلٌ؟
قَالَ: وَدَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ يُتَكَلَّفُ فِيهِ عَمَلٌ، فَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ خَفِيفًا ثُمَّ وَجَدَ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ مِنْ النَّدْرَةِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ الَّتِي تَنْدُرُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنِّي أَرَى فِيهَا الْخُمْسَ وَلَا أَرَى فِيهَا الزَّكَاةَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَا نِيلَ مِنْ الْمَعْدِنِ بِعَمَلٍ يُتَكَلَّفُ فِيهِ، وَكَانَتْ فِيهِ الْمُؤْنَةُ حَتَّى أَصَابَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ مِنْ النَّدْرَةِ فَإِنَّمَا فِيهِ الزَّكَاةُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَا نِيلَ مَنْ الْمَعْدِنِ مِمَّا لَا يُتَكَلَّفُ فِيهِ عَمَلٌ أَوْ تُكُلِّفَ فِيهِ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَأُصِيبَ فِيهِ مِثْلُ هَذِهِ النَّدْرَةِ، فَفِيهِ الْخُمْسُ وَمَا تُكُلِّفَ فِيهِ الْعَمَلُ وَالْمُؤْنَةُ وَالطَّلَبُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ.
قَالَ أَشْهَبُ، وَقَالَ فِي الْمَعْدِنِ: يُوجَدُ فِيهِ الذَّهَبُ النَّابِتُ لَا عَمَلَ فِيهِ، فَقَالَ لِي: كُلَّمَا كَانَ مِنْ الْمَعَادِنِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، إلَّا مَا لَمْ يُتَكَلَّفْ فِيهَا مِنْ الْمُؤْنَةِ فَفِيهَا الْخُمْسُ، فَكَذَلِكَ مَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ نَابِتًا لَا عَمَلَ فِيهِ يَكُونُ رِكَازًا فَفِيهِ الْخُمْسُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَعَادِنَ تَظْهَرُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ؟ فَقَالَ: مَا زَالَتْ الْمَعَادِنُ تَظْهَرُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ وَيَعْمَلُ فِيهَا النَّاسُ. وَتَكُونُ زَكَاتُهَا لِلسُّلْطَانِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ مَعَادِنُ كَثِيرَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَمَا رَأَيْتُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ يَخْتَلِفُ وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: وَلَوْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ لَعَلِمْنَا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَا شَأْنُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا ظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا شَأْنٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَعَادِنِ الْبَرْبَرِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي أَرْضِهِمْ؟ فَقَالَ: أَرَى ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ يَلِيهَا وَيَقْطَعُ بِهَا لِمَنْ يَلِيهَا وَيَأْخُذُ مِنْهَا الزَّكَاةَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَالِكٍ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ الْمَعْدِنِ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ بَعْدَمَا يَخْرُجُ ذَهَبُهُ أَوْ فِضَّتُهُ.
قُلْتُ: فَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ خُمْسُهُ الَّذِي يَنَالُهُ بِغَيْرِ
стр. 226
عَمَلٍ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِضَّةٌ كُلُّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ خُمْسُهُ إذَا خَرَجَ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: يُؤْخَذُ مِمَّا خَرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُنْظَرْ فِي دَيْنِهِ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ يَبْلُغُ مَا يَخْرُجُ لَهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا، قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ الزَّرْعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ لِمَ جَعَلَ مَالِكٌ فِيهِ الزَّكَاةَ، وَهُوَ إنْ كَانَ مَغْنَمًا إنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخُمْسُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّمَا هُوَ فَائِدَةٌ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا هُوَ مِثْلُ الزَّرْعِ إذَا حُصِدَ كَانَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ مَكَانَهُ إذَا كَانَ فِيهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يَنْتَظِرُ بِهِ شَيْئًا إذَا حُصِدَ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَعْدِنُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يَبْلُغُ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الزَّكَاةُ، زُكِّيَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّهَا لَمَّا كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَكَانَتْ تُعْتَمَلُ كَمَا يُعْتَمَلُ الزَّرْعُ وَكَانَ أَصْلُهُ النَّبَاتَ كَنَبَاتِ الزَّرْعِ جَعَلْتُهُ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فَكَمَا كَانَ يَكُونُ فِي الزَّرْعِ زَكَاتُهُ إذَا حُصِدَ وَإِنْ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ إذَا بَلَغَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ كَانَ فِي الْمَعْدِنِ الزَّكَاةُ مَكَانَهُ حِينَ أَخْرَجَهُ وَصَفَّاهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ إخْرَاجِهِ أَوْ مِنْ يَوْمِ عَمِلَ فِيهِ إذَا بَلَغَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْآثَارِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ زَكَاةَ الْمَعْدِنِ أَتُفَرَّقُ فِي الْفُقَرَاءِ كَمَا تُفَرَّقُ الزَّكَاةُ أَمْ تَصِيرُ مِثْلَ الْجِزْيَةِ؟ فَقَالَ: بَلْ تُفَرَّقُ فِي الْفُقَرَاءِ كَمَا تُفَرَّقُ الزَّكَاةُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: لَمَّا قَالَ مَالِكٌ فِيمَا أَخْرَجَ مِنْ الْمَعَادِنِ الزَّكَاةَ، وَمَحْمَلُهُ كَمَحْمَلِ الزَّرْعِ، عَلِمْنَا أَنَّهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَهُوَ مِثْلُ الزَّكَاةِ، مَحْمَلُهُ كَمَحْمَلِ الزَّكَاةِ.
قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ حَدَّثُوهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ مَعَادِنَ مِنْ مَعَادِنِ الْقَبَلِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرُغِ فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا الزَّكَاةُ إلَى الْيَوْمِ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الْمَعَادِنِ رُبْعَ الْعُشْرِ، إلَّا أَنْ تَأْتِيَ نَدْرَةٌ فَيَكُونُ فِيهَا الْخُمْسُ كَانَ يَعُدُّ النَّدْرَةَ الرِّكْزَةَ فَيَخْمِسُهَا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» . قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَالرِّكْزَةُ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ النَّدْرَةَ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ يَقَعُ عَلَيْهَا لَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ مُؤْنَةٍ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ يَذْكُرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الْمَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ.
[مَعَادِنُ أَرْضِ الصُّلْحِ وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَعَادِنَ تَظْهَرُ فِي أَرْضٍ صَالَحَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا؟
قَالَ: أَمَّا مَا ظَهَرَ فِيهَا مِنْ
стр. 227
الْمَعَادِنِ فَتِلْكَ لِأَهْلِهَا، لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا النَّاسَ أَنْ يَعْمَلُوا فِيهَا وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَأْذَنُوا لِلنَّاسِ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ صَالَحُوا عَلَى أَرْضِهِمْ فَهِيَ لَهُمْ دُونَ السُّلْطَانِ. قَالَ: وَمَا اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً فَظَهَرَ فِيهَا مَعَادِنُ، فَذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ يَصْنَعُ فِيهَا مَا شَاءَ وَيَقْطَعُ بِهَا لِمَنْ يَعْمَلَ فِيهَا، لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ لِلَّذِينَ أَخَذُوهَا عَنْوَةً.
[الرِّكَازِ]
فِي الرِّكَازِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ رِكَازًا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، أَيَكُونُ لِلَّذِي أَصَابَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَصَابَ رِكَازًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَيُخَمَّسُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُخَمَّسَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى دَيْنِهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَا نِيلَ مَنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ بِعَمَلٍ وَغَيْرِ عَمَلٍ فَهُوَ سَوَاءٌ وَفِيهِ الْخُمْسُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ حَفْرَ قُبُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالطَّلَبَ فِيهَا، وَلَسْتُ أَرَاهُ حَرَامًا فَمَا نِيلَ فِيهَا مِنْ أَمْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فَفِيهِ الْخُمْسُ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا الرِّكَازُ مَا أُصِيبَ فِي أَرْضٍ مِثْلِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَفَيَافِي الْبُلْدَانِ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ رِكَازٌ وَفِيهِ الْخُمْسُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِثْلَ مَا أُصِيبَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي صَالَحَ أَهْلُهَا وَأُخِذَتْ عَنْوَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أُصِيبَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، أَلَيْسَ إنَّمَا فِيهِ الْخُمْسُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَيَأْخُذُوا لِلَّذِينَ أَصَابُوهُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ الرِّكَازُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ رِكَازٌ كُلُّهُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَيُخْرِجُ خُمْسَهُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَهُ فَقِيرًا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَكَانَ الرِّكَازُ قَلِيلًا أَيَسَعُهُ أَنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ لِمَكَانِ فَقْرِهِ؟
قَالَ: لَا.
[الرِّكَازُ يُوجَدُ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ]
ِ قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: كُلُّ كَنْزٍ وُجِدَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي بِلَادِ قَوْمٍ صَالَحُوا عَلَيْهَا، فَأَرَاهُ لِأَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَيْهَا وَلَيْسَ هُوَ لِمَنْ أَصَابَهُ، وَمَا أُصِيبَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَأَرَاهُ لِجَمَاعَةِ مُسْلِمِي أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا وَلَيْسَ هُوَ لِمَنْ أَصَابَهُ دُونَهُمْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ بَيِّنٌ لِأَنَّ مَا فِي دَاخِلهَا بِمَنْزِلَةِ مَا فِي خَارِجِهَا، فَهُوَ لِجَمِيعِ مُسْلِمِي أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ وَيُخَمَّسُ.
قُلْتُ: وَأَرْضُ الصُّلْحِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ جَمِيعَهُ لِلَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى أَرْضِهِمْ لَا يُخْمَسُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلَّذِينَ افْتَتَحُوهَا وَخُمْسُهُ يُقَسَّمُ فِي مَوَاضِعِ الْخُمْسِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ دَخَلُوهَا بِصُلْحٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا وُجِدَ فِيهَا.
قُلْتُ:
стр. 228
وَإِنْ أَصَابَهُ فِي دَارِ رَجُلٍ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ أَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّارِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ لِلَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ رَبُّ الدَّارِ هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ صَالَحُوا فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ الَّذِينَ صَالَحُوا فَهُوَ لِلَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى تِلْكَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الدَّارِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَمَا وُجِدَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَهُوَ لِأَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا وَلَيْسَ هُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ لَكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي السَّفَطَيْنِ الَّذِينَ وُجِدَا مِنْ كَنْزِ النَّخِيرْجَانْ حِينَ قَدِمَ بِهِمَا عَلَيْهِ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَقْسِمَهُمَا فِي الْمَدِينَةِ فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَدْفَعُ فِي صَدْرِهِ عَنْهُمَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: مَا أَرَى هَذَا يَصْلُحُ لِي فَرَدَّهُمَا إلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ أَصَابُوهُ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ السَّفَطَانُ إنَّمَا هُوَ كَنْزٌ دُلَّ عَلَيْهِ بَعْدَمَا فُتِحَتْ الْبِلَادُ وَسَكَنَ النَّاسُ وَاِتَّخَذُوا الْأَهْلِينَ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ يُبَاعَا فَيُعْطَاهُ الْمُقَاتِلَةُ وَالْعِيَالُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَصَابَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْئًا فَأَرَاهُ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْجَيْشِ الَّذِينَ مَعَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِهِمْ قَالَ سَحْنُونٌ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا أُصِيبَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ أَصَابَهُ وَإِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ مُجَالِدٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: إنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي خَرِبَةٍ فَأَتَى بِهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: إنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ تَحْمِلُ خَرَاجَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَالْخُمْسُ لَنَا وَسَائِرُ ذَلِكَ لَكَ وَسَأُطِيبُ لَكَ الْبَقِيَّةَ.
[الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالنُّحَاسِ يُوجَدُ فِي دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ]
فِي الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالنُّحَاسِ يُوجَدُ فِي دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ: مَا يُصَابُ فِيهِ مِنْ الْجَوْهَرِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَجَمِيعِ الْجَوَاهِرِ فِيهِ الْخُمْسُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا أَرَى فِيهِ شَيْئًا لَا زَكَاةً وَلَا خُمْسًا، ثُمَّ كَانَ آخَرُ مَا فَارَقْنَاهُ عَلَيْهِ أَنْ قَالَ: الْخُمْسُ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْخُمْسُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُصَابُ فِيهَا مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْجَوْهَرِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، وَأَمَّا مَا أُصِيبَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِيهِ قَطُّ أَنَّهُ رِكَازٌ وَفِيهِ الْخُمْسُ.
[زَكَاةُ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْفُلُوسِ وَمَعَادِنِ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَعَادِنَ النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْحَدِيدِ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَعَادِنَ؟
стр. 229
فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ شَيْءٌ وَلَا أَرَى أَنَا فِيهَا شَيْئًا، قَالَ: وَلَيْسَ فِي الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ زَكَاةٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ فُلُوسٌ فِي قِيمَتِهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ فَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُدِيرُ فَتُحْمَلُ مَحْمَلَ الْعُرُوضِ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْفُلُوسِ تُبَاعُ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ نَظْرَةً أَوْ تُبَاعَ الْفَلْسُ بِالْفَلْسَيْنِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إنِّي أَكْرَه ذَلِكَ وَمَا أَرَاهُ مِثْلَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فِي الْكَرَاهِيَةِ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ زَكَاةٌ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ.
قَالَ أَشْهَبُ، وَالزِّنْجِيُّ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ زَكَاةٌ. قَالَ أَشْهَبُ عَنْ دَاوُد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكِّيِّ يَقُولُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ خُمْسٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ. قَالَ أَشْهَبُ: وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ جَعَلَ فِي مَعَادِنِ الْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ وَالزِّرْنِيخِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْمَعَادِنِ زَكَاةً أَوْ خُمْسًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرِكَازٍ وَلَا مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «فِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.» قَالَ أَشْهَبُ: أَخْبَرَنَا بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» .
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْكَنْزُ مِنْ كُنُوزِ الْجَاهِلِيَّةِ نَجِدُهُ فِي الْآرَامِ وَفِي الْخَرِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» .
قَالَ أَشْهَبُ وَقَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الرِّكَازِ إنَّمَا هُوَ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ مَا لَمْ يُطْلَبْ بِمَالٍ وَلَمْ يُتَكَلَّفْ فِيهِ كَبِيرُ عَمَلٍ، فَأَمَّا مَا طُلِبَ بِمَالٍ أَوْ تُكُلِّفَ فِيهِ كَبِيرُ عَمَلٍ فَأُصِيبَ مَرَّةً وَأُخْطِئَ مَرَّةً، فَلَيْسَ هُوَ بِرِكَازٍ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ: إنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: لَيْسَ فِي اللُّؤْلُؤِ زَكَاةٌ إلَّا مَا كَانَ مِنْهُ لِلتِّجَارَةِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: إنَّهُ قَالَ فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالْخَرَزِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
[زَكَاةُ الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْفَوَاكِهُ كُلُّهَا الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالتِّينُ، وَمَا كَانَ مِنْ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا مِمَّا يَبِسَ وَيُدَّخَرُ وَيَكُونُ فَاكِهَةً فَلَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ وَلَا فِي أَثْمَانِهَا، حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ تُقْبَضُ أَثْمَانُهَا قَالَ مَالِكٌ: وَالْخُضَرُ كُلُّهَا: الْقَضْبُ وَالْبَقْلُ وَالْقِرْطُ وَالْقَصِيلُ وَالْبِطِّيخُ وَالْقِثَّاءُ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْخُضَرِ، فَلَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ وَلَا فِي أَثْمَانِهَا حَتَّى يَحُولَ
стр. 230
عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ فِي التُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَجَمِيعِ مَا أَشْبَهَ هَذَا زَكَاةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ الزَّكَاةُ إلَّا فِي الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالزَّيْتُونِ وَالْحَبِّ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ وَالْقُطْنِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْخُضَرِ زَكَاةٌ» قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ: لَيْسَ فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْجِلَّوْزِ وَالْفَاكِهَةِ الْيَابِسَةِ وَالرَّطْبَةِ وَالتَّوَابِلِ كُلِّهَا زَكَاةٌ.
قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَابْنِ شِهَابٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْبَقْلِ وَالْبِطِّيخِ وَالتَّوَابِلِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْقَضْبِ وَالْعُصْفُرِ وَالْكُرْسُفِ وَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَالْخِرْبِزِ وَالتِّينِ وَالرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ وَالْقِثَّاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ زَكَاةٌ، وَبَعْضٌ سَمَّى مَا لَمْ يُسَمِّ بَعْضٌ وَقَالَهُ اللَّيْثُ وَمَالِكٌ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ:: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْخُضَرِ صَدَقَةً.
[قَسْمِ الزَّكَاةِ]
فِي قَسْمِ الزَّكَاةِ قُلْتُ: أَرَأَيْت زَكَاةَ مَالِي إنْ لَمْ أَجِدْ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَيُجْزِئُنِي أَنْ أَجْعَلَهَا فِيهِمْ؟ فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِيهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا كُنْتَ تَجِدُ الْأَصْنَافَ كُلَّهَا الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ مِنْهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ هُمْ أَحْوَجُ، آثِرْ أَهْلَ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانَتْ حَتَّى تَسُدَّ حَاجَتَهُمْ، وَإِنَّمَا يُتْبَعُ فِي ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ أَهْلُ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانَتْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ قَسْمٌ مُسَمًّى.
قَالَ: وَسَأَلْنَاهُ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ هَلْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: إنَّ الدُّورَ تَخْتَلِفُ فَإِنْ كَانَتْ دَارًا لَيْسَ فِي ثَمَنِهَا فَضْلٌ إنْ بِيعَتْ اشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا دَارًا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ يَعِيشُ فِيهَا، رَأَيْتُ أَنْ يُعْطَى وَلَا يَبِيعُ مَسْكَنَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَارُهُ دَارًا فِي ثَمَنِهَا مَا يُشْتَرَى بِهِ مَسْكَنًا وَتَفْضُلُ لَهُ فَضْلَةٌ يَعِيشُ فِيهَا لَمْ يُعْطَ مِنْهَا شَيْئًا وَالْخَادِمُ كَذَلِكَ.
قَالَ: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: رُبَّ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَهُوَ أَهْلٌ لَأَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ يَكُونُ لَهُ عِيَالٌ وَعَدَدٌ. وَرُبَّ رَجُلٍ تَكُونُ عِيَالُهُ عَشَرَةً أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ لَهُ الْأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا شَيْئًا فَأَرَى أَنْ يُعْطَى مِثْلَ هَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ دَيْنًا وَلَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ ثَمَنُهُمَا أَلْفَا دِرْهَمٍ أَيَكُونُ مِنْ الْغَارِمِينَ وَتَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ؟ فَقَالَ: لَا وَيَكُونُ دَيْنُهُ فِي عُرُوضِهِ وَخَادِمِهِ وَدَارِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَدَّى الْأَلْفَ الَّذِي عِنْدَهُ فِي
стр. 231
دَيْنِهِ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ الْأَلْفُ، وَبَقِيَتْ دَارُهُ وَخَادِمُهُ أَيَكُونَ مَنْ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْخَادِمِ وَالدَّارِ فَضْلٌ عَنْ دَارٍ تُغْنِيهِ وَخَادِمٍ يُغْنِيهِ كَانَ مِنْ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُؤْثَرَ بِالزَّكَاةِ أَهْلُ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانُوا.
قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ وَيَرْضَخُ لِمَنْ سِوَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ الزَّكَاةَ؟ فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ قَالَ يَرْضَخُ لِهَؤُلَاءِ.
قُلْتُ: هَلْ يُرْفَعُ مَنْ الزَّكَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا وَلَكِنْ تُفَرَّقُ كُلُّهَا وَلَا يُرْفَعُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُفَرَّقُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهَا الَّذِي أَخَذَهَا فِيهِ فَأَقْرَبُ الْبُلْدَانِ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَقَدْ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ زُرَارَةَ بِالْيَمَامَةِ حِينَ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُصَدِّقًا قَالَ: وَكَتَبَ إلَيْهِ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ أَنْ اقْسِمْ نِصْفَهَا، ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ اقْسِمْهَا كُلَّهَا وَلَا تَحْبِسَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالشَّأْنُ أَنْ تُقَسَّمَ فِي مَوَاضِعِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ كَثِيرَةً فَيَصْرِفَهَا إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا بَعَثَ مُصَدِّقًا وَأَعْطَى رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ فَوَضَعَهُ فِي كُوَّةٍ فِي مَنْزِلِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلُوهُ أَيْنَ مَا أَخَذْتَ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: قَسَّمْتُهُ كُلَّهُ، قَالُوا: فَأَيْنَ الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَا فِي بَيْتِي مَوْضُوعٌ فِي كُوَّةٍ فَذَهَبُوا فَأَخَذُوهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَ مُعَاذًا مُصَدِّقًا فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَوَجْهُ قَسْمِ الْمَالِ أَنْ يَنْظُرَ الْوَالِي إلَى الْبَلَدِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْمَالُ وَمِنْهَا جُبِيَ، فَإِنْ كَانَتْ الْبُلْدَانُ مُتَكَافِئَةً فِي الْحَالِ آثَرَ بِهِ أَهْلَ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى غَيْرِهِمْ، إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ فَضْلَةٌ فَتَخْرُجُ إلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنْ قَسَّمَ فِي بِلَادِهِ آثَرَ الْفُقَرَاءَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ: وَإِنْ بَلَغَهُ عَنْ بَعْضِ الْبُلْدَانِ حَاجَةٌ وَفَاقَةٌ نَزَلَتْ بِهِمْ مِنْ سَنَةٍ مَسَّتْهُمْ أَوْ ذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَحْطِ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِينَ جُبِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْمَالُ فَيُعْطِيَهُمْ مِنْهُ وَيُخْرِجُ جُلَّ ذَلِكَ الْمَالِ إلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِينَ أَصَابَتْهُمْ الْحَاجَةُ، وَكَذَلِكَ بِلَادُ الْإِسْلَامِ، كُلُّهُمْ حَقُّهُمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ وَاحِدٌ، يُحْمَلُ هَذَا الْفَيْءُ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ بِلَادِهِمْ إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ الْحَاجَةُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالصَّدَقَاتُ كَذَلِكَ كُلُّهَا فِي قِسْمَتِهَا مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ: إنَّ عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةُ كُلُّهَا، إنَّمَا هُوَ عِلْمٌ أَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَإِذَا أَعْطَيْتَ صِنْفًا مِنْ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ أَجْزَأَكَ وَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا. قَالَ أَشْهَبُ قَالَ الزِّنْجِيُّ وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُول مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ،
стр. 232
إنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] . قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ نَسَخَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إنَّمَا الصَّدَقَاتُ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ، فَأَسْعَدُهُمْ بِهَا أَكْثَرُهُمْ عَدَدًا أَوْ أَشَدُّهُمْ حَاجَةً.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ: إنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الصَّدَقَةِ أَيُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا غَنِيٌّ أَوْ يُخَصُّ بِهَا فَقِيرٌ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَنْ اُسْتُعْمِلَ مِنْ أُولَئِكَ، وَنَفَقَةُ مَنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا مِنْ أُولَئِكَ فِي عَمَلِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إذَا وَضَعَتْهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَكَ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إذَا وَضَعْتَ الصَّدَقَةَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَكَ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ، قَالَ قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: أَضَعُ زَكَاةَ مَالِي فِي صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أَحَدٌ إنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ انْقَطَعَ الرِّشَا.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَنْ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ وَالْفَرَسُ أَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ.
[مَا لَا يُقَسِّمُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ زَكَاةَ مَالِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ زَكَاةَ مَالِي مَنْ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُعْطِيَهَا إيَّاهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُعْطِهَا أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِكَ مِمَّنْ تَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَمَنْ لَا تَلْزَمُنِي نَفَقَتُهُ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِي وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا؟ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ هُوَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ، وَمَا يُعْجِبُنِي لِأَحَدٍ أَنْ يَلِيَ قَسْمَ صَدَقَتِهِ لِأَنَّ الْمَحْمَدَةَ تَدْخُلُ فِيهِ وَالثَّنَاءُ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ وَاَلَّذِي أَرَى: أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ فَيَدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَيُقَسِّمَهُ لَهُ، فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي مِنْ قَرَابَتِهِ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ هُوَ أَهْلٌ لَهَا أَعْطَاهُ كَمَا يُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَكُونُ الرَّجُلُ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ لِيُفَرَّقَ هُوَ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ.
قُلْتُ: فَمَنْ تَلْزَمُنِي نَفَقَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: الْوَلَدُ وَلَدُ الصُّلْبِ دُنْيَةً تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ الذُّكُورُ حَتَّى يَحْتَلِمُوا فَإِذَا احْتَلَمُوا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وَالنِّسَاءُ حَتَّى يَتَزَوَّجْنَ وَيَدْخُلُ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ فَإِذَا دَخَلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ فَلَا نَفَقَةَ لَهُنَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى أَبِيهَا؟
قُلْتُ: فَإِنْ هُوَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا؟ فَقَالَ: هِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَبِ حَتَّى يُدْخَلَ بِهَا، لِأَنَّ نِكَاحَهَا فِي يَدِ الْأَبِ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا.
قُلْتُ: فَوَلَدُ الْوَلَدِ؟ فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَهُمْ عَلَى جَدِّهِمْ، وَكَذَلِكَ لَا
стр. 233
يَلْزَمُهُمْ النَّفَقَةُ عَلَى جَدِّهِمْ وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْأَبَ وَحْدَهُ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَالِدِهَا مَالٌ وَهِيَ مُوسِرَةٌ لَمْ تَلْزَمْ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَيَلْزَمُهَا النَّفَقَةُ عَلَى أَبَوَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ زَوْجُهَا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ وَالزَّوْجُ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَخَادِمٍ وَاحِدَةٍ لِامْرَأَتِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ نَفَقَةِ خَدَمِهَا أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ أَخٍ وَلَا ذَوِي قَرَابَةٍ وَلَا ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ.
قُلْتُ: فَاَلَّذِينَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَنْ وَرَاءَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَرَابَتِهِ فَهُمْ فِي زَكَاتِهِ وَالْأَجْنَبِيُّون سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ، إذَا رَأَى الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ زَكَاتَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَعْطَاهُمْ.
قُلْتُ: أَتُعْطِي الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ زَكَاتِهَا؟ فَقَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ أَنْ أَسْأَلَ مَالِكًا عَنْهُ.
قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْطَى أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا.
قَالَ سَحْنُونٌ، وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الضَّرَرِ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ لَا يُضَارَّ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ إعْطَاءَ الْمَرْءِ قَرَابَتَهُ مِنْ زَكَاتِهِ بِوَجْهِ الصِّحَّةِ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ مُجْزِئٌ عَنْهُ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٌ يَكْرَهَانِ ذَلِكَ، وَكَانَ مَالِكٌ أَكْثَرُ شَأْنِهِ فِيهِ الْكَرَاهِيَةُ.
[الْعِتْقِ مِنْ الزَّكَاةِ]
فِي الْعِتْقِ مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ رَقَبَةً فَأَعْتَقَهَا كَمَا يُعْتِقُ الْوَالِي، إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُجْزِئُهُ مِنْ زَكَاتِهِ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: يَشْتَرِي الْوَالِي مِنْ الزَّكَاةِ رِقَابًا فَيُعْتِقُهُمْ، فَقَالَ: نَعَمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَحَضَرْتُ مَالِكًا يُشِيرُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْمَلَ فِي زَكَاةِ نَفْسِهِ كَمَا يَجُوزُ لِلْوَالِي أَنْ يَعْمَلَ فِي زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَأَعْتَقَهُ مِنْ نَفْسِهِ؟ فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ ثَانِيَةً، قَالَ سَحْنُونٌ: لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ فَكَأَنَّهَا زَكَاةٌ لَمْ يُخْرِجْهَا، وَإِنَّمَا إخْرَاجُهَا أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُهَا لَهُمْ.
[إعْطَاءُ الْمُكَاتَبِ وَابْنِ السَّبِيلِ مِنْ الزَّكَاةِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعَانَ بِهَا الْمُكَاتَبُونَ، قَالَ: وَمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ كَانَ فِي
стр. 234
هَذَا الْبَلَدِ أَحَدٌ أَقْتَدِي بِهِ فِي دِينِي يَفْعَلُهُ أَوْ قَالَ يَرَاهُ، وَلَا بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ فَعَلُوا ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ ابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ إذَا احْتَاجَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُعْطَى مِنْهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا.
قُلْتُ: فَالْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ بِهِ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ.
قُلْتُ: وَالْحَاجُّ عِنْدَ مَالِكٍ ابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ، لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ إلَى الْغَنِيِّ» .
[تَكْفِينُ الْمَيِّتِ وَإِعْطَاءُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْعَبْدِ مِنْ الزَّكَاةِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُجْزِئُهُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي كَفَنِ مَيِّتٍ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا هِيَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ سَمَّى اللَّهُ، فَلَيْسَتْ لِلْأَمْوَاتِ وَلَا لِبُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَجُوسِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا عَبْدٌ، وَكَمَا لَا يُعْتَقُ فِي الْكَفَّارَاتِ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ فَكَذَلِكَ لَا يُطْعَمُ مِنْهَا غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَالَ: لَا يُعْتَقُ فِي الْكَفَّارَاتِ إلَّا مُؤْمِنَةٌ (رَبِيعَةُ) ، وَ (عَطَاءٌ) مُؤْمِنَةٌ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ نَافِعٌ وَرَبِيعَةُ: لَا يُطْعَمُ مِنْ الزَّكَاةِ نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا عَبْدٌ، إلَّا أَنَّ نَافِعًا لَمْ يَذْكُرْ الْيَهُودِيَّ وَلَا الْعَبْدَ.
[الرَّجُلُ يُعْطِي مَكَانَ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ عَرْضًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَتْ عِنْدَهُ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَأَعْطَى مَكَانَ زَكَاتِهَا حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ قِيمَتُهُ رُبْعُ عُشْرِ هَذِهِ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْطِي عُرُوضًا وَلَكِنْ يُعْطِي وَرِقًا وَقِيمَةَ ذَلِكَ ذَهَبًا.
قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَدْ كَرِهَ غَيْرُ وَاحِدٍ اشْتِرَاءَ صَدَقَةِ مَالِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ يَحْيَى: مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ اشْتِرَاءَ صَدَقَتِهِ.
[الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ يَنْوِي بِذَلِكَ زَكَاةَ مَالِهِ]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكُونُ لِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَجِبُ عَلَيَّ الزَّكَاةُ، فَأَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
стр. 235
الدَّيْنِ وَهُوَ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَنْوِي بِهِ أَنَّهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِي؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِيمَا بَلَغَنِي لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ تَاوٍ إذَا كَانَ عَلَى فَقِيرٍ فَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُعْطِيَ تَاوِيًا وَهُوَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ فِي زَكَاةِ مَالِهِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا عَلَى الْفَقِيرِ لَا قِيمَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ فَقِيمَتُهُ دُونُ.
[قَسْمُ خُمْسِ الرِّكَازِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ رِكَازًا وَلَهُ أَقَارِبُ فُقَرَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ يُضَمِّنُهُ الْحَاكِمُ نَفَقَتَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُضَمِّنُهُ الْحَاكِمُ نَفَقَتَهُ، أَيَجْعَلُ خُمْسَ هَذَا الرِّكَازِ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: لَا يَخُصُّهُمْ بِذَلِكَ وَلَكِنْ يُعْطِيهِمْ كَمَا يُعْطِي غَيْرَهُمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ فُقَرَاءِ مَوْضِعِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ أَقَارِبَهُ الَّذِينَ لَا يَضْمَنُ نَفَقَتَهُمْ لِمَكَانِ مَحْمَدَتِهِمْ إيَّاهُ، وَقَضَاءِ مَذَمَّةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ وَدَفْعِ صِلَاتٍ كَانُوا يَرْتَجُونَهَا مِنْهُ، فَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسًا.
قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ لَنَا مَالِكٌ: إنَّمَا أَخَافُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَحْمَدُونَهُ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَهَذَا الْخُمْسُ إنْ كَانَ لَا يَدْفَعُ بِهِ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْتُهُ لَكَ مِنْ مَذَمَّةٍ وَلَا يَتَّخِذُ بِهِ مَحْمَدَةً إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ لَهُمْ كَاجْتِهَادِهِ فِي غَيْرِهِمْ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
قَالَ: فَأَمَّا وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ تَلْزَمُهُ فَهُوَ إذَا أَعْطَاهُمْ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِعَطِيَّتِهِمْ نَفَقَتَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ فَغَيْرُهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُمْ. وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: إذَا أَعْطَاهُمْ كَمَا يُعْطِي غَيْرَهُمْ مِنْ الْأَبَاعِدِ عَلَى غَيْرِ إيثَارٍ جَازَ، لِأَنَّ الْخُمْسَ فَيْءٌ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ الزَّكَاةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، وَالْفَيْءُ يَحِلُّ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ إلَّا أَنَّ الْفَقِيرَ يُؤْثَرُ عَلَى الْغَنِيّ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْخُمْسَ لِمَ لَا يُعْطِيهِ وَلَدَهُ وَلَا وَالِدَهُ الَّذِينَ يَضْمَنُ نَفَقَتَهُمْ فَيُغْنِيهِمْ بِذَلِكَ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ نَفَقَتَهُمْ، وَهَذَا الْخُمْسُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ فَيْءٌ وَهَؤُلَاءِ فُقَرَاءُ؟ فَقَالَ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَضْمَنُ هُوَ نَفَقَتَهُمْ فَهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ لَوْ كَانَا فَقِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا لَهُ مِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، بَدَأَ بِهَذَا الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَذَا الرَّجُلُ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ وَأَنَا قَاعِدٌ عِنْدَهُ، عَنْ رَجُلٍ مُحْتَاجٍ لَهُ أَبٌ مُوسِرٌ أَتَرَى أَنْ يُعْطَى مِنْ الْقَسْمِ شَيْئًا؟
قَالَ: إنْ كَانَ لَا يَنَالُهُ مَعْرُوفُ أَبِيهِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ يَنَالُهُ مَعْرُوفُ وَالِدِهِ فَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ مِمَّنْ لَا يَنَالُهُ مَعْرُوفُ أَحَدٍ أَوْلَى بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا الْقَسْمُ؟
قَالَ: هُوَ الزَّكَاةُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْفَيْءِ أَيُسَاوِي بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ أَمْ يُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَبْدَأُ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ حَتَّى يَغْنَمُوا مِنْهُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ جِزْيَةَ جَمَاجِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَخَرَاجَ الْأَرَضِينَ مَا كَانَ مِنْهَا
стр. 236
عَنْوَةً وَمَا صَالَحَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، مَا يَصْنَعُ بِهَذَا الْخَرَاجِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا جِزْيَةٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْجِزْيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ " فَيْءٌ كُلُّهُ ".
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَنْ يُعْطَى هَذَا الْفَيْءَ وَفِيمَنْ يُوضَعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً أَوْ صَالَحُوا عَلَيْهَا هُمْ أَحَقُّ بِهِ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ، يُبْدَأُ بِفُقَرَائِهِمْ حَتَّى يُغْنَوْا وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِقَوْمٍ حَاجَةٌ فَيُنْقَلُ إلَيْهِمْ بَعْدَمَا يُعْطَى أَهْلُهَا، يُرِيدُ مَا يُغْنِيهِمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا يُخْرَجُ فِي قَوْمٍ عَنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، وَرَأَيْتُ مَالِكًا يَأْخُذُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ عُمَرُ إلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَصَاحِبَيْهِ إذْ وَلَّاهُمْ الْعِرَاقَ حِينَ قَسَّمَ لِأَحَدِهِمْ نِصْفَ شَاةٍ وَلِلْآخَرَيْنِ رُبْعًا رُبْعًا، فَكَانَ فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَيْهِمْ: إنَّمَا مَثَلَيْ وَمَثَلَكُمْ فِي هَذَا الْمَالِ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي وَالِي الْيَتِيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] .
قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: يَبْدَأُ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ الَّذِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: وَكَلَّمْتُهُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ فَرَأَيْتُ قَوْلَهُ: إنَّهُ يُبْدَأُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْفُقَرَاءِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: يَبْدَأُ بِالْفُقَرَاءِ فِي هَذَا الْفَيْءِ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ بَيْنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، إلَّا أَنْ يَرَى الْوَالِي أَنْ يَحْسَبُهُ لِنَوَائِبَ تَنْزِلُ بِهِ مِنْ نَوَائِبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ رَأَيْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ عَرَبِيُّهُمْ وَمَوْلَاهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاس فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي عَمِلْتُ عَمَلًا وَإِنَّ صَاحِبِي عَمِلَ عَمَلًا، وَلَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأُلْحِقَنَّ أَسْفَلَ النَّاسِ أَعْلَاهُمْ. قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ أُعْطِيَهُ أَوْ مُنِعَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ رَاعِيًا أَوْ رَاعِيَةً بِعَدَنَ، قَالَ: وَرَأَيْتُ مَالِكًا يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: قَدْ يُعْطِي الْوَالِي الرَّجُلَ الْمَالَ يُجِيزُهُ لِأَمْرٍ يَرَاهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الدَّيْنِ أَيْ وَجْهِ الدَّيْنِ مِنْ الْوَالِي يُجِيزُهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ بِجَائِزَةٍ أَوْ لِأَمْرٍ يَرَاهُ قَدْ اسْتَحَقَّ الْجَائِزَةَ، فَلَا بَأْسَ عَلَى الْوَالِي بِجَائِزَةِ مِثْلِ هَذَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَهَا هَذَا الرَّجُلُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيُعْطَى الْمَنْفُوسُ مِنْ هَذَا الْمَالِ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ لَيْلَةً فَسَمِعَ صَبِيًّا يَبْكِي فَقَالَ لِأَهْلِهِ: مَا لَكُمْ لَا تُرْضِعُونَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ أَهْلُهُ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَا يَفْرِضُ لِلْمَنْفُوسِ حَتَّى يُفْطَمَ وَإِنَّا فَطَمْنَاهُ، قَالَ فَوَلَّى عُمَرُ وَهُوَ يَقُولُ: كِدْتُ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَنْ أَقْتُلَهُ فَفَرَضَ لِلْمَنْفُوسِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِائَةَ دِرْهَمٍ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ الْمَنْفُوسُ وَالِدُهُ غَنِيًّا أَيُبْدَأُ بِكُلِّ مَنْفُوسٍ وَالِدُهُ فَقِيرٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ لَهُ: أَفَكَانَ يُعْطِي النِّسَاءَ مِنْ هَذَا الْمَالِ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُقَسِّمُ لِلنِّسَاءِ حَتَّى إنْ كَانَ لَيُعْطِيهِنَّ الْمِسْكَ.
قُلْتُ
стр. 237
لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَيُبْدَأُ بِالْفَقِيرَةِ مِنْهُنَّ قَبْلَ الْغَنِيَّةِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَالِكٍ يُسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْفَيْءِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ فِيهِ سَوَاءٌ.
قَالَ تَفْسِيرُهُ: أَنَّهُ يُعْطِي كُلَّ إنْسَانٍ قَدْرَ مَا يُغْنِيهِ، الصَّغِيرَ قَدْرَ مَا يُغْنِيهِ وَالْكَبِيرَ قَدْرَ مَا يُغْنِيهِ وَالْمَرْأَةَ قَدْرَ مَا يُغْنِيهَا، هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ عِنْدِي " يُسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَالِ ".
قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ فَضَلَ الْآنَ بَعْدَمَا اسْتَغْنَى أَهْلُ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا الْمَالِ فَضْلٌ؟
قَالَ: ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ إنْ رَأَى أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ لِنَوَائِبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَبَسَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ فَرَّقَهُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَهَذَا الْفَيْءُ حَلَالٌ لِلْأَغْنِيَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. وَلَقَدْ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ أُتِيَ بِمَالٍ عَظِيمٍ مِنْ بَعْضِ النَّوَاحِي فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ فَصُبَّ فِي الْمَسْجِدِ فَبَاتَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَحْرُسُونَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ كُشِفَ عَنْهُ أَنْطَاعٌ أَوْ مُسُوحٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَصَابَتْهَا الشَّمْسُ ائْتَلَقَتْ وَكَانَ فِيهَا تِيجَانٌ، قَالَ فَبَكَى عُمَرُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَيْسَ هَذَا حِينَ بُكَاءٍ إنَّمَا هَذَا حِينُ شُكْرٍ، فَقَالَ: إنِّي أَقُولُ إنَّهُ مَا فُتِحَ هَذَا عَلَى قَوْمٍ قَطُّ إلَّا سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَقَطَعُوا أَرْحَامَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ الْأَرْقَمِ: أَرِحْنِي مِنْهُ أَيْ اقْسِمْهُ فَقَسَّمَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِابْنِ الْأَرْقَمِ: اُكْتُبْ لِي النَّاسَ، قَالَ: قَدْ كَتَبْتُهُمْ ثُمَّ جَاءَهُ بِالْكِتَابِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: هَلْ كَتَبْتَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَدْ كَتَبْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرِينَ مِنْ الْعَرَبِ وَالْمُحَرَّرِينَ يَعْنِي الْمُعْتَقِينَ، قَالَ: ارْجِعْ فَاكْتُبْ فَلَعَلَّكَ قَدْ تَرَكْتَ رَجُلًا لَمْ تَعْرِفْهُ، أَرَاهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا فَهَذَا مَا يَدُلُّكَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُقَسِّمُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَهُوَ يَذْكُرُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بِمِصْرَ فِي زَمَانِ الرَّمَادَةِ. قَالَ فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: وَمَا زَمَانُ الرَّمَادَةِ أَكَانَتْ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ؟ قَالَ: بَلْ سَنَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِم: بَلَغَنِي أَنَّهَا كَانَتْ سِتَّ سِنِينَ. قَالَ: فَكَتَبَ إلَيْهِ وَاغَوْثَاهُ وَاغَوْثَاهُ وَاغَوْثَاهُ، قَالَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، قَالَ: فَكَانَ يَبْعَثُ إلَيْهِ بِالْعِيرِ عَلَيْهَا الدَّقِيقُ فِي الْعَبَاءِ، فَكَانَ يُقَسِّمُهَا عُمَرُ فَيَدْفَعُ الْجَمَلَ كَمَا هُوَ إلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فَيَقُولُ لَهُمْ: كُلُوا دَقِيقَهُ وَالْتَحِفُوا الْعَبَاءَ وَانْتَحَرُوا الْبَعِيرَ فَائْتَدِمُوا بِشَحْمِهِ وَكُلُوا لَحْمَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَهُوَ يَذْكُرُ، أَنَّ رَجُلًا رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَأَنَّ النَّاسَ قَدْ حُشِرُوا، قَالَ فَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَدْ فَرَعَ النَّاسَ بِبَسْطِهِ، قَالَ فَقُلْتُ فِي مَنَامِي. بِمَ فَضَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ؟ قَالَ: فَقِيلَ لِي: بِالْخِلَافَةِ وَبِالشَّهَادَةِ وَبِأَنَّهُ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ
стр. 238
لَائِمٍ، قَالَ: فَأَتَى الرَّجُلُ حِينَ أَصْبَحَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ قَاعِدَانِ جَمِيعًا فَقَصَّ عَلَيْهِمَا الرُّؤْيَا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا انْتَهَرَهُ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُمْ أَحْلَامُ نَائِمٍ فَقَامَ الرَّجُلُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَوُلِّيَ عُمَرُ أَرْسَلَ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَعِدْ عَلَيَّ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتَهَا، قَالَ: أَوْ مَا كُنْتَ رَدَدْتَهَا عَلَيَّ قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَوْ مَا كُنْتَ تَسْتَحْيِيَ أَنْ تَذْكُرَ فَضْلِي فِي مَجْلِسِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَ: فَقَصَّهَا الرَّجُلُ عَلَيْهِ فَقَالَ بِالْخِلَافَةِ، قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ أُولَتُهُنَّ يُرِيدُ قَدْ نِلْتُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَبِالشَّهَادَةِ فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَّى ذَلِكَ لِي وَالْعَرَبُ حَوْلِي، ثُمَّ قَالَ بَلَى وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ لَقَادِرٌ، قَالَ: وَبِأَنَّهُ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ مَا أُبَالِي إذَا قَعَدَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى مَنْ دَارَ الْحَقُّ فَأُدِيرُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُول: اخْتَصَمَ قَوْمٌ فِي أَرْضٍ قُرْبَ الْمَدِينَةِ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: فَرَكِبَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ لِيَنْظُرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، قَالَ فَلَمَّا رَكِبَ وَسَارَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَرْكَبُ فِي أَمْرٍ قَدْ قَضَى فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ فَرَدَّ عُثْمَانُ دَابَّتَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَا كُنْتُ لِأَنْظُرَ فِي أَمْرٍ قَدْ قَضَى فِيهِ عُمَرُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ يُجْبِرُ الْإِمَامُ أَحَدًا عَلَى أَخْذِ هَذَا الْمَالِ إذَا أَبَى أَخْذَهُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَدْعُو حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ يُعْطِيهِ عَطَاءَهُ، قَالَ فَيَأْبَى ذَلِكَ حَكِيمٌ وَيَقُولُ: قَدْ تَرَكْتُهُ عَلَى عَهْدِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَقُولُ عُمَرُ: إنِّي أُشْهِدُكُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَلَمْ يُجْبِرْ عُمَرُ هَذَا عَلَى أَخْذِ هَذَا الْمَالِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا: إنَّمَا تَرَكَهُ حَكِيمٌ لِحَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ «إنَّ خَيْرًا لِأَحَدِكُمْ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا قَالُوا: وَلَا مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَلَا مِنِّي» .
стр. 239
[كِتَابُ الزَّكَاةِ الثَّانِي] [ زَكَاةِ الْإِبِلِ]
مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّاعِي إذَا أَتَى الرَّجُلَ فَأَصَابَ لَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ وَلَمْ يَجِدْ فِيهَا بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَا ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرَ: أَنَّ عَلَى رَبِّ الْإِبِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلسَّاعِي بِنْتَ مَخَاضٍ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْإِبِلِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْهَا مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، فَلَيْسَ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ إذَا طَابَتْ بِذَلِكَ نَفْسُ صَاحِبِ الْإِبِلِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَا ابْنُ لَبُونٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ إلَى السَّاعِي إنْ أَرَادَ أَخْذَهُ أَخَذَهُ، وَإِلَّا أَلْزَمَهُ بِابْنَةٍ مَخَاضٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبِلِ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِائَتَا بَعِيرٍ فَيَكُونُ فِيهَا خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ أَوْ أَرْبَعُ حِقَاقٍ، فَقَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ السِّنَانُ جَمِيعًا فِي الْإِبِلِ كَانَ الْمُصَدِّقُ مُخَيَّرًا فِي أَيِّ السِّنِينَ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ أَخَذَ إنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا سِنًّا وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ لِلسَّاعِي غَيْرَهَا، وَلَمْ يُجْبِرْ رَبَّ الْمَالِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ السِّنَّ الْأُخْرَى، قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْإِبِلِ السِّنَانُ جَمِيعًا فَالسَّاعِي مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ ذَلِكَ شَاءَ كَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ رَبُّ الْمَالِ أَوْ كَرِهَ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: وَالسَّاعِي مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِأَنْ يُعَادَ فِي الْغَنَمِ بَعْدَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ إذَا أُخِذَ مِنْهَا حِقَّتَانِ فَزَادَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَقُولُ: يَرْجِعُ فِي الْغَنَمِ إذَا صَارَتْ الْفَرِيضَةُ فِي الْإِبِلِ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْغَنَمِ، إلَّا أَنْ تَرْجِعَ الْإِبِلُ إلَى أَقَلَّ مِنْ فَرِيضَةِ الْإِبِلِ فَيَرْجِعُ إلَى الْغَنَمِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَمَا زَادَ عَلَى
стр. 240
عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» . وَهُوَ ﷺ ابْتَدَأَ الْفَرْضَ مِنْ خَمْسٍ، وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
قَالَ أَشْهَبُ وَقَالَ عُمَرُ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَدُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِنَّمَا قَالَ فَدُونَهَا الْغَنَمُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، حَتَّى انْتَهَى إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي تَسْمِيَةِ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ، قَالَ: فَمَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَلَمْ يَقُلْ: فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ كَمَا ابْتَدَأَ بِهِ الصَّدَقَةَ. قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ تَبْيِينَ الْفَرِيضَةِ وَسُنَّتِهَا.
قُلْتُ: أَلَيْسَ إنَّمَا يَأْخُذُ مَالِكٌ فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ بِمَا فِي كِتَابِ عُمَرَ الَّذِي زَعَمَ مَالِكٌ أَنَّهُ قَرَأَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُمْ: فِي عِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، إنَّمَا يَعْنِي بِالزِّيَادَةِ مَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا الْحِقَّتَانِ فِي الْإِبِلِ كَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ تَسْقُطُ الْحِقَّتَانِ وَيُرْجَعُ إلَى أَصْلِ الْإِبِلِ، وَتَلْغِي الْفَرِيضَةُ الْأُولَى الْحِقَّتَانِ اللَّتَانِ وَجَبَتَا فِيهَا إذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَاحِدَةٌ فَصَاعِدًا، وَيَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَمِنْ كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً.
قُلْتُ: فَإِنْ زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ: الْمُصَدِّقُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَ ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ حِقَّتَيْنِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يُخَالِفُ مَالِكًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَقُولُ: إذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ إلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، وَفِي ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ: حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ، فَفِي ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ يَتَّفِقُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَمَالِكٍ وَيَخْتَلِفَانِ فِيمَا بَيْنَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، لِأَنَّ مَالِكًا يَجْعَلُ الْمُصَدِّقَ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ أَخَذَ حِقَّتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَابْنُ شِهَابٍ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ الْمُصَدِّقُ مُخَيَّرًا وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ، لِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحِقَّتَيْنِ قَدْ انْقَطَعَتْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَرَأْيِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَأَرَى فِيهَا ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَتْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ فِي الْإِبِلِ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَانَ فِيهَا السِّنَانُ جَمِيعًا أَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا إحْدَاهُمَا أَوْ لَمْ يَكُونَا فِيهَا جَمِيعًا فَذَلِكَ عِنْدِي سَوَاءٌ كُلُّهُ وَعَلَى رَبِّ الْإِبِلِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ عَلَى مَا أَحَبَّ، أَوْ كَرِهَ، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ إلَّا ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَ الْحِقَّتَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ الْإِبِلُ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ: فِي الْخَمْسِينَ مِنْهَا حِقَّةٌ وَفِي الثَّمَانِينَ مِنْهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا كَانَتْ
стр. 241
أَرْبَعِينَ وَمِائَةً فَبِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَّتَانِ: فِي الْأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي الْمِائَةِ حِقَّتَانِ، فَإِذَا كَانَتْ خَمْسِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ: فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سِتِّينَ وَمِائَةً فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ وَمِائَةً فَحِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِذَا كَانَتْ ثَمَانِينَ وَمِائَةً فَحِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ، فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي الْأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ كَانَ فِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ فِيهَا السِّنَانُ كَانَ الْمُصَدِّقُ الْآنَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْحِقَاقَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ بَنَاتَ لَبُونٍ إذَا كَانَتْ فِي الْإِبِلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا حِقَاقًا أَخَذَهَا وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا بَنَاتَ لَبُونٍ أَخَذَهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَاحِدًا مِنْ السِّنِينَ كَانَ السَّاعِي مُخَيَّرًا، أَيُّ ذَلِكَ شَاءَ كَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَجِدْ الْمُصَدِّقُ فِي الْإِبِلِ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا، أَيَأْخُذُ دُونَهَا وَيَأْخُذُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةَ دَارِهِمْ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ تَمَامَ السِّنِّ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ؟ فَقَالَ: لَا.
قُلْتُ: لَهُ: فَهَلْ يَأْخُذُ أَفْضَلَ مِنْهَا وَيَرُدُّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ دَرَاهِمَ قَدْرَ مَا زَادَ عَلَى السِّنِّ الَّذِي وَجَبَ لَهُ؟ فَقَالَ: لَا.
قَالَ أَشْهَبُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصَدِّقَ اشْتَرَى الَّتِي أَخَذَ بِاَلَّتِي وَجَبَتْ لَهُ وَبِالدَّرَاهِمِ الَّتِي زَادَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ السَّاعِي شَيْئًا مَنْ الصَّدَقَةِ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَإِنْ سَمَّى لَهُ سِنًّا مِنْ الْأَسْنَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا نَحْوُهَا وَهَيْئَتُهَا، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ السَّاعِي.
قَالَ أَشْهَبُ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الصَّدَقَةَ الَّتِي عَلَيْهِ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَصْلُحْ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ.
قَالَ أَشْهَبُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: إنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَكْتُبُ فِي عُهُودِ عُمَّالِهِ عَلَى السُّعَاةِ خِصَالًا كَانَتْ تُكْتَبُ فِي عُهُودِ الْعُمَّالِ قَبْلَهُ.
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْلَهَا كَانَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ مِنْهَا أَنْ يَنْهَاهُمْ أَنْ يَبِيعُوا مِنْ أَحَدٍ فَرِيضَةً أَوْ شَاةً تَحِلُّ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.
قُلْتُ لَهُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُصَدِّقُ فِيهَا دَرَاهِمَ مِنْ رَبِّهَا أَوْ يَشْتَرِيَهَا رَبُّهَا مِنْ الْمُصَدِّقِ.
قَالَ أَشْهَبُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، «فَرِيضَةُ الْإِبِلِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ إلَى تِسْعٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ عَشْرًا فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى تِسْعَ عَشْرَةَ، فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونِ ذَكَرٌ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ
стр. 242
إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ، فَمَا زَادَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، فَمَا زَادَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَمَا زَادَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ، فَمَا زَادَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ.» قَالَ سَحْنُونٌ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ
عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَ فِي الصَّدَقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِيَ الَّتِي نَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ سَالِمٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حِينَ أُمِّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ عُمَّالَهُ بِالْعَمَلِ بِهَا ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: نَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ فَرِيضَتَهُ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ صَدَقَتَهُ مِنْ الْغَنَمِ، وَقَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ أَشْهَبُ قَالَ مَالِكٌ: وَقَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهَا وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَلَكِنْ سَلِّمْهَا وَاقْتَرِفْ مِنْ غَنَمِ جَارِكَ وَابْنِ عَمِّكَ مِثْلَهَا مَكَانَهَا.
قَالَ أَشْهَبُ قَالَ مَالِكٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتْرُكَ الْمَرْءُ شِرَاءَ صَدَقَتَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهَا وَقُبِضَتْ مِنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ عِنْدَهُ خَمْسٌ مَنْ الْإِبِلِ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْحُلُولِ بِيَوْمٍ هَلَكَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ نَتَجَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ مِنْ يَوْمِهَا فَحَال الْحَوْلُ وَهِيَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ بِاَلَّتِي نَتَجَتْ؟ فَقَالَ: فِيهَا شَاةٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ الْإِبِلُ لِرَجُلٍ بِبَعْضِ الْبُلْدَانِ وَهِيَ شَنَقٌ، قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: مَا الشَّنَقُ؟ فَقَالَ: هِيَ الْإِبِلُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ فَرِيضَةَ الْإِبِلِ مِثْلَ الْخَمْسَةِ وَالْعَشَرَةِ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ وَالْعِشْرِينَ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ السَّاعِي فَيَجِدُ عِنْدَهُ ضَأْنًا وَمَعْزًا أَوْ يَجِدُ عِنْدَهُ ضَأْنًا وَلَا يَجِدُ عِنْدَهُ مَعْزًا، أَوْ يَجِدُ عِنْدَهُ مَعْزًا وَلَا يَجِدُ عِنْدَهُ ضَأْنًا؟ فَقَالَ: يَنْظُرُ الْمُصَدِّقُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ إنَّمَا أَمْوَالُهُمْ الضَّأْنُ وَهِيَ جُلُّ أَغْنَامِهِمْ وَمَا يَكْسِبُونَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ الضَّأْنُ فِيمَا وَجَبَ فِي الْإِبِلِ يَأْتُونَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبُ الْإِبِلِ إلَّا مَعْزًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالضَّأْنِ، قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ، أَمْوَالُهُمْ الْمِعْزَى وَوَجَدَ الْمُصَدِّقُ عِنْدَ صَاحِبِ الْإِبِلِ ضَأْنًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الضَّأْنِ إلَّا الْمِعْزَى وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الضَّأْنِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ صَاحِبُ الضَّأْنِ فَيُعْطِيَهُ الضَّأْنَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمِعْزَى، قَالَ: وَإِذَا بَلَغَتْ الْفَرِيضَةُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ الْإِبِلِ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ شَنَقًا.
[زَكَاةِ الْبَقَرِ]
مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيَأْخُذُ مَالِكٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذٍ فِي
стр. 243
الْبَقَرِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي جَاءَ فِي الْبَقَرِ فِي أَرْبَعِينَ مِنْهُ أَيُؤْخَذُ فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى؟
قَالَ: أَمَّا الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمُسِنَّةَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا أُنْثَى.
قُلْتُ: وَاَلَّذِي جَاءَ فِي ثَلَاثِينَ: تَبِيعٌ، أَهُوَ ذَكَرٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ طَاوُسًا الْيَمَانِيَّ حَدَّثَهُ.
قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْبَقَرِ الصَّدَقَةَ: مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً: تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً: مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ سِتِّينَ: تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ كُلِّ سَبْعِينَ: تَبِيعًا وَبَقَرَةً مُسِنَّةً» عَلَى نَحْو هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ الزِّنْجِيِّ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ، أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْخَذُ مِنْ بَقَرٍ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تَابِعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ» .
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ مُعَاذٌ فِي ثَلَاثِينَ: تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ، «أَنَّ مُعَاذًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْأَوْقَاصِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ» . قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ وَقَالَ سُفْيَانُ وَمَالِكٌ: إنَّ الْجَوَامِيسَ مِنْ الْبَقَرِ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَرَائِضُ الْبَقَرِ، «لَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا عِجْلٌ تَابِعٌ جَذَعٌ إلَى أَنْ تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ إلَى أَنْ تَبْلُغَ سَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ وَعِجْلٌ جَذَعٌ حَتَّى تَبْلُغَ ثَمَانِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَمَانِينَ فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ ثُمَّ عَلَى نَحْوِ هَذَا بَعْدَمَا كَانَ مِنْ الْبَقَرِ إنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَعَلَى نَحْوِ فَرَائِضِ أَوَّلِهَا.» قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَ مُعَاذًا أَمَرَهُ بِهَذَا وَأَنَّ مُعَاذًا صَدَّقَ الْبَقَرَ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ اللَّيْثُ وَمَالِكٌ: سُنَّةُ الْجَوَامِيسِ فِي السِّعَايَةِ وَسُنَّةُ الْبَقَرِ سَوَاءٌ.
[زَكَاةِ الْغَنَمِ]
فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ الْغَنَمُ رُبًى كُلُّهَا أَوْ مَاخِضًا كُلُّهَا أَوْ أَكُولَةً كُلُّهَا أَوْ فَحُوَّلًا كُلُّهَا، لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا، وَكَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِجَذَعَةٍ أَوْ ثَنِيَّةٍ مِمَّا فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ فَيَدْفَعَهَا إلَى الْمُصَدِّقِ، وَلَيْسَ لِلْمُصَدِّقِ إذَا أَتَاهُ بِمَا فِيهِ وَفَاءٌ أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُهَا.
قُلْتُ: وَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: يَأْخُذُ مَا فَوْقَ الثَّنِيِّ أَوْ مَا تَحْتَ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْخُذُ إلَّا الْجَذَعَ أَوْ الثَّنِيَّ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا
стр. 244
هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمِعْزَى فِي أَخْذِ الصَّدَقَةِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ مِنْ الْغَنَمِ الْجَذَعِ أَهُوَ فِي الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْخُذُ تَيْسًا وَالتَّيْسُ هُوَ دُونَ الْفَحْلِ، إنَّمَا يُعَدُّ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ، وَالْهَرِمَةِ، وَالسِّخَالِ (الزَّكَاةُ) ، قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا ذَوَاتُ الْعَوَارِ؟
قَالَ: ذَاتُ الْعَيْبِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ رَأَى الْمُصَدِّقُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَوَاتِ عَوَارٍ أَوْ التَّيْسِ أَوْ الْهَرِمَةِ إذَا كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ أَخَذَهَا.
قُلْتُ: هَلْ يَحْسُبُ الْمُصَدِّقُ الْعَمْيَاءَ وَالْمَرِيضَةَ الْبَيِّنَ مَرَضُهَا وَالْعَرْجَاءَ الَّتِي لَا تَلْحَقُ الْغَنَمَ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ وَلَا يَأْخُذُهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَحْسُبُ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ كُلَّ ذَاتِ عَوَارٍ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا الْمُصَدِّقُ، وَالْعَمْيَاءُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ وَلَا تُؤْخَذُ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ الْغَنَمُ كُلُّهَا قَدْ جَرِبَتْ؟
قَالَ: عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِشَاةٍ فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْعَوَارِ إذَا كَانَتْ، الْغَنَمُ ذَوَاتَ عَوَارٍ كُلُّهَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ أَنْ يَأْخُذَ. إذَا رَأَى فِي ذَلِكَ فَضْلًا وَخَيْرًا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ عَجَاجِيلَ أَوْ فُصْلَانًا كُلُّهَا أَوْ سِخَالًا كُلُّهَا، وَفِي عَدَدِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَعَلَى صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ السِّخَالِ أَنْ يَأْتِيَ بِجَذَعَةٍ أَوْ ثَنِيَّةٍ مِنْ الْغَنَمِ، وَعَلَى صَاحِبِ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ إذَا كَانَتْ عُجُولًا كُلُّهَا أَنْ يَأْتِيَ بِتَبِيعٍ ذَكَرٍ، وَإِنْ كَانَتْ فُصْلَانًا كُلُّهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِابْنَةِ مَخَاضٍ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الصِّغَارِ شَيْءٌ.
قَالَ أَشْهَبُ، لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ وَلَا يَأْخُذُ الْمَخَاضَ وَلَا الْأَكُولَةَ وَلَا الرُّبَى وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ وَخِيَارِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا بَزْلٌ اشْتَرَى لَهُ مِنْ السُّوقِ وَلَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ الدُّونُ اشْتَرَى لَهُ مِنْ السُّوقِ فَمَرَّةً يَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا مِمَّا عِنْدَهُ وَمَرَّةً يَكُونُ شَرًّا مِمَّا عِنْدَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِي الْأَوْقَاصِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الْأَوْقَاصُ فِيهَا مِنْ وَاحِدٍ إلَى تِسْعَةٍ وَلَا يَكُونُ فِي الْعَقْدِ وَقَصٌ يُرِيدُ بِالْعَقْدِ عَشْرَةً، وَقَدْ سَأَلَ مُعَاذٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْأَوْقَاصِ؟ فَقَالَ: «لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ» .
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ ثَلَاثُونَ مِنْ الْغَنَمِ تَوَالَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمُصَدِّقُ بِيَوْمٍ، فَصَارَتْ أَرْبَعِينَ أَتَرَى أَنْ يُزَكِّيَهَا عَلَيْهِ السَّاعِي أَمْ لَا؟ فَقَالَ: يُزَكِّيهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أَرْبَعِينَ حِينَ أَتَاهُ.
قُلْتُ: وَلِمَ وَقَدْ كَانَ أَصْلُهَا غَيْرَ نِصَابٍ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهَا تَوَالَدَتْ فَإِذَا تَوَالَدَتْ فَأَوْلَادُهَا مِنْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ نِصَابٍ لِأَنَّهَا لَمَّا زَادَتْ بِالْأَوْلَادِ كَانَتْ كَالنِّصَابِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَعْرِفُ أَنَّ الْمُصَدِّقَ يَجْمَعُ الْغَنَمَ ثُمَّ يُفَرِّقُهَا فَيَخْتَارُ رَبُّ الْمَالِ أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ شَاءَ، ثُمَّ يَأْخُذُ هُوَ مِنْ الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: لَمْ
стр. 245
يَعْرِفْهُ وَأَنْكَرَهُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ لَا تُسَاقُ إلَيْهِ شَاةٌ وَفِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ إلَّا أَخَذَهَا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ إبِلٌ يَعْمَلُ عَلَيْهَا وَيَعْلِفُهَا، فَفِيهَا الصَّدَقَةُ إنْ بَلَغَتْ مَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: الْعَوَامِلُ وَغَيْرُ الْعَوَامِلِ سَوَاءٌ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ: «لَيْسَ فِي الْغَنَمِ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ شَاةً فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً فَفِيهَا شَاةٌ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مِائَتَيْ شَاةٍ فَإِذَا كَانَتْ شَاةً وَمِائَتَيْ شَاةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةِ شَاةٍ فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَلَا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةً وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ وَلَا تَيْسًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ: إنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي أَوَّلِ مَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ لِلْمُصَدِّقَيْنِ: «لَا تَأْخُذُوا مِنْ حَرَزَاتِ النَّاسِ شَيْئًا» قَالَ: ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ، ابْن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ. وَلَا يَأْخُذهُ، فَقَالُوا: تَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُهُ مِنَّا، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ يَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا يَأْخُذُهَا وَلَا يَأْخُذُ الرُّبَّى الَّتِي وَضَعَتْ وَلَا الْأَكُولَةَ ذَاتَ اللَّحْمِ السَّمِينَةَ وَلَا الْمَاخِضَ الْحَامِلَ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ، وَيَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ وَخِيَارِهِ.
[زَكَاةِ الْغَنَمِ الَّتِي تُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ]
فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ الَّتِي تُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى غَنَمًا لِلتِّجَارَةِ فَبَارَتْ عَلَيْهِ وَأَقَامَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ، أَيُقَوِّمُهَا كُلَّ سَنَةٍ فَيُزَكِّيهَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ أَمْ يُزَكِّيهَا زَكَاةَ السَّائِمَةِ كُلَّمَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عِنْدَهُ وَجَاءَ الْمُصَدِّقُ؟ فَقَالَ: بَلْ يُزَكِّيهَا زَكَاةَ السَّائِمَةِ كُلَّمَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عِنْدَهُ وَجَاءَ الْمُصَدِّقُ أَخَذَ مِنْهَا صَدَقَةَ السَّائِمَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا الْمُصَدِّقُ الْيَوْمَ زَكَاةَ السَّائِمَةِ وَبَاعَهَا صَاحِبُهَا مِنْ الْغَدِ أَعَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ؟ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ زَكَّاهَا الْمُصَدِّقُ، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ زَكَّاهَا الْمُصَدِّقُ زَكَّى ثَمَنَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ، فَعَلَى هَذَا فَقِسْ جَمِيعَ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ.
стр. 246
[زَكَاةِ مَاشِيَةِ الْقِرَاضِ]
فِي زَكَاةِ مَاشِيَةِ الْقِرَاضِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ رَجُلًا أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ غَنَمًا فَحَال الْحَوْلُ عَلَى الْغَنَمِ وَهِيَ عِنْدَ الْمُقَارِضِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي رَأْسِ مَالِهِ وَلَا يَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ شَيْءٌ.
[زَكَاةِ مَاشِيَةِ الَّذِي يُدِيرُ مَالَهُ]
فِي زَكَاةِ مَاشِيَةِ الَّذِي يُدِيرُ مَالَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ كَانَ يُدِيرُ مَالَهُ فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى غَنَمًا لِلتِّجَارَةِ فَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَجَاءَ شَهْرُهُ الَّذِي يُزَكِّي فِيهِ مَالَهُ وَيُقَوِّمُ فِيهِ مَا عِنْدَهُ مِنْ السِّلَعِ، أَيُقَوِّمُ هَذِهِ الْغَنَمَ الَّتِي اشْتَرَاهَا مَعَ سِلَعِهِ الَّتِي عِنْدَهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: لَا يُقَوِّمُ الْغَنَمَ مَعَ السِّلَعِ لِأَنَّ فِي رِقَابِهَا الزَّكَاةَ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ، فَلَا تُقَوَّمُ مَعَ هَذِهِ السِّلَعِ وَإِنَّمَا يُقَوِّمُ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي لَيْسَ فِي رِقَابِهَا زَكَاةٌ، مِثْلُ الْعُرُوضِ وَالرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالطَّعَامِ وَالثِّيَابِ، لِأَنِّي إذَا قَوَّمْتُ الْغَنَمَ فَجَاءَ حَوْلُهَا أَرَدْتُ أَنْ أُسْقِطَ عَنْهَا الزَّكَاةَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ أُسْقِطَ عَنْهَا زَكَاةَ السَّائِمَةِ وَهِيَ غَنَمٌ، فَأَصْرِفُهَا إلَى زَكَاةِ التِّجَارَةِ فَتُقِيمَ سِنِينَ هَكَذَا وَلِلْغَنَمِ فَرِيضَةٌ فِي الزَّكَاةِ وَسُنَّةٌ قَائِمَةٌ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْغَنَمَ بِالذَّهَبِ لِلتِّجَارَةِ بَعْدَمَا زَكَّى الذَّهَبَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَتَى يُزَكِّي الْغَنَمَ؟ فَقَالَ: يَسْتَقْبِلُ بِهَا حَوْلًا مِنْ يَوْمِ ابْتَاعَهَا وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَا قَبْلَهُ أَنَّ الْغَنَمَ إذَا اُشْتُرِيَتْ خَرَجَتْ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ وَصَارَتْ إلَى زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْغَنَمُ إذَا اُشْتُرِيَتْ تَخْرُجُ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ إلَى زَكَاةِ الْغَنَمِ لَكَانَ يَنْبَغِي لِهَذَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ فَمَضَى لِلْمَالِ عِنْدَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ غَنَمًا أَنْ يُزَكِّيَ الْغَنَمَ إذَا مَضَى لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ مَضَى لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ عِنْدَهُ فَلَمَّا قَالَ لَنَا مَالِكٌ يَسْتَقْبِلُ بِالْغَنَمِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهَا، وَأَسْقَطَ مَالِكٌ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْ شُهُورِ الدَّنَانِيرِ عَلِمْنَا أَنَّ الْغَنَمَ إذَا اُشْتُرِيَتْ خَرَجَتْ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ وَصَارَتْ إلَى زَكَاةِ الْغَنَمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ يُدَارُ، وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِي إنْ كَانَ مِمَّنْ يُدِيرُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُدِيرُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ حِينَ أَمَرْتَهُ أَنْ لَا يُقَوِّمَ الْغَنَمَ مَعَ عُرُوضِهِ الَّتِي عِنْدَهُ، أَرَأَيْتَ إنْ هُوَ بَاعَ الْغَنَمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمُصَدِّقُ أَتَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ تَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ وَيَرْجِعُ فِي زَكَاتِهَا إلَى زَكَاةِ الذَّهَبِ الَّتِي ابْتَاعَهَا بِهَا، فَهُوَ يُزَكِّيهَا مِنْ يَوْمِ أَفَادَ الذَّهَبَ وَيَرْجِعُ إلَى أَصْلِ الذَّهَبِ فَيُزَكِّي ثَمَنَهَا مِنْ يَوْمِ أَفَادَ الذَّهَبَ أَوْ زَكَّاهَا، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْغَنَمَ قَدْ خَرَجَتْ حِينَ اشْتَرَاهَا مِنْ شَهْرِ زَكَاتِهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَصَارَ شَهْرُهَا عَلَى حِدَةٍ.
стр. 247
[زَكَاةِ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ إذَا جُمِعَتْ]
فِي زَكَاةِ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ إذَا جُمِعَتْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكُونُ عِنْدَهُ الْمَعْزُ وَالضَّأْنُ، يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ الضَّأْنِ سَبْعُونَ وَمِنْ الْمَعْزِ سِتُّونَ؟
قَالَ: عَلَيْهِ شَاتَانِ يَأْخُذُ مِنْ الْمَعْزِ وَاحِدَةً وَمِنْ الضَّأْنِ وَاحِدَةً.
قُلْتُ فَإِنْ كَانَتْ الضَّأْنُ سَبْعِينَ وَالْمَعْزُ خَمْسِينَ؟
قَالَ: يَأْخُذُ مِنْ الضَّأْنِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الْمَعْزِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ شَاةٌ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ الْأَكْثَرِ، فَانْظُرْ فَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ ضَأْنٌ وَمَعْزٌ فَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ إذَا افْتَرَقَتْ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِي وَاحِدَةٍ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَالْأُخْرَى لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، أَخَذَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْأُخْرَى، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبْعُونَ ضَائِنَةً وَسِتُّونَ مَعْزَةً فَجَمِيعُهَا مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَالسَّبْعُونَ لَوْ كَانَتْ وَحْدَهَا كَانَتْ فِيهَا شَاةٌ، وَالسِّتُّونَ لَوْ كَانَتْ وَحْدَهَا كَانَتْ فِيهَا شَاةٌ. قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ ضَائِنَةً وَخَمْسِينَ مَعْزَةً فَجَمِيعُهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فَإِنَّمَا فِيهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَالْقَلِيلَةُ تَبَعٌ لِلْكَثِيرَةِ فِي هَذَا لِأَنَّهَا إنَّمَا فِيهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَتُؤْخَذُ مِنْ الضَّأْنِ وَهِيَ الْأَكْثَرُ وَلَوْ كَانَتْ سِتِّينَ مِنْ هَذِهِ وَسِتِّينَ مِنْ هَذِهِ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَمَثَلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ وَعِشْرُونَ شَاةً ضَائِنَةً وَأَرْبَعُونَ مَاعِزَةً فَفِيهَا شَاتَانِ، فِي الضَّأْنِ وَاحِدَةٌ وَفِي الْمَعْزِ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ ثَلَاثِينَ مَعْزَةً كَانَ عَلَيْهِ فِي الضَّأْنِ شَاتَانِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْمَعْزِ شَيْءٌ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَحْدَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ لَهُ ثَلَاثُ مِائَةِ ضَائِنَةٍ وَتِسْعُونَ مَاعِزَةً فَإِنَّمَا عَلَيْهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ مِنْ الضَّأْنِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْمَعْزِ شَيْءٌ، لِأَنَّهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَصٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَعْزٌ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْ الثَّلَاثِ شِيَاهٍ شَيْءٌ، وَلَا يَكُونُ فِي الْمَعْزِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً فَيَكُونُ فِيهَا شَاةٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ ثَلَاثَمِائَةِ ضَائِنَةٍ وَخَمْسِينَ ضَائِنَةً وَخَمْسِينَ مَعْزَةً كَانَ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، يَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ ضَائِنَاتٍ وَيَكُونُ السَّاعِي مُخَيَّرًا فِي الرَّابِعَةِ إنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الضَّأْنِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْمَاعِزِ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّاةَ اعْتَدَلَتْ فِيهَا الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ، وَإِنْ كَانَتْ الضَّأْنُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ وَالْمَعْزُ أَرْبَعِينَ أَخَذَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ، لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ إنَّمَا تَمَّتْ بِالْمَاعِزِ وَكَانَتْ مِثْلَ مَنْ كَانَتْ لَهُ سِتُّونَ ضَائِنَةً وَأَرْبَعُونَ مَعَزَّةٌ، فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَكْثَرِ وَهِيَ السِّتُّونَ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَاعِزُ سِتِّينَ وَالضَّأْنُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَخَذَ ثَلَاثَ ضَائِنَاتٍ وَمَعْزَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِائَتَيْ ضَائِنَةٍ وَمِائَةَ مَعْزَةً أَخَذَ ثَلَاثَ شِيَاهِ: ضَائِنَتَيْنِ وَمَعْزَةً، وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ: مِائَتَيْ ضَائِنَةٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةَ مَاعِزَةٍ أَخَذَ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَتَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِائَةَ ضَائِنَةٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةَ مَاعِزَةٍ أَخَذَ ضَائِنَتَيْنِ وَمَعْزَةً، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ ضَائِنَةً وَمِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ مَاعِزَةً أَخَذَ مِنْهَا ثَلَاثًا: ضَائِنَةً وَمَعْزَةً، وَكَانَ الْمُصَدِّقُ مُخَيَّرًا فِي الثَّالِثَةِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الشَّاةَ الثَّالِثَةَ مِنْ الْمَعْزِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا مِنْ الضَّأْنِ.
فَكَذَلِكَ الَّذِي تَكُونُ لَهُ الْإِبِلُ الْعِرَابُ،
стр. 248
وَالْبُخْتُ عَلَى مَا فَسَّرْنَا فِي الْغَنَمِ وَكَذَلِكَ الَّذِي تَكُونُ لَهُ الْبَقَرُ الْجَوَامِيسُ وَالْبَقَرُ الْآخَرُ غَيْرُ الْجَوَامِيسِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِشْرُونَ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَعَشْرَةٌ مِنْ الْأُخْرَى فَعَلَيْهِ تَبِيعٌ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَلَوْ كَانَتْ أَرْبَعِينَ جَامُوسًا وَثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ الْأُخْرَى، أَخَذَ مِنْ الْجَوَامِيسِ مُسِنَّةً وَمِنْ الْأُخْرَى تَبِيعًا وَلَوْ كَانَتْ أَرْبَعِينَ جَامُوسًا وَمِنْ الْأُخْرَى عِشْرِينَ أَخَذَ تَبِيعَيْنِ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَاحِدًا وَمِنْ الْأُخْرَى آخَرَ، وَإِنْ كَانَ عِشْرُونَ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَعِشْرُونَ مَنْ الْأُخْرَى، فَالْمُصَدِّقُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِينَ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ تَبِيعًا وَمَنْ هَذِهِ تَبِيعًا فَعَلَى هَذَا أَخْذُ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[زَكَاةِ مَاشِيَةِ الْمِدْيَانِ]
فِي زَكَاةِ مَاشِيَةِ الْمِدْيَانِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَاشِيَةٌ يَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَالدَّيْنُ يُحِيطُ بِقِيمَةِ الْمَاشِيَةِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ هَذِهِ الْمَاشِيَةِ: إنَّ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِيهَا وَلَا تَبْطُلُ الزَّكَاةُ عَنْهُ فِيهَا لِلدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ إبِلًا كَانَتْ أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ لِأَرْبَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَمْنَعُوا الْمُصَدِّقَ أَنْ يَأْخُذَ صَدَقَتَهُ مِنْ أَجْلِ دَيْنِهِمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَجَاءَهُ الْمُصَدِّقُ وَعَلَيْهِ مَنْ الدَّيْنِ غَنَمٌ مِثْلُهَا بِصِفَتِهَا وَأَسْنَانِهَا، أَوْ كَانَتْ إبِلًا وَعَلَيْهِ مَنْ الدَّيْنِ إبِلٌ مِثْلُهَا، أَوْ كَانَتْ بَقَرًا وَعَلَيْهِ مَنْ الدَّيْنِ بَقَرٌ مِثْلُهَا؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ وَلَا يَضَعُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الزَّكَاةَ فِي الْمَاشِيَةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ الَّذِي عِنْدَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ رَفَعَ الرَّجُلُ مِنْ أَرْضِهِ حَبًّا أَوْ تَمْرًا وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ حَبٌّ مِثْلُ مَا رَفَعَ مِنْ الْحَبِّ أَوْ تَمْرٌ مِثْلُ مَا رَفَعَ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَضَعُ دَيْنُهُ زَكَاةَ مَا رَفَعَ مِنْ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ، وَإِنَّمَا يَضَعُ عَنْهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ فَمَضَى يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْعَبْدُ عِنْدَهُ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُهُ بِصِفَتِهِ؟
قَالَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ وَإِنَّ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: وَالْأَمْوَالُ النَّاضَّةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَالتَّمْرِ وَالْحَبِّ، لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ إذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَعَلَيْهِ دَيْنُ ثِيَابٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ حَبٍّ أَوْ مَا كَانَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ النَّاضِّ، فَإِنَّهُ يَحْسُبُ دَيْنَهُ فِي النَّاضِّ الَّذِي عِنْدَهُ، فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِهِ الَّذِي عَلَيْهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَبَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَالثِّمَارِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا جَاءَتْ فِي الضِّمَارِ وَهُوَ الْمَالُ الْمَحْبُوسُ فِي الْعَيْنِ، وَأَنَّ السُّعَاةَ يَأْخُذُونَ النَّاسَ
стр. 249
بِزَكَاةِ مَوَاشِيهِمْ وَثِمَارِهِمْ، وَلَا يَأْخُذُونَهُمْ بِزَكَاةِ الْعَيْنِ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ قَوْلُهُمْ فِي الْعَيْنِ.
قَالَ أَشْهَبُ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَالْخُلَفَاءَ الْمَاضِينَ، كَانُوا يَبْعَثُونَ الْخُرَّاصَ فِي الثِّمَارِ أَوَّلَ مَا تَطِيبُ فَيَخْرِصُونَ عَلَى النَّاسِ لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ وَلِمَا لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْجِيلِ مَنَافِعِهِمْ بِثِمَارِهِمْ لِلْأَكْلِ وَالْبَيْعِ، وَلَا يُؤْمَرُونَ فِيهِ بِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ يُخْرَصُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَوَاشِي تُبْعَثُ السُّعَاةُ، وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَصِيحُ فِي النَّاسِ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ حَتَّى تُحَصَّلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهَا الزَّكَاةَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُحْصِي دَيْنَهُ ثُمَّ يُؤَدِّي مِمَّا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ إنْ كَانَ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ النَّضْرِ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: كَانُوا لَا يَرْصُدُونَ الثِّمَارَ فِي الدَّيْنِ وَيَنْبَغِي لِلْعَيْنِ أَنْ تُرْصَدَ فِي الدَّيْنِ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ الْمُصَدِّقُ يَجِيءُ فَأَيْنَ مَا رَأَى زَرْعًا قَائِمًا أَوْ إبِلًا قَائِمَةً أَوْ غَنَمًا قَائِمَةً أَخَذَ مِنْهَا الصَّدَقَةَ.
[زَكَاةِ ثَمَنِ الْغَنَمِ إذَا بِيعَتْ]
فِي زَكَاةِ ثَمَنِ الْغَنَمِ إذَا بِيعَتْ وَسَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ: عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْغَنَمُ تَجِبُ فِي مِثْلِهَا الزَّكَاةُ فَيَحُولُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَيَبِيعُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَدِّقُ؟ فَقَالَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا لِلْمُصَدِّقِ، وَلَكِنْ يُزَكِّي الثَّمَنَ مَكَانَهُ لِأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ حَالَ عَلَى الْغَنَمِ وَإِنَّمَا يَحْسُبُ لِلْمَالِ مِنْ يَوْمِ أَفَادَ الْغَنَمَ، ثُمَّ يَحْسُبُ لِلْمَالِ مِنْ ذِي قَبْلُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ زَكَّى الْمَالَ، ثُمَّ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَيْضًا إنْ كَانَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَاسْتَهْلَكَهَا رَجُلٌ بَعْدَمَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمُصَدِّقُ فَأَخَذَ قِيمَتَهَا دَرَاهِمَ؟ فَقَالَ: يُزَكِّي الدَّرَاهِمَ مَكَانَهُ لِأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ حَالَ عَلَى الْغَنَمِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ فِي قِيمَةِ غَنَمِهِ إبِلًا؟ فَقَالَ: يَسْتَقْبِلُ بِالْإِبِلِ حَوْلًا مِنْ ذِي قَبْلُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى الْإِبِلِ مِنْ ذِي قَبْلُ، قَالَ: وَتَكُونُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْقِيمَةِ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ تَبْلُغُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهُ إذَا قَبَضَ الْإِبِلَ صَارَ قَابِضًا لِلدَّيْنِ، قَالَ: لَا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ فَابْتَاعَ بِهَا سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ بَاعَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِذَهَبٍ، تَجِبُ فِي مِثْلِهَا الزَّكَاةُ فَلَمْ يَقْبِضْ تِلْكَ الذَّهَبَ حَتَّى أَخَذَ بِهَا عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ، قَالَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيعَ الْعُرُوضَ وَيَنِضَّ ثَمَنُهَا فِي يَدِهِ، وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ إذَا أُخِذَتْ مِنْ قِيمَةِ الْغَنَمِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ قِيمَتَهَا بَقَرًا؟
قَالَ: نَعَمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا فِيهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ فِي قِيمَتِهَا غَنَمًا فَكَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ؟ فَقَالَ: لَا شَيْءَ فِيهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ
стр. 250
قِيمَتَهَا غَنَمًا عَدَدُهَا أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا؟ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: عَلَيْهِ فِي الْغَنَمِ الَّتِي أَخَذَ الزَّكَاةُ، وَقَوْلُهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ هُوَ أَحْسَنُ وَكَأَنَّهُ بَاعَ الْغَنَمَ بِغَنَمٍ وَالثَّمَنُ لَغْوٌ.
قَالَ: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَرِثُ الْغَنَمَ وَيَبْتَاعَهَا فَتُقِيمُ عِنْدَهُ حَوْلًا ثُمَّ يَبِيعُهَا؟ فَقَالَ قَالَ لِي مَالِكٌ: إنْ كَانَ وَرِثَهَا أَوْ اشْتَرَاهَا لِقِنْيَةٍ وَلَمْ يَشْتَرِهَا لِلتِّجَارَةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبَضَ ثَمَنَهَا إذَا كَانَ الْمُصَدِّقُ لَمْ يَأْتِهِ وَقَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَبَاعَهَا، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا فِي ثَمَنِهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهَا الْحَوْلُ.
قَالَ: وَلَا أَرَى عَلَيْهِ لِلشَّاةِ الَّتِي كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي زَكَاتِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا فِرَارًا مِنْ السَّاعِي، فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا فِرَارًا مِنْ السَّاعِي فَعَلَيْهِ الشَّاةُ الَّتِي كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ وَأَوْضَحُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ قَالَ لِي مَالِكٌ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَرَى عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةً إنْ كَانَ بَاعَهَا بَعْدَمَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ كَأَنْ اشْتَرَاهَا لِقِنْيَةٍ أَوْ وَرِثَهَا، قَالَ: وَمَعْنَى الْقُنْيَةِ السَّائِمَةِ فَأَرَى فِي ثَمَنِهَا الزَّكَاةَ يَوْمَ بَاعَهَا مَكَانَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى ثَمَنِهَا، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَرِثَهَا أَوْ ابْتَاعَهَا؟ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يَحْتَسِبَ بِمَا مَضَى مِنْ الشُّهُورِ ثُمَّ يُزَكِّيَ الثَّمَنَ، قَالَ: فَرَدَدْتَهَا عَلَيْهِ عَامًا بَعْدَ عَامٍ فَثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ، وَهَذَا قَوْلُهُ الَّذِي فَارَقْتُهُ عَلَيْهِ آخِرَ مَا فَارَقْتُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَبُّ قَوْلِهِ إلَيَّ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ عِنْدِي أَرْبَعَةٌ مَنْ الْإِبِلِ فَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَبِعْتُهَا بَعْدَمَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، أَيَكُونُ عَلَيَّ زَكَاةٌ فِي ثَمَنِهَا يَوْمَ بِعْتُهَا؟ فَقَالَ: لَا.
قُلْتُ: وَهِيَ مُخَالِفَةٌ عِنْدَكَ لِلَّتِي كَانَتْ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إذَا بِعْتُهَا بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ أَنْ أُزَكِّيَهَا؟
قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْإِبِلُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَلَمَّا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ صَدَّقْتُهَا ثُمَّ بِعْتُهَا بِدَنَانِيرَ بَعْدَمَا أُخِذَتْ مِنِّي صَدَقَتُهَا بِأَشْهُرٍ مَتَى أُزَكِّي ثَمَنَهَا؟ فَقَالَ: حَتَّى يَحُولَ عَلَى الدَّنَانِيرِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ زَكَّيْتَ الْإِبِلَ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
قَالَ فَقُلْتُ لِمَالِكٍ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكُونُ عِنْدَهُ الذَّهَبُ فَيَبْتَاعُ بِهَا غَنَمًا أَوْ إبِلًا أَوْ بَقَرًا مَتَى يُزَكِّيهَا؟
قَالَ: حَتَّى يَحُولَ عَلَى الْغَنَمِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهَا أَوْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا مِثْلَ الْغَنَمِ الَّتِي تُبَاعُ بِالدَّنَانِيرِ.
[تَحْوِيلِ الْمَاشِيَةِ فِي الْمَاشِيَةِ]
فِي تَحْوِيلِ الْمَاشِيَةِ فِي الْمَاشِيَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْغَنَمُ تَجِبُ فِي مِثْلِهَا الزَّكَاةُ تُبَاعُ بِالْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ، وَالْبَقَرُ تُبَاعُ بِالْغَنَمِ؟
قَالَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَى الْإِبِلَ أَوْ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ الَّتِي صَارَتْ فِي يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا شِرَاؤُهُ الْإِبِلَ بِالْغَنَمِ وَإِنْ مَضَى لِلْغَنَمِ عِنْدَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ أَوْ وَرِقٌ فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ
следующие страницы →