← Тараджим

Тараджим · id 5880

كتاب بغداد

ابن طيفور

Полный текст (180 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سَلام عَلَيْكُم بِكَلَام جَهورِي، ولسان بسيط. فَقلت: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته فَقَالَ: قف أَن شِئْت. فوقفت. فضوعت مِنْهُ رَائِحَة العنبر، والمسك الأزفر قَالَ: مَا أولك.؟ قلت: رجل من مُضر. قَالَ: وَنحن من مُضر. ثمَّ مَاذَا؟ قلت: رجل من بني تَمِيم. قَالَ: وَمن بعد تَمِيم؟ قلت: من بني سعد. قَالَ: هيه فَمَا أقدمك هَذَا الْبَلَد؟ . قلت: قصدت هَذَا الْملك الَّذِي مَا سَمِعت بِمثلِهِ اندى رَاحَة، وَلَا أسع باحة، وَلَا أطول باعا، وَلَا أمد يفاعا. قَالَ: فَمَا الَّذِي قصدته بِهِ؟ قلت شعر طيب يلذ على الأفواه، وتقتفيه الروَاة، ويحلو فِي أَذَان المستمعين. قَالَ: فأنشدنيه فَغضِبت وَقلت: يَا رَكِيك أَخْبَرتك أَنِّي قصدت الْخَلِيفَة بِشعر قلته، ومديح حبرته تَقول أنشدنيه. قَالَ: فتغافل وَالله عَنْهَا وَتَطَأ من لَهَا، وألغى جوابها. قَالَ: وَمَا الَّذِي تَأمل فِيهِ. قلت إِن كَانَ على مَا ذكر لي عَنهُ فألف دِينَار. قَالَ: فَأَنا أُعْطِيك ألف دِينَار إِن رَأَيْت الشّعْر جيدا وَالْكَلَام عذبا، وأضع عَنْك العناء وَطول الترداد وَمَتى تصل إِلَى الْخَلِيفَة وَبَيْنك وَبَينه عشرَة آلَاف رامح ونابل. قلت: فلى اللَّهِ عَلَيْك أَن تفعل. قَالَ: لَك اللَّهِ على أَن أفعل. قلت: ومعك السَّاعَة مَال؟ قَالَ: هَذَا بغلى وَهُوَ خير من ألف دِينَار أنزل لَك عَن ظَهره. فَغضِبت أَيْضا وعارضني مرد سعد وخفة أحلامها. فَقلت: مَا يُسَاوِي هَذَا الْبَغْل هَذَا النجيب. قَالَ فدع عَنْك الْبَغْل وَلَك اللَّهِ أَن أُعْطِيك السَّاعَة ألف دِينَار فَأَنْشَدته: - (مَأْمُون يَاذَا المنن الشريفه ... ) (وَصَاحب الْمرتبَة المنيفة ... ) (وقائد الكتيبة الكثيفة) (هَل لَك فِي أرجوزة ظريفة ... ) ( ... أظرف من فقه أبي حنيفَة ... ) (لَا وَالَّذِي أَنْت لَهُ خَليفَة ... )

стр. 142

(مَا ظلمت فِي أَرْضنَا ضَعِيفَة) (أميرنا مُؤْنَته خَفِيفَة ... ) (وَمَا أجتبى شَيْئا سوى الْوَظِيفَة ... ) (فالذئب والنعجة فِي سقيفه) (واللص والتاجر فِي قطيفة ... ) قَالَ: فوَاللَّه مَا عدا أَن أنشدته فَإِذا زهاء عشرَة آلَاف فَارس قد سدوا الْأُفق يَقُولُونَ: السَّلَام عَلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّهِ. السَّلَام عَلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: فأخذني أفكل. وَنظر إِلَى بِتِلْكَ الْحَال فَقَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك أَي اخي. قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: جعلني اللَّهِ فدَاك اتعرف لُغَات الْعَرَب؟ قَالَ: أَي لعمر اللَّهِ. قلت فَمن جعل الْكَاف مِنْهُم مَكَان الْقَاف؟ . قَالَ هَذِه حمير. قلت: لعنها اللَّهِ وَلعن اللَّهِ من اسْتعْمل هَذِه اللُّغَة بعد هَذَا الْيَوْم. فَضَحِك الْمَأْمُون وَعلم مَا أردْت والتفت إِلَى خَادِم إِلَى جَانِبه فَقَالَ: أعْطه مَا مَعَك. فَاخْرُج إِلَى كيسا فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار ثمَّ قَالَ: هاك. ثمَّ قَالَ سَلام عَلَيْكُم. وَمضى فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ. قَالَ: وَلما صَار الْمَأْمُون إِلَى دمشق ذكر لَهُ أَبُو مسْهر الدِّمَشْقِي وَوصف لَهُ علمه فَوجه إِلَيْهِ من جَاءَ بِهِ فامتحنه فِي الْقُرْآن فَأَجَابَهُ وَأقر بخلقه. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَا شيخ: أَخْبرنِي عَن النَّبِي ﷺ َ - أختتن؟ . قَالَ: لَا أَدْرِي وَمَا سَمِعت فِي هَذَا شَيْئا. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَنهُ أَكَانَ يشْهد إِذا تزوج أَو زوج؟ . قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: أخرج قبح اللَّهِ من قلدك دينه. قَالَ: حَدثنِي مُخَارق. قَالَ: كُنَّا عِنْد الْمَأْمُون أَنا والمغنون بِدِمَشْق وعريب مَعنا فَقَالَ: غنى يَا مُخَارق فَقلت: أَنا مَحْمُوم. فَقَالَ: يَا عريب جسية. فَرفعت يَدهَا إِلَى عضدي. فَقَالَ لَهَا الْمَأْمُون: قد اشتهيته تحبين أَن أزَوجك. قَالَت: نعم فَقَالَ من تريدين؟ . قَالَت: هَذَا. وأومت إِلَى مُحَمَّد بن حَامِد، فَقَالَت: هَذَا. فَقَالَ:

стр. 143

أشهدوا أَنِّي قد زوجتها الزَّانِيَة مِنْهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ: كشحتك أحب إِلَى من أَن تكشحني خُذ بِيَدِهَا فَأخذ بِيَدِهَا وَقَامَت من الْمجْلس إِلَى مضربه. فَلَمَّا ولى المعتصم كتب إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم: أَن مر مُحَمَّد بن حَامِد أَن يُطلق عريب فَأمره فتأبى فَكتب إِلَيْهِ أَن أضربه فَضَربهُ بالمقارع حَتَّى طَلقهَا. حَدثنِي أَبُو مُوسَى هَارُون بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى الْهَادِي. قَالَ: حَدثنِي على بن صَالح. قَالَ: قَالَ لي الْمَأْمُون يَوْمًا: أبغى رجلا من أهل الشَّام لَهُ أدب يجالسني ويحدثني فَالْتمست ذَاك لَهُ فَوَجَدته فدعوت بالشامي فَقلت لَهُ إِنِّي مدخلك على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا تسأله عَن شَيْء أبدا حَتَّى يبتدئك، فَإِنِّي أعرف النَّاس بمسألتكم يَا أهل الشَّام فَقَالَ: مَا كنت متجاوزا لما أَمرتنِي. فَدخلت على الْمَأْمُون فَقلت: قد أصبت الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: أدخلهُ. فَدخل فَسلم ثمَّ استدناه، وَكَانَ الْمَأْمُون على شغله من الشَّرَاب فَقَالَ: إِنِّي أردتك لمجالستي ومحادثتي. فَقَالَ الشَّامي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن الجليس إِذا كَانَت ثِيَابه دون ثِيَاب جليسه دخله لذَلِك غَضَاضَة قَالَ: فَأمر الْمَأْمُون أَن يخلع عَلَيْهِ، قَالَ على: فدخلني من ذَلِك مَا اللَّهِ بِهِ عليم. فَلَمَّا خلع عَلَيْهِ وَرجع إِلَى مَجْلِسه قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن قلبِي إِذا كَانَ مُعَلّقا بعيالي لم تنْتَفع بمحادثتي. قَالَ: خمسين ألف دِرْهَم تحمل إِلَى منزله. ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وثالثة. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ . قَالَ: قد دَعَوْت بِشَيْء يحول بَين الْمَرْء وعقله فَإِن كَانَت منى هنة تغتفرها. قَالَ: وَذَاكَ. قَالَ على: فَكَأَن الثَّالِثَة جلت عني مَا كَانَ بِي. حَدثنِي أَبُو حشيشة مُحَمَّد بن على بن أُميَّة بن عَمْرو قَالَ: أول من سمعني من الْخُلَفَاء الْمَأْمُون وَأَنا غُلَام وَهُوَ بِدِمَشْق وصفني لَهُ مُخَارق فَأمر لي بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم أتجهز بهَا فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ أعجب بِي وأكرمني. وَقَالَ للمعتصم يَا أَبَا إِسْحَاق: ابْن خدمك، وخدم أبائك وأجدادك وكتابهم حج جدك الْمهْدي أَربع حجج فَكَانَ أُميَّة جد هَذَا زميله فِيهَا، وَكَانَ كَاتبه على السِّرّ، والخاتم، وَبَيت المَال، وَكَانَ يشتهى من غنائي.

стр. 144

(كَانَ ينْهَى فَنهى حِين انْتهى ... وانجلت عَنهُ غيابات الصِّبَا) (خلع اللَّهْو وأضحى مسبلا ... للنهى فضل قَمِيص وردا) (كَيفَ يَرْجُو الْبيض من أولة ... فِي عُيُون الْبيض شيب وجلا) (كَانَ كحلا لمآقيها فقد ... صَار بالشيب لعينيها قذا) الشّعْر كدعبل سمعته من دعبل، والغناء لحمدان بن حُسَيْن بن مُحرز. قَالَ: وَكَانَ الْمَأْمُون أَيْضا يشتهى من غنائي: - (ويزيدني وَلها عَلَيْهِ وحرقة ... عذل النصيح وَعتبَة من عَاتب) الشّعْر لعبد اللَّهِ بن أُميَّة عمي والغناء لي. قَالَ: وَكُنَّا قدم أَمِير الْمُؤمنِينَ بِدِمَشْق فتغنى علوِيَّة: - (بَرِئت من الْإِسْلَام إِن كَانَ ذَا الَّذِي ... أَتَاك بِهِ الواشون عني كَمَا قَالُوا) (وَلَكنهُمْ لما رأوك سريعة ... إِلَيّ تواصوا بالنميمة واحتالوا) (فَقَالَ: يَا علوِيَّة لمن هَذَا الشّعْر.؟ فَقَالَ: للْقَاضِي. فَقَالَ: أَي قَاض وَيحك قَالَ: قَاضِي دمشق. فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاق أعزله. قَالَ: قد عزلته. قَالَ: فيحضر السَّاعَة فأحضر شح مخضوب قصير. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: من تكون؟ قَالَ: فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ. قَالَ تَقول الشّعْر؟ . قَالَ: كنت أقوله. فَقَالَ يَا علوِيَّة أنْشدهُ الشّعْر فأنشده. فَقَالَ: هَذَا الشّعْر لَك؟ . قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ونساؤه طَوَالِق وكل مَا يملك فِي سَبِيل اللَّهِ إِن كَانَ قَالَ الشّعْر مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة إِلَّا فِي زهد أَو معاتبة صديق. فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاق أعزله فَمَا كنت أولى رِقَاب الْمُسلمين من يبْدَأ فِي هزله بِالْبَرَاءَةِ من الْإِسْلَام. ثمَّ قَالَ: اسقوه. فَأتى بقدح فِيهِ شراب فَأَخذه وَهُوَ يرتعد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا ذقته قطّ. قَالَ: فلعلك تُرِيدُ غَيره قَالَ: لم أذق مِنْهُ شَيْئا قطّ. قَالَ فَحَرَام هُوَ؟ . قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: أولى لَك بهَا نجوت أخرج ثمَّ قَالَ يَا علوِيَّة لَا تقل بَرِئت من الْإِسْلَام وَلَكِن قل: -

стр. 145

(حرمت مناى مِنْك إِن كَانَ ذَا الَّذِي ... أَتَاك بِهِ الواشون عَنى كَمَا قَالُوا) قَالَ: كُنَّا مَعَ الْمَأْمُون بِدِمَشْق فَركب يُرِيد جبل الثَّلج فَمر ببركة عَظِيمَة من برك بني أُميَّة وعَلى جَانبهَا أَربع سروات وَكَانَ المَاء يدخلهَا سيحا وَيخرج مِنْهَا فَاسْتحْسن الْمَأْمُون الْموضع فَدَعَا ببز مَاء ورد ورطل وَذكر بني أُميَّة فَوضع مِنْهُم وتنقصهم فَأقبل علوِيَّة على الْعود واندفع فغنى: - (أُولَئِكَ قومِي بعد عز وثروة ... تفانوا فألا أذرف الدمع أكمدا) فَضرب الْمَأْمُون الطَّعَام بِرجلِهِ ووثب وَقَالَ لعلوية: يَا ابْن الفاعلة لم يكن لَك وَقت تذكر فِيهِ مواليك إِلَّا فِي هَذَا الْوَقْت. فَقَالَ: مولاكم زرياب عِنْد موالى يركب فِي مائَة غُلَام وَأَنا عنْدكُمْ أَمُوت من الْجُوع. فَغَضب عَلَيْهِ عشْرين يَوْمًا ثمَّ رضى عَنهُ. قَالَ: زرياب مولى الْمهْدي صَار إِلَى الشَّام ثمَّ صَار إِلَى الْمغرب إِلَى بني أُميَّة هُنَاكَ. قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَكتب ملك الرّوم إِلَى الْمَأْمُون. أما بعد " فَإِن اجْتِمَاع الْمُخْتَلِفين على حظهما أولى بهما فِي الرَّأْي مِمَّا عَاد بِالضَّرَرِ عَلَيْهِمَا، وَلست حريا أَن تدع لحظ يصل إِلَى غَيْرك حظا تحوز بِهِ لنَفسك وَفِي علمك كَاف عَن إخبارك، وَقد كنت كتبت إِلَيْك دَاعيا إِلَى المسالمة، رَاغِبًا فِي فَضِيلَة المهادنة لتَضَع أوازر الْحَرْب عَنَّا وَيكون كل لكل وليا وحزبا، مَعَ اتِّصَال الْمرَافِق، والفسح فِي المتاجر، وَفك المستاسر، وَأمن الطّرق والبيضة فَإِن أَبيت فَلَا أدب لَك فِي الْخمر وَلَا أزخرف لَك فِي القَوْل، فَأَنِّي لخائض إِلَيْك غمارها، آخذ عَلَيْك أسدادها شَأْن خيلها ورجالها وَإِن أفعل فَبعد أَن قدمت المعذرة، وأقمت بيني وَبَيْنك علم الْحجَّة وَالسَّلَام. ". قَالَ: فَكتب إِلَيْهِ الْمَأْمُون. أما بعد: " فقد بَلغنِي كتابك فِيمَا سَأَلت من الْهُدْنَة ودعوت إِلَيْهِ من الْمُوَادَعَة، وخلطت فِيهِ من حَال اللين بالشدة مِمَّا استعطفت بِهِ من سرح التَّاجِر، واتصال الْمرَافِق، وَفك الأساري، وَرفع القيل والقال، فلولا مَا رَجعْنَا إِلَيْهِ من إِعْمَال التؤدة، وَالْأَخْذ بالحظ من تقليب الفكرة، وَألا أعتقد

стр. 146

الرَّأْي عَن مستقبله إِلَّا عَن اصْطِلَاح مَا أوثره فِي متعقبه لجعلت جَوَاب كتابك خيلا تحمل رجَالًا من أهل الْبَأْس والنجدة، وَالْجد والنصر يقارعونكم عَن ثكلكم ويتقربون إِلَى اللَّهِ جلّ وَعز بدمائكم، ويستقلون فِي ذَات اللَّهِ مَا نالهم من ألم شرككم ثمَّ أوصل إِلَيْهِم من الأمداد وأبلغ لَهُم كَافِيا من الْعدة والعتاد. هم أظمأ إِلَى موارد المنايا مِنْكُم السَّلامَة من مخوف معرتهم عَلَيْكُم موعدهم: " إِحْدَى الحسنيين " عَاجل غَلَبَة، أَو كريم مُنْقَلب. غير أَنِّي رَأَيْت أَن أتقدم إِلَيْك الموعظة إِلَى أَن يثبت اللَّهِ بهَا عَلَيْك الْحجَّة من الدُّعَاء لَك وَلمن مَعَك إِلَى الوحدانية، وَالدُّخُول فِي شَرِيعَة الحنيفية. فَإِن أَبيت ففدية توجب ذمَّة وَتثبت نظرة، وَإِن تركت ذَاك فَفِي يَقِين المعاينة لمعاونتنا مَا يُغني عَن الإبلاغ فِي القَوْل، والإغراق فِي الصّفة وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى ". أَخْبَار الشُّعَرَاء فِي أَيَّام الْمَأْمُون وَمن وَفد عَلَيْهِ مِنْهُم وَذكر مَا امتدح بِهِ من الشّعْر حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن آدم بن ثَابت بن جشم الْعَبْدي: قَالَ: حَدثنَا عمَارَة بن عقيل بن بِلَال بن جرير. قَالَ: وفدت إِلَى الْمَأْمُون مُقَدّمَة من خُرَاسَان فأوصلني إِلَيْهِ عَليّ بن هِشَام وَكَانَ نزولي عَلَيْهِ فَأَنْشَدته، وأجازني، وملأ يَدي وَكَانَ على لى مؤثرا، محبا، وَكَانَ يجْرِي على فِي كل يَوْم مَا يقيمني وَيُقِيم أضيافي. قَالَ: فمازحني يَوْمًا. وَقَالَ لي وَقد انشدته مدحا فِيهِ هَا هُنَا من هُوَ أقرب لَك مني رجلَانِ قلت: مِنْهُمَا؟ قَالَ: خَالِد بن يزِيد بن مزِيد، وَتَمِيم بن خُزَيْمَة بن خازم فَقلت لَهُ: وَالله مَا أتيت وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَا عَرفته. قَالَ: فَأَنا أبْعث مَعَك من يقف بك عَلَيْهِمَا. فَبعث معي رجلا من أَصْحَابه فعرفني منزلهما. فَبَدَأت بتميم فتقدمت إِلَى بَابه. فَقلت: أعلموه أَن بِالْبَابِ عمَارَة بن عقيل. قَالَ: فتراخي عني الحجبة وَقيل لي أَنه أرسل إِلَيْهِ بعض غلمانه فأخبروه فَقَالَ: تغافلوا عَنهُ. فَقَالَ للرسول الَّذِي كَانَ مَعَه دلَّنِي على

стр. 147

منزل خَالِد. قَالَ:: فَمضى معي فَلَمَّا وقفت بِالْبَابِ أخبر خَالِد بمكاني فَخرج إِلَى نَفسه فَقَالَ: أَيهمْ هُوَ؟ فَأَوْمأ إِلَى فَدَنَا مني. قَالَ: وَأَرَادَ عمَارَة أَن ينزل فأمسكه خَالِد وأعتنقه وَمسح وَجهه وأنزله وَأدْخلهُ ودعا بِالطَّعَامِ وَالشرَاب ثمَّ قَالَ لي: يَا أَبَا عقيل مَا آكل إِلَّا بِالدّينِ فأعذرني وَهَذِه خَمْسَة أَثوَاب خَز خُذْهَا إِلَيْك وَلَا تخدع عَنْهَا فَإِنَّهَا قد قَامَت على بِمَال، وَهَذِه ألف دِرْهَم خُذْهَا إِلَى أَن يُوسع اللَّهِ على فَخرج عمَارَة وَهُوَ يَقُول: - (أأترك إِن قلت دَرَاهِم خَالِد ... زيارته إِنِّي إِذا للئيم) (فليت بثوبيه لنا كَانَ خَالِد ... وَكَانَ لبكر بالثراء تَمِيم) (فَيُصْبِح فِينَا سَابق متمهل ... وَيُصْبِح فِي بكر أغم بهيم) (وَقد يسلع المرؤ اللَّئِيم اصطناعه ... ويعتل نقد الْمَرْء وَهُوَ كريم) قَالَ: فشاع شعر عمَارَة فِي النَّاس وَبلغ تَمِيم بن خُزَيْمَة فَركب إِلَى إشراف بني تَمِيم فَقَالَ: أنظروا مَا قد فعل بِي عمَارَة وَفضل خَالِدا على وقتلني الْمَعْنى الَّذِي جَاءَ بِهِ فِي قَوْله: - (فليت بثوبيه لنا كَانَ خَالِد ... وَكَانَ لبكر بالثراء تَمِيم) قَالَ: فأجتمعت بَنو تَمِيم إِلَى عمَارَة فَقَالُوا قطع اللَّهِ رَحِمك تجئ إِلَى غُلَام من ربيعَة فتتمنى أَن يكون فِي قَوْمك مثله، وترغب عَن تمم وَأَبوهُ خُزَيْمَة بن خازم من سادة الْعَرَب وَصَاحب دَعْوَة بني الْعَبَّاس وأسمعوه فَقَالَ: - (أضنوا بِمَا قدمت شَيبَان وَائِل ... بطرفهم على أضن وارغب) (أأن سمت برذونا بِطرف غضبتم ... على وَمَا فِي السُّوق والسوم مغضب) (وَفِي الْخَيل وَهِي الْخَيل تنْسب كلهَا ... مكد وجياش الأجاري مسهب) (وَمَا يستوى البرذون صلت حلومكم ... وَلَا السَّابِق الطّرف الْجواد المجرب) (فَإِن أضرمت أَو أنجبت أم خَالِد ... فحصر الزِّنَاد هن أورى وأثقب)

стр. 148

قَالَ: نلقى عمَارَة ابْنا لمروان بن أبي حَفْصَة وَكَانَ بلغه أَنه هجا خَالِدا لينتصر لتميم فِي الطَّرِيق فَقيل لَهُ هَذَا ابْن أبي حَفْصَة فَقَالَ لَهُ: - (فعرضك لَا يُوفي كَرِيمًا بعرضه ... فَهَل يوفين مِنْك الجزاز المصمم) (كَأَنَّك لم تسمع فوارس وَائِل ... إِذا أسرجوا للحرب يَوْمًا وألجموا) قَالَ: ولقى خَالِد عمَارَة فَقَالَ لَهُ: ابْن خُزَيْمَة بيني وَبَيْنك أَو سوأته أَن يكون فِي قومِي مثل تَمِيم وَفِي قَوْمك مثلى. قَالَ: أخترت لنَفْسي عافاك اللَّهِ فَلَا تلمني على الِاخْتِيَار وَكَأن خَالِدا وجد من ذَلِك. قَالَ: وَبلغ الْمَأْمُون خبرهما فَأرْسل إِلَى خَالِد بِمَال وَقَالَ: مثلك من الْعَرَب فليصن عرضه لَا من يذله بخلا ولؤما. حَدثنِي أَبُو عَليّ السليطي من بني سليط حى من بني تَمِيم قَالَ حدثتي عمَارَة بن عقيل قَالَ: أنشدت الْمَأْمُون قصيدة فِيهَا مديح لَهُ فِيهَا مائَة بَيت. فأبتدأت بصدر الْبَيْت فبادرني إِلَى قافيته فَقلت: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمعهَا مني أحد قطّ قَالَ هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون، ثمَّ أقبل على فَقَالَ: لما بلغك أَن عمر بن أبي ربيعَة أنْشد عبد اللَّهِ بن عَبَّاس قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا: (تشط غَدا دَار جيراننا ... ) فَقَالَ ابْن عَبَّاس: - (وللدار بعد غَد أبعد ... ) حَتَّى أنْشدهُ القصيدة يقفيها ابْن عَبَّاس: ثمَّ قَالَ: أَنا ابْن ذَاك. حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم خَليفَة بن جروة قَالَ سَمِعت أَبَا مَرْوَان كارز بن هَارُون يَقُول: قَالَ الْمَأْمُون: - (بَعَثْتُك مشتاقا ففزت بنظره ... وأغفلتني حَتَّى أَسَأْت بك الظنا) (فناجيت من أَهْوى وَكنت مباعدا ... فيا لَيْت شعري عَن دنوك مَا أغنا) (أرى أثرا مِنْهُ بِعَيْنَيْك بَينا ... لقد أخذت عَيْنَاك من عينه حسنا)

стр. 149

قَالَ أَبُو مَرْوَان: وَإِنَّمَا عول الْمَأْمُون فِي هَذَا الْمَعْنى على قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف حَيْثُ يَقُول: - (إِن تشق عَيْني بهَا فقد سعدت ... عين رَسُولي وفزت بِالْخَيرِ) (وَكلما جَاءَنِي الرَّسُول لَهَا ... رددت عمدا فِي طرفه نَظَرِي) (يظْهر فِي وَجهه محاسنها ... قد أثرت فِيهِ أحسن الْأَثر) (خُذ مقلتي يَا رَسُول عَارِية ... فَأنْظر بهَا واحتكم على بَصرِي) قَالَ: وَأَخْبرنِي مُوسَى بن عبيد اللَّهِ التَّمِيمِي. قَالَ: تَذَاكَرُوا الشطرنج عِنْد الْمَأْمُون فتذاكروا قَول خَالِد القناص فِيهَا حَيْثُ يَقُول: - (أَرَادَ بِلَا ذحل أَخ لي يودني ... ويعظم حَقي دون كل ودود) (محاربتي لم يأل أَن بَث خيلة ... وألقح حَربًا شبها بوقود) فأمحكني وَالْحَرب أما بديها ... إِذا ورد الْأَبْطَال خير وُرُود) (فَأحْسن من عذراء مياسة الخطى ... رخيمة دلّ للرِّجَال صيود) (وَآخِرهَا شَمْطَاء كالغول فَحْمَة ... شبيهه عرنين بِأم قرود) وَقَالَ آخر: - (وجيش فِي الوغى بِإِزَاءِ جَيش ... لهام جحفل لجب خَمِيس) (يواقف بالمخائف مَا يبالى ... بِسَعْد طيره أم بالنحوس) (تراهم يبذلون لمدرهيهم ... إِذا حمى الوغى مهج النُّفُوس) (نفوس لَيْسَ ينفعها نعيم ... وَلَيْسَ يَضرهَا إعدام بؤس) (وَلَيْسوا باليهود وَلَا النَّصَارَى ... وَلَا الْعَرَب الصَّلِيب وَلَا الْمَجُوس)

стр. 150

وَقَالَ آخر: - (وخيل قد جعلت إزاء خيل ... تساقي بَينهَا كأس الذباح) (بِيَمِينِهِ وميسرة وقلب ... كتعبية الْكَتَائِب للنطاح) (لغير عَدَاوَة كَانَت قَدِيما ... وَلَكِن للتلذذ والمراح) قَالَ الْمَأْمُون وَلَكِنِّي قلت فِيهَا: - (أَرض مربعة حَمْرَاء من أَدَم ... مَا بَين إلفين معروفين بِالْكَرمِ) (تذاكرا الْحَرْب فاحتالا لَهَا فطنا ... بِغَيْر أَن يأثما فِيهَا بسفك دم) (هَذَا يُغير على هَذَا وَذَاكَ على ... هَذَا يُغير وَعين الحزم لم تنم) (فَانْظُر إِلَى فطن حَالَتْ بِمَعْرِِفَة ... فِي عسكرين بِلَا طبل وَلَا علم) قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: وَجه إِلَى الْمَأْمُون أَمِير الْمُؤمنِينَ يَوْمًا فصرت إِلَيْهِ فَأَلْفَيْته مطرقا مفكرا فأحجمت عَن الدنو مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَال. فَرفع رَأسه فَنظر إِلَى وَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن أدن فدنوت ثمَّ أطرق مَلِيًّا وَرفع رَأسه. فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاق: شَأْن النَّفس الْملَل وَحب الاستطراف تأنس بالوحدة كَمَا تأنس بالألفة. قلت: أجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ولي فِي هَذَا بَيت. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قلت: - (لَا تصلح النَّفس إِذْ كَانَت مقسمة ... إِلَّا التنقل من حَال إِلَى حَال) حَدثنِي أَبُو نزار الضَّرِير الشَّاعِر قَالَ: قَالَ لي على بن جبلة. قلت لحميد بن عبد الحميد يَا أَبَا غَانِم: إِنِّي قد امتدحت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون بمديح لَا يحسن مثله أحد من أهل الأَرْض فاذكرني لَهُ. فَقَالَ: أنشدنيه. فَأَنْشَدته فَقَالَ: اشْهَدْ أَنَّك صَادِق وَأخذ المديح فَأدْخلهُ على الْمَأْمُون. فَقَالَ يَا أَبَا غَانِم: الْجَواب فِي هَذَا وَاضح إِن شَاءَ عَفَوْنَا عَنهُ وَجَعَلنَا ذَلِك ثَوابًا المديحه لنا وَإِن شَاءَ جَمعنَا بَين شعره فِيك وَفِي أبي دلف فَإِن كَانَ الَّذِي قَالَ فِيك وَفِيه أَجود من الَّذِي مَدْحنَا بِهِ ضربنا ظَهره، وأطلنا حَبسه. وَإِن كَانَ الَّذِي قَالَ فِينَا أَجود أعطيناه بِكُل بَيت من مديحه ألف دِرْهَم،

стр. 151

وَإِن شَاءَ أقلناه. فَقلت يَا سَيِّدي: وَمن أَبُو دلف وَمن أَنا حَتَّى يمدحنا بأجود من مديحك؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْكَلَام من الْجَواب عَن الْمَسْأَلَة فِي أَي شَيْء فَأَعْرض ذَلِك على الرجل. قَالَ عَليّ بن جبلة: قَالَ لي حميد: مَا ترى؟ قلت: الْإِقَالَة أحب إِلَيّ. فَأخْبر الْمَأْمُون فَقَالَ هُوَ أعلم. قَالَ حميد: قلت لعلى إِلَى شئ ذهب فِي مدحك ابادلف وَفِي مدحك لي فَقَالَ إِلَى قولى فِي أبي دلف: - (إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف ... بَين مغزاه ومحتضره) (فَإِذا ولى أَبُو دلف ... ولت الدُّنْيَا على أَثَره) والى قولي فِيك: - (لَوْلَا حميد لم يكن ... حسب يعد وَلَا نسب) (يَا وَاحِد الْعَرَب الَّذِي ... عزت بعزته الْعَرَب) قَالَ: فَأَطْرَقَ حميد سَاعَة ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا الْحسن لقد انتقد عَلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون وَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وحملان وخلعة وخادم. وَبلغ ذَلِك أَبَا دلف فأضعف لي الْعَطِيَّة وَكَانَ ذَلِك مِنْهُمَا فِي ستر لم يعلم بِهِ أحد إِلَى أَن حدثتك يَا أَبَا نزار بِهَذَا. قَالَ أَبُو نزار: وظننت أَن الْمَأْمُون تفقد عَلَيْهِ هَذَا الْبَيْت فِي أبي دلف. (تحدر مَاء الْجُود من صلب آدم ... فأثبته الرحمان فِي صلب قَاسم) أَخْبرنِي سُلَيْمَان بن رزين الْخُزَاعِيّ ابْن أخي دعبل قَالَ: هجا دعبل الْمَأْمُون فَقَالَ: - (ويسومني الْمَأْمُون خطة عَارِف ... أوما رأى بالْأَمْس رَأس مُحَمَّد) (يُوفى على هام الخلائف مثل مَا ... توفّي الْجبَال على رُؤُوس القردد) (وَيحل فِي أكناف كل ممنع ... حَتَّى يذلل شاهقا لم يصعد) (إِن التراث مسهد طلابها ... فَاكْفُفْ لعابك عَن لعاب الْأسود) فَقيل لِلْمَأْمُونِ إِن دعبلا هجاك. فَقَالَ: هُوَ يهجو أَبَا عباد لَا يهجوني. يُرِيد حِدة

стр. 152

أبي عباد، وَكَانَ أَبُو عباد إِذا دخل على الْمَأْمُون كثيرا مَا يضْحك الْمَأْمُون وَيَقُول لَهُ: مَا أَرَادَ دعبل مِنْك حَيْثُ يَقُول: (وَكَأَنَّهُ من دير هِرقل مفلت ... حرد يجر سلاسل الأقياد) وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لإِبْرَاهِيم بن شكْلَة إِذا دخل عَلَيْهِ لقد أوجعك دعبل حَيْثُ يَقُول: - (إِن كَانَ إِبْرَاهِيم مضطلعا بهَا ... فلتصلحن من بعده لمخارق) (ولتصلحن من بعد ذَاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده المارق) (ولتصلحن من بعد ذَاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق) (أَنِّي يكون وَلَا يكون وَلم يكن ... لينال ذالك فَاسق عَن فَاسق) حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن حَفْص المخرمي أَن إعرابيا دخل على الْحسن بن سهل فأمتدحه فَلَمَّا فرغ قَالَ لَهُ / احتكم. قَالَ وَهُوَ يظنّ أَن الْأَعرَابِي همته همة صَغِيرَة فَقَالَ: ألف نَاقَة فَوَجَمَ لَهَا الْحسن وَلم يكن فِي سَعَة يَوْمئِذٍ وَكره أَن يفتضح فأجال الْفِكر فَقَالَ يَا أَعْرَابِي: لَيْسَ بِلَادنَا بلادا بل وَلَكِن مَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: - (إِذا لم تكن إبل فمعزى ... كَأَن قُرُون جلتها العصى) قد أمرت لَك بِأَلف شَاة فالق يحيى بن خاقَان. قَالَ: فلقي يحيى فَأعْطَاهُ لكل شَاة دِينَار فَأخذ ألف دِينَار. قَالَ: وَكَانَ الْمَأْمُون يبْعَث إِلَى أم جَعْفَر فِي كل سنة من ضرب السّنة مَال دَنَانِير ودراهم فَكَانَت تصل أَبَا الْعَتَاهِيَة مِنْهَا. فجَاء أَبُو الْعَتَاهِيَة إِلَى مُسلم بن سَعْدَان كَاتب أم جَعْفَر وَأَنا قَاعد أكتب بَين يَدَيْهِ فَأعْطَاهُ رقْعَة وَسَأَلَهُ أَن يَدْفَعهَا إِلَى لأوصلها إِلَى أم جَعْفَر وَأَنا غُلَام فَأخذت الرقعة فأدخلتها إِلَى أم جَعْفَر فقرأتها فَإِذا فِيهَا: - (زَعَمُوا لى أَن من ضرب السّنة ... جددا بيضًا وصفرا حسنه) (سككا قد أحدثت لم أرها ... مثل مَا كنت أرى كل سنة)

стр. 153

وَكَانَ صرد الْخَادِم يتَوَلَّى تفرقه صلَة الْمَأْمُون لَهَا من هَذِه الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير الجدد. فَأمرت بإحضار صرد فَقَالَت لَهُ: لم لم تعط الجرار صلته من الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم؟ . فَقَالَ لم تبلغه النّوبَة. قَالَت: فعجلها لَهُ. فَأَعْطَانِي مائَة دِينَار وألفى دِرْهَم خرجت بهَا فِي صرتين حَتَّى دفعتها إِلَى مُسلم بن سَعْدَان فَدَفعهَا إِلَيْهِ. حَدثنِي أَبُو الشماخ. قَالَ: قَالَ: الْمَأْمُون وَعِنْده الزُّبْدِيُّ، والثقفي مولى الخيزران وَإِسْمَاعِيل بن نوبخت. وتذاكروا الشُّعَرَاء فَقَالُوا: النَّابِغَة. وَقَالُوا: الأعشي. وخاضوا فيهم. فَقَالَ لَا. أشعرهم إِلَّا وَاحِدًا كَانَ خليعا الْحسن بن هاني. فَقَالُوا: صدق أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: الصدْق على المناظرة أحسن من الصدْق على الهيبة. فَقَالُوا: فِيمَا قَدمته؟ قَالَ: بقوله: - (يَا شَقِيق النَّفس من حكم ... نمت عَن ليلى وَلم أنم) ثمَّ قَالَ لم يسْبقهُ إِلَى هَذَا الْبَيْت أحد: - (ثمَّ دبت فِي عروقهم ... كدبيب الْبُرْء فِي السقم) قَالَ: أَبُو الشماخ: كَانَ الْمَأْمُون منحرفا عَن أبي نواس لميله إِلَى مُحَمَّد. أَخْبرنِي مُوسَى بن عبيد اللَّهِ التَّمِيمِي أَن مَنْصُور النمري، وَالْحسن بن هَانِئ وَأَبا الْعَتَاهِيَة وَأَبا زغبة قَالَ: أَبُو زغبة شَامي، قيسي اجْتَمعُوا فتذاكروا أبياتا على وزن وَاحِد ففضل أَبُو الْعَتَاهِيَة عَلَيْهِم فَقَالَ النمري: - (أعمير كَيفَ بحاجة ... طلبت إِلَى صم الصخور) (لله در عدتكم ... كَيفَ اننسبن إِلَى الْغرُور) (وَلَقَد تبيت أناملي ... يجنين رمان النحور) وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: - (لهفي على الزَّمن القضير ... بَين الخورنق والسدير)

стр. 154

(إِذْ نَحن فِي غرف الْجنان ... نعوم فِي بَحر السرُور) وَقَالَ الْحسن بن هَانِئ: - (وعظتك واعظة الْفَقِير ... وعلتك أبهة الْكَبِير) (ورددت مَا كنت أستعرت ... من الشَّبَاب إِلَى الْمُعير) (وَلَقَد تحل بعقوة الْبَاب ... من بقر الْقُصُور) (صور إِلَيْك مؤنثات ... الدل فِي زِيّ الذُّكُور) (أرهفن إرهاف الأعنة ... والحمائل والسيور) (أصداغهن معقربات ... والشوارب من عبير) وَلَا أحفظ مَا قَالَ أَبُو زغبة ففضلوا أَبَا الْعَتَاهِيَة. وَأَبُو نواس عِنْدِي أشعرهم. حَدثنِي مُحَمَّد بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن. قَالَ: خرج إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس، ودعبل ورزين فِي نظرائهم من أهل الْأَدَب رِجَاله إِلَى بعض الْبَسَاتِين فِي خلَافَة الْمَأْمُون فَلَقِيَهُمْ قوم من أهل السَّوْدَاء من أَصْحَاب الشوك قد باعوا مَا مَعَهم من الشوك \ فأعطوهم شَيْئا وركبوا تِلْكَ الْحمر فَأَنْشَأَ إِبْرَاهِيم يَقُول: - (أعيضت بعد حمل الشوك ... أوقارا من الْحَرْف) (نشاوي لَا من السكر ... وَلَكِن من أَذَى الضعْف) فَقَالَ رزين: - (فَلَو كُنْتُم على ذَاك ... تؤولون إِلَى قصف) (تَسَاوَت حالكم فِيهِ ... وَلم تعنوا على الْخَسْف) فَقَالَ دعبل: - (فَإذْ فَاتَ الَّذِي فَاتَ ... فكونوا من ذوى الظّرْف)

стр. 155

(ومروا نقصف الْيَوْم ... فَإِنِّي بَائِع خفى) حَدثنِي مُحَمَّد بن الْهَيْثَم الطَّائِي. قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد الطيفوري. قَالَ: شكا اليزيدي إِلَى الْمَأْمُون خلة أَصَابَته، ودينا لحقه. فَقَالَ لَهُ: مَا عندنَا فِي هَذِه الْأَيَّام مَا إِن أعطيناكه بلغت بِهِ مَا تُرِيدُ. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن الْأَمر قد ضَاقَ على، وَإِن غرمائي قد أرهقوني. قَالَ: قدم لنَفسك أمرا تنَال بِهِ نفعا فَقَالَ: لَك منادمون فيهم من إِن حركته نلْت مِنْهُ مَا أحب فَأطلق لي الْحِيلَة فيهم. قَالَ: قل مَا بدا لَك. فَقَالَ: إِذا حَضَرُوا حضرت فَأمر فلَانا الْخَادِم يُوصل إِلَيْك رقعتي فَإِذا قرأتها فَأرْسل إِلَى دخولك فِي هَذَا الْوَقْت مُتَعَذر، وَلَكِن أختر لنَفسك من أَحْبَبْت قَالَ: فَلَمَّا أَن علم أَبُو مُحَمَّد جُلُوس الْمَأْمُون وأجتماع ندمائه إِلَيْهِ وتيقن أَنهم قد ثَمِلُوا من شربهم أَتَى الْبَاب فَدفع إِلَى ذَلِك الْخَادِم رقْعَة قد كتبهَا فأوصلها لَهُ إِلَى الْمَأْمُون فقرأها فَإِذا فِيهَا: - (يَا خير إخْوَان وَأَصْحَاب ... هَذَا الطفيلي لَدَى الْبَاب) (فصيروني وَاحِدًا مِنْكُم ... أَو أخرجُوا لي بعض أَصْحَابِي) قَالَ: فقرأها الْمَأْمُون على من حَضَره فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي أَن يدْخل الطفيلى على مثل هَذِه الْحَال فَأرْسل إِلَيْهِ الْمَأْمُون: دخلولك فِي هَذَا الْوَقْت مُتَعَذر فأختر لنَفسك من أَحْبَبْت تنادمه. فَقَالَ: مَا أرى لنَفْسي اخْتِيَارا غير عبد اللَّهِ بن طَاهِر فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: قد وَقع اخْتِيَاره عَلَيْك فصر إِلَيْهِ. قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: فَأَكُون شريك الطفيلي. قَالَ: مَا يُمكن رد أبي مُحَمَّد عَن أَمريْن فَإِن أَحْبَبْت أَن تخرج وَإِلَّا فَافْدِ نَفسك. قَالَ: فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَهُ على عشرَة آلَاف دِرْهَم. قَالَ: لَا أَحسب ذَلِك يقنعه مِنْك وَمن مجالستك. قَالَ: فَلم يزل يزِيدهُ عشرَة عشرَة والمأمون يَقُول لَا أرْضى لَهُ بذلك حَتَّى بلغ الْمِائَة. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: فعجلها لَهُ. قَالَ: فَكتب لَهُ بهَا إِلَى وَكيله وَوجه مَعَه رَسُولا. وَأرْسل الْمَأْمُون إِلَيْهِ: قبض هَذِه فِي هَذِه الْحَال

стр. 156

أصلح لَك من منادمته على مثل حَاله وانفع عَاقِبَة. حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن. قَالَ: أَخْبرنِي عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد مولى بني زهرَة. قَالَ: دخل أبي عَليّ الْمَأْمُون وَقد ولاه الْقَضَاء فَقَالَ: أتروى شَيْئا من الشّعْر؟ قَالَ: نعم. قَالَ انشدني: فأنشده: - (سكن يبْقى لَهُ سكن ... مَا بِهَذَا يُؤذن الزَّمن) (نَحن فِي دَار يخبرنا ... ببلاها نَاطِق لسن) (كل حى عِنْد ميته ... حَظه من مَاله كفن) (إِن مَال الْمَرْء لَيْسَ لَهُ ... مِنْهُ إِلَّا فعله الْحسن) قَالَ: فَدَعَا الْمَأْمُون بداوة فكتبها. قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون لعبد اللَّهِ بن طَاهِر: لَيْسَ فِيك عيب إِلَّا أَنَّك تحب الشّعْر وَأَهله. وَقد أمرت أَحْمد بن يُوسُف يضم إِلَيْك رجلا فِي ناحيتنا هُوَ عِنْدِي أشعر من جرير. فضم إِلَيْهِ أَبُو العمثيل وَهُوَ: عبد اللَّهِ بن خويلد. . كَانَ أَمر الرشيد أَن يبْتَاع لَهُ خويلد هَذَا فَسبق الْعَبَّاس بن مُحَمَّد فَاشْتَرَاهُ فصير لَهُ خوله الَّذين كَانُوا للْعَبَّاس بن مُحَمَّد بفيد وأيلة. وَقَالَ أَبُو العمثيل قدم على الْمَأْمُون بخراسان أَيَّام الْفضل بن سهل فَخرج أَبُو العمثيل خلف عبد اللَّهِ بن طَاهِر إِلَى مصر فَقَالَ قصيدة يصف فِيهَا الْمنَازل مثل قصيدة أبي النواس فِي الخصيب يصف الْمنَازل فَأول قصيدة أبي العثميل: - (خليلي إِن الْهم لى غير وازع ... وقلبي عميد قلب هيمان نَازع) (ألم تَرَ أَنِّي كلما هبت الصِّبَا ... أصب ويقضيني شؤون المدامع) (جعلت همومي حَشْو قلب مشايع ... على الْهم والوجناء حَشْو البراذع) قَالَ وَكَانَ أَبُو العمثيل ولد فِي البدو، وَنَشَأ فِي البدو وَكَانَ فِي بني الْقَيْن ابْن جسر. قَالَ: وشعره فِي ألف جلد.

стр. 157

قَالَ إِسْحَاق الْموصِلِي: قَالَ: أَبُو مُوسَى فِي عريب جَارِيَة الْمَأْمُون وَكَانَت تعشق جَعْفَر بن حَامِد ويتعشقها فَلَمَّا وجدت من الْمَأْمُون غَفلَة وضعت على فراشها مِثَال رُخَام تَحت الْإِزَار يحْسب من رَآهُ من بعيد أَنَّهَا نَائِمَة. وَكَانَ جَعْفَر بن حَامِد قد نزل إِلَى جَانب قصر الْمَأْمُون فَصَعدت إِلَى السَّطْح فتدلت فِي زبيل فَلَمَّا قضى نهمته مِنْهَا قعدت فِي الزبيل فَصَعدت فَرَجَعت إِلَى مَكَانهَا وطلبها الْمَأْمُون قبل أَن ترجع على فراشها فَلم يجدهَا، فَعلم إِلَى ايْنَ صَارَت، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: - (قَاتل اللَّهِ عريبا ... فعلت فعلا عجيبا) (ركبت وَاللَّيْل داج ... مركبا صعبا أريبا) (لعَظيم جعلت ذَا ... لَك مكسا لَا هيوبا) (مخه لَو حركت خفت ... عَلَيْهَا أَن تذوبا) (رعت اللَّيْل فَلَمَّا ... إقتضى النّوم الرقيبا) (مثلت فَوق حشاياها ... لكَي لَا يستريبا) (بَدَلا مِنْهَا إِذا نُودي ... باسم لَا يجيبا) (وَمَضَت يحملهَا الْخَوْف ... قَضِيبًا وكثيبا) (فتدلت لمحب ... فتلقاها حبيبا) (جذلا قد نَالَ بالدن ... يَا من الدُّنْيَا رغيبا) (أَيهَا الظبي الَّذِي يحرج ... عَيناهُ القلوبا) (وَالَّذِي يَأْكُل بَعْضًا ... بعضه ملحا وطيبا) (كنت نصبا لذئاب ... فَلَقَد أطمعت ذيبا) (وَكَذَا الشَّاة إِذا لم ... يَك راعيها لبيبا)

стр. 158

(لَا يُبَالِي رعية المرعى ... إِذا كَانَ عشيبا) (فَلْيقل من شَاءَ مَا شَاءَ ... إِذا كَانَ أديبا) قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون قد وَلَا يحيى بن أَكْثَم قَضَاء الْبَصْرَة فحضره جحشويه الشَّاعِر وَشهد رجلَيْنِ عِنْده من أهل الْعَدَالَة وَالصَّلَاح بِمَال على معية، وَيُقَال على غَيره. ولمعية مَعَ يحيى أَحَادِيث طريفة. وَاسم أحد الرجلَيْن اللَّذين شَهدا عِنْد يحيى جُوَيْن وَالْآخر عداس. على غُلَام أَنَّهُمَا رأياه يلاط بِهِ وَادّعى الْغُلَام أَنَّهُمَا قذفاه بالزنى فَأَرَادَ أَن يحدهما فَقَالَ جحشوية: - (أنطقني الدَّهْر بعد إخراس ... بحادثات أطلن وسواسي) (يَا بؤس للدهر لَا يزَال كَمَا ... يرفع نَاسا يحط من نَاس) (لَا أفلحت أمة وَحقّ لَهَا ... بطول لعن وَطول إتعاس) (ترْضى بِيَحْيَى يكون سائسها ... وَلَيْسَ يحيى لَهَا بسواس) (قَاض يرى الْحَد فِي الزناء وَلَا ... يرى على من يلوط من بَأْس) (يحكم للأمرد الظريف على ... مثل جُوَيْن وَمثل عداس) (فَالْحَمْد لله كَيفَ قد ظهر الْجُود ... وَقل الْوَفَاء فِي النَّاس) (أميرنا جَائِر وقاضينا ... يلوط وَالرَّأْس شَرّ مَا رَأس) (لَو قصد الرَّأْس واستقام لقد ... قَامَ على الْقَصْد كل مرتاس) (مَا أحسن الْجور ينقضى وعَلى ... النَّاس أَمِير من آل عَبَّاس) وَقَالَ مُصعب بن الْحسن. حَدثنِي أَبُو خَالِد القناديلي. قَالَ: شهِدت الْمَأْمُون وَعِنْده عبَادَة المخنث وَقد أَمر بِيَحْيَى بن أَكْثَم وَقد وضع السرج، وشدوا حزامه ولببه فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء يهجو يحيى بن أَكْثَم: -

стр. 159

(أرقه برح الْهوى وسدمة ... وملة الْحبّ فَبَاتَ يألمة) (طورا يعاتبه وطورا يشتمه ... مثل الْحَرِيق فِي الحشا يضرمه) (فَفَاضَتْ الْعين بدمع تسجمه ... نمت عَلَيْهِ كل سوق يَكْتُمهُ) (وباح بالحب الَّذِي يجمعه ... وَبَات وَالْقلب يسامي هممه) (من لمحب قد ترَاهُ يرحمه ... أصبح بالبأساء عَار أنغمه) (طَال تصابيه وَطَالَ سقمه ... وبلى الْجِسْم ودقت أعظمه) (يشهدني اللَّهِ على من يَظْلمه ... يمنعهُ طعم الْكرَى ويحرمه) (واها لَهُ يصرم من لَا يصرمه ... أصبح هَذَا الدّين رثا رممه) (عطله الْجور وَطَالَ قدمه ... سحت من الْجور عَلَيْهِ ديمه) (فباد مغنى ربعه وأرسمه ... إِلَّا بقايا قومه وَجمعه) (أوطنه الْجور فأضحى معلمه ... يرود فِيهِ شاءه ونقمه) (من يشْهد الْجور فَنحْن نعلمهُ ... أنوك قَاض فِي الْبِلَاد نعلمهُ) (يَقُول حَقًا لَا تعيث ترحمه ... مذ ولى الحكم أُبِيح حرمه) (وأنتهكت من الْقَضَاء حرمه ... واضطربت أَرْكَانه ودعمه) (وَالله يبنيه وَنحن نهدمه ... ياليت يحيى لم يلده أكثمه) (وَلم تطَأ أَرض الْعرَاق قدمه ... ملعونة أخلاقه وشيمه) (لَا خَلفه عف وَلَا مقدمه ... يَأْتِي ويؤتي وَهُوَ لَا يستطعمه) (أَي دَوَاة لم تلقها قلمه ... وَأي بَحر لم يردهُ علمه) (دربه بالرهز حَتَّى أحكمه ... وَأي خشف لم يبت يستطعمه)

стр. 160

(يغكمه هَذَا وَهَذَا يعكمه ... كِلَاهُمَا يَأْتِي كثيرا مأثمه) (وَالله وَالله لقد حل دَمه ... لَو أَن للدّين عمادا يدعمه) (يعدل عَنهُ الْميل أَو يقومه ... لَكَانَ قد رن عَلَيْهِ مأثمه) (أَرْجُو وَيَقْضِي اللَّهِ لَا يُسلمهُ ... من وَجهه هَذَا وَلَكِن يقصمه) (بِالسَّيْفِ إِذا حلت عَلَيْهِ نقمه ... [] ) حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ صَاحب المراكب، قَالَ: أَخْبرنِي أبي، عَن صَالح بن الرشيد. قَالَ: دخلت على المامون وَمَعِي بيتان للحسين بن الضَّحَّاك. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أحب ان تسمع مني بَيْتَيْنِ. قَالَ: أنشدهما فأنشده صَالح: - (حمدنا اللَّهِ شكرا إِذْ حبانا ... بنصرك يَا أَمِير المؤمنينا) (فَأَنت خَليفَة الرحمان حَقًا ... جمعت سماحة وجمعت دينا) فأستحسنهما الْمَأْمُون وَقَالَ: لمن هَذَانِ البيتان يَا صَالح؟ قلت: لعبدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك. قَالَ: قد أحسن قلت: وَله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هُوَ أَجود من هَذَا. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ . فَأَنْشَدته: - (أيبخل فَرد الْحسن فَرد صِفَاته ... على وَقد أفردته بهوى فَرد) (رأى اللَّهِ عبد اللَّهِ خير عباده ... فملكه وَالله أعلم بِالْعَبدِ) قَالَ: عمَارَة بن عقيل. قَالَ لي عبد اللَّهِ بن أبي السمط: علمت أَن الْمَأْمُون لَا يبصر الشّعْر. قَالَ: قلت وَمن ذَا يكون أعلم مِنْهُ فوَاللَّه إِنَّك لترانا ننشده أول الْبَيْت فيسبقنا إِلَى آخِره. قَالَ إِنِّي أنشدته بَيْتا أَجدت فِيهِ فَلم أره تحرّك لَهُ. قَالَ: قلت وَمَا الَّذِي أنشدته؟ قَالَ أنشدته: - (أضخى إِمَام الْهدى الْمَأْمُون مشتغلا ... بِالدّينِ وَالنَّاس بالدنيا مشاغيل)

стр. 161

قَالَ: فَقلت لَهُ إِنَّك وَالله مَا صنعت شَيْئا وَهل زِدْت على أَن جعلته عجوزا فِي مِحْرَابهَا فِي يَدهَا سبحتها فَمن الْقَائِم بِأَمْر الدُّنْيَا إِذا تشاغل عَنْهَا وَهُوَ المطوق بهَا هلا قلت فِيهِ كَمَا قَالَ عمك جرير فِي عبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد: - (فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مضيع نصِيبه ... وَلَا عرض الدُّنْيَا عَن الدّين شاغلة) قَالَ: وحَدثني أَحْمد بن مُحَمَّد اليزيدي. قَالَ: جَاءَنَا أبي فَقَالَ يَا بني: لقينى يَاسر رجله فَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَدخلت على الْمَأْمُون وَعِنْده جمَاعَة من أَصْحَابه فَقَالَ: إِنِّي أمرت من يحضرني ينشدني مَا يخْطر بِقَلْبِه مِمَّا يستحسنه فَكل أنْشد فأنشدني مَا يخْطر بقلبك مِمَّا تستحسنه فَأَنْشَدته: - (عتقت حَتَّى لَو اتَّصَلت ... بِلِسَان نَاطِق وفم) (لاحتبت فِي الْقَوْم مائلة ... ثمَّ قصت قصَّة الْأُمَم) فَقَالَ الْمَأْمُون الَّذِي أردْت: - (وتمشت فِي مفاصلهم ... كتمشى الْبُرْء فِي السقم) ثمَّ نكث الأَرْض بإصبعه فأنصرف من بِحَضْرَتِهِ وَخرجت مَعَهم فلحقني يَاسر فَقَالَ: ارْجع. فَرَجَعت: فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد: اشْتهيت اتعرف الأفياء فَلم يزل يذهب من فئ إِلَى فئ حَتَّى أفْضى إِلَى الرواق فَرفع السجف فَإِذا عريب وَمُحَمّد بن حَامِد البوزنجردي فَقَالَ: نطعم أَبَا مُحَمَّد شَيْئا. فَقلت: قد أكلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَشرب الْمَأْمُون رطلين وَقَالَ: أسق أَبَا مُحَمَّد. فَلَمَّا هَمَمْت بشربه قَالَ: هَات لَهُ عشْرين ألف دِرْهَم قَالَ: وأنشدك بَيْتَيْنِ خير لَك من عشْرين ألف. فَقلت: مازال أَمِير الْمُؤمنِينَ يُؤَدب ويفيد فأنشدني: - (إِنِّي وَأَنت رضيعا قهوة لطفت ... عَن العيان ورقت فِي مدى الْوَهم) (لم نغتذى غير كأس خزت درتها ... والكأس حرمتهَا أولى من الرَّحِم)

стр. 162

حَدثنِي عبد اللَّهِ الرّبيع بن سعد بن زُرَارَة. قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم السباري قَالَ: لما قدم العتابي على الْمَأْمُون مَدِينَة السَّلَام أذن لَهُ فَدخل عَلَيْهِ وَعِنْده إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الموصلى وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا فَسلم فَرد ﵇ وَأَدْنَاهُ وقربه حَتَّى دنا مِنْهُ فَقبل يَده ثمَّ أمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ وَأَقْبل عَلَيْهِ يسائله عَن حَاله فَجعل يجِيبه بِلِسَان طلق فاستطرف الْمَأْمُون ذَلِك مِنْهُ فَأقبل عَلَيْهِ بالمداعبة والمزح فَظن الشَّيْخ أَنه أستخف بِهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. الإبساس قبل الإيناس. قَالَ: فَاشْتَبَهَ على الْمَأْمُون فِي الإبساس فَنظر الْمَأْمُون إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ثمَّ قَالَ: نعم. يَا غُلَام ألف دِينَار فاتى بهَا فَوضعت بَين يَدي العتابي وَأخذُوا فِي الْمُفَاوضَة والْحَدِيث وغمز عَلَيْهِ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فَأقبل لَا يَأْخُذ العتابي فِي شئ إِلَّا عَارضه إِسْحَاق بِأَكْثَرَ مِنْهُ فبقى مُتَعَجِّبا ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أئذن لي فِي مَسْأَلَة هَذَا الشَّيْخ عَن اسْمه. قَالَ: نعم. فسله. قَالَ يَا شيخ: من أَنْت، وَمَا اسْمك؟ قَالَ: أَنا من النَّاس واسمى كل بصل. قَالَ: أما النِّسْبَة فمعروفة، وَأما الِاسْم فمنكر، وَمَا كل بصل من الْأَسْمَاء. قَالَ لَهُ إِسْحَاق: مَا أقل أنصافك؟ وَمَا كل ثوم من الْأَسْمَاء البصل أطيب من الثوم. فَقَالَ العتابي: لله دَرك مَا أحجك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رَأَيْت كالشيخ قطّ تَأذن فِي صلته بِمَا وصلني بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد وَالله غلبني. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: بل هَذَا موفر عَلَيْك ونأمر لَهُ بِمثلِهِ. فَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أما إِذا أَقرَرت بِهَذِهِ فتوهمني تجدني. قَالَ: وَالله مَا أَظُنك إِلَّا الشَّيْخ الَّذِي يتناهى إِلَيْنَا خَبره من الْعرَاق وَيعرف بِابْن الموصلى قَالَ: أَنا حَيْثُ ظَنَنْت. فَأقبل عَلَيْهِ بالتحية وَالسَّلَام. فَقَالَ الْمَأْمُون وَقد طَال الحَدِيث بَينهمَا: أما إِذا اتفقتما على الصُّلْح والمودة فقوما فانصرفا متنادمين فأنصرف العتابي إِلَى منزل إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلى فَأَقَامَ عِنْده. حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن جشم الربعِي قَالَ: أخبرنَا عمَارَة بن عقيل. قَالَ: قَالَ لي الْمَأْمُون يَوْمًا وَأَنا أشْرب عِنْده: مَا أخبثك يَا أَعْرَابِي. قَالَ قلت وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وهمتني نَفسِي. قَالَ كَيفَ قلت: -

стр. 163

(قَالَت مفداة لما أَن رَأَتْ أرقى ... والهم يعتادني من طيفه لمَم) (نهبت مَالك فِي الأدنين آصرة ... وَفِي الأباعد حَتَّى حفك الْعَدَم) (فأطلب إِلَيْهِم ترى مَا كنت من حسن ... تسدى إِلَيْهِم فقد باتت لَهُم صرم) (فَقلت عذلك قد أكثرت لائمتى ... وَلم يمت حَاتِم هزلا وَلَا هرم) فَقَالَ لي: ايْنَ رميت بِنَفْسِك إِلَى هرم بن سِنَان سيد الْعَرَب، وحاتم الطَّائِي فعلا كَذَا، وفعلا كَذَا. وَأَقْبل ينثال على بفضلهما. قَالَ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: خير مِنْهُمَا أَنا مُسلم وَكَانَا كَافِرين، وَأَنا رجل من الْعَرَب. حَدثنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا بن مَيْمُون الفرغاني قَالَ: قَالَ الْمَأْمُون لمُحَمد بن الجهم أَنْشدني ثَلَاثَة أَبْيَات فِي المديح: والهجاء، والمراثي وَلَك بِكُل بَيت كورة فأنشده فِي المديح: - (يجود بِالنَّفسِ إِذْ ضن الْجواد بهَا ... والجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود) وأنشده فِي الهجاء: - (قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم بقبح الْمخبر) وانشده فِي المراثي: - (أَرَادوا ليخفوا قَبره عَن عدوه ... فطيب تُرَاب الْقَبْر دلّ على الْقَبْر) وَقَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد. قَالَ انشدني الْعَبَّاس بن أَحْمد بن الْمَأْمُون فِي الْجَوَارِي: - (أَتُوب إِلَى الرحمان من كل ذَنْب ... سوى أنني للغانيات ودود) (أَخَاف إِذا مَا مت أَن يسترقني ... ترائب تبدو من ضحى وخدود)

стр. 164

أَخْبَار المغنين أَيَّام الْمَأْمُون الْعَبَّاس بن أَحْمد بن أبان أَبُو الْقَاسِم الْكَاتِب. قَالَ: أَخْبرنِي الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك. قَالَ: قَالَ عُلْوِيَّهُ أخْبرك أَنه مر بِي مرّة مَا أَيِست من نَفسِي مَعَه لَوْلَا كرم الْمَأْمُون وَإنَّهُ دَعَا بِنَا فَلَمَّا أَخذ فِيهِ النَّبِيذ قَالَ: غنونى. فَسَبَقَنِي مُخَارق فأندفع فتغنى صَوتا لِابْنِ سُرَيج فِي شعر جرير: - (لما تذكرت بالديرين أرقني ... صَوت الدَّجَاج وَضرب بالنواقيس) (فَقلت للركب قد جد الْمسير بِنَا ... يَا بعد يبرين من بَاب الفراديس) قَالَ: فحين لي أَن تَغَنَّيْت. وَقد كَانَ هم بِالْخرُوجِ إِلَى دمشق يُرِيد الثغر: - (الْحِين سَاق إِلَى دمشق وَمَا ... كَانَت دمشق لأهلنا بَلَدا) قَالَ: فَضرب بالقدح الأَرْض وَقَالَ: مَالك. عَلَيْك لعنة اللَّهِ. ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام عط مخارقا ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم. وَأخذ بيَدي فَقُمْت وَعَيناهُ تدمعان وَهُوَ يَقُول للمعتصم. هُوَ وَالله آخر خُرُوج وَلَا أحسبني أرى الْعرَاق ابدا. قَالَ: فَكَانَ وَالله آخر الْفِرَاق عِنْد خُرُوجه كَمَا قَالَ. قَالَ الْحُسَيْن وَأَخْبرنِي مُخَارق أَنه دخل على الْمَأْمُون يَوْمًا وَبَين يَدَيْهِ طبق عَلَيْهِ رغيفان ودجاجة. قَالَ فَقَالَ لي: تعال يَا مُخَارق. قَالَ: فصيرت بركَة قبائي فِي منطقتي وغسلت يَدي وَجئْت فَجعلت أقطع بَين يَدَيْهِ من الدَّجَاجَة وآكل حَتَّى آتَيْنَا جَمِيعًا على الدَّجَاجَة والرغيفين وَقمت من بَين يَدَيْهِ. فَلَمَّا جلسنا للنبيذ قَالَ لي يَا مُخَارق غنني صَوتا كَذَا فغنيته فعبس فِي وَجهه وَقَالَ لعلوية غنني يَا علوِيَّة هَذَا الصَّوْت فغناه دون غنائي فَضَحِك إِلَيْهِ وَتَبَسم ودعا لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَوضعت بَين يَدَيْهِ ثمَّ سَأَلَني أَن أغنيه صَوتا آخر فغنيته وأجتهدت فَفعل مثل فعله الأول، وَأمر علوِيَّة فغناه فَفعل كَذَلِك ودعا لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ قَالَ غنني فغنيته فَفعل كَفِعْلِهِ الأول ثمَّ قَالَ لعلوية غنه فغناه فَدَعَا لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة: فَقَالَ لي علوِيَّة وأصحابنا

стр. 165

الك ذَنْب؟ فَقلت: لَا وَالله إِلَّا أَنِّي دخلت فدعاني إِلَى الْغَدَاء فَأكلت مَعَه. فَقَالَ لي علوِيَّة وَيلك ألم يكن فِي بَيْتك رغيف فتأكله قبل مجيئك. قَالَ: ثمَّ انصرفنا من ذَلِك الْمجْلس فَأمر أَن أحضر الدَّار كل يَوْم حَتَّى حضرت شهرا لَا يَأْذَن لي. فَلَمَّا استوفيت ثَلَاثِينَ يَوْمًا أذن لى فَدخلت وَهُوَ يتغدى وَبَين يَدَيْهِ طبق مثل ذَلِك الطَّبَق وَعَلِيهِ دجَاجَة ورغيفان فَسلمت فَرد على السَّلَام. ثمَّ قَالَ أدن يَا مُخَارق. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَا وَالله لَا أَعُود لمثلهَا ابدا. قَالَ: فَضَحِك حَتَّى استغرق ثمَّ قَالَ لي: وَيلك اظننت بِي بخلا على الطَّعَام لَا وَالله وَلَكِنِّي أردْت تأديبك لمن بعدِي لِأَن الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء لَا يؤاكلها خدمها، وأخاف أَن تتعود هَذَا من غَيْرِي فَلَا يحتملك عَلَيْهِ تعال الْآن فَكل فِي أَمَان. قَالَ قلت: لَا أفعل وَالله. قَالَ: فَدَعَا لي بِطَعَام وَحضر المغنون فَقَالَ لعلوية: غنني فغناه فَأَعْرض عَنهُ. ثمَّ قَالَ لي: غن فغنيت. فَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. ثمَّ لم يزل يفعل كَذَلِك حَتَّى استوفيت ثَلَاثِينَ ألفا كَمَا وهب لعلوية. حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن طَاهِر بن الْحُسَيْن أَبُو الْعَبَّاس قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون يَوْمًا قَاعد يشرب وَبِيَدِهِ قدح إذغنت بذل الْكَبِيرَة (أَلا لَا أرى شَيْئا ألذ من الْوَعْد ... وَمن أمْلى فِيهِ وَإِن كَانَ لَا يجدي) قَالَ: فَقَالَت: مَكَان الْوَعْد الذمن الْحق. فَوضع الْمَأْمُون الْقدح من يَده والتفت إِلَيْهَا فَقَالَ: بلَى. النيك الذمن السحق بابذل. ثمَّ قَالَ اتمي صَوْتك (وَمن غَفلَة الواشي إِذا مَا أتيتها ... وَمن نَظَرِي أبياتها خَالِيا وحدي) (وَمن ضحكة فِي الْمُلْتَقى ثمَّ سكته ... وكلتا هما عِنْدِي ألذ من الْخلد) أَخْبرنِي سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن مقرن. قَالَ: بلغ الْمَأْمُون أَن عبيد اللَّهِ بن أبي غَسَّان مَحْبُوس بدين عَلَيْهِ. فَسَأَلَ عَمْرو بن مسْعدَة عَمَّا عَلَيْهِ من الدّين فَأخْبرهُ

стр. 166

ببلغه فَأمر بِقَضَائِهِ عَنهُ. وَقَالَ لعَمْرو قل لَهُ عني: أياك بعد هَذَا أَن تدان. وأقصر عَن الْإِسْرَاف. قَالَ: فَقَالَ لعَمْرو قل لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ يسرف من خبزه خشكار، ونبيذه دوشاب، ومغنيه عَمْرو الغزال. وأنشدني سعيد بن عبد الرَّحْمَن لبَعض الرقاشيين فِي عَمْرو الغزال. وَفِي عَليّ بن أُميَّة وَذَلِكَ أَن الشّعْر لَهُ: - (يَا رب خذني وَخذ عليا وَخذ ... يَا ريح مَا تصنعين بالدمن) (عجل إِلَى النَّار بِالثَّلَاثَةِ وَالرَّابِع ... عَمْرو الغزال فِي قرن) حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبان قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عبد الْملك بن أبان قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عبد اللَّهِ بن أبي الْعَلَاء قَالَ: كنت عِنْد صَالح ابْن الرشيد ومعنا الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك فِي خلَافَة الْمَأْمُون وَكَانَ يهوى يعْنى صَالحا خَادِمًا لَهُ. فغاضبه فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَتنحّى عَنهُ وَكَانَ جَالِسا فِي صحن لَهُ حوله نرجس كثير فِي قمر طالع حسن فَقَالَ: قل للحسين بن الضَّحَّاك يَقُول فِي مَجْلِسنَا وَمَا نَحن فِيهِ ابياتا يغنى فِيهَا عَمْرو قَالَ: فَقَالَ الْحُسَيْن: - (وصف الْبَدْر حسن وَجهك حَتَّى ... خلت أَنِّي وَمَا أرَاهُ أراكا) (وَإِذا مَا تنفس النرجس الغض ... توهمته نسيم نشاكا) (خدع للنا تقلبنى فِيك ... بإشراق ذَا وبهجة ذاكا) (لأدومن مَا حييت على الود ... لهَذَا وَذَاكَ إِذْ حكياكا) قَالَ: وَقَالَ لي تغن فِيهَا فتغنيت فِيهَا من سَاعَتِي. حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن طهْمَان. قَالَ: أَخْبرنِي الْحُسَيْن بن الْمَرْزُبَان النّحاس قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون إِذا غنى بالصوت يشتهيه استعاده وَلم يسمع غَيره. قَالَ: وَكَانَ إِذا اشْتهى الْمَأْمُون من الطَّعَام شَيْئا أكله وَلم يَأْكُل غَيره. حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا، عَن إِسْحَاق بن حميد كَاتب أبي الرَّازِيّ. قَالَ: انْصَرف

стр. 167

علوِيَّة الأعسر المغنى من مجْلِس الْمَأْمُون فَقَالَ لنا: إِنَّه دَار صَوت فِي هَذِه اللَّيْلَة فِي مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ بَيت وَاحِد. فَسَأَلَ عَنهُ كل من فِي الْمجْلس فَلم يعرف لَهُ أحد مِنْهُم ثَانِيًا فَهَل تعرفونه. فَقلت: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: - (تخيرت من نعْمَان عود أراكه ... لهِنْد فَمن هَذَا يبلغهُ هندا) فَلم تعرفه فَقَالَ: أحب أَن تطلبونه فَطلب لَهُ عِنْد أهل الْمعرفَة بِبَغْدَاد فَلم يقدر عَلَيْهِ. فَلَمَّا ولى أَبُو الرَّازِيّ كور دجلة ثمَّ نقل مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة، وَنقل إِلَى الْيَمَامَة والبحرين فَلَمَّا خرجنَا وَكنت مَعَ أبي الرَّازِيّ فِي قبَّة أندفع الْحَادِي يَحْدُو بِنَا للمرقش الْأَكْبَر وَيُقَال للمجنون: - (خليلي عوجا بَارك اللَّهِ فيكما ... وَإِن لم تكن هِنْد لأرضكما قصدا) (وقولا لَهَا لَيْسَ الضلال أجازنا ... وَلَا كننا جزنا لحاجتنا عمدا) ) (تخيرت من نعْمَان عود أراكه ... لهِنْد فَمن هَذَا يبلغهُ هندا) (وأبطشه سَيفي لكيما أقيمه ... فَلَا أودا فِيهِ استبان وَلَا حصدا) (ستبلغ هندا أَن سلمنَا وسلمت ... قَلَائِص يقطعن الفلاة بِنَا وخدا) (فَلَمَّا أنخنا العيس قد طَال سَيرهَا ... إِلَيْهِم وجدنَا بالقرى مِنْهُم حشدا) (فناولتها المسواك وَالْقلب خَائِف ... وَقلت لَهَا يَا هِنْد هَل مثل ذَا يهدى) (وَأَقْبَلت مجتازا مود رِسَالَة ... فَقَامَتْ تجر الميسناني والبردا) (تعرض للحى الَّذين أريدهم ... وَمَا التمست إِلَّا لتقتلني عمدا) (فَمَا شبه هِنْد غير أدماء خاذل ... من الْوَحْش مرتاع تراعى طلا فَردا) (وَمَا نُطْفَة من مزنة فِي وقيعة ... على متن صَخْر فِي صفا خالطت شَهدا) (بأطيب من ريا علالة رِيقهَا ... غَدَاة هضاب الطل فِي رَوْضَة تندى)

стр. 168

حَدثنِي الْفضل بن الْعَبَّاس بن الْفضل. قَالَ: قَالَ لي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلى: طَالَتْ جفوة الْمَأْمُون بِي فَلم أكن أَدخل عَلَيْهِ وَلَا أحضر مجالسة فأضر ذَلِك بِي فَأتيت علوِيَّة، وَكَانَ علوِيَّة لَا يُفَارق الْمَأْمُون لمنادمته. فَقلت لَهُ: وَيلك هَل فِيك خير؟ فَقَالَ لي علوِيَّة: يَا سَيِّدي ففيمن الْخَيْر إِذا. فَقلت لَهُ: قد علمت تناسي أَمِير الْمُؤمنِينَ لي وَشدَّة جفائه، وَقد وَالله أجحف ذَلِك بِي فَهَل لَك إِلَى شَيْء أعرضه عَلَيْك يَا علوِيَّة فَقَالَ لي: قل يَا سَيِّدي مَا أَحْبَبْت قَالَ إِسْحَاق فَقلت لَهُ: قد قلت بَيْتَيْنِ مليحين وَقد صنعتهما بلحن مليح فَأَرَدْت إِذا صرت إِلَى منادمة الْمَأْمُون فغنيت صَوْتَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَن تغنى هَذَا الصَّوْت فَإِنَّهُ سيسألك قَالَ علوِيَّة نعم وكرامة. قَالَ: فَمَكثت أطرح عَلَيْهِ الصَّوْت أَيَّامًا حَتَّى أحكمه وجوده فَلَمَّا أَن جلس الْمَأْمُون للهوه غنى علوِيَّة هَذَا الصَّوْت وَهُوَ: (يَا سرحة المَاء قد سدت موارده ... أما إِلَيْك سَبِيل غير مسدود) (لحائم حام حَتَّى لَا حيام بِهِ ... محلا عَن طَرِيق المَاء مطرود) قَالَ: فَلَمَّا أَن سَمعه الْمَأْمُون قَالَ: يَا علوِيَّة: لمن هَذَا الشّعْر وأيش هَذَا الصَّوْت؟ . قَالَ فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَذَا للمجفو الْمَطَر ودعبدك إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي. قَالَ: على بِهِ السَّاعَة. قَالَ إِسْحَاق: فَأَتَانِي الرَّسُول فصرت إِلَى الْمَأْمُون فَلَمَّا أَن راني وسلمت عَلَيْهِ. قَالَ لي: أدن فَلم يزل يدنيني حَتَّى مست ركبتي ركبته، ثمَّ قبلت يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ ثمَّ أَمر لي بِمِائَة ألف دِرْهَم وألزمني خدمته وَمَا زلت فِي ذَلِك آخذ جوائزه فِي كل قَلِيل حَتَّى توفّي. حَدثنِي سُلَيْمَان بن عَليّ بن نجيح. قَالَ: حَدثنِي أبي. قَالَ: حَدثنِي صَالح بن الرشيد قَالَ: كُنَّا عِنْد الْمَأْمُون، وعقيد، وَعَمْرو بن بانة، وَعِيسَى بن زَيْنَب فغنى عقيد بِشعر عِيسَى بن زيينب وَعِيسَى حَاضر وَكَانَ نديما لِلْمَأْمُونِ وَكَأن شَاعِرًا: - (لَك عِنْدِي فِي كل يَوْم جَدِيد ... طرفَة تستفاد بِابْن الرشيد) (يَا عَمُود الْإِسْلَام خير عَمُود ... وَالَّذِي صِيغ من حَيَاء وجود)

стр. 169

(فتنفست ثمَّ قلت كَذَا كل ... محب صب الْفُؤَاد عميد) (إِذْ تغنى عَمْرو بن بانه إِذْ ذَاك ... وَهُوَ قَابض بأير عقيد) قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون لعقيد. قف فَذكر فحشاء. قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ إِسْحَاق الموصلى: قدم الْمَأْمُون وَكنت أَدخل وعَلى طَوِيلَة وَأَنا فِي السوَاد فَذكر الْمَأْمُون ذَاك فَقيل لَهُ أَنِّي أتية على الْخُلَفَاء وَلَا أغنيهم. فَقَالَ لَهُ صَالح وَأَبُو عِيسَى كَذبُوك ابْعَثْ إِلَيْهِ فَجئْت فغنيته: - (يَا شرعة المَاء قد سدت موارده ... أما إِلَيْك طَرِيق غير مسدود) ثمَّ غنى علوِيَّة: - (لعَبْدِهِ الدَّار مَا تكلّف الدَّار ... ) فَقَالَ: لمن هَذَا؟ فَقَالَ علوِيَّة: لأبراهيم. فَقَالَ لي: هَكَذَا. فَقلت: هُوَ لأبي وَقد أَخطَأ فِيهِ فَأنْكر عَلَيْهِ فَقَالَ: رده أَنْت. فرردت الصَّوْت فقبلني وضمني إِلَيْهِ وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم. قَالَ أَحْمد: بن أبي طَاهِر: قَالَ أَبُو الْحسن مُوسَى بن جَعْفَر بن مَعْرُوف: حَدثنِي علوِيَّة. قَالَ: أَمرنِي الْمَأْمُون وأصحابي أَن نغدو عَلَيْهِ لنصطبح فغدونا فلقيني عبد اللَّهِ بن إِسْمَاعِيل صَاحب المراكب مولى عريب فَقَالَ: (يأيها الرجل الظَّالِم المعتدى أما ... ترحم وَلَا ترق وَلَا تستحى) (عريب هائمة تحتكم عَلَيْك ... فِي كل لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات) قَالَ: أَبُو الْحسن: قَالَ لي عُلْوِيَّهُ: وَكَانَت عريب احسن النَّاس وَجها، وأظرف النَّاس وأفكه وَأحسن غناء منى وَمن صَاحِبي يَعْنِي مُخَارق. قَالَ: فَقلت أم الْمَأْمُون زَانِيَة مر حَتَّى اجىء. قَالَ: فحين دخلت قلت لَهُ استوثق من الْأَبْوَاب فَإِنِّي أعرف النَّاس بِفُضُول الْحجاب. فَأمر بالأبواب فأغلقت وَدخلت فَإِذا عريب جالسة على كرسى عَظِيم تطبخ بَين يَديهَا ثَلَاث قدور من دَجَاج فَلَمَّا رأتني قَامَت إِلَى فعانقتني وقبلتني وأدخلت لسانها فِي فمي ثمَّ قَالَت: مَا تشْتَهي أَن تَأْكُل؟ فَقلت:

стр. 170

قدرا من هَذِه فأفرغت قدرا مِنْهَا بيني وَبَينهَا فأكلنا ثمَّ دعت بالنبيذ فصب رطلا فَشَرِبت نصفه وسقتني نصفه فَمَا زلنا نشرب حَتَّى سكرنا ثمَّ قَالَت يَا أَبَا الْحسن: أخرجت البارحة شعر أبي الْعَتَاهِيَة فأخترت مِنْهُ شعرًا غنيت فِيهِ فَقلت: مَا هُوَ؟ فَقَالَت. (وَإِنِّي لمشتاق إِلَى ظلّ صَاحب ... يروق ويصفو إِن كدرت عَلَيْهِ) (عذيري من الْإِنْسَان لَا إِن جفوته ... صفا لي وَلَا إِن كنت طوع يَدَيْهِ) فصيرناه مَجْلِسنَا فَقَالَت: بقى على فِيهِ شَيْء فأصلحه. فَقلت مَا فِيهِ شَيْء. فَقَالَت: بلَى فصححناه جَمِيعًا ثمَّ جَاءَ الْحجاب فكسروا فأستخرجوني فأدخلت على الْمَأْمُون فَأَقْبَلت أرقص من أقْصَى الإيوان وأصفق بيَدي وأغنى الضَّرْب فَسمع وسمعوا مَا لم يعرفوه فأستظرفوه فَقَالَ الْمَأْمُون: أدن يَا علوِيَّة رد على الصَّوْت. فرددته سبع مَرَّات. فَقَالَ: أَنْت الَّذِي تشتاق إِلَى ظلّ صَاحب يرق لَك ويصفو إِن كدرت عَلَيْهِ. فَقلت: نعم. قَالَ: فَخذ منى الْخلَافَة وَأَعْطِنِي هَذَا الصاحب بدلهَا. سَمِعت عَمْرو بن بانة يَقُول: كنت يَوْمًا عِنْد صَالح بن الرشيد فَقَالَ لي صَالح: لست تطرح على جواري وغلماني مَا أستجيده. قَالَ فَقلت: وَيلك مَا أبغضك أبْعث إِلَى منزلي فجِئ بالدفاتر فَجَاءَنِي بالدفاتر فَأخذ دفترا مِنْهَا ليتخير فَمر بِشعر الْحُسَيْن ابْن الضَّحَّاك: (أطل حزنا وأبك الْأمين مُحَمَّدًا ... بحزن وَإِن خفت الحسام المهندا) (وَلَا فَرح الْمَأْمُون بِالْملكِ بعده ... وَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا طريدا مشردا) فَقَالَ: أَنْت تعلم أَن الْمَأْمُون يجيئني فِي كل سَاعَة فَإِن قَرَأَ هَذَا مَا يكون؟ . ثمَّ دَعَا بسكين فحكه. وَصعد الْمَأْمُون من الدرجَة وَرمى صَالح بالدفتر فَقَالَ الْمَأْمُون يَا غُلَام: الدفتر. فَأتى بِهِ فَنظر فِيهِ فَوقف على الحك فَقَالَ الْمَأْمُون: إِن قلت لكم مَا كُنْتُم فِيهِ تصدقوني. قُلْنَا: نعم قَالَ يَنْبَغِي أَن يكون أخي قَالَ لَك أبْعث فجِئ بدفاترك لنتخير مَا نطرح فَوقف على هَذَا الشّعْر فكره أَن أرَاهُ فَأمر بحكه وَقَالَ لي:

стр. 171

غنه. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: الشّعْر للحسين بن الضَّحَّاك والغناء لسَعِيد بن جَابر. فَقَالَ: وَمَا يكون غنه. فغنيته. فَقَالَ: رده. فرددته ثَلَاث مَرَّات فَأمر لى بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَقَالَ: حَتَّى تعلم أَنه لم يَضرك، وَالْحُسَيْن بن الضَّحَّاك الَّذِي يَقُول فِي سعيد بن جَابر: (يَا سعيد وَابْن منى سعيد ... ) قَالَ إِسْحَاق الموصلى: كَانَت لي صناجة كنت بهَا معجبا، واشتهاها أَبُو إِسْحَاق فِي أَيَّام الْمَأْمُون فَبينا أَنا ذَات يَوْم فِي منزلي إِذْ أَتَانِي رَسُول الْمَأْمُون فَقلت ذهبت وَالله صناجتي تَجدهُ قد ذكرهَا لَهُ فَبعث إِلَى فِيهَا فمضيت وَأَنا مثخن فَدخلت فَسلمت فَرد السَّلَام وَنظر إِلَى تغير وَجْهي فَقَالَ لي: اسكن. فسكنت. وسألني عَن صَوت فَقَالَ: اتدري لمن هُوَ. فَقلت أسمعهُ ثمَّ أخبر بِهِ أَن شَاءَ اللَّهِ. فَأمر جَارِيَة من وَرَاء ستارة فغنته وَضربت فَإِذا هِيَ قد شبهته بالقديم فَقلت: زِدْنِي مَعهَا عودا آخر فَفعل. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَذَا الصَّوْت مُحدث لَا مرأة ضاربة. فَقَالَ من أَيْن قلت ذَاك؟ قلت: لما سَمِعت لينه علمت أَن صَار بنائِهِ ضارية فقد حفظت اجزائه ومقاطعة، ثمَّ طلبت عودا آخر فَلم اشكك. فَقَالَ: صدقت. الْغناء لعريب. قَالَ حَمَّاد بن إِسْحَاق الموصلى: قَالَ إِسْحَاق: سَأَلَني الْمَأْمُون يَوْمًا عَن مُخَارق وعلوية وَكَيف هما فِي صَنْعَة الْغناء؟ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مثلهمَا مثل رجل لم يكن يحسن غير ألف ب ت ث فَدخل على قوم أُمِّيين فَسَموهُ كَاتبا. وَلَكِن هاذين بقيا إِلَى دهر مَاتَت أهل الصِّنَاعَة الْمُتَقَدِّمين فصارا عِنْد أَهله مغنيين وَمَا غَنِيا وهما عِنْد الْقَدِيم إِلَّا مثل الكذابة عِنْد الوشى الإسْكَنْدراني. حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا: قَالَ: كُنَّا فِي منزل مُحَمَّد بن دَاوُد بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ الْهَاشِمِي وَكَانَ عَالما بالفقه وبالغناء جَمِيعًا وَوَصفه يحيى بن أَكْثَم بالفقه لِلْمَأْمُونِ، وَوَصفه أَحْمد بن يُوسُف الْكَاتِب لِلْمَأْمُونِ بِالْعلمِ بِالْغنَاءِ. فَقَالَ الْمَأْمُون

стр. 172

مَا أعجب مَا أجتمع فِيهِ الْفِقْه، والغناء فكتبنا إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلى وَكَانَ فِي جواره نَسْأَلهُ أَن يتَحَوَّل إِلَيْنَا. فَكتب إِلَيْنَا جعلت فداكم قد أخذت دَوَاء وَأَنا أخرج مِنْهُ ثمَّ أحمل قويريرتي وأصير إِلَيْكُم وَكتب فِي أَسْفَل كِتَابه: - (أَنا الشماطيط الَّذِي حدثت بِهِ ... مَتى أنبه للغداء انتبه) (ثمَّ أنزى حوله واحتبه ... حَتَّى يُقَال شَره وَلست بِهِ) ثمَّ جَاءَ بعد وَمَعَهُ بديح غُلَامه فتغدينا وشربنا وَكَانَ عندنَا أَحْمد بن يُوسُف وذكاء وصغير فغنى ذوكاء وَهُوَ أَبُو كَامِل صَوتا فأستحسنه إِسْحَاق واستعاده وَهُوَ: - (أبهار قد هيجت لي لي أوجاعا ... وتركتني عبدا لكم مطواعا) (بحديثك الْحسن الَّذِي لَو كلمت ... وَحش الفلاة بِهِ لجئن سرَاعًا) فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق مِمَّن أخذت هَذَا الْغناء. فَقَالَ: من معَاذ بن الطّيب. فَقَالَ: أحب أَن تلقيه على بديح، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا صليت الْعَصْر انْصَرف أَبُو كَامِل وَقَالَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن يُوسُف يشرب وَعِنْده قوم فَاحْتَاجَ إِلَى أَن أذهب إِلَيْهِ فَانْصَرف وتخلف صَغِير فغنى. فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق أَنْت وَالله يَا غُلَام مَا خوري. وسكر مُحَمَّد فِي آخر النَّهَار فغنى: - (هبوني أَغضّ إِذا مَا بَدَت ... وَأَمْنَع طرفِي فَلَا أنظر) (فَكيف إستتاري إِذا مَا الدُّمُوع ... نطفن (فبحن) بِمَا أضمر (فَيَأْمَن سروري بِهِ شقوة ... وَمن صفو عيشي بِهِ أكدر) فَلَو لم تكن فِي بقيا عَلَيْك ... نظرت لنَفْسي كَمَا تنظر) فَالْتَفت إِسْحَاق إِلَى مُحَمَّد بن أَيُّوب بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان فَقَالَ: يَا عبد اللَّهِ أجرك اللَّهِ فِي ابْن عمك إِذْ قد سكر يغنى قُدَّام إِسْحَاق. نُسْخَة كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون إِلَى أبي الْحُسَيْن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فِي المحنة

стр. 173

وَهُوَ أول كتاب كتبه. أما بعد: " فَإِن حق اللَّهِ على أَئِمَّة الْمُسلمين وخلفائهم الِاجْتِهَاد فِي أقامة دين اللَّهِ الَّذِي استحفظهم، ومواريث النُّبُوَّة الَّتِي أورثهم وَأثر الْعلم الَّذِي استودعهم وَالْعَمَل بِالْحَقِّ فِي رعيتهم والنشمير لطاعة اللَّهِ فيهم، وَالله يسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته والإقساط فِيمَا ولاه اللَّهِ من رَعيته برحمته ومنته. وَقد عرف أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن الْجُمْهُور الْأَعْظَم والسواد الْأَكْبَر من حَشْو الرّعية وسفلة الْعَامَّة مِمَّن لَا نظر لَهُ، وَلَا رُؤْيَة وَلَا اسْتِدْلَال لَهُ بِدلَالَة اللَّهِ وهدايته وَلَا استضاء بِنور الْعلم وبرهانه فِي جَمِيع الأقطار والآفاق أهل جَهَالَة بِاللَّه وعمى عَنهُ وضلالة عَن حَقِيقَة دينه وتوحيده وَالْإِيمَان بِهِ، ونكوب عَن واضحات أعلامة وواجب سَبيله، وقصور أَن يقدروا اللَّهِ حق قدره، ويعرفوه كنه مَعْرفَته، ويفرقوا بَينه وَبَين خلقه، بِضعْف آرائهم، وَنقص عُقُولهمْ، وخفائهم عَن التفكير والتذكر، وَذَلِكَ أَنهم ساووا بَين اللَّهِ ﵎ وَبَين مَا أنزل من الْقُرْآن، وأطبقوا مخضعين، وَاتَّفَقُوا غير متجامعين على أَنه قديم أول، لم يخلقه اللَّهِ ويحدثه ويخترعه وَقد قَالَ اللَّهِ ﵎ فِي مُحكم كِتَابه الَّذِي جعله لما فِي الصُّدُور شِفَاء وَلِلْمُؤْمنِينَ هدى وَرَحْمَة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ فَكل مَا جعله اللَّهِ فقد خلقه اللَّهِ. وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ) وَقَالَ : ﴿كَذَلِك نقص عَلَيْك من انباء مَا قد سبق﴾ . فَأخْبر أَنه قصَص لأمور أحدثها بعده، وتلابها متقدمها وَقَالَ: ﴿آلر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير﴾ وكل مُحكم مفصل فَلهُ مُحكم مفصل. وَالله جلّ وَعز مُحكم كِتَابه ومفصله فَهُوَ خالقه ومبتدعه. ثمَّ هم أُولَئِكَ الَّذين جادلوا بِالْبَاطِلِ إِلَى قَوْلهم، ونسبوا أنفسهم إِلَى السّنة وَفِي كل فصل من كتاب اللَّهِ قصَص من تِلَاوَته

стр. 174

مُبْطل قَوْلهم، ومكذب دَعوَاهُم يرد عَلَيْهِم قَوْلهم ونحلتهم، ثمَّ أظهرُوا مَعَ ذَلِك أَنهم هم أهل الْحق وَالدّين وَالْجَمَاعَة، وَأَن من سواهُم أهل الْبَاطِل وَالْكفْر والفرقة. فاستطالوا بذلك على النَّاس، وغروا بِهِ الْجُهَّال حَتَّى مَال قوم من أهل السمت الْكَاذِب التخشع لغير اللَّهِ، والتقشف لغير الدّين إِلَى موافقتهم عَلَيْهِ، ومواطأتهم على سئ أرائهم تزينا بذلك عِنْدهم وتصنعا للرئاسة وَالْعَدَالَة فيهم فتركوا الْحق إِلَى باطلهم، وَاتَّخذُوا دون هدى اللَّهِ وليجة إِلَى ضلالتهم فَقبلت بتزكيتهم لَهُم شهاداتهم ونفذت أَحْكَام الْكتاب بهم على دغل دينهم، وَبَطل أديمهم وَفَسَاد نياتهم وتفننهم وَكَانَ ذَلِك غايتهم الَّتِى إِلَيْهَا أجروا، وأياها طلبُوا فِي متابعتهم، وَالْكذب على مَوْلَاهُم وَقد أَخذ عَلَيْهِم مِيثَاق الْكتاب أَلا يَقُولُوا على اللَّهِ إِلَّا الْحق ودرسوا مَا فِيهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذين أصمهم اللَّهِ وأعمى أَبْصَارهم أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها﴾ . فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أُولَئِكَ شَرّ الْأمة، ورؤوس الضَّلَالَة، والمنقوصون من التَّوْحِيد حظا، والمخسوسون من الْإِيمَان نَصِيبا وأوعية الْجَهَالَة، وأعلام الْكَذِب ولسان أبليس النَّاطِق فِي أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين اللَّهِ، وأحق من أَنهم فِي صَدَقَة، وأطرحت شَهَادَته وَلم يوثق بقوله وَلَا عمله فَإِنَّهُ لَا عمل إِلَّا بعد يَقِين، وَلَا يَقِين إِلَّا بعد استكمال حَقِيقَة الْإِسْلَام، وإخلاص التَّوْحِيد وَمن عمى عَن رشده وَحفظه من الْإِيمَان بِاللَّه وبتوحيده كَانَ عَمَّا سوى ذَلِك من عمله وَالْقَصْد من شَهَادَته أعمى واضل سَبِيلا. ولعمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أحجى النَّاس بِالْكَذِبِ فِي قَوْله، وتخرص الْبَاطِل فِي شَهَادَته من كذب على اللَّهِ ووحيه وَلم يعرف اللَّهِ حَقِيقَة مَعْرفَته. وَإِن أولاهم أَن يرد شَهَادَة اللَّهِ جلّ وَعز على كِتَابه، ويهت حق اللَّهِ بباطله فأجمع من بحضرتك من الْقُضَاة وأقرا عَلَيْهِم كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا إِلَيْك وأبدأ بأمتحانهم فِيمَا يَقُولُونَ، وتكشيفهم عَمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي خلق اللَّهِ الْقُرْآن

стр. 175

وإحداثه، وأعلمهم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ غير مستعين فِي عمله، وَلَا واثق فِيمَا قَلّدهُ اللَّهِ واستحفظه فِي أُمُور رَعيته من لَا يوثق بِدِينِهِ وخلوص توحيده ويقينه فَإِذا أقرُّوا بذلك ووافقوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ وَكَانُوا على سَبِيل الْهدى والنجاة فمرهم بِنَظَر من بحضرتهم من الشُّهُود على النَّاس ومسألتهم عَن علمهمْ فِي الْقُرْآن وَترك الاثبات بِشَهَادَة من لم يقر أَنه مَخْلُوق مُحدث، وَلم يرَوا الِامْتِنَاع من توقيعها عِنْده واكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا يَأْتِيك من قُضَاة أهل عَمَلك فِي مسألتهم وَالْأَمر لَهُم بِمثل ذَلِك ثمَّ أشرف عَلَيْهِم وتفقد آثَارهم حَتَّى لَا تنفذ أَحْكَام اللَّهِ إِلَّا بِشَهَادَة أهل البصائر فِي الدّين وَالْإِخْلَاص للتوحيد واكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا يكون مِنْك فِي ذَلِك وَكتب فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَتَيْنِ. قَالَ: وَكتب الْمَأْمُون إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ يختلفه بِبَغْدَاد فِي اشخاص سَبْعَة نفر من الْفُقَهَاء مِنْهُم: مُحَمَّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ، وَأَبُو مُسلم مستملى يزِيد ابْن هَارُون، وَيحيى بن معِين، وَزُهَيْر بن حَرْب، وَأَبُو خَيْثَمَة، وَإِسْمَاعِيل بن دَاوُد وَإِسْمَاعِيل بن أبي مَسْعُود، وَأحمد بن الدَّوْرَقِي. فأشخصوا فَسَأَلَهُمْ وأمتحنهم عَن خلق الْقُرْآن فَأَجَابُوا جَمِيعًا أَن الْقُرْآن مَخْلُوق فأشخصهم إِلَى مَدِينَة السَّلَام وأحضرهم إِسْحَاق دَاره فشهر أَمرهم وَقَوْلهمْ بِحَضْرَة الْفُقَهَاء والمشايخ من أهل الحَدِيث فأقروا بِمثل مَا أجابوا بِهِ الْمَأْمُون فخلى سبيلهم وَكَانَ إِحْضَار إِسْحَاق أياهم وَشهر أَمرهم بِأَمْر الْمَأْمُون، وَكَانَ الْمَأْمُون بعد ذَلِك كتب إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. أما بعد: فَإِن من حق اللَّهِ على خلفائه فِي أرضه وأمنائه على عباده الَّذين أرتضاهم لإِقَامَة دينه، وَحَملهمْ رِعَايَة خلقه وإمضاء أَحْكَامه وسننه والائتمام بعدله فِي بريته أَن يجهدوا اللَّهِ أنفسهم، وينصحوا لَهُ فِيمَا استحفظهم وقلدهم، ويدلوا عَلَيْهِ تبَارك اسْمه وَتَعَالَى بِفضل الْعلم الَّذِي أودعهم، والمعرفة الَّتِي جعلهَا فيهم ويهدوا إِلَيْهِ من زاغ عَنهُ، ويردوا من ادبر عَن أمره. وينهجوا لرعاياهم سمت نجاتهم. ويقفوهم على حُدُود إِيمَانهم وسبل وزهم وعصمتهم ويكشفوا لَهُم عَن مغطيات

стр. 176

أُمُورهم ومشتبهاتها عَلَيْهِم بِمَا يدْفع الريب عَنْهُم وَيعود بالضياء وَالْبَيِّنَة على كافتهم وَأَن يؤثروا ذَلِك من ارشادهم وتبصيرهم إِذْ كَانَ جَامعا لفنون مصانعهم، ومنتظما لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم ويتذكروا مَا اللَّهِ مرصد بِهِ من مسائلتهم عَمَّا حملوه، ومجازاتهم بِمَا أسلفوه وَقدمُوا عِنْده وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه وَحده وحسبه اللَّهِ وَكفى بِهِ. وَمِمَّا بَينه أَمِير الْمُؤمنِينَ برويته وطالعه بفكره وَنَظره فندس عَظِيم خطره وجليل مَا يرجع فِي الدّين من وكفه وضرره مَا ينَال الْمُسلمُونَ بَينهم من القَوْل فِي الْقُرْآن الَّذِي جعله اللَّهِ إِمَامًا لَهُم، وأثرا من رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -. وَصفيه مُحَمَّد ﷺ َ - بَاقِيا لَهُم، واشتباهه على كثير مِنْهُم حَتَّى حسن عِنْدهم، وتزين فِي عُقُولهمْ أَن لَا يكون مخلوقا فتعرضوا بذلك لدفع خلق اللَّهِ الَّذِي بَان بِهِ عَن خلقه، وَتفرد بحلالته من ابتداع الْأَشْيَاء كلهَا بِحِكْمَتِهِ وأنشائها بقدرته والتقدم عَلَيْهَا بأوليته الَّتِي لَا يبلغ أولاها، وَلَا يدْرك مداها وَكَانَ كل شَيْء دونه خلقا من خلقه وحدثا هُوَ الْمُحدث لَهُ وَإِن كَانَ الْقُرْآن ناطقا بِهِ ودالا عَلَيْهِ، وقاطعا للِاخْتِلَاف فِيهِ، وضاهوا بِهِ قَول النصاري فِي أدعائهم فِي عِيسَى بن مَرْيَم صلوَات اللَّهِ عَلَيْهِ إِنَّه لَيْسَ بمخلوق إِذْ كَانَ كلمة اللَّهِ وَالله يَقُول: ﴿أَنا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَتَأْويل ذَلِك إِنَّا خلقناه كَمَا قَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ [ ﴿وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا لتسكنوا إِلَيْهَا﴾ وَقَالَ: ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل لباسا وَجَعَلنَا النَّهَار معاشا﴾ . وَقَالَ: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ فسوى بَين الْقُرْآن وَبَين هَذِه الْخَلَائق الَّتِي ذكرهَا فِي شية الصَّنْعَة، وَأخْبر أَنه جاعلة وَحده فَقَالَ: ﴿بل هُوَ قُرْآن مجيد فِي لوح مَحْفُوظ﴾ فَقَالَ ذَلِك على أحاطة اللَّوْح بِالْقُرْآنِ وَلَا يحاط إِلَّا بمخلوق. وَقَالَ لنَبيه ﷺ َ -: ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ﴾ وَقَالَ:

стр. 177

﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على اللَّهِ كذبا أَو كذب بآياته﴾ وَأخْبر عَن قوم ذمهم بكذبهم أَنهم قَالُوا: ﴿مَا أنزل اللَّهِ على بشر من شئ﴾ ثمَّ أكذبهم على لِسَان رَسُوله فَقَالَ لرَسُوله: ﴿قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ فَسمى اللَّهِ تَعَالَى الْقُرْآن قُرْآنًا وَذكروا وإيمانا ونورا وَهدى ومباركا وعربيا وقصصا فَقَالَ: ﴿نَحن نقص عَلَيْك أحسن الْقَصَص بِمَا أَوْحَينَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن﴾ وَقَالَ: ﴿قل لَئِن اجْتمعت الانس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ وَقَالَ: ﴿قل فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات﴾ وَقَالَ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ فَجعل لَهُ أَولا وآخرا وَدلّ عَلَيْهِ أَنه مَحْدُود مَخْلُوق وَقد عظم هَؤُلَاءِ الجهلة بقَوْلهمْ فِي الْقُرْآن الثلم فِي دينهم والحرج فِي أمانتهم وسهلوا السَّبِيل لعدو الاسلام وأعترفوا بالتبديل والالحاد على قُلُوبهم حَتَّى عرفُوا ووصفوا خلق اللَّهِ وَفعله بِالصّفةِ الَّتِي هِيَ لله وَحده وشبهوه بِهِ والاشباه أولى بخلقه، وَلَيْسَ يرى أَمِير الْمُؤمنِينَ لمن قَالَ بِهَذِهِ الْمقَالة حظا فِي الدّين، وَلَا نَصِيبا من الْإِيمَان وَالْيَقِين وَلَا يرى أَن يحل أحدا مِنْهُم مَحل الثِّقَة فِي أَمَانَة وَلَا عَدَالَة وَلَا شَهَادَة وَلَا صدق فِي قَول وَلَا حِكَايَة وَلَا تَوليته لشئ من أَمر الرّعية وَأَن ظهر قصد بَعضهم وَعرف بالسداد مُسَدّد فيهم فَإِن الْفُرُوع مَرْدُودَة إِلَى أُصُولهَا، ومحمولة فِي الْحَمد والذم عَلَيْهَا، وَمن كَانَ جَاهِلا بِأَمْر دينه الَّذِي أمره اللَّهِ بِهِ من وحدانيته فَهُوَ بِمَا سواهُ أعظم جهلا، وَعَن الرشد فِي غير أعمى وأضل سَبِيلا.﴾ ] ... ... من كل فتْنَة فَإِنَّهُ أَن يفعل فأعظم بهَا نعْمَة وَإِن لم يفعل فَهِيَ الهلكة وَلَيْسَ لَاحَدَّ على اللَّهِ حجَّة. وَنحن نرى أَن الْكَلَام فِي الْقُرْآن بِدعَة يُشَارك فِيهَا السَّائِل والمجيب فيتعاطي السَّائِل مَا لَيْسَ لَهُ، وَيتَكَلَّم الْمُجيب بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ

стр. 178

وَمَا أعرف خَالِقًا إِلَّا اللَّهِ وَمَا دون اللَّهِ فمخلوق " وَالْقُرْآن كَلَام اللَّهِ فأنته بِنَفْسِك وبالمختلفين فِي الْقُرْآن إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ اللَّهِ بهَا تكن من المهتدين، وذر الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ سيجزون بِمَا كَانُوا يعْملُونَ. وَلَا تسم الْقُرْآن باسم من عنْدك فَتكون من الضَّالّين جعلنَا اللَّهِ وأياك من ﴿الَّذين يخشونه بِالْغَيْبِ وهم من السَّاعَة مشفقون﴾ حَدثنِي سعيد العلاف الْقَارئ قَالَ: أرسل الْمَأْمُون وَهُوَ فِي بِلَاد الرّوم فَحملت إِلَيْهِ وَهُوَ بالبدندون فَكَانَ يستقرئني فدعاني يَوْمًا فَجئْت فَوَجَدته جَالِسا على شاطئ البدندون وَأَبُو إِسْحَاق المعتصم جَالس من يَمِينه فَأمرنِي فَجَلَست قَرِيبا مِنْهُ فَإِذا هُوَ وَأَبُو إِسْحَاق مدليان أرجلهما فِي مَاء البدندون فَقَالَ: يَا سعيد. دلّ رجليك فِي هَذَا المَاء وذقه فَهَل رَأَيْت مَاء قطّ أَشد بردا وَلَا أعذب. وَلَا أصفي صفاء مِنْهُ فَفعلت فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا رَأَيْت مثل هَذَا قطّ. قَالَ: أَي شَيْء يطيب أَن يُؤْكَل وَيشْرب هَذَا المَاء عَلَيْهِ؟ . فَقلت: أَمِير الْمُؤمنِينَ اعْلَم. فَقَالَ: رطب الأزاذ. فَبينا نَحن نقُول هَذَا إِذْ سمع وَقع لجم الْبَرِيد فَالْتَفت فَنظر فَإِذا بغال من بغال الْبَرِيد على أعجازها حقائب فِيهَا الألطاف فَقَالَ لخادم لَهُ: أذهب فَأنْظر هَل فِي هَذِه الألطاف رطب. فَإِن كَانَ رطبا فَانْظُر فَإِن كَانَ فِيهَا أزاذا فَاتَ بِهِ فجَاء يسْعَى بسلتين فيهمَا رطب أزاذ مَكْتُوب عَلَيْهَا آزادا فَأمر بفتحهما فَإِذا رطب أزاذ كانما جنى من النّخل تِلْكَ السَّاعَة فأظهر شكرا لله وَكثر تَعَجبا مِنْهُ جَمِيعًا فَقَالَ: أدن فَكل. فَأكل هُوَ وَأَبُو إِسْحَاق وأكلت مَعَهُمَا وشربنا جَمِيعًا من ذَلِك المَاء فَمَا قَامَ منا أحد إِلَّا وَهُوَ مَحْمُوم فَكَانَت منية الْمَأْمُون من تِلْكَ الْعلَّة وَلم يزل المعتصم عليلا حَتَّى دخل الْعرَاق وَلم أزل عليلا حَتَّى كَانَ قَرِيبا الْآن.

стр. 179

ذكر من مَاتَ فِي أَيَّام الْمَأْمُون بِبَغْدَاد وَغَيرهَا من سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وَمَا بعْدهَا من السنين إِلَى آخر أَيَّامه وولايته من الْفُقَهَاء فِي سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ مدْخل الْمَأْمُون بَغْدَاد مَاتَ: الْحسن بن صَالح بن أبي الْأسود الْفَقِيه لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الأول لَيْلَة الْجُمُعَة. وَمَات فِي هَذِه السّنة: السندى بن شاهك مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِبَغْدَاد لست خلون من رَجَب وَكَانَ يكنى أَبَا نصر وَكَانَت وَفَاته بعد دُخُول الْمَأْمُون بأَرْبعَة أشهر وَثَلَاثَة عشر يَوْمًا. وَمَات: عبد الْعَزِيز بن الْوَزير بن ضابي الجروي وَهُوَ محاصر بالأسكندرية من أهل الأندلس وَقد سَأَلُوهُ أَن ينظرهم بَقِيَّة يومهم فأمتنع وَأمر بِنصب المجانيق عَلَيْهِم فأنكسر سهم المنجنيق فَرجع عَلَيْهِ فَقتله فِي آخر ذِي الْحجَّة وَكَانَ يكنى أَبَا الأصنع. قَالَ أَبُو حسان: وفيهَا مَاتَ السرى بن الحكم وَهُوَ وَإِلَى مصر. وفيهَا مَاتَ مُحَمَّد بن عبيد الطنافسي ويكنى أَبَا عبد اللَّهِ. وَمَات الْعَبَّاس بن الْمسيب سلخ شَوَّال من هَذِه السّنة. قَالُوا: وَمَات فِي سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ: يزِيد بن هَارُون الوَاسِطِيّ بواسط فِي غرَّة شهر ربيع الآخر. وَمَات شَبابَة بن سوار الْفَزارِيّ بِالْمَدَائِنِ. وَمَات: عبد اللَّهِ ابْن نَافِع الصَّائِغ فِي رَمَضَان. قَالَ: الْخَوَارِزْمِيّ وَمَات: شبيب بن حميد لسبع خلون من ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ. وَفِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ مَاتَ: عبد اللَّهِ بن الْخَرشِيّ لغرة ربيع الآخر. وَمَات عقبَة بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث فِي ربيع الآخر من هَذِه السّنة

стр. 180

وَفِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ مَاتَ: حجاج بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْأَعْوَر مولى سُلَيْمَان ابْن مجَالد فِي شهر ربيع الآخر. قَالَ أَبُو حسان: وَكَانَ موت يزِيد بن هَارُون فِي سنة سبع وَمن قَالَ فِي سنة سِتّ أَخطَأ. وَقَالَ أَبُو حسان: مَاتَ فِي سنة سبع: مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ بِبَغْدَاد وَمَات: يَعْقُوب بن الْمهْدي يَوْم الْأَرْبَعَاء لأحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان وَمَات: عبد اللَّهِ بن بكر السَّهْمِي. وَمَات: أَبُو النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم الملقب قَيْصر. وَمَات: يُونُس بن مُحَمَّد الْمعلم. وَمَات: الْأسود بن عَامر شادان أَبُو عبد الرَّحْمَن وَمَات: الْهَيْثَم بن عبدى أَبُو عبد الرَّحْمَن بِفَم الصُّلْح غرَّة الْمحرم. وَمَات: وهب بن أبي حَازِم بالمنجشانية منصرفة من الْحَج وَحمل فَدفن بِالْبَصْرَةِ. وَمَات عمر بن حبيب القَاضِي الْعَدْوى فِي شهر. . . . . . تمّ بِحَمْد اللَّهِ