Полный текст (180 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يَوْم الْأَرْبَعَاء أَمر بإنزال إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فَكفن وَصلى عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي خبر ابْن عَائِشَة آنِفا.
حَدثنِي الْحَارِث بن نصر المنجم وَكَانَ من أَصْحَاب الْحسن بن سهل قَالَ: لما زار الْمَأْمُون الْحسن بن سهل للْبِنَاء ببوران ركب من بَغْدَاد زورقا حَتَّى أرقى على بَاب الْحسن بن سهل وَكَانَ الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون قد تقدم على الظّهْر فَتَلقاهُ الْحسن خَارج عسكره فِي مَوضِع كَانَ أَتَّخِذ لَهُ على شاطيء دجلة بنى لَهُ فِيهِ جوسق قَالَ فَلَمَّا عاينه الْعَبَّاس ثنى رجله لينزل فَحلف عَلَيْهِ أَلا يفعل. فَلَمَّا ساواه ثنى رجله الْحسن ليزل فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: بِحَق أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تنزل فأعتنقه الْحسن وَهُوَ رَاكب ثمَّ أَمر أَن يقدم إِلَيْهِ دَابَّته ودخلا جَمِيعًا إِلَى منزل الْحسن ووافي الْمَأْمُون فِي وَقت الْعشَاء وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان من سنة عشر وَمِائَتَيْنِ فَأفْطر هُوَ وَالْحسن وَالْعَبَّاس ودينار ابْن عبد اللَّهِ قَائِم على رجله حَتَّى فرغوا من الأفطار وغسلوا أَيْديهم فَدَعَا الْمَأْمُون بشراب فَأتي بجام ذهب فصب فِيهِ وَشرب. فَمد يَده بجام فِيهِ شراب إِلَى الْحسن فتباطأ عَنهُ الْحسن لِأَنَّهُ لم يكن يشرب قبل ذَلِك فغمز دِينَار بن عبد اللَّهِ الْحسن فَقَالَ الْحسن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أشربه بإذنك وأمرك؟ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَوْلَا أَمْرِي لم أمدد يَدي إِلَيْك. فَأخذ الْجَام فشربه فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة جمع بَين مُحَمَّد بن الْحسن ابْن سهل والعباسة بنت الْفضل ذِي الرياستين فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة دخل على بوران وَعِنْدهَا حمدونة، وَأم جَعْفَر، وَجدتهَا. فَلَمَّا جلس الْمَأْمُون مَعهَا نثرت عَلَيْهَا جدَّتهَا ألف درة كَانَت فِي صينية ذهب فَأمر الْمَأْمُون أَن تجمع وسألها عَن عدد الدّرّ كم هُوَ؟ فَقَالَت: ألف حَبَّة. فَأمر بعْدهَا فنقصت عشرَة فَقَالَ: من أَخذهَا مِنْكُم ردوهَا. فَقَالُوا حُسَيْن زجلة فَأمر بردهَا. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنَّمَا نثر لنأخذه. قَالَ: ردهَا. فَإِنِّي أخلفها عَلَيْك فَردهَا وَجمع الْمَأْمُون ذَلِك الدّرّ فِي الْآنِية وَوضع فِي حجرها وَقَالَ هَذِه نحلتك فأسلي حوائجك؟ فَأَمْسَكت. فَقَالَت لَهَا جدَّتهَا كلمي سيدك وأسألية حوائجك فقد أَمرك. فَسَأَلته الرضى عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي. فَقَالَ: قد
стр. 107
فعلت، وَسَأَلته الْإِذْن لَام جَعْفَر فِي الْحَج فَإِذن لَهَا ولبستها أم جَعْفَر الْبَدنَة الأموية وابتني بهَا فِي ليلته، وأوقد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة شمعة عنبر فِيهَا أَرْبَعُونَ منا فِي تور ذهب فَأنْكر الْمَأْمُون ذَلِك عَلَيْهِم. وَقَالَ: هَذَا سرف. فَلَمَّا كَانَ من غَد دَعَا بإبراهيم بن الْمهْدي فجَاء يمشي من شاطئ دجلة عَلَيْهِ مبطنة ملحم وَهُوَ متعمم بعمامة حَتَّى دخل فَلَمَّا رفع السّتْر عَن الْمَأْمُون رمى بِنَفسِهِ فصاح الْمَأْمُون يَا عَم: لَا بَأْس عَلَيْك. فَدخل فَسلم عَلَيْهِ تَسْلِيم الْخلَافَة وَقبل يَده وأنشده شعرًا ودعا بِالْخلْعِ فَخلع عَلَيْهِ خلعة ثَانِيَة ودعا لَهُ بمركب وقلده سَيْفا وَخرج فَسلم على النَّاس ورد إِلَى مَوْضِعه.
قَالَ الْحَارِث: وَأقَام الْمَأْمُون سَبْعَة عشر يَوْمًا يعد لَهُ فِي كل يَوْم وَلِجَمِيعِ من مَعَه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. قَالَ: وخلع الْحسن بن سهل على القواد على مَرَاتِبهمْ وَحَملهمْ ووصلهم وَكَانَ مبلغ النَّفَقَة عَلَيْهِ خمسين ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: وَأمر الْمَأْمُون غَسَّان ابْن عباد عِنْد منصرفة أَن يدْفع إِلَى الْحسن عشرَة آلَاف ألف من مَال فَارس وأقطعه الصُّلْح فَحملت إِلَيْهِ على الْمَكَان وَكَانَت معدة عِنْد غَسَّان بن عباد. قَالَ: فَجَلَسَ الْحسن ففرقها فِي قواده، وَأَصْحَابه، وحشمه، وخدمة. قَالَ: وَلما انْصَرف الْمَأْمُون شيعه الْحسن ثمَّ رَجَعَ إِلَى فَم الصُّلْح.
فَحَدثني الْفضل بن جَعْفَر بن الْفضل. قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن الْحسن بن سهل. قَالَ: كَانَ أهلنا يتحدثون أَن الْحسن بن سهل كتب رِقَاعًا فِيهَا أَسمَاء ضيَاعه ونثرها على القواد وعَلى بني هَاشم فَمن وَقعت فِي يَده رقْعَة مِنْهَا فِيهَا اسْم الضَّيْعَة بعث فتسلمها.
وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الْكَاتِب. قَالَ: حَدثنِي الْحسن ابْن سهل يَوْمًا بأَشْيَاء كَانَت فِي أم جَعْفَر وَوصف رجاحة عقلهَا وفهمها ثمَّ قَالَ: سَأَلَهَا يَوْمًا الْمَأْمُون بِفَم الصُّلْح حَيْثُ خرج للْبِنَاء على بوران، وَسَأَلَ حمدونة بنت غضيض عَن مِقْدَار مَا أنفقت فِي ذَلِك الْأَمر. فَقَالَت حمدونة: أنْفق خَمْسَة وَعشْرين ألف ألف. قَالَ: فَقَالَت أم جَعْفَر مَا صنعت شَيْئا قد أنْفق مَا بَين خَمْسَة وَثَلَاثِينَ
стр. 108
ألف ألف إِلَى سَبْعَة وَثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: وأعددنا لَهُ شمعتين عنبر. قَالَ: فَدخل بهَا لَيْلًا فأوقدتا بَين يَدَيْهِ فَكثر دخانهما. فَقَالَ: أرفعوهما فقد آذَانا الدُّخان وهاتوا الشمع. قَالَ: ونحلتها أم جَعْفَر فِي ذَلِك الْيَوْم الصُّلْح. قَالَ: فَكَانَ سَبَب عود الصُّلْح إِلَى ملكي وَكَانَت قبل ذَلِك لي فَدخل على يَوْمًا حميد الطوسي فأقرأني أَرْبَعَة أَبْيَات أمتدح بهَا ذَا الرئاستين فَقلت لَهُ: ننفذها لَك إِلَى ذِي الرئاستين وأقطعك الصُّلْح فِي العاجل إِلَى أَن تَأتي مكافاتك من قبله فأقطعته إِيَّاهَا، ثمَّ ردهَا الْمَأْمُون على أم جَعْفَر فنحلتها بوران.
وحَدثني عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ: كَانَ الْحسن بن سهل لَا يرفع الستور عَنهُ وَلَا يرفع الشمع من بَين يَدَيْهِ حَتَّى تطلع الشَّمْس ويتبينها إِذا نظر إِلَيْهَا، وَكَانَ متطيرا يحب أَن يُقَال لَهُ إِذا دخل عَلَيْهِ أنصرفنا من فَرح وسرور وَيكرهُ أَن يذكر لَهُ جَنَازَة أَو موت أحد. قَالَ: وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ قَائِل: إِن على بن الْحُسَيْن أَدخل ابْنه الْحسن الْيَوْم الْكتاب قَالَ: فَدَعَا لى وانصرفت فَوجدت فِي منزلي عشْرين ألف دِرْهَم هبة لِلْحسنِ وكتابا بِعشْرين ألف دِرْهَم، قَالَ: وَكَانَ قد وهب لي من أرضه بِالْبَصْرَةِ مَا قوم بِخَمْسِينَ ألف دِينَار فَقَبضهُ عني بغا الْكَبِير وأضافة إِلَى أرضه
وَقَالَ أَبُو حسان الزيَادي لما صَار الْمَأْمُون إِلَى الْحسن بن سهل أَقَامَ عِنْده أَيَّامًا بعد الْبناء ببوران وَكَانَ مقَامه فِي مسيره وذهابه، ورجوعه أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَدخل بَغْدَاد يَوْم الْخَمِيس لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شَوَّال. وَقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ: خرج الْمَأْمُون نَحْو الْحسن بن سهل إِلَى فَم الصُّلْح لثمان خلون من شهر رَمَضَان وَدخل الْمَأْمُون من فَم الصُّلْح لتسْع بَقينَ من شَوَّال سنة عشر وَمِائَتَيْنِ
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر وَلما صَار الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد رُجُوعه من عِنْد الْحسن وَجه مُحَمَّد بن حميد الطوسي إِلَى مَكَّة ليقف مَعَ الإِمَام فِي الْموقف كَرَاهَة للتحلل فِيهِ فَتوجه إِلَى مَكَّة وَنفذ لما أَمر بِهِ وَلم يكن شَيْء كرهه وَرجع بالسلامة. وَكَانَ الَّذِي أَقَامَ الْحَج للنَّاس فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ صَالح بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ
стр. 109
ابْن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس فَكَانَ واليا على مَكَّة فَكتب إِلَيْهِ مُحَمَّد بن حميد أَن يُقيم الْحَج للنَّاس.
خبرني مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الوَاسِطِيّ قَالَ: كَانَ الْحسن بن سهل وَالْفضل قبله لَا ينزلان من الْمنَازل إِلَّا أَطْرَاف الْبلدَانِ فَقيل لِلْحسنِ بن سهل فِي ذَلِك فَقَالَ: الْأَطْرَاف منَازِل الاشراف يتناولن مَا يُرِيدُونَ بِالْقُدْرَةِ، ويتنالون مَا يُرِيدُونَ بِالْحَاجةِ. قَالَ أَبُو الْحسن على بن الْحُسَيْن الْكَاتِب قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن سهل. قَالَ: كَانَت ليحيى بن خَالِد جَارِيَة فِي آخر أَيَّامه فَولدت لَهُ ابْنا قبل الْحَادِثَة عَلَيْهِ بأيام قَالَ: فَكتبت إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحَبْس: إِن أُمَّهَات أولادك وأولادك قد صَارُوا فِي أَيَّام دولتك إِلَى طرف من نِعْمَتك، وَإِنَّهَا وأبنها ضائعان مَا أدخرت لَهَا وَلَا لَهُ شَيْئا. قَالَ: فَوَقع فِي كتابها قد أدخرت لَك الفل بن سهل. قَالَ: فَإِنِّي لجالس يَوْمًا بَين يَدي ذِي الرئاستين إذورد عَلَيْهِ كتاب فقرأه وَبكى ثمَّ رمى بِهِ إِلَى فَقَالَ: أتعرف هَذَا الْخط يَا أَبَا مُحَمَّد؟ قلت: نعم. هَذَا خطّ أبي على يحيى بن خَالِد وَإِذا الْجَارِيَة قد انفذت توقيعه إِلَيْهِ بِعَينهَا. قَالَ: فَدَعَا بوكيله فَأمره بإحضاره مَا عِنْده من المَال، وَأَمرَنِي بإحضار مَا عِنْدِي قَالَ: فجمعنا مَا كَانَ فِي ملكنا فِي ذَلِك الْيَوْم فوجدناه ثَمَانِيَة عشر ألف دِينَارا أَكْثَرهَا لي وَحملهَا إِلَى الْجَارِيَة.
قَالَ على بن الْحُسَيْن: وَكنت أرى بَين يَدي الْحسن بن سهل ترسا فِيهِ كتبه فسالته عَن ذَلِك فَقَالَ: متعت بك. فتحنا كنابذ فأخذنا مرقد ملكهَا فَوَجَدنَا كل مَا فِيهِ من مخدة ووسادة وَغير ذَلِك بمقبض يُرِيد أَنه إِن ورد عَلَيْهِ فِي فرَاشه شَيْء يحْتَاج فِي التستر مِنْهُ كَانَ كلما يمد يَده إِلَيْهِ ترسا لَهُ فَجعلنَا مَكَان ذَلِك هَذَا الترس الَّذِي ترَاهُ فَفِيهِ كتبنَا وَمَا بَين أَيْدِينَا. وَإِن أحتجنا إِلَيْهِ استعملناه.
قَالَ: وحَدثني الْعَبَّاس بن مَيْمُون بن طائع. قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن متمم قَالَ: قلت لِلْحسنِ بن سهل: أصلحك اللَّهِ أَنْت الرجل الَّذِي يستأكل بِعِلْمِهِ فَأَخْبرُونِي عَن النُّجُوم إِذا رأيتموها أتقرطسون؟ فَقَالَ: لَا نرى الشَّيْء فنستعظمه
стр. 110
فنفسره فَيكون التَّفْسِير بالتكلف منا. فأكثرنا أصابة: أكثرنا تجربة لَا تسئل عَن هَذَا أحدا غَيْرِي.
ذكر اتِّصَال أَحْمد بن أبي خَالِد بالمأمون واستوزاره اياه بعد الْفضل بن سهل
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: حَدثُونِي عَن ثُمَامَة قَالَ: لما قتل الْفضل بن سهل بعث إِلَيّ الْمَأْمُون وَكنت لَا أنصرف من عِنْده إِلَّا أتوقعه فِي منزلي ثن يأتيني رَسُوله فِي جَوف اللَّيْل فآتيه وَكَانَ قد وهلني لمَكَان الْفضل بن سهل من الوزارة فَلَمَّا رَأَيْته قد ألح على فِي ذَلِك فتعاللت عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: إِنَّمَا أردتك لكذا. وَكَذَا فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنِّي لَا أقوم بذلك، وَأَحْرَى أَن أضن بوضعي من أَمِير الْمُؤمنِينَ وحالي أَن تَزُول عِنْده فَإِنِّي لم أر أحدا تعرض للْخدمَة والوزارة إِلَّا لم يكن لتسلم حَاله وَلَا تدوم مَنْزِلَته. قَالَ لَهُ الْمَأْمُون ياثمامة: فأشر على بِرَجُل صَالح لما أُرِيد؟ فَقلت: أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول يقوم بِالْخدمَةِ إِلَى أَن يرتاد أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده اللَّهِ للموضع من يصلح لَهُ على مَا فِيهِ من الأود واللدد. قَالَ: فَدَعَاهُ الْمَأْمُون فَأمره بِلُزُوم الْخدمَة فَلَمَّا تمكنت لَهُ الْخدمَة وَالْحُرْمَة تذمم الْمَأْمُون من تنحيته.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الْكَاتِب: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لِأَحْمَد بن أبي خَالِد: إِنِّي كنت عزمت أَلا أستوزر أحدا بعد ذِي الرئاستين وَقد رَأَيْت أَن أستوزرك. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أجعَل بيني وَبَين الْغَايَة منزلَة يَتَأَمَّلهَا صديقي فيرجوها لي، وَلَا يَقُول عدوى قد بلغ الْغَايَة وَلَيْسَ إِلَّا الانحطاط. فأستحسن الْمَأْمُون ذَلِك مِنْهُ واستوزره.
وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد: كَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد كَاتب الْمَأْمُون شاميا مولى لبني عَامر بن لؤى وَأَبوهُ أَبُو خَالِد الْأَحول كَانَ كَاتبا لِعبيد اللَّهِ كَاتب الْمهْدي، وَكَانَ أَحْمد ابْن أبي خَالِد، وَابْن العمركي، وَأحمد بن يُوسُف أخوانا. فَكَانَ أَحْمد يأتيهما
стр. 111
إِلَى طعامهما وَكَانَ يعجب بالعدسية حب أهل الشأم للعدس. قَالَ أَبُو الْحسن: وَكنت أَجْلِس فِي مجْلِس أبي بِبَغْدَاد إِلَى أَن يعود من ركُوبه وَكَانَ يَأْمُرنِي إِذا أَبْطَأَ فحضره أخوانه وطلبوا الطَّعَام أَن أخرج الطَّعَام إِلَيْهِم فَمَا كَانَ أحدا مِنْهُم يطْلب الطَّعَام إِلَّا أَحْمد بن أبي خَالِد فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول لطباخ كَانَ لأبي تركي: أعندك العدسية؟ فَيَقُول: نعم. فيؤتي بهَا فيأ كل مِنْهَا أكل عشرَة وَيغسل يَده وينتظر أبي حَتَّى يَأْتِي فيأكل مَعَه كَأَنَّهُ لم يَأْكُل شَيْئا.
حَدثنِي مُحَمَّد بن عِيسَى. قَالَ: وَقَالَ أَبُو زيد. حَدثنِي أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول بخراسان فِيمَا كَانَ يُخْبِرنِي بِهِ عَن كرم الْمَأْمُون، وفضله، وأحتماله وَحسن معاشرته أَنه سمع الْمَأْمُون يَوْمًا وَعِنْده على بن هِشَام، وأخواه أَحْمد، وَالْحُسَيْن ذكر عَمْرو بن مسْعدَة فأستبطأه وَقَالَ: أيحسب عَمْرو أَنِّي لَا أعرف أخباره، وَمَا يجبى إِلَيْهِ، وَمَا يُعَامل بِهِ النَّاس بلَى وَالله ثمَّ بَعثه أَلا يسْقط على مِنْهُ شئ؟ ! ونهض وانصرفنا. فقصدت عمرا من سَاعَتِي فخبرته بِمَا جرى وأنسيت أَن أستعجله من حكايته عني فراح عَمْرو إِلَى الْمَأْمُون فَظن الْمَأْمُون أَنه لم يحضر إِلَّا لأمر مُهِمّ لموقعه من الرسائل، والمظالم، والوزارة فَأذن لَهُ، فخبرني عَمْرو أَنه لما دخل عَلَيْهِ وضع سَيْفه بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا عَائِذ بِاللَّه من سخطه، ثمَّ عَائِذ بك من سخطك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. أَنا أقل من أَن يشكوني أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أحد، أَو يسر على ضغنا ببعثه بعض الْكَلَام على إِظْهَاره مَا يظْهر مِنْهُ: فَقَالَ لي: وَمَا ذَاك؟ فخبرته بِمَا بَلغنِي وَلم أسم لَهُ مخبري فَقَالَ لي: لم يكن الْأَمر كَمَا بلغك، وَإِنَّمَا كَانَت جملَة من تَفْصِيل كنت على أَن أخْبرك بِهِ وَإِنَّمَا أخرج مني مَا أخرج معنى تحار بناه وَلَيْسَ لَك عِنْدِي أَلا مَا تحب فليفرخ روعك، وليحسن ظَنك. فَأَعَدْت الْكَلَام فمازال يسكن مني، ويطيب من نَفسِي حَتَّى تحلل بعض مَا كَانَ فِي قلبِي، ثمَّ بَدَأَ فضمني إِلَى نَفسه وَقبلت يَده فَأَهوى ليعانقنى فشكرته وتبينت فِي وَجهه الْحيَاء والخجل مِمَّا تأدي إِلَى
стр. 112
قَالَ أَحْمد: فَلَمَّا غَدَوْت على الْمَأْمُون قَالَ لي يَا أَحْمد: أما لمجلسي حزمة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: وَهل الحزم إِلَّا لما فصل عَن مجلسك. قَالَ: مَا أَرَاكُم ترْضونَ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَة فِيمَا بَيْنكُم قَالَ: قلت وأية مُعَاملَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا كَلَام لَا أعرفهُ. قَالَ: بلَى. أما سَمِعت مَا كُنَّا فِيهِ أمس من ذكر عَمْرو ذهب بعض من حضر من بني هَاشم فخبره بِهِ فراح إِلَى عَمْرو مظْهرا مِنْهُ مَا وَجب عَلَيْهِ أَن يظهره فَدفعت مِنْهُ مَا أمكن دَفعه وَجعلت أعْتَذر إِلَيْهِ مِنْهُ بِعُذْر قد تبين فِي الخجل مِنْهُ وَكَيف يكون اعتذار إِنْسَان من كَلَام قد تكلم بِهِ إِلَّا كَذَلِك يتَبَيَّن فِي عَيْنَيْهِ، وشفتيه، وَوَجهه وَلَقَد أَعْطيته مَا كَانَ يقنع مني أقل مِنْهُ، وَمَا حداني عَلَيْهِ إِلَّا مَا دخلني من الخساسة وَإِنَّمَا كَانَ نطق بِهِ اللِّسَان عَن غير روية وَلَا أحتمال مَكْرُوه بِهِ. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أَنا خبرت عمرا بِهِ لَا أحد من ولد هَاشم: فَقَالَ: أَنْت؟ قلت أَنا. فَقَالَ: مَا حملك على مَا فعلت؟ فَقلت: الشُّكْر لَك، والنصح والمحبة لإن تتمّ نِعْمَتك على أوليائك وخدمك أَنا أعلم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحب أَن يصلح لَهُ الْأَعْدَاء، والبعداء، فَكيف الْأَوْلِيَاء والقرباء وَلَا سِيمَا مثل عَمْرو فِي دنوه من الْخدمَة وموقعه من الْعَمَل، ومكانه من رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ اللَّهِ بَقَاءَهُ فِيهِ سَمِعت أَمِير الْمُؤمنِينَ أنكر مِنْهُ شَيْئا فخبرته بِهِ ليصلحه، وَيقوم من نَفسه أودها لسَيِّده ومولاه ويتلافى مَا فرط مِنْهُ وَلَا يُفْسِدهُ مثله وَلَا يبطل العناء فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يكون مَا فعلت عَيْبا لَو أَشْعَث سرا فِيهِ قدح فِي السُّلْطَان أَو نقص تَدْبِير قد استتب فَأَما مثل هَذَا فَمَا حسبته يبلغ أَن يكون ذَنبا على. فَنظر إِلَى مَلِيًّا ثمَّ قَالَ: كَيفَ قلت؟ . فَأَعَدْت عَلَيْهِ. ثمَّ قَالَ: أعد فَأَعَدْت الثَّالِثَة. فَقَالَ: أَحْسَنت وَالله يَا أَحْمد لما خبرتني بِهِ أحب إِلَى من ألف ألف، وَألف ألف، ألف ألف وَعقد خِنْصره وبنصره وَالْوُسْطَى وَقَالَ: أما ألف ألف فلنفيك عني سوء الظَّن وَأطلق وسطاه، وَأما ألف ألف فلصدقك إيَّايَ عَن نَفسك وَأطلق البنصر. وَأما ألف ألف فلحسن جوابك وَأطلق الْخِنْصر وَأمر لي بِمَال.
стр. 113
قَالَ أَبُو عباد: لما ناقب الْمَأْمُون أَحْمد بن أبي خَالِد قَالَ: مَا أَظن أَن اللَّهِ خلق فِي الدُّنْيَا نفسا أنبل وَلَا أكْرم من نفس الْمَأْمُون: قلت. وَبِمَا ذَاك؟ قَالَ: كَانَ قد عرف نفس الرجل يَعْنِي أَحْمد بن أبي خَالِد وشرهه فَكَانَ إِذا وَجهه إِلَى رجل برسالة أَو فِي حَاجَة قَالَ: آيَته بِالْغَدَاةِ واخلع ثِيَابك وَاطْمَأَنَّ عِنْده فَإِن انصرفت وَقد قُمْت فَاكْتُبْ إِلَى بِجَوَاب مَا جِئْت بِهِ فِي رقْعَة وأدفعها إِلَى فتح يوصلها إِلَى.
وحَدثني بعض أَصْحَابنَا قَالَ: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لِأَحْمَد بن أبي خَالِد: أغد على باكرا لأخذ الْقَصَص الَّتِي عنْدك فَإِنَّهَا قد كثرت لنقطع أُمُور أَصْحَابهَا فقد طَال صبرهم على انتظارها فبكر وَقعد لَهُ الْمَأْمُون فَجعل يعرضهَا عَلَيْهِ ويوقع عَلَيْهَا إِلَى أَن مر بِقصَّة رجل من اليزيديين يُقَال لَهُ فلَان اليزيدي فصحف وَكَانَ جائعا فَقَالَ: الثريدي. فَضَحِك الْمَأْمُون وَقَالَ يَا غُلَام: ثريدة ضخمة لأبي الْعَبَّاس فَإِنَّهُ أصبح جائعا، فَخَجِلَ أَحْمد وَقَالَ: مَا أَنا بجائع يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِن صَاحب هَذِه الْقِصَّة أَحمَق وضع نسبته ثَلَاث نقط. قَالَ: دع هَذَا عَنْك فالجوع أضرّ بك حَتَّى ذكرت الثَّرِيد: فجاؤوه بصحفة عَظِيمَة كَثِيرَة الْعرَاق والودك، فأحتشم أَحْمد: فَقَالَ الْمَأْمُون: بحياتي عَلَيْك لما عدلت نَحْوهَا فَوضع الْقَصَص وَمَال إِلَى الثَّرِيد فَأكل حَتَّى انْتهى والمأمون ينظر إِلَيْهِ فَلَمَّا فرغ دَعَا بطست فَغسل يَده وَرجع إِلَى الْقَصَص فمرت بِهِ قصَّة فلَان الْحِمصِي فَقَالَ: فلَان الخبيصي. فَضَحِك الْمَأْمُون وَقَالَ يَا غُلَام: جَاما ضخما فِيهِ خبيص فَإِن غداء أبي الْعَبَّاس كَانَ مبتورا. فَخَجِلَ أَحْمد وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ صَاحب هَذِه الْقِصَّة أَحمَق فتح الْمِيم فَصَارَت كَأَنَّهَا سنتَيْن. قَالَ دع عَنْك هَذَا فلولا حمقه وحمق صَاحبه لمت جوعا فجاؤوه بجام خبيص فَخَجِلَ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون بحياتي عَلَيْك إِلَّا ملت إِلَيْهَا فانحرف فانثنى عَلَيْهِ وَغسل يَده ثمَّ عَاد إِلَى الْقَصَص فَمَا أسقط حرفا حَتَّى أَنِّي على آخرهَا.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَلما انْصَرف دِينَار بن عبد اللَّهِ عَن الْجَبَل كَانَ الْمَأْمُون واجدا عَلَيْهِ فَأَقَامَ فِي الْمَدَائِن فِي حراقته حينا حَتَّى رضى عَنهُ. قَالَ:
стр. 114
فَوجه إِلَيْهِ الْمَأْمُون أَحْمد بن أبي خَالِد وَقَالَ: قل لَهُ فعلت كَذَا، وصنعت كَذَا. واحفظ مَا يرجع إِلَيْك من جَوَابه. فَلَمَّا مضى أَحْمد قَالَ لياسر رجله وَكَانَ قد سمع الرسَالَة وَالْكَلَام الَّذِي حمله إِلَى دِينَار اتبعهُ فَأنْظر مَا يَقُول لدينار وَمَا يرد عَلَيْهِ وأعلمني مَا يصنع عِنْده فَإِنَّهُ إِن تغدى عِنْده رَجَعَ بِكُل مَا يحب دِينَار، وَإِن لم يطعمهُ رَجَعَ بِكُل مَا يكره. قَالَ: فَلَمَّا خرج علم وَكيل دِينَار أَنه يُريدهُ فَوجه رَسُولا إِلَى صَاحبه يُخبرهُ بمجيئه. فَقَالَ دِينَار لقهرمانه: إِن أَحْمد أشره من نفخ فِيهِ الرّوح فَانْظُر إِذا هُوَ خرج من المَاء فَقل لَهُ مَا الَّذِي يتَّخذ لَك حَتَّى تتغدى بِهِ فَلَمَّا خرج من الحراقة قَالَ لَهُ ذَلِك. قَالَ. فراريج كسكرية بِخبْز المَاء وَمَاء الرُّمَّان. قَالَ: فذبح لَهُ عشرُون فروجا وشواها وخبز خبز المَاء فِي أقل من سَاعَة ثمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: قد تهَيَّأ طعامنا. قَالَ: وَيلك هَات فَإِنِّي أجوع من كلب. فَقرب إِلَيْهِ الطَّعَام فَأتى على الفراريج حَتَّى لم يدع إِلَّا عظما عَارِيا وَقرب إِلَيْهِ الْحَار والبارد والحلو والحامض فَمَا وضع بَين يَدَيْهِ شئ إِلَّا أثر فِيهِ فَلَمَّا انْتهى جَاءَهُ الطباخ بِخمْس سمكات على طبق يلوح لَهُ بهَا فصاح بالقهرمان يَا ابْن الخبيثة: كَانَ يَنْبَغِي أَن تقدم هَذَا قبل كل شئ فَقَالَ صدق وَالله وَلَكِن هاته فَأكل مِنْهُ أكل من لم يذقْ شَيْئا ثمَّ قَالَ لدينار يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ: قد حصلت لنا قبلك أَمْوَال مِنْهَا مَا هُوَ بخطك فِي الدِّيوَان، وَمِنْهَا مَا أَقرَرت بهَا على لِسَان كاتبك. قَالَ: فَقَالَ دِينَار: مَا لكم قبلي إِلَّا سَبْعَة آلَاف ألف مَا أعرف غَيرهَا. قَالَ: فاحمل هَذَا المَال الَّذِي لَا تنكره. قَالَ احمله فِي ثَلَاث نُجُوم قَالَ فاتفقنا على ذَلِك. قَالَ: فَلَمَّا تغدى وثقلت معدته هم بالانصراف فَقَالَ: أعد على الْجَواب قَالَ نعم: لكم عِنْدِي سِتَّة آلَاف ألف قَالَ يَاسر: إِنَّهَا سَبْعَة الآلف ألف وهدأ أَبُو الْعَبَّاس فَسَأَلَهُ قَالَ يَا أَبَا الْعَبَّاس: ألم تقل السَّاعَة لكم عِنْدِي سَبْعَة آلَاف ألف؟ قَالَ: مَا أحفظ مَا قَالَ وَلَكِن قل السَّاعَة يحفظ كلامك. قَالَ دِينَار مَا قلت إِلَّا سِتَّة آلَاف ألف فَانْصَرف أَحْمد وَسَبقه يَاسر فَدخل فَحكى لِلْمَأْمُونِ الْقِصَّة حرفا. حرفا. فَلَمَّا دخل أَحْمد أخبرهُ بِمَا قَالَ دِينَار حَتَّى انْتهى إِلَى جملَة المَال فَقَالَ: أقرّ بِخَمْسَة آلَاف ألف فَضَحِك الْمَأْمُون
стр. 115
وَقَالَ: ألف الف للغداء قد عرفنَا موضعهَا. فالألف الْألف الْأُخْرَى لماذا سَقَطت فَأخذ بِسِتَّة آلَاف ألف وَقَالَ: مَا رَأَيْت غداء قطّ بِأَلف ألف على رجل وَاحِد إِلَّا غداء دِينَار علينا. وَسمعت من يذكر أَنه ولى رجلا كورة عَظِيمَة الْقدر بخوان فالوذج أهداه إِلَيْهِ.
قَالَ: وحَدثني بعض أَصْحَابنَا ان جمَاعَة من أهل كورة الأهواز شكوا عَاملا كَانَ عَلَيْهِم فعزل وَصَارَ إِلَى مَدِينَة السَّلَام فتكلموا فِيهِ فأنهى خبرهم إِلَى الْمَأْمُون فأحضرهم وخصمهم وَأمر أَحْمد بن أبي خَالِد بِالنّظرِ فِي امورهم. فَقَالَ رجل من خصوم الْعَامِل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: جعلني اللَّهِ فدَاك تقدم إِلَى أَحْمد ان لَا يقبل من هَذَا الْفَاجِر هَدِيَّة حَتَّى يقطع أمرنَا. فوَاللَّه لَئِن أكل من طَعَامه رغيفا، وَمن فالوذحة جَاما ليد حضن اللَّهِ حجتنا على يَدَيْهِ، وليبطلن حَقنا على يَدَيْهِ. فَقَالَ: أحضروا يَوْم الْأَرْبَعَاء حَتَّى انْظُر فِي أُمُوركُم بنفسي وَأجْرِي على ابْن أبي خَالِد فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم لمائدته لِئَلَّا يشره إِلَى طَعَام أحد من بطانته.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: رفع إِلَى الْمَأْمُون فِي الْمَظَالِم أَن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجرى على أَحْمد بن أبي خَالِد نزلا فَإِن فِيهِ جنسية من الْكلاب وَقَالَ: إِن الْكَلْب يحرس الْمنزل بالكسرة واللقمة، وَأحمد بن أبي خَالِد يقتل الْمَظْلُوم ويعين الظَّالِم بِأَكْلِهِ. قَالَ: فَأجرى عَلَيْهِ الْمَأْمُون ألف دِرْهَم فِي كل يَوْم لمائدته فَكَانَ مَعَ هَذَا يشره إِلَى طَعَام النَّاس وتمتد عينه إِلَى هَدِيَّة تَأتيه وَفِيه يَقُول دعبل: -
(شكرنا الْخَلِيفَة إجراءه ... على ابْن أبي خَالِد نزله)
(وكف أَذَاهُ عَن الْمُسلمين ... وصير فِي بَيته أكله)
(وَقد كَانَ يقسم أشغاله ... فصير فِي نَفسه شغله)
وَقَالَ أَيْضا يهجوه وَيذكر أَبَا عباد، وَعَمْرو بن مسْعدَة ويصف شراهة أَحْمد ابْن أبي خَالِد: -
стр. 116
(لَوْلَا تكون لكاتب لَك ربعه ... يقْضى الْحَوَائِج مستطيل الرَّأْس)
(لم تغد بالملبون عِنْد فطامه ... يَوْمًا وَلَا بمطجن القلقاس)
(أَو كَانَ مسْعدَة الْكَرِيم نجاره ... بَيت الْكِتَابَة فِي بني الْعَبَّاس)
(يَغْدُو على أضيافه مستطعما ... كَالْكَلْبِ يَأْكُل فِي بيُوت النَّاس)
قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا أسى اللِّقَاء، عَابس الْوَجْه يهر فِي وُجُوه الْخَاص وَالْعَام غير أَن فعله كَانَ أحسن من لِقَائِه، وَكَانَ من عرف أخلاقه، وصبر على مداراته نَفعه، وَعرضه، وأكسبه وَكَانَ يرْمى هُوَ وَالْفضل بن الرّبيع قبله، والحراني قبلهمَا بالأبنة كَمَا ذكر.
حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: وَقع بَين أَحْمد بن أبي خَالِد، وَمُحَمّد بن الْفضل بن سُلَيْمَان الطوسي كَلَام وَجَرت بَينهمَا مُنَازعَة بِحَضْرَة الْمَأْمُون، وَكَانَ ابْن الطوسي سليط اللِّسَان بذئ الْكَلَام. فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لحدثني ذُو اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن أَنه استزاره وَأَنه نادمة قَالَ فَقَامَ لقَضَاء حَاجته وَأَبْطَأ على ذى اليمينين رُجُوعه فَذكر أَنه خرج فِي أَثَره فَإِذا بعض غلمانه على ظَهره وَهَذَا ذُو اليمينين بالحضرة مَا استشهدت مَيتا، وَلَا كذبت على غَائِب مُتَعَمدا. فَأمر الْمَأْمُون بإحضار ذِي اليمينين فَحَضَرَ فَسَأَلَهُ فَأنْكر ذَلِك انكارا ضَعِيفا وَلم يَدْفَعهُ دفعا قَوِيا. قَالَ: فأتضع عِنْد الْمَأْمُون بعد هَذِه. وتهيأ ان حمل يحيى بن أَكْثَم إِلَيْهِ من أَمْوَال الحشرية ثَلَاث مائَة ألف دِينَار وَهُوَ إِذْ ذَاك حَاكم أهل الْبَصْرَة وَقبل ذَلِك مَا وَصله الْحسن ابْن سهل وَقَالَ من حَاله ونبله وَمن فهمه وَمن صيانته نَفسه مَا حرك الْمَأْمُون على أجتبائه واختياره.
стр. 117
ذكر وَفَاة أَحْمد بن أبي خَالِد
قَالَ: لما مَاتَ أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول حضر الْمَأْمُون جنَازَته وَصلى عَلَيْهِ فَلَمَّا ولى فِي حفرته ترحم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: أَنْت وَالله كَمَا قَالَ الْقَائِل: -
(أَخُو الْجد إِن جد الرِّجَال وشمروا ... وَذُو بَاطِل إِن كَانَ فِي الْقَوْم بَاطِل)
وَكَانَت وَفَاة أَحْمد بن أبي خَالِد فِي ذِي الْقعدَة سنة أحدى عشر وَمِائَتَيْنِ.
حَدثنِي عبد الْوَهَّاب بن أَشْرَس قَالَ: قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول يَوْمًا لثمامة بِحَضْرَة الْمَأْمُون يَا ثُمَامَة: كل أحد فِي الدَّار فَلهُ معنى غَيْرك فَإِنَّهُ لَا معنى لَك فِي دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ لَهُ ثُمَامَة: إِن معناى فِي الدَّار وَالْحَاجة إِلَى لبينة. فَقَالَ: وَمَا الَّذِي تصلح لَهُ؟ قَالَ: أشاور فِي مثلك هَل تصلح لموضعك أم لَا تصلح. قَالَ: فأفحم. فَمَا رد عَلَيْهِ جَوَابا.
حَدثنِي مُحَمَّد بن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم قَالَ. أَرَادَ الْمَأْمُون الْخُرُوج إِلَى الْمَدَائِن فأستخلف أَحْمد بن أبي خَالِد فِي الرصافة.، واستخلف عَمْرو بن مسْعدَة فِي المخرم. قَالَ: فَقَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنَّك تشخص وتخلف ببابك أحرارا،، وأشرافا أَعينهم ممدودة إِلَى فضلك، وآمالهم فِيك منفسحة، فَإِذا شخصت انْقَطَعت آمالهم فَلَو أمرت لَهُم بِمَال فَفرق فيهم بعد شخوصك كَأَنَّهُمْ لم يفقدون. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون: قدر فِي ذَلِك تَقْديرا. قَالَ: ليأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا رأى. قَالَ: قد أمرت لَهُم بِأَلف ألف دِرْهَم تفرقها فيهم على قدر استحقاقهم. قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَحْمد بن أبي خَالِد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فعندي مَا أُرِيد أَن أوردهُ بَيت مَال أَمِير الْمُؤمنِينَ أفاجعلهم مِنْهُ.؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فشخص الْمَأْمُون إِلَى الْمَدَائِن، وَقعد عَمْرو فِي المخرم، وَأحمد بن أبي خَالِد فِي الرصافة فَجعل ابْن أبي خَالِد يتَذَكَّر من يؤمله وهم بِبَاب الْخَلِيفَة من الْأَحْرَار والاشراف فيسمى لكل رجل بِمَال ويجعله فِي كيس وَيكْتب عَلَيْهِ اسْمه حَتَّى تعدى إِلَى أَصْحَاب عَمْرو بن مسْعدَة فَكتب أَسْمَاءَهُم ثمَّ قَالَ أذن للنَّاس. فَجعل لَا يدْخل عَلَيْهِ رجل إِلَّا قَالَ لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ ذكرك وَقد أَمر لَك بِمَال: قَالَ: ثمَّ يَدْعُو
стр. 118
بِهِ فَيدْفَع إِلَيْهِ فَمَا دخل عَلَيْهِ أحد يَوْمئِذٍ فَخرج من عِنْده مخفقا، وَبلغ الْخَبَر أَصْحَاب عَمْرو فَأتوهُ وَأخذُوا صلَاتهم فَكثر النَّاس على بَابه وخفوا عَن بَاب عَمْرو حَتَّى كَانَ لَا يلْزمه إِلَّا كِتَابه. قَالَ فَأَتَاهُ بعد ذَلِك بيومين أَو ثَلَاث رجل من آل مَرْوَان بن أبي حَفْصَة فَمثل بَين يَدَيْهِ فأنشده: -
(قل للْإِمَام وَخير القَوْل أصدقه ... رَأس الْمُلُوك وَمَا الأذناب كالرأس)
(إِنِّي أعوذ بهَارُون وحفرته ... وقبر عَم نَبِي الله عَبَّاس)
(من أَن تكربنا يَوْمًا رواحلنا ... إِلَى الْيَمَامَة من بَغْدَاد باليأس)
قَالَ: فَقَالَ وَيحك يَا غُلَام مَا بقى عنْدك من ذَلِك المَال؟ . قَالَ عشرَة آلَاف دِرْهَم. قَالَ: فأدفعها إِلَيْهِ: قَالَ فَدفعت إِلَيْهِ.
قَالَ حَدثنِي جرير النَّصْرَانِي: أَن أَحْمد بن أبي خَالِد كلم الْمَأْمُون فِي جَاره صَالح الأضخم وَأخْبرهُ أَنه كَانَ لله عَلَيْهِ نعْمَة وَأَن حَالَة قد رثت فَأمر لَهُ بِأَرْبَع مائَة ألف دِرْهَم. فَقَالَ لَهُ مازحا: كلمت أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَمرك فَلم يكن عِنْده فِي حَاجَتك شَيْء. قَالَ: لِأَنَّك كَلمته ونيتك ضَعِيفَة فَخرج الْكَلَام على قدر النِّيَّة وَالْجَوَاب على قدر الْكَلَام. قَالَ: فَقَالَ مَا أفتلت مِنْك على مَال فصالحني على شَيْء أخبرهُ بِهِ فَلَعَلَّهُ يفعل أَو أعطيكه من مَالِي. قَالَ: أما من مَالك فَلَا حَاجَة لي فِيهِ وَلَا أَقُول فِي هَذَا شَيْء. قَالَ أَحْمد: مائَة ألف قَالَ إِن فِيهَا لصلاح. قَالَ فَإِن كَانَت مِائَتَيْنِ؟ قَالَ فَذَاك أفضل يقْضِي بِهِ الدّين ويتخذ بِهِ الْمُرُوءَة، وَتَكون مِنْهَا ذخيرة. قَالَ: فقد أَمر لَك بِأَرْبَع مائَة ألف فَقَالَ: يَا معشر النَّاس فِي الدُّنْيَا خلق أشر من هَذَا. عنْدك هَذَا الْخَبَر وتعذبني هَذَا الْعَذَاب ثمَّ دَعَا وشكر.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وخبرت أَن الْمَأْمُون قَالَ لِأَحْمَد يَوْمًا: أيش تصنع إِذا انصرفت السَّاعَة. قَالَ: أَقْْضِي حق أبي سعيد الْحسن بن قَحْطَبَةَ
стр. 119
عَائِدًا، وَأَنه لرث الْحَال. قَالَ: تحب أَن أهب لَهُ شَيْئا. قَالَ: أحب أَن تهب لأوليائك كلهم. قَالَ: أعْطه مائَة ألف. قَالَ: أحملها إِلَيْهِ السَّاعَة من بَيت المَال؟ فَقَالَ الْمَأْمُون: نعم. قَالَ: جَزَاك اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن شيعتك، وأوليائك خيرا فحملها إِلَيْهِ وَأخْبر الْخَبَر.
وحَدثني بعض أَصْحَابنَا: أَن مُحَمَّد بن الْحسن بن مُصعب أَتَى أَحْمد بن أبي خَالِد لما ولى الْجَبَل وَهُوَ يُرِيد الْخُرُوج إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كنت سميت لَك ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم من مَال أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقد وَقعت بهَا وَأَنت تخرج. وَقَالَ لقهر مانة يزِيد بن الْفرج: أذهب إِلَى الْخزَّان فَلَا تفارقهم حَتَّى يحملوها إِلَيْهِ، وأعطه من مَالِي مائَة ألف وَخمسين ألف دِرْهَم لِأَنَّهُ لَا يجوز لي أَن أجاوز نصف مَا أَمر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ اللَّهِ بَقَاءَهُ. فَتعذر مُحَمَّد بن الْحسن من صلته فَقَالَ: وَالله لَئِن لم تقبلهَا لأقطعنك وَلَا كلمتك أبدا فَسَار يزِيد أَحْمد بن أبي خَالِد فَقَالَ: المَال عندنَا الْيَوْم يتَعَذَّر. فَقَالَ: لَا بُد وَالله من أَنه تحمل إِلَيْهِ السَّاعَة مائَة ألف دِرْهَم دفْعَة.
وَقَالَ: قَالَ الْمَأْمُون لِأَحْمَد بن أبي خَالِد وغسان بعد أَن ظفر بإبراهيم بن الْمهْدي مَا تريان فِيهِ؟ فَقَالَ غَسَّان: تقتله. فَقَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: تَعْفُو عَنهُ. فَقَالَ لَهُ غَسَّان: هَل رَأَيْت أحدا فعل هَذَا الْفِعْل. فَقَالَ لَهُ أَحْمد: الْعَفو صَوَاب أَو خطأ؟ . قَالَ لَهُ: صَوَاب. فَقَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: أَمِير الْمُؤمنِينَ أولى النَّاس بِأَن يفعل من الصَّوَاب مَا لم يسْبقهُ أحد. فَعَفَا عَن إِبْرَاهِيم. وَقَالَ لِلْمَأْمُونِ: إِنَّمَا أَشَارَ عَلَيْك غَسَّان بقتْله لِأَنَّهُ حَارب آل ذِي الرئاستين.
وحَدثني أَن أَحْمد بن أبي خَالِد كَانَ يَقُول: يهدي إِلَى الطَّعَام فوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا أصنع بِهِ يهديه إِلَى صديق أستحى من رده عَلَيْهِ. وَبَلغنِي أَن أَحْمد بن أبي خَالِد كَانَ يجْرِي ثَلَاثِينَ ألفا على رجال من أهل الْعَسْكَر، مِنْهُم: الْعَبَّاس، وهَاشِم ابْنا عبد اللَّهِ بن مَالك لم يُوجد لَهَا ذكر فِي ديوانه تكرما.
стр. 120
وحَدثني جرير بن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس قَالَ: بَعَثَنِي أَحْمد بن أبي خَالِد إِلَى طَلْحَة بن طَاهِر فَقَالَ: قل لَهُ لَيْسَ لَك بِالسَّوَادِ ضَيْعَة وَهَذِه ألف ألف دِرْهَم بعثت بهَا إِلَيْك فأشتر بهَا ضَيْعَة، وَالله لَئِن لم تأخذها لأغضبن، وَإِن أَخَذتهَا لتسرنني فَردهَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم: مَا رَأَيْت أكْرم مِنْهُمَا أَحْمد بن أبي خَالِد معطيا وَطَلْحَة متنزها
ذكر اتِّصَال أَحْمد بن يُوسُف بالمأمون
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: كَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد يصف لأمير الْمُؤمنِينَ أَحْمد بن يُوسُف كثيرا، ويحمله على منادمته، ويريده طَاهِر بن الْحُسَيْن ويزين أمره وَإِذا حضر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أطراه فَأمر الْمَأْمُون أَحْمد بن أبي خَالِد بإحضاره فَلَمَّا أخذُوا مجَالِسهمْ غمز أَحْمد بن أبي خَالِد أَحْمد بن يُوسُف أَن يتَكَلَّم فَقَالَ: الْحَمد لله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي استخصك فِيمَا استحفظك من دينه، وقلدك من خِلَافَته بسوابغ نعمه، وفضائل قسمه، وعرفك من تيَسّر كل عسير حاولك، وغلبه كل متمرد صاولك مَا جعله تكمله لما حباك بِهِ من موارد أُمُوره بنجح مصادرها حمدا ناميا زَائِدا لَا يَنْقَطِع أولاه وَلَا يَنْقَضِي أخراه، وَأَنا أسئل اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من اتمام آلائه لديك، وإنماء مننه عَلَيْك، وكفايته مَا ولاك واسترعاك، وتحصين مَا حَاز لَك، والتمكين فِي بِلَاد عَدوك حَتَّى يمْنَع بك بَيْضَة الاسلام، ويعزبك أهلك ويبيح لَك حماة الشّرك، يجمع لَك متباين الألفة، وينحز بك فِي أهل العنود والضلالة إِنَّه سميع الدُّعَاء، فعال لما يَشَاء. فعال لما يَشَاء. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَحْسَنت وبورك عَلَيْك ناطقا وساكتا. ثمَّ قَالَ بعد أَن بلاه وأختبره: عجبا لِأَحْمَد بن يُوسُف كَيفَ اسْتَطَاعَ أَن يخبأ نَفسه.
حَدثنِي أَبُو الطّيب بن عبد اللَّهِ بن أَحْمد بن يُوسُف قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد ابْن يُوسُف بعد دُخُوله على الْمَأْمُون يتقلد ديوَان السِّرّ لِلْمَأْمُونِ وبريد خُرَاسَان، وصدقات الْبَصْرَة، وصير لَهُ الْمَأْمُون نصف الصَّدقَات بِالْبَصْرَةِ طعمة لَهُ سبع سِنِين
стр. 121
وَكَانَ قبل ولَايَته الْبَصْرَة سلفة الأهواز فصرف عَنْهَا وَكَانَ عَمْرو بن مسْعدَة يتقلد ديوَان الرسائل فَكَانَ الْمَأْمُون لعلمه بقدم أَحْمد فِي صناعته إِذا حضر أَمر يحْتَاج فِيهِ إِلَى كتاب يشهر وَيذكر أَمر أَحْمد فَكتب. مثل كتاب الخميسين، وَهدم الْبَيْت الْمُشبه بِالْكَعْبَةِ، وَسَائِر كتبه بليغة.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: دخل أَحْمد بن يُوسُف يَوْمًا على الْمَأْمُون فَأمره فَكتب بَين يَدَيْهِ والمأمون يملى عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ أَحْمد بن يُوسُف مَعَ لِسَانه حُلْو الْخط جدا. فَنظر الْمَأْمُون إِلَى خطه. فَقَالَ يَا أَحْمد:: لَوَدِدْت أَنِّي أخط مثل خطك وعَلى صَدَقَة ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: فَقَالَ أَحْمد بن يُوسُف: لَا يسوؤك اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن اللَّهِ لَو ارتضى الْخط لأحد من خلقه لعلمه نبيه ﷺ َ - قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون سريتها عني يَا أَحْمد. وَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة ألف دِرْهَم. وحَدثني عَن أَحْمد بن يُوسُف بن الْقَاسِم الْكَاتِب قَالَ أَمرنِي الْمَأْمُون أَن أكتب إِلَى جَمِيع الْعمَّال فِي اخذ النَّاس بالاستكثار من المصابيح فِي شهر رَمَضَان وتعريفهم مَا فِي ذَلِك من الْفضل فَمَا دَريت مَا أكتب وَلَا مَا أَقُول فِي ذَلِك إِذْ لم يسبقني إِلَيْهِ أحد فأسلك طَرِيقه ومذهبه فَقلت فِي وَقت نصف النَّهَار - فَأَتَانِي آتٍ فَقَالَ: قل: فَإِن فِي ذَلِك أنسأ للسائلة، وإضآءة للمجتهدين، ونفيا لمظان الريب، وتنزيها لبيوت اللَّهِ من وَحْشَة الظلمَة فَكتبت هَذَا الْكَلَام وَغَيره مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ. قَالَ: وَدخل أَحْمد بن يُوسُف على الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رضى أهل الصَّدقَات عَن رَسُول ﷺ َ - حَتَّى أنزل اللَّهِ فيهم: ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا أذاهم يسخطون﴾ فَكيف يرضون عني.
حَدثنِي أَحْمد بن الْقَاسِم الْكَاتِب. قَالَ: حَدثنِي نصر الْخَادِم مولى أَحْمد بن يُوسُف قَالَ: كَانَ أَحْمد بن يُوسُف يتبني مؤنسة جَارِيَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون،
стр. 122
وَجرى بَينهَا وَبَين الْمَأْمُون بعض مَا يجرى. قَالَ: وَخرج الْمَأْمُون إِلَى الشماسية وَخَلفهَا فجَاء رسولها إِلَى أَحْمد بن يُوسُف تستغيث بِهِ فوجهني أَحْمد إِلَيْهَا فَعرفت الْخَبَر ثمَّ رجعت فَأَخْبَرته. قَالَ: فَقَالَ: دَابَّتي. ثمَّ مضى فلحق أَمِير الْمُؤمنِينَ بالشماسية فَقَالَ للحاجب: اعْلَم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أَحْمد بن يُوسُف بِالْبَابِ وَهُوَ رَسُول فَأذن لَهُ فَدخل فَسَأَلَهُ عَن الرسَالَة مَا هِيَ؟ فَانْدفع ينشده: -
(قد كَانَ عتبك مرّة مكتوما ... فاليوم أصبح ظَاهرا مَعْلُوما)
(نَالَ الأعادي سؤلهم لاهنئوا ... لما رأوني ظَاعِنًا ومقيا)
(هبني أَسَأْت فعادة لَك أَن ترى ... متفضلا متجاوزا مَظْلُوما)
قَالَ: قد فهمت الرسَالَة. كن الرَّسُول بالرضاء. يَا يَاسر: امْضِ مَعَه. قَالَ: فَحملت الرسَالَة وَحملهَا يَاسر.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لأَصْحَابه أخبروني عَن غَسَّان بن عباد قَالَ أريده لأمر جسيم وَكَانَ قد عزم أَن يوليه السَّنَد. فَقَالَ بشر ابْن دَاوُد بن يزِيد: قد خَالف واستبد بالفيء وَالْخَرَاج فَتكلم الْقَوْم وأطنبوا فِي مدحه فَنظر الْمَأْمُون إِلَى أَحْمد بن يُوسُف وَهُوَ سَاكِت. فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول يَا أَحْمد؟ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: ذَاك رجل محاسنه أَكثر من مساويه، لَا تصرف بِهِ طباقه إِلَّا انتصف مِنْهُم مهما تخوفت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لن يَأْتِي أمرا يعْتَذر مِنْهُ، لِأَنَّهُ قسم أَيَّامه بَين أَيَّام الْفضل فَجعل لكل خلق نوبَة إِذا نظرت فِي أمره لم تدر أَي حالاته أعجب أما هداه إِلَيْهِ عقله، أم مَا اكْتَسبهُ بالأدب. قَالَ: لقد مدحته على سوء رَأْيك فِيهِ. قَالَ: لِأَنَّهُ فِيمَا قلت كَمَا قَالَ الشَّاعِر: -
(كفى ثمنا لما أسديت أَنِّي ... مدحتك فِي الصّديق وَفِي عدائي)
(وَإنَّك حِين تنصبني لأمر ... يكون هَوَاك أغلب من هوائي)
قَالَ: فأعجب الْمَأْمُون كَلَامه واسترجح أدبه.
стр. 123
قَالَ عزى: أَحْمد بن يُوسُف ولد رجل من آل الرّبيع وَكَانَ لَهُ مواصلا فَقَالَ: عظم اللَّهِ أجركُم، وجبر مصابكم، وَوجه الرَّحْمَة إِلَى فقيدكم، وَجعل لكم من وَرَاء مصيبتكم حَالا تجمع كلمتكم، وتلم شعثكم، وَلَا تفرق ملأكم.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَلما حضر أَحْمد بن يُوسُف بالمأمون وَغلب عَلَيْهِ حسده المعتصم فاحتال لَهُ بِكُل حِيلَة فَلم يجد وَجها يسبعه بِهِ عِنْده، وَكَانَ الْمَأْمُون يُوَجه إِلَى أَحْمد بن يُوسُف فِي السحر ويحضر المعتصم وَأَصْحَابه فِي وَقت الْغَدَاء فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أغتم لَهُ خَاصَّة الْمَأْمُون أجمع. فَشَكا ذَلِك المعتصم إِلَى مُحَمَّد بن الْخَلِيل بن هِشَام وَكَانَ خَاصّا بالمعتصم فَقَالَ: أَنا أحتال لَهُ. قَالَ: فَدس مُحَمَّد بن الْخَلِيل خَادِمًا مِمَّن يقوم على رَأس الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ: إِذا خص الْمَأْمُون أَحْمد بن يُوسُف بكرامة أَو لون من الألوان وَلم يكن لذَلِك أحد حَاضر فَأَعْلمنِي وَضمن لَهُ على ذَلِك ضمانا فَوجه الْمَأْمُون يَوْمًا فِي السحر كَمَا كَانَ يفعل إِلَى أَحْمد بن يُوسُف وَلَيْسَ عِنْده أحد، وَتَحْته مجمرة عَلَيْهَا بَيْضَة عنبر وَكَانَ أَمر بوضعها حِين دخل أَحْمد وَلم تكن النَّار علت فِيهَا إِلَّا أَخذ ذَلِك فَأَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يكرم أَحْمد بهَا ويؤثره فَقَالَ للخادم: خُذ المجمرة من تحتي وصيرها تَحت أَحْمد. ويحضر مُحَمَّد بن الْخَلِيل فيخبره الْخَادِم بذلك. وَكَانَ الْمَأْمُون يستطرف مُحَمَّد بن الْخَلِيل ويدعوه أَحْيَانًا فَيَقُول لَهُ: مَا تَقول الْعَامَّة، وَمَا يتحدث بِهِ النَّاس؟ فيخبره بذلك. فَدَعَاهُ بعد يَوْم المجمرة بأيام فَقَالَ لَهُ مَا تَقول النَّاس.؟ فَقَالَ يَا سَيِّدي شَيْء حدث مُنْذُ لَيَال من ذكرك أجل سَمعك مِنْهُ. فَقَالَ لَا بُد من أَن تُخبرنِي. فَقَالَ: انصرفت يَوْمًا فمررت بمشرعة وَأَنا فِي الزلَال فَسمِعت سقاء يَقُول لآخر مَعَه مَا رَأَيْت كَمَا يخبر ندماء هَذَا الرجل عَنهُ. فَقَالَ لَهُ وَمن تعنى؟ . قَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ لَهُ وَمَا ذَاك؟ قَالَ: انْصَرف من عِنْده أَحْمد بن يُوسُف فَسَمعته يَقُول لغلامه: مَا رَأَيْت أحدا قطّ ابخل وَلَا أعجب من الْمَأْمُون. دخلت عَلَيْهِ الْيَوْم وَهُوَ يتبخر فَلم تتسع نَفسه أَن يَدْعُو لي بِقِطْعَة بخور حَتَّى أخرج القتار الَّذِي كَانَ تَحْتَهُ فبخرني بِهِ. فَعرف الْمَأْمُون الحَدِيث
стр. 124
وَقَالَ فِي نَفسه. وَالله مَا حضر هَذَا الْيَوْم أحد فأتوهم فِيهِ ضربا من الضروب. وجفا أَحْمد بن يُوسُف وحجبه أَيَّامًا. وَأخْبر مُحَمَّد بن الْخَلِيل المعتصم فوفى لَهُ بِمَا كَانَ فَارقه عَلَيْهِ.
أَخْبَار أبي دلف الْقَاسِم بن عِيسَى بن أدريس
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ أَحْمد بن يُوسُف حَدثنِي ظريف مَوْلَانَا وَكَانَ نحويا قَالَ: وجهني مولاى الْقَاسِم بن يُوسُف بِكِتَاب إِلَى أبي دلف الْقَاسِم بن عِيسَى وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِبَغْدَاد قَالَ: فَدخلت عَلَيْهِ وَعِنْده على بن هِشَام وَجَمَاعَة من قواد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ مكبوب على شطرنج بَين أَيْديهم فقر بني وساءلني وَأخذ الْكتاب وَأَمرَنِي بِالْجُلُوسِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ على بن هِشَام أَو بعض من حضر: قربت هَذَا العَبْد وأجلسته؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّه أديب وَإنَّهُ شَاعِر وَهُوَ عبد من هُوَ عَبده. قَالَ: فَقَالُوا: إِن كَانَ شَاعِرًا فَلْيقل فِي أَيّنَا إِلَيْهِ أحب أبياتا. قَالَ ذَلِك إِلَيْهِ. قَالَ: فَقلت تَأذن جعلني اللَّهِ فدَاك فِي شئ قد حضرني. قَالَ: هاته. فأنشده: -
(أَبُو دلف فَتى الْعَرَب ... وفارسها لَدَى الكرب)
(وهوب الْفضة ابيضا ... والعينات وَالذَّهَب)
(أحبكم إِلَى قلبِي ... وَإِن كُنْتُم ذَوي حسب)
قَالَ فَكتب جَوَاب الْكتاب وتشور الْقَوْم وعدت بِالْجَوَابِ إِلَى مولاى فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ لي: أحدثت ثمَّ حَدثا؟ قلت: لَا. قَالَ لتصدقني عَن الْمجْلس فَحَدَّثته بِكُل مَا كَانَ فأعتقني وَوَلَدي وأمرأتي ووهب لي الْمنزل الَّذِي كنت أنزلهُ، وأمرلى بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم فَخرجت من عِنْده فَإِذا أخواني وأصحابي على الْبَاب ليهنؤني إِذا برَسُول أبي دلف وَأحد وكلائه قد وافى فَسَأَلَنِي عَن حالى فَأَخْبَرته. فَأخْرج إِلَى كيسا فَدفعهُ إِلَى وَقَالَ وجهني أَبُو دلف وَقَالَ لي أَن أصبته مَمْلُوكا فاشتره، وَإِن أصبته حرا فأدفع إِلَيْهِ هَذِه الدَّنَانِير.
стр. 125
حَدثنِي مَسْعُود بن عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الْعَبْدي قَالَ: حَدثنِي مُوسَى بن عبيد اللَّهِ التَّمِيمِي قَالَ: كَانَ أَبُو دلف أَيَّام الْمَأْمُون مُقيما بِبَغْدَاد وَكَانَت مَعَه جَارِيَة أفادها من بَغْدَاد فاشتاق إِلَى الكرخ فخاطبها فِي الْخُرُوج مَعَه إِلَى الكرخ فَأَبت عَلَيْهِ فَقَالَت: بَغْدَاد وطنى فَلَمَّا عزم على الرحيل تمثل: -
(وَسَلام عَلَيْك يَا ظَبْيَة الكرخ ... أقمتم وحان منا ارتحال)
(ومقام الْكَرِيم فِي بلد الْهون ... إِذا أمكن الرحيل محَال)
(حَيْثُ لَا رَافعا لسيف من الضيم ... لَا للكماة فِيهِ مجَال)
(فِي بِلَاد يذل فِيهَا عَزِيز الْقَوْم ... حَتَّى يَنَالهُ الإنذال)
وحَدثني أَحْمد بن الْقَاسِم الْعجلِيّ. قَالَ حَدثنِي عبد اللَّهِ بن نوح. قَالَ: قدم أَبُو دلف الْعجلِيّ قدومه إِلَى بَغْدَاد فِي أَيَّام الْمَأْمُون فَجَاءَنِي بعض فتياننا فَقَالَ ارتحل إِلَيْهِ فَإِنِّي ضَعِيف الْحَال وَلَعَلَّه أَن يرتاح لي بِمَا يغنيني وَقد عملت فِيهِ أبياتا فَأَتَاهُ فَطلب الْوُصُول إِلَيْهِ قَالَ: فَلَمَّا دخل خَبره بنسبه فَرَحَّبَ بِهِ ثمَّ أستأذنه فِي انشاده فَإِذن لَهُ فَقَالَ: -
(إِنِّي أَتَيْتُك واثقا إِذْ قيل لي ... أَن نعم مأوى اليائس المحروب)
(يعْطى فيغنى من حباه بسيبه ... بشر إِلَى السُّؤَال غير قطوب)
(ورجوت أَن أحظى بجودك بالغنى ... وَأحل فِي عطن لديك رحيب)
(فلئن رجعت بِبَعْض مَا أملته ... فَلَقَد أراح اللَّهِ كل كروبي)
(أَولا فصبرا للزمان وريبة ... صَبر الْمُحب على أَذَى المحبوب)
فَقَالَ لي: كم الَّذِي يُغْنِيك؟ . فَقلت إِنِّي لمختل معتل وَأَنِّي إِلَى فضلك لفقير.
стр. 126
فَسَأَلَ عني بعض من عِنْده من أَهلِي فعرفني فَأمر لي بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم. وَكتب إِلَى وَكيله أَن يَشْتَرِي لي دَارا. قَالَ: فأنصرف بِأَكْثَرَ أمْنِيته. قَالَ: وحَدثني على بن يُوسُف قَالَ: كنت يَوْمًا عِنْد أبي دلف بِبَغْدَاد فجَاء الْآذِن فَقَالَ: جعيفران الموسوس بِالْبَابِ. قَالَ: فَقَالَ إِن فِي الْعُقَلَاء وَالْأَصْحَاب من يشغلنا عَن الموسوس قَالَ: قلت قد جعلت فدَاك أَن يفعل فَإِن لَهُ لِسَانا. قَالَ: فَأذن لَهُ فَدخل فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ: -
(يَا أكْرم الْأمة مَوْجُودا ... وَيَا أعز النَّاس مفقودا)
(لما سَأَلت النَّاس عَن وَاحِد ... أصبح فِي الْأمة مَحْمُودًا)
(قَالُوا جَمِيعًا إِنَّه قَاسم ... أشبه أباء لَهُ صيدا)
(لَو عبدُوا شَيْئا سوى رَبهم ... أَصبَحت فِي الْأمة معبودا)
قَالَ: فَأمر لَهُ بكسوة فطرحت عَلَيْهِ وَأمر لَهُ بِمِائَة دِرْهَم. فَقَالَ لَهُ جعيفران: جعلت فدَاك تَأمر القهرمان أَن يعطيني مِنْهَا دَرَاهِم قد ذكرهَا كلما جِئْته دفع إِلَى من الدَّرَاهِم مَا أريده حَتَّى تنفذ قَالَ: نعم. وَكلما أردْت حَتَّى يفرق بَيْننَا الْمَوْت. قَالَ: - فَأَطْرَقَ جعيفرإن وَبكى وأكب على إصبعه فَقلت: مَالك؟ قَالَ: فَالْتَفت إِلَى فَقَالَ: -
(يَمُوت هَذَا الَّذِي نرَاهُ ... وكل شئ لَهُ نفاد)
(لَو أَن خلقا لَهُ خُلُود ... خلد ذَا الْمفضل الْجواد)
وَانْصَرف. قَالَ: فَقَالَ لي أَبُو دلف: يَا أَبَا الْحسن أَنْت كنت أعلم بصاحبك منا.
حَدثنِي أَحْمد بن يحيى أَبُو عَليّ الرَّازِيّ قَالَ: سَمِعت أَبَا تَمام الطَّائِي يَقُول: دَخَلنَا على أبي دلف أَنا ودعبل الشَّاعِر وَبَعض الشُّعَرَاء أَظُنهُ عمَارَة وَهُوَ يلاعب جَارِيَة لَهُ بالشطرنج فَلَمَّا رآنا قَالَ قُولُوا فِي هَذَا شعرًا: -
(رب يَوْم قطعت لَا بمدام ... بل بشطرنجنا نحيل الرخاخا)
стр. 127
ثمَّ قَالَ: أجيزوا. فبقينا نَنْظُر بَعْضنَا إِلَى بعض قَالَ: فَلم لَا تَقولُونَ: -
(وسط بُسْتَان قَاسم فِي جنان ... قد علونا مفارشا ونخاخا)
(وحوينا من الظباء غزالا ... ظرب لَحْمه يفوق المخاخا)
(فنصبنا لَهُ الشباك زَمَانا ... ونصبنا مَعَ الشباك فخاخا)
(فأصدناه بعد خَمْسَة سهر ... وسط نهر يشخ مَاء شخاخا)
قَالَ: فنهضنا عَنهُ. فَقَالَ: إِلَى أَيْن مَكَانكُمْ حَتَّى يكْتب لكم بجوائزئكم؟ . فَقُلْنَا لَا حَاجَة لنا فِي جائزتك حَسبنَا مَا نزل بِنَا مِنْك فِي هَذَا الْيَوْم. فَأمر بِأَن تضعف لنا.
حَدثنَا مُحَمَّد بن فرخان القلزمي. قَالَ: حَدثنِي أَبُو جشم مُحَمَّد بن الْمَرْزُبَان قَالَ: حضرت مَجْلِسا للقاسم بن عِيسَى أبي دلف لم أر وَلم أسمع مثله. أجتمع فِيهِ بَنو عجل كلهَا قضها بقضيضها الأدباء مِنْهُم. فَسَأَلَهُمْ الْقَاسِم بن عِيسَى عَن أَشْجَع بَيت قالته الْعَرَب؟ فَقَالَ أحدهم: قَول عنترة: -
(إِذْ يَتَّقُونَ بِي الأسنة لم أخم ... عَنْهَا وَلَكِنِّي تضايق مقدمي)
وَقَالَ أحد بني الْقَاسِم بن عِيسَى قَول الشَّاعِر حَيْثُ يَقُول: -
(وَإِنِّي إِذا الْحَرْب العران توكل ... بِتَقْدِيم نفس لَا أحب بقاءها)
وَقَالَ آخر قَول عَمْرو بن الاطنابة: -
(أَبَت لي عفتي وَأبي بلائي ... وأخذي الْحَمد بِالثّمن الربيح)
(وإنفاقي على الْمَكْرُوه مَالِي ... وضربي هَامة الرجل المشيح)
(وَقَوْلِي كلما جشأت وجاشت ... مَكَانك تحمدي أَو تستريحي)
(لأكسبها مآثر صالحات ... ونفسا لَا تقر على الْقَبِيح)
стр. 128
وَقَالَ آخر: بل قَول الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ: -
(أَشد على الكتيبة لَا أُبَالِي ... أفيها كَانَ حتفي أَو سواهَا)
وَرجل من مزينة حَيْثُ يَقُول: -
(دَعَوْت بني قُحَافَة فأستجابوا ... فَقلت ردوا فقد طَابَ الْوُرُود)
حَتَّى ذكرُوا نَحوا من مِائَتي بَيت وَعِنْده أَبُو تَمام الطَّائِي فَقَالَ: هَذَا وَالله أشعر من مضى وَمن بقى حَيْثُ يَقُول: -
(فَأثْبت فِي مستنقع الْمَوْت رجله ... وَقَالَ لَهَا من تَحت أخمصك الْحَشْر)
(غَدا غدْوَة وَالْحَمْد حَشْو رِدَائه ... فَلم ينْصَرف إِلَّا وأكفانه الْأجر)
(وَقد كَانَ فَوت الْمَوْت سهلا فَرده ... إِلَيْهِ الْحفاظ الْبر والخلق الوعر)
قَالَ: وحَدثني مَسْعُود بن عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الْعَبْدي قَالَ: أَخْبرنِي صَالح غُلَام أبي تَمام قَالَ: ورد على أبي دلف شَاعِر من أهل الْبَصْرَة تميمي فناقر أَبُو تَمام فَأصْلح أَبُو تَمام شعرًا أَدَاة إِلَى أبي دلف ليكيد التَّمِيمِي فأنشده: -
(إِذا ألجمت يَوْمًا لجيم وحولها ... بَنو الْحصن الْمُحْصنَات النجائب)
(فَإِن المنايا والصوارم والقنا ... أقاربهم فِي الروع دون الْأَقَارِب)
(وَإِن فخرت يَوْمًا تَمِيم بقوسها ... فخارا على مَا وددت من مَنَاقِب)
(فَأنْتم بِذِي قار أمالت سُيُوفكُمْ عروش ... الَّذين استرهنوا قَوس حَاجِب)
(وكادت مغانيكم تهش عراصها ... فتركب من شوق إِلَى كل رَاكب)
حَدثنِي أَحْمد بن الْقَاسِم قَالَ: حَدثنِي نَادِر مولاى قَالَ: قَالَ خرج عَليّ بن جبلة إِلَى عبد الله بن طَاهِر وَقد امتدحه بأشعار أَجَاد فِيهَا إِلَيّ خُرَاسَان فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا عَليّ. السِّت الْقَائِل فِي أبي دلف: -
стр. 129
(إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف ... بَين مغزاه ومحتضره)
(فَإِذا ولي أَبُو دلف ... ولت الدُّنْيَا على أَثَره)
قَالَ: بلَى. قَالَ: فَمَا الَّذِي جَاءَ بك إِلَيْنَا وَعدل بك عَن الدُّنْيَا الَّذِي زعمت. ارْجع من حَيْثُ جِئْت. فَمر بِأبي دلف فَأعلمهُ الْخَبَر فَأحْسن صلته وجائزته وَانْصَرف قَالَ نَادِر: فرأيته عِنْد الْقَاسِم بن يُوسُف وَقد سَأَلُوهُ عَن حَاله فَقَالَ: -
(أَبُو دلف إِن تلقه تلق ماجدا ... جوادا كَرِيمًا رَاجِح الْحلم سيدا)
(أَبُو دلف الْخيرَات أكْرم محتدا ... وأبسط مَعْرُوفا وأنداهم يدا)
(واصبر أَيْضا عِنْد مُخْتَلف القنى ... وأضرب بالمأثور غَضبا مهندا)
(وأقدم للطرف الْكَرِيم عَن الوغي ... إِذا مَا الكمى الْجلد خام وعردا)
(لقد سلفت حَقًا إِلَى لَهُ يَد ... فَعَاد فَأولى مثلهَا ثمَّ جددا)
(أيادي تباعا كلما سلفت يَد ... إِلَى ونعمي مِنْهُ اتبعها يدا)
(تراث أَبِيه عَن أَبِيه وجده ... وكل أمرئ يجْرِي على مَا تعودا)
(وَلست بشاك غَيره لنقيصه ... ولكنما الممدوح من كَانَ أمجدا)
حَدثنِي هَارُون بن عبيد اللَّهِ بن مَيْمُون. قَالَ: حَدثنِي أبي. قَالَ: كنت عِنْد الْفضل ابْن الْعَبَّاس بن جَعْفَر وَعِنْده العكوك على بن جبلة فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا فِي أبي دلف: -
(ذاد ورد الغي عَن صَدره ... وارعوى وَاللَّهْو من وطره)
(إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف ... بَين مغزاه ومحتضرة)
(فَإِذا ولى أَبُو دلف ... ولت الدُّنْيَا على أَثَره)
стр. 130
فَقَالَ على بن جبلة يَا أَبَا جَعْفَر: امْرُؤ الْقَيْس قَالَ: -
(رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره)
(فَهُوَ لَا يسوى رميته ... مَاله لَا عد من نفره)
وَقلت أَنا: -
(وَدم أهدرت من رشاء ... لم يرد عقل على هدره)
(ظلّ يدمى لَهُ مرشفه ... ويفديني على نفره)
قَالَ عبد اللَّهِ بن عَمْرو: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ. قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن الْحُسَيْن أَبُو طَالب الْجَعْفَرِي. قَالَ: رَأَيْت جمَاعَة فِي أَيَّام الْمَأْمُون يقتتلون على أَخذ كتاب عبد اللَّهِ بن عَبَّاس بن الْحسن إِلَى أبي دلف فَقَالَ إِن هَذَا رجل عَلَيْهِ نذر من مَاله بسببنا وَنحن أولى من صانه وَلَكِن هَذَا كتاب أكتبه فِي كل سنة إِلَيْهِ وأبيض اسْم صَاحبه وَتَقَع الْقرعَة لمن خرج اسْمه فَهُوَ لَهُ. فَذكر لي بعض أَصْحَابنَا أَن أبادلف لما بلغه ذَلِك جعل لَهُ فِي كل سنة مائَة ألف دِرْهَم يُوَجه بهَا إِلَيْهِ ليقسمها على من يرَاهُ مِمَّن يهم بزيارته، وَمِائَة ألف لَهُ يصله بهَا. قَالَ: وَكَانَ سَبَب مَا ضمنه أَبُو دلف لعباس ابْن حسن أَن إِسْحَاق الْموصِلِي قَالَ: حَدثنِي أَبُو دلف. قَالَ دخلت على الرشيد فَقَالَ لي: كَيفَ أَرْضك.؟ قَالَ قلت: خراب يباب قد أَخذ بهَا الأكراد والأعراب قَالَ: فَقَالَ لَهُ: قَائِل هَذَا آفَة الْجَبَل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فرأيتها قد أثرت فِيهِ. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن كَانَ صدقك فَإِنِّي صَاحب صَلَاح الْجَبَل. قَالَ: فَقَالَ لي وَكَيف ذَلِك؟ فَقلت: أكون سَببا لفساده كَمَا زعم وَأَنت على، وَلَا أكون سَببا لصلاحه وَأَنت معي. فَلَمَّا خرجت قَالَ لَهُ شيخ إِلَى جَانِبه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن همته لترمى بِهِ بَين وراشينه مرمى بَعيدا. فَسَأَلت عَن الشَّيْخ فَقيل لي الْعَبَّاس بن الْحسن الْعلوِي قَالَ: فَلَقِيته شاكرا وَقلت: لله على أَن لَا تكْتب إِلَى فِي أحد إِلَّا أغنيته. قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن رزين: حَدثنِي الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي سَلمَة وَكَانَ أَخا لأبي دلف.
стр. 131
قَالَ: قصر بعض عُمَّال أبي دلف فِي أمره فَبعث إِلَيْهِ من عَزله وَقَيده وحبسه. فَكتب إِلَى أبي دلف من السجْن كتابا تنطع فِيهِ، وقعر وَطول فَكتب إِلَيْهِ أَبُو دلف: -
(يَا صَاحب التَّطْوِيل فِي كتبه ... وَصَاحب التَّقْصِير فِي فعله)
(وراكب الغامض من جَهله ... وتارك الْوَاضِح من عقله)
(لم يخط من ألزمهُ قَيده ... بل صير الْقَيْد إِلَى أَهله)
(قَيده للحبس تقعيره ... فالقيد لن يخرج من رجله)
(وَالله لَا فَارقه قَيده ... أَو يقطع التقعير من أَصله)
ذكر اتِّصَال يحيى بن أَكْثَم بالمأمون وَالسَّبَب الَّذِي لَهُ استوزره
قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن صَالح الأضخم. قَالَ: هَل تَدْرِي مَا كَانَ سَبَب يحيى بن أَكْثَم؟ قلت: لَا. وَإِنِّي أحب أَن أعرفهُ. قَالَ: يحيى بن خاقَان هُوَ وَصله بالْحسنِ ابْن سهل وقربه من قلبه، وَكبره فِي صَدره حَتَّى ولاه قَضَاء الْبَصْرَة ثمَّ استوزره الْمَأْمُون فغلب عَلَيْهِ.
وحَدثني عبد اللَّهِ بن أبي مَرْوَان الْفَارِسِي. قَالَ: كَانَ ثُمَامَة سَبَب يحيى بن أَكْثَم فِي قَضَاء الْبَصْرَة مرَّتَيْنِ، وَسبب تخلصه من الْخَادِم الَّذِي أَمر بتكسيفه بِالْبَصْرَةِ. وَيُقَال إِنَّه سَطَعَ خصيته فِي تعذيبه بالقصب ثمَّ عزل من الْبَصْرَة فَنزل على ثُمَامَة حَتَّى ارتاد لَهُ دَارا بِحَضْرَتِهِ وَمَات أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول واحتيج إِلَى من يقوم مقَامه. قَالَ: فَأَرَادَ الْمَأْمُون ثُمَامَة على اللُّزُوم للْخدمَة فأمتنع واعتل عَلَيْهِ وَكره ذَلِك مِنْهُ. قَالَ: فَأُرِيد لي رجلا يصلح للْخدمَة. قَالَ: ثُمَامَة فَذكرت يحيى فِي نَفسِي وَلم أَبَد ذَلِك لِلْمَأْمُونِ حَتَّى لقِيت يحيى فعقدت عَلَيْهِ أَن لَا يغدر وَأَن لَا ينساها
стр. 132
لي إِن حسنت بِهِ حَاله، ولطفت لَهُ منزلَة. قَالَ: فَقَالَ يحيى يَا أَبَا معن: أَنا صنيعتك وَابْن عمك. فخبرني سراج خَادِم ثُمَامَة أَنه بلغ من مقاربة يحيى لثمامة وَطلب الْمنزلَة عِنْده أَنه جعل يتَعَلَّم القَوْل بالاعتزال. قَالَ: فَلَمَّا خصن حَال يحيى وَوَقع بَينه وَبَين ثُمَامَة مَا وَقع من الشَّرّ والمباينة والمحادثات عِنْد الْمَأْمُون فَجرى لَهُم من الْمجَالِس فِي الْكَلَام وَالْخلاف مَا قد أثر وَكتب قَالَ يحيى يَوْمًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: بَلغنِي أَن رجلا يزْعم أَنه يفرق بَين مَا اخْتلفت فِيهِ الْأمة فِي حرفين. فَقَالَ لَهُ ثُمَامَة ياأمير الْمُؤمنِينَ: إيَّايَ اعترى ولي فِي قَوْله غناء. نعم أَنا أفرق بَين مَا اخْتلفت فِيهِ الْأمة بحرفين إِلَّا أَنِّي أزداد حرفا ثَالِثا لتفهمه مَعَ الْخَاصَّة. فَقَالَ الْمَأْمُون: فَقل. فَمَا أَرَاك بِخَارِج مِنْهَا. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَا تَخْلُو أَفعَال الْعباد وَمَا اخْتلف النَّاس فِيهِ من ذَلِك أَن تكون من اللَّهِ لَيْسَ للعباد فِيهَا صنع أَو بَعْضهَا من اللَّهِ وَبَعضهَا من الْعباد، فَإِن زعم أَنَّهَا من اللَّهِ لَيْسَ للعباد فِيهَا صنع كفر وَنسب إِلَى اللَّهِ كل فعل قَبِيح. وَإِن زعم أَنَّهَا من اللَّهِ وَمن الْعباد جعل الْخلق شُرَكَاء لله فِي فعل الْفَوَاحِش وَالْكفْر. وَإِن زعم أَنَّهَا من الْعباد لَيْسَ لله فِيهَا صنع صَار إِلَى مَا أقوله. قَالَ: فَمَا أجَاب يحيى جَوَابا.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: كَانَ الْمَأْمُون يحضر يحيى بن أَكْثَم وَهُوَ يشرب فَلَا يسْقِيه وَيَقُول: لَو أَرَادَ يحيى أَن يشرب مَا تركته وَرُبمَا وضعت الصحفة قُدَّام الْمَأْمُون فِيهَا مطبوخ وَيحيى يَأْكُل مَعَه فَيَقُول لَهُ الْمَأْمُون: فِيهَا مطبوخ إِنِّي لَا أترك قَاضِي يشرب النَّبِيذ. وَقَالَ يحيى بن أَكْثَم أظهر لكل قَاض مَا تُرِيدُ أَن توليه إِيَّاه ومره بكتمانه ثمَّ انْظُر مَا يفعل أَولا وضع عَلَيْهِم أَصْحَاب أَخْبَار. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أُولَئِكَ قَضَاء الْقُضَاة. وَقَالَ لغيره مَا يُرِيد أَن يوليه فشاع ذَلِك كُله إِلَّا خبر يحيى فَإِنَّهُ أَتَاهُ أَن النَّاس ذكرُوا أَنه يُرِيد الْخُرُوج إِلَى الْبَصْرَة على قَضَائهَا فذمهم
стр. 133
وَقَالَ لَهُ كَيفَ شاع هَذَا وَأمرت باكتراء السفن إِلَى الْبَصْرَة. قَالَ يحيى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَيْسَ يَسْتَقِيم كتمان شئ إِلَّا بإذاعة غَيره وَإِلَّا وَقع النَّاس عَلَيْهِ. قَالَ: صدقت وحمده.
أَخْبَار عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق القَاضِي وبدئ امْرَهْ وَذكر اتِّصَاله بالسلطان
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَقَالَ أَبُو الْبَصِير: كَانَ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق يخْتَلف إِلَى ولد سَمَاعه يَأْكُل طعامهم فَأَتَاهُم يَوْمًا فتغدي عِنْدهم وَأخذُوا قلنسوته فتراموا بهَا فخرقوها فأغضبه ذَلِك فَصَارَ إِلَى أَبِيهِم ليشكوهم فَوجدَ عِنْده جمَاعَة فاحتشم أَن يشكوهم إِلَيْهِ بِحَضْرَة تِلْكَ الْجَمَاعَة وانتظر أَن يقومُوا عَنهُ فَأَتَاهُ كتاب ذِي اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن بِذكر حَاجته إِلَى قَاض يكون فِي عسكره ينظر فِي أُمُورهم فَقَالَ لَهُ يَا عبد الرَّحْمَن: هَل لَك أَن تمضى إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعم. فَمضى إِلَيْهِ فَجعله قَاضِيا فِي عسكره وَاسْتمرّ بِهِ الْأَمر وَدخل فِي اعداد الْقُضَاة فجَاء أَبوهُ فَقَالَ لَهُ: أوصلني إِلَى الْأَمِير فخاف أَن يَفْضَحهُ فوهب لَهُ مَا لَا حَتَّى انْصَرف عَنهُ.
قَالَ: وَكَانَ أَبوهُ يجالسنا فَيخرج ذكره فَنَقُول: مَا هَذَا وَيلك؟ . فَيَقُول خرج مِنْهُ
قَاض وَقَالَ أَبُو الْبَصِير عهدي باسحاق أبي عبد الرَّحْمَن بن اسحاق وَكَانَ يُقَال لَهُ أَبُو إِسْحَاق الوضوئجي إِلَى الغساني بن أبي السمراء وَمَعَهُ فصوص النَّرْد يلاعبهم ويصفعونه.
стр. 134
ذكر شخوص الْمَأْمُون إِلَى الشَّام لغزو الرّوم
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَلما دخلت سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ عزم الْمَأْمُون على الشخوص إِلَى الثغر. فَحَدثني مُحَمَّد بن الْهَيْثَم بن عدي. قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عِيسَى بن بريهة بن الْمَنْصُور قَالَ: لما أَرَادَ الْمَأْمُون الشخوص إِلَى دمشق هيات لَهُ كلَاما مكثت فِيهِ يَوْمَيْنِ وَبَعض آخر. فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ قلت: أَطَالَ اللَّهِ بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أدوم الْعِزّ. وأسبغ الْكَرَامَة، وَجَعَلَنِي من كل سوء فدَاه إِن من أَمْسَى وَأصْبح يتعرف من نعْمَة اللَّهِ لَهُ الْحَمد كثيرا عَلَيْهِ بِرَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ ايده اللَّهِ فِيهِ وَحسن تأنيسه لَهُ حقيق أَن يستديم هَذِه النِّعْمَة ويلتمس الزِّيَادَة فِيهَا بشكر اللَّهِ وشكر أَمِير الْمُؤمنِينَ مد اللَّهِ فِي عمره عَلَيْهَا. وَقد أحب أَن يعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه اللَّهِ أَنِّي لَا أَرغب بنفسي عَن خدمته أيده اللَّهِ شئ من الْخَفْض والدعة إِذْ كَانَ هُوَ أيده اللَّهِ يتجشم خشونة السّفر، وَنصب الظعن، وَأولى النَّاس بمواساته فِي ذَلِك، وبذل نَفسه فِيهِ أَنا لما عرفني اللَّهِ من رَأْيه، وَجعل عِنْدِي من طَاعَته وَمَعْرِفَة مَا أوجب اللَّهِ من حَقه فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أكْرمه اللَّهِ أَن يكرمني بِلُزُوم خدمته، والكينونة مَعَه فعل. فَقَالَ لي مبتدئا من غير تروية: لم يعزم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك على شئ وَإِن استصحب أحدا من أهل بَيْتك بَدَأَ بك وَكنت الْمُقدم عِنْده فِي ذَلِك وَلَا سِيمَا إِذا أنزلت نَفسك بِحَيْثُ أنزلك أَمِير الْمُؤمنِينَ من نَفسه وَإِن ترك ذَلِك فَعَن غير قلى لِمَكَانِك وَلَكِن بِالْحَاجةِ إِلَيْك. قَالَ: فَكَانَ وَالله ابتداؤه أَكثر من ترويتي.
قَالَ: وَخرج أَمِير الْمُؤمنِينَ من الشماسية إِلَى البردان يَوْم الْخَمِيس صَلَاة الظّهْر لست بَقينَ من الْمحرم سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ الْيَوْم الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من آذارثم سَار حَتَّى اتى تكريت. وفيهَا قدم مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى بن جَعْفَر بِمَ مُحَمَّد ابْن على بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب من الْمَدِينَة فِي صفر لَيْلَة الْجُمُعَة فَخرج من
стр. 135
من بَغْدَاد حَتَّى لَقِي أَمِير الْمُؤمنِينَ بتكريت فَأَجَازَهُ وَأمره أَن يدْخل عَلَيْهِ امْرَأَته ابْنة أَمِير الْمُؤمنِينَ فأدخلت عَلَيْهِ فِي دَار أَحْمد بن يُوسُف الَّتِي على شاطئ دجلة فَأَقَامَ بهَا. فَلَمَّا كَانَ أَيَّام الْحَج خرج بأَهْله وَعِيَاله حَتَّى أَتَى مَكَّة ثمَّ أَتَى منزله بِالْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهِ.
قَالَ: ثمَّ رَحل الْمَأْمُون عَن تكريت وَسَار حَتَّى أَتَى الْموصل ثمَّ سَار من الْموصل إِلَى نَصِيبين، ثمَّ سَار من نَصِيبين إِلَى حران، ثمَّ سَار من حران إِلَى الرهاء، ثمَّ سَار إِلَى منبج ثمَّ سَار من منبج إِلَى دابق، ثمَّ سَار إِلَى إنطاكية، ثمَّ سَار حَتَّى أَتَى المصيصة ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى طرطوس ثمَّ رَحل من طرطوس إِلَى أَرض الرّوم لِلنِّصْفِ من جُمَادَى الأولى. ورحل الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون من ملطية فَأَقَامَ أَمِير الْمُؤمنِينَ على حصن يُقَال لَهُ قُرَّة حَتَّى فَتحه عنْوَة وَأمر بهدمة وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد لأَرْبَع بَقينَ من جمادي الأولي.
قَالَ: وَقُرِئَ لِلْمَأْمُونِ فتح بِبَغْدَاد من بِلَاد الرّوم يَوْم الْجُمُعَة لعشر خلون من رَجَب وَجَاء الْمَأْمُون بعد ذَلِك فتح قُرَّة من بِلَاد الرّوم لثلاث عشرَة بقيت من رَجَب وزادت دجلة يَوْم الْأَرْبَعَاء لغرة ذِي الْحجَّة حَتَّى صَار المَاء على ظُهُور بيُوت الرَّحَى من الصراة وَذَلِكَ فِي وَقت لم يكن تزيد فِيهِ هَذِه الزِّيَادَة، وتقطعت لذَلِك الجسور بِمَدِينَة السَّلَام وَزَاد بعد ذَلِك أَكثر من تِلْكَ الزِّيَادَة ثمَّ نقص. قَالَ: وَلما فتح الْمَأْمُون حصن قُرَّة وغنم مَا فِيهِ اشْترى السَّبي بِسِتَّة وَخمسين ألف دِينَار ثمَّ خلى سبيلهم وَأَعْطَاهُمْ دِينَارا دِينَارا. وَخرج ابْنه الْعَبَّاس على درب الْحَدث فِي شهر رَمَضَان وغدر بِهِ منويل الرُّومِي الَّذِي قدم عَلَيْهِ بَغْدَاد وَدخل مَعَه أَرض الرّوم. فَلَمَّا خرج الْعَبَّاس وَكَانَ اسْتَخْلَفَهُ فِيمَا افْتتح من الْحُصُون. فَلَمَّا خرج من عِنْده غدر بِهِ وَأخرج من كَانَ خَلفه عِنْده من الْمُسلمين وَأخذ مَا كَانَ عِنْده من السِّلَاح وَصَالح ملك الرّوم. فَلَمَّا خرج أَمِير الْمُؤمنِينَ من أَرض الرّوم أَقَامَ بطرسوس ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سَار مِنْهَا حَتَّى نزل دمشق فَلم يزل بهَا مُقيما إِلَى أَن انْقَضتْ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ ورد الْخَبَر على أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن ملك
стр. 136
الرّوم قتل قوما من أهل طرسوس والمصيصة وهم فِيمَا ذكرُوا نَحْو من ألف وسِتمِائَة رجل وَكَانَ رئيسهم رجل يُقَال لَهُ أَبُو عبد اللَّهِ المروروذي فَلَمَّا بلغ الْمَأْمُون ذَلِك خرج حَتَّى دخل أَرض الرّوم يَوْم الِاثْنَيْنِ لإحدى عشرَة بقيت من جمادي الأولى سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ فَلم يلزل مُقيما فِيهَا إِلَى النّصْف من شعْبَان وَهُوَ الْيَوْم الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من أيلول. وَذكر أَنه فتح نيفا وَعشْرين حصنا عنْوَة وصلحا سوى المطامير. وَأَنه أعتق كل شيخ كَبِير وعجوز. وَفِي هَذِه السّنة وثب أهل مصر على عُمَّال أبي إِسْحَاق أخي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقتلُوا بَعضهم وَذَلِكَ فِي شعْبَان فَلَمَّا خرج الْمَأْمُون من أَرض الرّوم وأتى كيسوم أَقَامَ يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة ثمَّ ارتحل إِلَى دمشق ثمَّ خرج أَمِير الْمُؤمنِينَ من دمشق يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع عشرَة بقيت من ذِي الْحجَّة إِلَى مصر.
قَالَ: وَكتب إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المهلبي أَن يَأْخُذ الْجند بِالتَّكْبِيرِ إِذا صلوا وَإِنَّهُم بدءوا بذلك فِي مَسْجِد الْمَدِينَة، والرصافة يَوْم الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ حِين قضوا الصَّلَاة فأقاموا قيَاما وَكَبرُوا ثَلَاث تَكْبِيرَات ثمَّ فعلوا ذَلِك فِي كل صلات مَكْتُوبَة وَصلى فِي الْمَدِينَة والرصافة، وَبَاب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَبَاب الجسر. وَخرج عبد اللَّهِ بن عبيد اللَّهِ ابْن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس واليا على الْيمن من دمشق إِلَى بَغْدَاد حَتَّى صلى بِالنَّاسِ يَوْم الْفطر بِبَغْدَاد، وَصَارَ وَإِلَى كل بلد يدْخلهُ إِلَى أَن يصل إِلَى الْيمن، وَأمر أَن يُقيم للنَّاس الْحَج فَخرج من بَغْدَاد يَوْم الِاثْنَيْنِ لليلة خلت من ذِي الْقعدَة.
(أَخْبَار الْمَأْمُون بِالشَّام)
قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ بن صَالح السَّرخسِيّ. قَالَ: تعرض رجل لِلْمَأْمُونِ بِالشَّام مرَارًا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: انْظُر لعرب الشَّام كَمَا نظرت لعجم خُرَاسَان قَالَ: أكثرت على يَا أَخا أهل الشَّام وَالله مَا أنزلت قيسا عَن ظُهُور الْخَيل إِلَّا وَأَنا
стр. 137
أرى أَنه لم يبْق فِي بَيت مَالِي دِرْهَم وَاحِد. وَأما الْيمن فوَاللَّه مَا أحببتها وَلَا أحبتني قطّ، وَأما قضاعة فسادة حرمهَا أَن تنْتَظر السفياني وَخُرُوجه فَتكون من أشياعه وَأما ربيعَة فساخطة على الله مُنْذُ بعث اللَّهِ جلّ وَعز نبيه ﷺ َ - من مُضر وَلم يخرج اثْنَان إِلَّا خرج أَحدهمَا شاريا. أعزب فعل اللَّهِ بك. فَلَمَّا كَانَ سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ رَحل أَمِير الْمُؤمنِينَ من مصر ووافي دمشق يَوْم الْخَمِيس لعشر بَقينَ من شهر ربيع الأول .
ذكر مقتل على بن هِشَام الْمروزِي
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: دخل عجيف بن عَنْبَسَة بعلى بن هِشَام بَغْدَاد لثلاث بَقينَ من شهر ربيع الأول وَخرج بِهِ إِلَى عَسْكَر الْمَأْمُون لست خلون من شهر ربيع الآخر وَقُرِئَ فتح الْبَيْضَاء من مصر لليلة بقيت من شهر ربيع الآخر وَقتل على بن هِشَام، وأخاه الْحُسَيْن بن هِشَام فِي جُمَادَى الأولى للَّذي بلغه من سوء سيرته وَقَتله الرِّجَال، وَأَخذه الْأَمْوَال وَكَانَ أَرَادَ أَن يفتك بعجيف بن عَنْبَسَة حَيْثُ توجه إِلَيْهِ وَيذْهب إِلَى بابك. وَكَانَ الَّذِي ضرب عنق على. ابْن الْخَلِيل وَالَّذِي تولى ضرب عنق الْحُسَيْن. مُحَمَّد بن يُوسُف ابْن أَخِيه بأذنه يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة بقيت من جُمَادَى الأولى ثمَّ بعث بِرَأْس عَليّ بن هِشَام إِلَى بَغْدَاد وخراسان فَقدم ترك مولى أبي الْحُسَيْن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِرَأْس على لَيْلَة الْخَمِيس لسبع بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة فطافوا بِهِ ثمَّ إِلَى رَمَوْهُ الشَّام والجزيرة فَطَافَ بِهِ كورة. كورة. فَقدم بِهِ دمشق فِي ذِي الْحجَّة ثمَّ ذهب بِهِ إِلَى مصر ثمَّ ألْقى بعد ذَلِك فِي الْبَحْر.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: فَحَدثني حَمَّاد بن إِسْحَاق. قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي سعيد عَن أَبِيه، عَن إِسْحَاق بن يحيى. قَالَ: لما قتل الْمَأْمُون على بن هِشَام واتى بِرَأْسِهِ. قَالَ: وَنحن وقُوف على رَأسه: هُوَ وَالله مَا ترَوْنَ لَا تخطئ يَد أحدكُم رجله إِلَّا الحقته بِهِ. وقلد طَاهِر بن إِبْرَاهِيم الْجبَال ومحاربة الخرمية فَخرج واليا عَلَيْهَا لخمس بَقينَ من شعْبَان.
стр. 138
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَلما قتل الْمَأْمُون على بن هِشَام أَمر أَن تكْتب رقْعَة وَتعلق على رَأسه لِيَقْرَأهَا النَّاس فَكتب. أما بعد: فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ قد دَعَا على بن هِشَام فِيمَن دَعَا من أهل خُرَاسَان أَيَّام المخلوع لمعاونته على الْقيام بِحقِّهِ. فَكَانَ ابْن هِشَام مِمَّن أجَاب أسْرع الْإِجَابَة، وعاون فَأحْسن المعاونة. فرعى أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَلِك واصطنعه وَهُوَ يظنّ بِهِ تقوى اللَّهِ وطاعته والانتهاء إِلَى أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي عمل إِن أسْند إِلَيْهِ وَفِي حسن السِّيرَة وعفاف الطعمة، وبدأه أَمِير الْمُؤمنِينَ بالإفضال عَلَيْهِ فولاه الْأَعْمَال السّنيَّة، وَوَصله بالصلات الجزيلة الَّتِى أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالنّظرِ فِي قدرهَا فَوَجَدَهَا أَكثر من خمسين ألف ألف دِرْهَم فمديده إِلَى الْخِيَانَة والتضييع لما استرعاه من الْأَمَانَة فباعده عَنهُ وأقصاه، ثمَّ استقال أَمِير الْمُؤمنِينَ عثرته فاقاله إِيَّاهَا وولاه الْجَبَل، وآذربيجان، وكورارمينية، ومحاربة أَعدَاء اللَّهِ الخرمية على أَن لَا يعود لمثل مَا كَانَ مِنْهُ. فعاود أقبح مَا كَانَ بتقديمه الدِّينَار وَالدِّرْهَم على الْعَمَل لله وَدينه أوساء السِّيرَة، وعسف الرّعية، وَسَفك الدِّمَاء الْمُحرمَة فَوجه أَمِير الْمُؤمنِينَ عجيف بن عَنْبَسَة مباشرا لأَمره دَاعيا إِلَى تلافي مَا كَانَ مِنْهُ فَوَثَبَ بعجيف يُرِيد قَتله فقوى اللَّهِ عجيفا بنيته الصادقة فِي طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى دَفعه عَن نَفسه وَلَو تمّ مَا أَرَادَ بعجيف لَكَانَ فِي ذَلِك مَا لَا يسْتَدرك وَلَا يستقال وَلَكِن اللَّهِ إِذا أَرَادَ أمرا كَانَ مَفْعُولا. فَلَمَّا أمضى أَمِير الْمُؤمنِينَ حكم اللَّهِ فِي على بن هِشَام رأى أَلا يُؤَاخذ من خَلفه بِذَنبِهِ فَأمر أَن يجْرِي لوَلَده ولعياله، وَلمن اتَّصل بهم، وَمن كَانَ يجرى عَلَيْهِم مثل الَّذِي كَانَ جَارِيا لَهُم فِي حَيَاته وَلَوْلَا أَن على بن هِشَام أَرَادَ الْعُظْمَى من عجيف لَكَانَ من عداد من كَانَ فِي عسكره مِمَّن خَالف وخان كعيسى ابْن مَنْصُور ونظرائه وَالسَّلَام.
стр. 139
(أَخْبَار الْمَأْمُون بِدِمَشْق)
قَالَ حَدثنِي عَليّ بن الْحسن بن هَارُون. قَالَ: حَدثنِي سعيد بن زِيَاد. قَالَ: لما دخلت على الْمَأْمُون بِدِمَشْق قَالَ: أَرِنِي الْكتاب الَّذِي كتبه رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - لكم. قَالَ: فأريته. قَالَ: فَقَالَ: إِنِّي لأشتهى أَن أَدْرِي أَي شَيْء هَذَا الغشاء الَّذِي على هَذَا الْخَاتم. قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو إِسْحَاق المعتصم: حل العقد حَتَّى تَدْرِي مَا هُوَ. قَالَ: فَقَالَ: مَا أَشك أَن النَّبِي ﷺ َ - عقد هَذَا العقد، وَمَا كنت لأحل عقدا عقده رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -. ثمَّ قَالَ للواثق: خُذْهُ فضعه على عَيْنك لَعَلَّ اللَّهِ أَن يشفيك. قَالَ: وَجعل الْمَأْمُون يَضَعهُ على عينه ويبكي.
قَالَ أَبُو طَالب الْجَعْفَرِي. قَالَ: أَخْبرنِي العيشى صَاحب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَالَ: كنت مَعَ الْمَأْمُون بِدِمَشْق. قَالَ: وَكَانَ قد قل المَال عِنْده حَتَّى ضَاقَ وشكا ذَلِك إِلَى أبي إِسْحَاق المعتصم. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَأَنَّك بِالْمَالِ قد وافاك بعد جُمُعَة. قَالَ: وَكَانَ حمل إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ ألف ألف من خراج مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ لَهُ. قَالَ: فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ ذَلِك المَال قَالَ الْمَأْمُون ليحيى بن أَكْثَم: أخرج بِنَا نَنْظُر إِلَى هَذَا المَال. قَالَ: فَخَرَجَا حَتَّى أصحرا ووقفا ينظرانه وَكَانَ قد هئ بِأَحْسَن هَيْئَة هَيْئَة، وحليت أباعره وألبست الأحلاس الموشاة، والجلال المصبغة، وقلدت العهن، وَجعلت الْبَدْر بالحرير الصيني الْأَحْمَر، والأخضر، والأصفر وأبديت رؤوسها. قَالَ: فَنظر الْمَأْمُون إِلَى شَيْء حسن واستكثر ذَلِك فَعظم فِي عينه، واستشرافه النَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ ويعجبون مِنْهُ. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون ليحي يَا أَبَا مُحَمَّد: ينْصَرف أَصْحَابنَا هَؤُلَاءِ الَّذين تراهم السَّاعَة إِلَى مَنَازِلهمْ خائبين، وننصرف نَحن بِهَذِهِ الْأَمْوَال قد ملكنا هادونهم إِنَّا إِذا للئام. ثمَّ دَعَا مُحَمَّد بن يزْدَاد فَقَالَ: وَقع لآل فلَان بِأَلف ألف، ولآل فلَان بِمِثْلِهَا. قَالَ: فوَاللَّه إِن زَالَ كَذَلِك حَتَّى فرق أَرْبَعَة وَعشْرين ألف ألف وَرجله فِي الركاب ثمَّ قَالَ: أدفَع الْبَاقِي إِلَى الْمُعَلَّى يعْطى جندنا. قَالَ: فَقَالَ العيشي: فَجئْت حَتَّى قُمْت نصب عينه فَلم أرد طرفِي عَنْهَا لَا يلحظني إِلَّا يراني بِتِلْكَ الْحَال فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد وَقع
стр. 140
لهَذَا بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم من السِّتَّة الآلآف الْألف لَا يختلس ناظري. قَالَ: فَلم يَأْتِ على ليلتان حَتَّى أخذت المَال.
قَالَ مُحَمَّد بن أَيُّوب بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان: كَانَ بِالْبَصْرَةِ رجل من بني تَمِيم، وَكَانَ شَاعِرًا ظريفا، خبيثا، مُنْكرا، وَكنت أَنا وَإِلَى الْبَصْرَة آنس بِهِ واستحلية فَأَرَدْت إِن أخدعه فَقلت: يَا أَبَا نزلة أَنْت شَاعِر وَأَنت ظريف والمأمون أَجود من السَّحَاب الحافل، وَالرِّيح العاصف فَمَا يمنعك مِنْهُ؟ قَالَ: مَا عِنْدِي مَا يقلني. قلت: فَأَنا أُعْطِيك نجيبا فارها وَنَفَقَة سابغة وَتخرج إِلَيْهِ وَقد امتدحته فَإنَّك أَن حظيت بلقائه صرت إِلَى أمنيتك. قَالَ: وَالله أَيهَا الْأَمِير: مَا أخالك أبعدت فأعدلي مَا ذكرت. قَالَ: فدعوت لَهُ بنجيب فاره فَقلت شَأْنك بِهِ فامتطه. قَالَ: هَذَا أحد الحسنيين. فَمَا بَال الْأُخْرَى. فدعوت لَهُ بثلاثمائة دِرْهَم وَقلت هَذِه نَفَقَتك. قَالَ: أحسبك أَيهَا الْأَمِير قصرت فِي النَّفَقَة؟ . قلت لَا هِيَ كَافِيَة وَإِن قصرت عَن السَّرف. قَالَ: وَمَتى رَأَيْت فِي أكَابِر سعد سَرفًا حَتَّى ترَاهُ فِي أصاغرها. فَأخذ النجيب وَالنَّفقَة ثمَّ عمل أرجوزة لَيست بالطويلة فأنشدنيها وَحذف مِنْهَا ذكرى وَالثنَاء على وَكَانَ ماردا فَقلت لَهُ: مَا صنعت شَيْئا. قَالَ: وَكَيف. قلت تَأتي الْخَلِيفَة وَلَا تثنى على أميرك وَلَا تذكره؟ قَالَ: أَيهَا الْأَمِير أردْت أَن تخدعني فوجدتني خداعا، وبمثلنا ضرب هَذَا الْمثل " من ينك العير ينك نياكا " أما وَالله مَا لكرامتي حَملتنِي على نجيبك؛ وَلَا جدت لي بِمَالك الَّذِي مَا رامه أحد قطّ إِلَّا جعل اللَّهِ خَدّه الْأَسْفَل. وَلَكِن لَا ذكرك فِي شعري وأمدحك عِنْد الْخَلِيفَة قَالَ هَذَا. قلت: أما فِي هَذَا فقد صدقت فَقَالَ: أما إِذا أبديت مَا فِي ضميرك فقد ذكرتك وأثنيت عَلَيْك. فَقلت: أَنْشدني مَا قلت فأنشدني. فَقلت أَحْسَنت. قَالَ: ثمَّ وَدعنِي وَخرج. قَالَ: فَأتى الشَّام وَإِذا الْمَأْمُون بسلغوس. قَالَ فَأَخْبرنِي قَالَ: بَينا أَنا فِي غزَاة قُرَّة قد ركبت نجيبي ذَلِك، ولبست مقطعاتي وَأَنا أروم الْعَسْكَر فَإِذا أَنا بكهل على بغل فأره مَا يقر قراره، وَلَا يدْرك خطاه. قَالَ: فتلقاني مكافحة ومواجهة وَأَنا أردد نشيد أرجوزتي فَقَالَ:
стр. 141
سَلام عَلَيْكُم بِكَلَام جَهورِي، ولسان بسيط. فَقلت: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته فَقَالَ: قف أَن شِئْت. فوقفت. فضوعت مِنْهُ رَائِحَة العنبر، والمسك الأزفر قَالَ: مَا أولك.؟ قلت: رجل من مُضر. قَالَ: وَنحن من مُضر. ثمَّ مَاذَا؟ قلت: رجل من بني تَمِيم. قَالَ: وَمن بعد تَمِيم؟ قلت: من بني سعد. قَالَ: هيه فَمَا أقدمك هَذَا الْبَلَد؟ . قلت: قصدت هَذَا الْملك الَّذِي مَا سَمِعت بِمثلِهِ اندى رَاحَة، وَلَا أسع باحة، وَلَا أطول باعا، وَلَا أمد يفاعا. قَالَ: فَمَا الَّذِي قصدته بِهِ؟ قلت شعر طيب يلذ على الأفواه، وتقتفيه الروَاة، ويحلو فِي أَذَان المستمعين. قَالَ: فأنشدنيه فَغضِبت وَقلت: يَا رَكِيك أَخْبَرتك أَنِّي قصدت الْخَلِيفَة بِشعر قلته، ومديح حبرته تَقول أنشدنيه. قَالَ: فتغافل وَالله عَنْهَا وَتَطَأ من لَهَا، وألغى جوابها. قَالَ: وَمَا الَّذِي تَأمل فِيهِ. قلت إِن كَانَ على مَا ذكر لي عَنهُ فألف دِينَار. قَالَ: فَأَنا أُعْطِيك ألف دِينَار إِن رَأَيْت الشّعْر جيدا وَالْكَلَام عذبا، وأضع عَنْك العناء وَطول الترداد وَمَتى تصل إِلَى الْخَلِيفَة وَبَيْنك وَبَينه عشرَة آلَاف رامح ونابل. قلت: فلى اللَّهِ عَلَيْك أَن تفعل. قَالَ: لَك اللَّهِ على أَن أفعل. قلت: ومعك السَّاعَة مَال؟ قَالَ: هَذَا بغلى وَهُوَ خير من ألف دِينَار أنزل لَك عَن ظَهره. فَغضِبت أَيْضا وعارضني مرد سعد وخفة أحلامها. فَقلت: مَا يُسَاوِي هَذَا الْبَغْل هَذَا النجيب. قَالَ فدع عَنْك الْبَغْل وَلَك اللَّهِ أَن أُعْطِيك السَّاعَة ألف دِينَار فَأَنْشَدته: -
(مَأْمُون يَاذَا المنن الشريفه ... )
(وَصَاحب الْمرتبَة المنيفة ... )
(وقائد الكتيبة الكثيفة)
(هَل لَك فِي أرجوزة ظريفة ... )
( ... أظرف من فقه أبي حنيفَة ... )
(لَا وَالَّذِي أَنْت لَهُ خَليفَة ... )
стр. 142
(مَا ظلمت فِي أَرْضنَا ضَعِيفَة)
(أميرنا مُؤْنَته خَفِيفَة ... )
(وَمَا أجتبى شَيْئا سوى الْوَظِيفَة ... )
(فالذئب والنعجة فِي سقيفه)
(واللص والتاجر فِي قطيفة ... )
قَالَ: فوَاللَّه مَا عدا أَن أنشدته فَإِذا زهاء عشرَة آلَاف فَارس قد سدوا الْأُفق يَقُولُونَ: السَّلَام عَلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّهِ. السَّلَام عَلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: فأخذني أفكل. وَنظر إِلَى بِتِلْكَ الْحَال فَقَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك أَي اخي. قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: جعلني اللَّهِ فدَاك اتعرف لُغَات الْعَرَب؟ قَالَ: أَي لعمر اللَّهِ. قلت فَمن جعل الْكَاف مِنْهُم مَكَان الْقَاف؟ . قَالَ هَذِه حمير. قلت: لعنها اللَّهِ وَلعن اللَّهِ من اسْتعْمل هَذِه اللُّغَة بعد هَذَا الْيَوْم. فَضَحِك الْمَأْمُون وَعلم مَا أردْت والتفت إِلَى خَادِم إِلَى جَانِبه فَقَالَ: أعْطه مَا مَعَك. فَاخْرُج إِلَى كيسا فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار ثمَّ قَالَ: هاك. ثمَّ قَالَ سَلام عَلَيْكُم. وَمضى فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
قَالَ: وَلما صَار الْمَأْمُون إِلَى دمشق ذكر لَهُ أَبُو مسْهر الدِّمَشْقِي وَوصف لَهُ علمه فَوجه إِلَيْهِ من جَاءَ بِهِ فامتحنه فِي الْقُرْآن فَأَجَابَهُ وَأقر بخلقه. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَا شيخ: أَخْبرنِي عَن النَّبِي ﷺ َ - أختتن؟ . قَالَ: لَا أَدْرِي وَمَا سَمِعت فِي هَذَا شَيْئا. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَنهُ أَكَانَ يشْهد إِذا تزوج أَو زوج؟ . قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: أخرج قبح اللَّهِ من قلدك دينه.
قَالَ: حَدثنِي مُخَارق. قَالَ: كُنَّا عِنْد الْمَأْمُون أَنا والمغنون بِدِمَشْق وعريب مَعنا فَقَالَ: غنى يَا مُخَارق فَقلت: أَنا مَحْمُوم. فَقَالَ: يَا عريب جسية. فَرفعت يَدهَا إِلَى عضدي. فَقَالَ لَهَا الْمَأْمُون: قد اشتهيته تحبين أَن أزَوجك. قَالَت: نعم فَقَالَ من تريدين؟ . قَالَت: هَذَا. وأومت إِلَى مُحَمَّد بن حَامِد، فَقَالَت: هَذَا. فَقَالَ:
стр. 143
أشهدوا أَنِّي قد زوجتها الزَّانِيَة مِنْهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ: كشحتك أحب إِلَى من أَن تكشحني خُذ بِيَدِهَا فَأخذ بِيَدِهَا وَقَامَت من الْمجْلس إِلَى مضربه. فَلَمَّا ولى المعتصم كتب إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم: أَن مر مُحَمَّد بن حَامِد أَن يُطلق عريب فَأمره فتأبى فَكتب إِلَيْهِ أَن أضربه فَضَربهُ بالمقارع حَتَّى طَلقهَا.
حَدثنِي أَبُو مُوسَى هَارُون بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى الْهَادِي. قَالَ: حَدثنِي على بن صَالح. قَالَ: قَالَ لي الْمَأْمُون يَوْمًا: أبغى رجلا من أهل الشَّام لَهُ أدب يجالسني ويحدثني فَالْتمست ذَاك لَهُ فَوَجَدته فدعوت بالشامي فَقلت لَهُ إِنِّي مدخلك على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا تسأله عَن شَيْء أبدا حَتَّى يبتدئك، فَإِنِّي أعرف النَّاس بمسألتكم يَا أهل الشَّام فَقَالَ: مَا كنت متجاوزا لما أَمرتنِي. فَدخلت على الْمَأْمُون فَقلت: قد أصبت الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: أدخلهُ. فَدخل فَسلم ثمَّ استدناه، وَكَانَ الْمَأْمُون على شغله من الشَّرَاب فَقَالَ: إِنِّي أردتك لمجالستي ومحادثتي. فَقَالَ الشَّامي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن الجليس إِذا كَانَت ثِيَابه دون ثِيَاب جليسه دخله لذَلِك غَضَاضَة قَالَ: فَأمر الْمَأْمُون أَن يخلع عَلَيْهِ، قَالَ على: فدخلني من ذَلِك مَا اللَّهِ بِهِ عليم. فَلَمَّا خلع عَلَيْهِ وَرجع إِلَى مَجْلِسه قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن قلبِي إِذا كَانَ مُعَلّقا بعيالي لم تنْتَفع بمحادثتي. قَالَ: خمسين ألف دِرْهَم تحمل إِلَى منزله. ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وثالثة. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ . قَالَ: قد دَعَوْت بِشَيْء يحول بَين الْمَرْء وعقله فَإِن كَانَت منى هنة تغتفرها. قَالَ: وَذَاكَ. قَالَ على: فَكَأَن الثَّالِثَة جلت عني مَا كَانَ بِي.
حَدثنِي أَبُو حشيشة مُحَمَّد بن على بن أُميَّة بن عَمْرو قَالَ: أول من سمعني من الْخُلَفَاء الْمَأْمُون وَأَنا غُلَام وَهُوَ بِدِمَشْق وصفني لَهُ مُخَارق فَأمر لي بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم أتجهز بهَا فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ أعجب بِي وأكرمني. وَقَالَ للمعتصم يَا أَبَا إِسْحَاق: ابْن خدمك، وخدم أبائك وأجدادك وكتابهم حج جدك الْمهْدي أَربع حجج فَكَانَ أُميَّة جد هَذَا زميله فِيهَا، وَكَانَ كَاتبه على السِّرّ، والخاتم، وَبَيت المَال، وَكَانَ يشتهى من غنائي.
стр. 144
(كَانَ ينْهَى فَنهى حِين انْتهى ... وانجلت عَنهُ غيابات الصِّبَا)
(خلع اللَّهْو وأضحى مسبلا ... للنهى فضل قَمِيص وردا)
(كَيفَ يَرْجُو الْبيض من أولة ... فِي عُيُون الْبيض شيب وجلا)
(كَانَ كحلا لمآقيها فقد ... صَار بالشيب لعينيها قذا)
الشّعْر كدعبل سمعته من دعبل، والغناء لحمدان بن حُسَيْن بن مُحرز. قَالَ: وَكَانَ الْمَأْمُون أَيْضا يشتهى من غنائي: -
(ويزيدني وَلها عَلَيْهِ وحرقة ... عذل النصيح وَعتبَة من عَاتب)
الشّعْر لعبد اللَّهِ بن أُميَّة عمي والغناء لي. قَالَ: وَكُنَّا قدم أَمِير الْمُؤمنِينَ بِدِمَشْق فتغنى علوِيَّة: -
(بَرِئت من الْإِسْلَام إِن كَانَ ذَا الَّذِي ... أَتَاك بِهِ الواشون عني كَمَا قَالُوا)
(وَلَكنهُمْ لما رأوك سريعة ... إِلَيّ تواصوا بالنميمة واحتالوا)
(فَقَالَ: يَا علوِيَّة لمن هَذَا الشّعْر.؟ فَقَالَ: للْقَاضِي. فَقَالَ: أَي قَاض وَيحك قَالَ: قَاضِي دمشق. فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاق أعزله. قَالَ: قد عزلته. قَالَ: فيحضر السَّاعَة فأحضر شح مخضوب قصير. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: من تكون؟ قَالَ: فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ. قَالَ تَقول الشّعْر؟ . قَالَ: كنت أقوله. فَقَالَ يَا علوِيَّة أنْشدهُ الشّعْر فأنشده. فَقَالَ: هَذَا الشّعْر لَك؟ . قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ونساؤه طَوَالِق وكل مَا يملك فِي سَبِيل اللَّهِ إِن كَانَ قَالَ الشّعْر مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة إِلَّا فِي زهد أَو معاتبة صديق. فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاق أعزله فَمَا كنت أولى رِقَاب الْمُسلمين من يبْدَأ فِي هزله بِالْبَرَاءَةِ من الْإِسْلَام. ثمَّ قَالَ: اسقوه. فَأتى بقدح فِيهِ شراب فَأَخذه وَهُوَ يرتعد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا ذقته قطّ. قَالَ: فلعلك تُرِيدُ غَيره قَالَ: لم أذق مِنْهُ شَيْئا قطّ. قَالَ فَحَرَام هُوَ؟ . قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: أولى لَك بهَا نجوت أخرج ثمَّ قَالَ يَا علوِيَّة لَا تقل بَرِئت من الْإِسْلَام وَلَكِن قل: -
стр. 145
(حرمت مناى مِنْك إِن كَانَ ذَا الَّذِي ... أَتَاك بِهِ الواشون عَنى كَمَا قَالُوا)
قَالَ: كُنَّا مَعَ الْمَأْمُون بِدِمَشْق فَركب يُرِيد جبل الثَّلج فَمر ببركة عَظِيمَة من برك بني أُميَّة وعَلى جَانبهَا أَربع سروات وَكَانَ المَاء يدخلهَا سيحا وَيخرج مِنْهَا فَاسْتحْسن الْمَأْمُون الْموضع فَدَعَا ببز مَاء ورد ورطل وَذكر بني أُميَّة فَوضع مِنْهُم وتنقصهم فَأقبل علوِيَّة على الْعود واندفع فغنى: -
(أُولَئِكَ قومِي بعد عز وثروة ... تفانوا فألا أذرف الدمع أكمدا)
فَضرب الْمَأْمُون الطَّعَام بِرجلِهِ ووثب وَقَالَ لعلوية: يَا ابْن الفاعلة لم يكن لَك وَقت تذكر فِيهِ مواليك إِلَّا فِي هَذَا الْوَقْت. فَقَالَ: مولاكم زرياب عِنْد موالى يركب فِي مائَة غُلَام وَأَنا عنْدكُمْ أَمُوت من الْجُوع. فَغَضب عَلَيْهِ عشْرين يَوْمًا ثمَّ رضى عَنهُ. قَالَ: زرياب مولى الْمهْدي صَار إِلَى الشَّام ثمَّ صَار إِلَى الْمغرب إِلَى بني أُميَّة هُنَاكَ.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَكتب ملك الرّوم إِلَى الْمَأْمُون. أما بعد " فَإِن اجْتِمَاع الْمُخْتَلِفين على حظهما أولى بهما فِي الرَّأْي مِمَّا عَاد بِالضَّرَرِ عَلَيْهِمَا، وَلست حريا أَن تدع لحظ يصل إِلَى غَيْرك حظا تحوز بِهِ لنَفسك وَفِي علمك كَاف عَن إخبارك، وَقد كنت كتبت إِلَيْك دَاعيا إِلَى المسالمة، رَاغِبًا فِي فَضِيلَة المهادنة لتَضَع أوازر الْحَرْب عَنَّا وَيكون كل لكل وليا وحزبا، مَعَ اتِّصَال الْمرَافِق، والفسح فِي المتاجر، وَفك المستاسر، وَأمن الطّرق والبيضة فَإِن أَبيت فَلَا أدب لَك فِي الْخمر وَلَا أزخرف لَك فِي القَوْل، فَأَنِّي لخائض إِلَيْك غمارها، آخذ عَلَيْك أسدادها شَأْن خيلها ورجالها وَإِن أفعل فَبعد أَن قدمت المعذرة، وأقمت بيني وَبَيْنك علم الْحجَّة وَالسَّلَام. ".
قَالَ: فَكتب إِلَيْهِ الْمَأْمُون. أما بعد: " فقد بَلغنِي كتابك فِيمَا سَأَلت من الْهُدْنَة ودعوت إِلَيْهِ من الْمُوَادَعَة، وخلطت فِيهِ من حَال اللين بالشدة مِمَّا استعطفت بِهِ من سرح التَّاجِر، واتصال الْمرَافِق، وَفك الأساري، وَرفع القيل والقال، فلولا مَا رَجعْنَا إِلَيْهِ من إِعْمَال التؤدة، وَالْأَخْذ بالحظ من تقليب الفكرة، وَألا أعتقد
следующие страницы →