Полный текст (180 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ذكر خلَافَة عبد اللَّهِ بن هَارُون الرشيد الْمَأْمُون)
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قد ذكرنَا من خبر مُحَمَّد، والمأمون وَمَا كَانَ من اخْتِلَافهمَا وَالْحَرب بَينهمَا إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من مقتل مُحَمَّد بن هَارُون، وَالْحَرب الَّتِي كَانَت بَين مُحَمَّد بن أبي خَالِد، وَعِيسَى بن مُحَمَّد، وَالْحسن بن سهل إِلَى مخرج أبي السَّرَايَا، وَذكر إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي إِلَى آخر حربهم وانقضائها وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ.
وابتدأنا بِخَبَر شخوص الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد من خرا سان وَمَا كَانَ من أخباره بِبَغْدَاد إِلَى وَقت شخوصه عَنْهَا ووفاته
ذكر جمَاعَة من الروَاة مِنْهُم: إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، وَأَبُو حسان الزيَادي وَابْن شبانة الْمروزِي فِيمَا حملُوا من كتب التَّارِيخ وَاتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَيْهِ: إِن دُخُول الْمَأْمُون بَغْدَاد مُقَدّمَة من خُرَاسَان كَانَ فِي يَوْم السبت ارْتِفَاع النَّهَار لَا ربع عشرَة لَيْلَة بقيت من صفر سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ لِبَاسه ولباس أَصْحَابه جَمِيعًا أقبيتهم، وَقَلَانِسِهِمْ، وطراداتهم، وأعلامهم الخضرة.
قَالُوا: فَلَمَّا قدم نزل الرصافة، وَقد كَانَ قبل ذَلِك قدم إِلَى النهروان يَوْم السبت فَأَقَامَ بِهِ ثَمَانِيَة أَيَّام وَخرج إِلَيْهِ أهل بَيته، ووجوه أهل بَغْدَاد فَسَلمُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت الآخر دخل إِلَى بَغْدَاد، وَكَانَ قد كتب إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن وَكَانَ بالرقة أَن يوافيه بالنهروان. فَقدم طَاهِر وَدخل عَلَيْهِ وَأمره أَن ينزل الخيزرانية هُوَ وأصحابة، ثمَّ أَنه تحول فَنزل قصره على شاطئ دجلة. وَأمر حميد بن عبد الحميد، وَعلي بن هِشَام وكل من كَانَ فِي عَسَاكِر هما أَن ينزلُوا فِي عسكره.
стр. 2
قَالُوا جَمِيعًا: فَكَانُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَى الْمَأْمُون فِي كل يَوْم مُسلمين ولباسهم الثِّيَاب الْخضر، وَلم يكن أحد يدْخل عَلَيْهِ إِلَّا فِي خضرَة، وَلبس ذَلِك أهل بَغْدَاد أَجْمَعُونَ؛ وَكَانُوا يخرقون كل شَيْء رَأَوْهُ من السوَاد على أحد إِلَّا القلانس فَإِن الْوَاحِد بعد الْوَاحِد كَانَ يلبسهَا متخوفا ووجلا. فَأَما قبَاء أَو علم فَلم يكن أحد يجترئ أَن يلبس شَيْئا من ذَلِك، وَلَا يحملهُ. فَمَكَثُوا بذلك ثَمَانِيَة أَيَّام، وَتكلم فِيهَا بَنو هَاشم من ولد الْعَبَّاس خَاصَّة وَقَالُوا لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تركت لِبَاس أهل بَيْتك ودولتهم ولبست الخضرة.
قَالُوا وَكتب إِلَيْهِ فِي ذَلِك قواد أهل خُرَاسَان وَتكلم فِي ذَلِك دون النَّاس جَمِيعًا لما قدم طَاهِر بن الْحُسَيْن فأظهر لَهُ الْإِجَابَة وَلما يفعل، وَلما رأى طاعتهم لَهُ فِي لِبَاس الخضرة وكراهتهم لَهَا جلس يَوْم السبت وَعَلِيهِ ثِيَاب خضر، فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْده دَعَا بسواد فلبسه، ودعا بخلعة سَواد فكساها طَاهِر بن الْحُسَيْن، وخلع على عدَّة من قواده أقبية وقلانس سُودًا. فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْده وَعَلَيْهِم السوَاد طرح سَائِر القواد الخضرة ولبسوا السوَاد.
وَقد كَانَ الْجند كتبُوا إِلَى الْمَأْمُون كتبا، وطرحوا رِقَاعًا فِي الْمَسْجِد يسألونه أَرْزَاقهم، وَكَانَ قد وعدهم أَن يعطيهم أرزاق سِتَّة أشهر وَيُحَاسب كل من أعطَاهُ حميد بن عبد الحميد من الْجند طَعَاما على مَا أَخذ وَيدْفَع إِلَيْهِم تَمام رزق سِتَّة أشهر على خواصهم الْمَعْرُوفَة.
قَالُوا: فَأَعْطَاهُمْ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس لسبع بَقينَ من صفر فَتَوَلّى أعطاء أهل الْجَانِب الغرب حميد، وَوَعدهمْ أَن يعطيهم رزق شَهْرَيْن لتَمام سِتَّة أشهر إِذا فرغ من إعطائهم هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَشْهر فرضوا بذلك.
قَالَ يحيى بن الْحسن: لبس الْمَأْمُون الخضرة بعد دُخُوله بَغْدَاد تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ مزقت.
قَالُوا جَمِيعًا: وَلم يزل أَمِير الْمُؤمنِينَ مُقيما بِبَغْدَاد فِي الرصافة حَتَّى بني منَازِل على شط دجلة عِنْد قصره الأول وَفِي بُسْتَان مُوسَى فَأَقَامَ فِيهِ.
стр. 3
قَالُوا: وَلما كَانَ بعد دُخُول الْمَأْمُون بأيام وثب ابْن لإسحاق بن مُوسَى الْهَادِي يَوْم السبت لليلة بقيت من شهر ربيع الأول بِأَبِيهِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي ولي عَهده من بعده هُوَ وَخصي لِأَبِيهِ إِسْحَاق بن مُوسَى فوجياه بسكين حَتَّى قتلاه، فأخذا فَأتي بهما الْمَأْمُون فَأمر بقتل الْخصي فَأَخذه عبد اللَّهِ بن مُوسَى فَقتله وَحبس الابْن. فَقَالَ أَخُوهُ إِسْحَاق: لَا نرضي حَتَّى يقتل مَعَ الْخصي. فَأمر بقتْله فَأَخذه عبد اللَّهِ بن مُوسَى فَضرب عُنُقه. وَكَانَ قَتله لَهما يَوْم الْأَحَد لَا نسلاخ شهر ربيع الآخر.
ذكر إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الْكَاتِب، عَن عَمْرو بن مسْعدَة، وحَدثني سهل بن عُثْمَان قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن النُّعْمَان. . قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول قَالَ: لما قدمنَا من خُرَاسَان مَعَ الْمَأْمُون فصرنا فِي عقبَة حلوان وَكنت زميله قَالَ لي الْمَأْمُون يَا أَحْمد: إِنِّي أجد رَائِحَة الْعرَاق. قَالَ: فأجبته بِغَيْر جَوَابه وَقلت لَهُ: مَا اخلقه. فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا جوابي وَلَكِنِّي أحسبك سَهَوْت أَو كنت مفكرا. قَالَ: قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فيمَ فَكرت؟ قَالَ قلت: فَكرت فِي هجومنا على بَغْدَاد وَلَيْسَ مَعنا إِلَّا خَمْسُونَ ألف دِرْهَم مَعَ فتْنَة غلبت على قُلُوب النَّاس واستعذبوها فَكيف يكون حَالنَا إِن هاج هائج أَو تحرّك متحرك؟
قَالَ: فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ قَالَ: صدقت يَا أَحْمد مَا أحسن مَا فَكرت وَلَكِنِّي أخْبرك: النَّاس على طَبَقَات ثَلَاث فِي هَذِه الْمَدِينَة يَعْنِي بَغْدَاد: ظَالِم ومظلوم، وَلَا ظَالِم وَلَا مظلوم. فَأَما الظَّالِم فَلَيْسَ يتَوَقَّع إِلَّا عَفَوْنَا وإمساكنا، وَأما الْمَظْلُوم فَلَيْسَ يتَوَقَّع أَن ينصف إِلَّا بِنَا. وَمن كَانَ لَا ظَالِما وَلَا مَظْلُوما فبيته يَسعهُ. فوَاللَّه مَا كَانَ إِلَّا كَمَال قَالَ.
وَذكر إِسْمَاعِيل بن أبي مُحَمَّد اليزيدي قَالَ: كُنَّا مَعَ الْمَأْمُون منصرفة من خُرَاسَان إِلَى بَغْدَاد فَلَمَّا دخل قرماسين أَقَامَ بهَا أَيَّامًا فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: هَذَا منزل طيب فَلَو أَقمت بهَا أَيَّامًا حَتَّى يَأْتِيك خبر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَعْض مَا تحب. قَالَ: لَا وَالله قَالُوا: فأننا نتخوف أَن يكون دِمَاء فَتكون هَاهُنَا حَتَّى يقْضِي اللَّهِ من أمره مَا يقْضِي. قَالَ:
стр. 4
أتري إِن شم إِبْرَاهِيم ريحى يقدم على. لَا وَالله مَا ذَاك ظَنِّي بِهِ. قَالَ: وارتحل فَمَا بلغنَا حلوان حَتَّى جَاءَنَا الْخَبَر بِأَنَّهُ قد أختفي.
وَذكر عَمْرو بن مسْعدَة قَالَ: لما صَار الْمَأْمُون إِلَى الرّيّ منصرفة إِلَى الْعرَاق ذكر عَليّ بن صَالح صَاحب الْمُصَلِّي إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان وَكَانَ لَهُ صديقا. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: رجل من أهلك ركب عَظِيمَة وَجَاء شَيْئا إدا، وَقد آمَنت الْأَحْمَر وَالْأسود فَأن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَخُصُّهُ بِأَمَان يسمه بِهِ فَإِن عفوا اللَّهِ لَك بازاء عفوك عَنهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت شهيدي أَنِّي قد عَفَوْت عَن الْأَحْمَر وَالْأسود، وأعطيتهم أمانك وذمتك وخصصت بذلك إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وعممت النَّاس كلهم حَتَّى ابْن دُحَيْم الْمدنِي، وسعيدا الْخَطِيب. قَالَ: وَكَانَ ابْن دُحَيْم هَذَا يصعد مِنْبَر الْمَدِينَة وَلَا يدع من قَول الْقَبِيح شَيْئا إِلَّا ذكر بِهِ الْمَأْمُون.
وحَدثني الْفضل بن مُحَمَّد الْعلوِي قَالَ: لما قدم الْمَأْمُون تَلقاهُ عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس ابْن الْحسن بن عبيد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بن عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ: جعل اللَّهِ قدومك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مِفْتَاح رَحْمَة لَك، وَلمن قدمت عَلَيْهِ من رعيتك، فقد اشرقت الْبِلَاد حِين حللت بهَا، وآنس اللَّهِ بقربك أَهلهَا، ونصبت الرّعية إِلَيْك أعينها، ومدت إِلَى اللَّهِ فِيك وَلَك أيديها، لتصيب من مقدمك عدلا يُحْيِيهَا، وَمن نيل يدك فضلا يغنيها.
وَذكر عَمْرو بن مسْعدَة قَالَ ك لما قدم الْمَأْمُون بَغْدَاد أهدي إِلَيْهِ الْفضل بن الرّبيع فص ياقوت لم ير مثله. قَالَ: واحب الْمَأْمُون الفص وَجعل يقلبه فِي يَده وَينظر إِلَى وبيصة، ويحوله من يَد إِلَى يَد وَقَالَ: مَا أَدْرِي مَتى رَأَيْت فصا أحسن من هَذَا؟ . قَالَ: وَأَنْشَأَ يحدث الْقَوْم الحَدِيث عَن فص كَانَ للمهدي وهبه للرشيد. فَقَالَ: كَانَ أَبُو مُسلم وَجه زِيَاد بن صَالح إِلَى الصين فَبعث إِلَيْهِ بِهَذَا الفص فَصَارَ إِلَى أبي الْعَبَّاس، فوهبه إِلَى عبد اللَّهِ بن عَليّ، فوهبه عبد اللَّهِ بن عَليّ للمهدي، فوهبه الْمهْدي للرشيد. فَبينا الرشيد يناظر يحيى بن خَالِد يَوْمًا فِي قَوس جلا هق إِذْ ندر الفص من يَده فكرر الْموضع فَلم ير لَهُ عين وَلَا أثر فأغتنم الرشيد لذهابه. فَقيل لَهُ أَن صَالحا
стр. 5
صَاحب الْمُصَلِّي اشْترى فصا من عون الْعَبَّادِيّ بِعشْرين ألف دِينَار لَيْسَ لأحد مثله فَوجه إِلَيْهِ فَبعث بِهِ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: وَأَيْنَ هَذَا من فصي. قَالَ: ثمَّ قَالَ الْمَأْمُون: أما وَالله لأضعن من قدر هَذِه الْحِجَارَة الَّتِي لَا معنى لَهَا ورد الفص على الْفضل وَقَالَ لرَسُوله: قل لَهُ وهبت دولتك يَا أَبَا الْعَبَّاس. فَلَمَّا رَجَعَ الفص إِلَى الْفضل أغتم وَقَالَ لرجل من بطانته: أما إِنَّه لَا يعِيش من يَوْمه هَذَا إِلَّا أقل من سنة. فَمَا أَمْسَى الْمَأْمُون حَتَّى أَتَاهُ الْخَبَر بهَا. قَالَ: قَالَ: فَسكت عَنهُ وَلم يخبر بِهِ أحدا. قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ الْعَبَّاس بن الْمسيب وَكَانَ صَاحب شرطته ركب الْمَأْمُون فِي جنَازَته فَعرض لَهُ بعض أَوْلَاد الْفضل بن الرّبيع وَهُوَ بِبَاب الشَّام. فَدَعَا لَهُ وانتسب فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أدن. فَدَنَا. ثمَّ قَالَ لَهُ: أدن. فَدَنَا. حَتَّى قرب من ركابه فأدني مِنْهُ رَأسه كَأَنَّهُ يسر إِلَيْهِ وَقَالَ: إعلم أَبَا الْعَبَّاس أَن الْوَقْت قد مضى. قَالَ: فَرجع الْفَتى إِلَى الْفضل فَأخْبرهُ. فَلم يزل على حذر مِنْهُ أَن يحقدها عَلَيْهِ.
وَذكر عَن عَمْرو بن مسْعدَة قَالَ: اسْتقْبل الْمَأْمُون فِي منصرفة من خُرَاسَان الطالبيون بِبَعْض طَرِيقه وَاعْتَذَرُوا مِمَّا كَانَ مِنْهُم من الْخُرُوج. فَقَالَ الْمَأْمُون لمتكلمهم: كف واستمع مني. أولنا وأولكم مَا تَعْمَلُونَ، وآخرنا وآخركم إِلَى مَا ترَوْنَ، وتناسوا مَا بَين هذَيْن.
قَالَ ابْن أبي طَاهِر: لما دخل الْمَأْمُون مَدِينَة السَّلَام تَلَقَّتْهُ الْأَنْصَار فَقَالَت: الْحَمد لله الَّذِي شدّ بك الْحق وردك إِلَى دَارك مدفوعا عَنْك - مستجابا لنا فِيك - فَأَنت كَمَا قَالَ ابْن عمنَا حسان فِي ابْن عمك رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم دخل الْمَدِينَة:
(وَكُنَّا حِين تذكر مِنْك نعمي ... يجل الْوَصْف عَن وصف الْمقَال)
(بِحَمْد اللَّهِ حِين حللت فِينَا ... بنورك نجتلي ظلم الضلال)
(وَكنت كَرَامَة نزلت علينا ... بِأَسْعَد طَائِر وبخير حَال)
стр. 6
قَالَ: أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن الْحسن بن عبد الْحق: كَانَ قدوم الْمَأْمُون بَغْدَاد فِي النّصْف من ربيع الأول سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ، وَدخل بَغْدَاد من بَاب خُرَاسَان والحربة بَين يَدَيْهِ فِي يَد مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن الْمسيب بن زُهَيْر وَكَانَ خَليفَة لِأَبِيهِ على الحربة وَالْعَبَّاس بن الْمسيب بن زُهَيْر وَرَاء ابْنه، وَكَانَ منقرسا بَين يَدي الْمَأْمُون.
وَذكر يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق، عَن عَليّ بن أبي سعيد أَنه حَدثهُ قَالَ: لَقِي الْفضل بن الرّبيع طَاهِر بن الْحُسَيْن عِنْد دُخُول الْمَأْمُون بَغْدَاد فثني عنانه مَعَه وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الطّيب. مَا ثنيت عناني مَعَ أحد قطّ قبلك إِلَّا مَعَ خَليفَة ولي حَاجَة. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الرضاء عني وتعجل ذَلِك. قَالَ: فَمضى طَاهِر من فوره ذَلِك وكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ فَأمره بِإِدْخَال الْفضل عَلَيْهِ قَالَ: فَقَالَ طَاهِر: فأدخلته حاسرا لَا سيف عَلَيْهِ، وَلَا طيلسان، وَلَا قلنسوة. فَلَمَّا توَسط الدَّار وثب الْمَأْمُون عَن عَرْشه فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ الْتفت إِلَيْهِ قبل أَن يسلم عَلَيْهِ بالخلافة. فَقَالَ: أَتَدْرِي لم صليت يَا فضل؟ . فَقَالَ: لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: شكرا لله إِذْ رَزَقَنِي الْعَفو عَنْك، قد كلمني أَبُو الطّيب فِيك وَقد عَفَوْت عَنْك. قَالَ: فَقَالَ الْفضل: فلي حَاجَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَا هِيَ؟ . قَالَ: الرضاء. قَالَ أجل لَا يكون الْعَفو إِلَّا مَعَ الرضاء. قَالَ: أُخْرَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تجْعَل لي مرتبَة فِي الدَّار. قَالَ: عجلت يَا فضل أخرج فَخرج. قَالَ: وَقَالَ لَهُ يَوْمًا وَقد دخل عَلَيْهِ: أَخْبرنِي يَا فضل عَن شتمك إيَّايَ، ومقاماتك الَّتِي كنت تقوم بهَا على وتثلبني بهَا كَيفَ أمنت أَن أسْرع إِلَى غضبة من الغضبات فأفعل فعلا أندم عَلَيْهِ حِين لَا تَنْفَع الندامة. قَالَ. فأنشده لبَعض الشُّعَرَاء فِيهِ.
(صفوح عَن الأجرام حَتَّى كَأَنَّهُ ... من الْعَفو لم يعرف من النَّاس مجر مَا)
(وَلَيْسَ يُبَالِي أَن يكون بِهِ الأذي ... إِذا مَا الأذي لم يغش بالكره مُسلما)
قَالَ عبد اللَّهِ بن عَمْرو. حَدثنِي جَعْفَر بن الْمَأْمُون قَالَ: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد لقِيه الْفضل بن الرّبيع مَعَ طَاهِر فَلَمَّا رأى الْفضل نزل من قُبَّته وَكَانَ عديله على بن هِشَام وَمر يعدو حَتَّى سجد. فَقَالَ الْمَأْمُون: الْحَمد لله قَدِيما مَا كنت أسلم عَلَيْهِ
стр. 7
فَأَفْرَح برده فسبحان الَّذِي الهمني الصفح عَنهُ فَلذَلِك سجدت. قَالَ: فَقَالَ طَاهِر: فعجبت لسعة حلمه.
وَذكر زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ: لما كَانَ فِي الْعِيد بعد قدوم الْمَأْمُون سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ والمأمون يتغدي وعَلى مائدته طَاهِر بن الْحُسَيْن، وَسَعِيد بن سلم، وَحميد بن عبد الحميد، وعَلى رَأسه سعيد الْخَطِيب وَهُوَ يقرظه وَيذكر مناقبه، ويصف سيرته ومجلسه إِذا أنهملت عينا الْمَأْمُون بالدموع فَرفع يَده عَن الطَّعَام فَأمْسك الْقَوْم حِين رَأَوْهُ بِتِلْكَ الْحَال حَتَّى إِذا كف قَالَ لَهُم: كلوا. قَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهل نسيغ طَعَاما، أَو شرابًا وَسَيِّدنَا بِهَذَا الْحَال. قَالَ: أما وَالله مَا ذَلِك من حدث، وَلَا لمكروه هَمَمْت بِهِ بِأحد وَلكنه جنس من أَجنَاس الشُّكْر لله لعظمته وَذكر نعْمَته الَّتِي أتمهَا على كَمَا أتمهَا على أَبَوي من قبل. أما ترَوْنَ ذَاك الَّذِي فِي صحن الدَّار يَعْنِي الْفضل بن الرّبيع. قَالَ: وَكَانَت الستور قد رفعت وَوضعت الموائد للنَّاس على مَرَاتِبهمْ وَكَانَ يجلس الْفضل مَعَ أَصْحَاب الحرس، وَكَانَ فِي أَيَّام الرشيد وحاله حَاله يراني بِوَجْه أعرف فِيهِ الْبغضَاء والشنآن، وَكَانَ لَهُ عِنْدِي كَالَّذي لي عِنْده، وَلَكِنِّي كنت ادارية خوفًا من سعايته، وحذرا من اكاذيبه، فَكنت إِذا سلمت عَلَيْهِ فَرد على أظل لذَلِك فَرحا، وَبِه مبتهجا وَكَانَ صَفوه إِلَى المخلوع فَحَمله على أَن أغراه بِي، وَدعَاهُ إِلَى قَتْلِي، وحرك الآخر مَا يُحَرك الْقَرَابَة وَالرحم الماسة فَقَالَ: أما الْقَتْل فَلَا اقتله وَلَكِنِّي اجْعَلْهُ بِحَيْثُ إِذا قَالَ لم يطع، وَإِذا دَعَا لم يجب فَكَانَ أحسن حالاتي عِنْده أَن وَجه مَعَ عَليّ بن عِيسَى قيد فضَّة بعد مَا تنازعنا فِي الْفضة وَالْحَدِيد ليقيدني بِهِ وَذهب عَنهُ قَول اللَّهِ جلّ وَعز: ﴿ثمَّ من بغي عَلَيْهِ لينصرنه اللَّهِ﴾ فَذَاك مَوْضِعه من الدَّار باخس مجالسها، وأدني مراتبها وَهَذَا الْخَطِيب على رَأْسِي وَكَانَ بالْأَمْس يقف على هَذَا الْمِنْبَر الَّذِي بإزائي مرّة، وعَلى الْمِنْبَر الغربي أُخْرَى فيزعم أَنِّي الْمَأْمُون وَلست بالمأمون. ثمَّ هُوَ السَّاعَة يقرظني تقريظة الْمَسِيح، ومحمدا
стр. 8
عَلَيْهِمَا السَّلَام. قَالَ: فَقَالَ طَاهِر بن الْحُسَيْن يَا سيدنَا. فَمَا عندنَا فيهمَا، وَقد أباحك اللَّهِ أراقه دمائهما فحصنتهما بِالْعَفو والحلم. قَالَ: فعلت ذَلِك لموْضِع الْعَفو من اللَّهِ ثمَّ قَالَ: مدوا أَيْدِيكُم إِلَى طَعَامكُمْ قَالَ: فَأكل وأكلوا.
حَدثنَا أَحْمد بن إِسْحَاق بن برصوما. قَالَ: حَدثنِي أَيُّوب بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان قَالَ: كُنَّا مَعَ الْمَأْمُون بعد مقدمه بَغْدَاد بأشهر يَوْمًا وَهُوَ رَاكب وَالْفضل بن الرّبيع وَاقِف لَهُ على مدرجته فرميناه بِأَبْصَارِنَا نَنْظُر مَا يكون مِنْهُ. قَالَ: فَمر طَاهِر وَمَعَهُ الحربة بَين يَدي الْمَأْمُون: فَنظر الْمَأْمُون إِلَى الْفضل بن الرّبيع وَصرف وَجهه عَنهُ. ثمَّ أقبل الْعَجم مَعَهم القسي والنشاب وطلع الْمَأْمُون ينظر إِلَى الْفضل بمؤخر عينه مصروفا عَنهُ وَجهه. قَالَ /: فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعَجم كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَن ينحوه بعنف فَأقبل الْمَأْمُون يَكفهمْ بِيَدِهِ وَوَجهه محول عَنهُ:
قَالَ أَحْمد بن إِسْحَاق. وحَدثني: بشر السَّلمَانِي. قَالَ: سَمِعت أَحْمد بن أبي خَالِد يَقُول: كَانَ الْمَأْمُون إِذا أمرنَا بِأَمْر فَظهر من أَحَدنَا فِيهِ تَقْصِير يَقُول: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا عرف رجلا ببابي لَو قلدته أموري كلهَا لقام بهَا. قَالَ بشر: فَقلت لِأَحْمَد ابْن أبي خَالِد: يَا أَبَا الْعَبَّاس من يَعْنِي؟ قَالَ: الْفضل بن الرّبيع.
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: حَدثنِي رجل مِمَّن كَانَ يدْخل الدَّار ذهب عني اسْمه. قَالَ: لما أذن الْمَأْمُون للفضل بن الرّبيع فِي لبس السوَاد وَمنعه من الرّكُوب بِسيف حمائل. فَكَانَ يلبس سَيْفا بمعاليق. قَالَ: فَأَنا ذَات يَوْم فِي الدَّار إِذْ جَاءَ الْفضل فَوقف على الْبَاب الْخَارِج وَدخل عَليّ بن صَالح وَهُوَ الْحَاجِب فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْفضل بن الرّبيع بِالْبَابِ، فِي أَي الْمَرَاتِب أنزلهُ؟ قَالَ: فِي أخسها. قَالَ: فَخرج إِلَيْهِ على مَاشِيا إِلَى الْبَاب الْخَارِج فَقَالَ: يَا أَبَا الْعَبَّاس: أنزل فَهَذِهِ مرتبتك. قَالَ: فَجَلَسَ وَجَلَست قَرِيبا مِنْهُ. وَقَامَ الْمَأْمُون فَدخل فَلم يمر بِالْفَضْلِ أحد من بني هَاشم والقواد إِلَّا جلس إِلَيْهِ فَكَانَ آخر من جَاءَ حميد الطوسي فَلم يزل الْفضل يحضر الدَّار كل اثْنَيْنِ وكل خَمِيس فيجلس على الْبسَاط فَإِذا انْصَرف النَّاس قعدوا لَهُ. فَأَنا ذَات يَوْم
стр. 9
عِنْده إِذا جَاءَ السندي بن شاهك آخر من جَاءَ. فَقَالَ الْفضل بِيَدِهِ مَا الْخَبَر؟ . وَكَانَ السندي بن شاهك جَهورِي الصَّوْت لَا يقدر أَن يتَكَلَّم سرا. قَالَ: خبر عَجِيب قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: سمعته الْيَوْم قدم على بن أبي طَالب على الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَمَا ظَنَنْت أَنِّي أعيش حَتَّى أسمع عباسيا يَقُول هَذَا. فَقَالَ لَهُ الْفضل: تعجب من هَذَا؟ هَذَا وَالله كَانَ قَول أَبِيه قبله.
قَالَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن إِسْحَاق: وَأول غضب الْمَأْمُون على الْفضل أَن الرشيد كَانَ أوصى الْفضل بن الرّبيع إِن حدث بِهِ حدث أَن يَجْعَل خزائنه، وأمواله وسلاحه، وَجَمِيع عَسْكَر إِلَى الْمَأْمُون، فَلَمَّا توفّي الرشيد حمل ذَلِك كُله إِلَى مُحَمَّد. وحَدثني الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي عَوْف وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى عَليّ بن صَالح قَالَ: حضرت عَليّ بن صَالح عَشِيَّة فِي أول مدْخل الْمَأْمُون بَغْدَاد فجَاء آذنه فَقَالَ لَهُ: بِالْبَابِ أَبُو الْقَاسِم اللهبي؛ وَمُحَمّد بن عبد اللَّهِ العثماني، وَمصْعَب ابْن عبد اللَّهِ الزبيرِي قَالَ: فأئذن لأبي الْقَاسِم اللهبي فَدخل فأجلسه فِي صدر مَجْلِسه. ثمَّ إِذن للعثماني والزبيري فَأقْعدَ العثماني عَن يَمِينه، والزبيري عَن يسَاره ثمَّ تحدثُوا فَذكرُوا الْفضل بن الرّبيع. فَقَالَ اللهبي: أحسن اللَّهِ جَزَاء الْفضل عَنَّا فقد كَانَ برا بِنَا، وَقَالَ العثماني: كَانَ وَالله مَا علمنَا قَضَاء لحوائجنا عَارِفًا بإقدارنا، مُوجبا لحقوقنا وَقَالَ الزبيرِي: لقد كَانَت يَده عندنَا وَعند آبَائِنَا. فَقَالَ عَليّ بن صَالح: أما إِذا ذكرْتُمْ ذَلِك فَأَنِّي كنت عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه اللَّهِ أمس فَقَالَ لي يَا عَليّ: مَتى عَهْدك بصديقك؟ قَالَ: فَقلت أَطَالَ اللَّهِ بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ صديقي كثير فَعَن أَيهمْ يسألني أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: عَن الْفضل بن الرّبيع. قَالَ: قلت أمس الأدني وجد عِلّة فِي يَوْمه فَأَتَيْته عَائِدًا. قَالَ: وَلم تأته إِلَّا فِي يَوْم علته؟ قَالَ قلت: كَذَا عودته. قَالَ: فَكَأَنِّي إِذا جلس الْآن وَجَلَست أَنْت وَسَعِيد بن سلم، وَعبد اللَّهِ بن مَالك وَجعل وسَادَة على رُكْبَتَيْهِ ثمَّ قَالَ: وَقد وضع يَدَيْهِ عَلَيْهَا قَالَ لي الْمَنْصُور وَقلت لَهُ فَأَما الرشيد فَلَا يحْتَاج إِلَى كَلَام فِيهِ قلت: أدني ذَلِك أمس مَا زَالَ يحدثنا عَن الْمَنْصُور
стр. 10
أ
وَعَن مَكَانَهُ وَمَكَان أَبِيه مِنْهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: مَا أعجب أُمُور الْخُلَفَاء يَنْبُتُونَ الرجل ثمَّ يخطؤنه فَلَا يبقون غَايَة من الْأُمُور الا بلغوه إِيَّاهَا فِي مِقْدَار قريب. قَالَ ثمَّ أمسك وَأَمْسَكت ثمَّ قَالَ: يَا عَليّ كَأَنِّي فِي نَفسك السَّاعَة تَقول كَيفَ أخطيت الْفضل بن الرّبيع؟ نعم. كَانَ يدبر الْخَطَأ فَيَقَع صَوَابا، وَيبْعَث بالجيش الضَّعِيف فَيَقَع بِهِ النَّصْر وادبر أَنا فَيَقَع بِغَيْر ذَلِك، فَلَمَّا وقفت على البصيرة من أَمْرِي، وفكرت فِي نَفسِي، وعملت بالاحزم فِي ذَلِك ملت إِلَى الحزم فوردت الْعرَاق، وَإِن الْفضل ابْن الرّبيع بَقِيَّة الموَالِي فَلَا تخبره بذلك عني فَإِنِّي أكره أَن يبلغهُ عني مَا يسره.
وحَدثني يحيى بن الْحسن قَالَ: كَانَ على بن صَالح إِذا جَاءَهُ خبر يسره من قبل الْمَأْمُون فِي الْفضل قَالَ الخادمة يسر: قل لنجاح خَادِم الْفضل كَذَا. وَكَذَا. لِئَلَّا يَحْنَث إِن وَقعت يَمِين.
وحَدثني: يحيى بن الْحسن قَالَ: كَانَ الْفضل يَقُول فِي أَيَّام الْمَأْمُون: مَا بَقِي لي من عَقْلِي أحب إِلَيّ مِمَّا ذهب من مَالِي. قَالَ: وَأَخْبرنِي أَبُو الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: كَانَ الْفضل يَقُول: لَا يسود الرجل حَتَّى يشْتم، ويعرض، ويحلم. وحَدثني يحيى بن الْحسن قَالَ: رَأَيْت الْفضل بن الرّبيع وَقد دخل الْمَقْصُورَة يَوْم الْجُمُعَة أَيَّام الْمَأْمُون فَقدم دَابَّته حَيْثُ خرج فَوق مرتبته. فَقَالَ يَا غُلَام: أردد الدَّابَّة لست أركب من هَا هُنَا.
وحَدثني يحيى. قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: كنت عِنْد الْفضل ابْن الرّبيع ذَات عَشِيَّة فِي أَيَّام الْمَأْمُون وَهُوَ فِي منظرته الَّتِي تشرع إِلَى الميدان وَمَعَهُ فِي مجْلِس المنظرة امْرَأَة تحدثه لَا أدرى من هِيَ وَهُوَ مقبل عَلَيْهَا وَذَلِكَ فِي الدَّار الَّذِي حوله الْمَأْمُون إِلَيْهَا وَهِي دَار الْعَبَّاس ابْنه وَكَانَ يُؤَدِّي عَنْهَا ألفا فِي الشَّهْر إِذْ دخل عَلَيْهِ أَبُو حَلِيم خادمة فَقَالَ: أَبُو الْعَتَاهِيَة بِالْبَابِ. قَالَ: أدخلهُ. قَالَ: فَدخل فحادثه سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاق فِي قَلْبك من عتبَة شَيْء؟ قَالَ ذهب ذَاك وَخرج قَالَ: فَبَقيت مِنْهُ بَاقِيَة؟ قَالَ لَا وَالله. قَالَ: فَهَذِهِ وَالله عتبَة. قَالَ: فَنظر إِلَيْهَا وَخرج
стр. 11
يعدو وَترك نَعْلَيْه.
حَدثنِي أَحْمد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مَيْمُون قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: لما قدم الْمَأْمُون بَغْدَاد بعثت أم جَعْفَر إِلَى أبي الْعَتَاهِيَة أحب أَن تَقول أبياتا تعطف بهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ على فَبعث إِلَيْهَا بِهَذِهِ الأبيات: -
(أَلا إِن ريب الدَّهْر يدني وَيبعد ... وَيُؤْنس بالألاف طورا ويفقد)
(أَصَابَت لريب الدَّهْر مني يَدي يَدي ... فَسلمت للأقدار وَالله أَحْمد)
(وَقلت لريب الدَّهْر إِن ذهبت يَد ... فقد بقيت وَالله يَا دهر لي يَد)
(إِذا بَقِي الْمَأْمُون لي فالرشيد لي ... ولي جَعْفَر لم يفقدا وَمُحَمّد)
قَالَ: فَبعثت بهَا لى الْمَأْمُون فَلَمَّا قَرَأَهَا بَكَى وَزَاد فِي ألطافها ورق لَهَا وَعطف عَلَيْهَا.
وَقَالَ أَصْحَاب التَّارِيخ: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد أَقَامَ بالرصافة إِلَى أَن بنى منزله على شط دجلة عِنْد قصره الأول فأنتقل إِلَيْهِ، وَكَانَ يسْأَل عَن أُمُور النَّاس وَمَا يصلحها، فَرفع إِلَيْهِ فِي شهر رَمَضَان أَن التُّجَّار يعتدون على ضعفاء النَّاس فِي الْكَيْل فَأمر بغفيز يسع ثَمَان مكاكيك سرد مُرْسل وصير فِي وَسطه عمودا وَسمي الملجم وَأمر التُّجَّار يعيروا مكاكيكهم عَلَيْهَا صغارها وكبارها فَفَعَلُوا ذَلِك وَرَضي النَّاس
قَالَ: وَلما كَانَ يَوْم الْفطر خرج فصلى بِالنَّاسِ فِي عيساباذ وعبأ الْجند تعبئة لم ير مثلهَا قبل ذَلِك لأحد من الْخُلَفَاء من إِظْهَار السِّلَاح وكثرته وَكَثْرَة الْجند وَلم يصل بِالنَّاسِ صَلَاة الْعِيد حَتَّى قرب نصف النَّهَار.
وَذكر: أَبُو حسان الزيَادي وَغَيره من أَصْحَاب الاخبار أَنه ولي مَكَّة وَالْمَدينَة فِي سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ عبد اللَّهِ بن الْحسن بن عبيد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بن عَليّ بن أبي طَالب عِنْد قدومه بَغْدَاد. فَلَمَّا حضر الْمَوْسِم كتب إِلَيْهِ بِالْولَايَةِ على الْمَوْسِم وَأَن يُقيم الْحَج بِالنَّاسِ.
стр. 12
قَالُوا: وَلما دخلت سنة خمس وَمِائَتَيْنِ ولي أَمِير الْمُؤمنِينَ طَاهِر بن الْحُسَيْن الجزيرة وَالشّرط والجانبين وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْأَحَد وَقعد طَاهِر للنَّاس من عين الْيَوْم الَّذِي ولي فِيهِ وَكَانَ يَوْم عَاشُورَاء.
فَحَدثني يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: لما انْقَضتْ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وعَلى شرطة الْمَأْمُون الْعَبَّاس بن الْمسيب بن زُهَيْر وَكَانَ منقرسا. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: قد كَبرت وثقلت عَن حمل الحربة. قَالَ: فَهَذَا ابْني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَكَاني وَهِي صناعتي وصناعة أبي. وَقد علمت أَن الرشيد يتبرك بِحمْل الحربة فِي يَد الْمسيب وَنحن أَهلهَا قَالَ: فقد رَأَيْت تَوْلِيَة طَاهِر. قَالَ: فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أفضل وأصوب. قَالَ: فولي طَاهِر بن الْحُسَيْن.
وَقَالَ يحيى: فَكتب طَاهِر إِلَى الْفضل بن الرّبيع وَكَانَ بَينهمَا صداقة: إِن فِي رَأْيك الْبركَة، وَفِي مشورتك الصَّوَاب فَإِن رَأَيْت تخْتَار لي رجلَيْنِ للجسر. فَكتب إِلَيْهِ: قد وجدتهما لَك وهما: خِيَار السندي بن يحيى وَعَيَّاش بن الْقَاسِم فولاهما الجسرين
قَالَ: وَكَانَ الْمَأْمُون فِي الْيَوْم الَّذِي ولي طَاهِرا فِيهِ الشرطة قد ولي جمَاعَة من الهاشميين كور الشأم كورة. كورة فَلم يتم لَاحَدَّ مِنْهُم شَيْء من ولَايَته حَتَّى انْقَضتْ السّنة.
قَالَ يحيى البوشنجي الْقصير حَاجِب ذِي اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن قَالَ: لما ولي طَاهِر بن الْحُسَيْن الشرطة رفع إِلَيْهِ أَن فِي الْحَبْس رجلا تنصر فَأمر يحيى هَذَا أَن يحمل السَّيْف والنطع وَيَأْتِي بِهِ دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مَجْلِسه، ثمَّ أَتَى دَار الْمُؤمنِينَ فَدَعَا بِالرجلِ فَقَالَ: يَا عَدو اللَّهِ تنصرت بعد الاسلام؟ قَالَ: اصلح اللَّهِ الْأَمِير وَالله مَا تنصرت وَمَا أَنا إِلَّا مُسلم ابْن مُسلم وَلَكِن حبست فِي كسَاء بِدِرْهَمَيْنِ سنتَيْن فَلَمَّا رَأَيْت أَمْرِي قد طَال وَلَيْسَ لي مُذَكّر يذكرنِي قلت إِنِّي مصر إِنِّي وَأَنت أَيهَا الْأَمِير مصراني وَهَذَا مصراني وَأَنا رجل من أَصْحَابك أَيهَا الْأَمِير. فَكبر طَاهِر وَدخل على الْمَأْمُون فَأخْبرهُ الْخَبَر وَأمر أَن يُوهب لَهُ ثلثمِائة دِرْهَم وَأَن يخلى سَبيله فَأمر طَاهِر بذلك.
стр. 13
فَقَالَ الرجل: لَا وَالله أَيهَا الْأَمِير مَا أقدر أَن أَمْشِي فَادع لي بِحِمَار فَدَعَا لَهُ بِحِمَار وخلي سَبيله.
وَذكر أَبُو حسان الزيَادي: أَن الْعَبَّاس بن عبد اللَّهِ الْمَأْمُون قدم من خُرَاسَان فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ دُخُوله بَغْدَاد يَوْم الْخَمِيس لَا ربع عشرَة لَيْلَة بَقينَ من شعْبَان وَقدم مَعَه من خُرَاسَان مُوسَى وَعبد اللَّهِ ابْنا مُحَمَّد المخلوع فِي ذَلِك الْيَوْم واستقبله وُجُوه النَّاس من بني هَاشم والقواد حَتَّى دخل على أَمِير الْمُؤمنِينَ.
حَدثنَا أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن الْحسن قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن الْعَبَّاس ابْن مُحَمَّد قَالَ: دخل طَاهِر بن الْحُسَيْن على الْمَأْمُون وَعِنْده عبد اللَّهِ بن مُوسَى الْهَادِي فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: مرْحَبًا بك يَا ذَا اليمينين. فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ بن مُوسَى: وَالله مَا جعله اللَّهِ أَهلا لعينين فَكيف يمينين. فَقَالَ لَهُ طَاهِر: لَكِن اللَّهِ جعل لامك زَوْجَيْنِ. قَالَ وَيلك تعيرني بخليفتين. قَالَ: فَأمر الْمَأْمُون بِعَبْد اللَّهِ بن مُوسَى فأقيم وَكَانَت أم عبد اللَّهِ أمة الْعَزِيز أم ولد مُوسَى الْهَادِي ثمَّ تزَوجهَا هَارُون الرشيد. قَالَ: وَقَالَ بعض أَصْحَاب الْمَأْمُون يَوْمًا فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ وَقد خرج إِلَى منتزه لَهُ وَمَعَهُ طَاهِر بن الْحُسَيْن فَبينا هُوَ يسايره إِذْ قَالَ لَهُ يَا أَبَا الطّيب: مَا أطول صُحْبَة هَذَا البرذون لَك؟ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: بركَة الدَّابَّة طول صحبتهَا، وَقلة عَلفهَا قَالَ فَكيف سيره؟ . قَالَ سيره أَمَامه، وَسَوْطه عنانه وَمَا ضرب قطّ إِلَّا ظلما.
حَدثنِي الْفضل بن مُحَمَّد الْعلوِي قَالَ: قَالَ عبيد اللَّهِ بن الْحسن لِلْمَأْمُونِ لما دخل بَغْدَاد وطاهر يُسَايِر الْمَأْمُون، ملأك اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ النِّعْمَة - وَجعله مقدم سَلامَة، وأدام لَك الْعِزّ والسلامة - وَالْحَمْد لله الَّذِي تلاقا نَا عِنْد ظُهُور الْفِتْنَة وشمولها - وتراخي دَارنَا عَنْك واغترابها - بِذِي اليمينين صنيعتك - وسيفك المسلول على أهل معصيتك - فجمعنا على طَاعَتك - حَتَّى أَنا بِحَمْد اللَّهِ من عِنْد أخرانا كالنبال المطرورة نصالها - المقومة صعارها - إِن نقرتها حنت لَك وَإِن أزللتها - عَن كبد قوسك شكت عَدوك - فنسأل اللَّهِ أَن يحسن جزاءك - عَنَّا -
стр. 14
وجزاؤه على مَا حفظ فِينَا - من غيبك - وَركب منا من منهجك وقصدك. قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون لطاهر بن الْحُسَيْن يَا أَبَا الطّيب صف لي أَخْلَاق المخلوع. قَالَ: كَانَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَاسع الطَّرب، ضيق الْأَدَب، يُبِيح نَفسه مَا تعافاه همم ذَوي الأقدار، قَالَ: فَكيف كَانَت حروبة؟ قَالَ. كَانَ يجمع الْكَتَائِب ويفضها بِسوء التَّدْبِير. قَالَ: فَكيف كُنْتُم لَهُ؟ قَالَ: كُنَّا أسودا تبيت وَفِي أشداقها غلق النَّاكِثِينَ. وتصبح وَفِي صدورها قُلُوب المارقين. قَالَ: أما إِنَّه أول من يُؤْخَذ بدمه يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة لست أَنا وَلَا أَنْت رابعهم وَلَا خامسهم وهم: الْفضل بن الرّبيع، وَبكر بن الْمُعْتَمِر، والسندي بن شاهك هم وَالله ثأر أخي وَعِنْدهم دَمه.
وحَدثني مُحَمَّد بن عِيسَى كَاتب مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن طَاهِر قَالَ: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد. ضمن لطاهر بن الْحُسَيْن قَضَاء كل مَا يسْأَله من حَاجَة فَمَا سَأَلَهُ حَاجَة لنَفسِهِ وَلَا لوَلَده وَلكنه وَلكنه سَأَلَهُ الْعَفو عَن الْمُجْرمين فِي الْفِتْنَة وإلحاقهم بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قبله فِي دواوينهم وطبقات عطائهم وَأَن يُضَاعف أجر الْمُحْسِنِينَ فَفعل ذَلِك، ثمَّ دَعَاهُ لرفع حَوَائِجه فَلم يسْأَله شَيْئا إِلَّا أقامة الدولة لأَهْلهَا ورد لِبَاس السوَاد، وإطراح الخضرة فَأَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ من ذَلِك. وَحدثنَا يحيى بن الْحسن قَالَ: حَدثنِي أَبُو زيد الحامض قَالَ: حَدثنِي حَمَّاد بن الْحسن قَالَ: حَدثنِي بشر بن غياث المريسي قَالَ: حضرت عبد اللَّهِ الْمَأْمُون أَنا، وثمامة، وَمُحَمّد ابْن أبي الْعَبَّاس، وَعلي بن الْهَيْثَم فتناظر وافي التَّشَيُّع فنصر مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس الإمامية وَنصر عَليّ بن الْهَيْثَم الزيدية وَجرى الْكَلَام بَينهمَا إِلَى أَن قَالَ مُحَمَّد لعلى يَا نبطي مَا أَنْت وَالْكَلَام؟ . قَالَ فَقَالَ الْمَأْمُون - وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ - الشتم عى، وَالْبذَاء لؤم إِنَّا قد أبحنا الْكَلَام وأظهرنا المقالات فَمن قَالَ بِالْحَقِّ حمدناه، وَمن جهل ذَلِك وقفناه وَمن جهل الْأَمريْنِ حكمنَا فِيهِ بِمَا يجب فأجعلا بَيْنكُمَا أصلا فَإِن الْكَلَام فروع فَإِذا أفتر عتم شَيْئا رجعتم إِلَى الْأُصُول قَالَ: فَأَنا نقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَإِن مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وأذكروا الْفَرَائِض والشرائع فِي الأسلام وتناظروا بعد ذَلِك. فَأَعَادَ مُحَمَّد لعلى بِمثل الْمقَالة الأولى فَقَالَ على: وَالله لَوْلَا جلالة مجلسة، وَمَا وهب اللَّهِ من خِلَافَته
стр. 15
ورأفته، وَلَوْلَا مَا نهى عَنهُ لأعرقت جبينك وَبِحَسْبِكَ من جهلك غسلك الْمِنْبَر بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: فَجَلَسَ الْمَأْمُون وَكَانَ مُتكئا فَقَالَ: وَمَا غسلك الْمِنْبَر التَّقْصِير مني فِي أَمرك أم لتقصير الْمَنْصُور كَانَ فِي أَمر أَبِيك لَوْلَا أَن الْخَلِيفَة إِذا وهب شَيْئا أستحي أَن يرجع فِيهِ لَكَانَ أقرب شَيْء بيني وَبَيْنك إِلَى الأَرْض رَأسك قُم وَإِيَّاك وَمَا عدت. قَالَ: فَخرج مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس ومضي إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن وَكَانَ زوج أُخْته فَقَالَ لَهُ كَانَ من قصتي كَيْت وَكَيْت وَكَانَ يَحْجُبهُ على النَّبِيذ فتح الْخَادِم، وياسر يتَوَلَّى الْخلْع وحسين يسْقِي، وَأَبُو مَرْيَم غُلَام سعيد الْجَوْهَرِي يتَخَلَّف فِي الْحَوَائِج، فَركب طَاهِر إِلَى الدَّار فَدخل فتح فَقَالَ: طَاهِر بِالْبَابِ. فَقَالَ إِنَّه لَيْسَ من أوقاته. إئذن لَهُ فَدخل طَاهِر فَسلم فَرد ﵇ وَقَالَ: اسقوه رطلا فَأَخذه فِي يَده اليمني وَقَالَ لَهُ: أَجْلِس فَخرج وشربه، ثمَّ عَاد وَقد شرب الْمَأْمُون رطلا آخر فَقَالَ: اسقوه الثَّانِي. فَفعل كَفِعْلِهِ الأول. ثمَّ دخل فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون أَجْلِس فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ لصَاحب الشرطة أَن يجلس بَين يَدي سَيّده. قَالَ الْمَأْمُون ذَاك فِي مجْلِس الْعَامَّة فَأَما مجْلِس الْخَاصَّة فَطلق. قَالَ: وبكي الْمَأْمُون وتغرغرت عَيناهُ فَقَالَ لَهُ طَاهِر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم تبْكي لَا أبْكِي اللَّهِ عَيْنك، فو اللَّهِ لقد دَانَتْ لَك الْبِلَاد، وأذعن لَك الْعباد، وصرت إِلَى الْمحبَّة فِي كل أَمرك. فَقَالَ: أبْكِي لَا مر ذكره ذل وستره حزن، وَلنْ يَخْلُو أحد من شجن فَتكلم بحاجة إِن كَانَت لَك. قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مُحَمَّد [بن أبي الْعَبَّاس] أَخطَأ فأقله عثرته وَأَرْض عَنهُ. قَالَ: قد رضيت عَنهُ وَأمرت بصلته ورد مرتبته وَلَوْلَا أَنه لَيْسَ من أهل الْأنس لأحضرته. قَالَ: وَانْصَرف طَاهِر فَأعْلم ابْن أبي الْعَبَّاس ذَلِك ثمَّ دَعَا بهَارُون بن جيغويه فَقَالَ: إِن للْكتاب عشيرة وَإِن أهل خُرَاسَان يتعصب بَعضهم لبَعض فَخذ مَعَك ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم فأعط الْحُسَيْن الْخَادِم مِائَتي ألف، وَأعْطِ كَاتبه مُحَمَّد بن هَارُون مائَة ألف وسله أَن يسْأَل الْمَأْمُون لم بكي؟ قَالَ: فَفعل ذَلِك. قَالَ: فَلَمَّا تغدى قَالَ يَا حُسَيْن: أسقني. قَالَ: لَا. وَالله لَا سقيتك أَو تَقول لي لم بَكَيْت حِين دخل عَلَيْك طَاهِر؟ قَالَ يَا حُسَيْن: وَكَيف عنيت بِهَذَا حَتَّى سَأَلتنِي عَنهُ؟ . قَالَ لغمي بذلك. قَالَ هُوَ أَمر إِن خرج من رَأسك
стр. 16
قتلتك. قَالَ يَا سَيِّدي وَمَتى أخرجت لَك سرا؟ . قَالَ: إِنِّي ذكرت مُحَمَّدًا أخي وَمَا ناله من الذلة فخنقتني الْعبْرَة فأسترحت إِلَى الْإِفَاضَة وَلنْ يفوت طَاهِر مني مَا يكره. قَالَ: فَأخْبر حُسَيْن طَاهِرا بذلك فَركب طَاهِر إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد فَقَالَ لَهُ: أَن الثَّنَاء مني لَيْسَ برخيص وَإِن الْمَعْرُوف عِنْدِي لَيْسَ بضائع، فغيبني عَن عينه. فَقَالَ لَهُ سأفعل فبكر على غَدا. قَالَ: وَركب ابْن أبي خَالِد إِلَى الْمَأْمُون فَلَمَّا فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ مَا نمت اللَّيْلَة. فَقَالَ لَهُ: وَلم وَيحك. قَالَ: لِأَنَّك وليت غَسَّان خُرَاسَان وَهُوَ وَمن مَعَه أَكلَة رَأس فَأَخَاف أَن يخرج عَلَيْك خَارِجَة من التّرْك فتصطلمه. فَقَالَ: لقد فَكرت فِيمَا فَكرت فِيهِ. قَالَ: فَمن ترى؟ قَالَ: طَاهِر بن الْحُسَيْن قَالَ: وَيلك يَا أَحْمد هُوَ وَالله خَالع. قَالَ: أَنا الضَّامِن لَهُ. قَالَ لَهُ: فأنفذه قَالَ: فَدَعَا بطاهر من سَاعَته فَنزل فِي بُسْتَان خَلِيل بن هَاشم فَحصل إِلَيْهِ فِي كل يَوْم أَقَامَ فِيهِ مائَة ألف فَأَقَامَ شهرا فَحملت إِلَيْهِ عشرَة آلَاف ألف الَّتِي تحمل إِلَى صَاحب خُرَاسَان
قَالَ أَبُو حسان الزيَادي: وَكَانَ قد عقد لَهُ على خُرَاسَان وَالْجِبَال من حلوان إِلَى خُرَاسَان وَكَانَ شخوصه من بَغْدَاد يَوْم الْجُمُعَة لليلة بقيت من ذِي الْقعدَة سنة خمس وَمِائَتَيْنِ وَقد كَانَ عَسْكَر قبل ذَلِك بشهرين فَلم يزل مُقيما فِي عسكره. قَالَ أَبُو حسان وَكَانَ سَبَب ولَايَته فِيمَا أجمع النَّاس عَلَيْهِ أَن عبد الرَّحْمَن المطوعي [جمع جموعا بنيسابور لِيُقَاتل بهم الحرورية] بِغَيْر أَمر وَإِلَى خُرَاسَان فتخوفوا أَن يكون ذَلِك لأجل عمل عمله وَكَانَ غَسَّان بن عباد يتَوَلَّى خُرَاسَان من قبل الْحسن بن سهل وَهُوَ ابْن عَم الْفضل بن سهل. وَذكر أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عَليّ بن طَاهِر عَن عَليّ بن هَارُون أَن طَاهِر ابْن الْحُسَيْن قبل خُرُوجه إِلَى خُرَاسَان وتوليته لَهَا نَدبه الْحسن بِهِ سهل لِلْخُرُوجِ إِلَى محاربة نصر بن شبث فَقَالَ حَارَبت خَليفَة وسقت الْخلَافَة [إِلَى خَليفَة] وأومر بِمثل هَذَا وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَن توجه لهَذَا قائدا من قوادي فَكَانَ سَبَب المصارمة بَين طَاهِر وَالْحسن. قَالَ: وَخرج طَاهِر إِلَى خُرَاسَان لما تولاها وَهُوَ لَا يكلم الْحسن بن سهل فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: مَا كنت لأحل عقدَة عقدهَا لي فِي مصارمته.
стр. 17
ذكر خُرُوج عبد اللَّهِ بن طَاهِر إِلَى مُضر لمحاربة نصر بن شبث واستخلافه إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم على مَدِينَة السَّلَام
حَدثنِي يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: لما كَانَ فِي شهر رَمَضَان من سنة خمس أوست دَعَا الْمَأْمُون عبد اللَّهِ بن طَاهِر فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ يَا عبد اللَّهِ: إِنِّي استخير اللَّهِ مُنْذُ شهر وَأَرْجُو أَن يُخَيّر اللَّهِ لي، وَرَأَيْت الرجل يصف ابْنه ليطريه لرأيه فِيهِ وليرفعه ورأيتك فَوق مَا قَالَ أَبوك فِيك وَقد مَاتَ يحيى بن معَاذ واستخلف ابْنه أَحْمد بن يحيى وَلَيْسَ بِشَيْء، وَقد رَأَيْت توليتك مُضر ومحاربة نصر بن شبث. فَقَالَ: السّمع وَالطَّاعَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأَرْجُو أَن يَجْعَل اللَّهِ لأمير الْمُؤمنِينَ الْخيرَة وللمسلمين. قَالَ فعقد لَهُ. ثمَّ أَمر أَن تقطع حبال القصارين عَن طَرِيقه [وَتَنَحَّى] عَن الطرقات [المظال] لِئَلَّا يكون فِي طَرِيقه مَا يرد لِوَاءُهُ ثمَّ عقد لَهُ لِوَاء [مَكْتُوبًا] عَلَيْهِ بصفرة مَا يكْتب على الألوية وَزَاد فِيهِ الْمَأْمُون يَا مَنْصُور. وَخرج وَمَعَهُ النَّاس فَصَارَ إِلَى منزله , وَلما كَانَ من غَد ركب إِلَيْهِ النَّاس وَركب الْفضل بن الرّبيع فَأَقَامَ عِنْده اللَّيْل. قَالَ: فَقَامَ الْفضل فَقَالَ عبد اللَّهِ: يَا أَبَا الْعَبَّاس قد تفضلت وأحسنت وَقد تقدم أبي وأخوك إِلَى أَن لَا أقطع أمرا دُونك، وَاحْتَاجَ أَن استطلع رَأْيك وأستضئ بمشورتك، فَإِن رَأَيْت أَن تقيم عِنْدِي إِلَى أَن نفطر فأفعل؟ قَالَ: فَقَالَ الْفضل: إِن لي حالات لَيْسَ يمكنني مَعهَا الْإِفْطَار هَهُنَا. قَالَ: إِن كنت تكره طَعَام أهل خُرَاسَان فَابْعَثْ إِلَى مطبخك يَأْتُوا بطعامك فَقَالَ لَهُ: إِن لي رَكْعَات بَين الْعشَاء وَالْعَتَمَة. قَالَ: فَفِي حفظ اللَّهِ قَالَ: وَخرج مَعَه إِلَى صحن دَاره يشاوره فِي خَالص أُمُوره.
стр. 18
قَالَ وَكَانَ خُرُوج عبد اللَّهِ الصَّحِيح إِلَى مُضر لقِتَال نصر بن شبث بعد خُرُوج أَبِيه إِلَى خُرَاسَان بِسِتَّة أشهر وأستخلف إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم على بَغْدَاد والسندي ابْن يحيى على الْجَانِب الشَّرْقِي، وَعَيَّاش بن الْقَاسِم على الْجَانِب الغربي قَالَ: وَلما ولى طَاهِر ابْنه عبد اللَّهِ ديار ربيعَة كتب إِلَيْهِ كتابا نسخته: -
عَلَيْك بتقوى اللَّهِ وَحده، لَا شريك لَهُ، وخشيته ومراقبته، ومزايلة سخطه، وَحفظ رعيتك، وَلُزُوم مَا ألبسك اللَّهِ من الْعَافِيَة بِالذكر لمعادك وَمَا أَنْت صائر إِلَيْهِ وَمَوْقُوف عَلَيْهِ، ومسئوول عَنهُ، وَالْعَمَل فِي ذَلِك كُله بِمَا يَعْصِمك اللَّهِ، وينجيك يَوْم لِقَائِه من عَذَابه وأليم عِقَابه، فَإِن اللَّهِ قد أحسن إِلَيْك وواجب عَلَيْك الرأفة بِمن أسترعاك أَمرهم من عباده، وألزمك الْعدْل عَلَيْهِم، وَالْقِيَام بِحقِّهِ وحدوده فيهم، والذب عَنْهُم وَالدَّفْع عَن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبلهم، وَإِدْخَال الرَّاحَة عَلَيْهِم فِي مَعَايشهمْ، ومؤاخذك بِمَا فرض عَلَيْك من ذَلِك وموقفك عَلَيْهِ وسائلك عَنهُ ومثيبك عَلَيْهِ بِمَا قدمت وأخرت، ففرغ لذَلِك فكرك، وعقلك، وبصرك ورؤيتك وَلَا يذهلك عَنهُ ذاهل، وَلَا يشغلك عَنهُ شاغل، فَإِنَّهُ رَأس أَمرك، وملاك شَأْنك، وَأول مَا يوفقك اللَّهِ بِهِ لرشدك. وَليكن أول مَا تلْزم بِهِ نَفسك، وتنسب إِلَيْهِ فعالك الْمُوَاظبَة على مَا أفترض اللَّهِ عَلَيْك من الصَّلَوَات الْخمس وَالْجَمَاعَة عَلَيْهَا بِالنَّاسِ قبلك فِي مواقيتها وعَلى سننها فِي إسباغ الْوضُوء لَهَا، وافتتاح ذكر اللَّهِ فِيهَا، وترتل فِي قراءتك وَتمكن فِي ركوعك وسجودك، وتشهدك ولتصدق فِيهَا لِرَبِّك نيتك، واحضض عَلَيْهَا جمَاعَة من مَعَك، وَتَحْت يدك، وادأب عَلَيْهَا فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ اللَّهِ، تَأمر بِالْمَعْرُوفِ، وتنتهي عَن الْمُنكر، ثمَّ أتبع ذَلِك الْأَخْذ بسنن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - والمثابرة على فَرَائِضه [خلائقه] واقتفاء آثَار السّلف الصَّالح من بعده، وَإِذا ورد عَلَيْك أَمر فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ باستخارة اللَّهِ وتقواه، وَلُزُوم مَا أنزل اللَّهِ فِي كِتَابه من أمره وَنَهْيه، وَحَلَاله وَحَرَامه، وائتمام مَا جَاءَت بِهِ الْآثَار عَن النَّبِي ﷺ َ -، ثمَّ قُم فِيهِ بِمَا يحِق لله عَلَيْك، وَلَا تمل عَن الْعدْل فِيمَا أَحْبَبْت أَو كرهت
стр. 19
لقريب من النَّاس أَو بعيد، وآثر الْفِقْه وَأَهله، وَالدّين وَحَمَلته، وَكتاب اللَّهِ والعاملين بِهِ فَإِن أفضل مَا تزين بِهِ الْمَرْء الْفِقْه فِي دين اللَّهِ والطلب لَهُ، والحث عَلَيْهِ، والمعرفة بِمَا يتَقرَّب فِيهِ مِنْهُ إِلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ الدَّلِيل على الْخَيْر كُله، والقائد لَهُ والآمر بِهِ والناهي عَن الْمعاصِي والموبقات كلهَا، وَبهَا مَعَ توفيق اللَّهِ تزداد الْعباد معرفَة بِاللَّه تَعَالَى ذكره وإجلالا لَهُ، ودركا للدرجات الْعلي فِي الْمعَاد مَعَ مَا فِي ظُهُوره للنَّاس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك. والأنسة بك، والثقة بعدلك
وَعَلَيْك بالاقتصاد فِي الْأُمُور كلهَا، فَلَيْسَ شَيْء أبين نفعا، وَلَا أحضر أمنا، وَلَا أجمع فضلا من الْقَصْد، وَالْقَصْد دَاعِيَة إِلَى الرشد دَلِيل على التَّوْفِيق، والتوفيق منقاد إِلَى السَّعَادَة. وقوام الدّين وَالسّنَن الهادية بالاقتصاد، فآثره فِي دنياك كلهَا، وَلَا تقصر فِي طلب الْآخِرَة، وَطلب الْأجر والأعمال الصَّالِحَة، وَالسّنَن الْمَعْرُوفَة، ومعالم الرشد، فَلَا غَايَة للاستكثار من الْبر وَالسَّعْي لَهُ إِذا كَانَ يطْلب بِهِ وَجه اللَّهِ ومرضاته، ومرافقة أوليائه فِي دَار كرامته، وَأعلم أَن الْقَصْد فِي شَأْن الدُّنْيَا يُورث الْعِزّ ويحصن من الذُّنُوب وَإنَّك لن تحوط نَفسك وَمن يليك، وَلَا تستصلح أمورك بِأَفْضَل مِنْهُ فأته وأهتد بِهِ تتمّ أمورك وتزد بِهِ مقدرتك، وَتصْلح بِهِ خاصتك وعامتك وَأحسن الظَّن بِاللَّه جلّ ذكره يستقم لَك رعيتك، وَالْتمس الْوَسِيلَة إِلَيْهِ فِي الْأُمُور كلهَا تستدم بِهِ بِالنعْمَةِ عَلَيْك، وَلَا تنهض أحدا من النَّاس فِيمَا تَوْلِيَة من عَمَلك قبل تكشف أمره بالتهمة، فَإِن إِيقَاع التهم بالبراء والظنون السَّيئَة بهم مأثم، وَأَجْعَل من شَأْنك حسن الظَّن بِأَصْحَابِك واطرد عَنْك سوء الظَّن بهم وأرفضه عَنْهُم، يعنك ذَلِك على أصطناعهم ورياضتهم، وَلَا يجدن عَدو الله الشَّيْطَان فِي أَمرك مغمزا فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَكْتَفِي بِالْقَلِيلِ من وهنك فَيدْخل عَلَيْك من الْغم فِي سوء الظَّن مَا ينغصك لذاذة عيشك. وَأعلم أَنَّك تَجِد بِحسن الظَّن قُوَّة وراحة , وتكفي بِهِ مَا أَحْبَبْت كِفَايَته من أمورك، وَتَدْعُو بِهِ النَّاس إِلَى محبتك، والاستقامة فِي الْأُمُور كلهَا لَك، وَلَا يمنعك حسن الظَّن بِأَصْحَابِك، والرأفة برعيتك أَن تسْتَعْمل الْمَسْأَلَة والبحث عَن أمورك والمباشرة لأمور الْأَوْلِيَاء، والحياطة للرعية، وَالنَّظَر فِيمَا يقيمها ويصلحها، بل
стр. 20
لتكن الْمُبَاشرَة لأمور الْأَوْلِيَاء، والحياطة للرعية، وَالنَّظَر فِي حوائجهم، وَحمل مؤوناتهم آثر عنْدك وَأوجب إِلَيْك مِمَّا سوى ذَلِك؛ فَإِنَّهُ أقوم للدّين، وَأَحْيَا للسّنة وأخلص نيتك فِي جَمِيع هَذَا، وَتفرد بتقويم نَفسك تفرد من يعلم أَنه مسئول عَمَّا صنع، ومجزي بِمَا أحسن، ومأخوذ بِمَا أَسَاءَ، فَإِن اللَّهِ جعل الدّين حرْزا وَعزا، وَرفع من اتبعهُ وعززه فاسلك بِمن تسوسهم وترعاهم نهج الدّين وَطَرِيقَة الْهدى.
وأقم حُدُود أَصْحَاب الجرائم على قدر مَنَازِلهمْ وَمَا استحقوا، وَلَا تعطل ذَلِك وَلَا تهاون بِهِ، وَلَا تُؤخر عُقُوبَة أهل الْعقُوبَة فَإِن تفريطك فِي ذَلِك مِمَّا يفْسد عَلَيْك حسن ظَنك، وأعزم على أَمرك فِي ذَلِك بالسنن الْمَعْرُوفَة، وجانب الْبدع والشبهات يسلم لَك دينك، وتقم لَك مروتك، وَإِذا عَاهَدت عهدا أَقف بِهِ، وَإِذا وعدت بِالْخَيرِ فأنجزه وَاقْبَلْ الْحَسَنَة وانتفع بهَا وأغمض عَن عيب كل ذِي عيب من رعيتك، وَاشْدُدْ لسَانك عَن قَول الْكَذِب والزور، وَأبْغض أَهله، وأقص أهل النميمة فَإِن أول فَسَاد أَمرك فِي عَاجل الْأُمُور أجلهَا تقريب الكذبة وَأهل الجرأة على الْكَذِب لِأَن الْكَذِب رَأس المآثم، والزور [والنميمة خاتمتها لِأَن] صَاحب النميمة لَا يسلم لَهُ صَاحب، وَلَا يستقم لمطيعة أَمر، وأحبب أهل الصّلاح والصدق وأعن الاشراف بِالْحَقِّ، وواس الضُّعَفَاء، وصل الرَّحِم، وابتغ بذلك وَجه اللَّهِ، وَعزة أمره وَالْتمس فِيهِ ثَوَابه وَالدَّار الْآخِرَة مِنْهُ، واجتنب سوء الْأَهْوَاء والجور وأصرف عَنْهُمَا رَأْيك، وَأظْهر براءتك من ذَلِك لرعيتك، وأنعم بِالْعَدْلِ سياستهم وقم بِالْحَقِّ فيهم وبالمعرفة الَّتِي تَنْتَهِي بك إِلَى سَبِيل الْهدى. وأملك نَفسك عِنْد الْغَضَب وآثر الْوَقار والحلم، وَإِيَّاك والحدة، والطيرة والغرور فِيمَا أَنْت بسبيله، وَإِيَّاك تَقول إِنِّي مسلط أفعل مَا أَشَاء فَإِن ذَلِك سريع فِيك إِلَى نقص الرَّأْي، وَقلة الْيَقِين بِاللَّه وَحده لَا شريك لَهُ. أخْلص اللَّهِ لنا وَلَك النِّيَّة فِيهِ، وَالْيَقِين بِهِ.
وَأعلم أَن الْملك لله يُعْطِيهِ من يَشَاء، وينزعه مِمَّن يَشَاء، وَلنْ تَجِد تغير النِّعْمَة وحلول نقمة إِلَى أحد أسْرع مِنْهُ إِلَى حَملَة النِّعْمَة من أَصْحَاب السُّلْطَان، والمبسوط لَهُم
стр. 21
فِي الدولة إِذا كفرُوا بِنِعْمَة اللَّهِ وإحسانه واستطالوا بِمَا آتَاهُم اللَّهِ من فَضله. ودع عَنْك شرة نَفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك الَّتِي تذخر وتكنز الْبر وَالتَّقوى والمعدلة واستصلاح الرّعية وَعمارَة بِلَادهمْ، والتفقد لأمورهم، وَالْحِفْظ لدهمائهم، والإغاثة لملهوفهم.
وَأعلم أَن الْأَمْوَال إِذا كثرت وذخرت فِي الخزائن لَا تثمر، وَإِذا كَانَت فِي صَلَاح الرّعية وَإِعْطَاء حُقُوقهم، وكف المؤونة عَنْهُم نمت، وزكت، وصلحت بِهِ الْعَامَّة، وتزينت بِهِ الْوُلَاة، وطاب بِهِ الزَّمَان، وأعقب فِيهِ الْعِزّ والمنعة. فَلْيَكُن أَكثر خزائنك تَفْرِيق الْأَمْوَال فِي عمَارَة الْإِسْلَام وَأَهله، ووفر مِنْهُ على أَوْلِيَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ قبلك حُقُوقهم، وأوف رعيتك من ذَلِك حصصهم، وتعهد مَا يصلح أُمُورهم ومعايشهم فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك قرت النِّعْمَة عَلَيْك، وأستوجبت الْمَزِيد من اللَّهِ. وَكنت بذلك على جباية خراجك وَجمع أَمْوَال رعيتك وعملك أقدر، وَكَانَ الْجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، وَأطيب أنفسا لكل مَا أردْت فأجهد نَفسك فِيمَا حددت لَك فِي هَذَا الْبَاب، ولتعظم خشيتك فِيهِ فَإِنَّمَا يبْقى من المَال مَا أنْفق فِي سَبِيل حَقه. وَأعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عَلَيْهِ، وأياك أَن تنسيك الدُّنْيَا وغرورها هول الْآخِرَة فتتهاون بِمَا يحِق عَلَيْك فَإِن التهاون يُورث التَّفْرِيط، والتفريط يُورث الْبَوَار، وَليكن عَمَلك لله وَفِيه تَعَالَى وأرج الثَّوَاب فَإِن اللَّهِ قد أَسْبغ عَلَيْك نعْمَته وَأظْهر عَلَيْك فَضله فاعتصم بالشكر وَعَلِيهِ فاعتمد يزدك اللَّهِ خيرا وإحسانا، فَإِن اللَّهِ يثيب بِقدر شكر الشَّاكِرِينَ، وسيرة الْمُحْسِنِينَ، وأقض الْحق فِيمَا حمل من النَّعيم وألبس من الْعَافِيَة والكرامة. وَلَا تحقرن ذَنبا، وَلَا تمايلن حَاسِدًا، وَلَا ترحمن فأجرا وَلَا تصلن كفورا، وَلَا تداهنن عدوا، وَلَا تصدقن نماما. وَلَا تأتمنن غدارا. وَلَا توالين فَاسِقًا، وَلَا تتبعن غاويا وَلَا تحمدن مرائيا، وَلَا تجفون أنسانا، وَلَا تردن سَائِلًا فَقِيرا، وَلَا تجيبن بَاطِلا وَلَا تلاحظن مضحكا، وَلَا تخلفن وَعدا وَلَا ترهبن فخرا، وَلَا تعملن غَضبا، وَلَا
стр. 22
تأتين بذخا، وَلَا تمشين مرحا، وَلَا تركبن سفها، وَلَا تفرطن فِي طلب الْآخِرَة وَلَا تدفع الأيامي عباسا، وَلَا تغمض عَن ظَالِم رهبة مِنْهُ ومحاباه، وَلَا تَطْلُبن ثَوَاب الْآخِرَة فِي الدُّنْيَا وَأكْثر مُشَاورَة الْفُقَهَاء، وَاسْتعْمل نَفسك بالحلم، وَخذ عَن أهل التجارب وَذَوي الْعقل والرأي وَالْحكمَة، وَلَا تدخلن فِي مشورتك أهل الدقة وَالْبخل، وَلَا تسمعن لَهُم قولا، فَإِن ضررهم أَكثر من منفعتهم، وَلَيْسَ شَيْء أسْرع فَسَادًا لما اسْتقْبلت فِي أَمر رعيتك من الشُّح، وَأعلم أَنَّك إِذا كنت حَرِيصًا كنت كثير الْأَخْذ، قَلِيل الْعَطِيَّة، وَإِذا كنت كَذَلِك لم يستقم لَك أَمرك إِلَّا قَلِيلا فَإِن رعيتك إِنَّمَا تعتقد على محبتك بالكف عَن أَمْوَالهم، وَترك الْجور عَلَيْهِم، ويدوم صفاء أوليائك لَك بالإفضال عَلَيْهِم، وَحسن الْعَطِيَّة لَهُم، وأجتنب الشُّح وَاعْلَم أَنه أول مَا عصى بِهِ الْإِنْسَان ربه وَإِن العَاصِي منزله خزي وَهُوَ قَول اللَّهِ فِي كِتَابه: ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ فسهل طَرِيق الْجُود بِالْحَقِّ، وَاجعَل للْمُسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا، وأيقن أَن الْجُود أفضل أَعمال الْعباد، وأعدد لنَفسك خلقا وَأَرْض بِهِ عملا ومذهبا، وتفقد أُمُور الْجند فِي دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عَلَيْهِم أَرْزَاقهم ووسع عَلَيْهِم فِي مَعَايشهمْ يذهب اللَّهِ بذلك فاقتهم، ويقوى لَك أَمرهم، وَيزِيد بِهِ قُلُوبهم فِي طَاعَتك وأمرك اخلاصا وانشراحا، وَحسب ذِي السُّلْطَان من السَّعَادَة أَن يكون على جنده ورعيته ذَا رَحْمَة فِي عدله، وحيطته، وإنصافه، وعنايته، وشفقته، وبره وتوسعته. فزايل مَكْرُوه أحد الْبَابَيْنِ بإستشعار فَضِيلَة الْبَاب الآخر، وَلُزُوم الْعلم بِهِ تلق إِن شَاءَ اللَّهِ نجاحا، وصلاحا، وفلاحا.
وَاعْلَم أَن الْقَضَاء من اللَّهِ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَ بِهِ شَيْء من الْأُمُور لِأَنَّهُ ميزَان اللَّهِ الَّذِي يعتدل عَلَيْهِ أَحْوَال الْجَمِيع فِي الأَرْض وبإقامة الْعدْل فِي الْقَضَاء وَالْعَمَل تصلح الرّعية، وتأمن السبل، وينتصف الْمَظْلُوم؛ وَيَأْخُذ النَّاس حُقُوقهم، وتحسن الْمَعيشَة وَيُؤَدِّي حق الطَّاعَة، ويرزق اللَّهِ الْعَافِيَة والسلامة، وَيقوم الدّين، وتجرى السّنَن
стр. 23
والشرائع. وعَلى مجاريها يتجز الْحق وَالْعدْل فِي الْقَضَاء. وَاشْتَدَّ فِي أَمر اللَّهِ، وتورع عَن النطف، وامض لإِقَامَة الْحُدُود، وأقلل العجلة، وَأبْعد من الضجر والقلق، وأقنع بالقسم، ولتسكن رِيحك، ويقر جدك، وانتفع بتجربتك وانتبه فِي صمتك وأسدد فِي منطقك، وأنصف الْخصم، وقف عِنْد الشُّبْهَة، وابلغ فِي الْحجَّة، وَلَا يأخذك فِي أحد من رعيتك مُحَابَاة، وَلَا محاماة وَلَا لومة لائم، وَتثبت وتأن، وراقب، وَانْظُر وتدبر وتفكر وَاعْتبر وتواضع لِرَبِّك وارأف بِجَمِيعِ الرّعية وسلط الْحق على نَفسك وَلَا تسرعن إِلَى سفك دم فَإِن الدِّمَاء من الله بمَكَان عَظِيم انتهاكا لَهَا بِغَيْر حَقّهَا وَأنْظر هَذَا الْخراج الَّذِي قد استقامت عَلَيْهِ
الرّعية وَجعله الله لِلْإِسْلَامِ عزا وَرَفعه ولأهله سَعَة ومنعة ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا، وَلأَهل الْكفْر من معاهدتهم ذلا وصغارا، فوزعه بَين أَصْحَابه بِالْحَقِّ وَالْعدْل والنسوية، والعموم فِيهِ. وَلَا ترفعن مِنْهُ شَيْئا عَن شرِيف لشرفه، وَلَا عَن غَنِي لغناه، وَلَا عَن كَاتب لَك، وَلَا أحد من خاصتك، وَلَا تأخذن مِنْهُ فَوق الِاحْتِمَال لَهُ، وَلَا تكلفن امرا فِيهِ شطط، واحمل النَّاس كلهم على أَمر الْحق، فَإِن ذَلِك أجمع لألفتهم والزم لرضى الْعَامَّة.
وَأعلم أَنَّك جعلت بولايتك خَازِنًا، وحافظا، وراعيا وَإِنَّمَا سمي أهل عَمَلك رعيتك لِأَنَّك راعيهم وقيمهم تَأْخُذ مِنْهُم مَا أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه فِي قوام أَمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم فأستعمل عَلَيْهِم فِي كور عَمَلك ذَوي الرَّأْي وَالتَّدْبِير، والتجربة، والخبرة بِالْعَمَلِ، وَالْعلم بالسياسة والعفاف ووسع عَلَيْهِم فِي الرزق فَإِن ذَلِك من الْحُقُوق اللَّازِمَة لَك فِيمَا تقلدت وَأسْندَ إِلَيْك، وَلَا يشغلنك عَنهُ شاغل، وَلَا يصرفنك عَنهُ صَارف فَإنَّك مَتى آثَرته وَقمت فِيهِ بِالْوَاجِبِ استدعيت بِهِ زِيَادَة النِّعْمَة من رَبك، وَحسن الأحدوثة فِي عَمَلك وأحترزت الْمحبَّة من رعيتك وأعنت على الْإِصْلَاح فَدرت الْخيرَات ببلدك، وفشت الْعِمَارَة بناحيتك، وَظهر الخصب فِي كورك، فَكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط
стр. 24
جندك، وإرضاء الْعَامَّة بِإِضَافَة الْعَطاء فيهم من نَفسك، وَكنت مَحْمُود السياسة، ومرضى الْعدْل فِي ذَلِك عِنْد عَدوك، وَكنت فِي أمورك كلهَا ذَا عدل وَقُوَّة، وَآله وعدة، فنافس فِي هَذَا وَلَا تقدم عَلَيْهِ شَيْئا تَجِد مغبة أَمرك إِن شَاءَ اللَّهِ. وَأَجْعَل فِي كل كورة من عَمَلك أَمينا يُخْبِرك أَخْبَار عمالك، وَيكْتب إِلَيْك بسيرهم وأعمالهم حَتَّى كَأَنَّك مَعَ كل عَامل فِي عمله معاين لأموره كلهَا، وَإِن أردْت أَن تَأمره بِأَمْر فَأنْظر فِي عواقب مَا أردْت من ذَلِك فَإِن رَأَيْت السَّلامَة فِيهِ والعافية ورجوت فِيهِ حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضيه، وَإِلَّا فتوقف عَنهُ وراجع أهل الْبَصَر وَالْعلم بِهِ. ثمَّ خُذ فِيهِ عدته فَإِنَّهُ رُبمَا نظر الرجل إِلَى أَمر من أمره قد واتاه على مَا يهوى فقواه ذَلِك وَأَعْجَبهُ، وَإِن لم ينظر فِي عواقبه أهلكه وَنقض عَلَيْهِ أمره، فَاسْتعْمل الحزم فِي كل مَا أردْت، وباشره بعد عون الله بِالْقُوَّةِ، واكثر إستخارة رَبك فِي جَمِيع أمورك. وافرغ من عمل يَوْمك وَلَا تؤخره لغدك، وَأكْثر مُبَاشَرَته بِنَفْسِك فَإِن لغد أمورا وحوادث تلهيك عَن عمل يَوْمك الَّذِي أخرت؛ وَأعلم أَن الْيَوْم إِذا مضى ذهب بِمَا فِيهِ، وَإِذا أخرت عمله أجتمع عَلَيْك أُمُور يَوْمَيْنِ فيشغلك ذَلِك حَتَّى تعرض عَنهُ، وَإِذا أمضيت لكل يَوْم عمله أرحت نَفسك؛ وبدنك وأحكمت أُمُور سلطانك، وَانْظُر أَحْرَار النَّاس وَذَوي الشّرف مِنْهُم ثمَّ استيقن صفاء طويتهم وتهذيب مَوَدَّتهمْ لَك؛ ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أَمرك؛ فأستصلحهم وَأحسن إِلَيْهِم. وتعاهد أهل الببوتات مِمَّن قد دخلت عَلَيْهِم الْحَاجة فَاحْتمل مؤونتهم وَأصْلح حَالهم، حَتَّى لَا يَجدوا لخلتهم مسا، وأفرد نَفسك للنَّظَر فِي أُمُور الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، وَمن لَا يقدر على رفع مظلمته إِلَيْك؛ والمحتقر الَّذِي لَا علم لَهُ بِطَلَب حَقه فسل عَنهُ أُخْفِي مسَائِله /، ووكل بأمثاله أهل الصّلاح من رعيتك، ومرهم بِرَفْع حوائجهم وحالاتهم إِلَيْك لتنظر فِيهَا بِمَا يصلح اللَّهِ أَمرهم، وتعاهد ذَوي البأساء ويتاماهم وأراملهم وَاجعَل لَهُم أرزاقا من بَيت المَال إقتداء بأمير الْمُؤمنِينَ أعزه اللَّهِ فِي الْعَطف عَلَيْهِم والصلة لَهُم، ليصلح اللَّهِ بذلك عيشهم ويرزقك بِهِ بركَة وَزِيَادَة
стр. 25
وَأجر للأضراء من بَيت المَال، وَقدم حَملَة الْقُرْآن مِنْهُم والحافظين لأكثره فِي الجراية على غَيرهم، وانصب لمرضى الْمُسلمين دورا تؤويهم، وقواما يرفقونهم؛ وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم مَا لم يؤد ذَلِك إِلَى سرف فِي بَيت المَال.
وَاعْلَم أَن النَّاس إِن أعْطوا حُقُوقهم، وَأفضل أمانيهم لم يرضهم ذَلِك، وَلم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إِلَى ولاتهم طَمَعا فِي نيل الزِّيَادَة، وَفضل الترفق مِنْهُم؛ وَرُبمَا برمالمتصفح لأمور النَّاس بِكَثْرَة مَا يرد عَلَيْهِ ويشغل ذهنه وفكره مِنْهَا مَا يَنَالهُ بِهِ مؤونة ومشقة، وَلَيْسَ من يرغب فِي الْعدْل، وَيعرف محَاسِن أُمُوره فِي العاجل، وَفضل ثَوَاب الآجل كَالَّذي يسْتَقْبل مَا يقر بِهِ إِلَى اللَّهِ جلّ وَعز ويلتمس رَحمته بِهِ. وَأكْثر الْإِذْن للنَّاس عَلَيْك، وأبرز لَهُم وَجهك، وَسكن لَهُم أحراسك واخفض لَهُم جناحك، واظهر لَهُم بشرك، ولاين لَهُم فِي الْمَسْأَلَة والمنطق واعطف عَلَيْهِم بجودك وفضلك، وَإِذا أَعْطَيْت فاعط بسماحة وَطيب نفس والتماس للصنيعة وَالْأَجْر غير مكدر وَلَا منان؛ فَإِن الْعَطِيَّة على ذَلِك تِجَارَة مربحة إِن شَاءَ اللَّهِ.
وَاعْتبر بِمَا ترى من أُمُور الدُّنْيَا، وَمن مضى قبلك من أهل السُّلْطَان والرئاسة فِي الْقُرُون الخالية. والأمم البائدة. ثمَّ اعْتصمَ فِي أحوالك كلهَا بِأَمْر اللَّهِ، وَالْوُقُوف عِنْد محبته، وَالْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ وسنته، وَإِقَامَة دينه وَكتابه، واجتنب مَا فَارق ذَلِك وَخَالفهُ ودعا إِلَى سخط اللَّهِ، وَأعرف مَا تجمع عمالك من الْأَمْوَال وينفقون مِنْهَا، وَلَا تجمع حَرَامًا وَلَا تنْفق إسرافا، وَأكْثر مجالسة الْعلمَاء ومشاورتهم ومخالطتهم وَليكن أكْرم دخلائك وخاصتك عَلَيْك من إِذا رأى عَيْبا فِيك لم يمنعهُ هيبتك من من إنهاء ذَلِك إِلَيْك فِي سر، وإعلامك مَا فِيهِ من النَّقْص فَإِن أُولَئِكَ أنصح أوليائك ومظاهريك. وَانْظُر عمالك الَّذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل مِنْهُم فِي كل يَوْم وقتا يدْخل عَلَيْك فِيهِ بكتبه ومؤامرته وَمَا عِنْده من حوائج عمالك وَأُمُور كورك ورعيتك، ثمَّ فرغ لما يُورِدهُ عَلَيْك من ذَلِك سَمعك وبصرك، وفهمك، وعقلك وَكرر النّظر إِلَيْهِ وَالتَّدْبِير لَهُ، فَمَا كَانَ مُوَافقا للحزم وَالْحق فأمضه واستخر اللَّهِ
стр. 26
فِيهِ وَمَا كَانَ مُخَالفا ذَلِك فاصرفه إِلَى التثبت فِيهِ، وَالْمَسْأَلَة عَنهُ، وَلَا تمنن على رعيتك وَلَا غَيرهم بِمَعْرُوف تَأتيه إِلَيْهِم، وَلَا تقبل من أحد مِنْهُم إِلَّا الْوَفَاء والاستقامة والعون فِي أُمُور أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَا تصنعن الْمَعْرُوف إِلَّا على ذَلِك. وتفهم كتابي إِلَيْك وَأكْثر النّظر فِيهِ وَالْعَمَل بِهِ، واستعن بِاللَّه على جَمِيع أمورك واستخره فَإِن اللَّهِ جلّ وَعز مَعَ الصّلاح وَأَهله، وَليكن أعظم سيرتك، وَأعظم رغبتك مَا كَانَ لله جلّ وَعز رَضِي، ولدينه نظاما، ولأهله عزا وتمكينا، وللملة والذمة عدلا وصلاحا، وَأَنا أسأَل اللَّهِ أَن يحسن عونك، وتوفيقك، ورشدك، وكلاءتك. وَأَن ينزل عَلَيْك فَضله وَرَحمته بِتمَام فَضله عَلَيْك وكرامته لَك حَتَّى يجعلك أفضل أمثالك نَصِيبا، وأوفرهم حظا، وأسناهم ذكرا وأمرا، وَأَن يهْلك عَدوك، وَمن ناو أك وبغى عَلَيْك ويرزقك من رعيتك الْعَافِيَة، ويحجز الشَّيْطَان عَنْك ووساوسه حَتَّى يستعلى أَمرك بالعز وَالْقُوَّة والتوفيق إِنَّه قريب مُجيب.
قَالَ: وَلما عهد طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى عبد اللَّهِ ابْنه هَذَا الْعَهْد تنازعه النَّاس وكتبوه وتدارسوه، وشاع أمره حَتَّى بلغ الْمَأْمُون فَدَعَا بِهِ وَقُرِئَ عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا بقى أَبُو الطّيب شَيْئا من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا، وَالتَّدْبِير والرأى، والسياسة وَإِصْلَاح الْملك، والرعية وَحفظ الْبيعَة، وَطَاعَة الْخُلَفَاء وتقويم الْخلَافَة إِلَّا وَقد أحكمه وَأوصى بِهِ وَتقدم فِيهِ. وَأمر أَن يكْتب بذلك إِلَى جَمِيع الْعمَّال فِي نواحي الْأَعْمَال. وَتوجه عبد اللَّهِ إِلَى عمله فَسَار بسيرته وَاتبع أمره وَعمل بِمَا عهد إِلَيْهِ.
وَذكر أَبُو حسان الزيَادي وَغَيره: أَن طَاهِرا لما تولى خُرَاسَان كَانَ خُرُوجه
من بَغْدَاد يَوْم الْأَحَد لليلة بقيت من ذِي الْقعدَة وَكَانَ عَسْكَر قبل ذَلِك بشهرين فَلم يزل مُقيما فِي عسكره حَتَّى خرج فِي هَذَا الْيَوْم، وَإِنَّمَا كَانَ سَبَب ولَايَته أَنه قتل عبد الرَّحْمَن المطوعي الحرورى بِغَيْر أَمر والى خُرَاسَان فتخوفوا أَن يكون لذَلِك أصل وَكَانَ وَالِي خُرَاسَان غَسَّان بن عباد ابْن عَم الْفضل بن سهل
стр. 27
وَقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ المنجم: عقد الْمَأْمُون لِوَاء ذِي اليمينين طَاهِر ابْن الْحُسَيْن على الغرب كُله بعد قدومه مَدِينَة السَّلَام بِشَهْر، وَكَانَ طَاهِر كلم الْمَأْمُون فِي لِبَاس الخضرة فطرحها بعد دُخُوله بَغْدَاد بِثمَانِيَة أَيَّام، وَلما تولى طَاهِر بِبَغْدَاد الشرطة لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من ذِي الْقعدَة. ثمَّ ولى طَاهِر خُرَاسَان فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ فِي ذِي الْقعدَة وَخرج طَلْحَة بن طَاهِر على مقدمته إِلَى خُرَاسَان؛ ثمَّ كَانَ خُرُوجه من بَغْدَاد إِلَى خُرَاسَان فِي ذِي الْحجَّة، وَكَانَ خُرُوج أبي الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر بعد خُرُوج طَاهِر إِلَى خُرَاسَان إِلَى الجزيرة لمحاربة نصر بن شبث الْعقيلِيّ، وَكَانَ ظفر عبد اللَّهِ بن طَاهِر بنصر بن شبث وادخاله مَدِينَة السَّلَام يَوْم الِاثْنَيْنِ لِلنِّصْفِ من رَجَب سنة تسع وَمِائَتَيْنِ.
قَالَ الْقَاسِم بن سعيد: سَمِعت الْفضل بن مَرْوَان يَقُول ركب طَاهِر بن الْحُسَيْن وَيحيى بن معَاذ، وَأحمد بن أبي خَالِد يَوْمًا من الْأَيَّام بعد دُخُول الْمَأْمُون بَغْدَاد حراقة وعصفت عَلَيْهِم الرّيح عصوفا شَدِيدا وَقد قربوا من دَار أبي إِسْحَاق فَقَالُوا: نخرج إِلَى أبي إِسْحَاق فَإِن الرّيح قد منعتنا من السّير. قَالَ: فَخَرجُوا إِلَى أبي إِسْحَاق فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْقِيَامَة لمفاجأتهم اياه. قَالَ: وَلم يكن تغدى بعد فوظيفته على حَالهَا قَالَ الْفضل: فوجهت فِي الإزدياد، وَأمرت بطبق صَغِير فِيهِ رغيف أَو اثْنَان وفروج وَمَا أشبه ذَلِك فَوضع بَين أَيْديهم ليتشاغلوا بِهِ إِلَى أَن يدْرك مَا تقدّمت فِي تهيئته. قَالَ: فَقَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: لَيْسَ هَذَا وَقت طَعَام ارْفَعُوا هَذَا السَّاعَة. فَقَالَ طَاهِر: أما إِذْ كَانَ هَذَا لَيْسَ وَقت طَعَام لِأَحْمَد بن يزِيد فَلَيْسَ وَقت طعامنا نَحن إِلَّا بعد ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ: ثمَّ أدْرك الطَّعَام فَكَانَ الْأَمر جميلا جدا. وَبلغ الْمَأْمُون فَسَأَلَ أَبَا اسحاق عَنهُ. فَأخْبرهُ فَجعل يَقُول: لقد احتال الْفضل وملح طَاهِر.
стр. 28
(سيرة الْمَأْمُون بِبَغْدَاد وطرائف من أخباره وأخبار أَصْحَابه، وقواده، وَكتابه، وحجابه)
قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْأنمَاطِي: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد وقربها قراره وَأمر أَن يدْخل عَلَيْهِ من الْفُقَهَاء، والمتكلمين، وَأهل الْعلم جمَاعَة يختارهم لمجالسته ومحادثته وَكَانَ يقْعد فِي صدر نَهَاره على لبود فِي الشتَاء، وعَلى حصر فِي الصَّيف لَيْسَ مَعَهُمَا شَيْء من سَائِر الْفرش، وَيقْعد للمظالم فِي كل جُمُعَة مرَّتَيْنِ لَا يمْتَنع مِنْهُ أحد. قَالَ: واختير لَهُ من الْفُقَهَاء لمجالسته مائَة رجل فَمَا زَالَ يختارهم طبقَة بعد طبقَة حَتَّى حصل مِنْهُم عشرَة كَانَ أَحْمد بن أبي دَاوُد أحدهم، وَبشر المريسي. قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْأنمَاطِي وَكنت أحدهم. قَالَ: فتغدينا يَوْمًا عِنْده فَظَنَنْت أَنه وضع على الْمَائِدَة أَكثر من ثَلَاثمِائَة لون فَكلما وضع لون نظر الْمَأْمُون إِلَيْهِ فَقَالَ: هَذَا يصلح لكذا وَهَذَا نَافِع لكذا. فَمن كَانَ مِنْكُم صَاحب بلغم ورطوبة فليجتنب هَذَا. وَمن كَانَ صَاحب صفراء فَليَأْكُل من هَذَا، وَمن غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَليَأْكُل من هَذَا، وَمن أحب الزِّيَادَة فِي لَحْمه فَليَأْكُل من هَذَا /، وَمن كَانَ قَصده قلَّة الْغذَاء فليقتصر على هَذَا قَالَ: فوَاللَّه مَا زَالَت تِلْكَ حَاله فِي كل لون يقوم حَتَّى رفعت الموائد. قَالَ: فَقَالَ لَهُ يحيى بن اكثم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن خضنا فِي الطِّبّ كنت جالينوس فِي مَعْرفَته، أَو فِي النُّجُوم كنت هرمس فِي حسابه، أَو فِي الْفِقْه كنت على بن أبي طَالب صلوَات اللَّهِ عَلَيْهِ فِي علمه، أَو ذكر السخاء فَأَنت فَوق حَاتِم فِي جوده، أَو ذكرنَا صدق الحَدِيث كنت أَبَا ذَر فِي صدق لهجته، أَو الْكَرم كنت كَعْب بن مامة فِي إيثاره على نَفسه قَالَ: فسر بذلك الْكَلَام. وَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد: إِن الْإِنْسَان إِنَّمَا فضل على غَيره من الْهَوَام بِفِعْلِهِ، وعقله، وتمييزه. وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن لحم أطيب من لحم. وَلَا دم أطيب من دم.
стр. 29
وَذكر لنا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الْفَارِسِي، عَن ثُمَامَة بن اشرس قَالَ: لما قدم الْمَأْمُون من خُرَاسَان وَصَارَ إِلَى بَغْدَاد أَمر أَن يُسمى قوم من أهل الْأَدَب يجالسونه، ويؤامرونه فَذكر لَهُ جمَاعَة مِنْهُم: الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك وَكَانَ من جلساء مُحَمَّد المخلوع فَقَرَأَ أَسْمَاءَهُم حَتَّى بلغ إِلَى اسْم الْحُسَيْن فَقَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي يَقُول فِي المخلوع: -
(هلا بقيت لسد فاقتنا ... فِينَا وَكَانَ لغيرك التّلف)
(فَلَقَد خلفت خلائفا سلفوا ... ولسوف يعوز بعْدك الْخلف)
لَا حَاجَة لي بِهِ لَا يراني وَالله إِلَّا فِي الطَّرِيق، وَلم يُعَاقب الْحُسَيْن على مَا كَانَ مِنْهُ فِي هجائه لَهُ والتعريض بِهِ.
وَحدث مُحَمَّد بن عِيسَى، عَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون إِذا أَمر أَصْحَابه أَن يعودوا للغداء وَالْمقَام قَالَ لبَعض غلمائه: أعلم الخباز أَنا قد أمرناهم بِالْعودِ. قَالَ: فَرَآهُمْ كَأَنَّهُمْ يعْجبُونَ من ذَلِك فَقَالَ: أظنكم أنكرتم مَا تَسْمَعُونَ؟ قَالُوا: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لأَنا لَا نشك أَن كلما نحتاج إِلَيْهِ عتيد. قَالَ: يهيء لنا مَا يهيء فَيكون فَضله للغلمان فَإِذا احتبسناكم استغرقتم مَا يكون لَهُم فنأمرهم أَن يزدادوا مَا يفضل عَنَّا لَهُم.
قَالَ: وعاتب الْمَأْمُون الْمطلب بن عبد الله بن مَالك فَأَجَابَهُ الْمطلب بِالنَّفْيِ عَن نَفسه فَقَالَ: تَقول هَذَا وَأَنت أول كل فتْنَة وَآخِرهَا وَمن فعلك وفعلك. فَقَالَ لَهُ الْمطلب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يدعونك استبطاؤك نَفسك إِلَى كَثْرَة التجني على مِمَّا لعلى بَرِيء مِنْهُ. قَالَ: أسْتَغْفر اللَّهِ أرضيت؟ قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
وَذكر عَن ثُمَامَة قَالَ: أرتد رجل من أهل خُرَاسَان فَأمر الْمَأْمُون بِحمْلِهِ إِلَى مَدِينَة السَّلَام فَلَمَّا أَدخل عَلَيْهِ أقبل بِوَجْهِهِ إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ: لِأَن أستحييك بِحَق وَاجِب أحب إِلَى من أَن أَقْتلك بِحَق، وَلِأَن أدفَع عَنْك بالتهمة وَقد كنت مُسلما بعد أَن كنت نَصْرَانِيّا وَكنت فِي الاسلام أفيح [مَكَانا] وأطول أَيَّامًا فاستوحشت مِمَّا كنت بِهِ آنسا ثمَّ لم تلبث أَن رجعت عَنَّا نافرا فخبرنا عَن الشَّيْء الَّذِي أوحشك من الشَّيْء الَّذِي
стр. 30
صَار آنس لَك من ذَلِك الْقَدِيم وأنسك الأول، فَإِن وجدت عندنَا دَوَاء داءك تعالجت بِهِ إِذْ كَانَ الْمَرِيض يحْتَاج إِلَى مُشَاورَة الْأَطِبَّاء، فَإِن أخطأك الشِّفَاء، ونبا عَن داءك الدَّوَاء وَكنت قد أعذرت، وَلم ترجع عَن نَفسك بلائمة فَإِن قتلناك بِحكم الشَّرِيعَة ترجع أَنْت فِي نَفسك إِلَى الاستبصار والثقة، وَتعلم أَنَّك لم تقصر فِي اجْتِهَاد، وَلم تدع الْأَخْذ بالحزم. فَقَالَ الْمُرْتَد: أوحشني مَا رَأَيْت من كَثْرَة الِاخْتِلَاف فِي دينكُمْ. قَالَ الْمَأْمُون: فَإِن لنا اختلافين. أَحدهمَا: كالاختلاف فِي الْأَذَان، وتكبير الْجَنَائِز وَالِاخْتِلَاف فِي التَّشَهُّد، وَصَلَاة الأعياد وتكبير التَّشْرِيق، ووجوه القراءآت، وَاخْتِلَاف وُجُوه الْفتيا وَمَا أشبه ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا باخْتلَاف إِنَّمَا هُوَ تخير وتوسعة وَتَخْفِيف من المحنة. فَمن أذن مثني، وَأقَام فرادي. لم يؤثم. من أذن مثني وَأقَام مثنى لَا يتعايرون وَلَا يتعايبون، أَنْت ترى ذَلِك عيَانًا، وَتشهد عَلَيْهِ بَيَانا. وَالِاخْتِلَاف الآخر: كنحو الِاخْتِلَاف فِي تَأْوِيل الْآيَة من كتَابنَا، وَتَأْويل الحَدِيث عَن نَبينَا ﷺ َ - مَعَ إجماعنا على أصل التَّنْزِيل، واتفاقنا على عين الْخَبَر، فَإِن كَانَ الَّذِي أوحشك هَذَا حَتَّى أنْكرت كتَابنَا، فقد يَنْبَغِي أَن يكون اللَّفْظ بِجَمِيعِ مَا فِي التوارة وَالْإِنْجِيل مُتَّفقا على تَأْوِيله كالاتفاق على تَنْزِيله، وَلَا يكون بَين الملتين من الْيَهُود وَالنَّصَارَى اخْتِلَاف فِي شَيْء من التأويلات، وَيَنْبَغِي لَك أَلا ترجع إِلَّا إِلَى لُغَة لَا اخْتِلَاف فِي ألفاظها، وَلَو شَاءَ اللَّهِ أَن ينزل كتبه وَيجْعَل كَلَام أنبياءه، وورثة رسله لَا تحْتَاج إِلَى تَفْسِير لفعل. وَلَكنَّا لم نر شَيْئا من الدّين وَالدُّنْيَا دفع إِلَيْنَا على الْكِفَايَة، وَلَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لسقطت الْبلوى والمحنة، وَذَهَبت الْمُسَابقَة والمنافسة وَلم يكن تفاضل، وَلَيْسَ على هَذَا بني اللَّهِ جلّ وَعز الدُّنْيَا. فَقَالَ الْمُرْتَد: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن الْمَسِيح عبد اللَّهِ وَرَسُوله. وَأَن مُحَمَّدًا صلى اللَّه ﷺ َ - ِ عَلَيْهِ صَادِق. وَأَنَّك أَمِير الْمُؤمنِينَ حَقًا. قَالَ: فانحرف الْمَأْمُون نَحْو الْقبْلَة فَخر سَاجِدا ثمَّ أقبل على أَصْحَابه فَقَالَ: وفروا عَلَيْهِ عرضه. وَلَا تبروه فِي يَوْمه ريثما يعْتق اسلامه كَيْلا يَقُول عدوه أَنه يسلم رَغْبَة، وَلَا تنسوا نصيبكم من بره ونصرته وتأنيسه والفائدة عَلَيْهِ.
стр. 31
حَدثنِي عبد اللَّهِ بن غَسَّان بن عباد: أَن أَبَاهُ قدم من السَّنَد بسبعة آلَاف ألف فعرضها على الْمَأْمُون وَقَالَ: هَذَا المَال فضل معي عَن النَّفَقَة. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: خُذْهُ فهولك. قَالَ: لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أقبله. فَقَالَ: خُذ مِنْهُ خَمْسَة آلَاف ألف فأمتنع من ذَلِك فَأمره أَن يَأْخُذ أَرْبَعَة آلَاف ألف وَقَالَ: لَا أشفعك فِي امتناعك من ذَلِك. فَأَخذهَا وَفرق المَال على ولد الْمَأْمُون. وَأُمَّهَات أَوْلَاده، وحشمة فارتجع الْمَأْمُون المَال وَقَالَ: إِنَّمَا دفعناه إِلَيْك لتنتفع بِهِ لَيْسَ لتنفعنا بِهِ. فَكنت أَنا مِمَّن أرتجع مِنْهُ من هَذَا المَال ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
وَقَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ مُحَمَّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ: رفع الْوَاقِدِيّ رقْعَة إِلَى الْمَأْمُون يشكو عَلَيْهِ الدّين فَوَقع فِيهَا بِخَطِّهِ: فِيك خلَّتَانِ. السخاء، وَالْحيَاء، فَأَما السخاء فَهُوَ الَّذِي أطلق يَديك بِمَا ملكت، وَأما الْحيَاء فَهُوَ الَّذِي حملك على ذكر بعض دينك. وَقد أمرنَا لَك بِضعْف مَا ذكرت، فَإِن قَصرنَا عَن بُلُوغ حَاجَتك فبجنايتك على نَفسك، وَإِن كُنَّا بلغنَا بغيتك فزد فِي بسط يدك فَإِن خَزَائِن اللَّهِ مَفْتُوحَة، وَيَده بِالْخَيرِ مبسوطة.
وَذكر عَن ثُمَامَة قَالَ: لما دخل الْمَأْمُون مَدِينَة السَّلَام حضرت مَجْلِسه يَوْمًا وَقد جَاءُوهُ بِرَجُل زعم أَنه خَلِيل الرحمان فَقَالَ لي الْمَأْمُون: سَمِعت أحدا أجرأ على اللَّهِ من هَذَا؟ . فَقلت: أَن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْذَن لي فِي مناظرته؟ قَالَ شَأْنك بِهِ. قَالَ فَقلت لَهُ: يَا هَذَا: إِن إِبْرَاهِيم كَانَت مَعَه براهين وآيات. قَالَ: وَمَا كَانَت براهينه وآياته؟ . قلت أضرمت لَهُ نَار وَألقى فِيهَا فَصَارَت عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا فَنحْن نضرم لَك نَار نطرحك فِيهَا فَإِن كَانَت عَلَيْك بردا وَسلَامًا صدقناك وآمنا بك. قَالَ: هَات غير هَذَا. قلت: براهين مُوسَى. قَالَ وَمَا براهينه؟ قلت عَصَاهُ الَّتِي أَلْقَاهَا فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى، وفلق بهَا الْبَحْر فَصَارَ يبسا، وَأَلْقَاهَا فالتقفت مَا افك السَّحَرَة قَالَ: هَات غير هَذَا. قلت: براهين عِيسَى. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قلت: يحيى الْمَوْتَى وَيُبرئ الأكمه والأبرص ويخبر بِمَا فِي الضَّمِير. قَالَ: مَا معي من هَذَا الضَّرْب شَيْء وَقد قلت لجبريل إِنَّكُم توجهوني إِلَى شياطين فأعطوني حجَّة أذهب بهَا وَإِلَّا لم أذهب فَقَالَ لي جِبْرِيل
стр. 32
وَغَضب: قد جِئْت بِالشَّرِّ من السَّاعَة أذهب أَولا فَأنْظر مَا يَقُول لَك الْقَوْم؟ فَضَحِك الْمَأْمُون وَقَالَ: هَذَا طيب. قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَذَا رجل هاج بِهِ الْمرة وأعلام ذَلِك بَينه فِيهِ. قَالَ: صدقت. وَأمر بِهِ إِلَى الْحَبْس، وَأَن يعالج من مرّة إِن كَانَ بِهِ.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا، عَن أَبِيه، قَالَ: بَينا الْحسن اللؤْلُؤِي فِي مجْلِس الْمَأْمُون وَهُوَ يطارحه شَيْئا من الْفِقْه والمسائل إِذْ نعس الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ اللؤْلُؤِي: أنمت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَفتح الْمَأْمُون عينه ثمَّ قَالَ: سوقي وَالله يَا غُلَام خُذ بِيَدِهِ فجَاء الغلمان فأقاموه. وَقَالَ: لَا يدْخل مثل هَذَا على. قَالَ: فتمثل بعض أَصْحَابه: -
(وَهل ينْبت الخطي إِلَّا وشيجة ... وتنبت إِلَّا فِي مغارسها النّخل)
وَذكر الْقَاسِم بن سعيد أَن هَذَا الْخَبَر كَانَ والمأمون ولي عهد بالرقة فِي حَيَاة الرشيد فَبلغ الرشيد ذَلِك فتمثل بِبَيْت زُهَيْر.
وحَدثني أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد ختن على بن الْهَيْثَم وَكيل ولد الْمَأْمُون. قَالَ أَخْبرنِي هَارُون بن الْمَأْمُون بن سندس وَكَانَ بَيت الاعتزال أَن الْمَأْمُون قَالَ لَهُ: لأجمعن بَيْنك وَبَين بشر فَإِن وَجَبت عَلَيْك الْحجَّة ضربت عُنُقك، وَكَانَ هَارُون يَقُول: لم أزل أتجنت مجْلِس بشر عِنْد الْمَأْمُون إِلَى أَن فرق الدَّهْر بَيْننَا.
حَدثنِي الرامَهُرْمُزِي وَكَانَ قدريا، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم اليزيدي أَنه سمع ثُمَامَة يَقُول: إِن الْمَأْمُون عَامي لتَركه القَوْل بِالْقدرِ.
حَدثنَا أَحْمد بن إِسْحَاق بن جرير المرزري قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن السندي يَقُول: بعث الْمَأْمُون إِلَى فَأَتَيْته فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم أَنِّي أريدك لأمر جلل وَالله مَا شاورت فِيك أحدا، وَلَا أشاور بك على أحد فَاتق اللَّهِ وَلَا تفضحني. قَالَ: قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: وَالله لَو كنت شَرّ من ذرأه اللَّهِ لقدح فِي هَذَا الْكَلَام من مولَايَ فَكيف ونيتي فِي طَاعَته نِيَّة العَبْد الذَّلِيل لمَوْلَاهُ قَالَ: قد رَأَيْت توليتك خبر مَا وَرَاء بَابي
стр. 33
إِلَى مصر فَانْظُر أَن تعْمل بِمَا يجب لله عَلَيْك وَلَا تراقب أحدا غَيره. قلت: فَإِنِّي أستعين بِاللَّه على مرضاته وأستوفقه لطاعة مولاى ثمَّ نهضت فبثثت أَصْحَاب الْأَخْبَار فِي أَربَاع بَغْدَاد فَرفع إِلَى أَن صَاحب الحرس أَخذ أمْرَأَة مَعَ رجل نَصْرَانِيّ من تجار الكرخ فهجم عَلَيْهِمَا فافتدي النَّصْرَانِي نَفسه بِأَلف دِينَار. قَالَ: فَرفعت الْخَبَر بِهَذَا إِلَى الْمَأْمُون فَدَعَا الْمَأْمُون عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَهُوَ بِبَغْدَاد فَقَالَ: انْظُر فِي هَذَا الْخَبَر الَّذِي رَفعه إِبْرَاهِيم بن السندي فقرأه فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رفع إِلَيْك الْبَاطِل والزور وَجعل يغريه بِي ويحمله على وَكَانَ الْمَأْمُون لين المكسر. قَالَ: فأثر ذَلِك فِي قلبه فَبعث إِلَى فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيم. ترفع إِلَى الْكَذِب وتحملني على عمالي. قَالَ: فَكتبت رقْعَة ووجهتها إِلَى فتح غُلَامه ليوصلها إِلَيْهِ وَقلت فِيهَا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَتى وقف صَاحب خبر على مَا وقفت عَلَيْهِ، وَلَو كَانَت الْأَخْبَار لَا تصح إِلَّا بشاهدي عدل مَا صَحَّ خبر وَلَا كتبت بِهِ، وَلَكِن مَجِيء الْأَخْبَار أَن لم يحضرها أَقوام على غير تواطئ وَلَا تشاعر من كَانُوا وَمن حَيْثُ كَانُوا، وأنما يحضر الْأَخْبَار الطِّفْل وَالْمَرْأَة والمحتال والذمر وَابْن السَّبِيل فَإِن كَانَ أحب الْأَمريْنِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَلا نكتب بِخَبَر وَلَا نرفعه حَتَّى يَصح بالعدول وَيصِح بالبراهين فعلت ذَلِك. وعَلى أَن لَا يتهيأ ذَلِك فِي سنة إِلَّا مرّة أَو مرَّتَيْنِ.
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ الْمَأْمُون الرقعة جَاءَنِي رَسُوله مَعَ طُلُوع الْفجْر فَقَالَ: أجب. فَأَتَيْته بعدان صليت فَدخلت من بَاب الْحمام فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: أطمأن ثمَّ قَامَ وَقد طلعت الشَّمْس فصلى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فيهمَا ثمَّ سلم والتفت إِلَى وَمَا فِي مَجْلِسه أحد ثمَّ قَالَ
يَا إِبْرَاهِيم إِنِّي إِنَّمَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة ليسكن بهرك، ويفرج روعك، وتقوى متنك، وَتمكن فِي قعودك. قَالَ: وَكنت قعدت على ركبتي فَقلت: وَالله. وَالله لَا أَضَع قدر الْخلَافَة وَلَا أَجْلِس إِلَّا جُلُوس العَبْد بَين يَدي مَوْلَاهُ. قَالَ: فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ دون الأولتين ثمَّ سلم وَحمد اللَّهِ وأثني عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذِه رقعتك فِي ثني وِسَادَتِي قد قرأتها اللَّيْلَة أَربع مَرَّات وَقد صدقت فِيمَا قلت أَلا أَنِّي آمُر وأداري عمالي وعمالهم مَدَاره الْخَائِف وَالله مَا أجد إِلَى حملهمْ على المحجة الْبَيْضَاء سَبِيلا فأعمل لي على حسب
стр. 34
مَا تراني أعمل وَلنْ لَهُم تسلم لَك أيامك، وَبَعض دينك وَفِي حفظ اللَّهِ إِذا شِئْت. قَالَ: فَانْصَرَفت ودعوت أَصْحَاب الْأَخْبَار فَقلت داروا هَؤُلَاءِ الْقَوْم وارفقوا بهم.
وَذكر إِبْرَاهِيم بن السندي قَالَ: وجدنَا رِقَاعًا فِي طرقات بَغْدَاد فِيهَا شتم للسُّلْطَان وَكَلَام قَبِيح فَكرِهت رَفعهَا على جهرتها لما فِيهَا، وكرهت أَن أطوى ذكرهَا وَأَنا صَاحب خبر فينقلها من جِهَة أُخْرَى فيلحقني مَا أكره فَكتبت: إِنَّا أصبْنَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رِقَاعًا فِيهَا كَلَام السُّفَهَاء والسفلة، وفيهَا تهدد ووعيد، وَبَعضهَا عندنَا مَحْفُوظَة إِلَى أَن يَأْمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا بأَمْره. فَكتب إِلَى بِخَطِّهِ: هَذَا أَمر إِن أكبرناه كثر غمنا بِهِ، واتسع علينا خرقه. فَمر أَصْحَاب أخبارك مَتى وجدوا من هَذِه الرّقاع رقْعَة أَن يمزقوها قبل أَن ينْظرُوا فِيهَا فَإِنَّهُم إِذا فعلوا ذَلِك لم ير لَهَا أثر وَلَا عين. قَالَ إِبْرَاهِيم: فَفَعَلْنَا ذَلِك فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ.
حَدثنِي عَمْرو بن سُلَيْمَان بن بشير بن مُعَاوِيَة قَالَ: أَخْبرنِي أبي أَن الْمَأْمُون ولي إِبْرَاهِيم بن السندي الْخَبَر بِمَدِينَة السَّلَام، وَعَيَّاش بن الْقَاسِم يتَوَلَّى الجسرين قبل عبد اللَّهِ بن طَاهِر أَيَّام الْمَأْمُون. قَالَ: فَركب إِبْرَاهِيم إِلَى الجسر فِي أول يَوْم تولى فَدَعَا عَيَّاش بِقوم من أهل الجرائم للعرض فَمر بِهِ رجل من الْأَبْنَاء فشتمه وتناوله فَرد الرجل عَلَيْهِ مثل ذَلِك فأختلط عَيَّاش من رده عَلَيْهِ وَشَتمه أقبح الشتم فَرد عَلَيْهِ الرجل أَيْضا مثل ذَلِك فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم بن السندي: لَيْسَ لَك أَن تشتمه إِنَّمَا لَك أَن تمتثل مَا أمرت بِهِ وَمَا لَك أَن تتعدى ذَلِك إِلَى شَتمه فيلزمك الْحَد لَهُ. فَقَالَ لَهُ عَيَّاش: إِنَّمَا أَنْت صَاحب خبر تكْتب مَا تسمع وَمَا ترى، وَلَيْسَ لَك أَن تَتَكَلَّم فِي مجلسي وأمري وَنهي فَإِن أَمْسَكت وَإِلَّا أمرت من يجر برجلك حَتَّى يَرْمِي بك فِي دجلة. قَالَ: فَقَامَ إِبْرَاهِيم من الْمجْلس مغضبا فَقَالَ لعياش: سأعرفك نبأ مَا تَكَلَّمت بِهِ وَصَارَ من فوره إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ فَخرج إِلَيْهِ فتح. فَقَالَ لَهُ: مَالك؟ فَقَالَ لَهُ: أَن عَيَّاش ابْن الْقَاسِم فعل كَذَا. وَكَذَا وقص عَلَيْهِ قصَّته إِلَى آخرهَا. فَقَالَ فتح لإِبْرَاهِيم: فتحب أَن أنهى ذَلِك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: نعم لم أحضر إِلَّا لهَذَا. فَدخل
стр. 35
فتح إِلَى الْمَأْمُون فَقَالَ: مَا وَرَاءَك؟ . قَالَ: إِبْرَاهِيم بن السندي مَوْلَاك يخبر بِكَذَا. وَكَذَا قَالَ: أحضر إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَالَ فأحضر إِسْحَاق وَإِبْرَاهِيم جَالس. فَقَالَ الْمَأْمُون لإسحاق أَلا تَأْخُذ على أَيدي عمالك وتنهاهم عَن الْخرق بِالنَّاسِ والسفه وأعلمه مَا كَانَ من أَمر عَيَّاش وَتقدم إِلَيْهِ فِي نَهْيه عَمَّا كَانَ مِنْهُ.
قَالَ: فأنصرف إِسْحَاق إِلَى منزله وَأرْسل إِلَى عَيَّاش بن الْقَاسِم، والسندي بن الحدثي وَإِبْرَاهِيم بن السندي بن شاهك حَاضر فشتمهما واستخف بهما. فَلَمَّا كَانَ من بعد ذَلِك الْيَوْم ولي الْمَأْمُون من قبل بشر بن الْوَلِيد القَاضِي من الْجَانِب الغربي الْحُسَيْن القَاضِي حُضُور الجسر مَعَ عَيَّاش، وَولى عِكْرِمَة أَبَا عبد الرَّحْمَن الجسر الشَّرْقِي مَعَ السندي فَلم يكن لعياش وَلَا للسندي نهى فِي أَصْحَاب الْجِنَايَات، إِلَّا بحضورهما. قَالَ: وَلم يزل ذَلِك كَذَلِك إِلَى آخر أَيَّام الْمَأْمُون وَكَانَ صَاحب الجسر إِذا انْصَرف عَيَّاش من مَجْلِسه جلس فِي الْمَسْجِد الَّذِي فِي ظهر مجْلِس الشرطة، وَكَانَ الآخر إِذا انْصَرف السندي صَار إِلَى مَسْجِد حَسَنَة أم ولد الْمهْدي وَهُوَ الْمَسْجِد الَّذِي بِبَاب الطاق فِي الحدادين وهنالك دَار حَسَنَة.
وَذكر لي: أَن رجلَيْنِ تنَازعا بِبَاب الجسر أَحدهمَا من العظماء. وَالْآخر من السوقة. فقنع الَّذِي من الْخَاصَّة الَّذِي من الْعَامَّة فصاح الْعَاميّ: واعمراه ذهب الْعدْل مذ ذهبت فَأخذ الرجل وَكتب إِبْرَاهِيم بن السندي بِخَبَرِهِ. فَدَعَا بِهِ الْمَأْمُون فَقَالَ: مَا كَانَت حالك؟ فَأخْبرهُ. فأحضر خَصمه فَقَالَ لَهُ: لم قنعت هَذَا الرجل؟ . قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن هَذَا الرجل يعاملني وَكَانَ سيئ الْمُعَامَلَة فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْيَوْم مَرَرْت بِبَاب الجسر فَأخذ بلجامي ثمَّ قَالَ: لَا أُفَارِقك حَتَّى تخرج لي من حَقي وغرمه. إِنِّي كنت صبورا على سوء مُعَامَلَته لى. فَقلت لَهُ: إِنِّي أُرِيد دَار إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. فَقَالَ: وَالله لَو جَاءَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم مَا فارقتك، وَلَو جَاءَ من ولي إِسْحَاق وعنف بِي فَمَا صبرت حِين عرض بالخلافة ووهن من ذكرهَا أَن
стр. 36
قنعته فصاح وأعمراه ذهب الْعدْل مذ ذهبت. فَقَالَ للرجل مَا تَقول فِيمَا قَالَ خصمك؟ فَقَالَ: كذب على، وَقَالَ الْبَاطِل. فَقَالَ خَصمه: لي جمَاعَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تشهد على مقَالَته، وَإِن أذن لي أَمِير الْمُؤمنِينَ أحضرتهم. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون للرجل: مِمَّن أَنْت؟ . فَقَالَ: من أهل فاميه فَقَالَ: أما أَن عمر بن الْخطاب ﵀ كَانَ يَقُول: من كَانَ جَاره نبطيا وَاحْتَاجَ إِلَى ثمنه فليبعه فَإِن كنت إِنَّمَا طلبت سيرة عمر فَهَذَا حكمه فِي أهل فامية ثمَّ أَمر لَهُ بِأَلف دِرْهَم وَأطْلقهُ. فَقَالَ لي الَّذِي حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث فَحدثت هَذَا الحَدِيث بعض مَشَايِخنَا فَقَالَ أما الَّذِي عندنَا: فخلاف هَذَا: إِنَّمَا مر بعض الزهاد فِي زورق فَلَمَّا نظر إِلَى بِنَاء الْمَأْمُون وأبوابه صَاح، واعمراه. فَسَمعهُ الْمَأْمُون فَأمر بأحضاره ثمَّ دَعَا بِهِ فَلَمَّا صَار بَين يَدَيْهِ قَالَ: مَا أحرجك إِلَى أَن قلت مَا قلت؟ : قَالَ رَأَيْت آثَار الأكاسرة وَبِنَاء الْجَبَابِرَة. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَفَرَأَيْت أَن تحولت من هَذِه الْمَدِينَة فَنزلت إيوَان كسْرَى بِالْمَدَائِنِ كَانَ لَك أَن تعيب نزولي هُنَاكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَرَاك إِنَّمَا عبت إسرافي فِي النَّفَقَة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَلَو وهبت قيمَة هَذَا الْبناء أَكنت تعيب ذَاك. قَالَ: لَا قَالَ: فَلَو بني ذَلِك الرجل بِمَا كنت أهب لَهُ بِنَاء أَكنت تصيح بِهِ كَمَا صحت بِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَرَاك أَنما قصدتني لخاص نَفسِي لَا لعِلَّة هِيَ غَيْرِي. قَالَ: وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم حَاضر قَالَ: فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مثل هَذَا لَا يقومه القَوْل دون السَّوْط، أَو السَّيْف؟ . قَالَ: هما أرش جِنَايَته ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِن هَذَا أول مَا بنيناه وَآخره، وَإِنَّمَا بلغت النَّفَقَة عَلَيْهِ ثَلَاثَة الآلف ألف وَهُوَ ضرب من مكايدتنا الْأَعْدَاء من مُلُوك الْأُمَم كَمَا تَرَانَا نتَّخذ السِّلَاح والادراع، والجيوش، والجموع، وَمَا بِنَا إِلَى أَكْثَرهَا حَاجَة السَّاعَة. وَأما ذكرك سيرة عمر ﵀ فَإِنَّهُ كَانَ يسوس أَقْوَامًا كراما قد شهدُوا نَبِيّهم صلى اللَّهِ عَلَيْهِ وَنحن إِنَّمَا نسوس أهل بز وفر، وفامية، ودستميسان وَمن أشبه هَؤُلَاءِ الَّذين إِن جَاءُوا أكاوك، وَإِن شَبِعُوا قهروك، وَإِن ولوا عَلَيْك استعبدوك، وَكَانَ عمر يسوس قوما قد تأدبوا بأخلاق نَبِيّهم ﷺ َ - الطاهرة، وصانوا أحسابهم
стр. 37
الشَّرِيفَة، وَمَا أثله لَهُم آباؤهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام من الْأَفْعَال الرضية، والشيم الْكَرِيمَة وَنحن نسوس من ذكرنَا لَك من هَؤُلَاءِ الاقوام الخبيثة. قَالَ: ثمَّ أَمر بصلته فَقَالَ: لَا تعودن إِلَى مثل هَذَا فتمسك عقوبتي فَإِن الْحفظَة رُبمَا صرفت رَأْي ذِي الرَّأْي إِلَى هَوَاهُ فأستعمله وخلى سَبِيل الْحلم.
قَالَ التغلبي: سَمِعت يحيى بن أَكْثَم يَقُول: أَمرنِي الْمَأْمُون عِنْد دُخُوله بَغْدَاد أَن أجمع لَهُ وُجُوه الْفُقَهَاء وَأهل الْعلم من أهل بَغْدَاد فاخترت لَهُ من أعلامهم أَرْبَعِينَ رجلا وأحضرتهم وَجلسَ لَهُم الْمَأْمُون فَسَأَلَ عَن مسَائِل وأفاض فِي فنون الحَدِيث وَالْعلم. فَلَمَّا انقضي ذَلِك الْمجْلس الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّظَر فِي أَمر الدّين قَالَ الْمَأْمُون: يَا أَبَا مُحَمَّد كره هَذَا الْمجْلس الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّظَر طوائف من النَّاس بتعديل أهوائهم، وتزكية أرائهم فطائفة عابوا علينا مَا نقُول فِي تَفْضِيل على بن أبي طَالب ﵁ وظنوا أَنه لَا يجوز تَفْضِيل على إِلَّا بإنتقاص غَيره من السّلف وَالله مَا اسْتحلَّ أَو قَالَ مَا استجيز أَن انْتقصَ الْحجَّاج فَكيف السّلف الطّيب. وَإِن الرجل ليَأْتِيَن بالقطعة من الْعود، أَو بالخشبة، أَو بالشَّيْء الَّذِي لَعَلَّ قِيمَته لَا تكون إِلَّا درهما أَو نَحوه فَيَقُول: إِن هَذَا كَانَ للنَّبِي ﷺ َ -، أَو قد وضع يَده عَلَيْهِ، أَو شرب فِيهِ، أَو مَسّه وَمَا هُوَ عِنْدِي بِثِقَة وَلَا دَلِيل على صدق الرجل إِلَّا أَنِّي بفرط النِّيَّة والمحبة أقبل ذَلِك فاشتريه بِأَلف دِينَار وَأَقل وأكثركم أَضَعهُ على وَجْهي وعيني وأتبرك بِالنّظرِ إِلَيْهِ وبمسه فأستشفي بِهِ عِنْد الْمَرَض يُصِيبنِي أَو يُصِيب من أهتم بِهِ فأصونه كصيانتي نَفسِي وَإِنَّمَا هُوَ عود لم يفعل هُوَ شَيْئا وَلَا فَضِيلَة لَهُ تستوجب بِهِ الْمحبَّة إِلَّا مَا ذكر من مس رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَسلم لَهُ: فَكيف لَا أرعى حق أَصْحَابه وَحُرْمَة من قد صَحبه وبذل مَاله وَدَمه دونه وصبر مَعَه أَيَّام الشدَّة، وأوقات الْعسرَة وعادي العشائر والعمائر. والأقارب، وَفَارق الْأَهْل وَالْأَوْلَاد واغترب عَن دَاره ليعز اللَّهِ دينه وَيظْهر دَعوته. يَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالله لَو لم يكن هَذَا فِي الدّين مَعْرُوفا لَكَانَ فِي الْأَخْلَاق جميلا، وَإِن من الْمُشْركين لمن يرْعَى فِي دينه من الْحُرْمَة مَا هُوَ أقل من
стр. 38
هَذَا. معَاذ اللَّهِ مِمَّا نطق بِهِ الجاهلون. ثمَّ لم ترض هَذِه الطَّائِفَة بِالْعَيْبِ لمن خالفها حَتَّى نسبته إِلَى الْبِدْعَة فِي تفضيله رجلا على أَخِيه وَنَظِيره وَمن يفار بِهِ فِي الْفضل وَقد قَالَ اللَّهِ جلّ من قَائِل: ﴿وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض﴾ ثمَّ وسع لنا فِي جهل الْفَاضِل من الْمَفْضُول فَمَا فرض علينا ذَلِك وَلَا ندبنا إِلَيْهِ إِذْ شَهِدنَا لجماعتهم بِالنُّبُوَّةِ فَمن دون النَّبِيين من ذَلِك بعد إِذْ أشهد لَهُم بِالْعَدَالَةِ والتفضيل أَمر لَو جَهله جَاهِل رجونا أَلا يكون أجترح إِثْمًا وهم لم يَقُولُوا بِدعَة؟ . فَمن قَالَ بقول وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - وَشك الآخر وَاحْتج فِي كَسره وإبطاله من الْأَحْكَام فِي الْفروج، والدماء وَالْأَمْوَال الَّتِي النّظر فِيهَا أوجب من النّظر فِي التَّفْضِيل فيغلظ فِي مثل هَذَا أحد يعرف شَيْئا أَو لَهُ رُؤْيَة، أَو حسن نظر، أَو يَدْفَعهُ من لَهُ عقل أَو معاند يُرِيد الإلطاط، أَو مُتبع لهواه ذاب عَن رئاسة اعتقدها، وَطَائِفَة قد اتخذ كل رجل مِنْهُم مَجْلِسا اعْتقد بِهِ رئاسة لَعَلَّه يَدْعُو فِئَة إِلَى ضرب من الْبِدْعَة؛ ثمَّ لَعَلَّ كل رجل مِنْهُم يعادي من خَالفه فِي الْأَمر الَّذِي قد عقد بِهِ رئاسة بِدعَة، ويشيط بدمه وَهُوَ قد خَالفه من أَمر الدّين بِمَا هُوَ أعظم من ذَلِك إِلَّا أَن ذَلِك أَمر لَا رئاسة لَهُ فِيهِ فسالمة عَلَيْهِ، وَأمْسك عَنهُ عِنْد ذكر مُخَالفَته أَيَّاهُ فِيهِ، فَإِذا خُولِفَ فِي نحلته ولعلها مِمَّا وسع اللَّهِ فِي جَهله أَو قد اخْتلف السّلف فِي مثله فَلم يُعَاد بَعضهم بَعْضًا، وَلم يرَوا فِي ذَلِك أثما، وَلَعَلَّه يكفر مُخَالفَة، أَو يبدعه، أَو يرميه بالأمور الَّتِي حرمهَا اللَّهِ عَلَيْهِ من الْمُشْركين دون الْمُسلمين بغيا عَلَيْهِم وهم المترقبون للفتن، والراسخون فِيهَا لينتهبوا أَمْوَال النَّاس ويستحلوها بالغلبة، وَقد حَال الْعدْل بَينهم وَبَين مَا يُرِيدُونَ، يزأرون على الْفِتْنَة زئيرا الْأسد على فرائسها وَإِنِّي لأرجو أَن يكون مَجْلِسنَا هَذَا بِتَوْفِيق اللَّهِ وتأييده ومعونته على إِتْمَامه سَببا لِاجْتِمَاع هَذِه الطوائف على مَا هُوَ أرْضى وَأصْلح للدّين. أما شَاك فيتبين ويتثبت فينقاد طَوْعًا، وَأما معاند فَيرد بِالْعَدْلِ كرها
стр. 39
أخبرنَا عبد الْعَزِيز. الْمَكِّيّ الْكِنَانِي الْمُتَكَلّم قَالَ: اجْتمعت أَنا وَبشر المريسي عِنْد الْمَأْمُون فَقَالَ لي ولبشر: قد اجتمعتما على نفي النشبيه ورد الْأَحَادِيث الكاذبة عَن رَسُول اللَّه ﷺ َ - فتكلموا فِي الْكفْر وَالْإِيمَان. قَالَ قلت: وفقك اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أما إِن مطهرا البابي أَخْبرنِي. قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الزبير، عَن جَابر ابْن عبد اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " إِن الْيَهُود كذبت على مُوسَى، وَإِن النَّصَارَى كذبت على عِيسَى وسيكذب على أنَاس من أمتِي فَإِذا بَلغَكُمْ عني حَدِيث مُنكر فأعرضوه على كتاب اللَّهِ، فَمَا وَافق كتاب اللَّهِ فَهُوَ مني وَأَنا قلته، وَمَا خَالف كتاب اللَّهِ فَلَيْسَ مني وَلم أَقَله ". فَكيف يَقُول رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - بِخِلَاف كتاب اللَّهِ، وبكتاب اللَّهِ هدى اللَّهِ نبيه ﷺ َ -. ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَوْم شركاؤنا فِي الْمجْلس فَهَل ينصب بشر علما نَعْرِف بِهِ انْتِقَاض المنتقض وَصِحَّة الصَّحِيح؟ قَالَ: فَقَالَ بشر: نعم. حَدثنِي مُحَمَّد بن طَلْحَة بن مصرف. قَالَ: أَخْبرنِي زبيد الايامي عَن مرّة الْهَمدَانِي، عَن رجل من بني هَاشم قَالَ: قَالَ: رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " كل قوم أولى رُتْبَة من أَمرهم، ومصلحة من أنفسهم يردون على من سواهُم ويتبين الْحق من ذَلِك بالملابسة بِالْعَدْلِ عِنْد ذَوي الْأَلْبَاب "، قَالَ: والهاشمي عَليّ بن أبي طَالب رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَكِّيّ فَقلت هَل تذكر شَيْئا تعرف بِهِ صَحِيح الْقيَاس من متناقضة؟ قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْء أَكثر من هَذَا. قلت: وَلَكِن عِنْدِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهِي أحد المخبآت الَّتِي أَعدَدْت لهَذَا الْمجْلس مُنْذُ نَحْو ثَلَاثِينَ سنة. قَالَ: فَقَالَ بشر. مَا كَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تكْتم علما عنْدك. قلت: إِن لأهل الْعلم حلية
стр. 40
يتزينون بهَا، ويزينون بهَا مقالتهم، وَلَا يعلمونها أهل الْبدع لِئَلَّا يزينوا بهَا بدعهم وَقد أَقَامُوا حجتهم فِي سوى ذَلِك على مخالفيهم قَالَ: قلت أَن النَّاس اخْتلفُوا ثمَّ تحاجوا بعد الِاخْتِلَاف فَلَو كَانَت غايتهم فِي الِاحْتِجَاج التخطئة كَانَ أحدهم قد خطأ صَاحبه فِي الِابْتِدَاء فَمَا أَرَادَ إِلَى العناء وَلكنه أَرَادَ النَّقْض أَو ينصب لَهُ علما يعرف بِهِ فَإِن الْقَوْم شركاؤنا فِي الْمجْلس. قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَات. قلت: يعرف انْتِقَاض كل منتقض تكلم النَّاس فِيهِ من طب، أَو نُجُوم، أَو فتيا، أَو عَرَبِيَّة، أَو كَلَام بِأحد وُجُوه ثَلَاثَة. . فَكل قَول دخله وَاحِد مِنْهَا فَهُوَ المتناقض. فَقَالَ: عِنْد هَذَا فَإِن الْمعرفَة قَول. قَالَ اللَّهِ (وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم) قلت: يُسمى الْفِعْل قولا فِي اللُّغَة وَقد يَقُول الرجل قولا بِيَدِهِ قَالَ الشَّاعِر: -
(وَقَالَت لَهَا العينان سمعا وَطَاعَة ... وحدرتا كالدر لما يثقب)
فقولهما أَنَّهُمَا تهميان بالدمع. وَقد قَالَ اللَّهِ : ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ وقولهما هُوَ مجيئهما فَترك هَذَا﴾ .
قَالَ: وحَدثني عَن مُشْرك كَانَ زَانيا فَتَابَ عَن شركه وَأقَام على الزِّنَى أَلَيْسَ قد خرج من الْكفْر إِلَى الْإِيمَان [قلت] وَلم يخرج الْإِيمَان الَّذِي يسْتَوْجب بِهِ الِاسْم حَتَّى يدع الزِّنَى قَالَ: وَالله ليدخلن الْجنَّة وَلَو بعد ألف سنة. قلت: مَا هَذَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ. هَذَا جَوَاب أَو مَسْأَلَة؟ فَأنْكر ذَلِك الْمَأْمُون. قَالَ ثمَّ قلت لَهُ: حَدثنِي عَن الْإِيمَان مَا هُوَ؟ قَالَ: معرفَة اللَّهِ بِحجَّة. قلت: بخصلة هُوَ أم بخصال؟ . قَالَ: خصْلَة تنتظم مَعَاني. قلت: فَهَذَا الْمَعْنى هُوَ مِنْهَا ذَلِك الْمَعْنى الآخر؟ فخلط وَتَركه. فَقَالَ آتِيك بِمَا هُوَ أسهل من هَذَا أكلف اللَّهِ جلّ وَعز أهل زمَان عِيسَى فِي زمَان مُحَمَّد ﷺ َ - قَالَ كلفهم أَن يعلمُوا أَنه
следующие страницы →