← Тараджим

Тараджим · id 5880

كتاب بغداد

ابن طيفور

Полный текст (180 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قنعته فصاح وأعمراه ذهب الْعدْل مذ ذهبت. فَقَالَ للرجل مَا تَقول فِيمَا قَالَ خصمك؟ فَقَالَ: كذب على، وَقَالَ الْبَاطِل. فَقَالَ خَصمه: لي جمَاعَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تشهد على مقَالَته، وَإِن أذن لي أَمِير الْمُؤمنِينَ أحضرتهم. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون للرجل: مِمَّن أَنْت؟ . فَقَالَ: من أهل فاميه فَقَالَ: أما أَن عمر بن الْخطاب ﵀ كَانَ يَقُول: من كَانَ جَاره نبطيا وَاحْتَاجَ إِلَى ثمنه فليبعه فَإِن كنت إِنَّمَا طلبت سيرة عمر فَهَذَا حكمه فِي أهل فامية ثمَّ أَمر لَهُ بِأَلف دِرْهَم وَأطْلقهُ. فَقَالَ لي الَّذِي حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث فَحدثت هَذَا الحَدِيث بعض مَشَايِخنَا فَقَالَ أما الَّذِي عندنَا: فخلاف هَذَا: إِنَّمَا مر بعض الزهاد فِي زورق فَلَمَّا نظر إِلَى بِنَاء الْمَأْمُون وأبوابه صَاح، واعمراه. فَسَمعهُ الْمَأْمُون فَأمر بأحضاره ثمَّ دَعَا بِهِ فَلَمَّا صَار بَين يَدَيْهِ قَالَ: مَا أحرجك إِلَى أَن قلت مَا قلت؟ : قَالَ رَأَيْت آثَار الأكاسرة وَبِنَاء الْجَبَابِرَة. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَفَرَأَيْت أَن تحولت من هَذِه الْمَدِينَة فَنزلت إيوَان كسْرَى بِالْمَدَائِنِ كَانَ لَك أَن تعيب نزولي هُنَاكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَرَاك إِنَّمَا عبت إسرافي فِي النَّفَقَة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَلَو وهبت قيمَة هَذَا الْبناء أَكنت تعيب ذَاك. قَالَ: لَا قَالَ: فَلَو بني ذَلِك الرجل بِمَا كنت أهب لَهُ بِنَاء أَكنت تصيح بِهِ كَمَا صحت بِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَرَاك أَنما قصدتني لخاص نَفسِي لَا لعِلَّة هِيَ غَيْرِي. قَالَ: وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم حَاضر قَالَ: فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مثل هَذَا لَا يقومه القَوْل دون السَّوْط، أَو السَّيْف؟ . قَالَ: هما أرش جِنَايَته ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِن هَذَا أول مَا بنيناه وَآخره، وَإِنَّمَا بلغت النَّفَقَة عَلَيْهِ ثَلَاثَة الآلف ألف وَهُوَ ضرب من مكايدتنا الْأَعْدَاء من مُلُوك الْأُمَم كَمَا تَرَانَا نتَّخذ السِّلَاح والادراع، والجيوش، والجموع، وَمَا بِنَا إِلَى أَكْثَرهَا حَاجَة السَّاعَة. وَأما ذكرك سيرة عمر ﵀ فَإِنَّهُ كَانَ يسوس أَقْوَامًا كراما قد شهدُوا نَبِيّهم صلى اللَّهِ عَلَيْهِ وَنحن إِنَّمَا نسوس أهل بز وفر، وفامية، ودستميسان وَمن أشبه هَؤُلَاءِ الَّذين إِن جَاءُوا أكاوك، وَإِن شَبِعُوا قهروك، وَإِن ولوا عَلَيْك استعبدوك، وَكَانَ عمر يسوس قوما قد تأدبوا بأخلاق نَبِيّهم ﷺ َ - الطاهرة، وصانوا أحسابهم

стр. 37

الشَّرِيفَة، وَمَا أثله لَهُم آباؤهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام من الْأَفْعَال الرضية، والشيم الْكَرِيمَة وَنحن نسوس من ذكرنَا لَك من هَؤُلَاءِ الاقوام الخبيثة. قَالَ: ثمَّ أَمر بصلته فَقَالَ: لَا تعودن إِلَى مثل هَذَا فتمسك عقوبتي فَإِن الْحفظَة رُبمَا صرفت رَأْي ذِي الرَّأْي إِلَى هَوَاهُ فأستعمله وخلى سَبِيل الْحلم. قَالَ التغلبي: سَمِعت يحيى بن أَكْثَم يَقُول: أَمرنِي الْمَأْمُون عِنْد دُخُوله بَغْدَاد أَن أجمع لَهُ وُجُوه الْفُقَهَاء وَأهل الْعلم من أهل بَغْدَاد فاخترت لَهُ من أعلامهم أَرْبَعِينَ رجلا وأحضرتهم وَجلسَ لَهُم الْمَأْمُون فَسَأَلَ عَن مسَائِل وأفاض فِي فنون الحَدِيث وَالْعلم. فَلَمَّا انقضي ذَلِك الْمجْلس الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّظَر فِي أَمر الدّين قَالَ الْمَأْمُون: يَا أَبَا مُحَمَّد كره هَذَا الْمجْلس الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّظَر طوائف من النَّاس بتعديل أهوائهم، وتزكية أرائهم فطائفة عابوا علينا مَا نقُول فِي تَفْضِيل على بن أبي طَالب ﵁ وظنوا أَنه لَا يجوز تَفْضِيل على إِلَّا بإنتقاص غَيره من السّلف وَالله مَا اسْتحلَّ أَو قَالَ مَا استجيز أَن انْتقصَ الْحجَّاج فَكيف السّلف الطّيب. وَإِن الرجل ليَأْتِيَن بالقطعة من الْعود، أَو بالخشبة، أَو بالشَّيْء الَّذِي لَعَلَّ قِيمَته لَا تكون إِلَّا درهما أَو نَحوه فَيَقُول: إِن هَذَا كَانَ للنَّبِي ﷺ َ -، أَو قد وضع يَده عَلَيْهِ، أَو شرب فِيهِ، أَو مَسّه وَمَا هُوَ عِنْدِي بِثِقَة وَلَا دَلِيل على صدق الرجل إِلَّا أَنِّي بفرط النِّيَّة والمحبة أقبل ذَلِك فاشتريه بِأَلف دِينَار وَأَقل وأكثركم أَضَعهُ على وَجْهي وعيني وأتبرك بِالنّظرِ إِلَيْهِ وبمسه فأستشفي بِهِ عِنْد الْمَرَض يُصِيبنِي أَو يُصِيب من أهتم بِهِ فأصونه كصيانتي نَفسِي وَإِنَّمَا هُوَ عود لم يفعل هُوَ شَيْئا وَلَا فَضِيلَة لَهُ تستوجب بِهِ الْمحبَّة إِلَّا مَا ذكر من مس رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَسلم لَهُ: فَكيف لَا أرعى حق أَصْحَابه وَحُرْمَة من قد صَحبه وبذل مَاله وَدَمه دونه وصبر مَعَه أَيَّام الشدَّة، وأوقات الْعسرَة وعادي العشائر والعمائر. والأقارب، وَفَارق الْأَهْل وَالْأَوْلَاد واغترب عَن دَاره ليعز اللَّهِ دينه وَيظْهر دَعوته. يَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالله لَو لم يكن هَذَا فِي الدّين مَعْرُوفا لَكَانَ فِي الْأَخْلَاق جميلا، وَإِن من الْمُشْركين لمن يرْعَى فِي دينه من الْحُرْمَة مَا هُوَ أقل من

стр. 38

هَذَا. معَاذ اللَّهِ مِمَّا نطق بِهِ الجاهلون. ثمَّ لم ترض هَذِه الطَّائِفَة بِالْعَيْبِ لمن خالفها حَتَّى نسبته إِلَى الْبِدْعَة فِي تفضيله رجلا على أَخِيه وَنَظِيره وَمن يفار بِهِ فِي الْفضل وَقد قَالَ اللَّهِ جلّ من قَائِل: ﴿وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض﴾ ثمَّ وسع لنا فِي جهل الْفَاضِل من الْمَفْضُول فَمَا فرض علينا ذَلِك وَلَا ندبنا إِلَيْهِ إِذْ شَهِدنَا لجماعتهم بِالنُّبُوَّةِ فَمن دون النَّبِيين من ذَلِك بعد إِذْ أشهد لَهُم بِالْعَدَالَةِ والتفضيل أَمر لَو جَهله جَاهِل رجونا أَلا يكون أجترح إِثْمًا وهم لم يَقُولُوا بِدعَة؟ . فَمن قَالَ بقول وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - وَشك الآخر وَاحْتج فِي كَسره وإبطاله من الْأَحْكَام فِي الْفروج، والدماء وَالْأَمْوَال الَّتِي النّظر فِيهَا أوجب من النّظر فِي التَّفْضِيل فيغلظ فِي مثل هَذَا أحد يعرف شَيْئا أَو لَهُ رُؤْيَة، أَو حسن نظر، أَو يَدْفَعهُ من لَهُ عقل أَو معاند يُرِيد الإلطاط، أَو مُتبع لهواه ذاب عَن رئاسة اعتقدها، وَطَائِفَة قد اتخذ كل رجل مِنْهُم مَجْلِسا اعْتقد بِهِ رئاسة لَعَلَّه يَدْعُو فِئَة إِلَى ضرب من الْبِدْعَة؛ ثمَّ لَعَلَّ كل رجل مِنْهُم يعادي من خَالفه فِي الْأَمر الَّذِي قد عقد بِهِ رئاسة بِدعَة، ويشيط بدمه وَهُوَ قد خَالفه من أَمر الدّين بِمَا هُوَ أعظم من ذَلِك إِلَّا أَن ذَلِك أَمر لَا رئاسة لَهُ فِيهِ فسالمة عَلَيْهِ، وَأمْسك عَنهُ عِنْد ذكر مُخَالفَته أَيَّاهُ فِيهِ، فَإِذا خُولِفَ فِي نحلته ولعلها مِمَّا وسع اللَّهِ فِي جَهله أَو قد اخْتلف السّلف فِي مثله فَلم يُعَاد بَعضهم بَعْضًا، وَلم يرَوا فِي ذَلِك أثما، وَلَعَلَّه يكفر مُخَالفَة، أَو يبدعه، أَو يرميه بالأمور الَّتِي حرمهَا اللَّهِ عَلَيْهِ من الْمُشْركين دون الْمُسلمين بغيا عَلَيْهِم وهم المترقبون للفتن، والراسخون فِيهَا لينتهبوا أَمْوَال النَّاس ويستحلوها بالغلبة، وَقد حَال الْعدْل بَينهم وَبَين مَا يُرِيدُونَ، يزأرون على الْفِتْنَة زئيرا الْأسد على فرائسها وَإِنِّي لأرجو أَن يكون مَجْلِسنَا هَذَا بِتَوْفِيق اللَّهِ وتأييده ومعونته على إِتْمَامه سَببا لِاجْتِمَاع هَذِه الطوائف على مَا هُوَ أرْضى وَأصْلح للدّين. أما شَاك فيتبين ويتثبت فينقاد طَوْعًا، وَأما معاند فَيرد بِالْعَدْلِ كرها

стр. 39

أخبرنَا عبد الْعَزِيز. الْمَكِّيّ الْكِنَانِي الْمُتَكَلّم قَالَ: اجْتمعت أَنا وَبشر المريسي عِنْد الْمَأْمُون فَقَالَ لي ولبشر: قد اجتمعتما على نفي النشبيه ورد الْأَحَادِيث الكاذبة عَن رَسُول اللَّه ﷺ َ - فتكلموا فِي الْكفْر وَالْإِيمَان. قَالَ قلت: وفقك اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أما إِن مطهرا البابي أَخْبرنِي. قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الزبير، عَن جَابر ابْن عبد اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " إِن الْيَهُود كذبت على مُوسَى، وَإِن النَّصَارَى كذبت على عِيسَى وسيكذب على أنَاس من أمتِي فَإِذا بَلغَكُمْ عني حَدِيث مُنكر فأعرضوه على كتاب اللَّهِ، فَمَا وَافق كتاب اللَّهِ فَهُوَ مني وَأَنا قلته، وَمَا خَالف كتاب اللَّهِ فَلَيْسَ مني وَلم أَقَله ". فَكيف يَقُول رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - بِخِلَاف كتاب اللَّهِ، وبكتاب اللَّهِ هدى اللَّهِ نبيه ﷺ َ -. ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَوْم شركاؤنا فِي الْمجْلس فَهَل ينصب بشر علما نَعْرِف بِهِ انْتِقَاض المنتقض وَصِحَّة الصَّحِيح؟ قَالَ: فَقَالَ بشر: نعم. حَدثنِي مُحَمَّد بن طَلْحَة بن مصرف. قَالَ: أَخْبرنِي زبيد الايامي عَن مرّة الْهَمدَانِي، عَن رجل من بني هَاشم قَالَ: قَالَ: رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " كل قوم أولى رُتْبَة من أَمرهم، ومصلحة من أنفسهم يردون على من سواهُم ويتبين الْحق من ذَلِك بالملابسة بِالْعَدْلِ عِنْد ذَوي الْأَلْبَاب "، قَالَ: والهاشمي عَليّ بن أبي طَالب رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَكِّيّ فَقلت هَل تذكر شَيْئا تعرف بِهِ صَحِيح الْقيَاس من متناقضة؟ قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْء أَكثر من هَذَا. قلت: وَلَكِن عِنْدِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهِي أحد المخبآت الَّتِي أَعدَدْت لهَذَا الْمجْلس مُنْذُ نَحْو ثَلَاثِينَ سنة. قَالَ: فَقَالَ بشر. مَا كَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تكْتم علما عنْدك. قلت: إِن لأهل الْعلم حلية

стр. 40

يتزينون بهَا، ويزينون بهَا مقالتهم، وَلَا يعلمونها أهل الْبدع لِئَلَّا يزينوا بهَا بدعهم وَقد أَقَامُوا حجتهم فِي سوى ذَلِك على مخالفيهم قَالَ: قلت أَن النَّاس اخْتلفُوا ثمَّ تحاجوا بعد الِاخْتِلَاف فَلَو كَانَت غايتهم فِي الِاحْتِجَاج التخطئة كَانَ أحدهم قد خطأ صَاحبه فِي الِابْتِدَاء فَمَا أَرَادَ إِلَى العناء وَلكنه أَرَادَ النَّقْض أَو ينصب لَهُ علما يعرف بِهِ فَإِن الْقَوْم شركاؤنا فِي الْمجْلس. قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَات. قلت: يعرف انْتِقَاض كل منتقض تكلم النَّاس فِيهِ من طب، أَو نُجُوم، أَو فتيا، أَو عَرَبِيَّة، أَو كَلَام بِأحد وُجُوه ثَلَاثَة. . فَكل قَول دخله وَاحِد مِنْهَا فَهُوَ المتناقض. فَقَالَ: عِنْد هَذَا فَإِن الْمعرفَة قَول. قَالَ اللَّهِ (وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم) قلت: يُسمى الْفِعْل قولا فِي اللُّغَة وَقد يَقُول الرجل قولا بِيَدِهِ قَالَ الشَّاعِر: - (وَقَالَت لَهَا العينان سمعا وَطَاعَة ... وحدرتا كالدر لما يثقب) فقولهما أَنَّهُمَا تهميان بالدمع. وَقد قَالَ اللَّهِ : ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ وقولهما هُوَ مجيئهما فَترك هَذَا﴾ . قَالَ: وحَدثني عَن مُشْرك كَانَ زَانيا فَتَابَ عَن شركه وَأقَام على الزِّنَى أَلَيْسَ قد خرج من الْكفْر إِلَى الْإِيمَان [قلت] وَلم يخرج الْإِيمَان الَّذِي يسْتَوْجب بِهِ الِاسْم حَتَّى يدع الزِّنَى قَالَ: وَالله ليدخلن الْجنَّة وَلَو بعد ألف سنة. قلت: مَا هَذَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ. هَذَا جَوَاب أَو مَسْأَلَة؟ فَأنْكر ذَلِك الْمَأْمُون. قَالَ ثمَّ قلت لَهُ: حَدثنِي عَن الْإِيمَان مَا هُوَ؟ قَالَ: معرفَة اللَّهِ بِحجَّة. قلت: بخصلة هُوَ أم بخصال؟ . قَالَ: خصْلَة تنتظم مَعَاني. قلت: فَهَذَا الْمَعْنى هُوَ مِنْهَا ذَلِك الْمَعْنى الآخر؟ فخلط وَتَركه. فَقَالَ آتِيك بِمَا هُوَ أسهل من هَذَا أكلف اللَّهِ جلّ وَعز أهل زمَان عِيسَى فِي زمَان مُحَمَّد ﷺ َ - قَالَ كلفهم أَن يعلمُوا أَنه

стр. 41

سيبعثه رَسُولا. قلت فَمَا كلفنا نَحن؟ . قَالَ: إِن نعلم أَنه قد بَعثه. قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أفكلام هَذَا؟ قَالَ: لَا. قلت: فَإِذا عزمت أسأله. . قَالَ: سل. قلت: حَدثنِي عَمَّن آمن بمُوسَى وَعِيسَى وَلم يسمع بِأَن مُحَمَّدًا ﷺ َ - سيبعث هُوَ مُؤمن؟ قَالَ: فلست إِذا من المرجئة إِن لم أقل هُوَ مُؤمن. قلت: فَإِن سمع بعد ذَلِك بِمُحَمد وَلَقي مُحَمَّدًا ﵇ هَل أصَاب الْإِقْرَار بِهِ إِيمَانًا لم يكن أَصَابَهُ قبل ذَلِك فَعلم أَنه لَيْسَ لَهُ حِيلَة. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: على فِي الْوضُوء شدَّة فَأذن لَهُ. قَالَ: الْمَكِّيّ وَقلت لِلْمَأْمُونِ بعد الْخطْبَة فِي مجلسي: أعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن كل سَبَب اتَّصل، أَو أخاء انْعَقَد على غير التَّذْكِير بِاللَّه فَهُوَ عِنْده يبور وقديما مَا تمنى لى أخواني هَذَا المقعد، وَمَا أمكنني أَلا فِي ظلّ سلطانك بخروجك من طبع الْحِرْص وفرط الشره وأطراحك مَا كَانَ يلهج بِهِ غَيْرك من مُلُوك وسوقة عتوا فِيمَا [جرت بِهِ] الْمَقَادِير قدرهَا اللَّهِ فأنقرضوا، وأضحت دِيَارهمْ عَافِيَة، ومساكنهم خاوية، لَا يقترفون سَيِّئَة، وَلَا يَعْتَذِرُونَ من أُخْرَى سلفت، وَلَا يزِيدُونَ فِي حَسَنَة، قد غلقت رهون أَكْثَرهم، وَوَجَبَت شقوتهم، وَانْقطع من الْفرج رجاؤهم، وَإِنَّمَا ينْتَظر بهم لحاق هَذَا الْخلق، عتوا قَلِيلا، وشقوا طَويلا، وأضحوا موعوظا بهم وأدبا لغَيرهم بِحجَّة اللَّهِ عَلَيْهِم. قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ ". وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يكثر بِأَن يَقُول: يَا أهل الشَّام: مَالِي أَرَاكُم تجمعون مَا لَا تَأْكُلُونَ، وتبنون مَالا تسكنون أَلا أَن عادا أَعْطَيْت أنعاما وماشية وَمد لَهَا مَا بَين صنعاء إِلَى الشَّام فَمن يشترى ذَلِك الْيَوْم مني بِربع دِينَار. وَأعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أَن النَّاس إِنَّمَا يرهبون يَوْم الْقِيَامَة من إِحْدَى ثَلَاث لَيست هُنَاكَ رَابِعَة: نقصة عملوها، وسهوة ارتكبوها، أَو شُبْهَة فِي الدّين انتحلوها، والداء الْأَعْظَم الشُّبْهَة هِيَ الَّتِي يظنّ صَاحبهَا الْحق بَاطِلا، وَالْبَاطِل حَقًا فَهُوَ كمخطئ الطَّرِيق إِذا ركض ازْدَادَ من الطَّرِيق بعدا.

стр. 42

وَذكر عبيد اللَّهِ بن عبد اللَّهِ بن الْحسن بن جَعْفَر الحسني قَالَ: تَذَاكَرُوا الشجَاعَة يَوْمًا فِي مجْلِس الْمَأْمُون، وَذكرهَا الفرسان والأبطال فَقَالَ الْمَأْمُون: لم يكن فِي الْإِسْلَام بعد عَليّ بن أبي طَالب صلوَات اللَّهِ عَلَيْهِ، وَالزُّبَيْر بن الْعَوام أهل بَيت شهرتهم الشجَاعَة كالمهلب بن أبي صفرَة وَآله، وَلَقَد حدثت عَن دَاوُد بن الْمسَاوِر الْعَبْدي قَالَ: لما دَخَلنَا على يزِيد بن الْمُهلب حِين ظفر بعدِي بن أَرْطَاة وَغلب على الْبَصْرَة قَالَ:: بَينا نَحن عِنْده إِذْ أَتَاهُ رجل من الْعَرَب فَقَالَ: أصلح اللَّهِ الْأَمِير إِنِّي - جعلني اللَّهِ فدَاك - جعلت على نذرا إِن أَرَانِي اللَّهِ وَجهك فِي هَذَا الْقصر أَمِيرا أَن أقبل رَأسك. فَقَالَ يزِيد: فَمَا للرجل وَالنُّذُور فِي الْقبل؟ لله در عسكرين كُنَّا فِي أَحدهمَا والأزارقة فِي الآخر مَا كَانَ أبعدهم أَن يكون نذورهم مثل نذرك يَا شيخ: لقد رَأَيْتنِي يَوْمًا وَأَنا وَاقِف بَين الْحَرِيش بن هِلَال السَّعْدِيّ وَبَين مولى لَهُ إِذْ خرج ثَلَاثَة نفر من صف الْخَوَارِج فشدوا على صفنا فخرقوه حَتَّى وصلوا إِلَى عسكرنا فَفَعَلُوا مَا أَرَادوا ثمَّ رجعُوا سَالِمين وأحدهم آخذ بسنان رمحه يجره فِي الأَرْض وَهُوَ يَقُول: (وَإِنَّا لقوم مَا نعود خَيْلنَا ... إِذا مَا الْتَقَيْنَا أَن تحيد وتنفرا) (وَلَيْسَ بِمَعْرُوف لنا أَن نردها ... صحاحا وَلَا مستنكر أَن تعفرا) فَقلت عِنْد ذَلِك مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ ثَلَاثَة بلغُوا من عَسْكَر فِيهِ من فِي مثل عسكرنا مَا بلغ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْحَرِيش: فَمَا يمنعك من مثلهَا أَبَا خَالِد؟ فَقلت: بِمن؟ فَقَالَ: بِي وَبِك وبمولاي هَذَا وشددنا ثَلَاثَة فصنعنا بصفهم كَمَا صَنَعُوا بصفنا ثمَّ خرج الْحَرِيش وَأخذ بزج رمحه بحره وَهُوَ يَقُول: - (حَتَّى خرجن بِنَا من تَحت كوكبهم ... حمرا من الطعْن أعناقا وأكفالا) (تِلْكَ المكارم لاقعبان من لبن ... شيبا بِمَاء فعادا بعد أبوالا) فَمثل هَذَا فأفعلوا وانذروا وَلَا تنذروا نذر الْعَجَائِز والضعاف. ثمَّ قَالَ: ادن يَا شيخ فأوف بِنَذْرِك فَدَنَا فَقبل رَأسه.

стр. 43

حَدثنِي: رجل من أَصْحَاب الْمَأْمُون قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن رشيد قَالَ: حَدثنِي من سمع الْمَأْمُون يَقُول: الإرجاء دين الْمُلُوك. حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ قَالَ: دخل أَبُو عمر الْخطابِيّ على الْمَأْمُون فتذاكروا عمر ابْن الْخطاب ﵀ فَقَالَ الْمَأْمُون: إِلَّا أَنه غصبنا. فَقَالَ لَهُ أَبُو عمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: يكون الْغَصْب إِلَّا بِحَق يَد فَهَل كَانَت لكم يَد؟ . قَالَ: فَسكت الْمَأْمُون عَنهُ واحتملها لَهُ. قَالَ وَأُصِيب الْمَأْمُون بابنة لَهُ كَانَ يجد بهَا وجدا شَدِيدا فَجَلَسَ للنَّاس وَأمر أَن يُؤذن لمن دخل فَدخل عَلَيْهِ الْعَبَّاس بن الْعلوِي الْعلوِي فَقَالَ لَهُ ياأمير الْمُؤمنِينَ إِنَّا لم نأتك معزين وَلَكِن أَتَيْنَاك مقتدين. وَدخل الْعَبَّاس بن الْحسن على الْمَأْمُون فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن لساني ينْطَلق بمدحك غايبا، وَأحب أَن يتزيد عنْدك حَاضرا أفتأذن فَأَقُول؟ قَالَ: قل فَإنَّك تَقول فتحسن، وَتشهد فتزين، وتغيب فتؤتمن. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا أَقُول بعد هَذَا؟ لقد بلغت من مدحي مَا لَا أبلغه من مدحك. وَقَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن دَاوُد: دخل أبي عَليّ الْمَأْمُون فَكَلمهُ بِكَلَام كثير ثمَّ حصر فَسكت عَنهُ الْمَأْمُون ليسكن فَلَمَّا سكن عَاد إِلَى الْكَلَام فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَذَا مقَام لَا يعاب أحد بالتقصير فِيهِ عَمَّا يسْتَحق أَمِير الْمُؤمنِينَ من الثَّنَاء عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ يدْخلهُ من هَيْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وإجلاله. قَالَ: صدقت يَا إِبْرَاهِيم وَقَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم: قَالَ جدي إِسْمَاعِيل بن دَاوُد لِلْمَأْمُونِ وَذكروا الْمسَاوِي والمحاسن فِي مَجْلِسه: مَا من كريم إِلَّا وَفِيه خصْلَة تعفي على مساويه، وَلَا من سفلَة إِلَّا وَفِيه خصْلَة تعفي على محَاسِن أَن كَانَت فِيهِ. فَقَالَ: صدقت يَا إِسْمَاعِيل. قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون لمُحَمد بن عباد المهلبي: بَلغنِي أَن فِيك سَرفًا. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن من منح الْمَوْجُود متوطن بِاللَّه، وَإِنِّي لاهم بالإمساك فأذكر قَول أَشْجَع السّلمِيّ لجَعْفَر بن يحيى: -

стр. 44

(يحب الْمُلُوك ندى جَعْفَر ... وَلَا يصنعون كَمَا يصنع) (وَلَيْسَ بأوسعهم فِي الْغنى ... وَلَكِن مَعْرُوفَة أوسع) (وَكَيف ينالون غاياته ... وهم يجمعُونَ وَلَا يجمع) وَكَيف السَّبِيل إِلَى الْإِمْسَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بعد قَول صَالح المري: لَا تنَال كثيرا مِمَّا تحب حَتَّى تصبر على كثير مِمَّا تكره، وَلَا تنجو مِمَّا تكره حَتَّى تصبر على كثير مِمَّا تحب. قَالَ: فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِمِائَة ألف دِرْهَم وَقَالَ: اسْتَعِنْ بهَا على مروتك. قَالَ: وَسَأَلَ موبذ موبذان فَقَالَ لَهُ: مَا ثَمَرَة الْعقل. قَالَ: ثماره الْكَرِيمَة كَثِيرَة مِنْهَا. أحراز الْمَرْء نصِيبه من الشُّكْر، وَأَن تتمّ نِيَّته فِي الْحِرْص على مُكَافَأَة كل ذِي نعْمَة ويبلغ من ذَلِك بِالْفِعْلِ غَايَة الْقُدْرَة. وَمِنْهَا أَن لَا يسكن إِلَى الدُّنْيَا على حَال، وَلَا يطيعها فِي التَّفْرِيط فِي الاستعداد. وَمِنْهَا أَن لَا يدع السرُور، وَلَا يتَعَرَّض لزوَال النِّعْمَة. وَمِنْهَا: أَلا يعْمل عملا فِي غير مَوْضِعه، وَلَا يغفله فِي مَوْضِعه إِلَّا بعد النّظر والتثبت. وَمِنْهَا: أَلا تبطره السَّرَّاء وَلَا يشتكي الضراء. وَمِنْهَا: أَن يسير مَا بَينه وَبَين صديقه سيرة لَا يتَجَاوَز مَعهَا طعن حَاكم، ويسير مَا بَينه وَبَين عدوه رفقا يشركهم بِهِ فِي حسناتهم. وَمِنْهَا: أَن لَا يبْدَأ أحد بأذى، وَإِذا أوذي لم يتَجَاوَز فِي الانتقام حد الْعدْل وَمِنْهَا: أَن يكون الْهوى مَعَ الْحق حَيْثُ كَانَ. وَمِنْهَا: أَن لَا يفرحه مدح المادح بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَلَا يَجْعَل عيب من عابه بِمَا هُوَ مِنْهُ برِئ. وَمِنْهَا: أَن لَا يعْمل عملا يكْتَسب مِنْهُ ندما. وَمِنْهَا: احْتِمَال نصب الْبر وسخاء النَّفس عَن كل لَذَّة.

стр. 45

قَالَ اليزيدي: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا فِي مجْلِس وَعِنْده جمَاعَة من قُرَيْش: أَيّكُم يحفظ أَبْيَات عبد اللَّهِ بن الزبعري الَّتِي يعْتَذر فِيهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ صلى اللَّهِ ﷺ َ -؟ فَقَالَ مُصعب ابْن عبد اللَّهِ الزبيرِي: أَنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فأنشدنا. فَأَنْشد: - (منع الرقاد بلابل وهموم ... وَاللَّيْل معتلج الرواق بهيم) (مِمَّا أَتَانِي أَن أَحْمد لامني ... فِيهِ فَبت كأنني مَحْمُوم) (يَا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح الْيَدَيْنِ رسوم) (إِنِّي لمعتذر إِلَيْك من الَّذِي ... أنشأت إِذْ أَنا فِي الْبِلَاد أهيم) (أَيَّام يَأْمُرنِي بأغوى خطة ... سهم ويأمرني بِهِ مَخْزُوم) (وأقود أَسبَاب الردى ويقودني ... أَمر الغواة وَأمرهمْ مبروم) (فاليوم آنس بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد ... قلبِي ومخطئ هَذِه محروم) (فَاغْفِر فدا لَك والداى كِلَاهُمَا ... ذَنبي فأنك رَاحِم مَرْحُوم) (وَعَلَيْك من علم المليك عَلامَة ... نور أغر وَخَاتم مختوم) (أعْطى الْإِلَه نبيه برهانه ... شرفا وبرهان الْإِلَه عَظِيم) (قرم على تبيانه من هَاشم ... فرع تمكن فِي الذري وأروم) (وَلَقَد شهِدت بِأَن دينك صَادِق ... حق وَأَنَّك فِي الْأَنَام عَظِيم) (وَالله يعلم أَن أَحْمد مصطفى ... متقبل فِي الصَّالِحين عَظِيم) (مَضَت الْعَدَاوَة فانقضت أَسبَابهَا ... ودعت أواصر بَيْننَا وحلوم) قَالَ: فَأمر الْمَأْمُون لمصعب بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَقَالَ: ليكن الْقرشِي مثلك. قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون للْعَبَّاس يَوْمًا وَهُوَ يعظه: يَنْبَغِي يَا بني لمن اسبغ الله عَلَيْهِ

стр. 46

نعمه؛ وشركه فِي ملكه وسلطانه، وَبسط لَهُ فِي الْقُدْرَة أَن ينافس فِي الْخَيْر مِمَّا يبْقى ذكره، وَيُحب أجره، ويرجى ثَوَابه وَإِن يَجْعَل همته فِي عدل ينشره، أَو جور يدفنه، وَسنة صَالِحَة يحيها، أَو بِدعَة يميتها، أَو مكرمَة يعتقدها، أَو صَنِيعَة يسديها أَو يَد يودعها ويوليها، أَو أثر مَحْمُود يتبعهُ. قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون قد هم بلعن مُعَاوِيَة، وَأَن يكْتب بذلك كتابا يقْرَأ يَوْم الدَّار، وجفل النَّاس ففتاه عَن ذَلِك يحيى بن أَكْثَم وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن الْعَامَّة لَا تحْتَمل هَذَا وسيما أهل خُرَاسَان وَلَا تأمن أَن تكون لَهُم نفرة، وَإِن كَانَت لم تدر مَا عَاقبَتهَا والرأي أَن تدع النَّاس على مَا هم عَلَيْهِ، وَلَا تظهر لَهُم إِنَّك تميل إِلَى فرقة من الْفرق فَإِن ذَلِك أصلح فِي السياسة وَأَحْرَى فِي التدبر. قَالَ: فركن الْمَأْمُون إِلَى قَوْله فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قَالَ يَا ثُمَامَة: قد علمت مَا كُنَّا دبرناه فِي مُعَاوِيَة وَقد عَارَضنَا رأى هُوَ أصلح فِي تَدْبِير المملكة وَأبقى ذكرا فِي الْعَامَّة ثمَّ أخبرهُ أَن ابْن أَكْثَم خَوفه إِيَّاهَا، وَأخْبرهُ بنفورها عَن هَذَا الرأى. فَقَالَ ثُمَامَة: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ والعامة فِي هَذَا الْموضع الَّذِي وَضعهَا بِهِ يحيى. وَالله لَو وجهت أنسانا على عَاتِقه سَواد وَمَعَهُ عَصا لساق إِلَيْك بعصاه عشْرين ألفا مِنْهَا، وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا رَضِي اللَّهِ جلّ ثناءه أَن سواهَا بالأنعام حَتَّى جعلهَا أضلّ مِنْهَا سَبِيلا فَقَالَ ﵎: ﴿أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لقد مَرَرْت مذ أَيَّام فِي شَارِع الْخلد وَأَنا أُرِيد الدَّار فَإِذا إِنْسَان قد بسط كساءه وَألقى عَلَيْهِ أدوية وَهُوَ قَائِم يُنَادي عَلَيْهَا هَذَا الدَّوَاء لبياض الْعين، والغشاء والغشاوة، والظلمة، وَضعف الْبَصَر وَإِن إِحْدَى عَيْنَيْهِ لمطموسة وَفِي الْأُخْرَى مؤسى لَهُ وَالنَّاس قد انثالوا عَلَيْهِ وأجفلوا إِلَيْهِ يستوصفونه فَنزلت عَن دَابَّتي نَاحيَة وَدخلت فِي غمار تِلْكَ الْجَمَاعَة فَقلت: يَا هَذَا: أرى عَيْنك أحْوج هَذِه الْأَعْين إِلَى العلاج، وَأَنت تصف هَذَا الدَّوَاء وتخبر أَنه شِفَاء لوجع الْعين فَلم لَا تستعمله؟ : فَقَالَ: أَنا فِي هَذَا الْموضع مُنْذُ عشر سِنِين مَا مر بِي شيخ

стр. 47

أَجْهَل مِنْك. قَالَ: فَقلت وَكَيف ذَاك؟ قَالَ يَا جَاهِل: أَيْن اشتكت عَيْني؟ . قلت: لَا أَدْرِي. قَالَ: بِمصْر. قَالَ: فَأَقْبَلت على تِلْكَ الْجَمَاعَة فَقَالُوا: صدق الرجل أَنْت جَاهِل وهموا بِي. قَالَ: فَقلت لَا وَالله مَا علمت أَن عينه اشتكت بِمصْر. قَالَ: فَمَا تخلصت مِنْهُم إِلَّا بِهَذِهِ الْحجَّة. فَضَحِك الْمَأْمُون وَقَالَ: مَا ألقيت مِنْك الْعَامَّة. قَالَ الَّذِي لقِيت من اللَّهِ من سوء الثَّنَاء وقبح الذّكر أَكثر، قَالَ أجل. (ذكر حلم الْمَأْمُون ومحاسن أَفعاله وَمَكَارِم أخلاقه) قَالَ ابْن أبي طَاهِر: بَلغنِي أَن الْمَأْمُون قَالَ: إِنِّي لألذ الْحلم حَتَّى أحسبني لَا أوجر عَلَيْهِ. وَقَالَ قَاسم التمار: قَالَ الْمَأْمُون: لَيْسَ على فِي الْحلم مؤونة ولوددت أَن أهل الجرائم علمُوا رَأْيِي فِي الْعَفو فَذهب عَنْهُم الْخَوْف فتخلص لي قُلُوبهم. وَقَالَ جَعْفَر ابْن أُخْت الْعَبَّاس وَذكر حلم الْمَأْمُون فَقَالَ: لحلمه وَالله أرجح من حلوم ألف كلهم حَلِيم لَيْسَ فيهم ملك وَلَا خَليفَة ثمَّ أنشأ يحدثنا فَقَالَ: دخلت عَلَيْهِ أمس وَإِذا يَده معلقَة من شَيْء رطب أكله قد مسته النَّار وَهُوَ يَصِيح يَا غُلَام وَكلهمْ يسمع صَوته فَمَا مِنْهُم أحد يجِيبه فَخرجت إِلَيْهِم وَأَنا أفور غَضبا فَإِذا بَعضهم يلْعَب بالكعاب، وَبَعض يلْعَب بالشطرنج، وَبَعض يحارش بَين الديوك. فَقلت يَا بني الفواعل: أما تَسْمَعُونَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يدعوكم؟ فَقَالَ وَاحِد: حَتَّى أَقيس هَذَا الكعب وأجئ،: وَقَالَ الآخر قد بقيت لي على هَذَا ضَرْبَة، وَقَالَ آخر: أذهب فَإِنِّي أتبعك. فَمَا علمت مَا كنت أخاطب بِهِ من الغيظ والحنق عَلَيْهِم. قَالَ: فَإِذا الْمَأْمُون قد صَوت بِي وَأَنا أقذف أمهاتهم فَأَتَيْته وَهُوَ يضْحك فَقَالَ: أرْفق بهم فأنهم بشر مثلك قَالَ قلت: والعق أَنْت يدك. فَضَحِك وَقَالَ هَذَا معاشرتك خدمك؟ قَالَ قلت: وَالله لَو فعل بِي ابْني هَذَا دون خدمي لقتلته. قَالَ: هَذِه أَخْلَاق السوقة وأخلاقنا أَخْلَاق الْمُلُوك. قَالَ قلت: لَا وَالله مَا هَذِه أَخْلَاق الْمُلُوك وَلَا أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء أَيْضا.

стр. 48

حَدثنِي هَارُون بن مُسلم. قَالَ:: حَدَّثتنِي شكر مولاة أم جَعْفَر بنت جَعْفَر بن الْمَنْصُور قَالَت: سَمِعت الْمَأْمُون أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَت عِنْده أم جَعْفَر فَدَعَا بمقاريض قَالَت: أَو بمقراض قَالَ: فَقَالَ الْغُلَام: قد ذهب بِالْمَقَارِيضِ إِلَى الشماسية ثمَّ قَالَ يَا غُلَام: بل لنا الخيش فَوق. فَقَالَ الْغُلَام: لَا. قَالَ: يبل فَقَالَت أم جَعْفَر: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هَذَا؟ . وَأنْكرت أَن يكون سَأَلَ عَن شَيْئَيْنِ فَلم يعملا. فَقَالَ الْمَأْمُون: من قدرت على عُقُوبَته لسوء فعله، وقبيح جرمه فقدرتك عَلَيْهِ كافيتك نصرا لَك مِنْهُ وَلَا معنى لعقوبة بعد قدرَة، الْحلم عَن الذَّنب أبلغ من الْأَخْذ بِهِ. قَالَ: وَكَانَ لِلْمَأْمُونِ خَادِم يتَوَلَّى وضوءه فَكَانَ يسرق طساسه فَبلغ ذَلِك الْمَأْمُون فَعَاتَبَهُ ثمَّ قَالَ لَهُ يَوْمًا وَهُوَ يوضيه وَيحك لم تسرق هَذِه الطست، لَو كنت إِذا سرقتها اتيتني بهَا اشْتَرَيْتهَا مِنْك. قَالَ: فأشتر هَذَا الَّذِي بَين يَديك. قَالَ: بكم؟ . قَالَ: بدينارين. قَالَ الْمَأْمُون: أَعْطوهُ دينارين. قَالَ: هَذَا الْآن فِي الْأمان؟ . قَالَ: نعم. قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر أنْشد الْحسن بن رَجَاء لنَفسِهِ يصف حلم الْمَأْمُون وعفوه: - (صفوح عَن الإجرام حَتَّى كَأَنَّهُ ... من الْعَفو لم يعرف من النَّاس مجرما) (وَلَيْسَ يُبَالِي أَن يكون بِهِ الْأَذَى ... إِذا مَا الْأَذَى لم يغش بالكره مُسلما) وَأنْشد لآخر فِيهِ: (أَمِير الْمُؤمنِينَ عَفَوْت حَتَّى ... كَأَن النَّاس لَيْسَ لَهُم ذنُوب) قَالَ رزقان: قَالَ بشر بن الْوَلِيد لِلْمَأْمُونِ: إِن بشرا المريسي يشتمك، ويعرض بك، ويزري عَلَيْك، قَالَ فَمَا أصنع بِهِ؟ ثمَّ دس الْمَأْمُون إِلَيْهِ رجلا فَحَضَرَ مَجْلِسه

стр. 49

وَتسمع مَا يَقُول فَأَتَاهُ الرجل يَوْمًا فَقَالَ: سمعته يَقُول حِين أَرَادَ الْقيام وَفرغ من الْكَلَام بعد حمد اللَّهِ وَالثنَاء عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ الْعَن الظلمَة، وَأَبْنَاء الظلمَة من آل مَرْوَان وَمن سخطت عَلَيْهِ مِمَّن آثر هَوَاهُ على كتابك وَسنة نبيك ﷺ َ -. اللَّهُمَّ وَصَاحب البرذون الْأَشْهب فالعنة. فَقَالَ الْمَأْمُون: أَنا صَاحب البرذون الْأَشْهب وَسكت عَلَيْهَا. فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ بشر قَالَ لَهُ بعد أَن سَاءَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَتى عَهْدك بلعن صَاحب الْأَشْهب؟ فطأطأ بشر رَأسه ثمَّ لم يعد بعد ذَلِك إِلَى ذكره وَلَا التَّعَرُّض بِهِ . قَالَ الْعُتْبِي: جَاءَنِي رجل من أَصْحَاب الصَّنْعَة فَقَالَ أذكرني لأمير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أحل الطلق بَين يَدَيْهِ فِي يَوْم وَبَعض آخر. فَقلت يَا هَذَا:: أربح العناء وأجلس فِي بَيْتك وَلَا تعرض لأمير الْمُؤمنِينَ من نَفسك. قَالَ: فالحل عَلَيْهِ حرَام، وَمَاله صَدَقَة، وكل مَمْلُوك لَهُ حر إِن كَانَ كَذبك فِيمَا قَالَ:. ثمَّ قَالَ. وَأُخْرَى وَالله مَا آخذ مِنْكُم شَيْئا عَاجلا، وَقد أدعيت أمرا فأمتحنوني فِيهِ فَإِن جاءكما أدعيت كَانَ الْأَمر فِي اليكم، وَإِن وَقع بِخِلَاف ذَلِك انصرفت إِلَى منزلي. فَأخْبرت الْمَأْمُون بهَا. قَالَ: فتمثل بَيت الفرزدق: - (وقبلك مَا أعييت كاسر عينه ... زيادا فَلم يقدر على حبائله) ثمَّ قَالَ: لَعَلَّ هَذَا أَرَادَ أَن يصل إِلَيْنَا فأحتال بِهَذِهِ الْحِيلَة؛ وَلَيْسَ الرأى إِن يعرض علينا أحد علما فنظهر الزّهْد فِيهِ فَأحْضرهُ. قَالَ: فَجئْت بِالرجلِ وَقعد لَهُ الْمَأْمُون وأحضرت أَدَاة الْعَمَل. قَالَ: فَإِذا هُوَ بِحل الطلق أفضل مني بِمَا فِي السَّمَاء السَّابِعَة. فَنظر إِلَى الْمَأْمُون وَقَالَ: ألم تزْعم أَنه قد حلف لَك بِالطَّلَاق، وَالْعتاق، وَصدقَة مَا يملك، قلت. بلَى قَالَ: قد حنث. فَقلت للرجل والمأمون يسمع: ألم تحلف بِالطَّلَاق؟ قَالَ: لَيست لي امْرَأَة، قلت: فالعتاق؟ . قَالَ: وَمَالِي مَمْلُوك قلت: فصدقة مَا تملك؟ . قَالَ: مَا أملك خيطا ومخيطا. قلت كذب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 50

مَعَه دَابَّة وَله غُلَام. قَالَ: هَذَا عَارِية. فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُون وَقَالَ: هَذَا بِحل الدَّرَاهِم أعلم مِنْهُ بِحل الطلق ثمَّ أَمر أَن يُعْطي خَمْسَة ألف دِرْهَم فَلَمَّا خرج قَالَ للعتبي: رده. فَرده وَقَالَ: زيدوه مثلهَا فَلَيْسَ يجد فِي كل وَقت من يمخرق عَلَيْهِ. فَقَالَ الرجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْدِي بَاب من الحملان لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مثله. قَالَ أحملهُ على هَذِه الدَّرَاهِم فَإِن كنت صَادِقا صرت ملكا. قَالَ بعض القحاطبة وَذكر الْمَأْمُون فَقَالَ: ولي صاحبنا قَحْطَبَةَ بن الْحسن همذان، وأعمالا من أَعمال الْجَبَل فدق عَلَيْهِ خراجه فحبسه بِهِ فَكَانَ إِذا جَاءَهُ الْمُسْتَخْرج لحمله على أَدَاء مَا احتجن قَامَ فصلى فَلَا يزَال رَاكِعا وساجدا حَتَّى ينْصَرف ويتركه فَأخْبر بذلك الْمَأْمُون. فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه النَّوَافِل لَا يقبلهَا اللَّهِ حَتَّى تُؤدِّي الْفَرَائِض أحمل إِلَيْنَا مَا لنا قبلك فَكَانَ لَا يزيدهم على الصَّلَاة فَلَمَّا كشف على الْمَأْمُون ذَلِك وَقع يُطلق قَحْطَبَةَ ويسوغ مَا صَار إِلَيْهِ وَلَا يستعان بِهِ إِلَّا أَن يتْرك التَّسْبِيح وَصَلَاة الضُّحَى والنوافل ظَاهرا. حَدثُونِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي قَالَ: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا وَفِي مَجْلِسه جمَاعَة: هاتوا من فِي عسكرنا من يطْلب مَا عندنَا بالرياء. قَالَ: فَقَالَ كل وَاحِد بِمَا عِنْده، أما أَن يَقُول فِي عَدو بِمَا يقْدَح فِيهِ أَو يَقُول بِمَا يعلم أَنه يسر خَلِيفَته. فَلَمَّا قَالُوا ذَلِك قَالَ: مَا أرى عِنْد أحد مِنْكُم مَا يبلغ إرادتي ثمَّ أنشأ يحدث عَن أهل عسكره أهل الرِّيَاء حَتَّى وَالله لَو كَانَ قد أَقَامَ فِي رجل كل وَاحِد مِنْهُم حولا محرما مَا زَاد على مَعْرفَته. قَالَ: فَكَانَ مِمَّا حفظت عَنهُ فِي ثلب أَصْحَابه أَن قَالَ حِين ذكر أهل الرِّيَاء وَمَا يعاملون بِهِ النَّاس: تَسْبِيح حميد الطوسي، وَصَلَاة قَحْطَبَةَ، وَصِيَام النوشجاني، ووضوء المريسي، وَبِنَاء مَالك بن شاهي الْمَسَاجِد، وبكاء إِبْرَاهِيم بن بريهة على الْمِنْبَر، وَجمع الْحسن بن قُرَيْش الْيَتَامَى، وقصص منجا، وَصدقَة على بن الْجُنَيْد، وحملان إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فِي السَّبِيل، وَصَلَاة أبي رَجَاء الضُّحَى، وَجمع على بن هِشَام الْقصاص. قَالَ: حَتَّى عددنا جمَاعَة كَثِيرَة. فَقَالَ لي رجل من عُظَمَاء

стр. 51

الْعَسْكَر حِين خرجنَا من الدَّار بِاللَّه هَل رَأَيْت أَو سَمِعت بِملك قطّ أعلم برعيته وَلَا أَشد تنقيرا من هَذَا؟ قلت: اللَّهُمَّ لَا. فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث رجلا من أَصْحَاب الْأَخْبَار وَالْعلم فَقَالَ: وَمَا نصْنَع بِهَذَا قد شهِدت رسَالَته إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فِي الْفُقَهَاء يخبر بمعائبهم رجلا رجلا حَتَّى لَهو بهَا أعلم مِنْهُم بِمَا فِي مَنَازِلهمْ. قَالَ: وَقعد الْمَأْمُون يَوْمًا للمظالم فَقدم سلم صَاحب الْحَوَائِج بضعَة عشر رجلا فَنظر فِي مظالمهم وَأمر فَقضى حوائجهم وَكَانَ فيهم نَصْرَانِيّ من أهل كشكر كَانَ قد صَاح بالمأمون غير مرّة وَقعد لَهُ فِي طَرِيقه فَلَمَّا بصر بِهِ الْمَأْمُون اثبته معرفَة فَقَالَ ابطحوه: فَضَربهُ عشْرين درة ثمَّ قَالَ لسلم قل لَهُ: تعود تصيح بِي؟ فَقَالَ لَهُ سلم وَهُوَ مبطوح فَقَالَ النَّصْرَانِي قل لَهُ: أَعُود، وأعود وأعود، حَتَّى تنظر فِي حَاجَتي فأبلغه سلم مَا قَالَ. فَقَالَ: هَذَا مظلوم موطن نَفسه على الْقَتْل أَو قَضَاء حَاجته، ثمَّ قَالَ لأبي عباد: اقْضِ حَاجَة هَذَا كَائِنا مَا كَانَت السَّاعَة. حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: شهِدت الْمَأْمُون وَقد ركب بالشماسية وَخلف ظَهره أَحْمد بن هِشَام فصاح بِهِ رجل من أهل فَارس. اللَّهِ. اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن أَحْمد بن هِشَام ظَلَمَنِي واعتدى على. فَقَالَ: كن بِالْبَابِ حَتَّى أرجع، ثمَّ مضى فَلَمَّا جَازَ الْموضع بعدوة الْتفت إِلَى أَحْمد فَقَالَ: مَا أقبح بِنَا وَبِك أَن تقف وَصَاحِبك هَذَا على رُؤُوس هَذِه الْجَمَاعَة وتقعد فِي مجْلِس خصمك، وَيسمع مِنْهُ كَمَا يسمع مِنْك ثمَّ تكون محقا أم تكون مُبْطلًا فَكيف إِن كنت فِي صفته لَك، فَوجه إِلَيْهِ من يحوله من بابنا إِلَى رحلك وأنصفه من نَفسك، وأعطه مَا أنْفق فِي طَرِيقه إِلَيْنَا، وَلَا تجْعَل لنا ذَرِيعَة إِلَى مَا تكره من لائمتك فوَاللَّه لَو ظلمت الْعَبَّاس ابْني كنت أقل نكيرا عَلَيْك من أَن تظلم ضَعِيفا لَا يجدني فِي كل وَقت، وَلَا مجلوا لَهُ وجهى وسيما من تجشم السّفر الْبعيد وكابد حر الهواجر وَطول الْمسَافَة. قَالَ: فَوجه إِلَيْهِ أَحْمد فجَاء بِهِ وَكتب إِلَى عَامله يرد عَلَيْهِ مَا أَخذ مِنْهُ ويشتمه ويعنفه وَوصل الرجل بأَرْبعَة ألف دِرْهَم وَأمره بِالْخرُوجِ من يَوْمه.

стр. 52

حَدثنِي أَبُو زيد الحكم بن مُوسَى بن الْحسن قَالَ: شهِدت أبي وقف لِلْمَأْمُونِ فِي مربعة الْخَرشِيّ وَكَانَ يتظلم إِلَيْهِ من مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس الطوسي فَلَمَّا أقبل الْمَأْمُون من دَاره يُرِيد الشماسية فَصَارَ إِلَى المربعة عِنْد الرّبع نزل أَبُو الْحُسَيْن يَعْنِي اباه وَنظر إِلَيْهِ الْمَأْمُون فَأقبل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: - (دَعَوْت حران مَظْلُوما ليأتيكم ... فقد أَتَاك غَرِيب الدَّار مظلوم) فَوقف الْمَأْمُون عَلَيْهِ فَقَالَ: مِمَّن تتظلم؟ قَالَ: من مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس الطوسي. قَالَ يَا عَمْرو: انْظُر فِي حَاجَة الشَّيْخ وأنصفه وأعلمني مَا يكون، ثمَّ أَو مَا إِلَى الشَّيْخ أَن أركب فَركب وَجَاز الْمَأْمُون فَوقف النَّاس ينظرُونَ إِلَى أبي الْحُسَيْن يعْجبُونَ مِنْهُ وَمن اقدامه وَمن اكرام الْخَلِيفَة لَهُ. قَالَ: قَالَ قثم بن جَعْفَر: قَالَ الْمَأْمُون فِي يَوْم خَمِيس وَقد حضر النَّاس الدَّار لعلى ابْن صَالح: ادْع إِسْمَاعِيل. قَالَ: فَخرج فَأدْخل إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر. وَأَرَادَ الْمَأْمُون إِسْمَاعِيل بن مُوسَى فَلَمَّا بصر بِهِ من بعيد وَكَانَ أَشد النَّاس لَهُ بغضا رفع يَدَيْهِ مَا دهما إِلَى السَّمَاء ثمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ أبدلني من ابْن صَالح مُطيعًا فَإِنَّهُ لصداقته لهَذَا آثر هَوَاهُ على هواى ". قَالَ: فَلَمَّا دنا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر سلم فَرد عَلَيْهِ ثمَّ دنا فَقبل يَده فَقَالَ: هَات حوائجك. قَالَ: ضيعتي بالمغيثة غصبتها وقهرت عَلَيْهَا. قَالَ: نأمر بردهَا عَلَيْك. ثمَّ قَالَ: حَاجَتك: قَالَ: يَأْذَن لي أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الْحَج. قَالَ: قد أذنا لَك. ثمَّ قَالَ: حَاجَتك. قَالَ: وقف أبي أخرج من يَدي وَصَارَ إِلَى قثم وَالقَاسِم ابْني جَعْفَر. قَالَ: فتريد مَاذَا؟ . قَالَ: يرد إِلَى. قَالَ: أما مَا كَانَ يمكنا من أَمرك فقد جدنا لَك، وَأما وقف أَبِيك فَذَاك إِلَى ورثته ومواليه فَإِن رَضوا بك واليا عَلَيْهِم وقيما لَهُم رددناه إِلَيْك، وَإِلَّا أقررناه فِي يَد من هُوَ فِي يَده ثمَّ خرج. فَقَالَ الْمَأْمُون لعَلي بن صَالح: مَا لي وَلَك عافاك الله مَتى رَأَيْتنِي نشطت لإسماعيل بن جَعْفَر وعنيت بِهِ وَهُوَ صَاحِبي بالْأَمْس بِالْبَصْرَةِ. قَالَ: ذهب عَن فكري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: صدقت. لعمري ذهب عَن فكرك مَا كَانَ يحب عَلَيْك حفظه،

стр. 53

وَحفظ فكرك مَا كَانَ يجب عَلَيْك أَلا يخْطر بِهِ. فَأَما إِذا خطأت فَلَا تعلم إِسْمَاعِيل مَا دَار بيني وَبَيْنك فِي أمره. فَظن على أَنه عَنَّا بقوله هَذَا إِسْمَاعِيل بن مُوسَى فَأخْبر إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الْقِصَّة حرفا. حرفا فأذاعها. وَبلغ الْخَبَر الْمَأْمُون فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي وهب لي هَذِه الْأَخْلَاق الَّتِي أَصبَحت أحتمل بهَا على بن صَالح، وَابْن عمرَان وَابْن الطوسي، وَحميد بن عبد الحميد، وَمَنْصُور بن النُّعْمَان، ورعامش. قَالَ: وَبَلغنِي أَن الْمَأْمُون قَالَ لأبي كَامِل الطباخ يَوْمًا وَعلي بن هِشَام عِنْده اتخذ لنا رُؤُوس حملان تكون غداءنا غَدا. قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَقَالَ لعلى بن هِشَام: إِن من آئن الرؤوس أَن توكل فِي الشتَاء خَاصَّة، وَأَن يبكر آكلها عَلَيْهَا، وَألا يخلط بهَا غَيرهَا، وَلَا يسْتَعْمل بعقبها المَاء، فصل الْغَدَاة وصر إِلَيْنَا. فَلَمَّا صلى على جَاءَ ودعا الْمَأْمُون أَبَا كَامِل فَقَالَ: أحضر الْمَائِدَة وَقدم الرؤوس. فَقَالَ: إِن آدم نسى فنسيت. فَقَالَ: خُذ لنا السَّاعَة من فرْصَة جَعْفَر قدر باقلي يكون غداءنا مِنْهُ وَأحب أَن لَا تنسى. قَالَ: وَدخل أَبُو طَالب صَاحب الطَّعَام على لِلْمَأْمُونِ وَكَانَ من أسخف النَّاس وأجهلهم فَقَالَ الْمَأْمُون: كَانَ أَبوك يابا صديقنا، وَكُنَّا يَا بابحارة، وَأَنت يَا با لَا تعرف حَقنا وَلَا ترفع بِنَا رَأْسا، وَنحن يابا جيرانك، وَأَنت يابا لَا تبيعنا وَنحن يابا نوفيك. قَالَ:: والمأمون يطْرق مَا يرد عَلَيْهِ شَيْئا وَلَا يزِيدهُ على التبسم. قَالَ: وحَدثني أَحْمد بن الْخَلِيل. قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عباد. قَالَ: حَدثنِي أبي. قَالَ: دخلت على الْمَأْمُون وَعَلِيهِ مبطنة فِيهَا رقاع وَهُوَ جَالس على لبد فِي يَده عود وَهُوَ يقلب جمرا بَين يَدَيْهِ فِي كانون. قَالَ: فَبَقيت انْظُر إِلَى مبطنته. قَالَ: فَفطن لي: فَقَالَ: لَعَلَّك تنظر إِلَى الرّقاع الَّتِي فِي منطقتي يَا مُحَمَّد؟ . قَالَ: قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: أما سَمِعت قَول الشَّاعِر: - (إلبس جديدك إِنِّي لابس خلقي ... وَلَا جَدِيد لمن لَا يلبس الخلقا)

стр. 54

قَالَ: قَالَ وَرَأَيْت الْمَأْمُون فِي الحلبة وَجَاء فرس لغيره سَابِقًا فَوَثَبَ إِلَيْهِ فَضرب وَجهه قَالَ: فَسمِعت البحتري يَقُول لَهُ: يَا دغاء. يَا دغاء. يُرِيد يَا ضغاء (وَمن أَخْبَار طَاهِر بن الْحُسَيْن) قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: حَدثنِي أبوالعباس مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن طَاهِر قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن عِيسَى الْكَاتِب. قَالَ: حَدثنِي عبد اللَّهِ بن جَعْفَر الْبَغَوِيّ. قَالَ: سَمِعت مُحَمَّد بن يَقْطِين بمرو وَهُوَ على حرس ذِي اليمينين بخراسان يَقُول: مَا أعجب أَشْيَاء حدثها الْأَمِير يَعْنِي ذَا اليمينين من تَوليته عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن الحجابة وَهُوَ كَاتب. وتوليته سعيد بن الْجُنَيْد ديوَان الْخراج وَهُوَ بستاني وبا دَاب الْبَقر أحذق مِنْهُ بِالْكِتَابَةِ، وتوليته فلَانا وَكَانَ الْبَغَوِيّ يكنى عَنهُ. قَالَ: أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عَليّ وَولى أَبَا زيد ديوَان التوقيع والخاتم وَهُوَ لَا يحسن من الْكِتَابَة قَلِيلا وَلَا كثيرا. قَالَ: فَقلت لَهُ يَا أَبَا جَعْفَر أحكى هَذَا للأمير عَنْك؟ . فَقَالَ: مَا هُوَ: مَا هُوَ شَيْء أقوله أَنا وحدي. فأكره أَن يرجع إِلَيْهِ وأحسبك قد سَمِعت مَا سَمِعت. قلت: أجل. وَلَكِن لَهُ عَنْك موقعه فَأذن لي فِي أخباره. قَالَ وَكَانَ طَاهِر ذُو اليمينين إِذا تغدينا مَعَه وَخرج عَن حد الْجد بسطنا فِي أَخْبَار الْعَامَّة وَفِيمَا يحسن من الْهزْل. فَقلت لَهُ يَوْمًا بعقب مَا سَمِعت من مُحَمَّد: عِنْدِي أعز اللَّهِ الْأَمِير حَدِيث ظريف مِمَّا آثره عَن بعض أَوْلِيَاء الْأَمِير وخدمة. فَقَالَ: مَا الحَدِيث، وَعَن من هُوَ؟ . فخبرته قَالَ قل لَهُ: تزيد فِيهِ وكما وليتك حرس خُرَاسَان وَكَانَ أَبوك أبزاريا. ثمَّ قَالَ لي أخْبرك بمعان فِي هَذِه الْأَشْيَاء: أما توليتي عِيسَى الحجابة فَإِنَّهُ رجل خراساني الدَّار عراقي الاب لَهُ ظرف الْكتاب ولباقتهم وذكاؤهم وفهمهم وموقعه مني الْموقع الَّذِي لَا احتشمه فِي كل حالاتي فَأَرَدْت أَن يكون بيني وَبَين النَّاس من يفهمني وَيفهم عني، ويخبرني عَن الْوَارِد يَأْتِي إِذا ورد والداخل على إِذا دخل بِمَا أكتفى بِهِ عَن بحث الرجل عَن اسْمه وَنسبه وَأَصله. ويخبر الرجل بِمَا يجب أَن يلقاني بِهِ ويخاطبني بِمَا يضع عني مؤونة العناء. وَلم انتقصه عمله الَّذِي هُوَ فِيهِ

стр. 55

فَإِنَّمَا كَانَ توليتي أَيَّاهُ الحجابة عَبَثا، ثمَّ نقلته من عمل إِلَى عمل فَأَما وَقد زِدْته فَلَيْسَ بِعَيْب عِنْد من يفهم وَيعرف حجتي قَالَ: ثمَّ قَالَ لي خرجت من هَذِه الْوَاحِدَة؟ . قلت: نعم أعز اللَّهِ الْأَمِير. قَالَ: وَأما توليتي سعيدا ديوَان الْخراج فَإِنَّهُ رجل لي بِهِ حُرْمَة وخدمة فَأَرَدْت أَن أنوه بأسمه عِنْد من يعرفهُ وعرفني وَأَن أنفعه برزق هَذَا الدِّيوَان، وأحببت مَعَ ذَلِك أَن يعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ أَولا، ثمَّ مُوسَى بِهِ خاقَان، وَمُحَمّد بن يزِيد أَنِّي لم أفتقر إِلَيْهِمَا حِين قعد عني مُوسَى واستعفى مُحَمَّد ين يزْدَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ حِين ضمه إِلَيّ وَأَن يعلم النَّاس أَنِّي الْمُتَوَلِي لأعمالي لَا كتابي، وَأَن الدَّلِيل على ذَلِك أَنِّي وضعت فِي ديوَان الْخراج حمارا هُوَ عِنْدهم كَمَا وضعت لَو ظَنَنْت أَنه ينفذ لَهُ أَمر فِي ديوَان الْخراج فِي سحاءة مَا أقررته سَاعَة وَلَكِنِّي جعلت الِاسْم لما وصفت، ونصبت لَهُ خَليفَة يعاملني فِي أَخذه بِخَير ذَلِك الدِّيوَان وشره. خرجت من هَذِه الثَّانِيَة؟ قلت. نعم: وَالله انهى الْأَمِير وَكَانَ ذَلِك الرجل الْمَنْصُوب لخلافة سعيد مُوسَى بن الْفضل. قَالَ: وَأما توليتي أَبَا زيد فَرجل بيني وَبَينه إلْف الصبى، وَأنس الحداثة، وَلم أتسع لَهُ فِي عَاجل أيامي بِكُل مَا أحب من خَالص مَالِي فَأَحْبَبْت أَن يكون اسْمه بِهَذَا الدِّيوَان إِلَى مَا أجْرى لَهُ من مَالِي فتعجل نَفعه، وَلَيْسَ فِي هَذَا الدِّيوَان كثير عمل فاخترته لِئَلَّا يظْهر قلته فِي الْكِتَابَة؛ وَأَنا بعد من وَرَاء أتصفح عمله وَعمل غَيره. خرجت من هَذِه أَيْضا؟ . قلت: نعم وَالله أعز اللَّهِ الْأَمِير. قَالَ: واستحسنته فِي كل مَا أجَاب مِنْهَا. فَقلت لَهُ: فأحدث بِهَذَا عَن الْأَمِير؟ قَالَ: أفعل وددت أَن النَّاس كلهم عرفُوا عُذْري فِيمَا آتى وأذر لتخف على المؤونة وَيسلم صَدْرِي للْجَمِيع. قَالَ وحَدثني مُحَمَّد بن عِيسَى قَالَ: حدث أَحْمد بن خَالِد بن حَمَّاد، عَن أَبِيه خَالِد ابْن حَمَّاد قَالَ: كَانَ ذُو اليمينين لما صَار إِلَى خُرَاسَان ولي الْعَبَّاس بن عبد اللَّهِ

стр. 56

ابْن حميد بن رزين سَمَرْقَنْد فنسخط ذَلِك، وَأَرَادَ أَن يجمع لَهُ مَا وَرَاء النَّهر كلهَا فأستعفى فَوجدَ عَلَيْهِ ذُو اليمنيين من ذَلِك فَطلب إرضاءه فتعسر عَلَيْهِ وَكَانَ مِمَّن رام ذَلِك من قبله خَالِد بن حَمَّاد فَلم يجبهُ فَصَارَ الْعَبَّاس بعد أشهر إِلَى خَالِد يسْأَله الرّكُوب فِي أمره قَالَ لَهُ خَالِد: مَا كنت لأعاوده فِي شَيْء ردني عَنهُ، وَلَا أعلمهُ أَنه ردني مُنْذُ قدم فِي خُرَاسَان فِي حَاجَة. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: لست أَسأَلك كَلَامه وَلَكِنِّي أسأَل أَن تحضر إِيصَال سعيد بن الْجُنَيْد رقْعَة لي فَإِن وجدت مقَالا قلت قَالَ: أما هَذَا فَلَا أمتنع مِنْهُ عَلَيْك. قَالَ خَالِد: فصرت إِلَى ذِي اليمينين وَكنت أتحرى أَن يكون حضوري فِي آخر مَجْلِسه لِأَنَّهُ كَانَ يشْتَغل بِي إِذا دخلت عَلَيْهِ، وَيُوجب لي مَا كَانَ يُوجب ظَاهرا من إِيجَابه، وَكَانَ لَا يسْتَأْذن لي عَلَيْهِ لبروزه أبدا. فَدخلت فَأَلْفَيْته قد اسْتلْقى مُعْتَمدًا على يَدَيْهِ وَلما تمكن الأَرْض من ظَهره فأنتصب حِين سمع الوطئ حَتَّى فهمني ثمَّ عَاد إِلَى حَالَته الأولى. فَلَمَّا دَنَوْت من الْبسَاط اسْتَوَى جَالِسا فَرد ورحب كَمَا كَانَ يفعل، واستدناني إِلَى حَيْثُ كنت أَجْلِس فَسَأَلَ بِي وسألني وَقَالَ: وقفت على معناي فِي الانتصاب، ثمَّ عودي إِلَى حالى والاعتماد على يَدي؟ قلت: نعم أعز اللَّهِ الْأَمِير: أردْت أَن تعلمني أَنَّك لم تحتشمني. قَالَ: أجل. قَالَ: خُذُوا مَا بَين أَيْدِينَا من الْكتب والدواة وهاتوا الطَّعَام. وَقل مَا كنت أصير إِلَيْهِ إِلَّا حَبَسَنِي فتغديت عِنْده. فَلَمَّا بلغ سعيدا حضوري عِنْده ودعاءه بِالطَّعَامِ دخل ودناو أظهر من طرف كمه رقْعَة. فَقَالَ لَهُ ذُو اليمينين مَا هَذِه مَعَك؟ . وَكَانَ كثيرا مَا يفعل ذَلِك. قَالَ:: رقْعَة للْعَبَّاس بن عبد اللَّهِ بن حميد بن رزين. قَالَ: أتنكر بعد انْشِرَاح وَطيب نفس معي أَو سعتها رَأيا، وَأحسن بهَا كَذَا من نَفسك لَا يكنى عَن السوءة مفصحا بهَا. فتراجع سعيد وَخرج وأوتينا بالمائدة وَدخل من كَانَت لَهُ نوبَة فِي مؤاكلته فِي ذَلِك الْيَوْم، وَكَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابه الَّذين يَأْكُلُون مَعَه مؤاكلتهم أَيَّاهُ نَوَائِب بَينهم، وَكَانَ إِذا بَلغهُمْ أَنه قد دَعَا بالمائدة دخل من كَانَت لَهُ نوبَة وَانْصَرف

стр. 57

الْبَاقُونَ لَا يحْتَاج من كَانَت نوبَته إِلَى أَن يدعى، إِلَّا أَن يشتهى ذُو اليمينين أَن يَدْعُو رجلا فِي غير نوبَته فيدعو بِهِ فَلَمَّا أَخذنَا فِي الْأكل لم يرني أنبسط فِي الحَدِيث كَمَا كنت أفعل، أَو كَمَا كَانَ يُريدهُ من جَمِيع مؤاكلته من الانشراح وَترك الانقباض واستطابة الطّيب فَقَالَ لي يَا أَبَا الْهَيْثَم: أحسبك أنْكرت مَا أجبْت بِهِ سعيدا؟ . قَالَ قلت: إِي وَالله أصلح اللَّهِ الْأَمِير ولوددت إِنِّي لم أكن حضرت هَذَا الْيَوْم. فَقَالَ لي يَا أَبَا الْهَيْثَم: أَنِّي منيت بِأَمْر عَظِيم، وَوَقعت بَين خطتين صعبتين خرجت من خُرَاسَان وَأَنا رجل من أَهلهَا إِن لم أكن من أرفعهم قدرا فَلم أكن من أوضعهم حَالا وَلَيْسَ بخراسان أهل بَيت من أهل بيوتاتها، وَلَا أهل نعْمَة إِلَّا وبيننا وَبينهمْ معاشرة ومخاتنة أَو مصاهرة، أَو مجاورة فَهَذَا توسطنا بَين الْقَوْم وَمن كَانَ هَذَا موقعه لم يخل من صديق، وعدو، وَولى، وحاسد ثمَّ ندبت لهَذَا الْوَجْه فخشى الوالى أَن لَا أَفِي لَهُ فأغتم وساءه، وَرَأى مَا كنت فِيهِ بَين أظهرهم وتحرك من اسْمِي بَينهم مَا كَانَ كَافِيا لي وَلَهُم فِي يومهم، وسر الْعَدو والحاسد وَرَجا أَن يكون قصوري عَن الْقيام بِمَا أهيب بِي إِلَيْهِ تسقطني فَخرجت على هَذَا الْخطر الْعَظِيم فَأعْطى اللَّهِ جلّ وَعز أَكثر من الأمنية وَله الْحَمد. وَلم يكن لي غَايَة بعد مَا منح اللَّهِ وَأحسن إِلَّا أَن أرجع بنعمتي وجاهي وعزي إِلَى بلدي وداري، وإخواني، وجيراني ومعارفي ليشركوني فِي ذَلِك كَمَا شركوني فِي الِاعْتِدَاد بِهِ وليغيظ الْعَدو والحاسد من ذَلِك مَا يغِيظ. فَلَمَّا ولاني أَمِير الْمُؤمنِينَ خُرَاسَان لم أَضَع ثِيَابِي فِي منزلي حينا حَتَّى نَدِمت وأظهرت ذَلِك لمن حضرني مِمَّن آنس بِهِ فِي الْإِفْضَاء بِمثل ذَلِك إِلَيْهِ، وفكرت فِيمَا يلْزَمنِي من حق السُّلْطَان وَحقّ الإخوان ومثلت فِيمَا أوجب للصنفين فَرَأَيْت أَنِّي إِن وفرت على السُّلْطَان كل حَقه أخللت بالإخوان، وَإِذا أخللت بهم وأخطأهم مَا كَانُوا يقدرُونَ قَالُوا: لَا كَانَ هَذَا وَلَا كَانَ يَوْمه الَّذِي كُنَّا نؤمله وتعلقت أطماعنا بِهِ، وَإِن وفرت عَلَيْهِم مَا كَانُوا يقدرُونَ فِي أنفسهم لم يجز ذَلِك فِي التَّدْبِير وأخللت بالسلطان وَلم يكن ذَلِك حَقه

стр. 58

على وَلم يتحمله لي أَيْضا فَمَا ظَنك يَا أَبَا الْهَيْثَم بِمن يُرِيد أَن يسْقط بَين هذَيْن مَا يلْزمه لكل وَاحِد مِنْهُمَا كَيفَ لَا تكون حَالَته إِلَّا حَالَة صعبة. هَذَا الْعَبَّاس بن عبد اللَّهِ بن حميد أحد من لَا أدفَع أَسبَابه فَإِن رزينا وزريقا قدما خُرَاسَان، فِي وَقت وَاحِد ثمَّ لم يَزَالَا مُنْذُ ذَلِك على الْمَوَدَّة والائتلاف، وأورثنا ذَلِك أعقابهما إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وليت الْعَبَّاس مَا وليت فتسخط واراد أَكثر مِمَّا سميت لَهُ وَعمل على مَا أستوجبه فِي نَفسه بموالاته. وَلم يجز فِي التَّدْبِير إِلَّا مَا فعلت فأحتاج إِلَى أَن يترضى وَيطْلب مَا كَانَ عَنهُ غَنِيا لَو نفذ لوجهه وَطلب لَكَانَ مَا يروم أسهل من أَن يطْلب. مَا هَذِه الدَّالَّة والتحكم فِي هَذَا الْوَقْت. قَالَ: قلت: أصلح اللَّهِ الْأَمِير اغتممت بعدوتي هَذِه وَقد سررت بِمَا سَمِعت من الْأَمِير أبقاه اللَّهِ وَأَنا فِي أذن أَن أحكيه. قَالَ: شَدِيدا يَا أَبَا الْهَيْثَم وأبدي من عنْدك بِمَا رَأَيْت، وعَلى حسب مَا عرفت من مَعَاني فِيهِ فَإِنِّي أحب أَن تحدث بِهِ عني وتقرره عِنْد الْجَمِيع. حَدثنِي عبد اللَّهِ بن عَمْرو، عَن رجل من آل عِيسَى بن مُحَمَّد بن أبي خَالِد، عَن عبد اللَّهِ بن أَحْمد قَالَ: خرج مهزم بن الفرز مَعَ طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى خُرَاسَان فَلَمَّا جَاءَ الشتَاء قسم طَاهِر الْوَبر على أَصْحَابه وأغفل حَظّ مهزم فَدخل مهزم إِلَيْهِ فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير: قلت بَيْتا. قَالَ: أنْشدهُ. فَقَالَ: - (كفى حزنا أَن الْفراء كَثِيرَة ... وَأَنِّي بمرو الشاهجان بِلَا فرو) فَقَالَ لمن حضر: أجِيبُوا الرجل فَكَأَنَّهُ أرتج عَلَيْهِم فَقَالَ مهزم: أَنا أولى بإجابة نَفسِي. قَالَ: فأفعل فَقَالَ: - (صدقت لعمري إِنَّهَا لكثيرة ... وَلكنهَا عِنْد الْكِرَام أولى السرو) (فَإِن كنت عبديا فَمَا بك حَاجَة ... إِلَى لبس فرو فِي الشتَاء مَعَ الفسو) قَالَ: فَضَحِك طَاهِر مِنْهُ وَقَالَ: أما لإن أغفلناك حَتَّى حملناك على سوء القَوْل

стр. 59

فِي نَفسك لنحسنن صفدك فَأمر لَهُ بِعشْرَة أَثوَاب وبر بالخز والوشي فَبَاعَ مِنْهَا تسعا بتسعين ألفا وَأمْسك وَاحِدًا. حَدثنَا يحيى بن الْحسن قَالَ: كَانَ طَاهِرا يتَمَنَّى أَن يخْطب على مِنْبَر مرو فوليها سنة خمس وست ومأتين وخطب فِي سنة سبع لم يصل بهم إِلَّا ذَلِك الْيَوْم فَإِنَّهُ صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ اللَّهِ وَأثْنى عَلَيْهِ وَلم يدع لِلْمَأْمُونِ وَكَانَ على الْبَرِيد رجل يُقَال لَهُ كُلْثُوم بن ثَابت بن أبي سعد النَّخعِيّ وَهُوَ مولى مُحَمَّد بن عمرَان من فَوق فولاه مُحَمَّد بن عمرَان بريد خُرَاسَان قَالَ: فَقلت الْمَأْمُون رجل كريم من قتل فِي طَاعَته فَكَانَ لَهُ خلف يصلح للولاية ولاه ولى ابْن واخ. قَالَ: فَدخلت منزلي وَعلمت أَنه يقتلني فَلبِست ثِيَاب الأكفان وتطيبت لذَلِك وخرطت الخريطة إِلَى الْمَأْمُون بِالْخلْعِ وَقد كتب هَذَا الْخَبَر فِي وَقت موت طَاهِر على تَمَامه. وَقَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر كَانَ طَاهِر بن الْحُسَيْن بخراسان قبل أَن يَتَحَرَّك بِهِ الْحَال يتعشق جَارِيَة فِي جِيرَانه يُقَال لَهَا ديذا، وَكَانَت تُوصَف بِجَمَال عَجِيب وَكَانَ يخْتَلف إِلَيْهَا فَلَمَّا تحركت بِهِ الْحَال وَصَارَ إِلَى مَدِينَة السَّلَام وَقع فِي سجنه جَار، لديذا بحرم خَفِيف وَطَالَ حَبسه وَلم يعرف أحدا يشفع فِيهِ فأحتال بِمن يرفع رقْعَة لَطِيفَة فوصلت لَهُ إِلَى طَاهِر تخبره أَنه حبس بجرم يسير وَلَيْسَ لَهُ أحد يسْعَى فِي أمره وتوسل إِلَيْهِ بجوار ديذا فَلَمَّا قَرَأَ طَاهِر الرقعة كتب فِي ظهرهَا: - (وَيَا جَار ديذا لَا تخف سجن طَاهِر ... فوليك لَو تَدْرِي عَلَيْك شفيق) (أيا جَار ديذا أَنْت فِي سجن طَاهِر ... وَأَنت لديذا مَا علمت طليق) ثمَّ كتب فِي أَسْفَل الْبَيْتَيْنِ يخلى سَبيله وَيُعْطى أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَعَلِيهِ لعنة اللَّهِ فقد حرك مني سَاكِنا. وحَدثني أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن المهلبي قَالَ: ديذا صناجة كَانَت بنيسابور بارعة فِي صناعتها تنزل فِي مَوضِع يُقَال لَهُ " دروان كوش " بنيسابور وفيهَا

стр. 60

يَقُول طَاهِر فِي شعر لَهُ: - (فيا لَيْت شعري هَل أبيتن بعْدهَا ... بليلة مسرور بِحَيْثُ أُرِيد) (وَهل ترجعن خيلي إِلَى ربطاتها ... ويجمعني والمازقين صَعِيد) (وَهل عرفت ديذا مقَامي وموقفي ... إِذا أضرمت نَار وَلَيْسَ رقود) قَالَ: وَكَانَ كثيرا مَا يحارب الشراة فِي أول أمره وَيجمع لَهُم الجموع يدفعهم عَن بَلَده بوشنح وَغَيرهَا. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عَليّ بن طَاهِر: كَانَت ديذا الصناجة تنزل عِنْد ميدان زِيَاد وَفِي ديذا يَقُول طَاهِر بن الْحُسَيْن: - (أما أَنِّي لَك ديذا أَن تزوريني ... يَوْمًا إِلَى اللَّيْل أَو أَن تستزيريني) حَدثنِي: مُحَمَّد بن الْعَبَّاس ثَعْلَب الْكَاتِب حَاجِب طَاهِر عَن أَبِيه الْعَبَّاس قَالَ: أرسل طَاهِر إِلَى جَارِيَة لَهُ يعلمهَا أَنه يصير إِلَيْهَا فِي يَوْمه فأصلحت مَا تريدان تصلحه ثمَّ خرج يريدها فأعترضته فِي قصره جَارِيَة أُخْرَى فأجتذبته فَدخل إِلَيْهَا وَأقَام عِنْدهَا بَاقِي يَوْمه فَلَمَّا كَانَ من الْغَد كتبت إِلَيْهِ الأولى: - (أَلا يَا أَيهَا الْملك الْهمام ... لأمرك طَاعَة وَلنَا ذمام) (خلقنَا للزيارة واغتفلنا ... وَلم يَك غير ذَلِك وَالسَّلَام) وحَدثني أَبُو طَالب الْجَعْفَرِي قَالَ: قَالَ لي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن طَاهِر رَأَيْت ذَا اليمينين؟ . قلت نعم أصلحك اللَّهِ رَأَيْته على أَشهب هملاج مجدوف فأنكرت. هملاج مجدوف. فَقَالَ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ تَدْرِي مَا الْعلَّة فِي ذَلِك؟ قلت لَا. قَالَ: إِن ذَا اليمينين لما كَانَ يحارب رَافع وَهَذَا من أسرارا أخبارنا كَانَ وَاقِفًا فِي يَوْم نوبَته على دَابَّته فحرك الدَّابَّة ذَنبه فألقا فِي عينه الصَّحِيحَة طينا من ذَنبه فَتنحّى نَاحيَة حَتَّى أخرج مَا فِي عينه ثمَّ رَجَعَ إِلَى مقَامه فَجعل على نَفسه أَلا يركب إِلَّا مجدوفا.

стр. 61

قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عَليّ بن طَاهِر قَالَ: كَانَ أَسد بن أبي الْأسد مِمَّن خرج مَعَ جدي طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى خُرَاسَان: فَلَمَّا كَانَ بمرو أحتاج أَن يُوَجه قوما إِلَى خوارزم، وبخاري فَسمى فِيمَن سمى مَعَ الْقَائِد الَّذِي يتَوَجَّه إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة فالتوى وَرفع كتابا يشتط فِي الْمَسْأَلَة والأرزاق فَوَقع فِي كِتَابه بَيت: - (لَا تكونن جَاهِلا ... أَنْت فِي الْبَعْث يَا أَسد) فعاوده وَضرب أَصْحَابه حَتَّى كَاد أَن يبطل أَمر الْقَائِد المتوجه إِلَى النَّاحِيَة فَدَعَا بِهِ فَقَالَ لَهُ: لَعَلَّك تحسبك بِبَغْدَاد تُرِيدُ أَن تفْسد عَمَلي فَأمر فَضربت عُنُقه بَين يَدَيْهِ. حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن طهْمَان قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن سعيد أَخُو غَالب الصغدي قَالَ: كَانَ أَبُو عِيسَى وطاهر يتغذيان مَعَ الْمَأْمُون فَأخذ أَبُو عِيسَى هندباة فغمسها فِي الْخلّ وَضرب بهَا عين طَاهِر الصَّحِيحَة فَغَضب طَاهِر وَعظم ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِحْدَى عَيْني ذَاهِبَة وَالْأُخْرَى على يَدي عدل يعْمل بِي هَذَا بَين يَديك. فَقَالَ يَا أَبَا الطّيب: إِنَّه وَالله يعبث معي بِأَكْثَرَ من هَذَا الْعَبَث. قَالَ: وَكَانَ أَبُو عِيسَى عبيثا. وَذكر عَن يحيى بن أَكْثَم عَن الْمَأْمُون أَنه كَانَ يَقُول: مَا حابي طَاهِر فِي جَمِيع مَا كَانَ فِيهِ أحدا وَلَا مَالا أحدا، وَلَا داهن، وَلَا وَهن، وَلَا وني، وَلَا قصر فِي شَيْء، وَفعل فِي جَمِيع مَا ركن إِلَيْهِ ووثق بِهِ فِيهِ أَكثر مِمَّا ظن بِهِ وأمله، وَأَنه لَا يعرف أحدا من نصحاء الْخُلَفَاء وكفاءتهم فِيمَن سلف عصره وَمن بقى فِي أَيَّام دولته على مثل طَرِيقَته، ومناصحته، وغنائه، وأجرائه. قَالَ: ثمَّ كَانَ يحلف على صدق مَا يَقُول فِي ذَلِك مُجْتَهدا مؤكدا للْيَمِين على نَفسه. قَالَ: شكي مَنْصُور النمري إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن كُلْثُوم بن عمر والعتابي فَبعث طَاهِر إِلَى العتابي وأخفى منصورا فِي مَجْلِسه فَسَأَلَ طَاهِر العتابي أَن يصفح عَن مَنْصُور فَقَالَ: أصلح اللَّهِ الْأَمِير إِنَّه لَا يسْتَحق ذَاك، فَدَعَا منصورا فَخرج إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: وَلم لَا أستحق ذَاك مِنْك؟ . فَقَالَ لَهُ العتابي لِأَنِّي: -

стр. 62

(أصحبتك الْفضل إِذْ لَا أَنْت معربه ... كلا وَلَا لَك فِي استصحابه أرب) (لم ترتبطك على وَصلى مُحَافظَة ... وَلَا أجارك مَا أعثى بك الْأَدَب) (مَا من جميل وَلَا عرف نطقت بِهِ ... إِلَّا إِنِّي وَإِن أنْكرت تنتسب) فَأصْلح بَينهمَا طَاهِر بن الْحُسَيْن وَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم. قَالَ: وَكَانَ مَنْصُور النمري مِمَّن علمه العتابي الْكَلَام. (وَمن كَلَام طَاهِر بن الْحُسَيْن وتوقيعاته) قَالَ احْمَد بن أبي طَاهِر: قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى الهزوي: حَدثنِي أَبُو زيد مُحَمَّد هَانِئ قَالَ: كَانَ ذُو اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن يَقُول: لَا تستعن بِأحد فِي خَاص عَمَلك إِلَّا من ترى أَن نِعْمَتك نعْمَته تَزُول عَنهُ بزوالها عَنْك وتدوم عِنْده بدوامها لَك. قَالَ: ثمَّ الْتفت إِلَى أبي زيد أَو إِلَى من كَانَ يحدثه فَقَالَ لَهُ: لَا يكون هَذَا إِلَّا عِنْد من أكمله اللَّهِ بِالْعقلِ ثمَّ قَالَ مُحَمَّد بن هَانِئ مقرظا لذِي اليمينين: أَو تعلم لما جعله بِالْعقلِ كَامِلا، قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى الهزوي: فَقلت لَهُ نعم. لِأَن الْآدَاب والعلوم لَو حويت لرجل وَمنع الْعقل لَكَانَ منقوصا مَدْخُولا، وَلَو حرم الْآدَاب وَكَانَ مطبوعا على الْعقل مركبا ذَلِك فِيهِ كَانَ تَاما كَامِلا يدبر بِهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ: صدقت. توقيع لذِي اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى يحيى بن حَمَّاد الْكَاتِب النَّيْسَابُورِي قلَّة نظرك لنَفسك حرمتك سني الْمنزلَة، غفلتك عَن حظك حطتك عَن درجتك وجهلك بِموضع النِّعْمَة أحل بك الْغَيْر وَالنعْمَة، وعماؤك عَن سَبِيل الدعة أسلكك فِي طَرِيق الْمَشَقَّة حَتَّى صرت من قُوَّة الأمل معتاضا شدَّة الوجل، وَمن رَجَاء الْغَد معقبا بإياس الْأَبَد، حَتَّى ركبت مَطِيَّة الْخَوْف بعد مجْلِس الْأَمْن والكرامة، وصرت موضعا للرحمة بعد أَن تكنفتك الْغِبْطَة على أَنِّي أرى أمثل أمريك ادعاهما للمكروه

стр. 63

إِلَيْك، وأنفع حالتيك أضيقهما متنفسا بقول الْقَائِل: - (إِذا مَا بدأت أمرءا جَاهِلا ... ببر فقصر عَن حمله) (وَلم تلفه قَائِلا بالجميل ... وَلَا عرف الْعِزّ من ذله) (فسمه الهوان فَإِن الهوان ... دَوَاء لذِي الْجَهْل من جَهله) وَقد قَرَأت كتابك بإغراقك وإطنابك فَوجدت أرجأه عنْدك آيسه لَك، وأرقه فِي نَفسك أقساه لقلبي عَلَيْك، وَمن صافه مَا أذهبت وخامره مَا ذكرت خرس عَن تشقيق وتزويق الْكَذِب والآثام، ولعمري لَوْلَا تعلقك مني بِحرْمَة المعاينة، واتصالك مني بِسَبَب الْمُفَاوضَة، وإنحائي بهما لمن نالهما بسط الْمَنْفَعَة، وَقبض الْأَذَى والمعرة مَعَ إستدامتي النِّعْمَة بِالْعَفو عَن ذِي الجريمة، واستدعائي الزِّيَادَة بالتجاوز عَن ذِي الهفوة، واستقالتي العثرة بإقالة الزلة لنا لَك من عقوبتي مَا يُؤْذِيك، ومسك من سطوتي مَا ينهكك، وَبِحَسْبِكَ مَا أجترمته لنَفسك من الْعَجز ذلا وجهلا، وَمَا أخلدت إِلَيْهِ من الخمول وضعا، وَبِمَا حرمته من الْفضل عُقُوبَة ونقصا، وَفِي كِفَايَة اللَّهِ غنى عَنْك، وَفِي عَادَته الجميلة عوض مِنْك، وحسبنا اللَّهِ وَنعم الْوَكِيل أقوى معِين وَأهْدى دَلِيل. وَهَذَا نُسْخَة كتاب يحيى بن حَمَّاد الَّذِي هَذَا التوقيع جَوَاب عَنهُ لما حَبسه لتَركه مَا أَرَادَ أَن يقلده من كِتَابَته. " بِسم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم: تمم اللَّهِ للأمير السَّلامَة، وأدم لَهُ الْكَرَامَة، وَوصل نعْمَة عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ، وقوى إحسانه إِلَيْهِ بالسعادة ضعف صبري أعز اللَّهِ الْأَمِير عَمَّا أقاسي من ثقل الْحَدِيد، ومكابدة الهموم، ومصاحبة الوحشة فِي دَار الغربة عَن انْقِطَاع الْأَهْل، وَتعقب الوحل، واستخلاف الْبلَاء من وثيق الرَّجَاء وتذكري مَا أفاتني الْقَضَاء الْمَاضِي من رأى الْأَمِير أعزه اللَّهِ فِي، وموجدته على، لقد تخوفت أَن يسْرع لُزُوم الفكرة إيَّايَ فِي فسادي، وَيصير بِي تمكن الْهم إِلَى تغير حَالي وَلَوْلَا أَن سخط الْأَمِير ايده اللَّهِ لَا يصبر عَلَيْهِ، ووجده لَا يُقَام لَهُ لرأيت الامساك عَن

стр. 64

ذكر أَمْرِي وشكوى مَا بِي إِلَى أَن يستوى غيرما أَنا فِيهِ لسرور مَا كنت صرت إِلَيْهِ من أكرام الْأَمِير أيده اللَّهِ وبره وتشريفه وتقريبه، ولعمري أَن شَدِيد مَا أقاسي وَلَو دَامَ حينا من دهري ليصغر عِنْد لَحْظَة لحظها إِلَى ببره فضلا عَن رَأْيه الَّذِي جلّ عَن قدري، وَعجز عَن أحتماله شكري، وَقد تبين للأمير أعزه اللَّهِ أَمْرِي، وَتَحْقِيق شأني، فَإِن كَانَ مَا أَنا فِيهِ للهفوة الَّتِى كَانَت مني، وَالْجِنَايَة الَّتِي جنيتها على نَفسِي بِالْجَهْلِ بصباي، فقد وضع اللَّهِ عَن الصَّبِي فَرَائِضه علما بِحَالهِ وَكَانَت حَالي فِي الصباء قريبَة من حَاله، والأمير أعزه اللَّهِ أولى من عطف فِي ذَات اللَّهِ عَن زلتي، وأحتسب الْأجر فِي أقالة عثرتي وهفوتي؛ فَإِن رَأْي الْأَمِير أبقاه اللَّهِ أَن يَأْمر بِالدُّعَاءِ بِي وأستماع مني فعل منعما إِن شَاءَ اللَّهِ ". قَالَ: وَوَقع طَاهِر فِي قصَّة رجل متظلم من إصحاب نصر بن شبث: طلبت الْحق فِي دَار الْبَاطِل -. وَوَقع فِي قصَّة قهرمان لَهُ شكا سوء مُعَاملَة: - أسمح يسمح لَك -. قَالَ: وَوَقع إِلَى رجل يطْلب قبالة بعض أَعماله: - القبالة فَسَاد وَلَو كَانَت صلاحا لم تكن لَهَا موضعا. قَالَ: وَوَقع إِلَى السندي بن شاهك جَوَاب كِتَابه إِلَيْهِ يسْأَله الْأمان: - عش مَا لم أرك -. وَوَقع إِلَى خُزَيْمَة بن خازم فِي كِتَابه إِلَيْهِ -. الْأَعْمَال بخواتهما، والصنيعة بإستدامتها، وَإِلَى الْغَايَة مَا جرى الْجواد يحمد السَّابِق ويذم السَّاقِط -. وَوَقع إِلَى الْعَبَّاس ابْن مُوسَى استبطاءه فِي خراج الْكُوفَة: - (وَلَيْسَ أَخُو الْحَاجَات من بَات ساهرا ... وَلَكِن أَخُوهَا من يبيت على وَجل) وَوَقع فِي قصَّة رجل شكا أَن بعض قواده نزل فِي دَار لَهُ وفيهَا حرمه -. إِذا رَأَيْته فِي نَاحيَة دَارك فقد حل لَك قَتله - وَوَقع فِي قصَّة رجل ذكر أَن أَخَاهُ قتل فِي طَاعَة الْمَأْمُون - سالك طَاعَة اللَّهِ وَهُوَ ولي جزاءه - وَوَقع فِي قصَّة رجل ذكر أَنه قتل فِي يَوْم وَاحِد عشرَة من أَصْحَاب المخلوع - لَو كنت كَمَا وصفت لم يُخَفف علينا مَا ذكرت - وَوَقع فِي قصَّة رجل ذكر أَن منزله أحرق بالنَّار - أخطاءك من قصدك -.

стр. 65

قَالَ: وَدخل على طَاهِر بن الْحُسَيْن ذِي اليمينين كَاتب الْعَبَّاس بن مُوسَى وَكَانَ ركيكا فَقَالَ: أَخِيك إِن مُوسَى يُقْرِئك السَّلَام. قَالَ: وَمَا تلِي من أمره؟ قَالَ: أَنا كَاتبه الَّذِي أطْعمهُ الْخبز فَوَقع - يعْزل الْعَبَّاس بِسوء اخْتِيَاره للإكفاء - وَوَقع فِي قصَّة رجل مَحْبُوس - يخرج وَلَا يحوج - وَوَقع فِي قصَّة آخر -. يُطلق وَيعتق -. وَوَقع فِي قصَّة مستمنح -. يبل حَاله -. وَوَقع فِي قصَّة مستوصل -. يُقَام أوده -. وَوَقع فِي قصَّة مستجير - أَنا جَاره -. وَوَقع فِي قصَّة مستأمن -. يُؤمن سربه -. وَوَقع فِي قصَّة قَاتل -. لَا يُؤَخر قَتله -. وَوَقع فِي قصَّة شَاعِر -. يعجل ثَوَابه -. وَوَقع فِي قصَّة لص -. ينفذ حكم اللَّهِ فِيهِ -. وَوَقع فِي قصَّة ساع -. لَا يلْتَفت إِلَيْهِ -. وَوَقع فِي قصَّة قوم شغبوا على عاملهم -. الشغب للفرقة سَبَب، فلتمح أَسمَاؤُهُم، وَيحسن آدابهم، وَيقطع بِالنَّفْيِ آثَارهم ذكر وَفَاة طَاهِر بن الْحُسَيْن وَولَايَة طَلْحَة ابْنه قَالَ أَبُو مُحَمَّد مطهر بن طَاهِر: كَانَت وَفَاة ذِي اليمينين من حمى وحرارة أَصَابَته وَأَنه وجد مَيتا فِي فرَاشه وَقيل أَن عميه على بن مُصعب، وَأحمد بن مُصعب صَارا إِلَيْهِ يعودانه فسألا الْخَادِم عَن خَبره وَكَانَ يغلس بِصَلَاة الصُّبْح فَقَالَ الْخَادِم: هُوَ نَائِم لم ينتبه فأنتظراه سَاعَة. فَلَمَّا أنبسط الْفجْر وَتَأَخر عَن الْحَرَكَة فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ يقوم فِيهِ للصَّلَاة أنكرا ذَلِك. وَقَالا للخادم: ايقظه. فَقَالَ الْخَادِم: لست أجسر على ذَلِك. فَقَالَا لَهُ: طرق لنا ندخل عَلَيْهِ فدخلا فوجداه ملتفا فِي دواج قد أدخلهُ تَحْتَهُ وشده عَلَيْهِ من عِنْد رَأسه وَرجلَيْهِ فحركاه فَلم يَتَحَرَّك فكشفا عَن وَجهه فوجداه قد مَاتَ، وَلم يعلمَا الْوَقْت الَّذِي توفّي فِيهِ، وَلَا وقف أحد من خدمه على وَقت وَفَاته، وسألا الْخَادِم عَن خَبره، وَعَن آخر مَا وقف عَلَيْهِ مِنْهُ فَذكر: أَنه صلى الْمغرب، وَالْعشَاء الْآخِرَة ثمَّ ألتف فِي دواجه قَالَ الْخَادِم: وسمعته يَقُول بِالْفَارِسِيَّةِ كلَاما وَهُوَ: " در مرك نيز مردي بايد " تَفْسِيره أَنه يحْتَاج فِي الْمَوْت أَيْضا إِلَى الرجولة.

стр. 66

قَالَ: وَجَاء نعى طَاهِر بن الْحُسَيْن فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ. فَحَدثني يحيى بن الْحسن إِن عبد الْخَالِق، عَن أبي زيد حَمَّاد بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي كُلْثُوم بن ثَابت ابْن أبي سعد وَكَانَ يكنى أَبَا سعدة. قَالَ: كنت على بريد خُرَاسَان ومجلسي يَوْم الْجُمُعَة فِي أصل الْمِنْبَر. فَلَمَّا كَانَ فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ بعد ولَايَة طَاهِر بِسنتَيْنِ حضرت الْجُمُعَة فَصَعدَ طَاهِر الْمِنْبَر فَخَطب فَلَمَّا بلغ إِلَى ذكر الْخَلِيفَة أمسك عَن الدُّعَاء لَهُ. وَقَالَ: اللَّهُمَّ أصلح أمة مُحَمَّد ﷺ َ - بِمَا أصلحت بِهِ أولياءك، وأكفها مؤونة من بغى فِيهَا وحسد عَلَيْهَا من لم الشعث وحقن الدِّمَاء وأصلاح ذَات الْبَين. قَالَ: فَقلت فِي نَفسِي أَنا أول مقتول لِأَنِّي لَا أكتم الْخَبَر فأنصرفت وأغتسلت بِغسْل الْمَوْتَى، وائتزرت بازار، ولبست قَمِيصًا، وارتديت رِدَاء وطرحت السوَاد وكتبت إِلَى الْمَأْمُون. قَالَ: فَلَمَّا صليت الْعَصْر دَعَاني وَحدث بِهِ حَادث فِي جفن عَيْنَيْهِ وَفِي مآقيه فَسقط مَيتا. قَالَ: فَخرج طَلْحَة بن طَاهِر فَقَالَ: ردُّوهُ. ردُّوهُ. وَقد خرجت فردوني. فَقَالَ: هَل كتبت بِمَا كَانَ؟ . قلت: نعم. قَالَ: فأكتب بوفاته وَأَعْطَانِي خَمْسمِائَة ألف ومائتي ثوب فَكتبت بوفاته وبقيام طَلْحَة بالجيش. قَالَ: فوردت الخريطة على الْمَأْمُون بخلعه غدْوَة فدعى ابْن أبي خَالِد فَقَالَ: أشخص فأت بِهِ كَمَا زعمت وضمنت. قَالَ: أَبيت لَيْلَتي. قَالَ: لَا لعمري لَا تبيت إِلَّا على ظهر. فَلم يزل يناشده حَتَّى أذن لَهُ فِي الْمبيت، ووافت الخريطة بِمَوْتِهِ لَيْلًا فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: قد مَاتَ فَمن ترى؟ قَالَ: ابْنه طَلْحَة. قَالَ: الصَّوَاب. فأكتب بتوليته. فَكتب بذلك وَأقَام طَلْحَة فِيمَا ذكر لنا يحيى بن الْحسن واليا على خُرَاسَان فِي أَيَّام الْمَأْمُون سبع سِنِين بعد موت طَاهِر، ثمَّ توفّي وَولى عبد اللَّهِ بن طَاهِر خُرَاسَان وَكَانَ يتَوَلَّى حَرْب بابك فَأَقَامَ بالدينور وَوجه الجيوش ووردت وَفَاة طَلْحَة على الْمَأْمُون فَبعث إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر بِيَحْيَى بن أَكْثَم يعزيه عَن أَخِيه ويهنئه بِولَايَة خُرَاسَان وَولى عَليّ بن هِشَام حَرْب بابك.

стр. 67

وحَدثني يحيى بن الْحسن قَالَ: لما مَاتَ طَاهِر بن الْحُسَيْن بخراسان كتم الْمَأْمُون عبد اللَّهِ بن طَاهِر مَوته قَالَ: وَكتب إِلَى عبد اللَّهِ مولى لَهُم كَانَ أسلم على يَد طَاهِر: أَن أَبَاك قد مَاتَ فتحرز. فَكتب عبد اللَّهِ إِلَى الْمَأْمُون يستعلمه موت طَاهِر. فَكتب إِلَيْهِ الْمَأْمُون: لم أستر عَنْك علمه إِلَّا لِأَنِّي خشيت إِن تضعف وَأَنت فِي وَجه حَرْب فَخفت عَلَيْك من الفكرة والتواني وَقد كَانَ ذَلِك فرحمه اللَّهِ. قَالَ: وَكتب إِلَيْهِ القواد وَالْوُجُوه يعزونه وَكتب إِلَيْهِ الْفضل بن الرّبيع يعزيه وَكتب: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ ستر عَنْك موت أَبِيك خوف التواني فجد فِي الْأَمر الَّذِي أَنْت فِيهِ، مُتَوَلِّيًا لَهُ بِمَا يرضيه، وَمَا تعلم بِهِ أَنَّك قد قُمْت بِالْوَاجِبِ وأثره أثرا تعجله فِي الْكَلْب الَّذِي أَنْت بإزائه وأصدقه فَإِنِّي أعلم أَنَّك ستظفر بِهِ وَأَنا عَارِف بضعفه. قَالَ: أَبُو زَكَرِيَّا: حَدثنِي يزِيد بن عقال بذلك. قَالَ وَكتب إِلَيْهِ عبد اللَّهِ يُخبرهُ بِخَبَر نصر. وحَدثني بعض الْوُجُوه من أهل الْعَسْكَر وَأَصْحَاب السُّلْطَان قَالَ: أشهد أَنِّي كنت عِنْد الْعَبَّاس، وَكَانَ بِي آنسا، ولي مكرما فَحَدثني أَنه شهد مجْلِس الْمَأْمُون وَقد أَتَاهُ نعى طَاهِر فَقَالَ. لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ الْحَمد لله الَّذِي قدمه وأخرنا، ثمَّ ذكر بعد ذَلِك كلَاما طَويلا تَرَكْنَاهُ على عمد وَإِن كَانَ من حسن مَا ألفنا من هَذَا الْكتاب. فَأَما أَصْحَاب الْأَخْبَار والتاريخ فَذكرُوا أَن طَاهِرا لما مَاتَ بخراسان وثب الْجند بهَا فأنتبهوا بعض خزائنه وسلاحه ومتاعه فَقَامَ بأمرهم سَلام الابرش الْخصي وَأَعْطَاهُمْ رزق سِتَّة أشهر حَتَّى رَضوا وَسَكنُوا، وَأَن الْمَأْمُون ولي عبد اللَّهِ مَكَانَهُ وَكَانَ مُقيما بالرقة قد ولاه الْمَأْمُون إِيَّاهَا وَجمع لَهُ الشأم مَعهَا فَبعث إِلَيْهِ بعهده على خُرَاسَان، فضم إِلَيْهِ عمل أَبِيه فولى أَخَاهُ طَلْحَة خُرَاسَان وأستخلف بِمَدِينَة السَّلَام إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم وَذكروا أَن سعر الطَّعَام كَانَ فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، والكوفة، وَالْبَصْرَة غاليا وَأَن قفير الْحِنْطَة بالهاروني بلغ أَرْبَعِينَ درهما إِلَى الْخمسين بالقفيز الملجم. وحَدثني الْقَاسِم بن سعيد الْكَاتِب قَالَ: لما توفّي طَاهِر بن الْحُسَيْن بخراسان وَعبد اللَّهِ بن طَاهِر فِي وَجه نصر بن شبث كتب الْمَأْمُون إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر يعزيه

стр. 68

قَالَ: وَكتب إِلَيْهِ أَحْمد بن يُوسُف بن الْقَاسِم بن صبيح يعزيه عَن نَفسه أما بعد: فَإِنَّهُ قد حدث من أَمر الرزء الْعَظِيم بوفاة ذِي اليمينين مَا إِلَى اللَّهِ جلّ وَعز فِيهِ المفزع والمرجع وَفِيه عَلَيْهِ الْمُسْتَعَان وَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون إتباعا لأمر اللَّهِ، واعتصاما بِطَاعَتِهِ وتسليما لنازل قَضَائِهِ، ورجاء لما وعد الصابرين من صلواته وَرَحمته وهداه وَعند اللَّهِ نحتسب مُصِيبَتنَا بِهِ وَقد كَانَ سبق إِلَى الْقُلُوب عِنْد بداهة الْخَبَر من اللوعة واطلاع الفجيعة مَا كُنَّا نَخَاف أحباطه من الْأجر لَوْلَا مَا تدارك اللَّهِ بِهِ من الذّكر بِمَا وعد أهل الصَّبْر، فنسأل اللَّهِ أَن يذاب هَذِه الثلمة، ويسد هَذِه الْخلَّة بأمير الْمُؤمنِينَ أَولا، وَبِك ثَانِيًا وَأَن يعظم مثوبتك، وَيحسن عقباك، ويخلف بك ذُو اليمينين، ويعمر بك مَكَانَهُ من أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن كَافَّة الْمُسلمين، فَأَما مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من التسلية والتعزية فَإنَّك فِي فضل رَأْيك، واتساع لبك فِي حَالَة الْعِزَّة والنماء لم تكن تَخْلُو من عوارض الذّكر، وخواطر الْفِكر فِيمَا تعرو بِهِ الايام من نوائبها وَيبْعَث بِهِ من حوادثها وَفِي هَذَا الْمَنّ وفْق لَهُ أعداد للنوازل، وتوطين الْأَنْفس على المكاره فَلَا يكون مَعَه هلع، وَلَا إفراط وَلَا جزع بِإِذن اللَّهِ مَعَ أَن مرد كل ذِي جزع إِلَى سلوة لاثبات عَلَيْهَا فَأولى بالراغب فِي ذَات اللَّهِ يبتهل إِلَى اللَّهِ مثوبته فِي أوانها من بعض الأسى، وفجأة النكبة، وَأولى بِذِي اللب إِذا علم مَا هُوَ لَا بُد صائر إِلَيْهِ أَلا يبعد مِنْهُ أبعادا يلْزمه التَّفَاوُت عِنْد التَّأَمُّل وَاخْتِلَاف الْحَالين فِي بعد الأمد بَينهمَا وَقد كنت أحب أَلا أقنع فِي تعزيتك برَسُول وَلَا كتاب دون الشخوص إِلَيْك بنفسي لَو امكنني الْمسير أجلالا للمصيبة، وتأنسا بقربك بعد الَّذِي دخلني من الوحشة، فقد عرفت مَا خصني من المرزئة بِذِي اليمينين لما كنت اتعرف من جميل رَأْيه، وعظيم بره حَاضرا وَمَا كَانَ يذكرنِي بِهِ غَائِبا ذكره اللَّهِ فِي الرفيق الاعلى وَأَنت وَارِث حَقه على إِلَى مَا كنت لَك عَلَيْهِ من صدق الْمَوَدَّة وخالص النَّصِيحَة وَإِلَى اللَّهِ جلّ وَعز أَرغب فِي تأدية شكره وَالْقِيَام بِمَا أوجبه لَك فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بِالْكتاب إِلَى بِمَا أبلاك اللَّهِ فِي نَفسك، وألهمك من العزاء وَالصَّبْر مَعَ مَا أَحْبَبْت وَبِذَلِك فعلت إِن شَاءَ اللَّهِ.

стр. 69

(وَمن أَخْبَار ابْن طَاهِر بن الْحُسَيْن) وحَدثني: مُحَمَّد بن الْهَيْثَم أَن عبد اللَّهِ لما خرج إِلَى نصر بن شبث بعد أَن استحكم أمره، واشتدت شوكته، وَهزمَ جيوشه فَكتب إِلَيْهِ الْمَأْمُون كتابا يَدعُوهُ فِيهِ إِلَى طَاعَته، والمفارقة لمعصيته والمخالفة لَهُ فَلم يقبل. قَالَ: فَكتب عبد اللَّهِ إِلَيْهِ وَكَانَ الْكتاب إِلَى نصر من الْمَأْمُون كتبه عَمْرو بن مسْعدَة: أما بعد: فَإنَّك يَا نصر بن شبث قد عرفت الطَّاعَة وعزها. وَبرد ظلها، وَطيب مرتعها، وَمَا فِي خلَافهَا من النَّدَم والخسار، وَإِن طَالَتْ مُدَّة اللَّهِ بك فَإِنَّهُ إِنَّمَا يملى لمن يلْتَمس مُظَاهرَة الْحجَّة عَلَيْهِ لتقع عبره بِأَهْلِهَا على قدر إضرارهم واستحقاقهم وَقد رَأَيْت أذكارك وتبصيرك لما رَجَوْت أَن يكون لما أكتب بِهِ إِلَيْك موقع مِنْك. فَإِن الصدْق صدق، وَالْبَاطِل بَاطِل. وَإِنَّمَا القَوْل بمخارجه وبأهله الَّذين يعنون بِهِ، وَلم يعاملك من عُمَّال أَمِير الْمُؤمنِينَ أحد أنصح لَك فِي مَالك وَدينك، ونفسك، وَلَا أحرص على استنقاذك والانتياش لَك من خطائك مني فَبِأَي أول أَو آخر أوسطه أَو إمرة إقدامك يَا نصر على أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَمْوَاله، وتتولى دونه مَا ولاه اللَّهِ وتريد أَن تبيت آمنا أَو مطمئنا، أَو وادعا، أَو سَاكِنا، أَو هادئا فوعالم السِّرّ والجهر لَئِن لم تكن للطاعة مراجعا، وَبهَا خانعا لتستو بلن وخم الْعَاقِبَة، ثمَّ لأبد أَن بك قبل كل عمل، فَإِن قُرُون الشَّيْطَان إِذا لم تقطع كَانَت فِي الأَرْض فتْنَة وَفَسَاد كَبِير، ولأطأن بِمن معي من أنصار الدولة كواهل رعاع أَصْحَابك، وَمن تأشب إِلَيْك من داني الْبلدَانِ، وقاصيها، وطغامها، وأوباشها وَمن أنضوى إِلَى حوزتك من خراب النَّاس، وَمن لَفظه بَلَده، ونفته عشيرته لسوء مَوْضِعه فيهم وَقد أعذر من أنذر وَالسَّلَام. قَالَ: وَأقَام عبد اللَّهِ بن طَاهِر على محاربة نصر بن شبث خمس سِنِين حَتَّى طلب الْأمان. فَكتب عبد اللَّهِ إِلَى الْمَأْمُون يُعلمهُ أَنه حصره وضيق عَلَيْهِ. وَأَنه قد عاذ بالأمان وَطَلَبه. فَأمر الْمَأْمُون أَن يكْتب لَهُ كتاب أَمَان نسخته

стр. 70

أما بعد: فَإِن الْإِعْذَار بِالْحَقِّ حجَّة اللَّهِ المقرون بهَا النَّصْر، والاحتجاج بِالْعَدْلِ دَعْوَة اللَّهِ الْمَوْصُول بهَا الْعِزّ، وَلَا يزَال المعذر بِالْحَقِّ، المحتج بِالْعَدْلِ فِي استفتاح أَبْوَاب التأييد، واستدعاء أَسبَاب التَّمْكِين حَتَّى يفتح اللَّهِ وَهُوَ خير الفاتحين وَيُمكن وَهُوَ خير الممكنين، وَلست تعدو أَن تكون فِيمَا لهجت بِهِ أحد ثَلَاثَة، طَالب دين، أَو ملتمس دنيا، أَو متهورا يطْلب الْغَلَبَة ظلما، فَإِن كنت للدّين تسْعَى بِمَا تصنع فأوضح ذَلِك لأمير الْمُؤمنِينَ يغتنم قبُوله، إِن كَانَ حَقًا فلعمري مَا همته الْكُبْرَى، وَلَا غَايَته القصوى إِلَّا الْميل مَعَ الْحق حَيْثُ مَال، والزوال مَعَ الْعدْل حَيْثُ زَالَ، وَإِن كنت للدنيا تقصد فأبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ غايتك فِيهَا وَالْأَمر الَّذِي تستحقها بِهِ فَإِن أستحققتها وَأمكنهُ ذَلِك فعله بك فلعمري مَا يستجيز منع خلق مَا يسْتَحقّهُ وَإِن عظم، وَإِن كنت متهورا فسيكفي اللَّهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ مؤنتك. ويعجل ذَلِك كَمَا عجل كِفَايَته مُؤَن قوم سلكوا مثل طريقك كَانُوا أقوى يدا، وأكثف جندا، وَأكْثر جمعا وعددا ونصرا مِنْك فِيمَا أصارهم إِلَيْهِ من مصَارِع الخاسرين، وَأنزل بهم من حوائج الظَّالِمين وأمير الْمُؤمنِينَ يخْتم كِتَابه بِشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ﷺ َ - وضمانه لَك فِي دينه وذمته الصفح عَن سوالف جرائمك، ومتقدمات جرائرك، وإنزالك مَا تستأهل من منَازِل الْعِزّ والرفعة إِن أتيت وراجعت إِن شَاءَ اللَّهِ وَالسَّلَام. أَبُو إِسْحَاق أَحْمد ابْن إِسْحَاق. قَالَ: حَدثنِي بشر السَّلمَانِي: قَالَ سَمِعت أَحْمد بن أبي خَالِد يَقُول: كَانَ الْمَأْمُون إِذا أمرنَا بِأَمْر فَظهر من أَحَدنَا فِيهِ تَقْصِير أنكرهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَحَدثني جَعْفَر ابْن مُحَمَّد الرقي العامري قَالَ: قَالَ الْمَأْمُون لثمامة بن أَشْرَس الا تدلني على رجل من أهل الجزيرة لَهُ عقل وَبَيَان وَمَعْرِفَة يُؤَدِّي عني مَا أوجهه بِهِ إِلَى نصر بن شبث؟ قَالَ بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: رجل من بني عَامر يُقَال لَهُ جَعْفَر بن مُحَمَّد. قَالَ لَهُ: أحضرنيه قَالَ جَعْفَر فأحضرني ثُمَامَة فَأَدْخلنِي عَلَيْهِ فكلمني بِكَلَام كثير، ثمَّ أَمرنِي

стр. 71

أَن أبلغه نصر بن شبث. قَالَ. فَأتيت نصرا وَهُوَ بِكفْر عزون بسروج فأبلغته رسَالَته فأذعن وَشرط شُرُوطًا مِنْهَا: أَلا يطَأ بساطه قَالَ: فَأتيت الْمَأْمُون فَأَخْبَرته فَقَالَ: لَا أُجِيبهُ وَالله إِلَى هَذَا أبدا وَلَو أفضت إِلَى بيع قَمِيصِي هَذَا حَتَّى يطَأ بساطي. وَمَا باله ينفر مني؟ قَالَ: قلت لجرمه وَمَا تقدم مِنْهُ. فَقَالَ: أتراه أعظم جرما عِنْدِي من الْفضل بن الرّبيع، وَمن عِيسَى بن أبي خَالِد أَتَدْرِي مَا صنع بِي الْفضل؟ أَخذ قوادي وأموالى، وجنودى، وسلاحي وَجَمِيع مَا أوصى بِهِ أبي لي فَذهب بِهِ إِلَى مُحَمَّد وَتَرَكَنِي بمرو وحيدا فريدا وأسلمني وأفسد على أخي حَتَّى كَانَ من أمره مَا كَانَ وَكَانَ أَشد على من كل شَيْء، أَتَدْرِي مَا صنع بِي عِيسَى بن أبي خَالِد؟ ، طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبَائِي،، وَذهب بخراجى وفيئ، وأخرب على دياري، وأقعد إِبْرَاهِيم خَليفَة دوني وَدعَاهُ باسمى. قَالَ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أتأذن فِي الْكَلَام فأتكلم. قَالَ: تكلم. قلت الْفضل بن الرّبيع رضيعكم ومولاكم وَحَال سلفه حَالهم ترجع عَلَيْهِ بضروب كلهَا تردك إِلَيْهِ. وَعِيسَى بن أبي خَالِد رجل من أهل دولتك وسابقته وسابقة من مضى من سلفه سابقتهم ترجع عَلَيْهِ بذلك. وَهَذَا رجل لم تكن لَهُ يَد قطّ فَيحْتَمل عَلَيْهَا وَلَا لمن مضى من سلفه إِنَّمَا كَانُوا جند بنى أُميَّة. قَالَ: إِن ذَاك كَمَا تَقول فَكيف بالحنق والغيظ وَلَكِنِّي لست أقلع عَنهُ حَتَّى يطَأ بساطي. قَالَ: فَأتيت نصرا فَأَخْبَرته بذلك. قَالَ: فصاح بِالْخَيْلِ صَيْحَة فجالت ثمَّ قَالَ: ويلي عَلَيْهِ هُوَ لم يقو على أَربع مائَة ضفدع تَحت جنَاحه يَعْنِي الزط يقوى على جلبة الْعَرَب. قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر فَحدثت أَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما جَاءَهُ لِلْقِتَالِ وحصره وَبلغ مِنْهُ أعْطى الضمة وَطلب الْأمان فَأعْطَاهُ وتحول من مُعَسْكَره إِلَى الرقة سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وَصَارَ إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر فَوجه بِهِ إِلَى الْمَأْمُون فَكَانَ دُخُوله بَغْدَاد يَوْم الثُّلَاثَاء لسبع خلون من صفر سنة عشر وَمِائَتَيْنِ وَأنزل مَدِينَة أبي جَعْفَر ووكل بِهِ من يحفظه.

стр. 72

فَحدثت ان الْمَأْمُون، وَأَبا إِسْحَاق المعتصم وَآخر من القواد ذهب عني اسْمه اخْتلفُوا فِي ذكر الشجعاء من القواد، والجند، وَالْموالى فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا فِي الدُّنْيَا أحد أَشْجَع من عجم أهل خُرَاسَان، وَلَا أَشد شكوة، وَلَا أثقل وَطْأَة على عَدو. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: مَا فِي الدُّنْيَا سود الرؤوس أَشْجَع وَلَا أرما، وَلَا أثبت أقداما على الْأَعْدَاء من الأتراك وَبِحَسْبِكَ أَنهم بازاء كل أمة من أعدائهم فهم ينتصفون مِنْهُم ويغزونهم فِي بِلَادهمْ، وَلَا يغزوهم أحد، فَقَالَ الْقَائِد مَا فِي الدُّنْيَا قوم أَشْجَع من أَبنَاء خُرَاسَان المولدين، وَلَا أفتك مِنْهُم فَإِنَّهُم هم الَّذين أدخلُوا الاتراك فِي السواجير وآباؤهم هم الَّذين قادوا الدولة، وهم قَامُوا بِحَرب أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ أطاعوه فاستقامت الْخلَافَة بهم. فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا تَصْنَعُونَ بإختلافنا.؟ هَذَا نصر بن شبث نرسل إِلَيْهِ فنسأله عَن أَشْجَع من لقى من جندنا وقوادنا من الْقَوْم جَمِيعًا. فَأمر بنصر فأحضر وَسَأَلَهُ عَمَّا اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: الْحق أولى مَا أسْتَعْمل كل هَؤُلَاءِ قد لقِيت: أما الأتراك: فَإِنَّمَا التركي بسهامه فَإِذا أنفذها أَخذ بِالْيَدِ وَأما العجمي فبسيفه: فَإِذا كل استبسل. وَأما الْأَبْنَاء فَلم أر مثلهم لَا يكلون، وَلَا يملون، وَلَا ينهزمون يُقَاتلُون فِي شدَّة الْبرد فِي الأزر الْخلق بِلَا درع، وَلَا جوشن وَلَا مجن، وَمرَّة بِالرُّمْحِ وَمرَّة بِالسِّهَامِ يَخُوضُونَ الثَّلج فِي الْأَنْهَار ويخوضون فِي الهجير النَّار لَا يكلون وَلَا يملون. فَقَالَ الْقَائِد: حَسبنَا بك حكما بَيْننَا.

стр. 73

ذكر تَوْجِيه تَوْجِيه عبد اللَّهِ بن طَاهِر إِلَى عبيد اللَّهِ بن السّري قَالَ أَبُو حسان الزيَادي، والهاشمي، والخوارزمي وَجَمِيع أَصْحَاب التَّارِيخ كتب الْمَأْمُون إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما وَجه بنصر بن شبث إِلَى بَغْدَاد فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ أَن يتَوَجَّه إِلَى مصر وَكَانَ بَينه وَبَين ابْن السرى خلاف وَمنعه من الدُّخُول فَكتب بذلك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وأعلمه مَا كَانَ مِنْهُ فَكتب إِلَيْهِ فِي محاربته إِن أمتنع فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى طلب الْأمان. فَحَدثني الْحَرَّانِي قَالَ: ذكر عَطاء صَاحب مظالم عبد اللَّهِ بن طَاهِر قَالَ: قَالَ رجل من أخوة أَمِير الْمُؤمنِينَ لِلْمَأْمُونِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن عبد اللَّهِ بن طَاهِر يمِيل إِلَى ولد أبي طَالب وَكَذَا كَانَ أَبوهُ وجده. قَالَ فَدفع الْمَأْمُون ذَلِك وَأنْكرهُ. ثمَّ عَاد بِمثل هَذَا القَوْل فَدس إِلَيْهِ الْمَأْمُون رجلا ثمَّ قَالَ لَهُ: امْضِ فِي هَيْئَة الْغُزَاة أَو النساك إِلَى مصر فَادع جمَاعَة من كبرائها إِلَى الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن طَبَاطَبَا وَاذْكُر مناقبه، وَعلمه، وفضائله، ثمَّ صر بعد ذَلِك إِلَى بعض بطانة عبد اللَّهِ بن طَاهِر، ثمَّ ائته فَأَدَعُهُ، ورغبه فِي استجابته لَهُ، وابحث عَن دَقِيق نِيَّته بحثا شافيا وأتني بِمَا تسمع مِنْهُ. قَالَ: فَفعل الرجل مَا قَالَ لَهُ وَأمره بِهِ حَتَّى إِذا دَعَا جمَاعَة من الرؤساء والأعلام قعد يَوْمًا بِبَاب عبد اللَّهِ وَقد ركب إِلَى عبيد اللَّهِ بن السّري بعد صلحه وَأَمَانَة فَلَمَّا انْصَرف قَامَ إِلَيْهِ الرجل فَأخْرج من كمه رقْعَة فَدَفعهَا إِلَيْهِ. قَالَ: فَأَخذهَا بِيَدِهِ. قَالَ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دخل فَخرج الْحَاجِب إِلَيْهِ فَأدْخلهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَاعد على بِسَاط مَا بَينه وَبَين الأَرْض غَيره وَقد مد رجلَيْهِ وخفاه فيهمَا فَقَالَ لَهُ: قد فهمت مَا فِي رقعتك من جملَة كلامك فهات مَا عنْدك. قَالَ: ولى أمانك وَذمَّة اللَّهِ مَعَك؟ . قَالَ: لَك ذَلِك. قَالَ: فأظهر لَهُ مَا أَرَادَ وَدعَاهُ إِلَى الْقَاسِم وَأخْبرهُ بفضائله، وَعلمه، وزهده فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ أتنصفني؟ . قَالَ: نعم، قَالَ: هَل يجب شكر اللَّهِ على الْعباد؟ . قَالَ:

стр. 74

نعم. قَالَ: فَهَل يجب شكر بَعضهم لبَعض عِنْد الْإِحْسَان والْمنَّة، والتفضل؟ قَالَ نعم. قَالَ: فتجئ إِلَى وَأَنا فِي هَذِه الْحَال الَّتِي ترى لي خَاتم فِي الْمشرق جَائِز، وَفِي الْمغرب كَذَلِك وَفِيمَا بَينهمَا أَمْرِي مُطَاع، وَقَوْلِي مَقْبُول، ثمَّ مَا الْتفت يَمِيني وَلَا شمَالي وورائي، وقدامي إِلَّا رَأَيْت نعْمَة لرجل أنعمها على، وَمِنْه ختم بهَا رقبتي، ويدا لائحة بَيْضَاء ابتدأني بهَا تفضلا وكرما فتدعوني إِلَى الْكفْر بِهَذِهِ النِّعْمَة، وَهَذَا الْإِحْسَان وَتقول أغدر بِمن كَانَ أَولا لهَذَا واخرا، وَاسع فِي إِزَالَة خيط عُنُقه وَسَفك دَمه تراني لَو دعوتني إِلَى الْجنَّة عيَانًا من حَيْثُ أعلم أَكَانَ الله يحب أَن أغدر بِهِ، وأكفر إحسانه ومنته، وأنكث بيعَته ... . فَسكت الرجل. فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ: أما إِنَّه قد بَلغنِي أَمرك وتالله مَا أَخَاف عَلَيْك الا نَفسك فأرحل عَن هَذَا الْبَلَد فَإِن السُّلْطَان الْأَعْظَم إِن بلغه أَمرك وَمَا أَمن ذَلِك عَلَيْك كنت الْجَانِي على ظهرك وَظهر غَيْرك. قَالَ: فَلَمَّا أيس الرجل مِمَّا عِنْده جَاءَ إِلَى الْمَأْمُون فَأخْبرهُ الْخَبَر فَاسْتَبْشَرَ وَقَالَ: ذَاك غرس يَدي، وإلف أدبي. وترب تلقيحي وَلم يظْهر من ذَلِك لأحد شَيْئا ولأعلم بِهِ عبد اللَّهِ أَلا بعد موت الْمَأْمُون. وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: قَالَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَهُوَ بِمصْر يحاصر لِعبيد اللَّهِ ابْن السّري: (بكرت تسبل دمعا ... إِذْ رَأَتْ وَشك براحي) (وتبدلت صقيلا ... ويمينا بوشاحي) ( [وتماديت بسير ... لغدو ورواح] ) (زعمت جهلا بإنى ... تَعب غير مراح) (أقصري عني فإنى ... سالك قصد فلاحى) (أَنا لِلْمَأْمُونِ عبد ... مِنْهُ فِي ظلّ جنَاح) (إِن يعاف اللَّهِ يَوْمًا ... فقريب مستراحي)

стр. 75

(أَو يكن هلك فَقولِي ... بعويل وصياح) (حل فِي مصر قَتِيل ... ودعى عَنْك التلاحي) وحَدثني أَحْمد بن مُحَمَّد الثوابي، عَن ابْن ذِي القلمين قَالَ: بعث عبيد اللَّهِ بن السرى إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما ورد مصر جمَاعَة صانعوه من دُخُولهَا بِأَلف وصيف ووصيفة، مَعَ كل وصيف ألف دِينَار فِي كيس حَرِير وَبعث بهم إِلَيْهِ لَيْلًا فَرد ذَلِك عبد اللَّهِ عَلَيْهِ وَكتب إِلَيْهِ: لَو قبلت هديتك لَيْلًا لقبلتها نَهَارا ﴿بل أَنْتُم بهديتكم تفرحون ارْجع إِلَيْهِم فلنأتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا ولنخرجنهم مِنْهَا أَذِلَّة وهم صاغرون﴾ قَالَ: فَحِينَئِذٍ طلب الْأمان مِنْهُ وَخرج إِلَيْهِ. قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: خرج عبيد اللَّهِ بن السّري إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر يَوْم الْخَمِيس لخمس بَقينَ من رَجَب سنة أحدى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَأدْخل عبد اللَّهِ ابْن السرى لسبع بَقينَ من رَجَب وَأنزل مَدِينَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. قَالَ: وَأقَام عبد اللَّهِ بن طَاهِر بِمصْر واليا عَلَيْهَا وَسَائِر الشأم. حَدثنِي طَاهِر بن خَالِد بن نزار الغساني قَالَ: كتب الْمَأْمُون إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَهُوَ بِمصْر حِين فتح مصر فِي أَسْفَل كتاب لَهُ: - (أخي أَنْت ومولاي ... الَّذِي أشكر نعماه) (فَمَا أَحْبَبْت من أَمر ... فَإِنِّي الْيَوْم أهواه) (وَمَا تكره من شَيْء ... فَإِنِّي لست أرضاه) (لَك اللَّهِ على ذَاك ... لَك اللَّهِ لَك اللَّهِ) وحَدثني عبد اللَّهِ بن أَحْمد بن يُوسُف: إِن أَبَاهُ كتب إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر عِنْد خُرُوج عبيد اللَّهِ بن السّري يهنئه بذلك الْفَتْح عَلَيْهِ: بَلغنِي أعز اللَّهِ الْأَمِير
следующие страницы →