Полный текст (75 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
دير درمالس
هذا الدير في رقة باب الشماسية ببغداد، قرب الدار التي بناها الديلمي أحمد بن بويه، بباب الشماسية. وموقعه أحسن موقع. وهو نزه كثير البساتين والأشجار. وبقربه أجمة قصب. وهو كبير، آهل برهبانه وقسانه والمتبتلين فيه. وهو من البقاع المعمورة بالقصف، والمقصود بالتنزه والشرب.
وأعياد النصارى ببغداد، مقسومة على ديارات معروفة، منها أعياد الصوم: فالأحد الأول منه: عيد دير العاصية، وهو على ميل من سمالو.
والأحد الثاني: دير الزريقية.
والأحد الثالث: دير الزندورد.
والأحد الرابع: دير درمالس هذا. وعيده أحسن عيد، يجتمع نصارى بغداد إليه، ولا يبقى أحد ممن يحب اللهو والخلاعة إلا تبعهم. ويقيم الناس فيه الأيام، ويطرقونه في غير الأعياد.
ولأبي عبد الله بن حمدون النديم، فيه:
يا دير درمالس ما أحسنك ... ويا غزال الدير ما أفتنك
لئن سكنت الدير يا سيدي ... فإنّ في جوف الحشا مسكنك
ويحك يا قلب، أما تنتهي ... عن شدة الوجد بمن أحزنك
ارفق به، بالله، يا سيدي ... فإنه من حينه مكّنك
وكان من خبر هذا الشعر، ما ذكره أحمد بن خالد الصريفيني، قال: كنا عند أبي عبد الله بن حمدون، في الوقت الذي نفاه فيه المتوكل. فتذاكرنا الديارات، وطيبها وحسنها في الأعياد، واجتماع الناس بها. فقال: قد، والله، شهيتني لحضور هذه المواضع، والتفرج فيها، والتسلي بها، فأي دير منها قد حضر عيده؟ قلت: دير درمالس، وغداً عيده! قال: فعلى بركة الله. فأعددت جميع ما يحتاج إليه ويصلح لمثله، وبكرنا إلى الدير، ونظرنا إلى اجتماع الناس وتعييدهم. وانصرف من انصرف، وأقمت معه في الدير ذلك اليوم ومن غده. وجلسنا منه مجلساً يشرف على تلك البساتين والمزارع. فشرب، وطابت نفسه وطرب، وحضره من أحداث الموضع من كان يقضي لنا الحاجة ويجيئنا بالطرفة والتحية. فشغف بهم، واستطاب وقته معهم، وقال الأبيات المتقدمة.
وكان سبب نفي المتوكل له، أن الفتح بن خاقان، كان يعشق شاهك، خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه. وله فيه أشعار، منها:
أشاهك، ليلي مذ هجرت طويل ... وعيني دماً بعد الدموع تسيل
وبي منك، والرحمن، ما لا أطيقه ... وليس إلى شكوى إليك سبيل
أشاهك، لو يجزى المحبّ بودّه ... جزيت، ولكن الوفاء قليل
وكان أبو عبد الله، يسعى فيما يحبه الفتح، فعرف المتوكل الخبر، فاستدعى أبا عبد الله وقال له: إنما أردتك وأدنيتك لتنادمني، ليس لتقود على غلماني! فأنكر ذلك، وحلف يميناً حنث فيها، فطلق من كانت حرةً من نسائه، وأعتق من كانت مملوكة، ولزمه حج ثلاثين سنة، فكان يحج كل عام.
قال: فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت، فأقام بها أياماً. ثم جاءه زرافة في الليل على البريد، فبلغه ذلك، فظن أنه يعني المتوكل لما شرب بالليل وسكر، أمر بقتله، فاستسلم لأمر الله. فلما دخل عليه، قال: جئت في شيء ما كنت أحب أن أجيء في مثله! قال: وما هو؟ قال: أمر أمير المؤمنين بقطع أذنك! وقال: قل له: لست أعاملك إلا كما يعامل الفتيان! فرأى ذلك أسهل مما ظنه من القتل. فقطع غضروف أذنه من خارج، ولم يستقصه، وجعله في كافور معه، وانصرف. وبقي منفياً. ثم حدر أبو عبد الله إلى بغداد، إلى منزله. فأقام به مدة. قال أبو عبد الله: فلقيت إسحق بن إبراهيم الموصلي، بعدما كف بصره. فسألني عن أخبار الناس والسلطان. فأخبرته ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني. فجعل يسليني ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين والخاص من ندمائه؟ فقلت له: محمد بن عمر البازيار. فقال لي: ومن هذا الرجل؟ وما مقدار أدبه وعلمه؟ فقلت: أما أدبه، فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب: حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة، فدخل مروان بن أبي الجنوب بن أبي حفصة، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
بيضاء في وجناتها ... وردٌ، فكيف لنا بشمه
стр. 2
فسر المتوكل بذلك سروراً شديداً، وأمر، فنثر عليه بدرة دنانير، وأن تلقط وتطرح في حجره، وأمره بالجلوس، وعقد له على اليمامة والبحرين. فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت كاليوم قط، ولا أرى، أبقاك الله ما دامت السموات والأرض! وقبل، قال له: فما تقول في أدبه؟ فقال: أأكثر من أن يقول كثير!. فقال لي إسحق: ويلك! جزعت على أذنك وغمك قطعها؟ ولم؟ حتى تسمع مثل هذا الكلام؟ ثم قال لي: ويلك! لو أن لك مكوك آذان، أيش كان ينفعك مع هؤلاء؟ قال: وأعاده المتوكل إلى خدمته. وكان إذا دعا به، قال على جهة المزاح: يا با عبيد.
ولما رضي عنه، قال له: هل لك في جارية أهبها لك؟ فأكبر ذلك وأنكره. فوهب له جارية يقال لها صاحب، من جواريه، حسنة كاملة الأدب، إلا أن بعض الخدم رد السبطانة على فمها، وقد أرادت أن ترميه، فصدع إحدى ثنيتيها، فاسودت، فشانها ذلك عنده. وحمل معها كل ما كان لها: وكان شيئاً عظيماً كثيراً. فلما مات أبو عبد الله، تزوجت صاحب بعض العلويين. قال علي بن يحيى بن المنجم: فرأيته في النوم وهو يقول لي:
أبا علي، ما ترى العجائبا ... أصبح جسمي في التراب غائبا
واستبدلت صاحب بعدي صاحبا
ولأبي عبد الله شعر جيد. ومن شعره يعاتب علي بن يحيى:
من عذيري من أبي حسن ... حين يجفوني ويصرمني
كان لي خلاً وكنت له ... كامتزاج الرّوح بالبدن
فوشى واش، فغيّره ... وعليه كان يحسدني
إنما يزداد معرفةً ... بودادي حين يفقدني
قال: واتصل بنجاح بن سلمة، إن أبا عبد الله بن حمدون، يذكره ويتنادر به بين يدي المتوكل. فلقيه نجاح يوماًن فقال له: يا أبا عبد الله: قد بلغني ذكرك لي بحضرة أمير المؤمنين بغير الجميل، ولم يخف علي قولك! أتحب أن أنهي إليه قولك إذا خلوت به: أتراني أحبه، وقد فعل بي ما فعل؟ والله، ما وضعت يدي على أذني إلا تجددت له بغضة في قلبي. فقال ابن حمدون: الطلاق له لازم إن كان قال هذا قط، وامرأته طالق إن ذكرتك بغير ما تحبه أبداً! قال: كان إبراهيم بن محمد بن مدبر، يلاعب أبا عبد الله بالنرد. فإذا غلبه شيئاً، دفعه إلى كردية المغنية، جارية محمد بن رجا. فغلبه يوماً عشرين ديناراً، فأخذها منه ودفعها إليها. فكتب إليه أبو عبد اله بعد ذلك:
تقضي الحقوق بمالي ... وأنت تعرف حالي
إن دام هذا عليّ ... أفقرتني وعيالي!
وكان أبوه إبراهيم وأظن أنه الملقب بحمدون بن إسماعيل، ينادم المعتصم، ثم الواثق بعده. وكان يعابث المتوكل في ذلك الوقت. وجاءه مرة بحية في كمه، وأخرج رأسها تعريضاً بأمه شجاع، وكان ذلك يعجب الواثق.
قال: فلما مات الواثق، نادم حمدون المتوكل. قال: فلما كان في بعض الأيام، أمر المتوكل بإحضار فريدة جارية أخيه الواثق، وكانت من الحسن والاحسان على ما لم ير مثله. وقال للخدم. إن لم تجيء فجيئوني برأسها! فأحضرت مكرهة، ودفع إليها عود، فغنت غناء يشبه الندبة والمرثية، فأسمعها، وأمرها أن تغني غيره. فبكت وغنت غناء شجياً بحزن. فزاد ذلك في طيب غنائها، فوجم حمدون للرقة التي تداخلته! فغضب المتوكل، ورأى أنه فعل ذلك بسبب أخيه الواثق حزناً عليه، وكان يبغض كل من مالي إليه! فأمر بنفيه إلى السند وضربه ثلثمائة سوط! فسأل أن يكون الضرب من فوق الثياب لضعفه عن ذلك، فأجيب إلى ذلك. وأقام منفياً ثلاث سنين. وتزوج المتوكل فريدة بعد ذلك، فولدت له ابنه أبا الحسن.
قال: دعا إبراهيم جماعة من المغنين، فيهم جحظة وقاسم بن زرزر، وكان فيها عمه أبو محمد بن حمدون. فجعل إبراهيم يحاكي واحداً واحداً من المغنين. فقال له عمه: لا تحاك جحظة، ولا يكن بينك وبينه عمل! فلم يقبل، وحاكاه. فلم يزل جحظة يحتال في شيء يكتب فيه، إلى أن وجد رقعة، فكتب فيها:
حصلت على حكاية من يغني، ... فحاك لنا العجوز إذا تغنّت
وحاك لنا لبيباً إذ أتاها ... فأعطاها القمدّ كما تمنّت
فقال له عمه: ألم أقل لك: عقرب، لا تقرب!
стр. 3
وحكى جحظة، عن إبراهيم بن القسم زرزر، إن لاكهكيفي كان حسن الغناء مجيداً، وكان يحسد إبراهيم بن أبي العبيس على غنائه وشجا صوته. فلما مات إبراهيم وكانت وفاته في أيام المكتفي، على لاكهكيفي والدموع في عيني. فقال: ما لك؟ قلت: مات إبراهيم! قال: بسلام! والله، لو لم يمت لقتلته!
دير سمالو
وهذا الدير شرقي بغداد، بباب الشماسية، على نهر المهدي. وهناك أرحية للماء، وحوله بساتين وأشجار ونخل. والموضع نزه، حسن العمارة، آهل بمن يطرقه، وبمن فيه من رهبانه.
وعيد الفصح ببغداد، فيه منظر عجيب. لأنه لا يبقى نصراني إلا حضر وتقرب فيه، ولا أحد من أهل الطرب واللهو من المسلمين إلا قصده للتنزه فيه. وهو أحد متنزهات بغداد المشهورة، ومواطن القصف المذكورة.
ولمحمد بن عبد الملك الهاشمي، فيه:
ولربّ يوم في سمالو تم لي ... فيه السرور وغيّبت أحزانه
وأخ يشوب حديثه بحلاوةٍ ... يلتذّ رجع حديثه ندمانه
صافي الرّحيق من المدام شرابة ... والمحسنات من الأوانس شانه
بكرت عليّ به الزيارة فاغتدى ... طرباً إليّ وسرّني اتيانه
فأمرت ساقينا وقلت له اسقنا ... قد حان وقت شرابنا وأوانه
فتلاعبت بعقولنا نشواته ... وتوقّدت بخدودنا نيرانه
حتى حسبت لنا البساط سفينةً ... والدير ترقص حولنا حيطانه
ولخالد الكاتب، فيه:
يا منزل القصف في سمالو ... ما لي عن طيبك انتقال
واهاً لأيامك الخوالي ... والعيش صاف بها زلال
تلك حياة النفوس حقاً ... ولك ما دونها محال
وهو أبو الهيثم خالد بن يزيد الكاتب. وكان مليح الشعر رقيقه، لا يقول إلا في الغزل، ولا يتجاوز الأربعة أبيات، ولا يزيد عليها. ولم يكن له شعر في مدح ولا هجاء.
وذكر ميمون بن حماد، قال: دخل علي يوماً أبو عبد الله ابن الاعرابي، فقلت: يا أبا عبد الله، سمعت من شعر هذا الغليم شيئاً؟ قال: من هو؟ قلت: خالد بن يزيد. قال: لا، وإني لأحب ذلك! فصح به. فجاء حتى وقف. فقلت: أنشد أبا عبد الله شيئاً من شعرك. فقال: إنما أقول في شجون نفسي، لا أمدح ولا أهجو. فقلت: أنشده، فأنشده.
أقول للسقم عد إلى بدني ... حُباً لشيء يكون من سببك
فقال ابن الاعرابي: حسبك يا غلام! فقد خيل إلي أن الرقة قد جمعت لك في هذا البيت.
قال جحظة: حدثني خالد الكاتب، قال: كنت بدير سمالو، لم أشعر إلا ورسول إبراهيم ابن المهدي قد وافاني. فدخلت إليه، فإذا برجل أسود مشفراني قد غاص في الفراش، فاستجلسني، فجلست. فقال: أنشدني شيئاً من شعرك، فقلت: أيها الأمير، أنا غلام أقول في شجون نفسي، لا أكاد أمدح ولا أهجو. فقال: ذلك أشد لدواعي البلاء، فأنشدته:
رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من البدر والشمس المضيئة بالأرض
عشية حيّاني بوردٍ كأنه ... خدودٌ أضيفت بعضهن إلى بعض
وناولني كأساً كأن رضابها ... دموعي لما صدّ عن مقلتي غمضي
وولى وفعل السّكر في حركاته ... من الراح، فعل الريح بالغصن الغضّ
فزحف، حتى صار في ثلثي المصلى. ثم قال: يا بني، شبه الناس الخدود بالورد، وشبهت أنت الورد بالخدود! زدني، فأنشدته:
عاتبت نفسي في هوا ... ك، فلم أجدها تقبل
وأجبت داعيها إلي ... ك، ولم أطع من يعذل
لا والذي جعل الوجو ... هـ لحسن وجهك تمثل
لا قلت أن الصبر عن ... ك من التصابي أجمل
فزحف، حتى صار خارج المصلى، ثم قال: زدني! فأنشدته:
عش فحبّيك سريعاً قاتلي ... والضنى إن لم تصلني واصلي
ظفر الحبّ بقلبٍ دنف ... بك والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئابِ وضنى ... تركاني كالقضيب الذابل
وبكى العاذل لي من رحمتي ... فبكائي لبكاء العاذل
فصاح وقال: يا بليق: كم لي معك من العين؟ قال: ستمائة وخمسون ديناراً، قال: اقسمها بيني وبينهن واجعل الكسر كاملاً للغلام.
стр. 4
وذكر أحمد بن صدقة المغني، قال: اجتزت بخالد الكاتب يوماًن فقلت له: اعمل لي أبياتاً أغني فيها أمير المؤمنين، يعني المأمون. قال: فأي حظ لي في ذلك؟ تأخذ أنت الجائزة، وأحصل أنا على الاثم! فحلفت له، أنه إن وصلني بشيء، قاسمته إياه. فقال لي: أنت أنذل من ذاك! ولكن أذكره بي، فلعله يصلني بشيء. قلت: أفعل. فأنشدني:
تقول سلا فمن المدنف ... ومن عينه أبداً تذرف
ومن قلبه قلقٌ خافقٌ ... عليك وأحشاؤه ترجف
فحفظت الشعر، وعملت فيه لحناً، وحضرنا عند المأمون من الغد مع المغنين. وكان بينه وبين بعض حظاياه هجرة. فوجهت إليه بتفاحة عنبر مكتوب عليها بالغالية: يا سيدي سلوت. وما علم الله أني عرفت شيئاً من الخبر. وانتهى الدور إلي وابتدأت أغني بشعر خالد. فلما غنيته إياه، احمر وجه المأمون وانقلبت عيناه، ودارتا في أم رأسه، وظهر الغضب في وجهه، وقال: لكم على حرمي أصحاب أخبار؟ فقمت إعظاماً لما شاهدت منه، وقلت: أعيذ أمير المؤمنين بالله أن يظن بعبده هذا الظن، وأنزه داره أن يكون لأحد عليها صاحب خبر! قال: فمن أين عرفت خبري مع جاريتي حين غنيت في معنى ما بيننا؟ فحلفت له أني لا أعرف شيئاً من ذلك، وحدثته حديثي مع خالد. فلما انتهيت إلى قوله: أنت أبذل من ذاك! قال: أشهد أنك كذاك، وأسفر وجهه. وقال: ما أعجب هذا الاتفاق! وأمر لي بخمسة آلاف درهم، ولخالد بمثلها.
ومن مليح شعر خالد:
كبد المستهام كيف تذوب ... ما تقاسي من العيون القلوب
بدن المستهام كيف تراه ... شجنٌ ما له سواه طبيب
أين أين الرقاد يا مقلتي من ... حرّ أحشائه عليه رقيب
يا مكان الهوى خلوت من الصب ... ر، فما للسلو فيك نصيب
ومن مليح شعره:
ولم أدر ما جهد الهوى وبلاؤه ... وشدته حتى وجدتك في قلبي
أطاعك طرفي في فؤادي، فحازه ... لطرفك حتى صار في قبضة الحب
ومن شعره، وفيه لحن:
قد استعار الحسن من وجهه ... والغصن الناعم من قدّه
لقد تعاتبنا بأبصارنا ... فيما جناه الخلف من وعده
حتى تجارحنا بتكرارنا ... للّحظ في خدّي وفي خدّه
وله أيضاً:
ما على الغضبان لو كان رضي ... ورثى لي من تمادي مرضي
قال لي لما تشكّيت الهوى ... إحمد الله كذا قُضي
قلت: حاشى الله أن يقضي بذا ... بل قضاه صاحب الوجه الوضي
أنت شرّدت رقادي ظالماً ... فاجعل الانصاف منه عوضي
وله أيضاً:
رحلتم، فكم من أنةٍ بعد زفرةٍ ... مُبيّنةٍ للناس شوقي إليكم
وقد كنت اعتقت الجفون من البكا ... فقد ردّها في الرق حزني عليكم
وله أيضاً:
زراني في مورّدٍ مثل خدي ... هـ وعقد فصوله الكافور
ليلةٌ لم يكن سوى قصر اللي ... لة فيها عيبٌ ولا تقصير
قال جحظة: كنت يوماً عند عبد اله بن المعتز، فطلبت نعلي، فلم أجده. فجعلت أقول:
يا قوم من لي بنعلي ... أو في مصحّف نعل
فسار هذا البيت حتى رواه الصبيان.
قال: ودعاني عبيد الله يوماً، فأبطأت عنه، فكتب إلي:
لا تهجر الأمراء من بعدوا على ... فرس الح قيراط
فكتب إليه جحظة:
من كان خادم مثلكم فجواده ... فرس الحفاء ودينه طسّوج
قال جحظة: كنت أعشق جارية في القيان، يقال لها شروين. فسكرت عندي ليلةً، فخرئت في سطلي وحميديتي وانصرفت. فكتب إلي الهداهدي:
قد زارني خلٌّ أسرّ به ... حلو الشمائل راجح العقل
فبحقّ شروين التي خرئت ... في الطست والابريق والسطل
إلا أتيت مبادراً عجلاً ... وأرحت من نكد ومن مطل
حتى أراك إذا سكرت وقد ... شاركتها في ذلك الفعل!
ولجحظة، إلى ابن طرخان يدعوه:
لنا يا أخي زلةٌ وافره ... وقدرٌ معجّلة حاضره
وما شئت من خبر طيب ... ونادرة بعدها نادره
стр. 5
وراحٍ تريك إذا صفّقت ... سنا البرق في الليلة الماطره
ومحسنةٍ لم يخنها الصواب ... وزامرةٍ أيما زامره
فايت ولو كنت يا ابن الكرام ... وحاشاك من ذاك في الآخره
ألست أدري أين الفؤاد مقيماً ... يا مكان الفؤاد، أين الفؤاد؟
دفعته الأحشاء عما يليها ... فأذابته حرقةٌ واتقاد
وله:
نأيت فلم ينأ عنه الضّنى ... وعدت فعاد إلى نكسه
وفارقه الصبر في يومه ... لما فاته منك في أمسه
ومستوحشٍ آنسٍ بالبكاء ... على قلبه وعلى انسه
يرقّ هواه لأحشائه ... ويرثي له الشوق من نفسه
دير الثعالب
وهذا الدير ببغداد، بالجانب الغربي منها، بالموضع المعروف بباب الحديد. وأهل بغداد يقصدونه ويتنزهون فيه، ولا يكاد يخلو من قاصد وطارق. وله عيد لا يتخلف عنه أحمد من النصارى والمسلمين.
وباب الحديد، أعمر موضع ببغداد وأنزهه: لما فيه من البساتين والشجر والنخل والرياحين، ولتوسطه البلد وقربه من كل أحد. فليس يخلو من أهل البطالات، ولا يخل به أهل المتطرب واللذاذات. فمواطنه أبداً معمورة، وبقاعه بالمتنزهين مشحونة.
وقد قالت الشعراء في الدير وباب الحديد وقبرونيا، فأكثروا، ووصفوا حسن تلك المواضع فأطنبوا.
ولابن دهقانة الهاشمي، فيه:
دير الثعالب مألف الضّلال ... ومحلّ كل غزالةٍ وغزال
كم ليلة أحييتها ومنادمي ... فيها أثجّ مقطّع الأوصال
سمحٌ يجود بروحه فإذا مضى ... وقضى سمحت له وجدت بمالي
ونعم دين ابن مريم دينه ... غنجٌ يشوب مجونه بدلال
سقّيته وشربت فضلة كأسه ... فشربت من عذب المذاق زلال
وابن دهقانة هذا، من ولد إبراهيم ب محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ويعرف بأبي جعفر محمد بن عمر. وله شعر مليح. وذكر جحظة أنه أنشده:
أحين قطعت لك الواصلين ... وجدت عليك ولم أبخل
غدرت وأظهرت لي جفوةً ... وجرت عليّ ولم تعدل؟
أأطمع في آخر من هواك ... ولم ترع لي حرمة الأول؟
وذكر جحظة، أنه كان والي البصرة في أيام الزنج، وأنه أخذ من الناجم بها ثلاثين ألف دينار، وسلم إليه البصرة. وكان جحظة يكثر المكث عنده ولا يغبه. قال: فتأخرت عنه في وقت من الأوقات، لعارض عرض لي، فوجه إي يدعوني، فكتبت إليه: أنا والله عليل!
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنه قد خالط اللحم والدما
فوجه إلي بخمسين ديناراً وخلعة، وقال: هذا يزيل العلة، فبحياتي إلا جئتني! فمضيت إليه.
وذكر جحظة، أنه كان ينادم المعتمد والموفق، وكان عظيم الخلق، ثقيل الجسم، وكان إذا قام الخليفة ورجع، وقام الندماء، نام هو، وقال: هذا عوض القيام لما لم يكن يقدر عليه. وكان أكولاً، فكان يقول: قد أكلت حتى زمنت، وأريد آكل حتى أموت! ومن شعره:
فلو أن في جزعي راحةً ... لأصبحت أجزع من يجزع
سأصبر جهدي على ما ترى ... وإن عيل صبري، فما أصنع؟
وللناشىء، يذكر باب الحديد وقبرونيا:
ما جليدٌ يوم الندى بجليد ... بعدت والمزار غير بعيد
خبّرت عن ضميرها عبراتٌ ... صرن عوناً على الفؤاد العميد
يا ليالي اللذّات بالله عودي ... بين قبرونيا وباب الحديد
بين تلك الربى وقد نسج الو ... بل بكف الربيع ريط البرود
خدّه ضدّ صدغه مثل ما الوع ... د إذا ما اختبرت ضدّ الوعيد
طلب الطبل طايلات من الزّم ... ر وعاد السرور إذ عاد عودي
ومن رقيق شعره:
لم أسل عنك ولم أخنك ولم يكن ... في القلب مني للسلوّ مكان
لكن رأيتك قد مللت مودّتي ... فعلمت أنّ دواءك الهجران
دير الجاثليق
стр. 6
وهذا الدير، يقرب من باب الحديد، وهو دير كبير، حسن، نزه، تحدق به البساتين والأشجار والرياحين. وهو يوازي دير الثعالب في النزهة والطيب وعمارة الموضع، لأنهما في بقعة واحدة. وهو مقصود مطروق، لا يخلو من المتنزهين فيه والقاصدين له. وفيه رهبانه وفتيانه ومن يألف من أهل الخلاعة والبطالة.
وقالت الشعراء فيه ووصفته. ولمحمد بن أبي أمية الكاتب فيه، وفيه لحن خفيف رمل:
لهفي على قمرٍ في الدير مسجون ... في صورة الانس، في مكر الشياطين
والله ما أبصرت عيني محاسنه ... إلاّ خرجت له طوعاً من الدين
وله في هذا الدير أيضاً:
تذكرت دير الجاثليق وفتيةً ... بهم تمّ لي فيه السرور وأسعفا
بهم طابت الدنيا وتم سرورها ... وسالمني صرف الزمان وأنصفا
ألا ربّ يوم قد نعمت بظله ... أبادر من لذات عيشي ما صفا
أغازل فيه أدعج الطرف أهيفا ... وأُسقى به مسكية الطعم قرقفا
فسقياً لأيام مضت لي بقربهم ... لقد أوسعتني رأفةً وتعطفا
وتعساً لأيام رمتني بينهم ... ودهرٍ تقاضاني الذي كان أسلفا
ومحمد بن أمية هذا، أحد المتقدمين في الشعر، رقيق الطبع، حسن التصرف فيه، غريب المعاني. وأكثر شعره في الغزل. وكان هو وعلي أخوه يكتبان للفضل ابن الربيع. وهو عم أبي حشيشة الطنبوري.
ومن مليح شعره:
رأيتك حليتي دنيا ودين ... حياةً للضّجيع وللقرين
بدا لي بعدما سبقت يميني ... بهجرك أن أكفّر عن يميني
وله:
لم أسل عنك ولم أخنك ولم يكن ... في القلب مني للسلو مكان
لكن رأيتك قد مللت مودّتي ... فعلمت أن دواءك الهجران
ومن رقيق شعره:
يا غريباً يبكي لكل غريب ... لم يذق قبلها فراق حبيب
عزّه الصبر فاستراح إلى الدّم ... ع، وفي الدمع راحة للقلوب
ليت يوماً أراك فيه كما كن ... ت قريباً، فأشتكي من قريب
وله:
رب يوم منك لا أنساه لي ... أوجب الشكر وإن لم تفعل
أقطع الدهر بظن حسنٍ ... وأجلّى غمرةً ما تنجلي
وأرى الأيام لا تُدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي
كلما أمّلت يوماً صالحاً ... عرض الهجران دون الأمل
ومن نادر شعره:
لأُقيمن مأتماً عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النحيب
أظلمتني فيك الخطوب فلم أق ... وعلى أن أردّ ظلم الخطوب
ربّ، ما أوجع الهوى للقلوب ... لا ولا سيما فراق الحبيب
لم أكن أعرف الفراق فأقدم ... ت عليه غرّاً بلا تجريب
وله أيضاً:
اليوم أثكلني صبري فراقكم ... كذاك أعظم شيء فقد معشوق
قد كنت في فسحةٍ من قبل بينكم ... فاليوم صرت من الأحزان في ضيق
واغتالني زمنٌ قد كنت آمنه ... تعساً لغدرته من بعد توثيق
إني على العهد لم أنقض مودّتكم ... يا من يرى حسناً نقض المواثيق
وله:
ما ذاقت النفس على شهوةٍ ... ألذّ من ودّ صديق أمين
من فاته ودّ أخٍ صالح ... فذلك المغبون حقّ اليقين
وله، وهو من مليح شعره:
فيا شوق لا تنفد، ويا دمع فض وزد ... ويا شوق راوح بين جنبٍ إلى جنب
ويا عاذلي لمني، ويا عابد افتني ... عصيتكما حتى أغيّب في الترب
إذا كان ربّي عالماً بسريرتي ... فما الناس في عيني بأعظم من ربي
وله يصف روضة:
في جنانٍ كأنما نشرت فو ... ق ثراها حريرة خضراء
أعين النرجس الجنيّ نجومٌ ... واخضرار الرياض فيها سماء
للثرى تحتها سباتٌ وللما ... ء خريرٌ وللغصون غناء
وله:
فها أنا مغضٍ في رضاك وصابرٌ ... على مثل مصقول الذبابين قاضب
ومنتزح عما كرهت وجاعلٌ ... رضاك مثالاً بين عيني وحاجبي
وله:
стр. 7
كم فرحةٍ كانت وكم ترحة ... تخرّصتها لي فيك الظنون
إذا قلوبٌ أظهرت غير ما ... تضمره أنبتك عنها العيون
وله:
يُصعّد في الحشا نفسا ... ويسهر إن فتىً نعسا
يظلّ يعالج الزفرا ... ت إن أغفى وإن جلسا
غذا بالشوق مهجته ... وعلل نفسه بعسى
محبٌّ صيّر الشكوى إلى جلسائه أُنسا
وكان أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، يختم أماليه في مجالسه بمقطوع من شعر ابن أبي أمية، استحساناً له واستعذاباً لألفاظه، ويقرظه دائماً ويصفه.
دير مديان
وهذا الدير على نهر كرخايا ببغداد. وكرخايا نهر يشق من المحول الكبير ويمر على العباسية، ويشق الكرخ، ويصب في دجلة، وكان قديماً عامراً، والماء فيه جارياً، ثم انطم وانقطعت جريته بالبثوق التي انفتحت في الفرات.
وهو دير حسن، نزه، حوله بساتين وعمارة، ويقصد للتنزه والشرب، ولا يخلو من قاصد وطارق، وهو من البقاع الحسنة النزهة. وللحسين بن الضحاك، فيه:
حُثّ المدام فإن الكأس مترعة ... مما يهيج دواعي الشوق أحيانا
إني طربت لرهبانٍ مجاوبةٍ ... بالقدس بعد هدوّ الليل رهبانا
فاستنفرت شجناً مني ذكرت به ... كرخ العراق وإخواناً وأشجانا
فقلت، والدمع في عيني مطردٌ ... والشوق يقدح في الأحشاء نيرانا:
يا دير مديان، لا عرّيت من سكن ... ما هجت من سقم يا دير مديانا
هل عند قسّك من علم فيخبرني ... أن كيف يسعد وجه الصبر من بانا
سقياً ورعياً لكرخايا وساكنه ... بين الجنينة والروحاء من كانا
قال: كان أبو علي بن الرشيد، يلازم هذا الدير ويشرب فيه. وكان له قيان يحملهن إليه، ويقيم به الأيام، لا يفتر عزفاً وقصفاً، وكان شديد التهتك! وكان من يجاور الموضع يشكون ما يلقونه منه. فانتهى الخبر إلى إسحق بن إبراهيم الطاهري، وهو خليفة السلطان ببغداد. فوجه إليه يقبح له فعله، وينهاه عن المعاودة لمثله. فقال: وأي يد لاسحق علي؟ وأي أمر له فيّ؟ أتراه يمنعني من سماع جواري، والشرب بحيث أشتهي؟. فلما أتاه هذا القول منه أحفظه وتمهل، حتى إذا كان الليل، ركب إلى الموضع، وأحاط به من جميع جهاته، وأمر أن يفتح باب الدير، وينزل به على الحال التي هو عليها. فأنزل وهو سكران في ثياب مصبغة، وقد تضمخ بالخلوق، فقال له: سوءة لك! رجل من ولد الخلافة على مثل هذه الحال؟. ثم أر، ففرش بساط على باب الدير، وبطح عليه، وضربه عشرين درة، وقال: أن أمير المؤمنين لم يولني خلافته حتى أضيع الأمور وأهملها، ولا حتى أدعك وغيرك من أهل تعرونه وتفضحونه وتخرجون إلى ما خرجت إليه من التبذل والشهرة وهتك الحرمة وإخراجهن إلى الديارات والحانات. وفي تأديبك صيانة للخلافة، وردع لك ولغيرك عن هذه الفضيحة. ثم أمر بعماريات كانت معه، فأركب فيها مع حرمه، ورده إلى داره. فبلغ ذلك المعتصم، فكتب إليه يصوب رأيه وفعله، ويأمره أن لا يرخص لأحد من أهل بيته في مثله.
стр. 8
وأم أبي على هذا، تعرف بشكل. وكان الرشيد قد اشتراها وصاحبةً لها تعرف بشذر في يوم واحد. فحملت شذر وولدت أم أبيها؛ فحسدتها شكل، وبلغ بها الحسد إلى أمر عظيم من العداوة؛ حتى اشتهر ذلك. وحملت شكل وولدت أبا علي. وماتت أماهما؛ وبقيت العداوة بين أبي علي وأم أبيها، حتى بلغ الأمر بها إلى أن تهاجيا بالأشعار، وشاع أمرهما في جميع آل الرشيد! فلما قتل الأمين، وورد المأمون إلى بغداد، جلس يوماً وعمه إبراهيم بن المهدي وأبو إسحق أخوه والعباس ابنه، وتذاكروا العداوة التي بين هذين. فقال: لقد سمعت بخبر عداوتهما بخراسان، ولقد هممت أن أصلح بينهما. ووجه فأحضر أم أبيها، وأقبل يعاتبها وهي مطرقة لا ترد جواباً. ثم أمر بإحضار أبي علي. فلما رأته أم أبيها، تنقبت وسترت وجهها. فقال المأمون: كنت مسفرةً، فلما حضر أخوك تنقبت؟ قالت: والله يا أمير المؤمنين، لسفوري بين يدي عبد الله بن طاهر وعلي بن هشام أوجب من سفوري لأبي علي! فوالله، ما هو لي بأخ ولا للرشيد بابن! وقد قال الله في قريش: الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. قال ابن عباس: آمنهم من البرص والجذام، وهو والله أبرص، وما هو إلا ابن فلان الفراش! فأمر المأمون أخاه أبا إسحق، فجلدها حداً. فقالت: سوءةً يا أمير المؤمنين أن تحد أختك لابن الفراش، وسننت على بنات الخلفاء الحد! فوالله، لقد ظننت أن أمره يستتر، فأما الآن فوالله ليتناقلنه الرواة وليتحدثن به إلى أن تقوم الساعة!. ونهضت فقال المأمون: قاتلها الله! فلو كانت رجلاً لكانت أقعد بالخلافة من كثير من الخلفاء! وقد أبا علي الصلاة على جنائز أولاد الخلفاء ليدرأ عنه العيب.
ونرجع إلى ذكر إسحق بن إبراهيم، ونورد طرفاً من أخباره، في حزمه وضبطه، بقدر ما يليق بالكتاب.
إسحق هذا، هو ابن أخي طاهر ابن الحسين، ويكنى أبا الحسن. وكان المأمون اصطنعه وولاه خلافة عبد الله بن طاهر بحضرته لما أخرج عبد الله إلى خراسان، وكان أشد الناس تقدماً عنده واختصاصاً به.
فذكر عبد الله بن خرداذبه، أنه حضر مجلس المأمون يوماً، وقد عرض عليه أحمد بن أبي خالد رقاعاً، فيها رقعة قوم متظلمين من إسحق بن إبراهيم. فلما قرأها المأمون، أخذ القلم وكتب على ظهرها: ما في هؤلاء الأوباش إلا كل طاعن واش! إسحق غربي بيدي، ومن غرسته أنجب ولم يخلف، لا أعدي عليه أحداً. ثم كتب إلى إسحق رقعة، فيها: من مؤدب مشفق إلى حصيف متأدب. يا بني، من عز تواضع، ومن قدر عفا، ومن راعى أنصف، ومن راقب حذر. وعاقبة الدالة غير محمودة، والمؤمن كيس فطن. والسلام.
وولي إسحق للمأمون، ثم للمعتصم، ثم للواثق، ثم للمتوكل. ومات في أيام المتوكل. فأقام محمداً ابنه مكانه، فلبث يسيراً ومات. فاستدعي محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان، ورد إليه ما كان إلى إسحق.
وذكروا أن بعض ولد الرشيد وكان له موضع من النسب ومكان من المعرفة والأدب مرض ببغداد مرضاً طال، ولم يقدر على الركوب واشتهى التفرج والتنزه في الماء. فأراد أن يبني زلالاً يجلس فيه، فمنعه إسحق، وقال: هذا شيء لا نحب أن يعمل مثله إلا بأمر أمير المؤمنين وإذنه. فكتب إلى المعتصم يستأذنه في ذلك، فخرج الأمر إلى إسحق بإطلاقه له. فكتب إسحق: ورد عليّ كتاب من أمير المؤمنين بإطلاق بناء زلال لم يحد لي طوله ولا عرضه، فوقفت أمره إلى أن استطلع الرأي في ذلك. فكتب إليه يحمده على احتياطه، ويحد له ذرع الزلال.
قال: لما انتق المعتصم على سر من رأى، كان الناس في يوم الموكب يغشون دار المأمون، ويقعدون فيها على سبيلهم في حياته إجلالاً للسلطان وتعظيماً لأمره. فانصرف محمد بن إسحق في يوم من الأيام الحارة، وقد أطال الركوب. واجتاز بدار المأمون، وقد فتل قلنسوته على رأسه مستتراً بها من الشمس، فبلغ أباه ذلك، فضربه معاقباً له على اجتيازه بباب الخليفة متبذلاً!
стр. 9
وذكر عبد الله بن خرداذبه، أنه خرج يوماً من بين يدي المأمون في أثر إسحق بن إبراهيم، حتى إذا صار إلى الدهليز الثاني، وقف ووقف القواد والناس لوقوفه! ثم قال: أين خليفة علي بن صالح؟، وكان علي ذلك الوقت صاحب أمر الدار والموسوم بالحجبة. فأتي بخليفته، فضربه مائة مقرعة، ثم قال: الحبس!. ثم قال: هاتوا خليفة صاحب البريد. فأتي به، فضربه مائة مقرعة، ثم قال: الحبس!. ثم دعا بعلي بن صالح وبصاحب البريد، وقال لهما: تقلدان خلافتكما في دار الخليفة من يضيع الأمور ويهملها؟ كنتما بهذا الأدب أحق من هذين!. فقالا: وما كان من أمرهما الذي أنكرته، أيها الأمير؟ فقال: صاحب بريد يقعد في دار الخليفة، فيضحك ويقهقه، وصاحب الدار جالس لا ينكر؟ ثم خرج! قال: فكنت أدخل الدار بعدها، فلا أرى فيها ضاحكاً! قال: ودخل إسحق في يوم نوروز إلى المتوكل، والسماجة بين يديه. وعلى المتوكل ثوب وشي مثقل، وقد كثر أصحاب السماجة حتى قربوا منه للقط الدراهم التي تنثر عليهم، وجذبوا ذيله! فلما رأى إسحق ذلك، ولى مغضباً، وهو يقول: أف وتف! فما تغني حراستنا المملكه مع هذا التضييع!. ورآه المتوكل وقد ولى، فقال: ويلكم! ردوا أبا الحسين، فقد خرج مغضباً! فخرج الحجاب والخدم خلفه، فدخل وهو يسمع وصيفاً وزرافة كل مكروه، حتى وصل إلى المتوكل. فقال: ما أغضبك، ولم خرجت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عساك تتوهم أن هذا الملك ليس له من الأعداء مثل ما له من الأولياء! تجلس في مجلس يبتذلك فيه مثل هؤلاء الكلاب تجذبوا ذيلك، وكل واحد منهم متنكر بصورة منكرة، فما يؤمن أن يكون فيهم عدو قد احتسب نفسه ديانةً وله نية فاسدة وطوية ردية، فيثب بك! فمتى كان يستقال هذا، ولو أخليت الأرض منهم؟. فقال: يا أبا الحسين، لا تغضب! فوالله لا تراني على مثلها أبداً. وبني للمتوكل بعد ذلك مجلس مشرف، ينظر منه إلى السماجة.
وذكر موسى بن صالح بن شيخ، أنه كلم إسحق بن إبراهيم في امرأة من أهله، وسأله النظر لها فقال: يا أبا محمد، من قصة هذه المرأة، ومن حالها، ومن بعلها، قال: فوالله إن زال يصفها حتى تحيرت.
قال أبو البرق الشاعر: كان إسحق يجري علي أرزاقاً، فأنشدته يوماً، فسألني عن عيالي، وما احتاج إليه لهم، ثم قال لي: تحتاج عيالك في كل شهر من الدقيق كذا، ومن كذا كذا ... فما زال يخبرني بشيء من أمر منزلي جهلته وعلمه هو! قال: وورد على إسحق كتاب من المعتصم، وهو جالس يشرب، ومعه محمد بن راشد الخناق، وكان خصيصاً به أثيراً عنده. فما فرغ من قراءة الكتاب حتى قال: سياط وعقابين وجلادين! فأحضر ذلك. فأمر بمحمد بن راشد، فأقيم من مجلسه وشق عنه ونصب في العقابين، وهو يقول: أيها الأمير، ما حالي؟ ما قصتي؟. فقال: الحق الجوهر الذي كان لفلان، من صفته كيت وكيت، تحضرنيه الساعة، وإلا أتيت على نفسك!. فذهب يتلكأ فقال: أوجعوا! فلما أحس بالضرب، قال: أنا أحضره أيها الأمير. قال: وحق أمير المؤمنين، لا برحت مكانك أو تحضره!. فأحضره لوقته. فلما رآه إسحق، سري عنه وأسفر وجهه وقال: هاتوا ثياباً، فأتي بخلعة، فألبسها. ورده إلى موضعه. وأجاب عن الكتاب، وأنفذ الحق لوقته إلى المعتصم. فقال محمد: أيها الأمير، ما أبعد ما بين الفعلين؟. فقال: ويحك! وفيت الخدمة والنصيحة، ووفيت المودة بعد ذلك حقها.
وذكر أبو حشيشة الطنبوري، قال: كنت يوماً في منزلي، إذ طرق الباب صاحب بريد، وقال: أجب! فلما قال أجب، علمت أنه أمر عال. فلبست ثيابي، ومضيت معه حتى دخلنا دار إسحق بن إبراهيم. فعدل بي إلى ممر طويل فيه حجر متقابلة، تفوح من جميعها روائح الطعام. فأدخلت حجرة منها، وقدم إلي طعام في نهاية النظافة وطيب الرائحة، فأكلت. وجاؤوني بثلاثة أرطال، فشربت. وأحضروا لي صندوقاً فيه طنابير، فاخترت طنبوراً منها، وأصلحته على الطريقة، وأخرجت من الموضع إلى حجرة لم أر أحسن منها. وإذا في مجلسها رجلان جالسان، على أحدهما قباء ملحم وقلنسوة سمورية، وعلى الآخر ثياب خز؛ وستارة مضروبة فيه. فسلمت وأمرت بالجلوس، فجلست. فقال لي صاحب السمورية: غنّ! فغنيت:
ما أُراني إلا سأهجر من لي ... س يراني أقوى على الهجران
ملّني واثقاً بحسن وفائي ... ما أضرّ الوفاء بالانسان
стр. 10
فغنيته، فشرب رطلاً، ونقر الستارة وقال: غنوه! فغني الصوت أحسن غناء في الدنيا، وخلت أن البيت يرقص! فقال لي: كيف ترى؟ قلت: قد والله، يا مولاي، بغضوا إلي هذا الصوت وسمجوه في عيني. فضحك واستعادنيه ثلاث دفعات، يشرب في كل دفعة منها رطلاً. ثم قال: أتعرفني؟ قلت: لا! قال: أنا إسحق بن إبراهيم، وهذا محمد بن راشد الخناق. ووالله، لئن ظهر حديث هذا المجلس منك، لأضربنك ثلثمائة سوط! قم إذا شئت! فقمت من بين يديه، فلحقني الغلام بصرة فيها ثلثمائة دينار، فاجتهدت أن يأخذ منها شيئاً، فأبى! وذكر عمرو بن بانة، قال: وجه إلي إسحق بن إبراهيم في آخر النهار، فصرت إلى داره وأدخلت عليه، وهو جالس في طارمةٍ ملبسة بالخز، على دجلة، وقد انبسط القمر على الروشن وعلى دجلة، وهو من أحسن منظر رأيت قط! والمعينون جميعاً بين يديه، وبذل جالسة وراء مقطع في الطارمة. فلم يزل جالساً بموضعه، ونحن في يديه، إلى أن نودي بالفجر فقام وقمنا. وقال لنا الغلمان: انصرفوا! فنزلنا إلى الشط، ودعونا بسميرية، فجلسنا جميعاً، وقلت لهم: إن منزلي أقرب من منازلكم، فاجعلوا مقامكم اليوم عندي، ففعلوا. وحصلنا في المنزل، فطلبت فيه شيئاً يؤكل، فلم أجد! فأمرت بإحضار المائدة، فأحضرت فارغة، وطرحت في وسطها مائة درهم صحاحاً وقلت: يوجه كل واحد منكم، فيشتري له ما يريد. فما كان بأسرع من أن امتلأت بكل شيء! فأكلنا وشربنا، ومر لنا يوم طيب، وتفرقنا آخر النهار، وفي قلوبنا غصص مما فعله بنا إسحق، وما فاتنا من تلك الليلة الحسنة في ذلك الموضع الحسن! فمضيت بعد ذلك إلى بذل، وسألتها عن السبب فيما فعله، فقالت: قد سألته عن ذلك، فقال: ويحك! أنا أشتهي الشرب في مثل هذه الليلة منذ سنة، وأدافع نفسي به، فلما حصل لي جميع ما أريده وأشتهيه، أردت أن أري نفسي سلطاني عليها وقهري لها ومنعها مما تحبه، لئلا تقودني إلى ما تريد، ففعلت ما رأيت.
وكان مع ذلك حسن المروءة، كريم النفس. فذكر أبو حشيشة، قال: دعاني في بعض الأيام، فصرت إليه وجلست أغنيه، وعليه دراعة خز خضراء لم أر أحسن منها قط. فجعلت أنظر إليها، وفطن بنظري، فدعا بالخازن وقال: كانوا جاؤونا منذ أيام بعشرة أثواب خز خضر، هذا أحدها، فجئني ببقيتها. فأحضر تسعة أثواب، يتجاوز حسنها كل وصف، فأعطانيها، فبعت من رذالها الثوب بمائة دينار! وقال: طرق أحمد بن يوسف الكاتب، إسحق بن إبراهيم، فقدم إليه كل شيء حسن من الأطعمة والآلة، وضربت الستائر، وأحضرت الفواكه والنبيذ، ومر يوم لم يكن مثله. ثم سأل أحمد أن يكون عنده من الغد، فقال أحمد: يفوتني الصيد. فأحضر جارية وغلاماً وفرساً لم ير أحسن منهم، وقال: هذا صيدك غداً. ثم تصنع له من الغد، فرأى أحمد شيئاً لم ير مثله قط.
وقال له إسحق: أمس كان فتوة، واليوم مروة.
وكان المأمون يصير إلى داره، فيقيم عنده الأيام هو وغلمانه وحشمه أنساً به وثقة بمكانه.
واجتازت يوماً زبيدة في دجلة في حراقتها، فصعدت إلى دار إسحق لبعض حاجتها، فعرض عليها إسحق الطعام، فأمرت بإحضاره، فعجبت مما رأت ومما قدم. وقالت: والله ما كانت بي حاجة إليه، وإنما أردت أن أختبر مروءته، فوجدته أتم الناس مروءةً، هذا من غير تصنع لي ولا علم بمجيئي.
دير أشموني
وأشموني، امرأة بني الدير على اسمها، ودفنت فيه. وهو بقطربل، غربي دجلة. وعيده اليوم الثالث من تشرين الأول، وهو من الأيام العظيمة ببغداد، يجتمع أهلها إليه كاجتماعهم إلى بعض أعيادهم، ولا يبقى أحد من أهل التطرب واللعب إلا خرج إليه، فمنهم في الطيارات ومنهم في الزبازب والسميريات، كل إنسان بحسب قدرته. ويتنافسون فيما يظهرونه هنالك من زيهم، ويباهون بما يعدونه لقصفهم، ويعمرون شطه وأكنافه وديره وحاناته. ويضرب لذوي البسطة منهم الخيم والفساطيط، وتعزف عليهم القيان. فيظل كل إنسان منهم مشغولاً بأمره، ومكباً على لهوه؛ فهو أعجب منظر وأطيب مشهد وأحسنه! وهناك أيضاً دير يسمى دير الجرجوث وحوله بساتين ومزارع، ومن ضاق به دير أشموني، عدل إليه.
стр. 11
قال جحظة: خرجت في عيد من أعياد أشموني إلى قطربل، فلما وصلت إلى الشط، مددت عيني لأنظر موضعاً خالياً أصعد إليه، أو قوماً ظرافاً أنزل عليهم، فرأيت فتيين من أحسن الناس وجوهاً وأنظفهم لباساً، وأطرفهم آلة! فقدمت سميريتي نحوهما، وقلت: أتأذنون في الصعود إليكم؟ فقالوا: بالرحب والسعة! فصعدت وقلت: يا غلام، طنبوري ونبيذي! فقالا: أما الطنبور فنعم، وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس أخلاقاً وأملحهم عشرة. وأخذنا في أمرنا. ثم تناولت الطنبور، وغنيت بشعر لي:
سقياً لأُشموني ولذاتها ... والعيش فيما بين جناتها
سقياً لأيام مضت لي بها ... ما بين شطّيها وحاناتها
إذا اصطباحي في بساتينها ... وإذ غبوقي في دياراتها
فنعر القوم، وشربوا بالأرطال وشربت، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار.
ثم قلت لأحدهما: جعلت فداك، ما أرى في هذا الجمع أرق منكما طبعاً، ولا أرق نبيذاً. فقال لي مجيباً:
شرابي رقيقٌ كما قد رأي ... ت، ود بسهم بذباب يساط
وأشار إلى القوم، ثم قال:
فكيف أكون نظيراً لهم ... أين لي بعقلك أم ذا ضراط
ثم قال: أزيدك؟ قلت: لا. ومر لنا أطيب يوم وأحسنه! قال محمد بن المؤمل الطائي: كنت مع أبي العتاهية في سميرية، ونحن سائرون إلى أشموني. فسمع غناء من بعض النواحي، فاستحسنه وطرب له. فقال لي: تحسن ترقص؟ قلت: نعم! فقال: قم بنا نرقص. قلت: نحن في سميرية، وأخاف أن نغرق! قال: وإن غرقنا نكون ماذا؟ أليس نكون شهداء الطرب؟ وللثرواني، فيه:
إشرب على قرع النواقيس ... في دير أشموني بتغليس
لا تخف كأس الشرب، والليل في ... حدّ نعيم لا ولا بوس
إلا على قرع النواقيس ... أو صوت قسّان وتشميس
فإنما الشيء بأسبابه ... ومحكم الوصف بتأسيس
فهكذا فاشرب، وإلا فكن ... مجاوراً بعض النواويس
قال: كتب يحيى بن كامل إلى عبد الملك بن محمد الهاشمي في يوم أشموني:
اليوم أشموني أبا الفضل ... وهو عجيبٌ طيب الظلّ
وأنت لليوم صريعٌ فما ... يصنع يحيى يا أبا الفضل
فوجه إليه بما ركبه، وعرف الجماش الخبر، فكتب إليه:
قولا لعبد الملك الماهر ... ولابن عم المصطفى الطاهر
أما ترى اليوم، وأحواله ... تدعو إلى حثّك بالدائر
عيدٌ وغيم زار في يومنا، ... فقم بحقّ العيد والزائر
واليوم أشموني، فبادر بنا، ... تحثُّها في يومها الزاهر
حبوت يحيى ثم أغفلتني ... أحلت عن جماشك الشاعر
فوجه إليه وأحضره. ومر لهم يوم طيب.
ولأبي الشبل البرجمي، فيه:
شهدت مواطن اللذات طرا ... وجبت بقاعها بحراً وبرّا
فلم أر مثل أشموني محلاً ... ألذّ لحاضريه ولا أسرّا
به جيشان من خيل وسفن ... أناخا في ذراه واستقرا
كأنهما زحوف وغىً ولكن ... إلى اللذات ماكرّا وفرا
سلاحهما القواقز والقناني ... وأكواسٌ تدور هلمّ جرا
وضربهما المثالث والمثاني ... إذا ما الضرب في الحرب استحرا
وأسرهما ظباء الدّير طوعاً ... إذا أسد الحروب أسرن قسرا
لقد جرّت لنا الهيجاء خيراً ... إذا ما جرت الهيجاء شرا
وكان أبو الشبل هذا من الطياب، وله شعر مليح، وطبع رقيق. وكان منعكفاً على الشرب لا يفارقه ولا يوجد إلا سكران. وكان يتطرح في الديارات والحانات ومواطن اللهو، لا يغبها ولا يتأخر عنها.
وكان بينه وبين محمود الوراق مودة، وكانا لا يفترقان. وذكر أبو الشبل، قال: صرت أنا ومحمود إلى قطربل، فدعونا الخمار، فقلنا: ايتنا ببنت عشر قد أنضجها الهجير. فجاءنا بها. فقلنا: اسقنا! فسقانا. فقلنا: اشرب واسقنا! فقال: أنا مسلم، وكان يهودياً قد أسلم. فقال لي محمود: قوم يكون الخمار عندهم مسلماً متحرجاً، وهم عند الخمار كفار، أترى لله فيهم حاجة؟.
стр. 12
قال: كان أبو الشبل يعابث خنساء قينة هشام الضرير النحوي، وكانت تقول الشعر؛ فعبث بها يوماً وأفرط، فغضبت وقالت: ليت شعري، بأي شيء تدل؟ أنا والله أشعر منك! ولئن شئت لأهجونك حتى أفضحك! فأقبل عليها، وقال:
خنساء قد أفرطت علينا ... فليس منها لنا مجير
تاهت بأشعارها علينا ... كأنما ناكها جرير
فخجلت حتى بان ذلك عليها وانقطعت عن جوابه.
ولأبي الشبل في جارية سوداء كان يهواها، فعوتب عليها، وكان مولعاً بالسودان:
غدت بطول الملام عاذلةٌ ... تعذلني في السّواد والدّعج
ويحك، كيف السلوّ عن غرر ... مقيّرات الوجوه كالسّبج
يحملن بين الأفخاذ أسنمة ... تطير أوبارها من الوهج
لا عذّب الله مؤمناً بهم ... غيري، ولا حان منهم فرجي
فإنني بالسواد مبتهجٌ ... ولست بالبيض جد مبتهج
وله في جارية كان يحبها اسمها تبر:
لم تنصفي يا سمّية الذهب ... تتلف نفسي وأنت في لعب
يا بنت عم المسك الذكي ومن ... لولاك يُجتب ولم يطب
ناسبك المسك في السواد وفي الطي ... ب، فأكرم بذاك من نسب
دير سابر
وهذا الدير ببزوغى، وهي بين المزرفة والصالحية، في الجانب الغربي من دجلة. وهي عامرة، نزهة، كثيرة البساتين والفواكه والكروم والحانات والخمارين، معمورة بأهل التطرب والشرب، وهي موطن من مواطن الخلعاء.
والدير حسن، عامر، لا يخلو من متنزه فيه ومتطرب إليه.
وللحسين بن الضحاك، فيه:
وعواتق باشرت بين حدائق ... ففضضتهنّ وقد حسن صحاحا
أتبعت وخزة تلك وخزة هذه ... حتى شربت دماءهنّ جراحا
أبرزتهن من الخدور حواسراً ... وتركت صون حريمهنّ مباحا
في دير سابر والصباح يلوح لي ... فجمعت بدراً والصباح وراحا
فاذهب بظنّك كيف شئت، فكله ... مما اقترفت تغطرساً وجماحا
وكان الحسين بن الضحاك، من الأدباء الشعراء وأهل الخلاعة والمجون، وبالخليع يعرف. ونادم جماعة من خلفاء بني العباس، منهم: الأمين، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. فأما المأمون، فإنه لم يدخل إليه ولم يختلط به، وذاك أنه رثى الأمين، فقال فيه:
هلا بقيت لسدّ فاقتنا ... فينا وكان لغيرك التلف
قد كان فيك لمن مضى خلف ... فاليوم أعوز بعدك الخلف
فلما ورد المأمون من خراسان إلى بغداد، أمر بأن تثبت له أسماء من يصلح لمنادمته من أهل الأدب، فأثبت له قوم ذكر فيهم الحسين بن الضحاك وكان من جلساء محمد المخلوع، فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم حسين فقال: أليس القائل في محمد: وكان لغيرك التلف؟ والله، لا حاجة لي فيه ولا رأى وجهي إلا على قارعة الطريق! فلم يحظ طول أيام المأمون بشيء! وكان وقت خدمته المتوكل، ضعف كبراً، فكتب إليه يستعفيه من الخدمة، فقال:
أسلفت أسلافك فيما مضى ... من خدمتي إحدى وستينا
كنت ابن عشرين وخمس فقد ... وفّيت بضعاً وثمانينا
إني لمعروف بضعف القوى ... وإن تجلدت أحايينا
وإن تحملت على كبرتي ... خدمة أبناء الثلاثينا
هدت قواي ووهت أعظمي ... وصرت في العلّة عزّونا
وخفت أن يعجل بي معجلٌ ... إلى التي تعيي المداوينا
عزون هذا الذي ذكره، نديم كان للمعتصم، ثم نادم المتوكل.
وذكر عزون هذا، قال: كمنا مع المعتصم في بعض متنزهاته. فاحتجنا أن نخوض نهراً، وكان معنا حسين بن الضحاك، فكاد أن يغرق. فقبض المعتصم على عضه، وحمله من السرج حتى عبر به النهر إشفاقاً عليه.
وكان الحسين مستهتراً بالخدم جداً، ولم يقصر عن ذاك حتى مات.
قال المتوكل: أنشدني حسين قوله:
فلو شئت تيسرت ... كما سميت يا يسر
ولا والله لا تبر ... ح أو ينصرم الأمر
فأمّا المنع والذم ... وإما البذل والشكر
فدعني من مواعيد ... ك إذ حيّنك الدهر
فقل: أيهما كان ... فقال البذل والشكر
стр. 13
قال أبو عبد الله بن حمدون: كنا عند المتوكل في يوم نوروز، والهدايا تعرض عليه، وفيها تماثيل من عنبر. وكان شفيع الخادم واقفاً، وعليه أقبية موردة ورداء مورد، وهو فيها من أحسن الناس وجهً. فجعل المتوكل يدفع إلى شفيع قطعةً قطعة من ذلك العنبر، ويقول: ادفعها إلى حسين، واغمز يده فيفعل ذلك. وكان آخر ما دفع إليه وردة حمراء حياه بها، فأنشأ يقول:
وكالوردة البيضاء حيا بأحمر ... من الورد يسعى في غلائل كالورد
له عبثات عند كل تحية ... بكفيه تستدعي الخليّ إلى الوجد
تمنيت أن أُسقى بكفيه شربةً ... تذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةً ... من الدهر إلا من حبيب على وعد
فأمره المتوكل أن يسقيه، وقال: قد أعطيناك أمنيتك.
وكان حسين ينادم صالح بن الرشيد، فشرب معه مرة في متنزه بباري، وهي من أعمال كلواذا. وكان له هناك بستان حسن جليل وسوره باق إلى الآن وآثاره. وقال يصف البستان وصبوحهم فيه، وهي من مليح شعره:
أما ناجاك بالنظر الفصيح ... وإنّ إليك من قلب قريح؟
فليتك حين تهجره ضراراً ... مننت عليه بالقتل المريح
بحسنك كان أول حسن ظني ... أما ينهاك حسنك عن قبيح؟
وما ينفكّ متّهماً لنصحي ... بنفسي نفس متهم نصيح
أحبّ الفيء من نخلات باري ... وجوسقها المشيّد بالصفيح
ويعجبني تناوح أيكتيها ... إليّ بريح حوذان وشيح
ولن أنسى مصارع للسكارى ... ونادبة الحمام على الطلوح
وكأس في يمين عقيد ملكٍ ... تزين صفاته غرر المديح
صريح مدامة هويت صريحاً ... وهل تزري الصريحة بالصريح
ألا يا عمرو، هل لك في الصبوح ... هلم إلى صفية كل روح
فقام على تخاذل مقلتيه ... وسلسل بالسنيح وبالبريح
وأتبع سكرةً سلفت بأُخرى ... وخلّى الصحو للّحز الشحيح
وذكر عمرو بن بانة، قال: كنا عند صالح بن الرشيد في بستانه هذا، ومعنا الحسين بن الضحاك، وحولنا من النرجس أمر عظيم، وقد طلع القمر على الشجر والنور، ووقتنا من أحسن وقت رئي، وخادم لصالح كان يحبه يسقيه. فقال للحسين: قل في مجلسنا هذا شيئاً يتغنى به ابن بانة وأشار إلى الخادم، فقال:
وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراكا
وإذا ما تنفس النرجس الغ ... ض توهمته نسيم نشاكا
خدع للمنى تعللني في ... ك بإشراق ذا وبهجة ذاكا
لأدومنّ ما حييت على الود ... لهذا وذاك إذ حكياكا
قال عمرو: فغنيت فيه. ومر لنا أطيب وقت وأحسنه! قال الحسين بن الضحاك: كنت جالساً في داري يوم وشك، وقد أفطر المأمون، وأمر الناس بالافطار. فجاءتني رقعة الحسن بن رجاء، يقول فيها:
هززتك للصبوح وقد نهاني ... أمير المؤمنين عن الصيام
وعندي من بنات الكرخ عشر ... تطيب بها مصافحة المدام
ومن أمثالهن إذا انتشينا ... نرانا نجتني ثمر الحرام
فكنت أنت الجواب، فليس شيء ... أحب إلي من حذف الكلام
فوردت علي رقعته، وقد أرسل إلي محمد بن الحرث بن بسخنر غلاماً له، نظيف الوجه كان يتحظاه، ومعه ثلاثة غلمان أقران حسان الوجوه، ورقعة منشورة قد ختم أسفلها مثل المناشير، فيها:
سر على اسم الله يا أح ... سن من غصن لجين
في ثلاث من بني الرو ... م إلى دار حسين
أشخص الكهل إلى مو ... لاك يا قرّة عيني
أره العنف إن استع ... صى وطالبه بدين
ودع اللفظ وخاطب ... هـ بغمز الحاجبين
واحذر الرجعة من وج ... هك في خفّي حنين
فمضيت مع غلام بن الحرث، وتركت المضي إلى الحسن.
دير قوطا
стр. 14
وهذا الدير بالبردان، على شاطىء دجلة. وبين البردان وبغداد بساتين متصلة ومتنزهات متتابعة. منها إلى بلشكر، ثم إلى المحمدية، ثم إلى الطولوني الصغير، ثم إلى الطولوني الكبير، ثم إلى البردان. كل ذلك بساتين وكروم وشجر ونخل.
والبردان، من المواضع الحسنة، والبقاع النزهة والأماكن الموصوفة. وهي كثيرة الطراق والمتنزهين.
وهذا الدير بها. وهو يجمع أحوالاً كثيرة، منها: عمارة البلد، وكثرة فواكهه، ووجود جميع ما يحتاج إليه فيه؛ ومنها أن الشراب هناك مبذول، والحانات كثيرة؛ ومنها أن في هذا الموضع ما يطلبه أهل البطالة والخلاعة من الوجوه الحسان، والبقاع الطيبة النزهة، فليس يكاد يخلو.
ولعبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع، فيه:
يا دير قوطا، لقد هيجت لي طربا ... أزاح عن قلبي الأحزان والكربا
كم ليلة فيك واصلت السرور بها ... لما وصلت لها الأدوار والنخبا
في فتية بذلوا في القصف ما ملكوا ... وانفقوا في التصابي المال والنشبا
وشادن ما رأت عيني له شبهاً ... في الناس، لا عجماً منهم ولا عرباً
إذا بدا مقبلاً، ناديت: واطربا! ... وإن مضى معرضاً، ناديت: واحربا!
أقمت بالدير حتى صار لي وطناً ... من أجله، ولبست المسح والصلبا
وصار شماسه لي صاحباً وأخاً ... وصار قسيسه لي والداً وأبا
ظبي، لواحظه في العاشقين ظبى ... فمن دنا منه مغتراً، بها ضربا
إن سمته الوصل أبدى جفوة ونبا ... أو سمته العطف ولى معرضاً وأبى
وإن شكوت إليه طول هجرته ... وما ألاقيه من إبعاده قطبا
والله، لو سامني نفسي سمحت بها ... وما بخلت عليه بالذي طلبا
وكان عبد الله هذا، من الأدباء الظرفاء، وكان صاحب غزل ومجون، كثير التطرح في الديارات والحانات، والاتباع لأهل اللهو والخلاعة! وله شعر مليح يغنى فيه ويتغنى هو أيضاً فيه وفي غيره.
وقال له محمد بن عبد الملك الزيات يوماً: أنشدني من شعرك. قال: وما قدر شعري، أيها الوزير؟ قال: ألست الذي يقول:
وشادن رام، إذ مرّ ... في الشعانين، قتلي
يقول لي: كيف أصبح ... ت؟ كيف يصبح مثلي؟
من يقول هذا، يقول ما مقدار شعري؟ قال: وكان عبد الله تعشق عساليج، جارية عمته رقية، فقالت له بذل الكبيرة: أرني عساليج، فإما عذرتك وإما عذلتك! قال: فدعاها إلى منزله، وحضرت بذل، فابتدت عساليج، فغنت:
أأن خنتم بالغيب عهدي فما لكم ... تدلون إدلال المقيم على العهد
صلوا وافعلوا فعل المدلّ بوصله ... وإلا، فصدوا وافعلوا فعل ذي الصد
فأتت فيه بكل شيء حسن. فقال لبذل: كيف ترين يا ستي؟ فقطعت عساليج الغناء، وقالت: يا عبد الله، تشاور فيّ؟ فوالله ما شاورت فيك حين وددتك! فنعرت بذل وقالت: ايه! أحسنت والله يا صبية! ولو لم تحسني شيئاً ولا كانت فيك خصلة تحمد، لوجب أن تعشقي لهذه الكلمة؛ أحسنت والله؟ ثم قالت: أحسنت والله يا عبد الله، عذرتك! ومن شعر عبد الله:
اسقني الراح، قد خلعت العذارا ... وتحملت فيك قالاً وقيلا
اسقني طارد الهموم ولا تم ... زج منه الغداة إلا قليلا
ومن شعره:
يا حبذا يومي بالدالية ... نشربها قفصيّةً صافيه
مع كل قرم متلفٍ ماله ... لم تبق في الدنيا له باقيه
فخذ من الدنيا ولذاتها ... فإنما نحن بها عاريه
قال: وكتب عبد الله إلى صديق له يدعوه: جعلت فداك، أنا وقلم، وأنت أعلم! وكان عبد الله يعشق جارية نصرانية ويهيم بها. فله فيها:
فتنتنا صورة في بيعة ... فتن الله الذي صورّها
زادها الناقش في تحسينها ... أنه إذ صاغها نصّرها
وله فيه لحن.
وكانت مصابيح، جارية الأحدب المقين، تغني بهذا الصوت، وتغني في كثير من شعره. وكانت أروى الناس له وأعرفهم بغنائه. وكانت موصوفة بالحسن والاحسان. وكان عبد الله يهواها.
ومما غنت فيه من شعر عبد الله:
стр. 15
ألا اصبحاني يوم الشعانين ... من قهوة عتقت بكركين
عند أُناس قلبي بهم كلفٌ ... وإن تولوا ديناً سوى ديني
ولعبد الله في مصابيح، وكان قال هذا الشعر وغنى فيه وهي حاضرة، فأخذته عنه، وغنت فيه أيضاً متيم الهشامية.
إني عشقت عدوةً ... فسقى الاله عدوتي
وفديتها بأقاربي ... وبأسرتي وبجيرتي
جدلت كجدل الخيزرا ... ن وثنيّت فتثنّت
واستيقنت أن الفؤا ... د يحبها فأدلّت
قال: وغاضب مصابيح عبد الله بن العباس في شيء بلغها عنه. فرام أن يترضاها، فأبت. فكتب إليها رقعة، يحلف فيها أنه ما أتى شيئاً مما أنكرته، ويدعو على من ظلم. فلم تجبه عن شيء مما كتبه، ووقعت تحت الدعاء: على الظالم. آمين ولم تزد على ذلك. فكتب إليها:
أما سروري بالجوا ... ب فليس يفنى ما بقينا
وأسرُّ حرف فيه لي ... آمين ربّ العالمينا
ومن شعره:
ذهبٌ في ذهب را ... ح به غصن لجين
فأتت قرة عين ... بيدي قرّة عين
قمر يحمل شمساً ... مرحباً بالنّييرين
الفا سكرين الفي ... ن معاً مؤتلفين
لا جرى بيني ولا بي ... نهما طائر بين
بل غنينا ما بقينا ... أبداً معتنقين
في صبوح وغبوق ... لم نبع نقداً بدين
دير مرجرجس
هذا الدير بالمزرفة. وهو أحد الديارات والمواضع المقصودة. والمتنزهون من أهل بغداد يخرجون إليه دائماً في السميريات، لقربه وطيبه. وهو على شاطىء دجلة. والعروب بين يديه، والبساتين محدقة به، والحانات مجاورة له. وكل ما يحتاج إليه المتنزهون فحاضر فيه.
والمزرفة، من أحسن البلاد عمارة، وأطيبها بقعة، وبها من البساتين ما ليس ببلد من البلدان.
ولأبي جفنة القرشي فيه، وكان من الخلعاء ومدمني الشرب والمتطرحين في الديارات والحانات. ولم يكن يخلو من غلمان مرد، بعضهم يخدمه، وبعضهم يغنيه:
ترنم الطير بعد عجمته ... وانحسر البرد في أزمّته
وأقبل الورد والبهار إلى ... زمان قصف يمشي برمته
ما أطيب الوصل إن نجوت فما ... يلسعني هجره بحمّته
ومثل لون النجيع صافية ... تذهب بالمرء فوق همته
نازعتها من سداؤه أبداً ... في العشق والفسق مثل لحمته
في دير مرجرجس وقد نفح ال ... فجر علينا أرواح زهرته
أريد منه وليس يمنعني ... من ذلك الشيء غير حشمته
وفي بميعاده وزورته ... وكنت أوفى له بذمته
ومن مليح شعره:
ومعرّس طلب الصبوح وإنني ... لفتىً يوافقني الصبوح بكورا
وقرعت صافيةً بماء سحابة ... فنتجن حين قرعتهن سرورا
فشربت ثم سقيته فكأنما ... سبسبت فوق لهاته كافورا
وفتىً يدير عليك في طرباته ... خمراً تولّد في العظام فتورا
وإذا رشفت شفتيك رضابها ... كتب العقار بحسن وجهك نورا
ما زلت أشربها وأسقي صاحبي ... حتى رأيت لسانه مكسورا
مما تخيّرت التجار ببابل ... أو ما تعتّقه اليهود بسورا
وله:
ومزورّ وجهٍ لم ير الناس مثله ... أدرت عليه الكأس لما تغضّبا
يؤاخذني إن رمت في الخد قبلة ... ويعرض عني كلما قلت: مرحبا
ولولا الذي يرتجّ تحت إزاره ... لألسعته مني، إذ صد، عقربا
أدرت عليه قهوة بابليةً ... تريك حميّاها على الكاس كوكبا
إذا شجّها الساقي بماء تدرّعت ... على المزج سربالاً من الدرّ مذهبا
وللنميري، فيه:
نزلت بمرماجرجس خير منزل ... ذكرت به أيّام لهو مضين لي
تكنّفنا فيه السرور وحفنا ... فمن أسفل يأتي السرور ومن عل
стр. 16
وسالمت الأيام فيه وساعفت ... وصارت صروف الحادثات بمعزل
يدير علينا الكأس ظبيٌ مقرطق ... يحثّ بها كأساتها ليس يأتلي
فيا عيش ما أصفى، ويا لهو دم لنا، ... ويا وافد اللذّات حيّيت فانزل
وهو أبو الطيب، محمد بن القاسم النميري. وكان من أهل الأدب والفضل، مليح الشعر، رقيق الطبع. وكانت له حال ونعمة. وكان يكثر الشرب في الديارات والحانات، ويلذ له ذلك.
وكان عبد الله بن المعتز، يأنس به ولا يفارقه، وكانت تجري بينهما مكاتبات ومناقضات في الشعر ومداعبات طيبة. ونحن نذكر منها: قال عبد الله بن المعتز: كتب إلي النميري يوماً، وقد دعوته:
رأيتك تدعوني إلى الشرب معتماً ... وتقطع عني الشرب والليل ممتع
فأما شربت الراح ليلك كلّه ... وإما شربت الراح والشمس تلمع
فأيهما آثرت وفيت حقّه ... وذاك الذي تهواه شرب مخلع
قال: وكتبت إليه في يوم عيد، ولم يكن جاءني ذلك اليوم:
بأبي، هلا حلا بعينك شيء ... هو أسلاك، يا خليلي، بعدي
طعم كأسي مرٌّ، إذا لم تزرني ... وهو حلوٌ، إذا رأيتك عندي
فكتب إلي:
سيدي أنت لم تردني فماذا ... حيلتي إذ بليت منك بصدّ
يعلم الله ما أُقاسيه من شو ... قي ومن حسرتي وغمي ببعدي
قال عبد الله، وكتبت إليه مرة أدعوه، فكتب إلي: عندي قوم، ولعلي أتخلص منهم. وعلق الوعد. فكتبت إليه:
يا من يسوّف وعدي ... لو شئت جئت بمرّه
فاسقط علينا سقوطاً ... ولا ترفرف لغدره
فإن ضبطت بساقي ... ك بعد هذي المرّه
لأحبسنّك عندي ... على أذىً ومضره
قال عبد الله: وكتب إلي النميري في آخر شعبان:
يا أبا العباس، قد ش ... مّر شعبان إزاره
ومضى يسعى فما يل ... حق إنسان غباره
فاغد نشرب صفوة الدّ ... نّ ونسلبه وقاره
وإذا ما ذكر العق ... ل شربنا يا دكاره
قال: وكتب إلي، وقد تأخر اجتماعنا:
بكم الموت في الجماعة خيرٌ ... من حياةٍ في وحشة وانفراد
عرّفوني اجتماعهم يومهم ذا ... واستبدّوا عليّ في الميعاد
والحريري رأسهم وبحسبي ... بالحريري رأس كلّ فساد
إن رأى قينةً تحرك للعش ... ق وأرخى جناحه للسفاد
وتصدى لها وحرّك عطفي ... هـ وراقت لشهوة الأولاد
فاعتذرت إليه، وسألته المصير إلينا، فجاءنا.
قال عبد الله: وكتب إلي:
إذا غبت لم أُطلب، وإن جئت لم أصل ... وللعتب أولى بي ولست بعاتب
سأصبر للشوق المبرّح كارها ... وأرقب يوماً صالحاً في العواقب
وما كل من صاحبته مثل قاسم ... فقسه وفكّر في سبيل الذواهب
قال وكتب إلي في يوم خميس صمته:
أبا العباس يا خير الأنام ... تصوم، وليس ذا يوم الصيام
فهل لك في مدام أخ ظريف ... يساعد في الحلال وفي الحرام؟
قال: كتب إلي النميري، يستبطىء رسولي ويعتذر من تأخره عني ويذكر أنه اشتغل بعمارة بستانه. فأجبته: أما ما ذكرت من تأخر رسولي عنك للسؤال عن خبرك في هذه الأيام والتفقد لك، فإني رأيتك قلبت قول القائل: خذ اللص من قبل أن يأخذك! وإلا، فما قصرت في السؤال عنك والبعثة إليك. ولكن ما أقول لمن نكس عليله فلم يعده؟ واشتاق إليه فم يزره؟ مشتغلاً بطروق الحانات والديارات، وركوب الزلالات، ومغازلة القيان، ومعاقرة ابنة الدنان، جامعاً بين طرفي نهاره بغبوق لا يهدأ سامره، وصبوح لا يفتر باكره، في عسكري لهو: واحد يخبط الماء بمجاذيفه، وآخر يقرع الأرض بخببه ووجيفه. وسألت عن خبري في هذه الأمطار، فما عسيت أن أقول في المنة الواجب لله تعالى الشكر عليها، إذ تخطتنا بعد أن سلت سيفها وخفنا حيفها.
قال عبد الله: وكتب إلي النميري:
أميرٌ كنت أرجوه لدهري ... إذا ما ناب بالخطب الجليل
стр. 17
مرضت، فلم يعدني من سقامي ... وتاه عن العيادة والرسول
وما بي حاجة تدعو إلى ما ... أذلّ به لذي النبل المنيل
ولا لمتوّج بالملك يزهى ... إذا ما كنت أقنع بالقليل
فكتبت إليه رقعة، في أخرها:
في كل يوم طاعة وعصيان ... ومللٌ وملقٌ وهجران
خلائق كأنهمّ غيلان
قال: ودعوته ليوم أسميته، فتأخر رسولي عنه، فكتب إلي:
دعوتنا وبدا لك ... نك في استه من وفى لك
قال: وكتب إلي النميري:
برّح بي الشوق إلى الشرب ... مع سيّد يهرب من قربي
ولم أكن أعهده جافياً ... فصار يجفوني بلا ذنب
والله، ما أعرف لي عنده ... ذنباً، سوى الافراط في الحب
وأنني ما سؤته ساعةً ... في حاضر الجدّ ولا اللعب
فكتب إليه:
يا أيها الجافي ويستجفى ... ليس تجنّيك من الظرف
إنك والشوق إلينا كمن ... يُؤمن بالله على حرف
محوت آثارك من ودّنا ... غير أساطيرك في الصّحف
وإن تجشمت لنا زورةً ... يوماً، تحاملت على ضعف
قال، وكتب إلي:
أتيتك مسروراً فطاب لي الشّرب ... ونالت مناها عندك العين والقلب
فجارت عليّ الكأس حتى هجرتها ... ثلاثة أيام كما استوجب الذّنب
فكتبت إليه:
علام هجرت الكأس إذ جار حكمها ... ولا لهو إلا أن تكون، فما الذنب
أدام لك الله السرور ودام لي ... بك العيش والنّعماء واتصل القرب
قال عبدا لله: بعثت إلي النميري يوم جمعة رسولاً، وقلت له: إركب معنا إلى الصلاة، فوجده الرسول قد اصطبح. فقال له: قل له: أنا أصلي مذ صلاة الغداة. فكتبت إليه:
يا من يصلي صلاةً ... فيها لابليس طاعه
إن كنت تقبل شكري ... فالشكر في ذا رقاعه!
قال: وكتبت إليه وقد اعتللت، فلم يعدني:
الحمد لله حتى أنت تجفوني ... بعد الصفاء جفاء ليس بالدّون
قد كنت منتظراً هذا فجئت به ... وليس خلقٌ على غدر بمأمون
فكتب يعتذر بشغل له واعتلال مركبه. فكتبت إليه:
لا تعتذر! قد عرفنا ... ك سوف تفعل فعلك
ذكرت شغلاً، فهلاّ ... جعلتني بعض شغلك؟
أو لم يكن لك عيرٌ ... فكت تركب نعلك
قال: فكتب إلي:
إن كنت أذنبت ذنباً ... فقد وثقت بفضلك
وقد أتيتك مشياً ... كما قضيت بعدلك
وجاءني ماشياً.
قال النميري: كان عبد الله بن المعتز، يعيب العشق كثيراً، إلى أن صار يقول: هو طرف من الحمق، وإذا رأى منا مطرقاً أو مفكراً، اتهمه بهذا المعنى ويقول: وقعت يا فلان، وقل عقلك وسخفت! إلى أن رأيناه قد حدث به سهو شديد وفكر دائم، إلى أن كانت تبدر منه الأبيات في معنى العشق. فمرة يقول:
أسر الحبّ أميرا ... لم يكن قبل أسيرا
فارحموا ذلّ عزيزٍ ... صار عبداً مستجيرا
ومرة يقول:
عقل المحبّ ساهي ... في قلبه الدواهي
فقلت: جعلني الله فداك! هذه أشياء قد كنت تعيب أمثالها منا، ونحن ننكرها الآن منك! فيرجع تصنعاً، ثم لا يلبث أن تبدر منه بادرة. فقال مرة:
مكتوم يا أحسن خلق الله ... لا تتركيني هكذا بالله
ثم تنفس، فقلت:
قد ظفر العشق بعبد الله ... وانهتك الستر بحمد الله
فقل له: سمّ لنا، بالله، ... هذا الذي تهوى، بحق الله!
فضحك وقال: لا، ولا كرامة، فكتبت إليه من غد:
بكت عينه وشكا حرقةً ... من الوجد في القلب ما تنطفي
فقلت له: سيدي، ما الذي ... أرى بك؟ قال: سقامٌ خفي
فقلت: أعشقٌ؟ فقال: اقتصر ... على ما تراه، أما تكتفي؟
فكتب إلي:
يا من يحدّث عنّي ... بظنّ سمع وعين
إن كنت تخطب سري ... فارجع بخفّي حُنين
فكتبت إليه:
هيهات حظّك واللّ ... هـ أن تبوح بعشقك
стр. 18
دع عنك خُفي حنينٍ ... واحرص على حلّ ريقك
تعال نحتال فيما ... تهوى برفقي ورفقك
ثم صرت إليه. فأخبرني بقصته، فسعيت له بلطف الحيلة، وأعانني بحزم الرأي، إلى أن فاز بالظفر وأدرك البغية.
دير باشهرا
وهذا الدير على شاطىء دجلة، بين سامراء وبغداد. وهو دير حسن، عامر، نزه، كثير البساتين والكروم. وهو أحد المواضع المقصودة والديارات المشهورة. والمنحدرون من سر من رأى، والمصعدون إليها، ينزلونه. فمن جعله طريقاً، بات فيه وأقام به إن طاب له. ومن قصده، أقام الأيام في ألذ عيش وأطيبه، وأحسن مكان وأنزهه! ولأبي العيناء فيه، وكان نزله وأقام به أياماً، واستطابه، وقال فيه:
نزلنا دير باشهرا ... على قسيسه، ظُهرا
على دين أيسوع ... فما أفتى وما أسرا
فأولى من جميل الفع ... ل ما يستعبد الحرا
وسقّانا وروانا ... من الصافية العذرا
وطاب الوقت في الدير ... فرابطنا به عشرا
وسُقّينا به الشمس ... وأُخدمنا به البدرا
وأحيت لذّة الكأس ... ولكن قتّلت سكرا
ونلنا كل ما نهوا ... هـ من لذاتنا، جهرا
تصابينا، وغنّينا، ... وأرغمنا به الدهرا
فنكنا، وتهتكنا، ... ومثلي هتك السترا
وقد ساعدنا ربّن ... طوعاً منه، لا جبرا
جزاه الله عن خير ... به قابلنا خيرا
فقد أوسعته شكرا ... كما أوسعنا برا
وكان أبو العيناء من الطياب. وكان المتوكل يعجب بكلامه وسرعة جوابه ونوادره. وعمي على رأس أربعين سنة من عمره. ومما يدل على ذلك، قول أبي علي البصير، فيه:
قد كنت خفت يد الزما ... ن عليك إذ ذهب البصر
لم أدر أنك بالعمى ... تغنى ويفتقر البشر
وكان حسن الشعر، جيد العارضة، مليح الكتابة والترسل، خبيث اللسان في سب الناس والتعريض بهم.
ونحن نذكر طرفاً من أخباره، بمقدار لا يخرج إلى الاطالة، ولا يخل بالشرط.
قال المتوكل لأبي العيناء: ما أشد شيء مر عليك في ذهاب بصرك؟ قال: فوات رؤيتك يا أمير المؤمنين، مع إجماع الناس على جمالك.
وقال له يوماً: يا محمد، إلى كم تمدح الناس وتذمهم؟ قال: ما أساءوا وأحسنوا.
وقال له عبيد الله بن سليمان: قد أمرنا لك بشيء في هذا الوقت، فخذه واعذر. قال: لا أفعل، أيها الوزير! إذا كنت في النكبة تعتذر، وفي الدولة تعتذر، فتى لا تعتذر؟ وسأل صاعد بن مخلد كتاباً يكبه إلى مصر. فجعل يقول: إلى مصر يا أبا العيناء إلى مصر؟ فقال: وما استبعادك، أعزك الله، لي مصر؟ والله! لما في صناديقك أبعد علي مما في مصر! وخل إلى أبي الصقر، فقرب مجلسه وأدناه، فقال: أيها الوزير! تقريب الولي وحرمان العدو! ودخل عليه يوماً، فقال: ما أخرك عنا، أبا عبد الله؟ قال: سرق حماري! قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص، فأعرف كيف سرقه! ثم جاءه بعد مدة، فقال: ما أخرك عنا أبا عبد الله؟ فقال: من العواري وذلة المكاري. فأمر له بخمسين ديناراً.
قال: دخل أبو العيناء يوماً إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلم يرفع طرفه إليه، ولا كلمه! فقال: إن من حق نعمة الله عليك، لما أهلك له في الحال التي أنت عليها، أن تجعل البسطة لأهل الحاجة إليك خلقاً، فإن من أوحش انقبض عن المسئلة، وبكثرة السؤال مع النجح يدوم السرور، وبقضاء الحاجات تدوم النعم. فقال له محمد: إني أعرفك فضولياً كثير الكلام. ترى، إن طول لسانك يمنع من تأديبك إذ زللت؟ وأمر به إلى الحبس! فكتب إليه أبو العيناء من الحبس: قد علمت أن الحبس لم يكن لذنب تقدم إليك، ولكن أحببت أن تريني قدرتك علي، لأن كل جديد يستلذ. ولا بأس أن ترينا من عفوك ما أريتنا من قدرتك! فأمر بإطلاقه.
فلقيه بعد مدة طويلة على الطريق، فحبس محمد دابته وقال: ما أراك أبا عبد الله تواصلنا بحسب انجائنا لك! فقال أبو العيناء: أما المعرفة بعنايتك فمتأكدة، ولكنني أحسب الذي جدد استبطاءك لي فراغ حبسك ممن فيه، فأردت أن تعمره بي!
стр. 19
قال: ودخل يوماً على رجل قد عزل عن عمل كان يتولاه. فقال: لئن قبحت عليك النعمة، لقد حسنت بك النقمة! قال: ولم ذاك؟ قال: لأني سألتك أحقر من قدرك، فرددتني بأقبح من وجهك، ثم قال:
قُل لزيد بن صاعدٍ ... جاءك العزل في لطف
فاجرع الهمّ واصطبر ... فعلى ربّك الخلف
أنت أيضاً إذا ولي ... ت فلا تُكثر الصلف
قال: اجتاز ابن بدر بأبي العيناء وهو على بابه جالس. فقال: هذا منزلك أبا عبد الله؟ قال: نعم! فإن شئت أن ترى سوء أثرك فيه، فانزل! قال: ومر بدار عبد الله بن منصور يوماً وهو مريض وقد صح، فقال لغلامه: أي شيء خبر أبي محمد؟ قال: كما تحب! قال: فما لي لا أسمع الصراخ في الدار؟ قال: وذكر أبو العيناء ميمون بن إبراهيم، فقال: لو تأمل رجل أفعاله فاجتنبها، لاستغنى عن الآداب أن يطلبها! قال أبو العيناء: قال لي محمد بن مكرم: أما تعرفني؟ قلت: بلى، ولكن معرفة أرثي لك منها! وقال له محمد بن مكرم يوماً: يا أبا عبد الله، كل شيء لك من الناس حتى أولادك! وقال أبو العيناء: رأيت ابن مكرم، فرأيت بطنه بطن حبلى، ونفسه نفس ولهى، ومخاطه مخاط ثكلى، وفي استه الداهية العظمى! وقال له ابن مكرم يوماً: يا أبا عبد الله، هو ذا تصوم معنا في هذا الشهر شيئاً، وكان شهر رمضان. فقال: وتدعنا العجوز نصوم؟ قال رجل لعبيد الله بن سليمن: إن رأيت، أعزك الله، أن تخرج لي رزقاً. فقال: ممن الرجل ليخرج الرزق على قدر ذاك. قال من ولد آدم! قال أبو العيناء: احتفظ، أعزك الله، بهذا النسب، فقد انقطع أصله! قال: اجتمع الجاحظ وأبو العيناء عند الحسن بن وهب، فقال له الجاحظ: علمت أن محمد بن عبد الله أحسن من عمرو بن بحر، وأبو عبد الله أحسن من أبي عثمان. ولكن الجاحظ أحسن من أبي العيناء. فقال أبو العيناء: هيهات! جئت إلى ما يخفى من أمورنا، ففضلتني عليك فيه، وإلى ما يعرف، ففضلت نفسك فيه. إن أبا العيناء يدل على كنية، والجاحظ يدل على عاهة! والكنية وإن سمجت، أصلح من العاهة وإن فلحت! قال أبو العيناء: عشقتني امرأة بالبصرة من غير أن تراني، وإنما كانت تسمع عذوبة كلامي. فلما رأتني استقبحتني، وقالت قبحه الله، أهذا هو؟ فكتبت إليها:
ونبّئتها، لما رأتني، تنكّرت ... وقالت: دميمٌ، أحولٌ، ما له جسم
فإن تنكري مني احولالاً فإنني ... أديب، أريب، لا عييٌّ ولا فدم
فوقعت في الرقعة: يا عاض بظر أمه، لديوان الرسائل أردتك؟ ولأبي العيناء، في علي بن الجهم:
أراد عليٌّ أن يقول قصيدة ... بمدح أمير المؤمنين، فأذّنا
فقلت له: لا تعجلن بإقامة ... فلست على طهرٍ، فقال: ولا أنا
قال أبو العيناء: أتيت عبد الله بن داود الخريبي، فسألته أن يحدثني، فاستصغرني، وقال: إذهب فتحفظ القرآن. قلت: قد حفظته. قال: إقرأ من رأس ستين من يونس، فقرأت العشر. فقال: أحسنت، إذهب فتعلم الفرائض. قلت: قد حفظتها. قال: فأيهما أقرب إليك: عمك أو ابن أخيك؟ قلت: ابن أخي. قال ولم ذاك؟ قلت: لأن هذا من ولد أبي وهذا من ولد جدي. قال: أحسنت. إذهب فتعلم العربية. قلت: قد فعلت وتعلمت منها ما فيه كفاية. قال: فلم قال عمر بن الخطاب، يعني حين طعن: يا لله، يا للمسلمين. قلت: لن الأول استغاثة، والثاني نداء. فقال: لو كنت محدثاً أحداً في سنك، لحدثتك!
стр. 20
قال أبو العيناء: دخلت على أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكان يوماً صائفاً، وقوم بين يديه يلعبون بالشطرنج. فقال: يا أبا عبد الله، إنا نلعب في ندب إلى أن يدرك طعامنا، ففي أي الحزبين تحب أن تكون؟ قلت: في حزب الأمير، أيده الله، فإنه أعلى وأبهى. فغلبنا! فقال أبو أحمد: يا أبا عبد الله، قد غلبنا! وقد أصابك بقسطك عشرون رطلاً ثلجاً. أحضره أيها الأمير. ووثبت، فصرت إلى أبي العباس بن ثوابة، فأقرأته السلام من أبي أحمد، وقلت له: إنه يتشوقك، وأراد أن يكتب إليك رقعة، فخاف مراوغتنك، فوجهني رسولاً، وحملني رسالة، ولسنا نفترق إلا بحضرته! فركب معي، وجئنا. فلما وقفت بين يديه، قلت: أيها الأمير، قد جئتك بجبل همذان ثلجاً، فاقتض منه ما قمرنا، والعب مع أصحابك في الباقي! فضحك حتى استلقى! وسأل ابن ثوابة عن القصة، فعرف الخبر، فلما وقف عليها، شتمني وانصرف! قال أبو العيناء: دخلت على المتوكل، ودعوت له، وكلمته. فاستحسن خطابي، وقال لي: بلغني أن فيك شراً! فقلت: يا أمير المؤمنين، إن يكن الشر ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكى الله جل وعز، وذم. فقال في التزكية: نعم العبد إنه أواب. وقال في الذم: هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم. فذمه، تعالى اسمه. وقد قال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن دائباً ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما
وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع النبي والذمي بطبع لا يميز فقد صان الله عبدك عن ذلك.
فقال لي: وبلغني أنك رافضي. فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف أكون رافضياً وبلدي البصرة، ومنشأي في مسجد جامعها، واستاذي الأصمعي، وجيراني باهلة. وليس يخلو الناس من إرادة دين أو دنيا. فإن أرادوا ديناً، فقد أجمع المسلمون على تقديم من أخروا وتأخير من قدموا. وإن أرادوا دنيا، فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين، لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك. أبوك مستنزل العيث، وفي يديك خزائن الأرض، وأنا مولاك. فقال: إن ابن سعدان زعم ذلك فيك! فقلت: ومن ابن سعدان؟ والله ما يفرق ذاك بين الامام والمأموم والتابع والمتبوع، إنما ذاك حامل درة ومعلم صبية وآخذ على كتاب الله أجرة. فقال: لا تفعل لأنه مؤدب المؤيد. فقلت يا أمير المؤمنين، إنه لم يؤدبه حسبة وإنما أدبه بأجرة، فإذا أعطيته حقه قضيت ذمامه. فقام ابن سعدان فقال: يا أبا العيناء، لا، والله ما صدق أمير المؤمنين في شيء مما حكاه عني! ثم أقبل على المتوكل فقال: أي شيء أسهل عليك، يا أمير المؤمنين، من أن ينقضي مجلسك على ما تحب، ثم يخرج هذا فيقطعني! قال: فضحك المتوكل.
فقال: كيف داري هذه؟ فقلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا، وأنت جعلت الدنيا في دارك! فقال لي: ما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ فقلت: العبد لله ولك، منقسم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح رعيتك على كل لذة.
فقال: ما تقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم؟ وكان عرف أني وجدت عليه في تقصير وقع بي منه، فقلت: يا أمير المؤمنين: يد تسرق، واست تضرط! هو مثل يهودي قد سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى؛ ومعه إحجام لما بقى. إساءته طبيعة، وإحسانه تكلف! فقال: إني أريدك لمجالستي. فقلت: لا أطيق ذاك، ولا أقوى عليه. وما أقول هذا جهلاً بما لي في هذا المجلس من الشرف؛ ولكني رجل حجوب، والمحجوب تختلف إشارته ويخفى عليه إيماؤك، ويجوز علي أن أتكلم بكلام غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان. ومتى لم أميز بين هذين، هلكت فأختار العافية على التعرض للبلاء. قال: صدقت! ولكن تلزمنا. قلت: لزوم الفرض الواجب. فوصلني بعشرة آلاف درهم.
وقال لي يوماً، وقد دخلت إليه: يا محمد، ما بقي في المجلس أحد إلا اغتابك غيري، فقلت:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً علي لئامها
وهو أبو عبد الله، محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان. وأصله من اليمامة من بني حنيفة أنفسهم. وكان مسكنه بالبصرة. ثم انتقل إلى بغداد، وانتجع سر من رأى، ولقي الموكل، وأقام بها
стр. 21
وكان حسن الكتابة، بليغ الخطابة، مليح الشعر، طلق اللسان بالذم والاستبطاء، سريع الجواب، حاضر النادرة، لا يقام له.
وقال المتوكل: اشتهى أنادم أبا العيناء لولا أنه ضرير! فبلغ ذلك أبا العيناء، فقال: إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة،! ونظم اللآلىء واليواقيت، وقراءة نقوش الخواتيم، فإني أصلح له.
وحجب محمد بن مكرم أبا العيناء، ثم كتب يعتذر منه. فكتب إليه أبو العيناء: تحجبني مشافهة وتعتذر إلي مكاتبة! وأخباره كثيرة، ولكنا أوردنا بمقدار ما يحتمله الكتاب، ويقتضيه الشرط، ولا يخرج قارئه إلى الملل.
وكتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: عندي سكباج ترعب المجنون، وحديث يطرب المحزون، وإخوانك المحازون؟ فلا تعلو علي واتون. فأجابه أبو العيناء: اخسئوا فيها ولا تكلمون.
دير الخوات
هذا الدير بعكبرا. وهو دير كبير عامر، يسكنه نساء مترهبات متبتلات فيه. وهو وسط البساتين والكروم، حسن الموقع، نزه الموضع. وعيده الأحد الأول من الصوم. يجتمع إليه كل من يقرب منه من النصارى والمسلمين، فيعيد هؤلاء، ويتنزه هؤلاء. وفي هذا العيد ليلة الماشوش، وهي ليلة تختلط فيها النساء بالرجال، فلا يرد أحد يده عن شيء، ولا يرد أحد أحداً عن شي. وهو من معادن الشراب، ومنازل القصف، ومواطن اللهو.
وللناجم أبي عثمان، فيه:
آح قلبي من الصّبابة آح ... من جوارٍ مزيّنات ملاح
وفتاة كأنها غصن بان ... ذات وجه كمثل نور الصّباح
أهل دير الخوات بالله ربي ... هل على عاشق قضى من جناح
وكان أبو عثمان هذا، راوية ابن الرومي. وهو مليح الشعر، رفقي الطبع، جيد المعاني في وصف الخمر والأغاني والغزل.
ومن مليح شعره:
أدر يا سلامة كأس العقار ... وضاه بشدوك شدو القماري
وخذها معتّقةً مُزّة ... تصبّ على الليل ثوب النهار
ينازعها الخدّ جريالها ... فيهديه للعين يوم الخمار
ومن مليح شعره:
سلامة بن سعيدٍ ... يجيد حثّ الرّاح
إذا تغنّى زمرنا ... عليه بالأقداح
وله:
ما نطقت عاتبٌ ومزهرها ... إلا وهمنا باللهو والفرح
لها غناء كالبرء في جسدٍ ... أضناه طول السقام والترح
تعبده الراح فهي ما نطقت ... إبريقنا ساجد على القدح
وله:
ما نطقت عاتبٌ ومزهرها ... إلاّ ظللنا بالرّاح نعملها
تطلب أوتارهما الهموم بأو ... تار فما تستفيق تقتلها
وله، وفيه لحن:
ما دعاني الشّوق إلا ... أذرت العين دموعا
إنما أبكي لأني ... صرت للحبّ رضيعا
أحسن الناس وأولى الن ... اس بالحسن جميعا
ما أرى لي عن حبيبي ... أبد الدّهر نزوعا
دير العلث
والعلث، قرية على شاطىء دجلة، في الجانب الشرقي منها، وبين يديها من دجلة موضع صعب، ضيق المجاز، كبير الحجارة، شديد الجرية، تجتاز فيه السفن بمشقة. وهذه المواضع تسمى الأبواب. وإذا وافت السفن إلى العلث، أرست بها، فلا يتهيأ لها الجواز إلا بهادٍ من أهلها يكترونه، فيمسك السكان ويتخلل بهم تلك المواضع، فلا يحطها حتى يتخلص منها.
وهذا الدير راكب دجلة. وهو من أحسن الديارات موقعاً وأنزهها موضعاً، يقصد من كل بلد، ويطرقه كل أحد. ولا يكاد يخلو من منحدر ومصعد. ومن دخله لم يتجاوزه إلى غيره لطيبه ونزهته ووجود جميع ما يحتاج إليه بالعلث وبه.
ولجحظة، فيه:
أيها المالحان بالله جُدّا ... واصلحا لي الشراع والسكانا
بلّغاني، هديتما، البردانا ... وانزلا بي من الدنان دنانا
واعدلا بي إلى القبيصة فالزهر ... اء، علّي أفرّج الأحزانا
وإذا ما أقمت حولاً تماماً ... فاقصدا بي إلى كروم أوانا
وانزلا بي إلى شرابٍ عتيق ... عتّقته يهوده أزمانا
واحططا لي الشراع بالدير بالعل ... ث، لعلي أعاشر الرهبانا
стр. 22
وظباء يتلون سفراً من الان ... جيل، باكرن، سحرة قربانا
لابسات من المسوح ثياباً ... جعل الله تحتها أغصانا
خفرات حتى إذا دارت الكأ ... س، كشفن النّحور والصلبانا
رقّ حتى حسبته خدّ من أب ... دلني من وصاله هجرانا
وللمعتمد:
يا طول ليلي بفم الصّلح ... أتبعت خسراني بالربح
لهفي على دهر لنا قد مضى ... بالقصر والقاطول والشلح
بالدير بالعلث ورهبانه ... بين الشعانين إلى الدّنح
وكان للمعتمد شعر جيد وشعر غير موزون، وربما قال الأبيات، فيصح بعضها ويفسد باقيها. وكان يعطيه المغنين، فيعملون عليه ألحانا، فيغيب عيبه في التقطيع والألحان، إلا على خاصة الناس.
قالت بدعة: كان المعتمد يوجه شعره إلى عريب لتصوغ له الألحان. فكانت تقول: ويلي! كم أغني في حروف ألف، با، تا، ثا؟ قال الصولي: أنشدني عبد الله بن المعتز من شعره الموزون:
الحمد لله ربي ... ملكت مالك قلبي
فصرت مولى لملكي ... وصار مولىً لحبي
ومن شعره، لما أكثر الموفق نقله، من مكان إلى مكان:
ألفت التباعد والغربه ... ففي كل يوم أطا تربه
وفي كلّ يوم أرى حادثاً ... يؤدي إلى كبدي كربه
أمرّ الزمان لنا طعمه ... فما إن نرى ساعةً عذبه
وهذا شعر جيد صحيح في معناه.
ومن شعره الموزون:
بُليت بشادن كالبدر حسناً ... يعذّبني بأنواع الجفاء
ولي عينان دمعهما غزيرٌ ... ونومهما أقلّ من الوفاء
وذكر الصولي، إن المكتفي أخرج إليهم مدارج مكتوبة بالذهب من شعر المعتمد. فكان فيها من الموزون:
طال والله عذابي ... واهتمامي واكتئابي
بغزال من بني الأص ... فر لا يعنيه ما بي
أنا مغرىً بهواه ... وهو مغرىً باجتنابي
وإذا ما قلت: صلني ... كان لا منه جوابي
وكان فيها أيضاً:
عجّل الحبّ بفرقه ... فبقلبي منه حرقه
مالكٌ بالحبّ رقي ... وأنا ملك رقّه
إنما يستروح الصبّ ... إذا أظهر عشقه
وللمعتمد، شعر غنت فيه شارية، في طريقة الرمل:
تأنّيت بالحب دهراً طويلاً ... فلم أر في الحب يوماً سرورا
ومما غنت فيه من شعره:
يا نفس، ويحك ما لك ... أني لأُنكر حالك
وله:
أصبحت لا أملك دفعاً لما ... أُسام من خسفٍ ومن ذلّه
تمضي أُمور الناس دوني ولا ... يشعر بي في ذكرها قلّه
إذا اشتهيت الشيء ولّوا به ... عني، وقالوا: ها هنا علّه
قال: طلب المعتمد ثلثمائة دينار، يصل بها عريباً، وقد حضرت عنده، فلم توجد! فطلب مائتي دينار، فلم توجد..! فبكى، وقال
أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قلّ ممتنعاً عليه؟
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً ... وما من ذاك شيءٌ في يديه!
إليه تُحمل الأموال طُراً ... ويمنع بعض ما يجبى إليه!
وكان، لما فوض الأمور إلى أخيه أبي أحمد، واستروح إلى كفايته للقيام بها، وتفريغه للهو والشرب واللعب، وترك النظر في شيء من أمر المملكة أو المسئلة عنه، طمع أبو أحمد، واستبد بالأمر، وغلب على المملكة. ورام المعتمد بعد ذلك تغيير الحال، فعزه وأعوزه وامتنع عليه وطمع الناس جميعاً فيه، إذ رأوه مغلوباً على أمره، ورأوا لا ضر ولا نفع في يده.
стр. 23
وذكر إسحق بن روح، أن مفلحاً وجهه إلى المعتمد، وقال: قل له: قد سمعت هزاراً جارية أمير المؤمنين، فأعجبتني وأحببت أن أملكها؛ ورأيت بدراً الجلنار فأعجبني، فأحببت أن أملكه. فليوجه بهما أمير المؤمنين إلي. فأديت الرسالة إلى المعتمد بعد أن استأذنته فيها. فلما سمعها غضب وخرق ثيابه وقال: هكذا يفعل العبيد بالموالي، يغصبونهم على حرمهم وغلمانهم؟ وتكلم بأشياء عظيمة، فخرجنا، فردنا وقد سكن، ثم قال: مثل أبي صالح لا يرد عن طلبته. قد أمرت بحمل هزار مع كسوتها وفرشها وجواريها وجميع ما لها. فأما بدر الجلنار فقد وقع على خدمتنا وله منا موضع. فقل له يسعفنا بتركه. فعدت إلى مفلح فأخبرته بطرف من الأول وبالآخر. وكان على الخروج إلى البصرة لحرب صاحب الزنج. فقال: يا أبا إسحق، قد حصلت هزار، وإذا رجعنا من هذه الحرب، أخذنا بدراً الجلنار منه، شاء أم أبى. فخرج، فأصابه سهم فمات.
وكان المعتمد من أسمح آل العباس، وكان يمثل بينه وبين المستمعين ويقال ما ولي أسمح منهما. وكان جيد التدبير، فهماً بالأمور. فلما قوض أمره وغلب على رأيه، نقصت حاله عند الناس.
قال محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان: بعث بي أبي إلى المعتمد في شيء، فقال لي اجلس. فاستعظمت ذاك، فرد الأمر علي، فاعتذر بأنه لا يجوز لي. فقال لي: يا محمد، إن أدبك في القبول مني خير من أدبك في خلافي.
قال: ظلم بعض أسباب موسى بن بغا محمد بن علي الكاتب المعروف بباذنجانة، فلما مات موسى، هجاه، فقال:
مات قسّ الدير موسى ... لعن الرحمن موسى
فلقد كان ضعيفاً ... في تُقى الله خسيسا
فسروري مطلقٌ والحز ... ن قد صار حبيسا
فبلغ هذا الشعر المعتمد، فنقضه فقال:
مات خير الناس موسى ... رحم الرحمن موسى
فلقد كان جليلاً ... عالي القدر رئيسا
أطلق الحزن وخلّى ... فرحي وقفاً حبيسا
ومن شعره المرذول، قوله:
مالي وهذا الهوى مالي ... لو أمكنني افتديته بمالي
وهذا الحبيب ما يواصلني ... فأن مع هجرانه في قتال
بدا لي على ما أرى فيحبه ... وكنت والله ما بدا لي
وله من هذا الفن:
من قال إني أعشق لو صوّروا ... الحب لكان رجلاً أحمق
أدور السطوح فلا أراه ... كأنني سنّورٌ أبلق
تمنيت من شوقي إليه ... أن أطلع عليه فأكون لقلق
هوى الناس مجتمعٌ عندي ... وهواهم عليهم مُفرّق
قال: فكت الراضي بخطه، تحت هذه الأبيات:
لم يقل ذا الشعر إلا ... جاهلٌ بالشعر أحمق
أو مصابٌ ذو جنونٍ ... ضائع الفكرة أبلق
ومن شعره:
عجبت من هذا الحب لا ... يجارى به المحبوب
أراك يا ظالم لا تريدني ... هذا والله هوىً مقلوب
أنت في حسنك يوسف ... وأنا في ضرّي يعقوب
لست أعني يعقوب الصفّار ... أنت الصفار مصلوب
وله:
عشقت إنساناً بكسكر ... وجهه كالقمر الأزهر
فلما شكوت إليه هواه ... طأطأ رأسه وفكّر
هو الذهب الابريز في حسنه ... وهو الياقوت الأحمر
من دلّني عليه فله عندي ... كل ما تمنى وقدّر
لما ظننته بيدي حاصلاً ... لا شك تركني وشمّر
قال: ودخل يوماً الجوسق، فرأى طائراً، فصاده. فقال الموفق: ما رأيت أحسن منه، فهبه لي يا أمير المؤمنين، فأعطاه إياه. فلما حصل في يده، أفلت وجعل يصفق بجناحيه ويطير، فضحك المعتمد ضحكاً شديداً، وقال:
دخلت يوما الجوسقا ... فاصطدت طيراً أبلقا
أخذه مني الموفّقا ... فحين أخذه صفقا
وطار منه فرقا
قال: ولما شخص أبو أحمد إلى البصرة والجيش معه، وبقي المعتمد بسر من رأى، قال:
مهمّ مهم مهم مهم ... وأمرٌ فظيع وأمرٌ صُرم
أيحسن أن تذهبوا كلّكم ... أقعد في البيت كنّي حرم
стр. 24
ويمضي الأمير أبو أحمدٍ ... ويضرب بالطبل كردم كدم
قال: وخرجت بثرة على قدم بدر غلامه، فأخبر بذلك، فاغتم. فلما كان بعد عتمة، خرج إلى حجرته عائداً له، وقال:
عدته بعد العتم ... لعلةٍ حادثة على القدم
مضيت أمشي في الظلم ... وحدي فلا خلقٌ علم
وله:
رمضان أتاك بخزم مقر ... فاقعدن خلف بابكنّ وتكسر
لنيتن ببستان سرهك فيه ... يأكل اللحم بارداً حين يشطر
والرثيثا والجند معه دقوقا ... والطلعلع وقشر البيض الأحمر
دير العذارى
وهذا الدير أسفل الحظيرة، على شاطىء دجلة. وهو دير حسن عامر، حوله البساتين والكروم، وفيه جميع ما يحتاج إليه. ولا يخلو من متنزه يقصده للشرب واللعب. وهو من الديارات الحسنة، وبقعته من البقاع المستطابة.
وإنما سمي بدير العذارى، لأنه فيه جوار متبتلات عذارى، هن سكانه وقطانه، فسمي الدير بهن.
وذكر يموت بن المزرع، عن الجاحظ، قال: حدثني ابن فرج الثعلبي، أن قوماً من بني ثعلب، أرادوا قطع الطريف على مال السلطان فأتتهم المعانية، فأعلمتهم أن السلطان قد نذر بهم، فساروا ثم أزمعوا على الاستخفاء وقع حوافر الخيل في طلبهم. فلما أمنوا وجاوزتهم الخيل، خلا كل واحد منهم بجارية هي عنده عذراء، فإذا القس قد فرغ منهم، فقال بعضهم في ذلك:
وألوط من راهبٍ يّدعي ... بأن النساء عليه حرام
يحرّم بيضاء ممكورةً ... ويغنيه في البضع عنها غلام
إذا ما مشى غض من طرفه ... وفي الدير بالليل منه عرام
ودير العذارى فضوحٌ لهنّ ... وعند اللصوص حديث تمام
وببغداد أيضاً دير يعرف بدير العذارى في قطيعة النصارى على نهر الدجاج. وسمي بذلك لأن لهم صوم ثلاثة قبل الصوم الكبير، يسمى صوم العذارى. فإذا انقضى الصوم اجتمعوا إلى هذا الدير فتعبدوا وتقربوا. وهو دير حسن طيب.
ولابن المعتز في دير العذارى المقدم ذكره:
خليلي قم حتى نموت من السكر ... بحانة خمار مماتاً بلا قبر
ونشرب من كرخيةٍ ذهبيةٍ ... ونصفح عن ذنب الحوادث والدهر
ألا ربّ أيام مضين حميدةً ... بدير العذارى والصوامع والقصر
وكم من ليال مسعدات لذي الهوى ... جسرت على اللذات فيهن بالجسر
خليلي فلا تطلب فلاحي وخلّني ... فما لي على لمتني فيه من صبر
ولبعضهم، فيه:
قام عذري في ظبي دير النصارى ... حين أبصرت عاشقيه حيارى
فتنةٌ عمّت الخلائق واستو ... لت على مسلميهم والنصارى
قال: ولما خرج عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من بغداد إلى سر من رأى، وكان المعتز استدعاه، نزل هذا الدير، فأقام به يومين واستطابه وشرب فيه، ثم قال هذه الأبيات:
ما ترى طيب وقتنا يا سعيد ... زمنٌ ضاحكٌ وروض نضيد
ورياضٌ كأنهنّ برودٌ ... كل يوم لهن صبغ جديد
وكأن الشقيق فيها عشيق ... وكأن البهار صبٌّ عميد
وكأن الغصون ميلاً قدودٌ ... وكأن النوار فيها عقود
وكأن الثمار والورق الخض ... ر ثيابٌ من تحتهنّ نهود
فاسقنيها راحاً تريح من اله ... م وتبدي سرورنا وتعيد
واحثث الكأس يا سعيد فقد حثّ ... ك نايٌ لها وجرك عود
وافترع عذرةً اللذاذات في دي ... ر العذارى، فعلّها لا تعود
وعبيد الله من أحسن الناس أدباً وشعراً وتصرفاً في سائر العلوم، مع كرم نفس وحسن خلق.
ولما وصل عبيد الله في سفرته المذكورة إلى المعتز، أمره بالمقام عنده في ذلك اليوم، فأقام. قال عبيد الله: فأرسل المعتز إلى شارية أن تخرج، فتعاللت عليه، فقال: عندي من يحب أن يسمعك وأحب لك وله ذلك، ولا بد من حضورك. فخرجت فجلست خلف الستارة، ثم قالت: لولا الزائر ما جئنا. فأول صوت غنته:
غشيت المنازل بالأنعم ... كمنعرج الوشم في المعصم
ثم غنت بعده:
стр. 25
لقد راعني للبين صوت حمامةٍ ... على غصن بانٍ جاوبتها حمائم
فقال لي المعتز: كيف تسمع؟ قلت: أسمع شيئاً حظ العجب منه أكثر من حد الطرب. فاستحسن هذا الكلام مني. ثم أسمعني زمر زنام الزامر، وقد ضعف وأرعش وأزمنه النقرس. وأراني الآلة التي عملها أحمد بن موسى المهندس من صفر يرسل فيها الماء فيسمع لها زمر السرناي. ثم أدخلني إلى شباك، وأمر أن يجمع بين السبع والفيل، فرأيتهما كيف يتواثبان، ثم قال لي: أذكر أني أريتك اليوم أشياء طريفة. قلت: نعم يا سيدي. قال: أيها أظرف عندك؟ قلت: غناء شارية. فقال لي: صدقت! قال جحظة: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يوماً، فجاءه مشيخة، فأمرهم بالجلوس عن يمينه. وجاء كهول، فأمرهم بالجلوس عن شماله. ودخل أحداث فوقفوا بين يديه ولم يأمرهم بالجلوس. فسألته عنهم، فقال: هؤلاء بني، وأومأ إلى الشيوخ، وهؤلاء بنوهم وأومأ إلى الكهول، وهؤلاء بنوهم وأومأ إلى الأحداث. قلت: بنوك لأم أو لأمهات شنى؟ قال: أم جميعهم شاجي، وأنشد:
زرعت وشاجي بيننا في شبيبتي ... غراس الهوى فاعتم بالثمر العذب
فشاب بنو شاجي لظهري وأدركوا ... وشاب بنوهم وهي مالكة قلبي
قال: وهي معي مذ سبعون سنة. وكان بعض المنجمين حكم بموته قبلها، فماتت قبله، فقال:
فيا عجباً مني وممن رعيته ... بأوكد أسباب الهوى ورعاني
وكنت أُرجّي أن أكون فداءه ... فلما أتى وقت الحمام فداني
وذكر ابن قدامة قال: حضرت جنازة شاجي، فلما انصرفنا، دخلت مع عبيد الله مساعداً له ومؤنساً، وهو مطرق ودموعه تجري على خديه، فلم أر باكياً أحسن منه. ثم رفع رأسه وأقبل علينا، فقال:
يميناً بأني لو بليت بفقدها ... وبي نبض عرقٍ للحياة وللنكس
لأوشكت قتل النفس عند فراقها ... ولكنها مات وقد ذهبت نفسي
قال: ثم حضرت معه لزيارة قبرها، فلما هم بالانصراف، قال:
من زار دار أحبةٍ لحياتهم ... ولما يؤمّل من لقاء يقدر
فليأت دار أحبةٍ سكنوا البلى ... كرماً وحفظاً واللقاء المحشر
قال: ومات ابن لعبيد الله من شاجي، فزار قبره، ثم أنشد:
أيا مجمع الأحباب بعد تفرقٍ ... أراك قريباً والتلاقي شاسعا
فيا عجباً أني أزورك مكرهاً ... وفيك الأُلى أهوى وأجفوك طائعا
قال الصولي: لما ماتت شاجي، جزع عليها عبيد الله الجزع الذي لم ير مثله. فرثاها جماعة من الأدباء، ورثاها عبيد الله بعدة قصائد. فكان أحسن ما مر بي في ذلك، رسالة لعبد الله بن المعتز إليه وجوابها من عبيد الله بن عبد الله. وكانت نسخة التعزية: اتصل بي، أعزك الله، خبر المصيبة. فوالله لقد أشركني الهم بها معك، وألمني منها ما ألمك. فصبراً يا أخي على حكم القدر، ونهضاً من عثرة الجزع، وثباتاً للمحنة، وشكراً لمفيد النعمة بتقديم الحرم وتحصيل الأجر على حسن الصبر وإن كانت:
جليلة حظٍ من عفاف ومن تُقىً ... وقمريّةً في ذروة الغصن تسجع
تولت ولو لم تطعم الأرض غيرها ... كفتها ولكن لا أرى الأرض تشبع
وقد أطال لله إمتاعك بها منذ وهبها لك، وجعل فقده لمثوبتك التي هي أكبر منها إذ ارتجعها منك. ومثلك، أيدك الله، لا يحض على حفظ دينه، لأنك تعلمه وترغب فيه وتسارع إليه. لكن المصائب ربما عصفت بالجازع حتى يذكر أو يذكر، فيراجع الرضا بحكم من لا يجور، ويسبق الصبر على المصيبة مختاراً، للسلوة التي لا بد من أن يصير إليها اضطراراً. ورب خيرة مرة، وحميد في مكروه، وهو الدهر الذي نعرفه ولا تؤتى من غرةٍ به. هذه سجيته وبهذا تقدمت سيرته كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ولولا علة عائقة عن لقائك، أعزك الله، لصرت إليك بدلاً من كل كتاب ورسول، وقضيت بذلك حقك ورأيته من واجبك. ورب حاضر لم يحضر وده، وغائب لم يغب غمه عنا. وأعظم الله أجرك، وأجزل ثوابك، ودل على سبيل العزاء قلبك، وكفاك مكارهك، ووفقك لما يوافقك، ورحم التي توفيت، وجعل ما اتصلت به من الآخرة خيراً مما انقطعت عنه من الدنيا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 26
فأجابه عبيد الله بن عبد الله: أطال الله بقاء السيد المؤمل للدنيا والدين، وابن السادة المنعمين، والخلفاء الراشدين، والآباء المنتجبين، وزاد الله السيد تشريفاً وتفضيلاً، وأدام له العز والسعادة والكرامة والغبطة والسلامة، وجدد له النعم الظاهرة والمنن المترادفة، وجعلني من كل سوء ومكروه فداه، وقدمني إلى كل مرهوب ومحذور قبله.
وصل كتاب السيد، أطال الله بقاءه، مملوءاً بالبر والفضل والانعام والتطول وفرائد الأدب وجوامع المحاسن. فتلقيته بحقه من الاعظام والشكر والمعرفة بعلو قدره وارتفاع درجته وارتقاء رتبته في حسن التأليف واتفاق المعاني وجليل الصواب وجميل الخطاب. ولقد رفع الله الأدب والعلم ونواظر أهلهما بالسيد، أيده الله بعنايته وقدرته. فأما المشاركة فمعهودة من تفضله، حتى لو قلت أن التعزية بهذه المصيبة التي لحقتني لو شوفوه بها وعزى عنها جرى الأمر مجراه ووضع القصد في أحق مقاصده. وأما الصبر فهو الذي لا بد منه اضطراراً أو اختياراً.
إذا ما أصابت ذا حياةٍ مصيبة ... فقابلها منه التحمل والصبر
فما بعدت من أن تحوّل نعمةً ... يحق عليها الحمد لله والشكر
وأما الجزع، فما أصاب وأوجع وألم وروع، فلا محيد عنه. وإذا لم يتعد العين والقلب إلى البدن واللسان فخطبه أسهل، وشكر المولى المخفف للمحن والمتمم للنعم، المفزع في النوائب والعصمة في المصائب. ولو كان طول الامتاع، أعز الله السيد، يسلى لا يسلو عنه إلا لمن ساعده ووهى عقده لما عمل عليه مميز نظار، ولو كان على أشد المضض وأمر الغصص ولوعة الأبد ودوام الكمد، وأقول:
أسرّ أمور الدهر صار أغمّها ... وكل جديد صار بعدك باليا
فأعجب من شهدٍ تحوّل علقماً ... ومن ضاحكٍ لم يعد أن ظل باكيا
وأما السلوة، أعز الله السيد، فليست من فعل الأحرار المخلصين لا في محيا ولا في ممات، إنما هو اغتنام الاحتساب واتصال الأكساب والعياذ بالله من فقد العزاء وفقد أجره. وبالله يا سيدي، إن الشخص لخاشع وإن الطرف لدامع وإن القلب لحران موجع. ولقد صادفت هذه الحال بدناً ما فيه عضو صحيح، أسقام متطاولة ومصيبة موصولة بما بقي من الزمن.
وبينا الفتى يبكي ويندب شجوه ... ومألوفه إذ صار يبكى ويندب
وأما ما ذكره السيد، جعلني الله فداه، من أمر العلة التي لا كانت ولا سمع لها بذكر أبداً، فإنه لولاها لكان وكان مما لا ينطلق بذكره اللسان. وأنا أعيذه بالله العظيم الذي فضله بكل خلق كريم من تعنيف الفعل الذي لا يجزي أدناه أقصى الشكر ففيما سلف من المخاطبة والمشاركة ما يبلغ أقصى منازل الشرف، وحاول أعلى مآثر الفخر؛ وأنا أفاوض السيد، أطال الله بقاءه، الشيء بعد الشيء، مما نطق به الحزن، وأبثه إياه. فمن ذلك:
وقعت على الأحباب والترب دونهم ... بنفسي وجوهٌ تحت تلك المقابر
ومثل لي ما نال من حسنها البلى ... فسبحان ربّي عالماً بالسرائر
ثم بعث إليه بعدة قصائد قالها فيها.
قال: ولما اختلت حال عبيد الله، بعث إليه المعتضد يسأله أن يفسح لشاجي في زيارته، فشق ذلك عليه، واحتج بأنها عليلة ومختلة الهيئة. فلج في طلبها حتى ظهر منه تهديد له. فبعث بها إليه. فذكر عنها أنها قالت: احتقرت نفسي حين دخلت على جواريه، لما رأيت عليهن من حليهن وحللهن، وحقرنني هن أيضاً حتى غنيت وغنين، فانتقل إعظامي لهن إلي منهن. فلما خرجت، حمل معها المعتضد عشرة آلاف درهم وكسوة وطيب. فجاءت شاجي وعبيد الله واله. فلما رآها سري عنه، ثم قال لها: هل رأيت شيئاً لم تري مثله عندنا فاستحسنته؟ فقالت: لا والله، إلا عوداً من عود، وذلك أنه محفور لا مبني، فاستطرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن يدخل دار الخلافة فلا يمد عينه لشيء يستحسنه فيها إلا عوداً.
قال: وكان مما صنعته وغنته ذلك اليوم للمعتضد
ماذا استعار الحسن من وجهه ... والغصن الناعم من قدّه
لقد تعاتبنا بأبصارنا ... فيما جناه الخلف من وعده
حتى تجارحنا بتكرارنا ... للّحظ في قلبي وفي خده
فأدرك الثأر وأدركته ... وسرني بالصدّ عن صده
وكان مما غنته أيضاً:
стр. 27
هو الدهر لا يعطيك إلا تعلّةً ... ولا يأخذ الموهوب إلا تغشّما
عزاءً إذا ما فات مطلب هالكٍ ... وصبراً إذا كان التصبّر أحزما
قال أبو علي محمد بن العلاء الشجري: لما تقلد عبيد الله بن سليمان الوزارة للمعتضد، دفع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إلي رقعة، سألني عرضها على عبيد الله بن سليمان، فكان فيها:
أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نجلّ ونعظم
فقلت له: نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا، إن المهم المقدّم
فاستحسن عبيد الله بن سليمان ما كتب به، وقال: أما ترى كيف تلطف لشكوى حاله؟ ثم أخذ جميع رقاعه فوقع له فيها بجميع ما أحب.
قال: وقال أبو العيناء يوماً لعبيد الله أسكت أيها الأمير أم أقول؟ قال: إن سكت كفيت، وإن قلت أصغي إليك، وإنك لتقر منا إذا احتجنا إليك، وتبعد عنا إذا احتجت إلينا.
ومن شعره، قوله:
لعمري لئن حدثت نفسي أنني ... أفوتك أن الرأي مني لعازب
لأنك مني بالمكان المحيط بي ... من الأرض أني استنهضتني المذاهب
ذكر أبو علي الأوارجي، أن أبا بكر محمد بن السري السراج النحوي، كان يحب جارية من القيان، فأنفق عليها مالاً جزيلاً. فلما ورد المكتفي من الرقة، خرج الناس ينظرون إليه. فخرجت أنا وهو وأبو القاسم عبد الله الموصلي، فجلسنا على روشن دار ابن جهشيار لنراه. فلما وافى ونظرنا إليه استحسناه كلنا. وكان أبو بكر بن السراج واجداً على هذه الجارية ومغاضباً لها. فقال: قد حضرني شيء، فاكتب، فكتبت:
قايست بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
والله لا كلمتها ولو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفى
ثم مضى للحديث مدة طويلة. وكان أبو عبد الله محمد بن إسمعيل زنجي الكاتب، يهوى قينة، وهو إذ ذاك يكتب لأبي العباس ابن الفرات فكان يحدثه بحديثه معها ولا يحتشمه، وكان اجتماعها معه في كل يوم جمعة، لأنه كان يوم نوبته في داره.
قال أبو علي: فحدثني زنجي، قال: غدوت يوم سبت على أبي العباس ابن الفرات، فقال لي: ما كان من خبرك أمس؟ فحدثته باجتماعنا، فقال لي: فما كان صوتك؟ فقلت:
قايست بين جمالها وفعالها
فقال لي أبو العباس: لمن هذا الشعر؟ قلت: لعبد الله بن المعتز. ثم ركب أبو العباس بن الفرات إلى الوزير القاسم بن عبيد الله، فحدثه بهذا الحديث، وأنشده الشعر، وسار معه إلى الثريا، ثم انصرف عنه جلس في ديوانه. فلما علم أنه قد قرب انصرافه، خرج فتلقاه، فلما لقيه، حدثه أنه انشد المكتفي الشعر وأنه سأله عن قائله، فعرفه أنه لعبيد الله بن عبد الله ابن طاهر. قال: فأمرني أن أحمل إليه ألف دينار. فقلت: إنما قلت لك أن الشعر لعبد الله بن المعتز، فنسبته إلى ابن طاهر. فقال: والله، ما وقع لي إلا أنك قلت إنه لعبيد الله. وهذا رزق رزقه الله عبيد الله، لا حيلة لأحد فيه. قال زنجي: فلما انصرف أبو العباس، حدثني بهذا الحديث وقال: خذ أنت الدنانير وامض بها إلى عبيد الله وقل له: هذا رزق بعثه الله إليك من حيث لم تحتسب! فحملت إليه الدنانير وحدثته الحديث، فحمد الله وشكر أبا العباس، فكان هذا من الاتفاق العجيب! وكان عبيد الله يقول: من صحب السلطان وخدمه، احتاج أن يدخل أعمى ويخرج أخرس.
ومن شعره، قوله:
إذا أنت لم تفضل على ذي مودة ... وكنت وإياه بمنزلةٍ سوا
فلا تك ذا تيهٍ عليه فإنما ... يعاقب بالذنب الفتى لا على الرضا
وقال أيضاً:
ألا إن قلبي منك بعد الذي مضى ... لملآن من أمرين يختلفان
هوى منك يتلوه أذىً لك والأذى ... عدو الهوى لن يوجدا بمكان
وقال أيضاً:
كفاك عن الدنيا الدنيّة مخبراً ... غنى باخليها وافتقار كرامها
وإن رجال النفع تحت مداسها ... وإن رجال الضر فوق سنامها
وقال أيضاً:
وقالوا: غداً ينأى فما أنت صانع ... فما هو إلا أن تفيض المدامع
بلى زفراتٌ بينهن تنفّسٌ ... يقطّعن قلبي والهموم النوازع
стр. 28
وذل وإطراقٌ وفكر وحسرةٌ ... وأعظم منها ما تجنّ الأضالع
قال عبد الله بن المعتز: كتبت إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حين ولي ابنه خلافة يونس على شرط بغداد:
فرحت بما أضعافه دون قدركم ... وقلت عسى قد هب من نومه الدهر
فترجع فينا دولة طاهرية ... كما بدأت والأمر من بعده الأمر
عسى الله، إن الله ليس بغافلٍ ... ولا بد من يسر إذا ما انتهى العسر
فأجابه عبيد الله بن عبد الله:
فنحن لكم إن مسّنا ضيم جفوةٍ ... ومنا على لأوائها الصبر والعذر
فإن رجعت من نعمة الله دولةٌ ... إلينا، فمنّا عندها الحمد والشكر
ولعبيد الله شعر كثير وأخبار طريفة، اخترنا منها ما يليق بغرض الكتاب ولا يخرج إلى حد الاطالة.
وكانت وفاة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ليلة السبت، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلثمائة. ولما توفي، وجهت شغب والدة المقتدر بالله بأم موسى القهرمانة إلى ولده وحرمه فعزتهم عنه، وكفنته بكفن حظيري، وتصدقت في جنازته بألف دينار وألف درهم، وقامت بجميع أمورهم.
وأما أخوه محمد بن عبد الله بن طاهر، فكان كريماً سرياً جواداً سمحاً حسن الأخلاق مع أدب وحسن معرفة وافتنان في سائر العلوم، وضبط وسياسة وتقدم في التدبير. وكان المتوكل استدعاه من خراسان لما مات إسحق بن إبراهيم الطاهري ومحمد ابنه، وولاه خلافته ببغداد، فأقر أخاه طاهر بن عبد الله على خراسان، وكان أكبر أخوته.
ذكر الشاه بن ميكال، أن بعض البزازين، عرض على محمد بن عبد الله بن طاهر ثوبي وشي، فعرفهما وعلم أنهما من ثيابه، فأحضر إبراهيم بن هارون النصراني قهرمانه، فأمره أن يحضر الثوبين اللذين من صفتهما كيت وكيت، فذكر أنه لا يعرفهما، وأنه رجع إلى الاحصاء، فلم يجدهما فيه، ورجع إلى الديوان فوجدهما ثابتين فيه، أبتيعا بألف وخمسمائة دينار. قال: فسألت عن الخبر، فأخبرت أن الكاتب في الخزانة باعهما وأسقط من الاحصاء عددهما. فأمر بحبس الكاتب. وقال لابراهيم: ويلك! تستكتب من يقدم هذا الاقدام؟ فحلف أنه ما وقف على مثل هذه الحال منه ولا عرف له مثل هذه الزلة. فقال: إن كان الأمر كذلك فليطلق، وأمر له بخمسمائة دينار، وقال له: تعفف بهذه، فإني أظن الخلة حملتك على ذلك، ورد الثوبين على التاجر وأطلقه.
قال: وكنا يوماً عند إسحق بن إبراهيم بن مصعب، فقدمت المائدة، وكن قد تقدم بعمل هريسة، فقدمت إليه الهريسة، فنظر إليها، فرأى شعرة، فأومأ إلى بعض غلمانه بشيء لم نفهمه. فما لبث أن جاء بطيفورية عليها مكبة، فوضعها ورفع المكبة، فإذا يد الطباخ بدمها في الطيفورية. فرفعنا أيدينا، وتنغص أكلنا مما ورد علينا، وقمنا وليس منا أحد ينتفع بنفسه.
ثم اجتمعنا بعد ذلك بدهر على مائدة محمد بن عبد الله بن طاهر، وكان قد تقدم بإصلاح لون اشتهاه، فعمل له، وجاء به الطباخ بنفسه حرصاً على التقرب من قلبه. فلما قرب منه، عثر لعجلته، فأفلت الطيفورية على محمد، فصارت ثيابه وما تحته من فرش آية، فقام للوقت، فغير ثيابه واغتسل وعاد إلينا بوجه طلق لم يؤثر فيه ما جرى، وجلس على المائدة، ثم قال: علي بفلان الطباخ، فجيء به وهو لا يشك في حلول النقمة. فقال له: أحسبنا قد رعناك، أنت حر لوجه الله جل وعز. وفلانة الجارية لك وقد زوجتكما، وأمر له بصلة وكسوة. فأقبلنا بالدعاء له، وتعجبنا من فعله وذكرنا فعل إسحق.
قال: كان ابن أبي فنن، ويكنى أبا عبد الرحمن شاعراً مطبوعاً، وكانت له ضيعة في قطيعة محمد بن عبد الله بن طاهر. فكان الحاشر يصير إليه فيؤذيه، وربما أشخصه، فكتب إلى محمد يشكو الحاشر وما يلقى منه من الاعنات:
أبني حسين أنني ... أصبحت في كنف الأمير
ولنا معايش في قطي ... عته على الماء النمير
وبنيت بيتاً وسطه ... سميته بيت السرور
فإذا جلست إزاءه ... وشربت من حلب العصير
قلت العفا لما روي ... ت على الخورنق والسّدير
لولا تردد حاشرٍ ... كالكلب في يوم مطير
غادٍ علي ورائح ... يصل الرواح إلى البكور
стр. 29
فإذا بدا لي وجهه ... أُخرجت صفراً من سروري
فهل الأمير بجوده ... من قبح طلعته مجيري؟
فلما قرأ محمد الأبيات، وقع تحتها: قد أجراك أبا عبد الرحمن، وأمرنا باحتمال خراجك، وكان مبلغه ثمانية آلاف درهم، ووجه إليه بألف دينار، وحلف عليه أن يقبلها، وكان ابن أبي فنن لا يقبل من أحد شيئاً، وكان حسن الحال مستقلاً.
ولمحمد بن عبد الله من الأفعال الكريمة ما يطول الشرح بذكرها، وفيما ذكرنا كفاية.
ومن مليح شعره، قوله:
قالت بناظرها أقبل، فقلت لهما ... بالدمع: لبيك يا سمعي ويا بصري
حتى إذا علمت أن قد كلفت بها ... أومت إلي بدمع غير مستتر
يا كاتمي خيفة الواشي محبّته ... إني وعيشك أقراه من النظر
قولي بطرفك ما تهوين أعرفه ... واستنطقي ناظري يخبرك بالخبر
وكان مولد محمد بن عبد الله سنة تسع ومائتين، في الليلة التي فتحت في صبيحتها كيسوم، وفيها ولد عبيد الله بن يحيى بن خاقان وأحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وكلهم ولي الوزارة.
ومات محمد يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وسنة أربع وأربعون سنة. وكانت وفاته من بثرة خرجت في حلقه. وتوفي والقمر في الكسوف، وكان يقول: إذا تم الكسوف وبدأ في الانجلاء مت، فكان كذلك. واستخلف أخاه عبيد الله فأقره المعتز، ووجه إليه بالخلع مع مفلح خليفة باكياك. وكان طاهر بن محمد نازعه الأمر وأعانه مواليه والعامة حتى جاءت الرسل والخلع، فاستقر الأمر لعبيد الله.
ولابن الرومي، يرثي محمد بن عبد الله بن طاهر:
بات الأمير وبات بدر سمائنا ... هذا يودعنا وهذا يكسف
قمرٌ رأى قمراً يجود بنفسه ... فبكى أخاه أخٌ مؤاس منصف
فتكت به الأيام وهي عليمة ... أن سوف يتلف منه ما لا يخلف
وقال فيه:
وسألت عنه، فقيل: بات لما به ... قلت: الندى لا شك مات لما به
وكأنا....... ... .......... به
فلمن أصون مدامعي من بعده ... ولمن ترى تنهلّ من أسبابه
لصوابه، لخطابه، لجوابه، ... لشبابه، للغرّ من آدابه
ولعبيد الله أخيه، فيه.
كسيف البدر والأمير جميعاً ... فانجلى البدر والأمير عميد
عاود البدر نوره لتجلي ... هـ ونور الأمير ما لا يعود
وقال:
ذكرت أخي من غير نسيان ذكره ... ولكنها حالٌ تزيد وتنقص
على حسب أخلاق الزمان وأنه ... ليصحبني عيشٌ عليه منغّص
ولما مات محمد بن عبد الله بن طاهر، اشتد وجد المعتز عليه، وكان يرى أن الأتراك يهابونه من أجله ولمكانه، فقال فيه:
ذهبت بهجة الخلافة عنّا ... حين أضحى محمد في القبور
عن قليل تكون أحداث دهرٍ ... من سنا نارها يشب السّعير
стр. 30
وقال: وأما سليمان بن عبد الله بن طاهر، فكان ابن أخيه محمد بن ابن طاهر، أنفذه إلى العراق في سنة خمس وخمسين ومائتين خليفة له، فأمضى المعتز ذلك وخوله فأقره أياماً. وخرج إليه عبيد الله فخلع عليه وولاه شرطة بغداد وعزل سليمان بن عبد الله. فدخل عبيد الله إلى بغداد ومعه خلق عظيم من الأولياء والقواد، فتلقاه الناس وفرحوا بولايته. وخرج سليمان قبل وصول أخيه إلى البردان، فأقام بها إلى أن ورد موسى بن بغا من الجبل. فرد إليه أمر الشرطة ببغداد وسر من رأى وأمر السواد، وعزل سليمان، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائتين، فتسلم عبيد الله الولاية في الأولى. ثم اضطرب أمر الطاهرية بخراسان ودخل يعقوب بن الليث نيسابور. فلما قرب منها، وذلك في سنة ثمان، وجه محمد بن طاهر إليه يستأذنه في تلقيه، فلم يأذن له. فبعث بعمومته وأهل بيته، فتلقوه، ودخل نيسابور ونزل طرفاً من أطرافها، فركب إليه محمد بن طاهر ولقيه في مضربه، فأقبل يوبخه على تفريطه في عمله. ثم وكل به وبأهل بيته وكتب إلى الحضرة يذكر أنه على السمع والطاعة والضبط لما يتولاه، ويطعن على محمد. فرد الموفق عليه أقبح رد، وأعلمه أنه لا يقاره على ذلك. ثم أقبل يعقوب بن الليث إلى بغداد، وسار المعتمد نحوه، فالتقوا وكان الموفق في المقدمة، وموسى بن بغا في الميمنة، ومسرور البلخي في الميسرة، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من رجب، وكان يوم شعانين، فقتل من الأولياء خلق كثير. واشتدت الحرب، وكشف الموفق عن رأسه وقال: أنا الغلام الهاشمي. ثم دارت الدائرة على يعقوب، فانهزم أقبح هزيمة، واتبعهم الموفق وموسى بن بغا فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وأطلق عليهم الماء فغرق أكثر ممن قتل. وكان محمد بن طاهر معه مثقلاً بالحديد، فأطلق من حديده وخلع عليه وأنزل دار عمه محمد بن عبد الله ابن طاهر، ورد إليه عمله بخراسان وأطلق له خمسمائة ألف درهم. ورجع المعتمد إلى بغداد، وسار الموفق إلى واسط، وعقد لعبيد الله على الحرمين.
وورد الخبر بموت يعقوب بن الليث وقيام أخيه عمرو، وأخذت البيعة على عمرو وقلد خراسان وفارس وكرمان وسجستان وأصبهان والسند. وكتب عمرو إلى عبيد الله بن عبد الله بتوليته الشرطة خلافة له، ووجه إليه بخلع وعمود ذهب، وأمضى الموفق ذلك وخلع على عبيد الله أيضاً.
ومات سليمان بن عبد الله بن طاهر، سنة ست وستين ومائتين في المحرم. فوقف أخوه عبيد الله على قبره متكئاً على سيفه، وقال.
النفس مني ترقى في مراقيها ... ودمعة العين تجري في مجاريها
لبقعة ما رأت عيني كقلّتها ... ولا ككثرة أحباب ثووا فيها
ثم استخلف صاعد بن مخلد أبا عبد الله محمد بن طاهر بن عبد الله ابن طاهر على مدينة السلام، في سنة سبعين ومائتين، فقبض على عمه عبيد الله وحبسه. ثم استخلف المعتضد غلامه بدراً على مدينة السلام، وانقرض أمر الطاهرية منها ومن خراسان.
وكان لسليمان شعر مليح وأدب وفهم ومعرفة. وأما عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر، فكان أصغر من أخويه، وكان له أدب وفهم وشعر مليح. فمن شعره إلى أخيه عبيد الله، وكان أخواه عبد الله وسليمان حساه.
قد كنت أحسب أني منك إن نزلت ... إحدى النوائب بي آوي إلى جبل
حتى إذا وقع الأمر الذي وجبت ... في مثله نصرتي من غير ما فشل
أسلمتني لخطوب الدهر تلعب بي ... ما هكذا كان تقديري ولا أملي
لو كنت في بلدٍ نائي المحل لما ... باليت عثرة أيامي ومثلك لي
إني أخوك الذي قد كنت تألفه ... ما حلت عن عهدكم يوماً ولم أزل
إني أخوك وإن الله مطّلعٌ ... على السرائر، فاقطع بعد أو فصل
ومن شعره أيضاً إلى أخيه لما حبس، وكان تهم بأنه كاتب السجستاني، فكتب من الحبس يحلف على بطلان ذلك، وكتب آخر الرقعة بهذه الأبيات:
تقول وقد ريعت سُليمى بمحبسي ... كما راع ثكلٌ فاجعٌ أم واحد
أبى الدهر إلا أن ينوبك صرفه ... كعادته النكراء في كل ماجد
فقلت لها: غضي عليك فإنما ... تصيب الرجال صائبات الشدائد
ولا تعجبي للحبس ويحك واعجبي ... لانكر ما حدثته في المشاهد
стр. 31
حبست لحرب ما شهدت كفاحها ... وأصبح سجاني أخي وابن والدي
ومن مليح شعره:
يا أيها القمر المنير الزاهر ... المشرق الحسن البهي الباهر
أبلغ شبيهتك السلام وهّنها ... بالنوم، واعلمها بأني ساهر
وكان المعتضد يستحسن هذا الشعر، فغنى فيه في طريقة خفيف الرمل، وكان أحد أصواته.
ذكر أبو عبد الله بن حمدون، أن محمد بن عبد الله بن طاهر، كان يحجب المتوكل بسر من رأى شهرين ثم ينحدر إلى بغداد فيقيم بها شهرين ويخلفه خلفاؤه بسر من رأى. فقدمها قدمة أخذ فيها معه أخاه عبد العزيز، وكان قد اشترى جارية، لها من قلبه محل. فاشتد عليه فراقها. قال: فسألني أن أستأذن أخاه له في الرجوع إلى بغداد على أن يعطيني شهرياً كنت رأيته تحته. ففعلت، فأذن له، فأعطاني الشهري. ثم أنشدني هذا الشعر:
أقول لما هاج قلبي الذكرى ... واعترضت وسط السماء الشعرى
كأنها ياقوتة في مدرى ... ما أطول الليل بسر من را
يا ربّ فكّاً كفكاك الأسرى ... فإن تجد لي بنجاةٍ أخرى
اجعل أدنى خطواتي بصرى ... حتى أؤوب بالمطايا حسرى
كأنها من الكلال سكرى ... ثم أعيش مثل عيش كسرى
ولم يدخل بغداد من ولد عبد الله بن طاهر غير هؤلاء الأربعة: محمد وعبيد الله وسليمان وعبد العزيز. فأما عبد الله بن طاهر، فكان من سروات الناس أدباً وفضلاً وسياسة وتدبيراً وسخاء وكرماً.
وكان المأمون تبناه ورباه. وكان مولده سنة اثنتين وثمانين ومائة. فذكر أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله أن أبا عبد الله بن طاهر انصرف ليلة من دار المأمون وذلك بعد خروج طاهر إلى خراسان، وكان قد غلب عليه النبيذ، فبات في القبة الطاهرية من دار طاهر بمدينة السلام. فتعلق طرف من الخيش، وقد يبس، بالشمعة، فاحترقت القبة، واحتمل عبد الله فأخرج منها. واتصل الخبر بطاهر، فكتب إلى عبد الله يعذله ويؤنبه ويقول: لو ورد الخبر بوفاتك كان أسهل علي من وروده بفضيحتك، وأن يبلغ بك النبيذ مبلغاً لا تحس معه باحتراق موضع أنت فيه؛ ويأمره بالتجهز والخروج إليه. فأقلق عبد الله ذلك وكتمه عن جميع الناس وختم الكتاب وجعله تحت مصلاه وتبين الهم عليه. فسأله المأمون عن خبره فكتمه. ثم سأل من يخصه، فأعلمه أن كتاباً ورد عليه لا يعلم ما فيه، فأقسم عليه المأمون في إحضار الكتاب، فأحضره. فكتب المأمون إلى طاهر يعاتبه على ما فعل، ويعلمه منزلته عنده وإحلاله محل الولد، وأنه لا يد لطاهر عليه إلا بحق خلافته، فإن صرفه عنها فليس له أن يزعجه عن الحضرة. فأجاب طاهر بالشكر لتطوله إذ كان هذا محله عنده. وأعيد بناء القبة، فلم تزل إلى أن نقضت في سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
وخرج عبد الله إلى الشام في سنة تسع ومائتين، فحارب نصر بن شبث إلى أن ظفر به.
стр. 32
قال عبيد الله بن عبد الله: حدثني نصير وياسر وجماعة من مشايخ موالينا، إن أبا العباس عبد الله بن طاهر، لما أشرف على كيسوم، تحصن بها نصر بن شبت، فركب من الغد وقد عبأ جيشه للقاء، فوافى نصراً وقد خرج من الحصن، فصف بإزائه وواقفه إلى الليل على غير حرب، ثم أوقد نصر النيران، فشاور عبد الله قواده، فقالوا: هذا الليل، فننصرف ونبيت في معسكرنا، ثم نغاديه الحرب فقال: إن انصراف المحارب نكوص، ولست أبرح من موضعي. فنزل، وكان يحم حمى ربع، وكان نوبتها تلك الليلة، فوعك وعكاً شديداً، فالتمس ما يدفئه فلم يكن معهم، فقالوا: أحفروا حفيرة بأسيافهم، وأمر أن يجمع من مخالي الدواب التبن فيلقي في الحفيرة، ففعل ذلك، ثم جلس فيها. وجاءت السماء بهطل ووبق شديد. فقال: استروني بتراسكم، فلم نزل كذلك ليلتنا أجمع نستره حتى أصبح، وصلينا وصلى وأعاد سلاحه وركب فرسه وتطرف، ونحن معه، فنظر فإذا ليس خارج الحصن أحد. فقال: خدعنا الخبيث وأوهمنا أنه بإزائنا ودخل حصنه ووكل به من يوقد النيران، والساعة يخرج عليكم بحدته. فخذوا حذركم. ودعا العزيز فقال: إمض في ألفي فارس فأريحوا واستريحوا، وسمى لهم موضعاً يكونون فيه، ولا يبرح منكم أحد أو يأتيه طاهر بن إبراهيم بن مدرك برسالتي. فإذا أتاك، فإن قدرت أنت وأصحابك أن تكونوا في أجنحة الطير حتى توافوني فافعلوا، فمضى. ولم يستتم الكلام حتى خرج نصر وحمل عليهم، فبرز إليه عبد الله يقدم أصحابه، فلم تزل الكرات بينهم والجلاد، وعبد الله يفدي اصحابه ويعدهم ويرمي نفسه كل مرمى، إلى أن صارت الشمس في كبد السماء، وكل من معه وتبين فيهم الضعف والعجز، فأرسل طاهر إلى العزيز يأمره بالاسراع، فوافى. فلما رأى نصر ومن معه الرايات السود والأسود السود، وكان عبد الله من اتخذها، جزعوا وتبين فيهم الفشل، وقال عبد الله للعزيز: شأنك وأصحابك نحو القوم! فلم يكن إلا ساعة حتى انهزم نصر ولجأ إلى حصنه. فدعا أبو العباس بالنقابين وأمر بنصب العرادات والمجانيق والسلاليم، واطلعوا، فلم يروا في الحصن أحداً، وإذا نصر قد نقب نقباً من وراء الحصن وخرج منه؛ وأمر الرجال ففتحوا الباب، ودخل فغنم وأصحابه جميع ما في الحصن، وبشر في ذلك الوقت وهنيء بالفتح. فأنشده عوف بن محلم الخزاعي:
أُشكر لربّك يوم الحصن نعمته ... فقد حباك بعز النصر والظفر
وهي قصيدة طويلة.
ومضى نصر، فلجأ إلى جبال لم تحصنه، فعاذ بالأمان. فكتب عبد الله إلى المأمون يخبره، فكتب إليه: أعطه الأمان على أن يطأ بساط أمير المؤمنين وينفذ فيه حكمه. فرضي بذلك، ووجه به عبد الله مع محمد بن الحسين بن مصعب إلى حضرة المأمون.
قال: وكان نصر قد كبر، فرآه المأمون وغلامان له يحملانه على السرج: فقال: نصر يحمله اثنان! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ولا ينزله مائتان! ثم سار عبد الله بن طاهر إلى مصر في سنة عشر وفتحها واستأمن إليه ابن السري؛ وأقام بها إلى سنة إحدى عشرة. وقدم على المأمون وقد أصلح البلد وجبى أمواله واستقامت أحواله، فتلقاه أبو إسحق والعباس بن المأمون، وقدم معه بالمتغلبين على مصر.
قال: وقال المأمون يوماً: هل تعرفون رجلاً يزيد على جميع أهل دهره نزاهة وحسن سيرة؟ فذكر قوم ناساً فأطروهم، فقال: لم أرد هؤلاء. فقال علي بن صالح، صاحب المصلى: ما أعلم يا أمير المؤمنين أحداً له مثل هذا النعت إلا عمر بن الخطاب. فقال المأمون: اللهم غفراً، لم أرد قريشاً، فأمسك القوم جميعاً. فقال المأمون: ذاك عبد الله بن طاهر، وليته مصر وأموالها جمة، فوجد لعبيد الله بن السري من الأموال ما تقصر عنه الصفة، فما تعرض منه لدينار ولا لدرهم، ولم يخرج من مصر إلا بعشرة آلاف دينار وثلاثة أفراس وحمارين؛ ولكنه غرس يدي وخريج أدبي. ولأنشدنكم أبياتاً في صفته، ثم أنشد:
حليمٌ مع التقوى، شجاعٌ مع الرّدى ... ندٍ حين لا يندى السحاب سكوب
شديد مناط القلب في الموقف الذي ... به لقلوب العالمين وجيب
فتىً هو من غير التخلق ماجدٌ ... وعن غير تأديب الرجال أديب
стр. 33
فأقام قبل المأمون سنة، ثم سيره إلى بابك، وقد كان ظهر وعظمت شوكته، فأقام بإزائه سنة، وكان شرط على المأمون أنه إن ظفر ببابك رجع إلى الباب. فيكون مقامه بحضرة المأمون ويختار لخلافته على خراسان من أحب من أخوته. فأقام بالدينور تسعة أشهر يستعد لقتال بابك. فبينا هو كذلك، إذ ورد على المأمون كتاب صاحب نيسابور يذكر أنا لمارقة أغارت على قرية منها يقال لها الحمراء على طريق الجادة، وأنهم أحرقوا وسبوا وقتلوا النساء والأطفال. فعظم ذلك على المأمون، ودعا إسحق بن إبراهيم وهو خليفة عبد الله بن طاهر على الشرط، ويحيى بن أكثم، وبعث بهما إلى عبد الله وكتب معهما كتاباً بخطه إلى عبد الله يقسم عليه أن يحول مضربه من وجه بابك إلى وجه خراسان، فإن خراسان أهم من المملكة كلها بعد الحضرة، وأن يشير عليه بمن يبعث به إلى بابك، فامتثل ما أمره به، وأشار بعلي بن هشام، وكاتب من بخراسان بما أحب وقدم أخاه محمد بن طاهر على مقدمته ووافاه علي بن هشام فوافقه على الطريق في محاربة بابك، ومضى لوجهه إلى خراسان، حتى وافى نيسابور وكتب إلى المأمون أن أمير المؤمنين انهضني إلى هذا الثغر بسبب ما قد غلب عليه من أمر الحمراء، وما أحدثه المارقة بها. وإني وافيت نيسابور فوجدت ما حولها عش المارقة، ووجدتها أهم الكور، والمهم أبدى وآدى. قال: فأعجب المأمون من الكتاب بهذه اللفظة، ولم يزل الكتاب يتذاكرونها بينهم. وكان مقامه بخراسان، إلى أن توفى بها، خمس عشرة سنة.
وذكر ابن جدان عن الجلودي، قال: جلس عبد الله يوماً بخراسان انصف فيه من وجوه القواد وأمراء الأجناد، وضرب الأعناق وقطع الأيدي والأرجل وعقد العقود، فلما زالت الشمس، دخل داره. قال الجلودي: وكنت أقرب من قلبه وأدل عليه. فتلقاه الخدم، فأخذ هذا قباءه، وأخذ آخر خفه، وآخر رانه، وبقي في غلالة وسراويل. فرفع الغلالة على كتفه وجعل يقول:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف البنيان عنم
قال: فأغلظت عليه، ونزعت ثوبه عن عاتقه ورددته إلى حاله وقلت له: تجلس اليوم مجلس الاسكندر ودارا بن دارا، وتفعل الساعة فعل علويه ومخارق؟ قال: فنظر إلي نظر الصؤول، ورد ثوبه على كتفه وقال.
لا بدّ للنفس إذ كانت مصرّفة ... من التنقل من حال إلى حال
ولما مات المأمون، أقر المعتصم عبد الله بن طاهر على خراسان وإسحق بن إبراهيم على خلافته ببغداد وكان سيء الرأي فيه، فكتب إليه: أما بعد: عافانا الله معاً. فقد كانت في نفسي عليك حزازات غيرها بقاء الانتقام عليك لك. وقد بقيت منها هنات أخاف منها عليك، فلا تقدم، وحسبك مما أنا منطو عليه لك إظهاري إياك على ما في ضميري. والسلام.
قال الفضل بن مروان: ذكر المعتصم يوماً عبد الله بن طاهر، فنال منه، وتابعته الجماعة ووصفوه بسوء الطاعة وأنا حاضر. فقمت وقلت: اكتب إليه في القدوم، فإنه لا يمسى حتى يشخص. فقال: اجلس واكتب إليه بالخبر.
فكتب إلى المعتصم كتاباً، أنفذه درج كتابي إليه. وسألني أن أوصله من يدي إلى يده، ففعلت. فقرأه المعتصم وأقبل يسألني عن الحرف بعد الحرف، فأفتح عليه: فإذا هو قد كتب يحلف أن الكتاب لو ورد عليه بالشخوص لما أمسى حتى يشخص.
قال أبو العميثل: دخل على عبد الله بن طاهر، فقال: إنك لناح الأدؤر قليلاً ما ترى، ومد يده إلي فقبلتها، فقال: ما عققتني به أكثر مما بررتني. قلت: بماذا؟ قال: بخشونة شاربك. قلت: إن شوك القنفذ لا يضر برثن الأسد. قال: هذا والله أحب إلي من مدح مائة قافية، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
وكانت وفاة عبد الله بن طاهر في سنة ثلاثين ومائتين، في أيام الواثق.
стр. 34
وذكر أحمد بن أبي داود، أن محمد بن عبد الملك، أشار على الواثق، لما ورد الخبر بوفاة عبد الله ابن طاهر، أن يخرج إسحق بن إبراهيم بن مصعب إلى خراسان، مكان عبد الله، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يكتب كتبه وينظر تجهيزه. قال: ووجه إلي الواثق فحضرت الدار، فرأيت محمد بن عبد الملك وإسحق بن إبراهيم جالسين، ومحمد يكتب الكتاب. فلما رآني، قلبه. فتفاءلت أن الذي هما فيه سينقلب. ودخلت إلى الواثق، فذكر لي خبر وفاة عبد الله بن طاهر، وأنه قد عمل على إخراج إسحق إلى خراسان، وأن يضم إليه خمسة آلاف رجل من الجند ويطلق أرزاقهم، وأن يطلق لاسحق خمسة آلاف ألف درهم معونة. فقلت: يا أمير المؤمنين، إسحق رهينة القوم عندك، فإن أخرجته لم يكن في يدك من القوم شيء؛ والجند، فأنت محتاج إلى الزيادة فيهم، فكيف تفرقهم، لا سيما مع ما ينفق فيهم، وإخراج هذه الأموال لا وجه له. وها هنا ما هو خير من ذلك. قال: وما هو؟ قلت: طومار بدرهمين تكتب فيه إلى طاهر بن عبد الله بالتعزية عن أبيه وبتجديد الولاية له، وتربح ما تنفقه، وتكون قد أتممت الصنيعة عند عبد الله وولده وأحسنت الخلافة فيه. فقال: الصواب ما قلت! وأمر محمد بن عبد الملك بذلك والاضراب عما كان عمل عليه.
وكانت مدة حياة عبد الله بن طاهر، ثمانياً وأربعين سنة.
فأما طاهر بن الحسين، فكان من سروات الناس، وذوي الراي والبأس، سماه المأمون بذي اليمينين، فكان يكتب وكاتب بها.
وسأل المعتصم جماعة من خواصه عن معنى تسمية طاهر بذي اليمينين فلم يعرفوه. فقال محمد بن عبد الملك: معناه: ذو الاستحقاقين، استحقاق بجده ودنو في الدولة، وكان أحد النقباء؛ واستحقاق بما له في دولة المأمون. قال الله تعالى: لأخذنا منه باليمين أي بالاستحقاق. وقال الشاعر:
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقّاها عرابة باليمين
ذكر جبهان الشيعي، قال: كان الحسين بن مصعب جيد الرأي حسن الاصابة بالظن. قال: كنت يوماً في دار علي بن عيسى بن ماهان وقد أمر بطاهر بن الحسين، فشد بحبل إلى سارية، فقال لي الحسين: أما ترى هذا المشدود، يعني ابنه، ليقتلن صاحب هذا القصر. فجرى هذا القول عندي مجرى الهزل. ثم كان من أمرهما ما كان، فعجبت من قول الحسين.
قال: ولما أنفذ الأمين علي بن عيسى بن ماهان في الجيوش إلى خراسان، لأخذ المأمون وإنفاذه إليه، عقد المأمون لطاهر بن الحسين على أربعة آلاف، ووجهه إلى الري لحرب علي بن عيسى. فكتب إليه علي بن عيسى أن يقيم له الميرة ولم يكن يظن أنه يحاربه.
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: فحدثني عبد الرحمن بن فهم، عن عمه، قال: شخصت أريد المأمون، فدفعت إلى عسكر طاهر يوم الوقعة، فرأيته يعبىء الصفوف، ويذهب ويجيء، وبيده كسر من خبز. ومع غلام له كوز من رصاص فيه ماء. فقلت: أيها الأمير، ليس هذا وقت أكل! قال: معذرة إليك وإلى من لا يعرف خبري. ما دخل جوفي طعام منذ ثلاث، لشغلي بهذا الأمر، وتخوفت أن أحتاج إلى نفسي فتخونني في هذا الوقت. ففعلت ما رأيت. فقلت: الأمير أخبر بما يعاني.
قال عبيد الله: وحدثني جماعة من شيوخنا، قال: لما أقبل جيش علي، كان صاحب علمهم حاتم الطائي، وكان قد ضرب ثمانمائة سوط حتى ذهب لحم اليتيه. وكان عظيم الخلق شديد البأس، وكان له أربعة غلمان يحملونه حتى يقعد في سرجه، فإذا استوى في سرجه عد بألف فارس. قال طاهر: فجعلته وكدي وحملت عليه. فلما دونت منه، إذا به كفراً في الحديد لا تخلص إليه الضربة. فرأيت أمراً هالني. فقلت: ليس إلا أن أضربه على البيضة، فإن عمل السيف فيها، وإلا فهو التلف. فجمع يدي ثم ضربته على رأسه. فقددت البيضة والرأس، حتى نشب السيف بين ثناياه. قال: فلما قتل حاتم، اضطرب القوم. وكان علي بن عيسى راكباً في قبة، فنزل عنها وقدم إليه شهري أصدأ أرجل ليركبه، فطعنه داود سياه قبل أن يتمكن في سرجه فقتله وهو لا يعرفه. وصار إلى طاهر فقال: قد قتلت قاضي العسكر، ثم أتى برأسه. فنادى منادي طاهر: من أخذ شيئاً فهو له، وبرئت الذمة ممن سفك الدماء. وكتب إلى المأمون وذي الرئاستين: كتابي، ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في إصبعي، والسلام.
ثم سار طاهر إلى بغداد، فكان من أمره ما كان.
стр. 35
قال: وكان المأمون عند دخوله إلى بغداد قد سخط على محمد بن أبي العباس الطوسي، فاستعاذ بطاهر بن الحسين، وكان له صديقاً، وسأله سؤال المأمون في الصفح عنه وكان يحجبه على النبيذ فتح الخادم، وياسر يتولى الخلع، وحسين يسقي، وأبو مريم غلام سعيد الجوهري يختلف في الحوائج. فركب طاهر إلى الدار، فدخل فتح، فقال: طاهر بالباب! فقال: أنه ليس من أوقاته، إيذن له. فدخل طاهر إلى المأمون وهو يشرب. فسقاه رطلاً وأمره بالجلوس. فقال: يا أمير المؤمنين ليس لصاحب الشرط أن يجلس بين يدي سيده. فقال المأمون: ذاك في مجلس العامة، فأما في مجلس الخاصة فالجلوس له مطلق ثم سقاه رطلين آخرين وبكى المأمون وتغرغرت عيناه. فقال له طاهر لم تبكي يا أمير المؤمنين، لا أبكى الله عينك، وقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد، وصرت إلى المحبة في كل أمورك؟ فقال: أبكي لأمر في ذكره ذل وفي ستره حزن. وما يخلو أحد من شجو. فتكلم بحاجة إن كانت لك! فقال: يا أمير المؤمنين، محمد بن أبي العباس أخطأ، فأقله عثرته وارض عنه. قال: قد رضيت عنه وأمرت بصلته ورد مرتبته، ولولا أنه ليس من أهل الأنس لأحضرته! فشكر ذلك، ودعا للمأمون وانصرف، وقد شغل قلبه بكاؤه. فقال لمروان بن جبغويه كاتبه: إن للكتاب لطافة، وأهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض. فخذ معك ثلاثمائة ألف درهم، فأعط الحسين الخادم مائتي ألف، أعط كاتبه محمد بن هرون مائة ألف، وتسأله أن يسأل أمير المؤمنين لم بكى؟ قال: ففعل ذلك. فلما خلا الحسين بالمأمون من غد، وطابت نفسه، سأله عن سبب بكائه. فقال له: ولم سألت عن ذلك؟ فقال: لغمي به وتنغصي من أجله. فقال: يا حسين هو شيء إن خرج من رأسك قتلتك! فقال: يا سيدي، ومتى أخرجت لك سراً؟ فقال: لما رأيت طاهراً، ذكرت محمداً أخي وما ناله من الذلة، فخنقتني العبرة فاسترحت إلى الافاضة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره. قال: فأخبر محمد بن هرون طاهراً بذلك. فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد وهو الوزير فقال له: إن المعروف عندي غير ضائع والثناء مني ليس برخيص. فغيبني عن أمير المؤمنين. فقال له: بكر إلي غداً فإني سأفعل. فغدا عليه وغدا ابن أبي خالد على المأمون. فلما وصل إليه قال: إني ما نمت البارحة! قال: ولم ويحك؟ قال! لأنك وليت غسان بن عباد خراسان، وهو ومن معه أكلة رأس. فأخاف أن يخرج عليه خارجي فيصطلمه. قال: لقد فكرت فيما فكرت فيه. فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين. قال: ويلك يا أحمد، هو والله خالع. قال: أنا الضامن له. فلم يزل به حتى أجابه، ودعا بطاهر من ساعته، فعقد له وشخص من يومه. فنزل بستان خليل بن هشام، وذلك يوم الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة سنة خمس ومائتين.
فلما حصل طاهر بن الحسين بخراسان، وكانت الشراة قد كثرت هناك واشتد أمرهم، فكتب إليه المأمون كتباً كثيرة يحثه على مناهضتهم وينكر عليه تضجعه في أمرهم. فكتب طاهر يذكر غلظ أمرهم وقوة شكوتهم، وإنه يحتاج إلى زيادة عدة في رجاله ليلقاهم. فأحفظ ذلك المأمون، فكتب إليه يغلظ له ويقول: لهممت أن أردك إلى حيث أبيك. فذكر كلثوم بن ثابت بن أبي سعد وكان يكنى أبا سعدة، وكان يتقلد البريد على طاهر بن الحسين بخراسان، أنه جلس يوم الجمعة بالقرب من المنبر لما تبين ما حدث من طاهر عند ورود ما ورد عليه. فصعد طاهر المنبر فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤونة من بغى فيها وحشد عليها من لم الشعت وحقن الدماء واصلاح ذات البين. قال: فعلمت أني أول مقتول، لأنني لم أكن أقدر على ستر الخبر ولم يكن يستتر كتابي عن طاهر. فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى، وائتزرت بازار، ولبست قميصاً وارتديت رداء وطرحت السواد فحملت نفسي على أن كتبت إلى المأمون، فأتى الله من صنعه بقرب وفاة طاهر بما لم أحتسبه.
ولما ورد الخبر على المأمون بذلك، شق عليه، ودعا أحمد بن أبي خالد وقال له: قد كنت قلت لك في طاهر لما أشرت بتقليده خراسان ما كنت أعلم به، فضمنت ما يكون. وبالله، لئن لم تتلطف لاصلاح أمره كما كنت ضمنت فساده، لأضربن عنقك، فأهدى ابن أبي خالد إلى طاهر هدايا وألطافاً، وفيها كامخ أبيض مسموم لعلمه بإعجابه به. فلما وصلت الهدايا إلى طاهر، أكل من الكامخ بتدارج مشوية، فمات بعد يومين.
стр. 36
وكان مولد طاهر بن الحسين في المحرم، سنة تسع وخمسين ومائة. ووفاته سنة سبع ومائتين.
ولما مات، شغب الجند بخراسان، وانتهبوا خزائن طاهر. فقلد المأمون مكانه طلحة ابنه، ووجه بأحمد بن أبي خالد إلى خراسان ليعاونه في إصلاح الأمر. فصار إلى هناك، وأصلح الأمور، وسكن اضطرابها. ووجه إليه طلحة بثلاثة آلاف درهم وعروضاً بألفي ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتبه خمسة آلاف درهم.
دير السوسي
وهذا الدير لطيف على شاطىء دجلة، بقادسية سر من رأى. وبين القادسية وسر من رأى أربعة فراسخ، والمطيرة بينهما. وهذه النواحي كلها متنزهات وبساتين وكروم. والناس يقصدون هذا الدير ويشربون في بساتينه. وهو من مواطن السرور ومواضع القصف واللعب.
ولابن المعتز، فيه:
يا لياليّ بالمطيرة والكر ... خ وجير السّوسي بالله عودي
كنت عندي أنموذجات من الجنّ ... ة، لكنها بغير خلود
والقادسية، من أحسن المواضع وأنزهها، وهي من معادن الشراب ومناخات المتطربين، جامعة لما يطلب أهل البطالة والخسارة. وبالقادسية بنى المتوكل قصره المعروف ببركوار، ولما فرغ من بنائه وهبه لابنه المعتز، وجعل أعذاره فيه. وكان من أحسن أبنية المتوكل وأجلها. وبلغت النفقة عليه عشرين ألف ألف درهم.
قال: ولما صح عزمه على إعذار أبي عبد الله المعتز، أمر الفتح بن خاقان بالتأهب له، وأن يلتمس في خزائن الفرش بساطاً للايوان في عرضه وطوله، وكان طوله مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً. فلم يوجد إلا فيما قبض عن بني أمية، فإنه وجد في أمتعة هشام بن عبد الملك على طول الايوان وعرضه. وكان بساطاً ابريسماً غرز مذهب مفروز مبطن؛ فلما رآه المتوكل، أعجب به وأراد أن يعرف قيمته. فجمع عليه التجار، فذكر أنه قوم على أوسط القيم عشرة آلاف دينار. فبسط في الايوان، وبسط لخليفة في صدر الايوان سرير، ومد بين يديه أربعة آلاف مرفع ذهب مرصعة بالجوهر فيها تماثيل العنبر والند والكافور المعمول على مثل الصور، منها ما هو مرصع بالجوهر مفرداً، ومنها ما عليه ذهب وجوهر وجعلت بساطاً ممدوداً، وتغدى المتوكل والناس، وجلس على السرير، وأحضر الأمراء والقواد والندماء وأصحاب المراتب فأجلسوا على مراتبهم، وجعل بين صوانيهم والسماط فرجة. وجاء الفراشون بزبل قد غشيت بأدم مملوءة دنانير ودراهم نصفين، فصبت في تلك الفرج حتى ارتفعت. وقام الغلمان فوقها، وأمروا الناس عن الخليفة بالشرب، وأن ينتقل كل من يشرب بثلاث حفنات ما حملت يداه من ذلك المال. فكان إذ أثقل الواحد منهم ما اجتمع في كمه أخرج إلى غلمانه فدفعه إليهم وعاد إلى مجلسه. وكلما فرغ موضع أتى الفراشون بما يملأونه به حتى يعود إلى حاله. وخلع على سائر من حضر ثلاث خلع كل واحد، وأقاموا إلى أن صليت العصر والمغرب وحملوا عند انصرافهم على الأفراس والشهاري. وأعتق المتوكل عن المعتز ألف عبد، وأمر لكل واحد منهم بمائة درهم وثلاثة أثواب. وكان في صحن الدار بين يدي الايوان أربعمائة بلية عليهن أنواع الثياب، وبين يديهن ألف نبيجة خيزران، فيها أنوا ع الفواكه من الأترج والنارنج على قلته كان في ذلك الوقت والتفاح الشامي والليموه وخمسة آلاف باقة نرجس وعشرة آلاف باقة بنفسج. وتقدم إلى الفتح بأن ينثر على البليات وخدم الدار والحاشية ما كان أعده لهم وهو عشرون ألف ألف درهم، فلم يقدم أحد على التقاط شيء، فأخذ الفتح درهماً، فأكبت الجماعة على المال فنهب. وكانت قبيحة قد تقدمت بأن تضرب دراهم، عليها: بركة من الله، لاعذار أبي عبد الله المعتز بالله. فضرب لها ألف ألف درهم نثرت على المزين ومن في حيزه والغلمان والشاكرية وقهارمة الدار والخدم الخاصة من البيضان والسودان.
وكان ممن حضر المجلس ذلك اليوم، محمد بن المنتصر، وأبو أحمد وأبو سليمان ابنا الرشيد، وأحمد والعباس ابنا المعتصم، وموسى بن المأمون، وابنا حمدون النديم، وأحمد بن أبي رؤيم، والحسين بن الضحاك، وعلي بن الجهم، وعلي بن يحيى المنجم، وأخوه أحمد.
ومن المغنين: عمرو بن بانة، أحمد بن أبي العلاء، ابن الحفصي، ابن المكي، سلمك الرازي، عثعث، سليمان الطبال، المسدود؛ أبو حشيشة، ابن القصار، صالح الدفاف، زنام الزامر، تفاح الزامر.
стр. 37
ومن المغنيات: عريب، بدعة جاريتها، سراب، شارية وجواريها، ندمان، منعم، نجلة، تركية، فريدة، عرفان.
قال إبراهيم بن المدبر: لما طهر المعتز، اجتمع مشايخ الكتاب بين يدي المتوكل. وكان فيهم يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله إذ ذاك الوزير وهو واقف موقف الخدم بقباء ومنطقة. وكان يحيى لا يشرب النبيذ. فقال المتوكل لعبيد الله: خذ قدحاً من تلك الأقداح واصبب فيه نبيذاً وصير على كتفك منديلاً وامض إلى أبيك يحيى فضعه في كفه. قال: ففعل. فرفع يحيى رأسه إلى ابنه، فقال المتوكل: يا يحيى، لا ترده. قال: لا يا أمير المؤمنين، ثم شربه وقال: قد جلت نعمتك عندنا يا أمير المؤمنين، فهنأك الله النعمة ولا سلبنا ما أنعم به علينا منك. فقال: يا يحيى، إنما أردت أن يخدمك وزير بين يدي خليفة في طهور ولي عهد! وقال إبراهيم بن العباس: سألت أبا حرملة المزين في هذا اليوم، فقلت: كم حصل لك إلى أن وضع الطعام؟ فقال: نيف وثمانون ألف دينار، سوى الصياغات والخواتيم والجواهر العتيدات.
قال: وأقام المتوكل ببركوارا ثلاثة أيام، ثم أصعد إلى قصره الجعفري. وتقدم بإحضار إبراهيم بن العباس، وأمره أن يعمل له عملاً بما أنفق في هذا الاعذار، ويعرضه عليه. ففعل ذلك. فاشتمل العمل على ستة وثمانين ألف ألف درهم.
وكان الناس يستكثرون ما أنفقه الحسن بن سهل في عرس ابنته بوران، حتى أرخ ذلك في الكتب، وسميت دعوة الاسلام. ثم أتى من دعوة المتوكل ما أنسى ذلك.
وكانت الدعوات المشهورة في الاسلام، ثلاثاً لم يكن مثلها. فمنها: دعوة المعتز هذه المذكورة. ومنها عرس زبيدة بن جعفر بن أبي جعفر. فإن المهدي، زوج ابنه الرشيد بأم جعفر ابنة أخيه، فاستعد لها ما لم يستعد لامرأة قبلها من الآلة وصناديق الجوهر والحلي والتيجان والأكاليل وقباب الفضة والذهب والطيب والكسوة. وأعطاها بدنة عبدة ابنة عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة هشام، ولم ير في الاسلام مثلها ومثل الحب الذي كان فيها. وكان في ظهرها وصدرها خطان ياقوت أحمر وباقيها من الدر الكبار الذي ليس مثله. ودخل بها الرشيد في المحرم سنة خمس وستين ومائة، في قصره المعروف بالخلد. وحشر الناس من الآفاق وفرق فيهم من الأموال أمر عظيم. فكانت الدنانير تجعل في جامات فضة، والدراهم في جامعات ذهب، ونوافج المسك وجماجم العنبر والغالية في بواطي زجاج، ويفرق ذلك على الناس، ويخلع عليهم خلع الوشي المنسوجة، وأوقد بين يديه في تلك الليلة شمع العنبر في أتوار الذهب. وأحضر نساء بني هاشم، وكان يدفع إلى كل واحدة منهن كيس فيه دنانير وكيس فيه دراهم وصينية كبيرة وفضة فيها طيب، ويخلع عليها خلعة وشي مثقل. فلم ير في الاسلام مثلها. وبلغت النفقة في هذا العرس من بيت مال الخاصة، سوى ما أنفقه الرشيد من ماله، خمسين ألف ألف درهم.
واسم زبيدة أمة العزيز. وزبيدة لقب. وكان أبو جعفر يرقصها وهي صغيرة، وكانت سمينة، ويقول: ما أنت إلا زبيدة، ما أنت إلا زبيدة. فمضى عليها هذا الاسم.
ومنها عرس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، بفم الصلح. وكانت النفقة عليه أمراً عظيماً. وسأل المأمون زبيدة عن تقدير النفقة في العرس، فقالت: ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سعة وثلاثين ألف ألف. فبلغ الحسن بن سهل، فقال: كأن النفقة على يد زبيدة! أنفقنا خمسة وثلاثين ألف ألف، وكان يجري في جملة الجرايات في كل يوم على نيف وثلاثين ألف ملاح.
وكان دخولها في المدينة التي بناها بفم الصلح على شاطىء دجلة، لثمان خلون من شهر رمضان سنة عشر ومائتين.
قال: وأمهر المأمون بوران مائة ألف دينار وخمسة آلاف ألف درهم، وأوقد بين يديه تلك الليلة ثلاث شمعات عنبر وكثر دخانها. فقالت زبيدة: إن فيما ظهر من المروءة لكفاية، ارفعوا هذا الشمع العنبر وهاتوا الشمع.
قال: ولما جليت بوران على المأمون، نثر عليها حباً كباراً كان في كمه، فوقع على حصير ذهب كان تحته. فقال: لله در الحسن بن هانىء، ما أعظمه من شاعر فصيح حيث يقول:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب
قال: وامتنع من كان حاضراً أن يلتقط شيئاً. فقال المأمون: أكرمنها! فمدت زبيدة يدها فأخذت حبة، فالتقط من حضر الباقي.
стр. 38
وكان اسم بوران، خديجة. وكانت وفاتها في سنة إحدى وسبعين ومائتين، في أيام المعتمد، ولها ثمانون سنة.
ولبوران، ترثي المأمون:
أسعداني على البكا مقلتيّا ... صرت بعد الامام للهمّ فيّا
كنت أسطو على الزمان فلمّا ... مات، صار الزمان يسطو عليّا
ذكر ابن خرداذبه: أن المتوكل، أنفق على الأبنية التي بناها، وهي: بركوارا، والشاة، والعروس، والبركة، والجوسق، والمختار، والجعفري، والغريب، والبديع، والصبيح، والمليح، والسندان، والقصر، والجامع، والقلاية، والبرج، وقصر المتوكلية، والبهو، واللؤلؤة: مائتي ألف ألف وأربعة وسبعين ألف ألف درهم. ومن العين مائة ألف ألف دينار. تكون قيمة الورق عيناً بصرف الوقت مع ما فيه من العين ثلاثة عشر ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار.
قال: شرب المتوكل يوماً في بركوارا، فقال لندمائه: أرأيتم إن لم يكن أيام الورد لا نعمل نحن شاذكلاه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، لا يكون الشاذكلاه إلا بالورد. فقال: بلى. أدعوا لي عبيد الله بن يحيى. فحضر، فقال: تقدم بأن تضرب لي دراهم، في كل درهم حبتان. قال: كم المقدار يا أمير المؤمنين؟ قال: خمسة آلاف ألف درهم. فتقدم عبيد الله في ضربها، فضربت، وعرفه الخبر. فقال: اصبغ منها بالحمرة والصفرة والسواد، واترك بعضها على حاله. ففعل. ثم تقدم إلى الدم والحواشي، وكانوا سبعمائة، أن يعد كل واحد منهم قباء جديداً وقلنسوة على خلاف لون قباء الآخر وقلنسوته، ففعلوا. ثم عمد إلى يوم تحركت فيه الريح، فنصبت له قبة لها أربعون باباً، فاصطبح فيها، والندماء حوله. ولبس الخدم الكسوة التي أعدها، وأمر بنثر الدراهم كما ينثر الورد. فنثرت أولاً أولاً، فكانت الريح تحمل الدراهم فتقف بين السماء والأرض كما يقف الورد. فكان من أحسن أيام المتوكل وأظرفه.
وكان البرج من أحسن ابنيته. فجعل فيه صوراً عظاماً من الذهب والفضة، وبركة عظيمة جعل فرشها ظاهرها وباطنها صفائح الفضة، وجعل عليها شجرة ذهب، فيها كل طائر يصوت ويصفر، مكللة بالجوهر، وسماها طوبى. وعمل له سرير من الذهب كبير، عليه صورتا سبعين عظيمين، ودرج عليها صور السباع والنسور وغير ذلك، على ما يوصف به سرير سليمان بن داود ﵉. وجعل حيطان القصر من داخل وخارج ملبسة بالفسيفساء والرخام المذهب. فبلغت النفقة على هذا القصر ألف ألف وسبعمائة ألف دينار. وجلس فيه على السرير الذهب، وعليه ثياب الوشي المثقلة. وأمر ألا يدخل عليه أحد إلا في ثياب وشي منسوجة أو ديباج ظاهره. وكان جلوسه فيه في سنة تسع وثلاثين ومائتين. ثم دعا بالطعام، وحضر الندماء وسائر المغنين والملهين، وأكل الناس. ورام النوم فما تهيأ له. فقال له الفتح: يا مولاي، ليس هذا يوم نوم. فجلس للشرب. فما كان الليل، رام النوم، فما أمكنه، فدعا بدهن بنفسج، فجعل منه شيئاً على رأسه وتنشقه فلم ينفعه. فمكث ثلاثة أيام بلياليها لم ينم. ثم حم حمى حادة. فانتقل إلى الهاروني قصر أخيه الواثق، فأقام به ستة أشهر عليلاً، وأمر بهدم البرج وضرب تلك الحلي عيناً.
دير مرمار
وهذا الدير بسر من رأى، عند قنطرة وصيف. وهو دير عامر كثير الرهبان. حوله كروم وشجر. وهو من المواشع النزهة والبقاع الطيبة الحسنة.
وللفضل بن العباس بن المأمون، فيه:
أنضيت في سر من رى خيل لذاتي ... ونلت فيها منى نفسي وشهواتي
عمّرت فيها بقاع اللهو منغمساً ... في القصف ما بين أنهارٍ وجنّات
بدير مرمار إذ نحيي الصبوح به ... ونعمل الكاس فيه بالعشيات
بين النواقيس والتقديس آونةً ... وتارةً بين عيدان ونايات
وكم به من غزالٍ أغيدٍ غزل ... يصيدنا باللحاظ البابليات
стр. 39
وذكر الفضل هذا، أنه خرج ذات يوم مع المعتز للصيد. قال: فانقطعنا عن الموكب أنا وهو ويونس بن بغا. فشكا المعتز العطش. فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن في هذا الدير راهباً أعرفه له مودة حسنة خفيفة الروح. وفيه آلات جميلة. فهل لأمير المؤمنين أن نعدل إليه؟ قال: افعل. فصرنا إلى الديراني، فرحب بنا وتلقانا أجمل لقاء، وجاءنا بماء بارد فشربنا. وعرض علينا النزول عنده وقال: تبتردون عندنا ونحضركم ما تيسر في ديرا فتنالون منه؟ فاستظرفه المعتز وقال انزل بنا إليه. فنزلنا. فسألني الديراني عن المعتز ويونس بن بغا. فقلت هما فتيان من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من أزواج الحور! فقلت: هذا ليس من دينك ولا اعتقادك! قال: هو الآن من ديني واعتقادي! فضحك المعتز. ثم جاءنا بخبز وأشاطير وما يكون مثله في الديارات، فكان من أنظف طعام وأطيبه وأحسن آنية. فأكلنا وغسلنا أيدينا. فقال لي المعتز: قل له بينك وبينه: من تحب أن يكون معك من هذين ولا يفارقك؟ قال: فقلت له، فقال: كلاهما وتمراً فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير من الضحك. فقلت: للديراني: لا بد من أن تختار. فقال: الاختيار في هذا دمار! ما خلق الله عقلاً يميز بين هؤلاء. ثم لحقنا الموكب، فارتاع الديراني. فقال له المعتز: بحياتي، لا تنقطع عما كنا فيه، فإني لمن ثم مولىً ولمن ها هنا صديق. فجلسنا ساعة، وأمر له المعتز بخمسين ألف درهم. فقال: والله لا قبلتها إلا على شرط. قال: وما هو؟ قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أحب. قال: ذاك إليك. فاتفقنا ليوم جئناه فيه على ما أحب. فلم يبق غاية، وأقام بمن كان معه، وجاء بأولاد النصارى فخدمونا أحسن خدمة. فسر المعتز سروراً ما رأيته سر مثله. ووصله في ذلك اليوم بمال كثير، ولم يزل يطرقه إذا اجتاز به ويأكل عنده ويشرب مدة حياته.
قال: وكان المعتز سمح الأخلاق، واسع النفس، له أدب وفهم، ويقول شعراً صالحاً. وكان يحب يونس بن بغا ولا يصبر عنه. وكان هو ويونس بن بغا من أحسن الناس وجهاً وأجملهم، ولم يكن في خلفاء بني العباس أحسن وجهاً من الأمين والمعتز، وكان يضرب بهما المثل في الحسن والجمال.
قالت عريب: كنت لمحمد الأمين وصيفة في عداد الوصائف، ألبس قباء ومنطقة وأقوم على رأسه وربما سقيته. وسني إذ ذاك سبع عشرة سنة. وكان أحسن خلق الله، لم نر ذكراً ولا أنثى مثله جمالاً وحسناً مع حسن خلق. قال أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي، وهو ابن مولاهما: أين كان المعتز منه؟ فقد رأيناه ولم نر الأمين. قالت: كان المعتز فيه لمحة منه، وأما مثله فلم يكن.
قال: وكان إلف المعتز ليونس بن بغا إلف الصبا. فلم يكن يفارقه، ولا يصبر عنه. وله فيه أشعار كثيرة، فمن ذلك:
إني عرفت دواء الطب من وجعي ... وما عرفت دواء المكر والخدع
جزعت للحب والحمّى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي
من كان يشغله عن إلفه وجعٌ ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي
وكان المعتز يشرب على بستان مملوء بالنمام، وبين النمام شقائق النعمان، فأقبل يونس بن بغا وعليه قباء أخضر، فقال المعتز:
شبّهت حمرة خده في ثوبه ... بشقائق النعمان في النمام
ثم قال: أجيزوا. فبدر بنان المغني، فقال:
والقدّ منه إذا بدا متثنّيا ... بالغصن في لين وحسن قوام
فقال: غنّ فيه الآن. فعمل فيه لحناً وغناه إياه.
قال: وشرب المعتز يوماً ويونس بن بغا بين يديه يسقيه والجلساء والمغنون بين يديه. وقد أعد الخلع والجوائز، فدخل بغا، فقال: يا سيدي، والدة عبدك يونس في الموت، وهي تشتهي أن تراه فأذن له، فخرج. وفتر المعتز وتغير ثم نعس فنام، ونام الجلساء وتفرق المغنون. فلما كان وقت المغرب وعاد المعتز إلى مجلسه عاد يونس وبين يديه الشمع. فلما رآه المعتز دعا برطل فشربه وسقاه مثله. ثم عاد الندماء وغناه المغنون ورجع المجلس إلى أحسن مما كان فيه، فقال المعتز:
تغيب فلا أفرح ... فليتك لا تبرح
وإن كنت عذّبتني ... بأنك لا تسمح
فأصبحت ما بين ذي ... ن لي كبدٌ تجرح
على ذاك يا سيدي ... دنوّك لي أصلح
стр. 40
ثم قال: غنوا فيه فجعلوا يفكرون. فقال المعتز لسليمان بن القصار الطنبوري: ويلك! ألحان الطنبور أصلح وأخف، فغن فيه أنت، فغناه فيه لحناً، فدفع إليه دنانير الخريطة وهي مائة دينار مكية فيها مائتان، مكتوب على كل دينار مها: ضرب هذا الدينار بالجوسق لخريطة أمير المؤمنين المعتز بالله. ثم دعا بالخلع والجواهر لسائر الناس.
قال: واصطبح المعتز يوماً ويونس بن بغا. وما رثي وجهان قط مثلهما حسناً. فما مضت ثلاث ساعات حتى سكرا، فقال المعتز:
ما إن ترى منظراً إن شئته حسناً ... إلا صريعاً تهاوى بين سكرين
سكر الشباب وسكرٍ من هوى رشا ... تخاله والذي يهواه غصنين
ثم أمر فتغنى فيه بعض المغنين.
ومن شعره في يونس، وفيه لحن في طريقة الرمل:
علّموني كيف أجفو ... ك على رغم من انفى
وجفائي لك يا يو ... نس مقرونٌ بحتفي
غير أن الله قد يع ... لم ما أُبدي وأخفي
فوقاني الله فيك الده ... ر أن يأتي بصرف
قال هرون بن عبد العزيز بن المعتمد: حدثني سعيد بن يوسف كاتب أبي، قال: كنت أتقلد خزائن الكسوة، وكان إذا أمر المعتز ليونس بشيء أخذت له أجل ما في الخزائن وأحسنه. وكان يبرني فلا أقبل بره. وربما دخل الخزانة فنجرته ومازحته. فقلت له يوماً يا سيدي، أنا عبدك وموفر لمالك، وأنت تشرف مسرور المعتصمي بالتحية الحسنة مما يكون بين يدي أمير المؤمنين، وأنا فلا تشرفني بمثل ذلك. فقال: الليلة نوبتك! فلما كان في الليل، بعث إلي بوصيف الخادم ومعه صينية ذهب فيها خوخ. فقل في نفسي ثم كبر إذ كان من مجلس الخليفة. فأخذت واحدة فنظرتها، فإذا هي قد شقت، وأخرج ما فيها وجعل مكانه ند معجون على مقدار ما كان فيها. فأجرت ما في جميعه، فكان شيئاً كثيراً.
وللمعتز في يونس وقد خرج وعاد:
الله يعلم يا حبيبي أنني ... مذ غبت عني هائمٌ مكروب
يدنو السرور إذا دنا لك منزلٌ ... ويغيب صفو العيش حين تغيب
وكانت البيعة للمعتز، يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وخلع لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين. وقتل بعد الخلع بخمسة أيام، وسنه أربع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوماً.
قال: وكانت قبيحة حرضت المعتز على الأتراك، وقالت: يا بني، أقتلهم في كل مكان. وأخرجت إليه قميص أبيه المتوكل مخضّباً بدمائه. فقال: يا أماه! إرفعيه وإلا صار القميص قميصين.
وذكر أحمد بن حمدون، قال: بنى المعتز في الجوسق في الصحن الكامل بيتاً قدرته له أمه ومثلت حيطانه وسقوفه، فكان أحسن بيت رئي. قال: فدعانا المعتز إليه، فكنا في أحسن يوم رئي سروراً. وخلف الستارة مغنية تغني أحسن غناء ليس لي بها عهد. قال: فنحن في ذاك، إذ دخل علينا خادم في يده طبق عليه مكبة. فوضعه في وسط البيت، وكان في يد المعتز قدح فشربه وشربنا، ثم قال للخادم: إرفع المكبة، فإذا رأس المستعين في الطبق. فلما رأيته شهقت وبكيت. فقال لي المعتز: يا ابن الفاعلة، ما هذا؟ كأنك داخلتك له رقة. فثاب إلي عقلي وتماسكت وقلت: ما كان لرقة، ولكني ذكرت الموت! فأمر الغلام برد المكبة ورفع الطبق. فرفعه. وكأن المعتز داخلته فترة، وكذلك جميع من حضر، وافترقنا عن الحال التي كنا عليها من السرور. قال: فنحن كذلك، إذ سمعنا وراء الستر ضجة أفزعتنا، فإذا امرأة تصيح وامرأة أخرى تشتم الصائحة، والصائحة تقول: يا قوم، أخذتموني غصباً ثم تجيئوني برأس مولاي فتضعونه بين يدي. فسمعنا صوت العود قد ضرب به رأسها. قال: وكان الشاتم لها والضارب قبيحة، وكانت الجارية من جواري المستعين. قال: فانصرفنا عن المجلس أقبح انصراف وقد تنغص علينا ما كنا فيه. ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى وثب الأتراك على المعتز فقتلوه، ثم دعى بنا لننظر إليه، فدخلنا عليه في ذلك البيت، فإذا هو ممدود في وسطه ميتاً.
دير مريحنا
следующие страницы →