Полный текст (433 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله المتفضل بنعمه المتطول بأياديه ومننه الَّذِي خص من شَاءَ بهدايته من غير حَاجَة ومنعها من شَاءَ من غير نقص وَلَا آفَة
أوجد الْمَخْلُوقَات بقدرته وأتقنها بِعِلْمِهِ ودبرها على حسب إِرَادَته ومشيئته
ودلت بدائعه على حكمته وَشهِدت صنائعه بعزته وعظمته فَكل مفطور شَاهد بوحدانيته وكل مَخْلُوق دَال على إلاهيته وربوبيته متوحد بِصِفَات الْعُلُوّ والتوحيد والتعظيم فِي أزله مُنْفَرد بأسمائه فِي قدسه مقدس عَن الْحَاجَات مبرأ عَن العاهات منزه عَن وُجُوه النَّقْص والآفات متعال عَن أَن يُوصف بالجوارح والآلات والأدوات والسكون والحركات والدواعي
стр. 2
والخطرات بل هُوَ الْأَعْلَى عَن جَمِيع من فِي الأَرْض وَالسَّمَوَات
لَا يَلِيق بِهِ الْحُدُود والنهايات وَلَا يجوز عَلَيْهِ الألوان والمماسات وَلَا يجْرِي عَلَيْهِ الْأَزْمَان والأوقات وَلَا يلْحقهُ النقائض والزيادات
مَوْجُود بِلَا حد مَوْصُوف بِلَا كَيفَ مَذْكُور بِلَا أَيْن معبود بِلَا شبه
لَا تتصوره الأوهام وَلَا تقدره الأفهام وَلَا يُحِيط بكنه عَظمته الدَّلَائِل والأعلام
خلق مَا خلق أنواعا مُتَفَرِّقَة وأجناسا متفقة فَدلَّ بهَا أولي الْأَلْبَاب على أَنه خَارج عَن كل نوع وجنس بعيد عَن مشابهة كل شَيْء بشكل وشكل
ونحمده على نعمه عودا وبدءا ونشكره على فواضله أَولا وآخرا ونستعصمه من الْخَطَأ والزلل ونستوقفه لأَرْشَد القَوْل وَالْعَمَل ونستعينه على إتْمَام مَا ابْتَدَأَ بِهِ من فَضله وَرَحمته ونشهد لَهُ بِالتَّوْحِيدِ والتفرد بإنشاء المخترعات على اختلافها نفعا وضرا وَعَطَاء ومنعا وَخيرا وشرا وَأَن جَمِيع ذَلِك الْعدْل من فَضله والقسط من تَقْدِيره وتدبيره
стр. 3
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وصفوته وَخيرته أرْسلهُ بِالْحَقِّ إِلَى الْخلق بشيرا وَنَذِيرا صَادِقا أَمينا فَقطع بِهِ الْعذر وأكمل الْحجَّة وَختم الرسَالَة ﷺ خَاصَّة وعَلى النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَالْمَلَائِكَة المقربين وعَلى جَمِيع المطيعين لَهُ عَامَّة وَسلم تَسْلِيمًا
стр. 4
فصل
أما بعد فقد وفقت أسعدكم الله بمطلوبكم ووفقنا الْإِتْمَام بِمَا ابتدأنا بِهِ على تحري النصح وَالصَّوَاب إِلَى إملاء كتاب نذْكر فِيهِ مَا اشْتهر من الْأَحَادِيث المروية عَن رَسُول الله ﷺ مِمَّا يُوهم ظَاهره التَّشْبِيه مِمَّا يتسلق بِهِ الْمُلْحِدُونَ على الطعْن فِي الدّين وخصوا بتقبيح ذَلِك الطَّائِفَة الَّتِي هِيَ الظَّاهِرَة بِالْحَقِّ لِسَانا وبيانا وقهرا وعلوا وإمكانا الطاهرة عقائدها من شوائب الأباطيل وشوائب الْبدع والأهواء الْفَاسِدَة وَهِي الْمَعْرُوفَة بِأَنَّهَا أَصْحَاب الحَدِيث وهم فرقتان
١ - فرقة مِنْهَا هِيَ أهل النَّقْل وَالرِّوَايَة الَّذين تشتد عنايتهم بِنَقْل السّنَن وتتوفر دواعيهم على تَحْصِيل طرقها وَحصر أسانيدها والتمييز بَين صحيحها وسقيمها فيغلب عَلَيْهِم ذَلِك ويعرفون بِهِ وينسبون إِلَيْهِ
٢ - وَفرْقَة مِنْهُم يغلب عَلَيْهِم تَحْقِيق طرق النّظر والمقاييس والإبانة عَن تَرْتِيب الْفُرُوع على الْأُصُول وَنفي شبه الملبسين عَنْهَا وإيضاح وُجُوه الْحجَج والبراهين على حقائقها
стр. 5
فالفرقة الأولى للدّين كالخزنة للْملك والفرقه الْأُخْرَى كالبطارقة الَّتِي تذب عَن خَزَائِن الْملك الْمُعْتَرض عَلَيْهَا والمتعرضين لَهَا وذكرتم أَن أهل الْبدع من أَصْحَاب الْأَهْوَاء الْفَاسِدَة العادلة لَهُ من مناهج الْكتاب وَالسّنة نَحْو
الْجَهْمِية والمعتزلة والخوارج والرافضة
стр. 6
والجسمية وَمن ناصب هَذِه الْفرْقَة بالعدواة من سَائِر أهل الْأَهْوَاء الْبَاطِلَة تقصد دَائِما تهجين هَذِه الْعِصَابَة بِنَقْل أَمْثَال هَذِه الْأَخْبَار وتروم بذلك التلبيس على الضُّعَفَاء لتوهمهم أَنَّهَا تنقل مَالا يَلِيق بِالتَّوْحِيدِ وَلَا يَصح فِي الدّين وتظن أَن هَذِه الْفرْقَة احتملت ذَلِك لإعتقادها حقائق مَعَاني هَذِه الْأَلْفَاظ على حسب الْمَعْهُود من أَحْوَال الْخلق الْمَعْرُوف من صفاتهم وجوارحهم وأدواتهم واشتغلت بذلك وَهِي ذَاهِبَة عَن مَعَانِيهَا غافلة عَن الْمَقَاصِد فِيهَا فرمتها بِكفْر التَّشْبِيه وبفعلة أهل الْإِلْحَاد والتعطيل جاهلة أَنَّهَا إِنَّمَا نقلت مَا وعت عَن رسولها وروت مَا سَمِعت عَن الْعُدُول عَن النَّبِي ﷺ وَقد اعتقدت أصُول الدّين وحقائق التَّوْحِيد بدلائل الْعُقُول والسمع فروت ذَلِك على مُوَافقَة أُصُولهَا ومعاضدة مَا شهِدت الْبَرَاهِين بِصِحَّتِهَا
وَإِنَّمَا حمل هَؤُلَاءِ المبتدعة على هَذَا التهجين وَالْإِنْكَار على هَذِه الطَّائِفَة بِنَقْل مَا نقل من ذَلِك مَا حمل الملحدة والمعطلة على إِنْكَار كتاب الله تَعَالَى اعتراضا مِنْهُم
стр. 7
عَلَيْهِ بِذكر بعض مَا ذهبت عَن معرفه مَعَانِيهَا وخفائها من آيَاته المتشابهة
وَذَلِكَ أَن آي الْكتاب قِسْمَانِ
فقسم هُوَ مُحكم تَأْوِيله بتنزيله يفهم المُرَاد مِنْهُ بِظَاهِرِهِ وذاته
وَقسم لَا يُوقف على مَعْنَاهُ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى الْمُحكم وانتزاع وَجه تَأْوِيله مِنْهُ
стр. 8
فَكَذَلِك أَخْبَار الرَّسُول ﷺ جَارِيَة هَذَا المجرى ومنزلة على هَذَا التَّنْزِيل فَمِنْهَا الْكَلَام الْبَين المستقل فِي بَيَانه بِذَاتِهِ
стр. 9
وَمِنْهَا المفتقر فِي بَيَانه إِلَى غَيره وَذَلِكَ على حسب عَادَة الْعَرَب فِي خطابها وَعرف أهل اللُّغَة فِي بَيَانهَا إِذْ لم يكن كل خطابهم جليا بَينا مستغنيا عَن بَيَان وَتَفْسِير وَلَا كُله خفِيا مستحيلا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَتَفْسِير من غَيره
فَإِذا كَانَت دَلَائِل الْعقل الله تَعَالَى على مَا فطر عَلَيْهَا الْعُقُول منقسمة فَكَذَلِك دَلَائِل السّمع منقسمة
وكما لم يعْتَرض مَا خَفِي من دَلَائِل على مَا تجلى مِنْهَا حَتَّى يسْقط دَلَائِل الْعُقُول راسا فَكَذَلِك مَا خَفِي من دَلَائِل السّمع لَا يعْتَرض على مَا تجلى مِنْهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ الله أَن يرفع الَّذين أُوتُوا الْعلم بخصائص رَفعه ودرجات فِيهَا يبين حَالهم بهَا عَمَّن لم ينعم عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا فَإِذا كَانَت دَلَائِل الْعُقُول صَحِيحَة مَعَ تفاوتها فِي الْجَلِيّ والخفي عِنْد أَكثر الملحدة فَكَذَلِك دَلَائِل الله فِيمَا دلّت عَلَيْهِ من الْأَحْكَام والأوصاف ونعوت الْخَالِق والخلق وَكَذَلِكَ كَون تنويع دَلَائِل السّمع الَّذِي هُوَ السّنَن متنوعة لَا يُبْطِلهَا جهل الْجَاهِل بمعانيها
وَهَذِه الْمُقدمَة تكشف لَك عَن جَهَالَة المبتدعة فِي إعتراضهم أهل النَّقْل عَن أَصْحَابنَا فِي نقل هَذِه الْأَخْبَار فتوضح لَك أَن قَود هَذِه الْمقَالة يجر الْقَائِل بِهِ وَالْقَائِل لَهُ إِلَى أبطال الْكتاب بِمثل مَا أبطل بِهِ السّنة
стр. 10
وَإنَّهُ مَتى زعم أَن للآي المتشابهة الَّتِي وَردت فِي الْكتاب معنى وطرقا من جِهَة اللُّغَة تنزل عَلَيْهَا وتصحح بهَا من حَيْثُ لَا يُؤَدِّي إِلَى شُبْهَة وَلَا إِلَى تَعْطِيل فَكَذَلِك سَبِيل هَذِه الْأَخْبَار والتطرق إِلَى تَنْزِيل مَعَانِيهَا وَتَصْحِيح وجوهها على الْوَجْه الَّذِي يخرج عَن التَّشْبِيه والتعطيل كَذَلِك لم يبْق إِلَّا أَن هَؤُلَاءِ المبتدعة إِنَّمَا تقصد بِهَذَا التهجين الْكَشْف مِمَّا تستره من العقائد الردية فِي هَذِه الطَّائِفَة الطاهرة الَّتِي هِيَ بِالْحَقِّ ظَاهِرَة سَبِيل اعْتِرَاض الملحدة أجاوبني
وَأما مَا كَانَ من نوع الْآحَاد مِمَّا صحت الْحجَّة بِهِ من طَرِيق وثَاقه النقلَة وعدالة الروَاة وإتصال نقلهم فَإِن ذَلِك وَإِن لم يُوجب الْعلم وَالْقطع فَإِنَّهُ يَقْتَضِي غَالب ظن وتجويز حكم حَتَّى يَصح أَن يحكم أَنه من بَاب الْجَائِز الْمُمكن دون المستحيل الْمُمْتَنع
وَإِذا كَانَت ثَمَرَة مَا جرى هَذَا المجرى من الْأَخْبَار مَا ذَكرْنَاهُ فقد حصلت بِهِ فَائِدَة عَظِيمَة لَا يُمكن التَّوَصُّل إِلَيْهَا إِلَّا بِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون الإشتغال بتأويله وأيضاح وَجهه مُرَتبا على مَا يَصح وَيجوز فِي أَوْصَافه جلّ ذكره مَحْمُولا على الْوَجْه الَّذِي نبينه من غير اقْتِضَاء تَشْبِيه أَو إِضَافَة إِلَى مَا لَا يَلِيق بِاللَّه جلّ ذكره إِلَيْهِ فعلى ذَلِك تجْرِي مَرَاتِب هَذِه الْأَخْبَار وطرق تَأْوِيلهَا فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 11
ذكر خبر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
وَهُوَ حَدِيث الصُّورَة وَبَيَان تَأْوِيله فَمن أَقسَام الرُّتْبَة الأولى من هَذِه الْأَخْبَار مِمَّا يدْخل فِي بَاب المستفيض الَّذِي تَلقاهُ أهل الْعلم بِالْقبُولِ وَلم يُنكره مِنْهُم مُنكر وَهُوَ حَدِيث الصُّورَة
وَقد رُوِيَ ذَلِك على وَجْهَيْن فِي بعض الْأَخْبَار وَهُوَ قَوْله ﵇
إِن الله خلق آدم على صورته
وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم وَالنَّقْل فِي صِحَة ذَلِك
стр. 12
وَقد رُوِيَ أَيْضا إِن الله خلق آدم على صُورَة الرَّحْمَن وَأهل النَّقْل أَكْثَرهم على إِنْكَار ذَلِك وعَلى أَنه غلط وَقع من طَرِيق التَّأْوِيل لبَعض النقلَة فَتوهم أَن الْهَاء يرجع إِلَى الله تَعَالَى فَنقل على الْمَعْنى على مَا كَانَ عِنْده فِي أَن الْكِنَايَة ترجع إِلَى الله تَعَالَى
وَقد رُوِيَ فِي بعض أَحَادِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَفِي حَدِيث أم الطُّفَيْل وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ إِطْلَاق لفظ الصُّورَة على وَجه آخر وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 13
رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة // أخرجه التِّرْمِذِيّ //
стр. 14
بَيَان تَأْوِيل ذَلِك
فَأَما قَوْله ﵇ خلق آدم على صورته فقد تَأَوَّلَه المتأولون من أهل الْعلم على وُجُوه كَثِيرَة سنذكرها ثمَّ نزيد فِيهَا مَا وَقع لنا فِي تَأْوِيله مِمَّا يُوَافق تأويلهم وَبَين خطأ من ذهب عَن وَجهه الصَّوَاب فِي تَأْوِيله وَأظْهر وُجُوه التَّأْوِيل فِي ذَلِك
وَمِمَّا قيل إِن هَذَا الْخَبَر خرج على سَبَب وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ مر بِرَجُل يضْرب ابْنه أَو عَبده فِي وَجهه لطما وَيَقُول قبح الله وَجهك وَوجه من أشبه وَجهك
فَقَالَ ﷺ
إِذا ضرب أحدكُم عَبده فليتق الْوَجْه فَإِن الله خلق آدم على صورته // أخرجه البُخَارِيّ //
стр. 15
وَقد نقل الناقلون هَذِه الْقِصَّة مَعَ هَذِه اللَّفْظَة من الطّرق الصَّحِيحَة وَإِنَّمَا ترك بعض الروَاة بعض الْخَبَر إختصارا على مَا يذكر مِنْهُ للدلالة على مَا يحذف إِذا كَانَت الْقِصَّة عِنْده مَشْهُورَة مضبوطة بِنَقْل الْإِثْبَات لِأَن أَكثر الْغَرَض عِنْدهم الْأَسَانِيد دون الْمُتُون فَلذَلِك ترك بَعضهم ذكر السَّبَب فِيهِ
فَالْأولى أَن يحمل الْمُخْتَصر من ذَلِك على الْمُفَسّر حَتَّى يَزُول الْإِشْكَال وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ سَمعه يَقُول
قبح الله وَجهك وَوجه من أشبه وَجهك وَذَلِكَ سبّ للأنبياء وَلِلْمُؤْمنِينَ فزجره عَن ذَلِك
وَخص آدم بِالذكر لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ابتدئت خلقَة وَجهه على الْحَد الَّذِي يحتذى عَلَيْهَا من بعده كَأَنَّهُ ينبهه على أَنَّك قد سببت آدم وَمن ولد مُبَالغَة فِي الردع لَهُ عَن مثله وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَذَا وَجه ظَاهر وَالْهَاء كِنَايَة عَن الضَّرْب فِي وَجهه وَلَا شُبْهَة فِيهِ
стр. 16
وَالْوَجْه الآخر مِمَّا تَأَوَّلَه عَلَيْهِ النَّاس أَن الْكِنَايَة فِي قَوْله صورته ترجع إِلَى آدم وَذَلِكَ يَنْقَسِم إِلَى وُجُوه
أَحدهَا أَن يكون مَعْنَاهُ وَفَائِدَة تعريفنا نعْمَة الله تَعَالَى على أَبينَا آدم ﵇ أَن فَضله بِأَن خلقه بِيَدِهِ وَأَسْكَنَهُ جنته وأسجد لَهُ مَلَائكَته وَعلمه مَا لم يُعلمهُ أحدا قبله من الْأَسْمَاء والأوصاف ثمَّ عَصَاهُ وَخَالفهُ فَلم يُعَاقِبهُ على ذَلِك
стр. 17
بِسَائِر مَا عاقب بِهِ الْمُخَالفين لَهُ فِي نَحوه وَذَلِكَ أَنه رُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه أخرج آدم من الْجنَّة وَأخرج مَعَه الْحَيَّة والطاووس فعاقب الْحَيَّة بِأَن شوه خلقهَا وسلبها قَوَائِمهَا وَجعل أكلهَا من التُّرَاب وشوه رجْلي الطاووس وَلم يشوه خلقَة آدم بل أبقى لَهُ حسن الصُّورَة وَلم يَجْعَل عُقُوبَته فِي ذَلِك
стр. 18
فَعرفنَا ﷺ بذلك أَن أَبَاكُم آدم ﵇ كَانَ فِي الْجنَّة على الصُّورَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا لم يُغير الله خلقته وَتَكون فَائِدَة ذَلِك تعريفنا الْفرق بَينه وَبَين سَائِر من أخرجه من الْجنَّة مَعَه وإبانته مِنْهُم فِي الرُّتْبَة والدرجة وَهَذِه فَائِدَة لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهَا إِلَّا بِخَبَر الصَّادِق
وَالْوَجْه الثَّانِي من ذَلِك إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء يرجع إِلَى آدم فسبيله أَن النَّبِي ﵇ أفادنا إبِْطَال قَول أهل الذِّمَّة أَنه لم يكن إِنْسَان إِلَّا من نُطْفَة وَلَا نُطْفَة إِلَّا من إِنْسَان فِيمَا مضى وَيَأْتِي لَيْسَ لذَلِك أول وَلَا آخر وَأَن النَّاس إِنَّمَا ينتقلون من نشوء على تَرْتِيب مُعْتَاد وَإِن كَانَ ذَلِك أبدا كَانَ كَذَلِك فَعرفنَا ﷺ بتكذيبهم وَأَن أول الْبشر آدم ﵇ خلق على صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وعَلى الْهَيْئَة الَّتِي شوهد عَلَيْهَا من غير أَن كَانَ من نُطْفَة قبله أَو عَن تناسل أَو تنقل من صغر إِلَى كبر كالمعهود من أَحْوَال أَوْلَاده فَأَما مَا دلّت عَلَيْهِ دَلَائِل الْعُقُول من كَون هَذَا الْعَالم ذَا ابْتِدَاء وإنتهاء
وَأفَاد بِهِ مَا لَا يُوصل إِلَيْهِ إِلَّا بِالسَّمْعِ إِلَّا أَن الأَصْل الَّذِي هُوَ مِنْهُ توالدنا لم يكن عَن توالد قبله بل خلق كَمَا كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ آدم ﵇ خلقه الله من صلصال كالفخار ثمَّ خلق فِيهِ الرّوح وَلم يكن قطّ فِي صلب وَلَا رحم وَلَا كَانَ علقَة وَلَا مُضْغَة وَلَا مراهقا وَلَا طفْلا بل خلق ابْتِدَاء بشرا سويا كَمَا شوهد // أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم
стр. 19
وعهد
وَالْوَجْه الثَّالِث من وُجُوه هَذَا التَّأْوِيل فِي الرُّجُوع بِالْهَاءِ إِلَى آدم ﵇ على مَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم فِي تَأْوِيله وَهُوَ أَنه أفادنا ﷺ أَن الله خلق آدم على الصُّورَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا من غير أَن كَانَ ذَلِك حَادِثا أَو شَيْئا مِنْهُ عَن توليد عنصر أَو تَأْثِير طبع أَو فلك أَو ليل أَو نَهَار إبطالا لقَوْل الطبائعيين
إِن بعض مَا عَلَيْهِ آدم ﵇ من هَيْئَة وَصُورَة لم يخلقه الله وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك من فعل الطَّبْع أَو تَأْثِير الْفلك // أخرج عبد الرزاق //
стр. 20
فنبه بذلك على أَن الله تَعَالَى هُوَ الْخَالِق لآدَم ﵇ على مَا كَانَ فِيهِ من الصُّورَة والتراكيب والهيئات لم يُشَارِكهُ فِي خلق صُورَة من صوره أَو هَيْئَة من هيئاته أحد سواهُ فاستفدنا بذلك بطلَان قَول من قَالَ بتوليد الطَّبْع وإيجابه وتأثير الْفلك وتغييره
وَخص آدم ﵇ بِالذكر تَنْبِيها على أَن من شَاركهُ من الْمَخْلُوقَات فِي مَعْنَاهُ وَهَذِه طَريقَة للْعَرَب فِي التفهيم تذكرا على مَا فِي هَذَا الْبَاب للدلالة على الْأَدْنَى
فَإِذا عرف أَن صُورَة آدم وتركيبه وهيئته لم يخلقها أحد إِلَّا الله علم سَائِر المصورات من أودلاه وَغَيرهم فَحكمهَا كَذَلِك
وَقَالَ بَعضهم الْهَاء يرجع إِلَى بعض الْمَشَاهِير من النَّاس والفائدة فِي الْخَبَر يعرفنا أَن صُورَة آدم ﵇ كَانَت كهذه الصُّورَة إبطالا لقَوْل من زعم أَنَّهَا
стр. 21
كَانَت على هَيْئَة أُخْرَى كَمَا رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات من ذكر طوله وقامته وَذَلِكَ مِمَّا لَا يوثق بِهِ إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِك خبر صَحِيح وَإِنَّمَا الْمعول فِي مثله على كَعْب أَو وهب من أَحَادِيث التَّوْرَاة وَلَا ثِقَة بِشَيْء من ذَلِك وَلم يثبت من وجهة أُخْرَى أَنه قد كَانَت خلقَة آدم ﵇ على خلاف هَذِه الْخلقَة على الْحَد الزَّائِد الَّذِي يخرج عَن الْمَعْهُود من متفاوت الْبشر
والطريقة الثَّانِيَة فِي تَأْوِيل ذَلِك أَن يكون الْهَاء كِنَايَة عَن الله وَهَذَا أَضْعَف الْوَجْهَيْنِ من قبل أَن الظَّاهِر أَن الْهَاء ترجع إِلَى أقرب الْمَذْكُور إِلَيْهِ إِلَّا أَن تدل دلَالَة على خلاف ذَلِك
وَإِذا قُلْنَا هَذَا احْتمل وُجُوهًا
أَحدهَا أَن يكون معنى الصُّورَة على هَذَا معنى الصّفة كَمَا يُقَال عرفني صُورَة هَذَا الْأَمر أَي صفته وَلَا صُورَة لِلْأَمْرِ على الْحَقِيقَة إِلَّا على معنى الصّفة وَيكون تَقْدِير التَّأْوِيل فِيهِ أَن الله خلق آدم على صفته وَذَلِكَ أَن الْمَخْلُوقَات قِسْمَانِ
جماد ونام
والنامي نَوْعَانِ حَيَوَان وَمَا لَيْسَ بحيوان
وَالْحَيَوَان على نَوْعَيْنِ نَاس وبهائم ثمَّ سوى الْجِنّ وَالْملك ثمَّ لم يشرف من الْحَيَوَان والجماد شَيْء سوى الْإِنْسَان للإضافة إِلَى النامي والبهائم وَلم يشرف من
стр. 22
نوع الْحَيَوَان النَّاطِق أحد سوى الْأَنْبِيَاء وَذَلِكَ أَن نوعا من الْعُقَلَاء من الْحَيَوَان كالجن وَالْملك وَالْإِنْس خص بِالْعقلِ والنطق وَشرف بِهِ وَذَلِكَ من خِصَال كَمَال التعالي ثمَّ لما كَانَ أكمل الْأَشْيَاء نعتا وأتمها رفْعَة وتعظيما هُوَ الله وَكَانَ الْحَيّ الْعَالم الْقَادِر السَّمِيع الْبَصِير الْمُتَكَلّم المريد وَذَلِكَ نعوت عَظمَة وَعزة وجلالة خلق آدم على صفته مِمَّا هِيَ صفة التعالي حَيا عَالما قَدِيرًا سميعا بَصيرًا متكلما مُخْتَارًا مرِيدا
فميزه من الجماد والنامي بِمَا نفخ فِيهِ من الرّوح
стр. 23
وميزه من الْبَهَائِم بِمَا ركب فِيهِ من الْعقل والنطق
وميزه من جنسه من وقته بِأَن نبأه وأرسله
وميزه من الْمَلَائِكَة بِأَن قدمه عَلَيْهِم وأسجدهم لَهُ وجعلهم تلاميذه وَأمرهمْ أَن يتعلموا مِنْهُ فحصلت لَهُ رُتْبَة الْجلَال وَالْعَظَمَة مِمَّا نَوعه الله بِأَن حصل سجودا لَهُ مُخْتَصًّا بِالْعلمِ بِمَا لَا يُشَارِكهُ فِيهِ فِي حَالَة غَيره فتميز بِهَذِهِ الصِّفَات وَهِي صِفَات التعالي من سَائِر الْعَالمين والمخلوقين فِي وقته فَعرفنَا
стр. 24
عَلَيْهِ السَّلَام بذلك إسباغ نعم الله عَلَيْهِ وتشريفه إِيَّاه بخصال التعالي وَهِي صِفَات مِمَّا فِي صِفَات الله على الإختصاص
وَالْوَجْه الثَّانِي من قَوْلنَا أَن الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الله وَهُوَ أَن يعلم من طرق الإضافات إِلَى الله وطرق التَّخْصِيص فِيهَا وَذَلِكَ أَن من الْأَشْيَاء مَا يُضَاف إِلَى الله من طَرِيق أَنه فعله كَمَا يُقَال خلق الله وَأَرْض الله وسماء الله
وَقد يُضَاف مثل هَذِه الْإِضَافَة على معنى الْملك فَيُقَال رزق الله وعبد الله وَقد يُقَال على معنى الإختصاص من طَرِيق التنويه يذكر الْمُضَاف إِذا خص بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو قَوْله نَاقَة الله فَإِنَّهَا إِضَافَة تَخْصِيص وتشريف يُفِيد التحذير والورع عَن التَّعَرُّض لَهَا
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى
﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾
وَقَول الْمُسلمين للكعبة بَيت الله تَخْصِيصًا بِالذكر فِي الْإِضَافَة إِلَيْهِ تَشْرِيفًا وَهُوَ كَقَوْلِه أَيْضا فِي إِضَافَة الْمُؤمنِينَ إِلَى نَفسه بِلَفْظ الْعُبُودِيَّة فِي قَوْله تَعَالَى
﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ إِلَى آخر صفاتهم
стр. 25
وَقَوله
﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾
وَالْوَجْه الآخر من الْإِضَافَة نَحْو قَوْلك كَلَام الله وَعلم الله وقدرة الله وَفِي إِضَافَة إختصاص من طَرِيق الْقيام بِهِ كَمَا يُقَال فِي إِضَافَة الأَرْض إِلَى الْمحل وَمَا لَا يقوم بِنَفسِهِ إِلَى مَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَيْسَ ذَلِك من جِهَة الْملك وَالْفِعْل والتشريف بل ذَلِك على معنى أَن ذَاته غير منعوتة مِنْهُ قيَاما بهَا وقعودا ووجودا ثمَّ نَظرنَا فِي إِضَافَة الصُّورَة إِلَى الله فَلم يَصح أَن يكون وَجه إضافتها إِلَيْهِ على نَحْو إِضَافَة
стр. 26
الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف بهَا من حَيْثُ تقوم بِهِ لإستحالة أَن يقوم بِذَاتِهِ حَادث بِوَجْه وَلَا صُورَة وَلَا تأليف وَلَا غَيره لِأَن مَا قَامَ بِذَات من تأليف وَصُورَة لم يألف غير مَا لم يقم بِهِ وَبِذَلِك يمْنَع أَن يكون غَيره قد تصور بهَا وَذَلِكَ محَال فَبَقيَ من وُجُوه الإضافات كَذَا الْملك وَالْفِعْل والتشريف فَأَما الْملك وَالْفِعْل فوجهه عَام وَيبْطل فَائِدَة التَّخْصِيص فَبَقيَ أَنَّهَا إِضَافَة تشريف
وَطَرِيق ذَلِك أَن الله هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ تَصْوِير آدم لَا على مِثَال بل اخترعه اختراعا ثمَّ اخترع من بعده على مِثَاله فتشرفت صورته بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ من حَيْثُ كَانَت مَخْصُوصَة بهَا على هَذَا الْوَجْه ثمَّ سَائِر وُجُوه التشريف مِمَّا خص بهَا آدم ﵇ من فضائله مِمَّا ذكرنَا بعضه
وَاعْلَم أَنا إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء يرجع إِلَى الله فِي قَوْلهم فِي صورته على بعض الْمعَانِي الَّتِي ذكرنَا فَإِن تَأْوِيل مَا يرْوى من هَذَا الْخَبَر على إِظْهَار الرَّحْمَن بعد ذكر الصُّورَة على مَا فِيهِ من الضعْف وَالْعلَّة عِنْد أهل النَّقْل وَأَنه يكون مَحْمُولا على مَا ذَكرْنَاهُ
إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء ترجع إِلَى الله وَقد أنكر بعض أَصْحَابنَا صِحَة هَذِه اللَّفْظَة من طَرِيق الْعَرَبيَّة وَقَالَ لَا يجوز فِي اللُّغَة أَن يُقَال مثله وَلَو كَانَ المُرَاد ذَلِك لَكَانَ يَقُول
إِن آدم خلق على صُورَة الرَّحْمَن دون أَن يُقَال إِن الله خلق آدم على صورته لِأَن تقدم ذكره بإسم الظَّاهِر فَإِذا أُعِيد ذكره لكني عَنهُ بِالْهَاءِ من غير إِعَادَة اسْمه بِالظَّاهِرِ كَقَوْلِك
стр. 27
إِن زيدا ضرب عَبده وَلَا يُقَال إِن زيدا ضرب عبد زيد وَالْمرَاد بزيد الثَّانِي هُوَ المُرَاد بِالْأولِ
قَالُوا وَإِذا لم يكن ذَلِك سائغا من جِهَة الْعَرَبيَّة وَلَا ثَابتا من جِهَة النَّقْل لم يكن للإستعمال بِهِ وَجه
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
إِن هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُمكن أَن يدْفع بِهِ هَذَا الْخَبَر على هَذَا الْوَجْه وَإِنَّمَا طَرِيق دفع ذَلِك من جِهَة النَّقْل وتعليل أَمر رُوَاته لِأَن مثله قد يَصح فِي الْعَرَبيَّة وَقد وَردت بذلك أشعار الْعَرَب فَمن ذَلِك قَول عدي بن زيد
(لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْء ... نقض الْمَوْت ذَا الْغنى والفقيرا)
فَأَعَادَ ذكر الْمَوْت بِلَفْظِهِ وَلم يكن عَنهُ بِالْهَاءِ وَلم يقل لَا أرى الْمَوْت يسْبقهُ شَيْء وَمثله فِي الْقُرْآن
﴿يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا﴾
وَلم يقل إِلَيْنَا وَإِلَيْهِ فَإِذا كَانَ مثله سائغا لم يكن لإنكاره من هَذَا الْوَجْه
стр. 28
معنى دون أَن يُقَال إِن الْإِثْبَات من أهل النَّقْل لم يرووه على هَذَا الْوَجْه بل كلهم أَجمعُوا على نقل قَوْله على صورته صورته بِالْهَاءِ كِنَايَة لَا إِظْهَارًا وَذَلِكَ مُحْتَمل للوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا إِن رَجَعَ بِهِ إِلَى آدم فَيحْتَمل وَهُوَ الْأَقْرَب وَإِن رَجَعَ بِهِ إِلَى الْمَضْرُوب على مَا روى فِي السَّبَب فِيهِ مَعَه فَظَاهر أَيْضا وَإِن رَجَعَ بِهِ إِلَى الله وَهُوَ الْأَبْعَد كَانَ طَرِيق تَأْوِيله مَا بَيناهُ لِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ إِثْبَات صُورَة الله تَعَالَى على التَّحْقِيق وَهُوَ بهَا مصورا ومتصورا لِأَن صورته هِيَ التَّأْلِيف والهيئة وَذَلِكَ لَا يَصح إِلَّا على الْأَجْزَاء المتألفة والأجسام المركبة وَقد تَعَالَى الله عز ذكره عَن أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو مؤلفا مركبا
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
إِن الْهَاء ترجع إِلَى آدم وَيكون مَعْنَاهُ وَفَائِدَته تَكْذِيب القهرية لما زعمت أَن من صُورَة آدم وَصِفَاته مَا لم يخلقه الله
وَذَلِكَ أَن الْقَدَرِيَّة على أَن صِفَات آدم على نَوْعَيْنِ
مِنْهَا مَا خلقه الله وَمِنْهَا مَا خلقهَا آدم لنَفسِهِ فَأخْبر النَّبِي ﷺ بتكذيبهم
стр. 29
وَأَن الله تَعَالَى خلق آدم على جَمِيع صوره وَصِفَاته ومعانيه وأعراضه وَمثله فِي الْكَلَام أَن يُقَال عرفني هَذَا الْأَمر على صورته إِذا أردْت أَن يعرفك على الإستيفاء والإستقصاء دون الإستبقاء
وكما أفادنا ﷺ بذلك تَكْذِيب الطبائعيين فِي كَون بعض هيئات الْبشر من توليد الطَّبْع وإيجابه كَذَلِك أفادنا تَكْذِيب الْقَدَرِيَّة حَيْثُ زعمت أَن من مَعَاني آدم ﵇ وأعراضه وَكثير من هيئاته لم يخلقه الله وَإِنَّمَا خلقه آدم وأبدعه هُوَ من دون الله
وَوجه آخر مِمَّا يحمل عَلَيْهِ تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء ترجع إِلَى آدم وَهُوَ أَن يكون مَعْنَاهُ إِشَارَة إِلَى مَا نقُول على أصولنا إِن الله خلق السعيد سعيدا والشقي شقيا فَلَمَّا خلق آدم وَقد علم أَنه يَعْصِي وَيُخَالف أمره وَكتب ذَلِك عَلَيْهِ وَأَنه عز ذكره هَكَذَا خلقه على مَا علم وَأَرَادَ أَن يكون عَلَيْهِ وَشهد لذَلِك حَدِيث مُحَاجَّة مُوسَى لآدَم ﵉ لما قَالَ مُوسَى لآدَم لما التقيا فِي السَّمَاء
أَلَسْت الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ وأسجد لَك مَلَائكَته وأسكنك جنته ثمَّ عصيته وخالفت أمره
فَقَالَ آدم ﵇
أَكَانَ ذَلِك شَيْء مني أَو أَمر كتبه الله عَليّ قبل أَن يخلقني
فَقَالَ مُوسَى ذَلِك مِمَّا كتبه عَلَيْك قبل خلقك قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 30
فحج آدم مُوسَى ثَلَاثًا
فدلنا ﷺ بقوله
إِن الله خلق آدم على صورته على مثل هَذَا الْمَعْنى وَإنَّهُ خلق مِمَّن سبق الْعلم بِحَالهِ أَنه يَعْصِي ثمَّ يَتُوب فيتوب الله تَنْبِيها على وجوب جَرَيَان قَضَاء الله على خلقه وَأَنه إِنَّمَا يحدث الْأُمُور ويغير الْأَحْوَال على حسب مَا يخلق عَلَيْهِ الْمَرْء ويتيسر لَهُ وَهَذَا أَيْضا تأييد لمذهبنا فِي إِضَافَة تَقْدِير الْأُمُور كلهَا إِلَى الله عز وَجل
стр. 31
فصل
وَاعْلَم أَن بعض أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمين فِي تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر حاد على وَجه الصَّوَاب وسلك طَرِيق الْخَطَأ والمحال فِيهِ وَهُوَ ابْن قُتَيْبَة توهما أَنه مستمسك بِظَاهِرِهِ غير تَارِك لَهُ فَقَالَ
إِن لله صُورَة لَا كالصور كَمَا أَنه شَيْء لَا كالأشياء
فَأثْبت لله تَعَالَى صُورَة قديمَة زعم أَنَّهَا لَا كالصور وَأَن الله خلق آدم على تِلْكَ الصُّورَة وَهَذَا جهل من قَائِله وتوغل فِي تَشْبِيه الله تَعَالَى بخلقه
стр. 32
وَالْعجب مِنْهُ أَنه تَأَول الْخَبَر ثمَّ زعم أَن الله صُورَة لَا كالصور ثمَّ قَالَ
إِن آدم مَخْلُوق على تِلْكَ الصُّورَة وَهَذَا كَلَام متناقض متهافت يدْفع أَوله آخِره وَذَلِكَ
أَن قَوْله لَا كالصور ينْقض قَوْله إِن الله خلق آدم عَلَيْهَا لِأَن الْمَفْهُوم من قَول الْقَائِل فعلت هَذَا على صُورَة هَذَا أَي ماثلته بِهِ واحتذيت فِي فعله بِهِ وَهَذَا يُوجب أَن صُورَة آدم ﵇ كصورته جلّ ثَنَاؤُهُ وَيمْنَع تَأْوِيله أَن لَهُ صُورَة لَا كالصور وليت شعري إِلَى أَي وَجه ذهب فِي إِضَافَة الصُّورَة إِلَى الله
أَرَادَ بِهِ إِثْبَات الرب تَعَالَى مصورا بِصُورَة لَا تشبه الصُّور
أم إثْبَاته مصورا بأمثال هَذِه الصُّور
أم أَرَادَ بِهِ أَن لَهُ هَيْئَة مَخْصُوصَة وَصُورَة مُعينَة مَعْلُومَة
أم رَجَعَ بذلك إِلَى إِثْبَات صفة لَهُ سَمَّاهَا صُورَة لَا على معنى وَجه الْهَيْئَة والتأليف
وَلَيْسَ يَخْلُو مَا ذهب إِلَيْهِ من هَذِه الْأَقْسَام وكل ذَلِك فَاسد لَا يَلِيق بِاللَّه لإقتضائه أَن يكون مؤلفا مركبا ذَا حد وَنِهَايَة وَبَعض وَغَايَة وكل ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بنفيه تَعَالَى وَقد بَينا وَجه ذَلِك قبل وَلَا معنى لحمل ذَلِك على صفة طريقها السّمع على نَحْو مَا قُلْنَا فِي الْيَد وَالْعين لخلو الْكَلَام من فَائِدَة لَو حمل على ذَلِك فَإِذا لم يخرجوه من الْوُجُوه الَّتِي يَنْقَسِم إِلَيْهَا مَذْهَب هَذَا الْقَائِل فقد بَان خطاؤه وعدوله عَن وَجه الصَّوَاب فِي تَأْوِيله
стр. 33
فصل
فَأَما مَا رُوِيَ فِي غير هَذَا الْخَبَر من ذكر الصُّورَة كنحو حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأم الطُّفَيْل أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة
فَإِن طَرِيق مخرج ذَلِك على الْوَجْه الَّذِي يَصح لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن
стр. 34
أَحدهمَا أَن يكون قَوْله فِي أحسن صُورَة يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ وَيكون الْمَعْنى رَأَيْت أبي وَأَنا فِي أحسن صُورَة كَمَا يَقُول الْقَائِل
رَأَيْت الْأَمِير فِي أحسن زِيّ وَمرَاده وَأَنا فِي أحسن زِيّ وَيكون فَائِدَة ذَلِك تعريفنا أَن الله زين خلقته وجمل صورته عِنْد رُؤْيَته زِيَادَة إكرام وتعظيم وَيحْتَمل أَن يكون معنى الصُّورَة معنى الصّفة كَقَوْل الْقَائِل صُورَة الْأَمر كَذَا وَكَذَا أَي صفته كَذَا فَتكون الْفَائِدَة على هَذَا الْوَجْه فِيهِ الْإِخْبَار عَن حسن حَاله عندالله وتوقير الرب بإنعامه عَلَيْهِ وإعظامه وَذَلِكَ أَن الرَّائِي قد يرى المرئي وَيكون حَال الرَّائِي عَن المرئي محمودة مَقْبُولَة فيتلقاه المرئي بالإكرام والإجلال وَقد يُخَالف ذَلِك فيتلقاه بِخِلَافِهِ
فَعرفنَا ﷺ وجود زوائده وَحُصُول فَوَائده عِنْد لِقَاء الله وَأَنه كَانَ عِنْده فِي أحسن صُورَة وأجمل حَال
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن تكون الصُّورَة بِمَعْنى الصّفة وَيرجع ذَلِك إِلَى الله وَذَلِكَ أَن قَوْلك رَأَيْت الْأَمِير رَاكِبًا يحْتَمل مَعْنيين
أَحدهمَا أَن يكون الرّكُوب حَال الرَّائِي
وَالثَّانِي أَن يكون الرّكُوب حَال المرئي
стр. 35
وكلا الْوَجْهَيْنِ سَائِغ مُحْتَمل
فَإِذا قُلْنَا إِن قَوْله فِي أحسن صُورَة يرجع إِلَى الله تَعَالَى فَإِن فَائِدَته على نَحْو مَا ذكرنَا أَيْضا قبل وَهُوَ أَن يفيدنا أَنه رأى الله وَهُوَ على أحسن صِفَاته مَعَه فِي إنعامه عَلَيْهِ والإقبال والإفضال إِلَيْهِ والإجلال وَيكون حسن الصّفة يرجع إِلَى حسن الْإِحْسَان وَالْإِكْرَام وَمَا تَلقاهُ بِهِ من الرَّحْمَة والرضوان والجود والإمتنان
وَقد يُقَال فِي صفة الله تَعَالَى أَنه جميل وَأَن لَهُ جمالا وجلالا وَالْمرَاد بوصفنا أَنه جميل أَنه مُجمل فِي أَفعاله والإجمال فِي الْفِعْل هُوَ فعل الْجمال لمن يجملهم بِهِ وَذَلِكَ نوع الْإِحْسَان وَالْإِكْرَام فَكَذَلِك حسن صفة الله تَعَالَى يرجع إِلَى مَا يظْهر من فعل النعم والإبتداء بالمنن
وَقد يكون حسن الصُّورَة وجمالها مِمَّا يرجع إِلَى الرب عز ذكره من نفي التناهي فِي العظمة والكبرياء والعلو والرفعة حَتَّى لَا مُنْتَهى وَلَا غَايَة وَرَاءه
وَيكون معنى الْخَبَر على ذَلِك تعريفنا مَا تزايدت من معارفه ﵊ وَعند رُؤْيَته لرَبه عز ذكره لعظمته وكبريائه وبهائه وَبعده من شبه خلقه وتنزيهه من صِفَات النَّقْص وتعريه من كل عيب
فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَحمل الْخَبَر على أحد هَذِه الْوُجُوه هُوَ الْأَلْيَق بتوحيد الله وَالْأولَى بصفاته وَبِقَوْلِهِ عز وَجل
стр. 36
﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾
فصل آخر
وَقد ذكر بعض المتأولين لهَذِهِ الْأَخْبَار فِي تَأْوِيل مَا رُوِيَ عَنهُ ﵊ فِي قَوْله
رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة أَن ذَلِك كَانَ رُؤْيا مَنَام وَقد ذكر فِي حَدِيث أم الطُّفَيْل حَدِيث الْمَنَام نصا وَفِي بعض أَحَادِيث ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ
وَإِذا كَانَ كَذَلِك مَنْصُوصا فقد زَالَ الشَّك فِيهِ وَإِن لم يكن مَنْصُوصا فَإِن الْأَمر فِيهِ مَحْمُول على ذَلِك وَهُوَ أَن الْجَمِيع من مثبتي الرُّؤْيَة ونفاتها قد قَالُوا بِجَوَاز رُؤْيَة الله فِي الْمَنَام وَقَالُوا
إِن رُؤْيا النّوم وهم قد جعله الله تَعَالَى دلَالَة للرائي على أَمر يكون أَو كَانَ من طَرِيق التَّعْبِير والأوهام قد يتَعَلَّق بالموهوم على خلاف مَا عَلَيْهِ الموهوم فَلَا يُنكر أَن يُقَال مثله فِيهِ من طَرِيق الرُّؤْيَا إِلَّا أَنه سُبْحَانَهُ بِبَعْض تِلْكَ الْأَوْصَاف الَّتِي تعلّقت بهَا الرُّؤْيَا مُتَحَقق وَذَلِكَ مَعْهُود مثله فِي أَحْوَال الرُّؤْيَا
إِن الرَّائِي قد يرى فِي الْمَنَام مَا لَا يكون على مَا يرَاهُ
стр. 37
كمن يرى فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ يطير أَو كَأَنَّهُ انْقَلب حمارا وَهُوَ فِي مَوضِع آخر غير الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فَيكون ذَلِك توهما مِنْهُ لَا رُؤْيَة حَقِيقَة وَقد يَصح مثله على الْأَنْبِيَاء والأولياء إِذْ قد وَردت الْأَخْبَار برؤيا الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ أَنهم رَأَوْا فِي منامهم أَشْيَاء كَانَت أَحْكَامهَا بِخِلَاف مَا رَآهَا وَصَحَّ ذَلِك لِأَنَّهَا أَوْهَام تجْرِي مجْرى الدلالات بإختلاف طَرِيق التأويلات
وَقد ذكر بعض أَصْحَاب التَّعْبِير ذَلِك فِي كتبهمْ الْمَوْضُوعَة لذَلِك وعبروا ذَلِك بتأويله كَمَا عبروا أَيْضا من يرى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام أَو يرى الْقِيَامَة أَو الْجنَّة وَالنَّار فِي سَائِر مَا يرى فِي الْمَنَام مِمَّا لَهُ تَعْبِير قَالَ
وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا وَقد ذكره نصا بعض الروَاة وَجب أَن يكون التَّأْوِيل مَحْمُولا عَلَيْهِ لإستحالة كَون الْبَارِي مصورا بالصورة والهيئة والتركيب وَالْحَد وَالنِّهَايَة
стр. 38
وَقد تهور بعض الْمُتَكَلِّمين فِي ذَلِك أَيْضا فَغير اللَّفْظ المسموع إِلَى مَا لم يضْبط وَلم ينْقل تعسفا فِي التَّأْوِيل فَقَالَ
إِنَّمَا هُوَ رَبِّي بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ اسْم عبد كَانَ لعُثْمَان ﵁ رَآهُ ﷺ فِي النّوم على تِلْكَ الصِّفَات وَهَذَا غلط
لِأَن التَّأْوِيل والتخريج إِنَّمَا يكون لمسموع مضبوط مَنْقُول وَلم يثبت سَماع ذَلِك على هَذَا الْوَجْه وَلَا حَاجَة إِلَى مثل هَذَا التعسف مَعَ إتساع طرق التَّأْوِيل فِي بعض الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا
وَذكر بَعضهم أَيْضا أَنه أَرَادَ بذلك رئي فَنقل رَبِّي على التَّصْحِيف والرائي هُوَ التَّابِع من الْجِنّ
قَالَ فَلَا يُنكر أَن يكون الْجِنّ متصورا بِبَعْض هَذِه الصُّور وَهَذَا أَيْضا تعسف لأجل أَن القَوْل بالتصحيف إِنَّمَا يكون الْمُعْتَمد عَلَيْهِ إِذا روى بعض الْإِثْبَات ذَلِك على هَذَا الْحَد مسموعا مضبوطا وَلم يُمكن أَن يحمل على ضَرْبَيْنِ وعَلى حَالين مُخْتَلفين
كَيفَ وَلم ينْقل على هَذَا الْوَجْه وَلم يثبت أَنه كَانَ الأَصْل على هَذَا الْحَد وَإِنَّمَا وَقع التَّصْحِيف من جِهَة التَّأْوِيل وَلَا حَاجَة تَدْعُو إِلَى دَعْوَى تَصْحِيف على
стр. 39
من ضبط مَا سمع فَنقل لأجل مَا توهم أَو تعذر فِي تَخْرِيج مَعْنَاهُ على الْوَجْه الصَّحِيح فَبَطل ذَلِك أَيْضا وَجَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من تِلْكَ الْوُجُوه أقرب إِلَى الصَّوَاب وأليق لحكم الْبَاب مِمَّا ذكرهَا هَؤُلَاءِ المتعسفون
стр. 40
ذكر خبر آخر فِي مثل هَذَا الْمَعْنى
مِمَّا فِيهِ ذكر الصُّورَة وَهُوَ مَا روى بعض الروَاة وَأَظنهُ ثَوْبَان مولى رَسُول الله ﷺ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة
قَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الْبَلْخِي فِي تَخْرِيج هَذَا الحَدِيث
إِن هَذَا الحَدِيث أَولا مَعْلُول من طَرِيق الرِّوَايَة وَذَلِكَ أَنه رَوَاهُ أَبُو يحيى عَن أبي يزِيد عَن أبي سَلام وَأَبُو يحيى ضَعِيف قَالَ
وَإِن صَحَّ مَعْنَاهُ احْتمل أَن يكون أُرِيد بِهِ أَتَانِي رَبِّي بِأَحْسَن صُورَة وَيكون الْفَاء بِمَعْنى الْبَاء وعَلى هَذَا قد روى ابْن عَبَّاس ﵄ فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾
مَعْنَاهُ بظلل من الْغَمَام يَعْنِي تَعْجِيل الْعقُوبَة لَهُم
وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا فِي اللُّغَة فَيمكن أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ
إِن الله أرَاهُ ملكا من الْمَلَائِكَة فِي أحسن صُورَة وَيكون قَوْله
أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة مَحْمُولا على أَن الْمَعْنى أَتَانِي رَبِّي بِأَحْسَن صُورَة وَيكون تَأْوِيل الْإِتْيَان بِهِ فعله بِهِ وإظهاره لَهُ حَتَّى رَآهُ
وَنَظِير ذَلِك قَوْله تَعَالَى
следующие страницы →