Полный текст (433 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾
فصل آخر
وَقد ذكر بعض المتأولين لهَذِهِ الْأَخْبَار فِي تَأْوِيل مَا رُوِيَ عَنهُ ﵊ فِي قَوْله
رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة أَن ذَلِك كَانَ رُؤْيا مَنَام وَقد ذكر فِي حَدِيث أم الطُّفَيْل حَدِيث الْمَنَام نصا وَفِي بعض أَحَادِيث ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ
وَإِذا كَانَ كَذَلِك مَنْصُوصا فقد زَالَ الشَّك فِيهِ وَإِن لم يكن مَنْصُوصا فَإِن الْأَمر فِيهِ مَحْمُول على ذَلِك وَهُوَ أَن الْجَمِيع من مثبتي الرُّؤْيَة ونفاتها قد قَالُوا بِجَوَاز رُؤْيَة الله فِي الْمَنَام وَقَالُوا
إِن رُؤْيا النّوم وهم قد جعله الله تَعَالَى دلَالَة للرائي على أَمر يكون أَو كَانَ من طَرِيق التَّعْبِير والأوهام قد يتَعَلَّق بالموهوم على خلاف مَا عَلَيْهِ الموهوم فَلَا يُنكر أَن يُقَال مثله فِيهِ من طَرِيق الرُّؤْيَا إِلَّا أَنه سُبْحَانَهُ بِبَعْض تِلْكَ الْأَوْصَاف الَّتِي تعلّقت بهَا الرُّؤْيَا مُتَحَقق وَذَلِكَ مَعْهُود مثله فِي أَحْوَال الرُّؤْيَا
إِن الرَّائِي قد يرى فِي الْمَنَام مَا لَا يكون على مَا يرَاهُ
стр. 37
كمن يرى فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ يطير أَو كَأَنَّهُ انْقَلب حمارا وَهُوَ فِي مَوضِع آخر غير الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فَيكون ذَلِك توهما مِنْهُ لَا رُؤْيَة حَقِيقَة وَقد يَصح مثله على الْأَنْبِيَاء والأولياء إِذْ قد وَردت الْأَخْبَار برؤيا الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ أَنهم رَأَوْا فِي منامهم أَشْيَاء كَانَت أَحْكَامهَا بِخِلَاف مَا رَآهَا وَصَحَّ ذَلِك لِأَنَّهَا أَوْهَام تجْرِي مجْرى الدلالات بإختلاف طَرِيق التأويلات
وَقد ذكر بعض أَصْحَاب التَّعْبِير ذَلِك فِي كتبهمْ الْمَوْضُوعَة لذَلِك وعبروا ذَلِك بتأويله كَمَا عبروا أَيْضا من يرى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام أَو يرى الْقِيَامَة أَو الْجنَّة وَالنَّار فِي سَائِر مَا يرى فِي الْمَنَام مِمَّا لَهُ تَعْبِير قَالَ
وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا وَقد ذكره نصا بعض الروَاة وَجب أَن يكون التَّأْوِيل مَحْمُولا عَلَيْهِ لإستحالة كَون الْبَارِي مصورا بالصورة والهيئة والتركيب وَالْحَد وَالنِّهَايَة
стр. 38
وَقد تهور بعض الْمُتَكَلِّمين فِي ذَلِك أَيْضا فَغير اللَّفْظ المسموع إِلَى مَا لم يضْبط وَلم ينْقل تعسفا فِي التَّأْوِيل فَقَالَ
إِنَّمَا هُوَ رَبِّي بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ اسْم عبد كَانَ لعُثْمَان ﵁ رَآهُ ﷺ فِي النّوم على تِلْكَ الصِّفَات وَهَذَا غلط
لِأَن التَّأْوِيل والتخريج إِنَّمَا يكون لمسموع مضبوط مَنْقُول وَلم يثبت سَماع ذَلِك على هَذَا الْوَجْه وَلَا حَاجَة إِلَى مثل هَذَا التعسف مَعَ إتساع طرق التَّأْوِيل فِي بعض الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا
وَذكر بَعضهم أَيْضا أَنه أَرَادَ بذلك رئي فَنقل رَبِّي على التَّصْحِيف والرائي هُوَ التَّابِع من الْجِنّ
قَالَ فَلَا يُنكر أَن يكون الْجِنّ متصورا بِبَعْض هَذِه الصُّور وَهَذَا أَيْضا تعسف لأجل أَن القَوْل بالتصحيف إِنَّمَا يكون الْمُعْتَمد عَلَيْهِ إِذا روى بعض الْإِثْبَات ذَلِك على هَذَا الْحَد مسموعا مضبوطا وَلم يُمكن أَن يحمل على ضَرْبَيْنِ وعَلى حَالين مُخْتَلفين
كَيفَ وَلم ينْقل على هَذَا الْوَجْه وَلم يثبت أَنه كَانَ الأَصْل على هَذَا الْحَد وَإِنَّمَا وَقع التَّصْحِيف من جِهَة التَّأْوِيل وَلَا حَاجَة تَدْعُو إِلَى دَعْوَى تَصْحِيف على
стр. 39
من ضبط مَا سمع فَنقل لأجل مَا توهم أَو تعذر فِي تَخْرِيج مَعْنَاهُ على الْوَجْه الصَّحِيح فَبَطل ذَلِك أَيْضا وَجَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من تِلْكَ الْوُجُوه أقرب إِلَى الصَّوَاب وأليق لحكم الْبَاب مِمَّا ذكرهَا هَؤُلَاءِ المتعسفون
стр. 40
ذكر خبر آخر فِي مثل هَذَا الْمَعْنى
مِمَّا فِيهِ ذكر الصُّورَة وَهُوَ مَا روى بعض الروَاة وَأَظنهُ ثَوْبَان مولى رَسُول الله ﷺ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة
قَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الْبَلْخِي فِي تَخْرِيج هَذَا الحَدِيث
إِن هَذَا الحَدِيث أَولا مَعْلُول من طَرِيق الرِّوَايَة وَذَلِكَ أَنه رَوَاهُ أَبُو يحيى عَن أبي يزِيد عَن أبي سَلام وَأَبُو يحيى ضَعِيف قَالَ
وَإِن صَحَّ مَعْنَاهُ احْتمل أَن يكون أُرِيد بِهِ أَتَانِي رَبِّي بِأَحْسَن صُورَة وَيكون الْفَاء بِمَعْنى الْبَاء وعَلى هَذَا قد روى ابْن عَبَّاس ﵄ فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾
مَعْنَاهُ بظلل من الْغَمَام يَعْنِي تَعْجِيل الْعقُوبَة لَهُم
وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا فِي اللُّغَة فَيمكن أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ
إِن الله أرَاهُ ملكا من الْمَلَائِكَة فِي أحسن صُورَة وَيكون قَوْله
أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة مَحْمُولا على أَن الْمَعْنى أَتَانِي رَبِّي بِأَحْسَن صُورَة وَيكون تَأْوِيل الْإِتْيَان بِهِ فعله بِهِ وإظهاره لَهُ حَتَّى رَآهُ
وَنَظِير ذَلِك قَوْله تَعَالَى
стр. 41
﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾
ذَلِك بِإِظْهَار فعل واتخاذ تَدْبِير لَا على معنى نقلة وتحول
قَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع
وَيحْتَمل تَأْوِيلا آخر وَهُوَ يَعْنِي أَتَانِي رَبِّي فِي الصُّورَة مُدبرا لَهَا وَالصُّورَة ملك وَالله فِيهَا بِمَعْنى التَّدْبِير لَهَا
وَاعْلَم أَن هَذَا أَيْضا غلط من مُحَمَّد بن شُجَاع وَإِنَّمَا تَأَول ذَلِك على مذْهبه فِي قَوْله إِن الله فِي كل مَكَان على معنى أَنه مُدبر لكل مَكَان
وَنحن نأبى هَذَا القَوْل ونحيد أَن يُقَال إِن الله ثَنَاؤُهُ فِي كل مَكَان هَل معنى أَنه مُدبر لَهُ فَلَا يسوغ على أصلنَا هَذَا التَّأْوِيل من الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا
فَأَما أَحَادِيث ابْن عَبَّاس فَفِي بَعْضهَا زيادات أَلْفَاظ يَقْتَضِي تَأْوِيلا وتخريجا وَذَلِكَ أَن فِي بعض أَخْبَار ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﵊ قَالَ
رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد
فَقلت لبيْك وَسَعْديك
قَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى
стр. 42
قلت رَبِّي لَا أَدْرِي
قَالَ فَوضع يَده بَين كَتِفي فَوجدت بردهَا بَين ثديي فَعلمت مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب ثمَّ قَالَ
يَا مُحَمَّد فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى
قلت رَبِّي لَا أَدْرِي
قَالَ فِي الْكَفَّارَات وَالْمَشْي على الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات وإسباغ الْوضُوء فِي الشتوات وإنتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة فَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَخرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه
وَاعْلَم أَن الَّذِي يَقْتَضِي التَّأْوِيل من هَذَا الْخَبَر قَوْله ﷺ فَوضع كَفه بَين كَتِفي وَقد رُوِيَ كنفي
فَأَما تَأْوِيل الْكَفّ فقد تَأَوَّلَه النَّاس على وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يكون بِمَعْنى الْقُدْرَة كَمَا قَالَ الْقَائِل
(هون عَلَيْك فَإِن الْأُمُور ... بكف الْإِلَه مقاديرها)
يَعْنِي فِي قدرته تقديرها تدبيرها
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون المُرَاد بالكف وَالنعْمَة والْمنَّة وَالرَّحْمَة وَقد اسْتعْملت الْعَرَب لفظ الْيَد والإصبع والكف فِي معنى النِّعْمَة وَذَلِكَ سَائِغ كثيرا فِي اللُّغَة وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ
стр. 43
لفُلَان عِنْدِي أصْبع حسن ولي عِنْد فلَان يَد بَيْضَاء أَي منَّة كَامِلَة فَيكون اسْتِعْمَال الْكَفّ على معنى الْيَد إِذْ كَانَ بِمَعْنى النِّعْمَة فعلى هَذَا يكون تَأْوِيل الْخَبَر
الْأَخْبَار عَن نعْمَة الله وفضله ولطفه وإقباله عَلَيْهِ بِأَن شرح صَدره وَنور قلبه وعرفه مَا لم يعرف وَعلم مَا لم يعلم
وَإِذا قُلْنَا إِن المُرَاد بِهِ الْقُدْرَة احْتمل أَن يكون الْمَعْنى إعترافه بِالْعَجزِ وَإِقْرَاره بقدرة الله على مَا فعل بِهِ من اللطف والعطف حَتَّى عرف كثيرا مِمَّا لم يعرفهُ
وَأما قَوْله بَين كنفي فَإِن كَانَ صَحِيحا فَالْمُرَاد بِهِ مَا أوصل إِلَى قلبه من لطفه وبره وزوائده وفوائده لِأَن الْقلب بَين الْكَتِفَيْنِ وَهُوَ مَحل الْأَنْوَار والعلوم والمعارف
وَقد رُوِيَ بَين كنفي وَالْمرَاد بذلك مَا يُقَال فِي قَول الْقَائِل
أَنا فِي كنف فلَان وَفِي جَانِبه وفنائه إِذا أَرَادَ بذلك أَنه فِي ظلّ نعْمَته وَرَحمته فَكَأَنَّهُ قَالَ
стр. 44
أفادني الرب تَعَالَى من رَحمته وإنعامه بِملكه وَقدرته حَتَّى علمت مَا لم اعلمه
وَأما قَوْله فَوجدت بردهَا فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك برد النِّعْمَة بِمَعْنى روحها وأثرها من قَوْلهم عَيْش بَارِد إِذا كَانَ رغدا فِي رفاهية وسعة وَالَّذِي يدل على أَن تِلْكَ الْفَوَائِد زَوَائِد معارف قَوْله على إِثْر ذَلِك
فَعلمت مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب لما نور قلبه وَشرح صَدره فَكَانَ ذَلِك بِإِظْهَار آثاره وتدبيره عَن رَحمته فِيهِ
وَإِنَّمَا حملناه على ذَلِك لإستحالة وصف الله تَعَالَى بالجوارح والآلة وَذَلِكَ لإستحالة أَن يكون ذَا بعض وعضو وَهَذَا هُوَ ثَمَرَة تَوْحِيد ذَاته وَوُقُوع الْمعرفَة بِكَوْن ذَاته شَيْئا وَاحِدًا
وَأما مَا روى ثَوْبَان ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر بعد قَوْله فَوضع كَفه بَين كَتِفي حَتَّى وجدت برد أنامله فِي صَدْرِي فَإِن تَأْوِيل الأنامل على معنى تَأْوِيل الْأَصَابِع
стр. 45
وَقد انْتَشَر فِي كَلَام أهل اللُّغَة لفُلَان على فلَان أصْبع حسن
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة
إِن الْعَرَب تَقول لفُلَان على سَابِقَة أُنْمُلَة أَي أصْبع حسن وَفِي نُسْخَة تَقول الْعَرَب لفُلَان على إبِله أصْبع حسن إِذا اسمنها وَأحسن إِلَيْهَا قَالَ الشَّاعِر ﴿ضَعِيف الْعَصَا بَادِي الْعُرُوق ترى لَهُ ... عَلَيْهَا إِذا مَا اجدب النَّاس اصبعا﴾
آي أثرا حسنا
وَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل أَن يكون تَأْوِيل الْخَبَر حَتَّى وجدت آثَار إحسانه وإمتنانه وَرَحمته فِي صَدْرِي فتجلى لَهُ عِنْد ذَلِك علم مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض برحمة الله وَفضل نعْمَته وسوقه الْخَيْر إِلَيْهِ فِي ذَلِك
وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا فِي اللُّغَة وَلَا يجوز وصف الله تَعَالَى بالجوارح والأبعاض كَانَ طَرِيق التَّأْوِيل فِيهِ مَا ذكرنَا
فَأَما مَا ذكر فِي هَذَا الْخَبَر من قَوْله ﵊ مجيبا لرَبه لما قَالَ لَهُ
стр. 46
فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى فَقَالَ لَا أَدْرِي فَوضع كَفه بَين كَتِفي إِلَى أَن ذكر فَعلمت مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ثمَّ قَالَ ﵊
فَقَالَ لي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى قلت لَا أَدْرِي بعد قَوْله فَعلمت مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَوجه ذَلِك مَا ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم من قَوْله
﴿يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول مَاذَا أجبتم قَالُوا لَا علم لنا إِنَّك أَنْت علام الغيوب﴾
فَيكون ذَلِك مِنْهُ أَو مِنْهُم على ترك التعالم عَلَيْهِ وَأَن يكون مُسْتَعْملا للأدب بِحَضْرَة من هُوَ أعلم مِنْهُ لِأَن الْوَاجِب من عَادَة ذَلِك حِين لَا يَدعِي الْعلم عِنْد من هُوَ أعلم مِنْهُ بِهِ وَعند من علمه ذَلِك الْعلم
وَيحْتَمل أَن يكون قد علم مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب بِأَن أرِي ذَلِك كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه قَالَ ﷺ
زويت لي الأَرْض فَأريت مشارقها وَمَغَارِبهَا
وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق بِالْعلمِ بِأَحْكَام الْعِبَادَات وَمَا عَلَيْهَا من وُجُوه الثَّوَاب والكرامات جَزَاء على الطَّاعَات وَهُوَ الَّذِي كشف عَنهُ عز ذكره لَهُ ﵊ بَعْدَمَا قَالَ لَا أَدْرِي
وَإِن حمل على ذَلِك لم يتناقض الْكَلَام وَصَحَّ الْجمع بَينهمَا على التَّرْتِيب الَّذِي رتبناه
стр. 47
ذكر خبر آخر مِمَّا ذكر فِيهِ الصُّورَة
وَهُوَ من الْأَخْبَار الَّتِي ذكرت فِي الصِّحَاح رفع الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ
فيأتيهم فِي صُورَة غير الصُّورَة الَّتِي يعرفونها فَيَقُول
أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك هَذَا مَكَاننَا حَتَّى يأتينا رَبنَا فَإِذا جَاءَ رَبنَا عَرفْنَاهُ
قَالَ فيأتيهم فِي الصُّورَة الَّتِي يعرفونها فَيَقُول أَنا ربكُم
فَيَقُولُونَ أَنْت رَبنَا فيأتونه
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر أَنه يَقُول لَهُم أَو تعرفونه إِذا رَأَيْتُمُوهُ
فَيَقُولُونَ نعم
فَيَقُول وبماذا تعرفونه
فَيَقُولُونَ بَيْننَا وَبَينه عَلامَة إِذا رَأَيْنَاهُ عَرفْنَاهُ
هَذَا الْخَبَر مَشْهُور وَفِيه طول وقصة ذكرنَا مِنْهُ مَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل وَتَأْويل ذَلِك وتخريجه يحْتَمل وجودهَا
أَحدهَا أَن تكون فِي هَا هُنَا بِمَعْنى الْبَاء كَمَا روينَا عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله
﴿فِي ظلل من الْغَمَام﴾
стр. 48
وَإِذا كَانَ سائغا فِي اللُّغَة إِبْدَال الْبَاقِي وَفِي بِالْبَاء لم يُنكر أَن يكون معنى فِي هَا هُنَا معنى الْبَاء
وَقد يسوغ أَيْضا فِي الْكَلَام وَلَا فرق فِيهِ بَين أَن يَقُول الْحَرَكَة فِي المتحرك وَالْحَرَكَة بالمتحرك وَإِذا كَانَ معنى الْبَاء أَعم فتقديره على هَذَا التَّخْرِيج والتأويل
أَن الله يَأْتِيهم يَوْم الْقِيَامَة بِصُورَة غير صورته الَّتِي يعرفونها فِي الدُّنْيَا وَتَكون الْإِضَافَة فِي الصُّورَة إِلَيْهِ من طَرِيق الْملك وَالتَّدْبِير كَمَا يُقَال سَمَاء الله وأرضه وَبَيت الله وناقته على وجهة الْملك وَالْفِعْل لَا على الْوَجْه الَّذِي لَا يَلِيق بِهِ فَيكون الْمَعْنى فِي ذَلِك أَن الْخلق عرفُوا الله بدلالاته المنصوبة وآياته الَّتِي ركبهَا فِي الصُّور وَهِي الْأَعْرَاض الدَّالَّة على حُدُوث الْأَجْسَام واقتضائها مُحدثا لَهَا من حَيْثُ كَانَا محدثين
وَأما الْإِتْيَان بِهِ فعلى معنى ظُهُور فعله لَهَا مِنْهُ وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى
﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾
стр. 49
وَقَوله تَعَالَى
﴿وَجَاء رَبك﴾
وَقَوله
﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ على أحد التَّأْوِيل
стр. 50
أما قَوْله غير الصُّورَة الَّتِي يعرفونها فَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِي ذَلِك أَنه يَأْتِيهم يَوْم الْقِيَامَة بِصُورَة على خلاف ذَلِك الشكل وَتلك الْهَيْئَة الَّتِي كَانَت الصُّورَة عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا مَا لم يعرفوه وَلم يعهدوه لَيْسَ ذَلِك مُنْكرا لِأَن عادات أهل الْقِيَامَة وَمَا يظْهر لَهُم من الْأَهْوَال وعجائب الْخلق من صُورَة الْمَلَائِكَة وزبانية الْعَذَاب وخزنة الْجنان مِمَّا لم يعهدوا على شكلها وهيئتها فِي الدُّنْيَا
وَأما قَوْله فَيَقُول أَنا ربكُم فقد قَالَ بعض أهل الْعلم
إِن هَذَا آخر محنة الْمُؤمن وَأَنه يظْهر هَذَا القَوْل فعلا من الله فِي بعض هَذِه الصُّور محنة للمكلفين فِي الدُّنْيَا من أهل الْإِيمَان فَيظْهر مِنْهُم عَن صدق توحيدهم وَصِحَّة إِيمَانهم مَا يكون إنكارا لذَلِك وَتَكون الْفَائِدَة فِيهِ يعرفنا تأييد الله تَعَالَى لأهل الْإِيمَان بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وتثبيته لَهُم كَمَا قَالَ
﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾
أَي يثبتهم فِي الدُّنْيَا على الْحق عِنْد ظُهُور القَوْل والمحن ويثبتهم فِي العقبى أَيْضا فِي مَوَاضِع المحن
стр. 51
وَإِنَّمَا قيل للدنيا دَار محنة وتكليف مُطلقًا وَإِن كَانَ من نوعها قد يَقع مِنْهَا فِي العقبى فَلَا يُطلق عَلَيْهَا أَنَّهَا دَار تَكْلِيف ومحنة بل يُقَال إِنَّهَا دَار جَزَاء لِأَن الْغَالِب ذَلِك عَلَيْهَا وَهَذَا كَمَال يقعل فِي الدُّنْيَا جَزَاء وَلَا يُضَاف إِلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يغلب عَلَيْهَا إِذا لم يكن بِهِ
وَأما قَوْله أَنهم يَقُولُونَ إِذا جَاءَ رَبنَا عَرفْنَاهُ فَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ مجيئا بِإِظْهَار فعل يبديه فِي قُلُوبهم من زَوَائِد يَقِين وَعلم وبصر عِنْدَمَا يحدث لَهُم من إِدْرَاكه ومعانيه لِأَن سَائِر مَا أضيف إِلَى الله تَعَالَى من إتْيَان ومجيء فَهُوَ لظُهُور نوع من تَدْبيره فِي فضل أَو عدل
وَأما قَوْله ﴿فيأتيهم فِي الصُّورَة الَّتِي يعرفونها﴾ فَإِن معنى الْإِتْيَان متأول على الْوَجْه الَّذِي مضى بَيَانه وَيكون تَقْدِير تَأْوِيله إِنَّه إِذا ظهر لَهُم نوع الصُّور الْمَعْهُودَة لَهُم شكلا وهيئه وَخلق إدراكهم بِهِ وخاطبهم بِأَن أسمعهم كَلَامه
стр. 52
وأفهمهم مُرَاده تثبتوا وأيقنوا أَن المكلم لَهُم هُوَ رَبهم عز ذكره وَتَكون الْفَائِدَة فِي ذَلِك تعريفنا مَا يَفْعَله الله فِي العقبى من ألطافه بأوليائه فِي عصمتهم وحراستهم وتثبيتهم وتأييدهم حَتَّى لَا يستفزهم مُشَاهدَة تِلْكَ الْأَهْوَال الْعَظِيمَة وَلَا يستخفهم أَمر تِلْكَ الصُّور الْمُنكرَة الَّتِي لم يعهدوا مثلهَا
وَأما قَوْله إِنَّه يَقُول لَهُم إِذا رَأَيْتُمُوهُ عرفتموه فَيَقُولُونَ نعم بَيْننَا وَبَينه عَلامَة الْخَبَر فَإِن معنى ذَلِك أنباؤنا بِحسن ثباتهم أَولا وآخرا وَذَلِكَ بِمَا وجده من فَضله فِي إدامة معرفتهم وبصيرتهم وَإِزَالَة قبُول الْخَطَأ والزيغ عَنْهُم
وَأما تَفْسِير الْعَلامَة وَذكر مَا بَينهَا فَمن أهل الْعلم من قَالَ
إِن تِلْكَ الْعَلامَة الَّتِي أشاروا إِلَيْهَا إِنَّا نعرفه بهَا هُوَ مَا بَينه وَبَين خلقه فِي الصُّور والأجسام من الْمُخَالفَة والمباينة وَأَنه لَا يشبه شَيْئا مِنْهَا وَلَا يُشبههُ شَيْء مِنْهَا
وَمِنْهُم من قَالَ
إِن تِلْكَ الْعَلامَة مَا مَعَهم من الْمعرفَة بِهِ وَأَنَّهُمْ عبدوه فِي الدُّنْيَا من معرفَة بمعبود
стр. 53
لَا يشبه شَيْئا مِمَّا عرفوه وَلَا يجوز أَن يشبه شَيْئا وَلَا أَن يُشبههُ شَيْء فَإِذا رَأَوْا مَا عرفوه بِمثل هَذِه الْمعرفَة علمُوا أَن الَّذِي رَأَوْهُ هُوَ الَّذِي عرفوه
فكون علامتهم عَن الرُّؤْيَة معرفتهم فَإِذا كَانَ مرئيهم فِي العقبى معروفهم فِي الدُّنْيَا أيقنوا أَنه معبودهم
وَحكي عَن ابْن أبي عَاصِم النَّبِيل أَنه كَانَ يَقُول فِي تَأْوِيل الحَدِيث
إِن ذَلِك تَغْيِير يَقع فِي عُيُون الرائين كنحو مَا يتخيل للْإنْسَان الشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ بِهِ فيتوهمه الشَّيْء على الْحَقِيقَة
وَاعْلَم أَنه لَا بُد أَن يحمل هَذَا الحَدِيث على نوع مِمَّا قُلْنَا لإستحالة أَن يكون الله تَعَالَى ذكره على صور كَثِيرَة يجهلونه مرّة ويعرفونه مرّة أَو يكون مِمَّن يحل الصُّور فتنتقل الصُّورَة لإستحالة أَن يكون الله حَالا ومحلا صُورَة أَو مصورا وَإِنَّمَا إِتْيَانه بالصورة بعد الصُّورَة من طَرِيق الْفِعْل كَمَا يحدث الشَّيْء بعد الشَّيْء ويغير الْجِسْم من حَال إِلَى حَال بإحداث تَغْيِير
وَإِضَافَة الصُّورَة إِلَيْهِ فِي هَذِه الْأَحَادِيث فَهِيَ بِمَعْنى الْملك وَالْفِعْل لَا بِمَعْنى التَّصَوُّر بالشَّيْء من الصُّور تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا لِأَن الْهَيْئَة وَالصُّورَة والتركيب والتأليف كل ذَلِك إِنَّمَا يَصح على الْأَجْسَام المحدودة والجواهر
стр. 54
المخلوقة وتعاقب الْحَوَادِث وَتغَير مَا تقوم بِهِ فِيهَا عَلامَة حدث مَا تقوم بِهِ
وَيحْتَمل أَيْضا وَجها آخر وَهُوَ أَن الصُّورَة هَا هُنَا بِمَعْنى الصّفة فَيكون تَقْدِير الْمَعْنى فِيهِ مَا يظْهر لَهُم من بطشه وَشدَّة بأسه يَوْم الْقِيَامَة وَإِظْهَار معايب الْخلق ومساويهم وفضائحهم وَإِنَّمَا عرفوه ساترا حَلِيمًا غفارًا كَرِيمًا فَيظْهر لَهُم مِنْهَا أَن ذَلِك مِنْهُ وَهُوَ معنى قَوْله فَيَقُول أَنا ربكُم على معنى قَول الْقَائِل قَالَت رجْلي فخذك وأذني فطنت على معنى ظُهُور ذَلِك فيهمَا فَيَقُولُونَ عِنْد ظُهُور ذَلِك مِنْهُ مستعيذين بِاللَّه
هَذَا مَكَاننَا أَي نَلْبَث وَنَصْبِر حَتَّى تظهر رَحمته وَكَرمه وَهُوَ إتْيَان الرب لَهُم بِإِظْهَار جوده لَهُم وَعطفه عَلَيْهِم فيأتيهم بعد ذَلِك عِنْد ثباتهم وَفِي الصُّورَة الَّتِي يعرفونها على معنى إبداء عَفوه ومغفرته وحلمه على الصّفة الَّتِي يعرفونه فِي الدُّنْيَا من ستره ومغفرته وحلمه
وَإِذا كَانَ لفظ الصُّورَة مُسْتَعْملا فِي معنى الصّفة كَمَا ذكرنَا فِي قَول الْقَائِل عرفني صُورَة من هَذَا الْأَمر أَي صفته لم يُنكر أَن تكون الْفَائِدَة فِي هَذَا الْخَبَر مَا قُلْنَا وَأَن يكون هَذِه الْأَلْفَاظ من متشابه أَلْفَاظ الْأَحَادِيث جَارِيَة مجْرى متشابه أَلْفَاظ أَي الْكتاب امتحانا بهَا أهل الْعلم لإستنباط الصَّحِيح من مَعَانِيهَا وَالْوُقُوف على الْحَد الْوَاجِب فِيهَا وافتتان أهل الْبَاطِن بهَا وخروجهم عَن الْهدى والرشد وَالْحق فِيهَا على النَّحْو الَّذِي جرى عَلَيْهِ حكم متشابه أَي الْكتاب ومحكمها
стр. 55
ذكر خبر آخر فِي معنى مَا تقدم ذكره
وَهَذَا النمط فِي هَذِه الْأَحَادِيث مَا رُوِيَ عَنهُ ﵊ أَيْضا من قَوْله
لَا شخص أحب للغيرة من الله سُبْحَانَهُ
وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث على وُجُوه أثبتها عِنْد أهل النَّقْل مَا رُوِيَ فِي أَنه قَالَ
لَا أحد أغير من الله تَعَالَى
وَرُوِيَ أَيْضا
لَا شَيْء أغير من الله تَعَالَى وَمن غيرته حرم الْفَوَاحِش // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَفِي هَذَا الْخَبَر مِمَّا يتَأَوَّل لفظان
أَحدهمَا لفظ الْغيرَة وَالثَّانِي معنى الشَّخْص
فَأَما معنى الْغيرَة فَهُوَ الزّجر وَالتَّحْرِيم لِأَن الغيور هُوَ الَّذِي يزْجر عَمَّا يغار عَلَيْهِ ويحظر الدنو مِنْهُ وَقد بَين عَقِبَيْهِ بقوله وَمن غيرته حرم الْفَوَاحِش أَي
стр. 56
زجر عَنْهَا وحظرها
وَقد رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن بعض أَزوَاجه ﷺ أَهْدَت إِلَيْهِ شَيْء فِي غير يَوْمهَا فَأخْبرت عَائِشَة ﵂ بذلك فبددته فَقَالَ ﷺ
غارت أمكُم أَي زجرت عَن إهداء مَا أنفذ
وَمِنْه أَيْضا مِمَّا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
إِن سعد بن عبَادَة سيدكم لغيور وَأَنا أغير مِنْهُ وَالله أغير مني // أخرجه البُخَارِيّ //
وَمعنى ذَلِك أَنه لزجور عَن الْمَحَارِم وَأَنا أزْجر مِنْهُ وَالله أزْجر من الْجَمِيع عَمَّا لَا يحب من الْأَفْعَال
وَأَن لفظ الشَّخْص فَغير ثَابت من طَرِيق السَّنَد وَإِن صَحَّ فَالْمَعْنى مَا بَينه فِي الحَدِيث الآخر وَهُوَ قَوْله لَا أحد وَاسْتعْمل لفظ الشَّخْص مَوضِع أحد على أَنه يحْتَمل أَن يكون هَذَا من بَاب الْمُسْتَثْنى من غير جنسه ونوعه وَمَا كَانَ من صفته كَمَا قَالَ الله تَعَالَى
﴿مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن﴾
وَلَيْسَ يظنّ من معنى الْعلم بِوَجْه كَذَلِك يكون تَقْدِيره إِن الْأَشْخَاص
стр. 57
الموصوفة بالغيرة لَا تبلغ غيرتها وَإِن تناهت غيرَة الله وَإِن لم يكن شخصا بِوَجْه وَإِنَّمَا منعنَا من إِطْلَاق الشَّخْص عَلَيْهِ تَعَالَى الْأُمُور
أَحدهَا أَن اللَّفْظ لم يثبت من طَرِيق السّمع
وَالثَّانِي أَن الْأمة قد اجْتمعت على الْمَنْع مِنْهُ
وَالثَّالِث أَن مَعْنَاهُ أَن يكون أجساما مُوَافقَة على نوع من التَّرْكِيب وَقد منعت الجسمية من إِطْلَاق الشَّخْص مَعَ قَوْلهم بالجسم فَدلَّ ذَلِك على تَأْكِيد مَا قُلْنَا من الْإِجْمَاع على مَنعه فِي صفته
стр. 58
ذكر خبر آخر فِي معنى مَا تقدم ذكره من حَدِيث الصُّورَة فِي خلق آدم ﵇
روى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
إِن الله تَعَالَى خلق آدم ﵇ من قَبْضَة قبضهَا من جَمِيع الأَرْض فجَاء بَنو آدم على قدر الأَرْض جَاءَ مِنْهُم الْأَحْمَر والأبيض وَالْأسود وَبَين ذَلِك والسهل والخشن والخبيث وَالطّيب وَبَين ذَلِك // أخرجه الإِمَام أَحْمد //
وَرُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار أَن الْملك الَّذِي حمل إِلَى الله الطين هُوَ الْمُسَمّى ملك الْمَوْت وَلذَلِك سلط على قبض الْأَرْوَاح
وَاعْلَم أَن تَأْوِيل القبضة على معنى الْجَارِحَة والعضو وَالْبَعْض مُسْتَحِيل كَونه جسما أَو أجساما على مَا تقدم ذكره وَبَيَانه من قبل
فإمَّا أَن يحمل القبضة على معنى الْقُدْرَة كَقَوْل الْقَائِل مَا فلَان إِلَّا فِي قبضتي على معنى أَنِّي قَادر عَلَيْهِ وعَلى هَذَا تأولوا قَوْله
﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته﴾
أَي تَحت قدرته وَملكه
وَقد قيل أَيْضا إِن معنى الْآيَة من قَوْله قَبضته أَن ذَلِك فِي حكم الفناء
стр. 59
تَحْقِيقا للمعاد واستشهدوا بقول الْقَائِل قبض الله نَفسِي إِلَيْهِ أَي أفناه
فَأَما المُرَاد بالقبضة فِي هَذَا الْخَبَر فَهُوَ اجْتِمَاع جملَة من أَجزَاء الْمَذْكُور فِيهِ من الطين شهت فِي إجتماعها بِالْجُمْلَةِ المجتمعة فِي قَبْضَة الْجَارِحَة
وَأما تَأْوِيل قَوْله ﷺ قبضهَا الرَّحْمَن فَيحْتَمل وُجُوهًا
أَحدهَا أَن يكون طَرِيق ذَلِك وتأويله على معنى إِظْهَار فعل كَمَا قَالَ الله تَعَالَى
﴿فطمسنا أَعينهم﴾
وكما قَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم﴾
وَلَيْسَ ذَلِك طمسا وختما على تَأْوِيل مَعْنَاهُ ومباشرة ومعالجة وممارسة لما يحدث فِيهِ الْفِعْل بل ذَلِك على سَائِر مَا يظْهر من أَفعاله عز ذكره لِأَنَّهُ يفعل أَفعاله إبتداء اخْتِيَارا بقدرته وإرادته وَأمره لَهُ كن فَيكون
وَيحْتَمل ذَلِك وَجها آخر وَهُوَ أَن يكون ذَلِك قبض جارحه وَلكنهَا لبَعض الْمَلَائِكَة وَلَا يمْتَنع وصف الْمَلَائِكَة بالجارحة فَقيل قبضهَا الرَّحْمَن على معنى أَن الْملك قبض على ذَلِك بِأَمْر الرَّحْمَن ومثاله فِي الْكَلَام الْجَارِي وَبَين النَّاس ضرب الْأَمِير اللص وَإِنَّمَا أمره لضربه وَالْأَصْل فِي ذَلِك إِضَافَة الْحَوَادِث إِلَى الْمَالِك لَهَا بِاللَّفْظِ الْأَعَمّ قد يُضَاف إِلَيْهِ بِاللَّفْظِ الْأَخَص فَإِن كَانَ متضمنة على التَّخْصِيص لَا
стр. 60
يصلح لَهُ على الْوَجْه الَّذِي يجْرِي على غَيره فَيحمل ذَلِك حِينَئِذٍ على المتعالم الْمَشْهُود بَين النَّاس وَأهل الْخطاب فِي نِسْبَة الْفِعْل بِاللَّفْظِ الْأَخَص إِلَى من أَمر بِهِ وَالْمرَاد بذلك أَنه حصل بِمَا أمره وَحدث بقدرته وَلَيْسَ بمنكر فِي الْعُقُول أَن يكون الله وَخلق طِينَة آدم ﵇ من أَجزَاء أَنْوَاع الطين وَأَن الْأَخْلَاق والخلق إختلفت وتفاوتت كَمَا تفاوتت أَجزَاء الطين لَا لأجل تفاوتها أوجب ذَلِك بل حدوثها على تِلْكَ الْوُجُوه لكنه جعلهَا عبرا وعلامات ربوبيته ووحدانيته الَّتِي حدثت عَلَيْهِ بقدرة الله وإختياره
стр. 61
ذكر خبر آخر فِي مثل هَذَا الْمَعْنى مِمَّا ذكر فِي خلق آدم ﵇
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
إِن الله خمر طِينَة آدم أَرْبَعِينَ صباحا ثمَّ خلطها بِيَدِهِ فَخرج كل طيب بِيَمِينِهِ وَخرج كل خَبِيث بِشمَالِهِ وَمسح إِحْدَى يَدَيْهِ بِالْأُخْرَى
تَأْوِيل ذَلِك
إعلم أَن قَوْله ﷺ إِن الله خمر طِينَة آدم ﵇ فَمَعْنَاه مَا ذكرنَا من إِضَافَة بعض أَفعاله على اللَّفْظ الْخَاص كَمَا يُقَال عذب وأنعم وحرك وَسكن وَالرُّجُوع فِي ذَلِك إِلَى حُدُوث الْمعَانِي مِنْهُ بقدرته وَيكون ذَلِك مَحْمُولا على حكم سَائِر أَفعاله فَإِنَّهَا تحدث مِنْهُ لَا على معاناه ومباشرة
وتخمير الطينة إِنَّمَا هُوَ تغيرها من هَيْئَة إِلَى هَيْئَة وتجديد ذَلِك عَلَيْهَا حَالا فحالا فِي هَذِه الْمدَّة الْمَذْكُورَة ليجعل هَيْئَة آدم ﵇ وَمَا خلق عَلَيْهَا عبر للمعتبرين وَأَن آدم ﵇ كَانَ أَصله طينا على هَذَا الْوَجْه هَذِه الْمدَّة الْمَذْكُورَة
стр. 62
وَيُشبه أَن يكون مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْخَبَر أَن النُّطْفَة تكون علقَة أَرْبَعِينَ ثمَّ تكون مُضْغَة مثلهَا إِلَى أَن ينْفخ فِيهَا الرّوح فَكَانَت مُدَّة تغير آدم ﵇ من هَيْئَة إِلَى هَيْئَة كنحو مُدَّة تغير النُّطْفَة وَإِن كَانَ أَمر النُّطْفَة مفارقا لِعَظَمَة آدم ﵇ من وُجُوه أخر
وَأما قَوْله ﵊ خلطها بِيَدِهِ فَإِن تَأْوِيل قَوْله خلطها على معنى مَا ذكرنَا من قَوْله خمر طِينَة آدم
وَقَوله من قَبْضَة قبضهَا الرَّحْمَن وكلا الْوَجْهَيْنِ من التَّأْوِيل سَائِغ
стр. 63
فِيهِ إِن قُلْنَا إِن ذَلِك إِظْهَار فعل وَإِضَافَة إِلَيْهِ بِاللَّفْظِ الْخَاص من جِهَة الْملك وَالتَّقْدِير سَائِغ
وَإِن قُلْنَا إِن ذَلِك على تَأْوِيل قَول الْقَائِل قتل الْأَمِير اللص على أَنه أَمر بِهِ وَإِن الْقَتْل حدث عَن ملكه وَحكمه كَانَ غير مُنكر أَيْضا
وَأعلم أَنه لَيْسَ المُرَاد بِالْيَدِ هَا هُنَا هُوَ المُرَاد بقوله ﴿خلقت بيَدي﴾ لِأَن الْخلق هُوَ الإحداث عَن الْعَدَم وخلط الشَّيْء بالشَّيْء بإحداث لَهُ
فَإِذا قُلْنَا إِن إِضَافَة هَذَا الْفِعْل لله من طَرِيق الْأَمر وَإِن ذَلِك حدث عَن أَيدي بعض المخلوقين من مَلَائكَته وخلقه فَإِنَّهُ لَا يُنكر أَن يكون خلط مُبَاشرَة بيد جارحة كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر الآخر أَن ذَلِك كَانَ ملكا من الْمَلَائِكَة أمره الله بِجمع أَجزَاء الطين من جملَة الأَرْض وَأمره أَن يخلطها بِيَدِهِ فَخرج كل طيب بِيَمِينِهِ وكل خَبِيث بِشمَالِهِ فَيكون الْيَمين وَالشمَال للْملك والخلط والتخمير مضافتين إِلَى الله تَعَالَى من حَيْثُ كَانَ عَن أمره وَحكمه وَجعل كَون بَعضهم من يَمِين الْملك عَلامَة لأهل الْخَيْر مِنْهُم وَكَون بَعضهم فِي شِمَاله عَلامَة لأهل الشَّرّ
стр. 64
مِنْهُم
وَكَذَلِكَ يُقَال فِي الْخَبَر الآخر
إِن الله خلق الطّيب من ذُريَّته فِي الْجَانِب الْأَيْمن من آدم والخبيث فِي الْجَانِب الشمَال وَكَذَلِكَ ينادون يَوْم الْقِيَامَة بأصحاب الْيَمين وَأَصْحَاب الشمَال على بعض مَا يذكر من وُجُوه تَأْوِيل قَوْله أَصْحَاب الْيَمين وَأَصْحَاب الشمَال فَإِن رَجَعَ بِالْيَمِينِ وَالشمَال إِلَى يَمِين الْملك وشماله وَكَانَ ذَلِك ابْتِدَاء مَا أَرَادَ أَن يضع الْعَلامَة على أهل الْخَيْر وَالشَّر ثمَّ جعلهَا فِي صلب آدم على هَذَا التَّقْدِير لم يكن مُنْكرا
стр. 65
وَيكون تَأْوِيل قَوْله وَمسح إِحْدَى يَدَيْهِ بِالْأُخْرَى على مَا ذكرنَا
إِن ذَلِك حَادث جرى على أَيدي بعض الْمَلَائِكَة لم يكن ذَلِك مُنْكرا وَيكون إِضَافَة الْيَدَيْنِ الْيَمين وَالشمَال إِلَى الْملك على طَرِيق أَنه جارحة لَهُ وَبَعض وَيكون إِضَافَة الْمسْح إِلَى الله من طَرِيق الْأَمر وَالْحكم وَالْفِعْل لَهُ التَّقْدِير وَيكون إِضَافَة الْوَجْه إِلَى الله على التَّأْوِيل الآخر بِمَعْنى الْملك وَالْقُدْرَة
وَيحْتَمل أَن يُقَال فِي قَوْله ثمَّ خلطها بِيَدِهِ أَي بِملكه وَقدرته وَلَا يجب على ذَلِك أَن يحمل قَوْله تَعَالَى خلقت بيَدي على مثل هَذَا التَّأْوِيل لوجوه تَأَكد بهَا ذَلِك وَفَارق بهَا الْمَذْكُور من الْيَد هَا هُنَا
وأحدها أَنه حمل ذَلِك على معنى الْقُدْرَة كَانَ فِيهِ إبِْطَال تَفْضِيل آدم على إِبْلِيس وَإِنَّمَا ذَلِك كَلَام جرى على طَرِيق الإحتجاج على إِبْلِيس فِي إمتناعه من السُّجُود لآدَم ﵇ وَفِي حمله على الْمقدرَة مَا يُوجب الْمُسَاوَاة وَإِسْقَاط مَوضِع الإحتجاج بِهِ على إِبْلِيس فِي تفضيله عَلَيْهِ
فَإِذا قُلْنَا إِن تَأْوِيل قَوْله ثمَّ خلطها بِيَدِهِ أَي يملكهُ وَقدرته فَإِنَّهُ يحْتَمل قَوْله فَخرج كل طيب بِيَمِينِهِ أَي بِمَا أنعم عَلَيْهِ من توفيقه وتسديده
وكل خَبِيث بِشمَالِهِ بِمَا حرمه من معونته ونصرته
стр. 66
وَالْعرب قد تسْتَعْمل لفظ الْيَمين على معنى الْجد والحظ من الْخَيْر قَالَ قَائِل
(إِذا مَا راية دفعت لمجد ... تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ)
أَي بجدار وبخت وحظ فِي الْوُصُول إِلَى المُرَاد
وَيحْتَمل قَوْله مسح إِحْدَى يَدَيْهِ بِالْأُخْرَى أَن يكون مَعْنَاهُ
إِن الله لما خلق الذُّرِّيَّة خلقهَا نَوْعَيْنِ طيبا وخبيثا وميزها وَجعل مَحل الطّيب جَانب الْيَمين عِنْد يَمِين السَّعَادَة والتوفيق وَجعل مَحل الْخَبيث جَانب الْيَسَار من آدم أَو من الْملك الَّذِي أمره بخلط الطينة كَانَ ذَلِك متميز الْعين وَالْحكم ثمَّ خلطها خلطا آخر وَهُوَ أَن يَجْعَل الطّيب فِي الْمحل الْخَبيث والخبيث فِي الْمحل الطّيب على تَأَول من تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى
﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾
أَن مَعْنَاهُ تولد الْكَافِر من الْمُؤمن وَالْمُؤمن من الْكَافِر لِأَن مَا يحصل عَن مسح إِحْدَى الْيَدَيْنِ بِالْأُخْرَى مختلط غير مُمَيّز فَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك مثل ضَرْبَة الله
стр. 67
تَعَالَى لتعريفه حكم السَّعَادَة والشقاوة بالفريقين من ذُرِّيَّة آدم فأفادنا بتعريف ذَلِك أَنه خلق طِينَة آدم ﵇ من أَنْوَاع طين مُخْتَلف ثمَّ خلق ذُريَّته نَوْعَيْنِ فِي محلين مُخْتَلفين من خليقته كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر على مِثَال الذَّر وَكَانَا متميزين فِي الْمحل فَلَمَّا حصلت فِي الترائب والأصلاب حصلت مختلطة غير مُمَيزَة فَكَذَلِك يخْتَلف الْأَحْوَال فِي حكم الْإِيمَان وَالْكفْر وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة على التناسل والتوالد وَإِذا احْتمل بعض مَا ذكرنَا وَكَانَ ذَلِك سائغا فِي الْعَرَبيَّة وَحصل مِنْهُ الْفَوَائِد على التَّأْوِيل الَّذِي ذكرنَا كَانَ أولى من أَن يعْتَقد فِيهَا مَا يُنَافِي التَّوْحِيد وَيُؤَدِّي إِلَى الْكفْر والتشبيه
стр. 68
ذكر خبر آخر فِي مثل هَذَا الْمَعْنى
وَقد رُوِيَ فِي هَذِه الْقِصَّة أَيْضا فِي خبر آخر
أَن الله لما قبض الذُّرِّيَّة من ظهر آدم بكفه قَالَ خُذ أَيهمَا شِئْت قَالَ
أخذت يَمِين رَبِّي وكلتا يَدَيْهِ يَمِين // أخرجه السُّيُوطِيّ فَفَتحهَا فَإِذا فِيهَا صُورَة آدم وَذريته
قَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع انْفَرد بِرِوَايَة هَذَا الحَدِيث حَاتِم بن إِسْمَاعِيل وَكَانَ ضَعِيفا والمقبري وَكَانَ مدلسا وانتشر عَنهُ كَانَ يُدَلس فِيمَا يرْوى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ فَلَعَلَّ هَذَا الحَدِيث من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ
فَأَما إِذا قيل على مَا فِيهِ أمكن أَن يكون تَأْوِيله على بعض هَذِه الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا
أما قَوْله قبض الذُّرِّيَّة من ظهر آدم فَلَعَلَّ الْوَجْه الَّذِي بَينا تَأْوِيله أَن القبضة أضيفت إِلَيْهِ ملكا وفعلا وتقديرا أَو حكما وأمرا
وَأما الْكَفّ فقد ذكرنَا فِيمَا قبل أَنه يحْتَمل وُجُوهًا وَذكرنَا شَوَاهِد ذَلِك
فَإِن حمل على معنى الْقُدْرَة وَالْملك صَحَّ وَإِن حمل على معنى النِّعْمَة والأثر الْحسن صَحَّ لِأَن ذَلِك مِمَّا حدث فِي ملكه بقدرته وَعَن ظُهُور نعْمَته عل بَعضهم وآثاره الْحَسَنَة فيهم
стр. 69
وَأما قَوْله ﵇ أخذت يَمِين رَبِّي فَيحْتَمل وَجها
أَحدهَا أَن الْيَمين لما كَانَ محلا للطيب من ذُريَّته اخْتَار مَا كَانَ اخْتَارَهُ الله وأضيف الْيَمين من الله تَعَالَى إِلَى الله تَعَالَى من طَرِيق الْملك وَالْقُدْرَة وَالْفِعْل الَّذِي جعله فِي الْيَمين من أهل السَّعَادَة وهم أولياؤه فقد أَخَذته على معنى أخترتهم وواليتهم وأحببتهم
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك على معنى مَا ذكرنَا من قَوْلهم تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ
وَيكون الْيَمين من الْيمن فأثر الله من ظَهرت فيهم وُجُوه الْبركَة واليمن والسعادة من الله وأضيف الْيَمين إِلَى الله على معنى أَنه هُوَ الَّذِي أسعد بِهِ
وَقَوله وَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع مَعْنَاهُ أَنِّي رددت أَمْرِي فِي ذَلِك إِلَى رَبِّي تَعَالَى واخترت مَا اخْتَار وفوضت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ خُذ أَيهمَا شِئْت فَترك أَن يخْتَار ورد الْأَمر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ أَرَادَ اخْتَرْت مَا يخْتَار وآثرت مَا يؤثره
وَأما قَوْله ﷺ
وكلتا يَدَيْهِ يَمِين فقد ذكر بعض مَشَايِخنَا فِي تَأْوِيل ذَلِك أَنه كَانَ يَقُول
إِن الله عز ذكره الْمَوْصُوف بيد الصّفة لَا بيد الْجَارِحَة وَإِنَّمَا تكون يَد الْجَارِحَة
стр. 70
يَمِينا وَشمَالًا لِأَنَّهُمَا يكونَانِ لتبعيض وتجزيء ذِي أَعْضَاء وأغيار وَلما لم يكن مَا وصف الرب بِهِ يَد جارحة وَبَين النَّبِي ﷺ ذَلِك بقوله وكلتا يَدَيْهِ يَمِين أَي لَيست هِيَ يَد جارحة
وَقيل أَيْضا فِي ذَلِك إِن المُرَاد أَن الله عز ذكره لما وصف باليدين وَيَد الْجَارِحَة تكون إِحْدَاهمَا يَمِينا وَالْأُخْرَى شمالا واليسرى تنقص أبدا فِي الْغَالِب عَن الْيَمين فِي الْقُوَّة والبطش عرفنَا ﷺ كَمَال صفة الله وَأَنه لَا نقص فِيهَا وَأَن مَا وصف بِهِ من الْيَدَيْنِ لَيْسَ كَمَا وصف بِهِ ذُو الْجَوَارِح الَّذِي تنقص مياسره عَن ميامنه
وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون معنى ذَلِك أَن آدم ﵇ لما قيل لَهُ خُذ أَيهمَا شِئْت
فَقَالَ أخذت يَمِين رَبِّي وكلتا يَدَيْهِ يَمِين إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ بَيَان الشُّكْر وَالنعْمَة لَا بَيَان الحكم والإعتراف بِالْملكِ فَذكر الْفضل وَالنعْمَة لِأَن جَمِيع مَا بيدَيْهِ جلّ وَعز من مننه فضل وَطول مُبْتَدأ فَمن منفوع يَنْفَعهُ وَمن مَدْفُوع عَنهُ يَحْرُسهُ فقصد قصد الشُّكْر والتعظيم للمنة وَأَن مَا اخْتَارَهُ هُوَ الْكل والجميع حظا مِمَّا وَرَاءه تصغيرا لَهُم وتهجينا
وَقَالَ بَعضهم معنى كلتا يَدَيْهِ يَمِين أَرَادَ وصف الرب تَعَالَى بغاية الْجُود وَالْكَرم وَالْإِحْسَان وَالْفضل وَذَلِكَ لِأَن الْعَرَب تَقول لمن هُوَ كَذَلِك كلتا يَدَيْهِ يَمِين وَإِذا نقص حَظّ الرجل وبخس نصِيبه قبل جعل سَهْمه فِي الشمَال وَإِذا لم
стр. 71
يكن عِنْده إجتلاب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة قيل لَيْسَ فلَان بِالْيَمِينِ وَلَا بالشمال وَلذَلِك قَالَ الفرزدق يمدح
كلتا يَدَيْهِ يَمِين غير مُخْتَلفَة
стр. 72
ذكر خبر آخر فِي هَذَا الْمَعْنى
وَرُوِيَ فِي خبر آخر أَن يَمِين الله سُبْحَانَهُ سحاء لَا يغيضها شَيْء
مَعْنَاهُ عطايا الله كَثِيرَة لَا ينقصها شَيْء وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ذهب المرار الشَّاعِر حَيْثُ يَقُول
(وَإِن على الأوايد من عقيل ... فَهَل كلتا يَدَيْهِ لَهُ يَمِين)
والعبر تعبر عَن النعم والأفضال بِالْيَدِ وَالْيَمِين كلتيهما
وَرُوِيَ فِي هَذَا الْخَبَر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَات يَوْم لنسائه أَطْوَلكُنَّ يدا أَسْرَعكُنَّ موتا // أخرجه مُسلم
فَكُن يتذارعن فَكَانَت سَوْدَة أَطْوَلهنَّ يدا فَلَمَّا توفّي رَسُول الله ﷺ كَانَت زَيْنَب أولهنَّ موتا بعده
فَقُلْنَ كَيفَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا قَالَ ثمَّ ذكرن أَنَّهَا كَانَت أَطْوَلهنَّ يدا فِي
стр. 73
الْخَيْر
فَبَان الْخَيْر أَن الْعَرَب تعبر عَن النعم وَالْأَفْضَل بِالْيَدِ وَالْيَمِين
стр. 74
ذكر خبر آخر فِي هَذَا الْمَعْنى
وَمثل هَذَا الْخَبَر مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
المقسطون عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن // أخرجه مُسلم
وَقد تَأَول النَّاس ذَلِك على تأولين
فَمنهمْ من قَالَ مَعْنَاهُ عَن يَمِين عرش الرَّحْمَن على طَريقَة الْعَرَب فِي الْحَذف والإضمار كَمَا قَالَ الْقَائِل
(واستب بعْدك يَا كُلَيْب الْمجْلس ... )
يَعْنِي أهل الْمجْلس وكما قَالَ
﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ أَي حبه
وَقَالَ بَعضهم معنى قَوْله عَن يَمِين الرَّحْمَن أَرَادَ بِهِ الْمنزلَة الرفيعة وَالْمحل الْعَظِيم وَهَذَا سَائِغ فِي لُغَة الْعَرَب وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ كَانَ فلَان عندنَا بِالْيَمِينِ اي كَانَ لَهُ عندنَا الْمحل الْجَلِيل والرتبة الْعَظِيمَة وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر
(أَقُول لناقتي إِذْ بلغتني ... لقد أَصبَحت عِنْدِي بِالْيَمِينِ)
أَي الْمحل الْجَلِيل وَإِذا كَانَ هَذَا مَعْرُوفا فِي اللُّغَة فِيمَا بَينهم واستحال
стр. 75
وصف الله تَعَالَى بِالْحَدِّ والجهة وَالْبَعْض والغاية والتأليف والممارسة وَجب أَن يكون مَحْمُولا على مَا قُلْنَا
следующие страницы →