Полный текст (433 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
يكن عِنْده إجتلاب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة قيل لَيْسَ فلَان بِالْيَمِينِ وَلَا بالشمال وَلذَلِك قَالَ الفرزدق يمدح
كلتا يَدَيْهِ يَمِين غير مُخْتَلفَة
стр. 72
ذكر خبر آخر فِي هَذَا الْمَعْنى
وَرُوِيَ فِي خبر آخر أَن يَمِين الله سُبْحَانَهُ سحاء لَا يغيضها شَيْء
مَعْنَاهُ عطايا الله كَثِيرَة لَا ينقصها شَيْء وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ذهب المرار الشَّاعِر حَيْثُ يَقُول
(وَإِن على الأوايد من عقيل ... فَهَل كلتا يَدَيْهِ لَهُ يَمِين)
والعبر تعبر عَن النعم والأفضال بِالْيَدِ وَالْيَمِين كلتيهما
وَرُوِيَ فِي هَذَا الْخَبَر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَات يَوْم لنسائه أَطْوَلكُنَّ يدا أَسْرَعكُنَّ موتا // أخرجه مُسلم
فَكُن يتذارعن فَكَانَت سَوْدَة أَطْوَلهنَّ يدا فَلَمَّا توفّي رَسُول الله ﷺ كَانَت زَيْنَب أولهنَّ موتا بعده
فَقُلْنَ كَيفَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا قَالَ ثمَّ ذكرن أَنَّهَا كَانَت أَطْوَلهنَّ يدا فِي
стр. 73
الْخَيْر
فَبَان الْخَيْر أَن الْعَرَب تعبر عَن النعم وَالْأَفْضَل بِالْيَدِ وَالْيَمِين
стр. 74
ذكر خبر آخر فِي هَذَا الْمَعْنى
وَمثل هَذَا الْخَبَر مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
المقسطون عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن // أخرجه مُسلم
وَقد تَأَول النَّاس ذَلِك على تأولين
فَمنهمْ من قَالَ مَعْنَاهُ عَن يَمِين عرش الرَّحْمَن على طَريقَة الْعَرَب فِي الْحَذف والإضمار كَمَا قَالَ الْقَائِل
(واستب بعْدك يَا كُلَيْب الْمجْلس ... )
يَعْنِي أهل الْمجْلس وكما قَالَ
﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ أَي حبه
وَقَالَ بَعضهم معنى قَوْله عَن يَمِين الرَّحْمَن أَرَادَ بِهِ الْمنزلَة الرفيعة وَالْمحل الْعَظِيم وَهَذَا سَائِغ فِي لُغَة الْعَرَب وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ كَانَ فلَان عندنَا بِالْيَمِينِ اي كَانَ لَهُ عندنَا الْمحل الْجَلِيل والرتبة الْعَظِيمَة وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر
(أَقُول لناقتي إِذْ بلغتني ... لقد أَصبَحت عِنْدِي بِالْيَمِينِ)
أَي الْمحل الْجَلِيل وَإِذا كَانَ هَذَا مَعْرُوفا فِي اللُّغَة فِيمَا بَينهم واستحال
стр. 75
وصف الله تَعَالَى بِالْحَدِّ والجهة وَالْبَعْض والغاية والتأليف والممارسة وَجب أَن يكون مَحْمُولا على مَا قُلْنَا
стр. 76
ذكر خبر آخر فِي هَذَا الْمَعْنى
وَمثله أَيْضا مَا رُوِيَ فِي خبر آخر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ
الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي أرضه يُصَافح بهَا من شَاءَ من خلقه // رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ //
وَقد تَأَول أهل الْعلم ذَلِك على وَجْهَيْن من التَّأْوِيل
أَحدهمَا أَن المُرَاد بذلك الْحجر أَنه من نعم الله على عباده بِأَن جعله سَببا يثابون على التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى بمصافحته فيؤجرون على ذَلِك وَقد بَينا أَن الْعَرَب تعبر عَن النعم بِالْيَمِينِ وَالْيَد كَمَا ذكرنَا قبل
وَزعم بَعضهم أَن هَذَا تَمْثِيل وَأَصله أَن الْملك إِذا صَافح رجلا قبل الرجل يَده فَكَأَن الْحجر لله تَعَالَى بِمَنْزِلَة الْيَمين لملك ليستلم ويلثم
стр. 77
وَقد رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الله أَخذ الْمِيثَاق من بني آدم وأشهدهم على أنفسهم
أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى
جعل ذَلِك فِي الْحجر الْأسود فَلذَلِك يُقَال عِنْده إِيمَانًا بك ووفاء بعهدك
стр. 78
وَيحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن يكون قَوْله الْحجر يَمِين الله فِي أرضه إِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَيْهِ على طَرِيق التَّعْظِيم للحجر وَهُوَ فعل من أَفعَال الله سَمَّاهُ يَمِينا وَنسبه إِلَى نَفسه وَأمر النَّاس بإستلامه ومصافحته ليظْهر طاعتهم بالإئتمار وتقربهم إِلَى الله فَيحصل لَهُم بذلك الْبركَة والسعادة
стр. 79
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن الله تَعَالَى لما قضى خلقه إستلقى وَوضع أحدى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى ثمَّ قَالَ
لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يفعل مثل هَذَا
وأكدوا ذَلِك بِمَا رُوِيَ عَن كَعْب أَنه نهى الْأَشْعَث بن قيس أَن يضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَقَالَ إِنَّهَا جلْسَة الرب تَعَالَى
تَأْوِيل ذَلِك أعلم أَن قَوْله لما قضى خلقه أَي لما أتم خلقه مَا أَرَادَ أَن يخلق من السَّمَاوَات وَالْأَرضين وَمَا بَينهمَا وَمثله فِي اللُّغَة قضى فلَان دينه وَصلَاته أَي أَدَّاهُ وَمثله قَوْله تَعَالَى
﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ أَي خَلقهنَّ
وَقَوله ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ أَي فرغ مِنْهَا وَأديت
وَأما قَوْله اسْتلْقى فقد تَأَول أهل الْعلم ذَلِك على وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد بِهِ أَن الله لما خلق مَا أَرَادَ أَن يخلق من السَّمَوَات وَالْأَرضين وَمَا بَينهمَا ترك أَن يخلق أمثالهم دَائِما أبدا وَلَو شَاءَ لأدام ذَلِك لِأَن هَذِه كلمة تسْتَعْمل فِي اللُّغَة وَالْعَادَة على هَذَا الْمَعْنى كثيرا وَيُقَال مثله لمن عمل
стр. 80
أعمالا ثمَّ ترك أَن يفعل مثلهَا ويديم ذَلِك وَإِذا قيل للْإنْسَان فعل وَوضع فَإِنَّهُ يكون بمعاناة وحركة وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك وَإِنَّمَا هَذَا كالمثل الْمَضْرُوب بَين النَّاس فَيُقَال بني فلَان دَاره وعجدها واستلقى على ظَهره وَإِن لم يكن قد اضْطجع على التَّمْثِيل بِمن كَانَ على هَيْئَة من يفرغ من عمله وَلم يرد أَن يفعل مثل مَا فعل
والتأويل الثَّانِي أَن يكون مَعْنَاهُ لما خلق الله مَا أَرَادَ أَن يخلقه من هَذِه الْجمل الَّتِي خلقهَا إستلقى على معنى ألْقى بَعْضهَا على بعض فَجعل السَّمَاء فَوق الأَرْض
﴿وَألقى فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بكم﴾
وَجعل سَمَاء فَوق سَمَاء إِلَى الْعَرْش أطباقا بَعْضهَا فَوق بعض وَيكون دُخُول السِّين وَالتَّاء فِي القى هَا هُنَا على معنى قَول الْقَائِل إستدعى وإستبرأ وَنَحْوه إِذا أَرَادَ الدُّعَاء والبراءة فَلَمَّا خلق الله مَا خلق وَأَرَادَ أَن يلقِي بعضه على بعض قيل لَهُ إستلقى على معنى ألْقى شَيْئا مِنْهُ على شَيْء وَهُوَ على الْهَيْئَة الْمَعْرُوفَة الْمُعْتَادَة
وَأما قَوْله ثمَّ وضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى فَفِيهِ أَيْضا وَجْهَان من التَّأْوِيل
أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد بِهِ أَن الله خلقهمْ فريقين وزوجين شقيا وسعيدا وغنيا وَفَقِيرًا وصحيحا وسقيما فَسمى كل صنف مِنْهَا رجلا ثمَّ وضع إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى مَعْنَاهُ أَنه رفع قوما على قوم فَجعل بَعضهم ملوكا وَبَعْضهمْ عبيدا وَبَعْضهمْ سادة للخير والمحنة
стр. 81
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون الله تَعَالَى سمى الجماعتين رجلَيْنِ لِأَن الْعَرَب تسمى الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة رجلا وَلذَلِك يَقُولُونَ مر بِنَا رجل من جَراد أَي جمَاعَة كَثِيرَة
وَأما معنى النِّسْبَة إِلَيْهِ فَمن طَرِيق الْفِعْل وَالْملك كَمَا نسب روح آدم إِلَيْهِ
وَأما مَا رُوِيَ عَن كَعْب فِي نَهْيه الْأَشْعَث عَن وضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى فقد قيل إِن كَعْبًا كَانَ يَأْخُذ الْعلم من الْكتب وَفِي الْكتب تَحْرِيف لما أخبرنَا الصَّادِق بِأَنَّهُم حرفوه وبدلوه على أَن كَعْبًا لم يقل أَيْضا أَي رب هُوَ وَذَلِكَ لفظ مُشْتَرك
وَيحْتَمل أَن يخرج ذَلِك أَيْضا على أَن مَعْنَاهُ إِن هَذَا جلْسَة الْجَبَابِرَة فزجروه عَن التَّشْبِيه بهم لِأَن الْعَرَب تَقول للمعظم الشَّأْن الرب وَتَحْقِيق ذَلِك مَا قَالَ الحكم بن عتيبة عَن أبي مجلز قَالَ
سَأَلته عَن الرجل يجلس وَيَضَع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى قَالَ لَا بَأْس إِنَّمَا كره ذَلِك أهل الْكتاب زَعَمُوا أَن الله سُبْحَانَهُ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ إستوى على الْعَرْش يَوْم السبت فَجَلَسَ تِلْكَ الجلسة وَأنزل الله تَعَالَى
﴿وَلَقَد خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب﴾ وَبلغ الْحسن ذَلِك فَقَالَ
إِنَّمَا ذَلِك شَيْء كَانَت الْيَهُود تَقوله فَلَمَّا جَاءَ الْمُسلمُونَ أَنْكَرُوا ذَلِك
стр. 82
وروى الزُّهْرِيّ عَن عباد بن تَمِيم الْمَازِني عَن عَمه عبد الله بن زيد قَالَ
رَأَيْت رَسُول الله ﷺ مُسْتَلْقِيا فِي الْمَسْجِد وَاضِعا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر يفْعَلَانِ ذَلِك رَضِي الله عَنْهُمَا
стр. 83
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويومهم ظَاهره التَّشْبِيه
وَهُوَ من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَن أهل النَّقْل
روى قَتَادَة عَن أنس وَابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
إِن جَهَنَّم لن تمتلئ حَتَّى يضع الْجَبَّار قدمه فِيهَا فَتَقول قطّ قطّ // أخرجه الإِمَام أَحْمد //
стр. 84
وَقد رُوِيَ من وَجه غير ثَابت عَن أهل النَّقْل حَتَّى يضع الْجَبَّار رجله فِيهَا فتنزوي فَيَقُول قطّ قطّ
أعلم أَن هَذَا الْخَبَر مِمَّا طلب أهل الْعلم قَدِيما وحديثا تَأْوِيله وتخريجه بِحسن طَرِيقه وَصِحَّة سَنَده وَقد حمل كل فريق مِنْهُم ذَلِك على تَأْوِيل رَأَوْهُ صَوَابا فَمن ذَلِك مَا يحْكى عَن الْفضل بن شمبل أَنه كَانَ يَقُول
إِن معنى الْقدَم هَا هُنَا هم الْكفَّار الَّذِي سبق فِي علم الله تَعَالَى أَنهم من أهل النَّار
وَحمل معنى الْقدَم على أَنه هُوَ الْمُتَقَدّم لِأَن الْعَرَب تَقول للشَّيْء الْمُتَقَدّم قدم وَقدم وعَلى ذَلِك تَأْوِيل المتأولون قَوْله
﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾
أَي سَابِقَة صدق
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي
الْقدَم هُوَ الْمُتَقَدّم فِي الشّرف وَالْفضل خُصُوصا والقدم هُوَ الْمُتَقَدّم وَإِن لم يكن فِيهِ شرف
стр. 85
وَقَالَ وضاح الْيَمين
(صل لِرَبِّك وَاتخذ قدما ... ينجيك يَوْم العثار والزلل)
الصَّوَاب صل لمولاك أَرَادَ بذلك معنى من الْفضل يتَقَدَّم ربه
وَقَالَ آخر
(فقدت بِهِ قدم الفخار فَأَصْبَحت أنسا بِهِ منقضة من حالق ... )
أَرَادَ بذلك مَا تقدم من الشّرف وَمَا يفتخر بِهِ أَنه عدم ذَلِك وفقده
وَقَالَ العجاج
(ذل بَنو الْعَوام عَن آل الحكم ... وَنَشَأ الْملك بِملك ذِي قدم) أَي مُتَقَدم فِي الشّرف وَالْملك
وَقَالَ بَعضهم الْقدَم خلق من خلق الله يخلقه يَوْم الْقِيَامَة فيسميه قدما ويضيفه إِلَيْهِ من طَرِيق الْفِعْل وَالْملك يَضَعهُ فِي النَّار فتمتلئ مِنْهُ
وَقَالَ بَعضهم إِن المُرَاد هَا هُنَا قدم بعض خلقه فأضيف إِلَيْهِ كَمَا يُقَال ضرب الْأَمِير اللص فيضاف الضَّرْب إِلَيْهِ على معنى أَنه من أمره وَحكمه
стр. 86
وَقَالَ بَعضهم إِن الْجَبَّار هَا هُنَا يحْتَمل أَن يكون أُرِيد بِهِ الْمَوْصُوف بالتجبر من الْخلق لِأَن ذَلِك من الْأَوْصَاف الْمُشْتَركَة وَلَيْسَت هِيَ من الْأَوْصَاف الْخَاصَّة لله تَعَالَى وَذَلِكَ من وصف الْكفَّار أَلا تسمع قَوْله
﴿كل جَبَّار عنيد﴾
فِي وصف الْكفَّار
فَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل أَن يُرِيد بقوله الْجَبَّار جِنْسا من الجبارين وهم الْكَفَرَة المعاندون أَرَادَ يعرفنا إمتلاء النَّار بهم وَإِن جَهَنَّم لن تمتلئ إِلَّا بهم
وَقَالَ بَعضهم الْجَبَّار هَهُنَا إِبْلِيس وشيعته ذَلِك أَنه أول من استكبر على الله سُبْحَانَهُ فِي وَصفه
﴿إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر وَكَانَ من الْكَافرين﴾
стр. 87
والتجبر والإستكبار بِمَعْنى وَاحِد وجهنم تمتلئ بِهِ وبشيعته وَأَتْبَاعه وَلَا يُنكر وَصفهم بالجوارح والأعضاء وَإِذا احْتمل لفظ الْقدَم هَذِه الْمعَانِي فَكَذَلِك يحْتَمل لفظ الْجَبَّار أَن يُرَاد بِهِ غير الله من المتجبرين لم يكن لحمله على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه من إِضَافَة الْجَوَارِح والأبعاض إِلَيْهِ
وفأما من روى هَذَا الحَدِيث على لفظ الرجل فقد قُلْنَا إِن هَذَا غير ثَابت عِنْد أهل النَّقْل وَإِن ثَبت فَمَعْنَاه لَا يَخْلُو من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا
أما أَن يُرِيد بِهِ رجل بعض خلقه وأضيف إِلَيْهِ ملكا وفعلا أَو يُرَاد بِهِ رجل
стр. 88
المتجبر المتكبر من خلقه أما أَوَّلهمْ وَهُوَ إِبْلِيس أَو من بعده من أَتْبَاعه
وَقيل أَيْضا إِن الرجل فِي اللُّغَة يُقَال للْجَمَاعَة الْكَبِيرَة تَشْبِيها بِرَجُل الْجَرَاد لِأَن الْعَرَب تَقول
مر بِنَا رجل من جَراد أَي قِطْعَة مِنْهُ فَيكون معنى الْخَبَر حَتَّى يدخلهَا خلق كَثِيرُونَ ويشبهون من الْكَثْرَة الْجَمَاعَات بِرَجُل الْجَرَاد وَفِي ذَلِك أنْشد قَول الْقَائِل
مَتى انزوى إِلَيْهِم من الْحَيّ اليمانين أرجل
أَي جماعات كَثِيرَة
وَإِذا كَانَ هَذَا مَعْرُوفا فِي اللُّغَة فَحمل الْخَبَر على مثله أهْدى إِلَى الْحق وَأولى فِي وصف الرب الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
وَأما قَوْله تَقول قطّ قطّ أَي حسبي كَمَا يَقُول الْعَرَب
(امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني ... مهلا رويدا قد مَلَأت بَطْني)
وَيُقَال أَيْضا إِن ذَلِك حِكَايَة صَوت جَهَنَّم
стр. 89
وَقد رُوِيَ فِي نَحْو ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
كَثَافَة جلد الْكَافِر فِي النَّار تبلغ أَرْبَعِينَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْجَبَّار
وَهَذَا مِمَّا يبين لَك أَن لفظ الْجَبَّار لَيْسَ مِمَّا لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي صفة الله لِأَن المُرَاد بالجبار هَهُنَا الْمَوْصُوف بطول الذِّرَاع وَعظم الْجَسَد وَالْعرب تَقول نَخْلَة جبارَة إِذا كَانَت طَوِيلَة يفوت الْيَد طولهَا وَكَذَا قَالَ
﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بجبار﴾
وَإِذا كَانَ لفظ الْجَبَّار مُحْتملا لما قُلْنَا وَلَا يسوغ وصف الله سُبْحَانَهُ بالأبعاض والأجزاء وَكَانَ حملنَا لَهُ على ذَلِك يُفِيد فَائِدَة متجددة لم يكن لحمله على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَجه من توهم الْجَارِحَة والأداة والعضو والآلات فِي صفته
стр. 90
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
مِمَّا ذكره النَّاس فِي هَذَا الْبَاب مِمَّا يدْخل فِي مَعْنَاهُ هُوَ مَا رُوِيَ عَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى يَقُول لداود ﵇ يَوْم الْقِيَامَة
مر بَين يَدي فَيَقُول إِنِّي أَخَاف أَن تدحضني خطيئتي فِي النَّار
فَيَقُول مر خَلْفي
فَيَقُول إِنِّي أَخَاف أَن تدحضني خطيئتي
فَيَقُول خُذ بقدمي فَيَأْخُذ بقدمه فيمر
قَالَ فَتلك الزلفى الَّتِي قَالَ الله سُبْحَانَهُ
﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ ذكر تَأْوِيل ذَلِك
أعلم أَولا أَن عبيد بن عُمَيْر لَيْسَ بِحجَّة وَلَا هُوَ مِمَّن يجوز أَن يعْتَقد فِي الله أَنه مَحْدُود بقوله على أَنا نذْكر لكَلَامه وَجها صَحِيحا وتأويلا قَرِيبا فَنَقُول
стр. 91
يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله لداود مر بَين يَدي أَي حاسب نَفسك قبل أَن أَسأَلك فَتكون محاسبتك لنَفسك أجدى عَلَيْك مِنْهَا قبل أَن أَسأَلك عَنْهَا وتصديق ذَلِك قَوْله عز ذكره
﴿لَا تقدمُوا بَين يَدي الله﴾
أَي لَا تسبقوا قبل حكم الرَّحْمَن عَلَيْكُم فِي الشَّيْء فَكَذَلِك قَوْله لداود ﵇
مر بَين يَدي أَي خُذ فِي محاسبتك لنَفسك قبل مَسْأَلَتي لَك
فَيَقُول دَاوُد ﵇
أَخَاف أَن تدحضني خطيئتي أَي إِذا حاسبت نَفسِي وَلم تصفح عني فِي محاسبتي لنَفْسي بِأَن تستر عَليّ وَتَعْفُو عني
وَكَذَلِكَ فِي خلف تَأْوِيله مثل ذَلِك لما قَالَ مر من خَلْفي فَقَالَ أَخَاف أَن تدحضني خطيئتي إِنَّمَا أَخَاف أَن يَبْتَدِئ بمحاسبة نَفسه
فَقَالَ مَا تبدي بِالْمَسْأَلَة ليَكُون جوابك بعد مَا أَسأَلك فخاف مثل ذَلِك
فَقَالَ خُذ بقدمي أَي بِمَا قدمت لَك من الْعَفو والغفران وَالرَّحْمَة فقد صفحت عَنْك وغفرت لَك وَتقدم حكمي بذلك سَابق علمي
وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن مثل هَذَا اللَّفْظ قد يسْتَعْمل فِيمَا لَيْسَ بمحدود أَيْضا وَلَا متناه وَلَا ذِي جوارح كَقَوْلِه عز وَجل
стр. 92
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾
وَلم يرد الأمكنه بل أَرَادَ فِيمَا تقدم من قَول الْكَافرين وَلَا الْبَاطِل الَّذِي يَأْتِي من بعده
وَقَوله خُذ بقدمي إِلَيْك كَمَا يُقَال فِيمَا بَيْننَا خُذ بإحساني إِلَيْك ودع مَا أَسَأْت إِلَيّ وَلَا تَأْخُذ بِهِ وَالَّذِي يُؤَيّد جَمِيع ذَلِك قَوْله فِي آخر الْقِصَّة فَتلك الزلفى قَالَ
﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾
يكْشف لَك عَن المُرَاد أَنه أُرِيد بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من تقدم الرَّحْمَة لَهُ لَا قدم جارحة على النَّحْو الَّذِي تأولنا عَلَيْهِ
قَوْله حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه
وَفسّر الْمُفَسِّرُونَ قَوْله إِن لَهُم قدم صدق إِن ذَلِك لَيْسَ يرجع إِلَى الْجَارِحَة والآلة وَإِذا احْتمل من طَريقَة الْعَرَبيَّة مَا ذكرنَا وَكَانَ مثله فِي الْخطاب مُسْتَعْملا وَالْعرْف فِيهِ جَارِيا كَانَ مَا حملناه عَلَيْهِ أولى مِمَّا يتوهمه المشبهون من إِثْبَات الْجَوَارِح والأبعاض لله تَعَالَى وَأولى مِمَّا ذهب إِلَيْهِ المعطلة من مبطلي هَذِه الْأَحَادِيث لما بَينا من الْفَوَائِد الَّتِي تتَعَلَّق بهَا مَا يشْهد بِمثلِهِ الْقُرْآن
стр. 93
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
فَمن ذَلِك مَا روى مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
إِن الله يضْحك ﵎ إِلَى رجلَيْنِ يقتل أَحدهمَا الآخر كِلَاهُمَا دخل الْجنَّة يُقَاتل هَذَا فِي سَبِيل الله فيستشهد ثمَّ يَتُوب الله على قَاتله فَيسلم فِي سَبِيل الله فيستشهد // أخرجه بن ماجة //
وَكَذَلِكَ مَا روى الْفضل بن دُكَيْن أَبُو نعيم عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الملك عَن عَليّ بن ربيعَة قَالَ
حَملَنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ خَلفه حَتَّى مر بِنَا إِلَى جبانة الْكُوفَة ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ
اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب أحد غَيْرك ثمَّ الْتفت إِلَيّ يضْحك فَقلت
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إستغفارك لذنبك والتفاتك إِلَيّ ضَاحِكا لماذا
стр. 94
فَقَالَ حَملَنِي رَسُول الله ﷺ خَلفه إِلَى مَوضِع ذكره ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ
اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب أحد غَيْرك ثمَّ الْتفت إِلَيّ يضْحك فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ ضحِكت لضحك رَبِّي يعجب لعَبْدِهِ إِنَّه يعلم أَنه لَا يغْفر الذُّنُوب أحد غَيره
وَحَدِيث عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله سُبْحَانَهُ ليضحك إِلَى ثَلَاث
رجل قَامَ فِي جَوف اللَّيْل وَأحسن الطّهُور ثمَّ صلى وَرجل نَام سَاجِدا وَرجل نجا كَتِيبَة منهزمة وَهُوَ على فرس جواد وَلَو شَاءَ أَن يذهب لذهب وَمَا رُوِيَ عَن عدي بن عميرَة أَن الله يضْحك فِي كل يَوْم وَلَيْلَة مرَّتَيْنِ
وَمَا رُوِيَ أَنه ﵊ قَالَ
يضْحك رَبنَا من قنوط عباده
قَالَ أَبُو رزين قلت يَا رَسُول الله أيضحك الرب قَالَ لن نعدم من رب يضْحك خيرا
стр. 95
تَأْوِيل ذَلِك
إعلم أَن هَذَا الحَدِيث من الْأَخْبَار الْمَشْهُورَة عَن أهل النَّقْل وَبَعضهَا يبين معنى بعض فَمن ذَلِك أَن لفظ الضحك مُشْتَرك الْمَعْنى فِي اللُّغَة وَيخْتَلف أَحْكَامه بإختلاف من يُضَاف إِلَيْهِ ذَلِك ويوصف بِهِ وَلَيْسَ هُوَ من الْأَلْفَاظ الَّتِي تخْتَص بِمَعْنى وَاحِد حَتَّى لَا يَلِيق بِهِ غَيره فَمن ذَلِك أَن الْعَرَب تَقول فِي تكشير أَسْنَان الْإِنْسَان وثغر فِيهِ إِذا وَقع على وَجه مَخْصُوص ضحك وَكَذَلِكَ تَقول ضحِكت الأَرْض بالنبات إِذا ظهر فِيهَا النَّبَات وانفتق عَن زهره وَكَذَلِكَ قَالَت الْعَرَب لطلع النّخل إِذا انفتق عَنهُ كافوره الضحك لأجل أَن ذَلِك يَبْدُو مِنْهُ مَعَ الْبيَاض الظَّاهِر كبياض الثغر يَقُولُونَ ضحك الطلعة إِذا ظهر مِنْهَا مَا كَانَ مستترا وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَائِل يضاحك الشَّمْس مِنْهَا كَوْكَب شَرق
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي ينشد فِي الرّبيع
(أما ترى الأَرْض قد أعطتك زهرتها ... مخضرة فاكتسى بِالنورِ عاليها)
(للسماء بكاء فِي جوانبها ... وللربيع ابتسام فِي نَوَاحِيهَا)
يُرِيد الإبتسام ظُهُور النَّبَات فِيهَا وطلوع النُّور عَلَيْهَا وَأنْشد بَعضهم فِي معنى ذَلِك
(كل يَوْم باقحوان جَدِيد ... يضْحك الرَّوْض من بكاء السَّمَاء)
стр. 96
وَكَذَلِكَ وَضحك المزن بهَا يُرِيد بالمزن السَّحَاب ويضحك الْبَرْق الَّذِي ظهر مِنْهُ وببكائه الْمَطَر
وَحكى عَن بَعضهم أَن الْعَرَب تَقول للطريق الْوَاضِح الْبَين هَذَا طَرِيق ضَاحِك وَهَذَا طَرِيق لاحب إِذا أَرَادوا وَصفه بالظهور
وَاعْلَم أَن معنى مرجع الضحك فِي جَمِيع هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِلَى الْبَيَان والظهور
وَأَن كل من أبدى أمرا كَانَ يستره فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ ضحك
وَكَذَلِكَ يُقَال لمن أبرز المكتوم وَأظْهر المستور ذَلِك
فعلى هَذَا معنى الْخَبَر فِي قَوْله ﵊ يضْحك الله أَي يُبْدِي من فَضله ونعمه وتوفيقه لهذين المقتولين المتقولين فِي سَبِيل الله اللَّذين قتل أَحدهمَا صَاحبه ثمَّ قتل قَاتله بِالشَّهَادَةِ ثَانِيًا من بعد تَوْبَته من قَتله وَبَين من ثوابهما وَأظْهر من كرامته لَهما
وَكَذَلِكَ معنى مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ فِي الْخَبَر الآخر أَنه قَالَ
стр. 97
ضحِكت لضحك رَبِّي أَي أظهرت أَنا عَن أسناني بِفَتْح فمي لإِظْهَار رَبِّي سُبْحَانَهُ فَضله وَكَرمه لمن قَالَ هَذَا القَوْل وَهُوَ قَوْله اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب أحد غَيْرك
وَإِذا كَانَ الضحك مِمَّا اسْتعْمل فِي اللُّغَة على وُجُوه مَخْصُوصَة
مِنْهَا تكشير الْأَسْنَان وَفتح الْفَم
وَمِنْهَا ظُهُور المكتوم من الْأُمُور وبروز المستور من الْفِعْل وَكَانَ يَسْتَحِيل وصف الله بالجوارح والعينين لحلول الْحَوَادِث فِي ذَاته وَجب أَن يكون مَحْمُولا على مَا يَصح وَيجوز فِي وَصفه وَذَلِكَ هُوَ الْإِبَانَة عَن فَضله والإظهار لنعمه وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ لأبي رزين الْعقيلِيّ لما قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله أيضحك رَبنَا
فَقَالَ لن نعدم من رب يضْحك خيرا
стр. 98
وَهَذَا مِنْهُ ﷺ إِشَارَة إِلَى وصف الله تَعَالَى ذكره وتقدست أسماؤه بِالْقُدْرَةِ على فضل النعم وكشف الكرب والستار عَن الخفيات
والكشف عَن الْأُمُور المستورة فرقا بَينه وَبَين الْأَصْنَام وَالَّتِي لَا يُرْجَى مِنْهَا خير وَلَا شَرّ
وَإِذا كَانَ ذَلِك رُجُوعا إِلَى الْقُدْرَة على الْأَفْعَال بِالدفع والنفع فقد صَحَّ مَا قُلْنَاهُ وَبَين ﵊ بذلك عَمَّا إِلَيْهِ أَشَرنَا
فَأَما مَا بَين لَك من الْخَبَر الْمَرْوِيّ فِي هَذَا الْمَعْنى بقوله ﷺ لأبي رزين الْعقيلِيّ
لن نعدم من رب يضْحك خيرا أَي يُبْدِي من فَضله وَيظْهر مِنْهُ مننه مَا يُبْدِي الضاحك وَمِمَّا يستر عَنهُ تَشْبِيها فِي معنى إِظْهَار مَا كَانَ مكتما وإبداء مَا كَانَ مخفيا
وَإِذا احْتمل التَّأْوِيل مَا ذكرنَا واستحال وصف الله تَعَالَى بالجوارح والأبعاض وَجب أَن يحمل مَا قُلْنَا
стр. 99
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
وَهُوَ مَا روى سُفْيَان بن عَيْنِيَّة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ
خلق الله تَعَالَى الْمَلَائِكَة من شعر ذِرَاعَيْهِ وصدره أَو من نورهما
تَأْوِيل ذَلِك
أعلم أَن أول مَا فِيهِ أَن عبد الله بن عَمْرو لم يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ
وَقد قيل إِن عبد الله بن عَمْرو أصَاب وسقين من الْكتب يَوْم اليرموك فَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ إِذا حَدثهمْ
حَدثنَا مَا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ وَلَا تحدثنا من وسقك يَوْم اليرموك
وَقد بَينا فِيمَا قبل أَن الَّذِي ذهب إِلَى ظَاهر التَّشْبِيه وَحمل الْأَمر فِي معنى هَذَا الْخَبَر على مَا هُوَ جوارح الْإِنْسَان وأعضاؤه هم الْيَهُود وَلذَلِك كَانَ وهب بن مُنَبّه يَقُول
إِنَّمَا ضل من ضل بالتأويل
стр. 100
يرْوى فِي كتب دانيال أَنه لما علا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَانْتهى إِلَى الْعَرْش رأى شخصا ذَا وفرة فتأول أهل التَّشْبِيه أَن ذَلِك رَبهم جهلا مِنْهُم بالتأويل
وَإِنَّمَا ذَلِك إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ على أَن هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ أُسَامَة وَلم يقل فِيهِ ذِرَاعَيْهِ وصدره بل قَالَ من نور الذراعين والصدر مُطلقًا غير مُضَاف
فَإِن كَانَ ذَلِك لم يُنكر أَن يكون صَدرا وذراعين لبَعض خلقه
وَلم يُنكر أَيْضا أَن يكون الصَّدْر والذارعان من أَسمَاء بعض مخلوقاته وَقد وجدوا فِي النُّجُوم مَا يُسمى بذراعين وَلَيْسَ بمستنكر أَن يُسمى بِهَذَا الإسم غَيره من الْخلق فَيكون مَا خلق من الْمَلَائِكَة خلق من ذَلِك وَتَكون الْفَائِدَة فِيهِ التَّنْبِيه على مَا فِي قدرته من خلق الْمَخْلُوقَات وإنشاء المحدثات وَإنَّهُ لَا يعوزه عَظِيم مَا يخلقه وَلَا يعجزه
وَقد قيل فِي تَأْوِيل قَوْله
﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة﴾
أَن الرّوح ملك من الْأَمْلَاك يكون وَحده صفا وَالْمَلَائِكَة كَهَذا بإزائه صفا
стр. 101
وَأما مَا فِي حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة من قَوْله شعر ذارعيه وصدره فَيحْتَمل أَيْضا أَن يتَأَوَّل على أَن ذَلِك إِضَافَة من طَرِيق الْملك وَشبه من طَرِيق الْفِعْل كَمَا قَالَ فِي قصَّة آدم عَليّ السَّلَام
﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾
وأضاف الرّوح إِلَى نَفسه إِضَافَة ملك وَتَقْدِير لَا إِضَافَة بِروح بهَا أَو حُلُول فِي ذَاته تَعَالَى
стр. 102
وَالَّذِي يُؤَيّد ذَلِك مَا كَانَ يَقُوله ابْن شهَاب إِذا روى هَذَا الْخَبَر وَمثله فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول عِنْد ذَلِك
والأذرع كلهَا لله والأصابع كلهَا لله يُشِير إِلَى معنى الْملك الْعَام كَسَائِر المملوكات
وَهَذَا نَظِير مَا يحْكى عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد رِوَايَته لخَبر النُّزُول وَذَلِكَ أَنه كَانَ يَقُول عِنْد ذَلِك
وَيفْعل الله مَا يَشَاء يعرفهُمْ أَن ذَلِك نزُول فعل لَا نزُول تحول وإنتقال من مَكَان إِلَى مَكَان
стр. 103
هَذَا يبين لَك صِحَة مَا أومينا إِلَيْهِ من أَن هَذِه الْإِضَافَة من طَرِيق الْفِعْل وَالْملك لِأَن سَائِر مَا يُضَاف إِلَيْهِ عز ذكره لَا يخرج عَن مثل هَذَا الْمَعْنى إِذا لم تكن الْإِضَافَة على طَرِيق إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف بهَا من جِهَة الْقيام بِذَاتِهِ على الْوَجْه الَّذِي يُوجب لَهُ إشتقاق الإسم وَالْحكم
فَإِن قيل فَإِذا أجزتم هَذِه الطَّرِيقَة فَكيف أنكرتم قَول النَّصَارَى حَيْثُ قَالَت إِن عِيسَى ابْن الله على طَرِيق الْكَرَامَة وعَلى طَرِيق الْملك وَالْفِعْل
قيل الأَصْل فِي سَائِر هَذِه الإضافات بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْخَاصَّة الَّتِي تجْرِي من طَرِيق الْملك وَالْفِعْل على من يُضَاف إِلَيْهِ ويوصف بِهِ السّمع وَلَا يجوز إِطْلَاق شَيْء من ذَلِك على الْوَجْه الْخَاص إِلَّا بِأَن يتقدمه سمع وَلذَلِك يكون الْأَمر فِيهِ مَقْصُورا عَلَيْهِ وَلَا يتعداه وَنحن فَلم نجد فِي شريعتنا إِطْلَاق ذَلِك بل وجدنَا فِي الشَّرِيعَة مَا يحظر ذَلِك وَلَا يجوز إِطْلَاقه بِوَجْه
وَأعلم أَنه قد يَصح معنى الْوَصْف وَالْإِضَافَة فِي ذكر الله مَعَ شَيْء من أَفعاله من طَرِيق الْمَعْنى من حَيْثُ إجَازَة الْعُقُول لَهُ ثمَّ لَا يسوغ إِطْلَاق الإسم وَالْوَصْف وَالْإِضَافَة فِي ذَلِك من حَيْثُ حظرت الشَّرِيعَة مِنْهُ وَمن حَيْثُ لم يرد بِهِ سمع لقِيَام
стр. 104
الدّلَالَة على أَن هَذَا الْبَاب مَقْصُور على السّمع فَقَط وَلَا مجَال للعقول فِيهِ فَلذَلِك كَانَ إِطْلَاقه موقفا على مَا خصّه السّمع بِهِ دون مَا لم يرد بِهِ سمع وَهَذَا جَوَاب عَن سَائِر مَا يُمكن أَن يسْأَل عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب من ذكر تَخْصِيص بعض الْأَسْمَاء والإضافات إِلَى الله تَعَالَى دون بعض مَا يملكهُ ويفعله وكل من حاد عَن مثل هَذِه الطَّرِيقَة فِي هَذَا الْبَاب لم يجد فصلا بَين الْأَمريْنِ من جِهَة الْعُقُول فتفهمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 105
ذكر خبر آخر مِمَّا يُوهم التَّشْبِيه وتأويله
روى أَبُو رَافع عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
يَقُول الله ﵎ يَوْم الْقِيَامَة
يَا ابْن آدم مَرضت فَلم تعدني
فَيَقُول أَي رب وَكَيف أعودك وَأَنت رب الْعَالمين
فَيَقُول أما علمت أَن عَبدِي فلَانا مرض فَلم تعده
أما علمت أَنه لوعدته لَوَجَدْتنِي عِنْده
يَا ابْن آدم استطعمتك فَلم تطعمني
قَالَ يَا رب وَكَيف أطعمك وَأَنت رب الْعَالمين
قَالَ أما علمت أَنه استطعمك عَبدِي فلَان فَلم تطعمه
أما علمت أَنَّك لَو أطعمته لوجدت ذَلِك عِنْدِي
يَا ابْن آدم استسقيتك فَلم تَسْقِنِي
قَالَ يَا رب كَيفَ أسقيك وَأَنت رب الْعَالمين
قَالَ استسقاك عَبدِي فلَان فَلم تسقه
أما إِنَّك لَو سقيته لوجدت ذَلِك عِنْدِي // أخرجه الإِمَام مُسلم //
стр. 106
وَاعْلَم أَن الَّذِي يجب أَن يبين من هَذَا الْخَبَر قَوْله
أما إِنَّك لوعدته لَوَجَدْتنِي عِنْده
وَأما قَوْله مَرضت فقد فسره النَّبِي ﷺ وَبَين معنى ذَلِك إِشَارَة إِلَى مرض وليه فأضاف إِلَى نَفسه إِكْرَاما لوَلِيِّه ورفعا لقدره
وَهَذِه طَريقَة مُعْتَادَة فِي الْخطاب عَرَبِيَّة وعجمية وَذَلِكَ أَن يخبر السَّيِّد عَن نَفسه وَيُرِيد عَبده إِكْرَاما لَهُ وتعظيما حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ توهم من جلالته وَعظم مَنْزِلَته مساواته لَهُ فِي الْمنزلَة وَالْجَلالَة
وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة يحمل قَوْله تَعَالَى
﴿إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله﴾
وَقَوله
﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾
وَقَوله
﴿إِن تنصرُوا الله ينصركم﴾
стр. 107
وَمَا جرى هَذَا المجرى من الْآي وَالْأَخْبَار الَّتِي ذكر فِيهَا نَفسه وَأَرَادَ وأولياءه وأنبياءه وعَلى مثله يحمل قَوْله ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ أَي آسفوا أولياءنا وأغضبوا أنبياءنا والناصرين لديننا
وَلمن كَانَ عَلَيْهِ مُقيما لإستحالة أَن يغْضب الله تَعَالَى وَأَن يُؤْذِي ويحارب
وَأما قَوْله أما إِنَّك لوعدته لَوَجَدْتنِي عِنْده مَعْنَاهُ أَي وجدت رَحْمَتي وفضلي وثوابي وكرامتي فِي عيادتك لَهُ وَهَذَا أَيْضا كَالْأولِ فِي بَاب أَنه ذكر الشَّيْء بأسمه وأيد غَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾
وَهَذِه طَريقَة مُعْتَادَة غير مستنكرة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَالْأولى أَن يحمل الْخَبَر عَلَيْهِ وعَلى مثله يتَأَوَّل قَوْله ﴿وَوجد الله عِنْده﴾
على معنى أَنه وجد عِقَابه وحسابه فَذكر الله تَعَالَى وأضيف الْفِعْل إِلَيْهِ وَالْمرَاد فعله على النَّحْو الَّذِي بَيناهُ ونظائره فِي كَلَام الْعَرَب ومثاله أَيْضا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة
стр. 108
وَالسَّلَام فِي أحد
هَذَا جبل يحبنا ونحبه // أخرجه البُخَارِيّ //
وَمعنى ذَلِك أَهله أَي يحب الساكنون بفنائه والمقيمون فِي ساحته ونحبهم وَإِذا احْتمل الْخَبَر مَا ذَكرْنَاهُ وَلَا يجوز على الله تَعَالَى الْحُلُول فِي الْأَمَاكِن لإستحالة كَونه محدودا ومتناهيا وَذَلِكَ لإستحالة كَونه مُحدثا وَجب أَن يكون مَحْمُولا على مَا قُلْنَاهُ
стр. 109
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه وتأويله وَمَعْنَاهُ
روى صَفْوَان بن مُحرز أَنه كَانَ يماشي عبد الله بن عمر ﵄ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الرحمن كَيفَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى
قَالَ سمعته ﵊ يَقُول
يدنى الْمُؤمن من ربه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يضع الْجَبَّار كنفه عَلَيْهِ فيقرره بذنوبه فَيَقُول هَل تعرف
فَيَقُول رب أعرف
فَيَقُول لَهُ هَل تعرف
فَيَقُول رب أعرف
فَيَقُول عز ذكره إِنِّي سترتها عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أغفرها لَك فيعطي صحيفَة حَسَنَاته
وَأما الْكفَّار والمنافقون فينادي بهم على رُؤُوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم﴾
стр. 110
ذكر تَأْوِيله
أما قَوْله ﵊ يدنى العَبْد من ربه يَوْم الْقِيَامَة فَمَعْنَاه أَنه يقرب من رَحمته وكراماته وَعطفه ولطفه هَذَا سَائِغ فِي اللُّغَة أَن يُقَال فلَان قريب من فلَان وَيُرَاد بِهِ قرب الْمنزلَة وعلو الدرجَة عِنْده وعَلى هَذَا يُقَال
إِن أَوْلِيَاء الله قريبون من الله كَمَا أَن أعداءه بعيدون مِنْهُ وَيَعْنِي بذلك قرب الدرجَة وعلو الْمرتبَة وَيُرَاد ببعد أَعدَاء الله مِنْهُم بعدهمْ من رَحمته وكرامته
وَكَذَلِكَ يُقَال إِن الله قريب من أوليائه بعيد من أعدائه وَيُقَال أَيْضا هُوَ قريب من خلقه وَالْمعْنَى فِيهِ قربه مِنْهُم علما بظواهرهم وبواطنهم وَقدرته على أَوَائِل أُمُورهم وأواخرها وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَوْله تَعَالَى
следующие страницы →