Полный текст (433 стр.). Показаны 421–433 · переход к 426.
стр. 421
فصل آخر
فِي ذكر مَا رُوِيَ فِي الإثارة فِي المبالاة
فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي كِتَابه ﴿قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم﴾
وروى نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
من جعل الْهم هما وَاحِدًا كَفاهُ الله هم دُنْيَاهُ وَمن تشعبته الهموم لم يبال الله فِي أَي أَوديَة الدُّنْيَا هلك // أخرجه الْبَيْهَقِيّ //
وروى حَمَّاد عَن ثَابت عَن شهر بن حَوْشَب عَن أَسمَاء بنت يزِيد قَالَت
سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول
إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا وَلَا يُبَالِي // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وروى خَالِد بن عبد الله عَن بَيَان عَن قيس بن مرداس الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 422
يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حثالة كحثالة الشّعير أَو التَّمْر لَا يباليهم الله باله // أخرجه الْأَمَام فِي مُسْنده //
وروى شهر بن حَوْشَب عَن معدي كرب عَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ يرويهِ عَن ربه جلّ وَعز يَا ابْن آدم إِن تذنب حَتَّى يبلغ ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ تستغفرني غفرت لَك لَا أُبَالِي // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
فصل فِي الْجَواب عَن ذَلِك
أعلم أَن كل مَا وصف بِهِ الله من أَمْثَال هَذِه الْأَلْفَاظ فَالْمُرَاد بِهِ الْأَخْبَار عَن غناهُ وَأَنه مِمَّن لَا ينتقص شَيْء مِمَّا يَفْعَله وَكَذَلِكَ معنى مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ فِي القبضتين اللَّتَيْنِ أخرجهُمَا من صلب آدم ﵇ للنار وَلَا أُبَالِي وللجنة وَلَا أُبَالِي
وَأفَاد بذلك أَنه يُوصل فَضله وعدله إِلَى مَا شَاءَ من خلقه من غير أَن يزْدَاد عَن فعل الْفضل أَو يكون لَهُ نقص بِفعل الْعدْل من تعذيبهم ابْتِدَاء من غير جرم وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ معنى الْآيَة مَحْمُولا عَلَيْهِ
стр. 423
فصل آخر
فِي الْبَيَان عَمَّا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من وصف الله بالمباهاة
روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
إِن الله يباهي بِأَهْل عَرَفَات فَيَقُول يَا ملائكتي أنظروا إِلَى عبَادي جاؤوني من كل فج عميق أشهدكم أَنِّي غفرت لَهُم
وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير أَن نَوْفًا الْبكالِي وعبد الله بن عَمْرو اجْتمعَا فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو
أَنا أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ صلينَا مَعَه الْمغرب ذَات لَيْلَة فَرجع من رَجَعَ وعقب من عقب فجَاء رَسُول الله ﷺ من قبل أَن يثوب النَّاس لصَلَاة الْعشَاء وَقد حفزه النَّفس وَهُوَ رَافع إصبعيه إِلَى السَّمَاء وَهُوَ يَقُول
أَبْشِرُوا يَا معشر الْمُسلمين هَذَا ربكُم فتح بَابا من أَبْوَاب السَّمَاء يباهي بكم الْمَلَائِكَة
فَيَقُول أنظروا عبَادي قضوا فَرِيضَة وهم ينتظرون أُخْرَى
وَرُوِيَ أَن مُعَاوِيَة خرج على أنَاس وهم جالسون فَقَالَ خرج رَسُول الله ﷺ على حَلقَة وهم جُلُوس فَقَالَ
مَا أجلسكم قَالُوا جلسنا نذْكر الله ونحمده على مَا هدَانَا
стр. 424
لِلْإِسْلَامِ وَمن علينا بك فَقَالَ الله مَا أجلسكم إِلَّا ذَلِك
قَالُوا آللَّهُ مَا أجلسنا إِلَّا ذَلِك
قَالَ إِنِّي لم أستحلفكم تُهْمَة لكم وَلَكِنِّي أَخْبرنِي جِبْرِيل ﵇ أَن الله يباهي بكم الْمَلَائِكَة
فصل
فِي الْجَواب عَن ذَلِك
أعلم أَن معنى المباهاة هُوَ أَن الله يظْهر من فعله للْمَلَائكَة مَا يحقرون طاعتهم وعبادتهم فِي عِبَادَتهم
وأصل المباهاة هُوَ مفاعلة من الْبَهَاء والبهاء من العظمة فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن الله يظْهر من عَظمَة هَؤُلَاءِ المطيعين وبهائهم فِيهَا مَا يزِيد على بهاء الْمَلَائِكَة وحالهم فِي طاعتهم وعبادتهم وَالْغَرَض فِي معنى هَذَا الْخَبَر وَفَائِدَته تَعْرِيف الْخلق من الْآدَمِيّين مَوَاضِع الْفضل فِي طاعتهم وعبادتهم وَأَنَّهُمْ قد تبلغ طاعتهم مبلغا يزِيد قدره على قدر طَاعَة الملائة وَهَذَا مِمَّا يُمكن أَن يسْتَدلّ بِهِ أَن أفاضل الْآدَمِيّين أفضل من الْمَلَائِكَة لِأَنَّهُ لَا يباهي إِلَّا بالأفضل
стр. 425
فصل آخر
مِمَّا ذكر فِي الْخَبَر من معنى الْمُنَاجَاة
روى حميد الطَّوِيل عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه رأى نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فشق عَلَيْهِ حَتَّى عرف ذَلِك فِي وَجهه فحكسه وَقَالَ
إِن أحدكُم إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربه وَإِن ربه بَينه وَبَين الْقبْلَة // أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم //
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ
صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا سلم فَإِذا رجل فِي آخر الصَّفّ قَالَ يَا فلَان أَلا تتقي الله أَلا تنظر كَيفَ تصلي فَإِن أحدكُم إِذا قَامَ يُصَلِّي يقوم يُنَاجِي ربه فَلْينْظر كَيفَ يناجيه // أخرجه الْحَاكِم //
وَعَن صَفْوَان بن مُحرز قَالَ
بَيْنَمَا أَنا أَسِير مَعَ عبد الله بن عمر آخِذا بِيَدِهِ إِذْ عرض لَهُ رجل فَقَالَ كَيفَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدنى مِنْهُ الْمُؤمن فَيَقُول
أتعرف كَذَا أتعرف ذَنبا كَذَا // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
стр. 426
فصل
الْجَواب عَن ذَلِك
أعلم أَن معنى الْمُنَاجَاة هُوَ مُخَاطبَة الْمُخَاطب على الْوَجْه الَّذِي يخْتَص بِهِ وَلَا يُشَارِكهُ فِي سَماع الْخطاب غَيره وَذَلِكَ إِذا وصف الله تَعَالَى بِهِ فَالْمُرَاد إسماع الله تَعَالَى وإفهامه من أَرَادَ من خلقه على الْوَجْه الَّذِي يختصون بِهِ من غير أَن يشاركوا فِي إسماع مَا يسمعُونَ وإفهام مَا يفقهُونَ وَهَذَا هُوَ معنى النَّجْوَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهُ تَعَالَى يسمع من يَشَاء من خلقه خطابه على التَّخْصِيص بِالْخِطَابِ من غير أَن يُشَارِكهُ فِي سَماع ذَلِك الْخطاب غَيره
وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وسيخلو لله يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان
ومناجاة العَبْد لله هُوَ إخفاء الْخطاب من غير أَن يسمع غَيره وَهُوَ أَن يذكر الله تَعَالَى سرا فعلى ذَلِك يحمل معنى الْمُنَاجَاة إِذا وصف بِهِ الله أَو وصف بِهِ الْخلق
стр. 427
فصل آخر
فِي تَأْوِيل مَا رُوِيَ من النفخ
وَهُوَ مَا ذكر فِي قَوْله ﴿فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي﴾
وَقَالَ ﴿فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا﴾
وَعَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
يجمع الله النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فَيَهْتَمُّونَ لذَلِك فَيَقُولُونَ لَو تشفعنا على رَبنَا حَتَّى يُرِيحنَا من مَكَاننَا هَذَا فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ
أَنْت آدم الَّذِي خلقه الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه
وَعَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
لَقِي آدم مُوسَى ﵉ فَقَالَ لَهُ مُوسَى
أَنْت الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ وأسكنك جنته وأسجد لَك مَلَائكَته وَنفخ فِيك من روحه ثمَّ فعلت مَا فعلت // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَذكر الحَدِيث
стр. 428
فصل
فِي الْجَواب عَن ذَلِك
أعلم أَن مَا يُوصف بِهِ الله عز ذكره من نفخ الرّوح فَالْمُرَاد بِهِ خلقه الرّوح فِيمَن يخلقه فِيهِ وأفعال الرب جلّ ذكره غير وَاقعَة على طَرِيق الْمُبَاشرَة والتولد بل أَفعاله كلهَا ابْتِدَاء إختراع من قبل أَن الله لَا يَقْتَضِي تغير المخترع بِهِ وَلَا حُدُوث شَيْء مِنْهَا فِيهِ
فَأَما وَجه إِضَافَة الرّوح إِلَيْهِ وَمَعْنَاهُ وَفَائِدَته فَهُوَ تَخْصِيص تشريف لِأَن الْمَذْكُور قد يخص بِالذكر تَشْرِيفًا لَهُ وَإِن كَانَ غَيره فِي مَعْنَاهُ كَمَا قيل بَيت الله وعبد الله وناقة الله تَخْصِيصًا بِالذكر من جملَة المسميات وإبانة بِالْفَضْلِ وأمارة لَهُ يبين بهَا عَمَّا سواهُ للتنويه بِذكرِهِ وَالرَّفْع من حَاله
وعَلى هَذَا الْوَجْه أضَاف روح عِيسَى ﵇ إِلَيْهِ فَقَالَ
روح الله وَذَلِكَ أحد وُجُوه الإضافات مِمَّا مَعْنَاهُ لَا يخرج عَن الْملك والخلق وَالتَّدْبِير وَالْقُدْرَة لإستحالة الْإِضَافَة إِلَيْهِ من طَرِيق الْمُجَاورَة لَهُ والتغيير بِهِ لإستحالة أَن يكون جسما أَو جوهرا فيتغير بِمَا يحدث فِيهِ أَو يجاوره فعلى ذَلِك فرتب هَذِه الْأَبْوَاب إِن شَاءَ الله
стр. 429
فصل آخر
فِي الْكَلَام على من قَالَ إِن مَا روينَا من هَذِه الْأَخْبَار وَذكرنَا فِي أَمْثَال السّنَن والْآثَار مِمَّا لَا يجب الإشتغال بتأويله وتخريجه وَتبين مَعَانِيه وَتَفْسِيره
أعلم أَن أول مَا فِي ذَلِك أَنا قد علمنَا أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا خاطبنا بذلك ليفيدنا أَنه خاطبنا على لُغَة الْعَرَب بألفاظها المعقولة فِيمَا بَينهَا المتداولة عِنْدهم فِي خطابهم فَلَا يَخْلُو أَن يكون قد أَشَارَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ إِلَى معَان صَحِيحَة مفيدة أَو لم يشر بذلك إِلَى معنى وَهَذَا مِمَّا يجل عَنهُ أَن يكون كَلَامه يَخْلُو من فَائِدَة صَحِيحَة وَمعنى مَعْقُول فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا بُد أَن يكون لهَذِهِ الْأَلْفَاظ معَان صَحِيحَة وَلَا يَخْلُو أَن يكون إِلَى مَعْرفَتهَا طَرِيق أَو لَا يكون إِلَى مَعْرفَتهَا طَرِيق فَإِن لم يكن إِلَى مَعْرفَتهَا طَرِيق وَجب أَن يكون تعذر ذَلِك لأجل أَن اللُّغَة الَّتِي خاطبنا بهَا غير مفهومة الْمَعْنى وَلَا مَعْقُول المُرَاد وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك فَعلم أَنه لم يعم على المخاطبين من حَيْثُ أَرَادَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ غير مَا وضعت لَهَا أَو مَا يُقَارب مَعَانِيهَا مِمَّا لَا يخرج من مَفْهُوم خطابها
إِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ تعرف مَعَانِيهَا مُمكنا والتوصل إِلَى المُرَاد بِهِ غير مُتَعَذر فَعلم أَنه مِمَّا لَا يمْتَنع الْوُقُوف على مَعْنَاهُ ومغزاه وَأَن لَا معنى لقَوْل من قَالَ إِن ذَلِك مِمَّا لَا يفهم مَعْنَاهُ أذ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ خطابه خلوا من الْفَائِدَة وَكَلَامه معنى عَن مُرَاد صَحِيح وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 430
فَإِن قيل ألستم تَقولُونَ فِي متشابه الْقُرْآن أَنه مِمَّا لَا يُوقف على مَعْنَاهُ وَإِن كَانَ على لُغَة الْعَرَب وَلَا بُد فِيهِ من فَائِدَة
قيل فِيهِ جوابان
من أَصْحَابنَا من قَالَ إِن فِي مُشكل الْقُرْآن مَالا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ وَلَا نعلم تَأْوِيله لَكِن الله هُوَ الْمَخْصُوص بِمَعْرِِفَة تَأْوِيله وَلَكِن فَائِدَته التِّلَاوَة الَّتِي هِيَ طَاعَة وَهِي مَنْدُوب إِلَيْهَا مثاب على فعلهَا
وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه لَا متشابه فِي الْقُرْآن إِلَّا والراسخون فِي الْعلم يعْرفُونَ تَأْوِيله وَأَن قَوْله والراسخون مَعْطُوف على قَوْله إِلَّا الله على ذَلِك يسْقط هَذَا السُّؤَال
فَإِن قيل أَلَيْسَ مَعَاني هَذِه أَلْفَاظ الَّتِي وَردت فِي هَذِه الْآثَار إِذا حملت على الْمَعْقُول فِيمَا بَيْننَا لم يَصح فِي وصف الله تَعَالَى ذكره وَإِذا خرجت عَن مَعَانِيهَا المعقولة أدّى إِلَى أَن لَا تكون على حسب اللُّغَة وَأَن يكون ذَلِك مِمَّا يخْتَص بِعلم الله
قيل إِن مَعَانِيهَا معقولة على حسب مَا يَصح فِي وصف الله تَعَالَى مَحْمُولَة على ذَلِك وسبيلها كسبيل سَائِر الْأَوْصَاف الَّتِي وَردت فِي الْكتاب من ذكر الله سُبْحَانَهُ
стр. 431
بالنعوت الَّتِي حصلت فِيهَا النُّصُوص والتوقيف وَكَانَت مَعَانِيهَا معقولة ومرتبة على حسب مَا نزلتها الْعُقُول على حسب إختلاف الموصوفين بهَا بعد أَن لَا تخرج عَن حقائقها وحدودها وأحكامها اللَّازِمَة وَلَو وَجب الْوُقُوف فِي مَعَاني هَذِه الْأَلْفَاظ لهَذِهِ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي وصف الله جلّ ذكره لأجل مَا قَالُوا لزم الْوُقُوف فِي سَائِر وصف الله مِمَّا ورد فِي الْكتاب لمشاركتها لهَذِهِ فِي مثل هَذَا الْمَعْنى فَلَمَّا لم يجز ذَلِك وَكَانَ سَائِر مَا ورد من وَصفه مَحْمُولا على مَا يَصح غير مُتَوَقف فِي مَعْنَاهُ فَكَذَلِك سَبِيل هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي وَردت فِي هَذِه الْآثَار
فَإِن قيل إِنَّكُم لَا توجبون الْعلم وَالْقطع بأمثال هَذِه الْأَخْبَار لِأَنَّهَا آحَاد وَمَا فِي مَعَانِيهَا فَكيف تجمعون بَينهَا وَبَين مَا فِي الْكتاب
قيل طَرِيق الْجمع بَينهَا من وَجه آخر وَهُوَ أَنه مِمَّا طلق فِي وصف الله جلّ ذكره وَله معنى صَحِيح مَعْقُول وَإِذا كَانَ أَحدهمَا مَقْطُوعًا بِهِ وَالْآخر مجوزا وَلَيْسَ لإختلافهما فِي طريقهما مَا يُوجب إختلاف حكمهَا فِي جَوَاز الْإِطْلَاق حمل مَعَانِيهَا الْوَجْه الصَّحِيح
فَإِن قيل فَإِذا لم يكن خبر الْوَاحِد مُوجبا للإعتقاد وَالْقطع وَلَيْسَ فِي هَذِه الْأَخْبَار عمل يَقْتَضِي ذَلِك مِنْهَا بِحَسبِهِ فعلى مَاذَا تحملونها
قيل إِنَّهَا وَإِن لم تكن مُوجبَة للْقطع بهَا مقتضية للْعلم فَإِنَّهَا مجوزة مغلبة وَقد يُفِيد الْخَبَر التجويز من جِهَة إِطْلَاق اللَّفْظَة وَقد يُفِيد ذَلِك من طَرِيق الْقطع والإعتقاد وَإِذا كَانَ طَرِيقه تواترا وإجماعا ظَاهرا أَو كتابا ناطقا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الأعتقاد وَالْقطع بِحَسبِهِ
стр. 432
وَإِن كَانَ ذَلِك مُسْتَندا إِلَى أَخْبَار آحَاد وعدول ثِقَات كَانَ الحكم بهَا على الظَّاهِر وَاجِبا من طَرِيق التجويز وَرفع الإحالة وَإِن لم يكن فِيهَا الْقطع والإعتقاد فَلذَلِك رتبنا هَذِه الْأَخْبَار على هَذِه الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا
وَأعلم أَنه إِذا كَانَ لَا بُد من قبُول أَخْبَار الْعُدُول وَلَا بُد أَيْضا من أَن يكون لكَلَام رَسُول الله ﷺ الْأَثر والفائدة وَكَانَ التَّوَقُّف فِيمَا يُمكن معرفَة مَعْنَاهُ لَا وَجه لَهُ وَكَانَ تَعْطِيل هَذِه الْأَخْبَار لأجل توهم تعذر تخريجها وترتيبها لَا وَجه لَهُ وَكَانَ بَعضهم مِمَّن يتَوَهَّم أَنه لَا سَبِيل إِلَى تخريجها يذهب إِلَى أبطالها وَبَعْضهمْ يذهب إِلَى إِيجَاب التَّشْبِيه بهَا وَبَعْضهمْ يذهب إِلَى إخلائها من معَان صَحِيحَة وَجب أَن يكون الْأَمر فِيهَا على مَا قُلْنَا ورتبنا وَأَن يكون أَوْهَام المعطلين من الملحدة والمبتدعة والمشبهة لله بخلقه فَاسِدَة بَاطِلَة وَأَن يكون مَعَاني هَذِه الْآثَار صَحِيحَة معقولة على الْوَجْه الَّتِي رتبناها وَبَطل توهم من يَدعِي أَن ذَلِك مِمَّا لَا يجوز تَأْوِيله وَلَا يَصح تَفْسِيره
وَوَجَب أَيْضا أَن يكون معنى قَول من قَالَ بإمرارها على مَا جَاءَت مَحْمُولا على أَنه لَا يُزَاد فِيهَا وَلَا ينقص مِنْهَا لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى وُقُوع الْغَلَط فِيهَا وخاصة إِذا خَاضَ فِي تَأْوِيلهَا من لم يكن لَهُ دربة بطرِيق التَّوْحِيد وَمَعْرِفَة الْحق فِيهَا وَلذَلِك حملنَا هَذَا القَوْل على هَذَا الْمَعْنى من قَائِله وَإِن لم يكن أَرَادَ ذَلِك فَإنَّا بَيناهُ لتوضيح بطلَان مَا قَالَه وَتَصْحِيح مَا قُلْنَا فعلى ذَلِك فلترتب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
كمل بَيَان مَا أشكل ظَاهره من صَحِيح الحَدِيث مِمَّا أوهم التَّشْبِيه وَلبس بذلك المجسمون وازدراه الْمُلْحِدُونَ وَطعن فِي رِوَايَته المبتدعون وإيضاح مَا خَفِي بَاطِنه مِمَّا أغفله الجاهلون وَأنْكرهُ المعطلون وَشرح ذَلِك وتنزيله مَا يَلِيق بِوَصْف الله تَعَالَى بالدلائل الَّتِي لَا شكّ فِيهَا وموافقة السّنة الْمَعْمُول بهَا واللغة الْمُجْتَمع عَلَيْهَا
стр. 433
تمّ الْكتاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين