← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5899

مشكل الحديث وبيانه

ابن فورك

Полный текст (433 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَذكر أَيْضا بعده حَدِيث جُبَير بن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ أَتَى أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله جهدت الْأَنْفس وضاعت الْعِيَال وَهَلَكت الْأَنْعَام فاشفع لنا إِلَى رَبك فَإنَّا نستشفع بك على الله تَعَالَى ونستشفع بِاللَّه عَلَيْك قَالَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَيحك أَتَدْرِي مَا تَقول وَسبح رَسُول الله ﷺ فَمَا زَالَ يسبح حَتَّى عرف ذَلِك أَو عرف فِي وَجهه أَصْحَابه ثمَّ قَالَ إِنَّه لَا يستشفع بِاللَّه على أحد من خلقه شَأْن الله أعظم وَيحك أَتَدْرِي مَا الله إِن عَرْشه على سمواته وأرضه لَهُ كَذَا بأصابعه مثل الْقبَّة عَلَيْهَا وَإنَّهُ ليئط أطيط الرحل بالراكب // أخرجه ابْن حميد // أعلم أَن حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد المطلب لَيْسَ فِيهِ مَا يجب أَن نبين مَعْنَاهُ سوى قَوْله ﴿وَالله تَعَالَى فَوق ذَلِك﴾ وَقد ذكرنَا فِيمَا قبل معنى وصف الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ فَوق خلقه وَأَن ذَلِك رَاجع إِلَى فوقية الْمنزلَة والمرتبة وفوقية الْقُدْرَة وَالْعَظَمَة وَأما الْفَوْقِيَّة بالمسافة وَالْمَكَان فمحال فِي وَصفه

стр. 387

وَفَائِدَة الْخَبَر تعريفنا أَنه عز ذكره مِمَّن لَا يدْخل بَين طبقتين وَلَا مِمَّن هُوَ فِي كل مَكَان كَمَا ذهب إِلَيْهِ المخالفون وَإِذا استفدنا بِهَذَا الْخَبَر تَكْذِيب هذَيْن الْفرْقَتَيْنِ فِي دعواهما على الله أَنه يحل فِي بعض الْمَخْلُوقَات ويوصف أَنه فِي كل مَكَان رَجَعَ تَأْوِيل الْخَبَر إِلَى مَا نقُول أَنه أَرَادَ بِهِ أَنه غير مختلط وَلَا ممتزج بِشَيْء من خلقه وَأَنه بَائِن مِمَّا خلق بينونة الصّفة والنعت لَا بالتحيز وَالْمَكَان والجهة فَأَما حَدِيث جُبَير بن مطعم فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي تَأْوِيلا أَكثر من قَوْله وَأَنه ليئط أطيط الرحل بالراكب وَذَلِكَ يرجع إِلَى الْعَرْش وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَن الله تَعَالَى مماس لَهُ مماسة الرَّاكِب لرحله بل فَائِدَة الْخَبَر أَنه يسمع للعرش أطيط الرحل إِذا ركب وَيحْتَمل أَيْضا تَأْوِيلا آخر وَهُوَ أَن يُقَال مَعْنَاهُ أطيط الْمَلَائِكَة وضجيجهم بالتسبيح حول الْعَرْش فأضيف الأطيط إِلَى الْعَرْش وَالْمرَاد بِهِ الطائفون بِهِ وَهَذَا سَائِغ فِي اللُّغَة كَمَا قَالَ واستب بعْدك يَا كُلَيْب الْمجْلس وَإِنَّمَا المُرَاد أهل الْمجْلس كَذَلِك تَقول الْعَرَب اجْتمعت الْيَمَامَة وَالْمرَاد أَهلهَا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ بَنو فلَان يطؤهم الطَّرِيق وَالْمرَاد الْمَارَّة فِي الطَّرِيق ثمَّ ذكر فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ

стр. 388

لما قضى الله الْخلق كتب فِي كِتَابه فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش إِن رَحْمَتي غلبت غَضَبي // سبق تَخْرِيجه // وَقد بَينا فِيمَا قبل تَأْوِيل ذَلِك أَن رَحْمَتي سبقت غَضَبي فَأَما قَوْله فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش فَإِن لَفْظَة عِنْد تسْتَعْمل على وُجُوه وَمَعَان فَمِنْهَا أَن يُقَال عندالله بِمَعْنى أَنه فِي علم الله تَعَالَى وَيُقَال عندالله على معنى أَنه فِي حكم الله تَعَالَى وَيُقَال عِنْد الله على معنى النُّصْرَة والكرامة وَالْقُدْرَة والمنزلة على قِرَاءَة من قَرَأَ ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ وَالْمرَاد وضعهم بِالْقربِ والكرامة وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك الْكتاب مَوْضُوعا على الْعَرْش على معنى المماسة لَهُ وَيكون عِنْد الله على معنى إحاطة علمه بِمَا فِيهِ من حَدِيث لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء

стр. 389

فصل آخر ثمَّ ذكر مَا رُوِيَ من الْأَخْبَار فِي الْكُرْسِيّ فَذكر حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن أبن عَبَّاس قَالَ تَفَكَّرُوا فِي كل شَيْء وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَات الله فَإِن مَا بَين السَّمَاء السَّابِعَة إِلَى كرسيه سَبْعَة آلَاف نور وَهُوَ فَوق ذَلِك

стр. 390

وَذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ خطبهم فَقَالَ آتِي بَاب الْجنَّة فأفتحها فَيفتح فيتجلى الله لي على كرسيه وَأخر على وَجْهي سَاجِدا وروى حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ قدم جَعْفَر من أَرض الْحَبَشَة قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أعجب مَا رَأَيْت قَالَ رَأَيْت امْرَأَة على رَأسهَا مكتمل دَقِيق فَمر فَارس يرْكض فأدراه فَقَعَدت تجمع طعامها ثمَّ التفتت إِلَيْهِ فَقَالَت ويل لَك يَوْم يضع الْملك كرسيه فَيَأْخُذ للمظلوم من الظَّالِم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تَصْدِيقًا لَهَا كَيفَ تقدس أمة لَا يَأْخُذ ضعيفها حَقه من شديدها وَهُوَ غير متعتع وَذكر حَدِيث ثَابت عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يشْتَد يَوْم الْقِيَامَة على النَّاس وَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ فَيفتح فآتى بَاب الْجنَّة فآخذ بِحَلقَة الْبَاب فأقرع الْبَاب فَيُقَال من أَنْت فَأَقُول مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 391

فَيفتح لي فَأرى رَبِّي على كرسيه أَو سَرِيره فَأخر سَاجِدا وَذكر الحَدِيث // أخرجه الْبَزَّاز // وَذكر عَن أبي ذَر أَنه قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَيّمَا آيَة أنزلت عَلَيْك أعظم قَالَ آيَة الْكُرْسِيّ ثمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَر مَا السَّمَوَات السَّبع من الْكُرْسِيّ إِلَّا كحلقة ملقاة فِي أَرض فلاة وَفضل الْعَرْش على الْكُرْسِيّ كفضل الفلاة على الْحلقَة // أخرجه ابْن جرير // أعلم أَن جَمِيع مَا وصف بِهِ الْكُرْسِيّ من عظم الجثة وَطول الْمسَافَة فَلَا يُنكر فِي مَقْدُور الله مَا هُوَ أعظم من ذَلِك أضعافا مضاعفة فَأَما مَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَهُوَ فَوق ذَلِك فكمثل مَا تقدم فِي خبر النَّبِي ﷺ فِي قَوْله وَهُوَ فَوق ذَلِك كُله وَقد بَينا أَن ذَلِك لَيْسَ من طَرِيق المساحة والمسافة فَأَما مَا روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ فِي الْخطْبَة من قَوْله فتجلى الله على كرسيه فَأخر على وَجْهي سَاجِدا فَيحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَن تجليه لَهُ تَصْدِيقًا فِيمَا وعده وإظهاره لَهُ من الْكَرَامَة أَكثر مِمَّا توهمه ورجاه وَقد يَقُول الْقَائِل تجلى فلَان لفُلَان وَالْمرَاد بذلك مَا يظْهر لَهُ من فعله وتدبيره وآثاره وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون أَرَادَ بِهِ الرُّؤْيَة وَأَن النَّبِي ﷺ يرى الله عِنْد دُخُول الْجنَّة

стр. 392

فَأَما قَوْله على كرسيه فَهُوَ كَقَوْلِه ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَقد بَينا معنى على فِيمَا قبل وَأَنه يَنْقَسِم على وُجُوه أَحدهمَا علو الرّفْعَة بِالْقُدْرَةِ والمنزلة وَالثَّانِي كَقَوْلِه ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ وَكَقَوْلِه على زيد مَال وَلَيْسَ المُرَاد بذلك علو بِالْمَكَانِ وَإِذا لم يكن معنى على مُخْتَصًّا بعلو الْمَكَان فقد بَان أَن مَعْنَاهُ علو على مَا يَلِيق بِهِ مِمَّا لَا يَقْتَضِي الْمَكَان وَلَو قَالَ قَائِل إِن مَعْنَاهُ النَّبِي ﷺ على كرسيه فِي الْجنَّة فَيرى ربه ويضاف إِلَى الله من طَرِيق الْملك وَالْفِعْل والخلق كَمَا قَالَ ﴿على الأرائك ينظرُونَ﴾ فِي صفة أهل الْجنَّة وَهن السرر وَأما مَا رُوِيَ فِي حَدِيث جَعْفَر من قَول الْمَرْأَة بِأَرْض الْحَبَشَة يَوْم يضع الْملك كرسيه فَيَأْخُذ للمظلوم من الظَّالِم فَلَيْسَ فِيهِ مَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل بل مَعْنَاهُ تعريفنا أَنه ينْتَقم ذَلِك الْيَوْم من الظَّالِم للمظلوم وَهَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل بسط الْأَمِير بساطه وَوضع وساده يُرِيد بذلك إِظْهَار ملكه وَقدرته للإنتصار والإنتصاف وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُنكر فَأَما حَدِيث أنس فقد بَينا تَأْوِيله غير أَنه قَالَ فِيهِ فَأرى رَبِّي وَهُوَ على كرسيه وَهَذَا أَخذ معنى التجلي لِأَنَّهُ تَصْرِيح بِالرُّؤْيَةِ وَقد بَينا وَجهه فِيمَا قبل وَلَيْسَ يُنكر عندنَا رُؤْيَة الله عز وَجل

стр. 393

فصل آخر ثمَّ ذكر بعد ذَلِك مَا رُوِيَ فِي الْآثَار من ذكر الْحجاب وَذكر حَدِيث سهل بن سعد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ دون الله سَبْعُونَ ألف حجاب من نور لَا يسمع أحد حس شَيْء من تِلْكَ الْحجب إِلَّا ذهقت نَفسه // أخرجه أَبُو يعلى // وَذكر حَدِيث عَائِشَة أَن رَسُول الله قَالَ إِن لله ديكا يُجَاوز رَأسه كَذَا وَالسبْعين الْحجاب وَرجلَاهُ قد جَاوَزت السَّبع الْأَرْضين وَذكر حَدِيث عبد الرحمن بن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ يَقُول رَأَيْت البارحة عجبا رَأَيْت رجلا من أمتِي جاثيا عَن رُكْبَتَيْهِ بَينه وَبَين الرب حجاب فجَاء حسن خلقه فَأخذ بِيَدِهِ فَأدْخلهُ على الله إِلَيْهِ // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَذكر حَدِيث صُهَيْب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ وَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ فَيكْشف لَهُم عَن الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ

стр. 394

وَذكر حَدِيث عبد الله بن عمر وَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَذكر وَصِيَّة نوح ﵇ ابْنه فَقَالَ أَنهَاك عَن الْكبر والشرك فَإِن الله تَعَالَى يحتجب عَنْهُمَا وَذكر حَدِيث مُجَاهِد عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ // أخرجه ابو يعلى // احتجب الله عَن خلقه بِأَرْبَع بِنَار وظلمة وَنور وظلمة وَذكر حَدِيث الحكم بن ثَوْبَان أَنه قَالَ سمع عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن دون الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة سبعين حِجَابا إِن فِيهَا لحجبا من ظلمَة وَذكر الْآيَة فِيهِ أَيْضا وَهُوَ قَوْله ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب﴾ وَذكر حَدِيث ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن مُوسَى ﵇ قَالَ يَا رب أرنا أَبَانَا آدم وَذكر الحَدِيث فَقَالَ فِيهِ قَالَ آدم من أَنْت فَقَالَ أَنا مُوسَى قَالَ نَبِي بني إِسْرَائِيل أَنْت الَّذِي كلمك الله من وَرَاء الْحجاب لم يَجْعَل بَيْنك وَبَينه رَسُولا من خلقه

стр. 395

فصل فِي الْجَواب عَن ذَلِك أعلم أَن الَّذِي يجب أَن يُوقف عَلَيْهِ من هَذَا الْبَاب مِمَّا يَبْنِي عَلَيْهِ الْكَلَام فِيهِ أَن تعلم أَن الله لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر وَلَا مَحْدُود وَأَنه لَا يَصح أَن يكون محجوبا على معنى أَن يكون مَسْتُورا بالسواتر المغطية كَمَا تستر الْأَجْسَام الساترة الحائلة بَينه وَبَين غَيره وَهَذَا هُوَ الأَصْل الَّذِي يبْنى عَلَيْهِ التَّوْحِيد وينفي التَّشْبِيه وَمن أثبت لله تَعَالَى حدا أَو نِهَايَة أَو غَايَة وَأَجَازَ أَن يكون مَسْتُورا محجوبا بحجب التغطية والسواتر الْمَانِعَة فقد أحَال فِي ذَلِك وَنقص التَّوْحِيد وَأوجب تَشْبِيه الله تَعَالَى بخلقه الْوَجْه الثَّانِي من ذكر الْحجاب فِي وصف الله تَعَالَى هُوَ أَن يرجع بِهِ إِلَى أَن يكون الْحجاب فِي غَيره والمحجوب بِهِ غَيره وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بالأعراض الْمَانِعَة عَن رُؤْيَته والموانع الحاجبة عَن الْعلم بِهِ وَذَلِكَ لَا يَلِيق بِهِ إِلَّا أَن يكون مَعَاني حَادِثَة فِي المخلوقين وَأَن يَكُونُوا هم المحجوبون عَنهُ بهَا إِمَّا أَن يَكُونُوا ممنوعين عَن الْعلم بِهِ أَو عَن رُؤْيَته ثمَّ قد يُقَال للموانع الَّتِي يحدث عِنْدهَا الْمَنْع للمحجوب حجب وَأَن تكون

стр. 396

تِلْكَ الْأَشْيَاء حجبا على الْحَقِيقَة كَمَا يُقَال إِن الْحَائِط حجاب بيني وَبَين مَا وَرَاءه وَالْمرَاد بذلك أَنه مَانع من رُؤْيَته على معنى أَن الْمَنْع يحصل عِنْده والحجب يحصل مَعَه لَا أَنه هُوَ وَهَذَا كَمَا تَقول فِي الْقُيُود الثَّقِيلَة إِنَّهَا تمنع من الْمَشْي للمقيد بهَا على معنى أَن الْمَنْع يحدث عِنْد التقيد بهَا للمقيد من الْمَشْي وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَجَمِيع مَا ذكرهَا من أَلْفَاظ الْحجاب من هَذِه الْآيَة وَالسّنَن مَحْمُول على مَا ذَكرْنَاهُ ومرتب على مَا قُلْنَاهُ فمحال فِيهِ أحد الْوَجْهَيْنِ وَيصِح الآخر وَهَذِه جملَة تَكْفِي عَن الْجَواب عَن سَائِر هَذِه الْأَخْبَار ثمَّ نقُول إِن معنى قَوْله ﷺ دون الله سَبْعُونَ ألف حجاب من نور إِنَّمَا يرجع جَمِيع ذَلِك إِلَى المحجوبين من خلقه بهَا لَا إِلَى الله وَأَنَّهَا حجب لَهُم لَا لَهُ وَلم يذكر فِي الْخَبَر أَن تِلْكَ حجب الله لَيْسَ فِيهِ أَكثر من أَنَّهَا حجب وَإِذا لم يَصح أَن يكون الله محجوبا كَمَا لَا يَصح أَن يكون مَمْنُوعًا وَلَا مَسْتُورا وَلَا محدودا وَلَا مغطى ثَبت أَنه يرجع إِلَى حجب المخلوقين فَأَما حَدِيث عبد الرحمن بن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله رَأَيْت من أمتِي رجلا جاثيا على رُكْبَتَيْهِ بَينه وَبَين ربه حجاب فَالْمُرَاد بِهِ حجاب للْعَبد عَن رَحْمَة الرب أَي مَمْنُوع الرَّحْمَة وَالنعْمَة حَتَّى أثيب على حسن خلقه ورحم بذلك فَأخذ الله تَعَالَى بِيَدِهِ أَي نجاه وخلصه

стр. 397

كَمَا يُقَال أَخذ الله بِيَدِك على أَنه نصرك ونجاك وَكَذَلِكَ قَوْله فَأدْخلهُ الله عَلَيْهِ أَي أدخلهُ فِي رَحمته وكرامته وَهَذَا كَقَوْل الْحجَّاج أَتَيْنَاك شعثا غبرا وكقولهم للحجاج إِنَّهُم زوار الله فَأَما قَوْلهم فِي تَأْوِيل قَوْله وَزِيَادَة فَيكْشف لَهُم عَن الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يرجع إِلَى رفع الْمَانِع عَن الرُّؤْيَة من الممنوعين عَن رُؤْيَته من الْخلق فَأَما مَا ذكر فِي وَصِيَّة نوح ﵇ ابْنه قَالَ أَنهَاك عَن الْكبر والشرك فَإِن الله يحتجب عَنْهُمَا فَإِن ذَلِك يُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ أَن يكون حجاب واحتجاب لَا على معنى التغطية والستر لِأَن احتجاب الله من الْكبر والشرك لَيْسَ احتجابا عَن سَاتِر ومغط وحاجب ومانع بل ذَلِك هُوَ منع المتكبر والمشرك مَا عِنْده من الرَّحْمَة للْمُؤْمِنين وَصرف النِّعْمَة عَنْهُم فَسُمي ذَلِك احتجابا عَنْهُم فَأَما قَول عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ أَن دون الله يَوْم الْقِيَامَة سَبْعُونَ ألف حجاب فقد بَينا أَنَّهَا حجاب للمخلوقين لَا لله وَلم يذكر أَيْضا أَنَّهَا حجاب الله عزوجل وَقد ذكرنَا وَجه تَسْمِيَة الحوائل والسواتر حجبا وحجابا وَأَن ذَلِك يرجع إِلَى تَسْمِيَة مَا يحدث عِنْده وَذَلِكَ أَن الْمَنْع اللرائي يحصل عِنْده فيسمى حِجَابا والحجاب

стр. 398

هُوَ الْمَنْع الَّذِي يضاد رُؤْيَة المحجوب بِهِ على معنى أَنه يمْنَع الرُّؤْيَة فعلى هَذَا فرتب مَا ذكر من لفظ الْحجاب فَأَما الْآيَة فقد تقدم تَأْوِيلهَا فِيمَا قبل فأغنى عَن إِعَادَته فصل آخر فِيمَا رُوِيَ من الْأَخْبَار الَّتِي ذكرهَا فِي التجلي رُوِيَ أَبُو بردة عَن أبي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يتجلى رَبنَا ضَاحِكا يَوْم الْقِيَامَة وروى ثَابت عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي هَذِه الْآيَة ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ قَالَ بدا مِنْهُ قدر هَذَا وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ قَالَ

стр. 399

مَا تجلى مِنْهُ إِلَى قدر الْخِنْصر فصل فِي الْجَواب عَن ذَلِك وَبَيَان تَأْوِيله أعلم أَن معنى التجلي الظُّهُور يُقَال تجلى لي الرَّأْي إِذا ظهر لَهُ الرَّأْي وَلم يكن ظَاهرا فَإِذا تجلى الرب فَمَعْنَاه يتَوَجَّه على وَجْهَيْن أَحدهمَا بِإِظْهَار أَفعاله الدَّالَّة عَلَيْهِ على معنى أَنه يضع العلامات الَّتِي بهَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَن يكون بِمَعْنى مَا يخلق من الرُّؤْيَة فيهم أَي مَا يخلق رُؤْيَة يَوْم الْقِيَامَة للْمُؤْمِنين فيتجلى لَهُم عِنْدهَا وَهَذَا غَايَة مَا يكون من التجلي لِأَن الْمعرفَة بالشي بعد مالم يكن تجل والرؤية لَهُ أَيْضا بعد مَا لم يره تجلي والعيان فِي التجلي أبلغ وَأما معنى الضحك فقد بَينا فِيمَا قبل أَنه هُوَ بِمَعْنى إِظْهَار النِّعْمَة وَأَن الله يظْهر النِّعْمَة يَوْم الْقِيَامَة لأوليائه فِي الْجنَّة فَكَأَنَّهُ قَالَ يتجلى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة بنعمه وأياديه وأحسانه وفضله وَأعظم مَا يتفضل بِهِ على أهل الْجنَّة مَا يخلق لَهُم من رُؤْيَتهمْ لَهُ

стр. 400

فَأَما معنى قَوْله ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ فقد ذكرنَا فِيهِ جوابين أَحدهمَا أَنه جعل الْجَبَل حَيا عَالما رائيا حَتَّى رَآهُ فَذَلِك تجليه لَهُ وَالثَّانِي أَن ذَلِك تجل بِإِظْهَار الْفِعْل وَالتَّدْبِير وَأما معنى قَوْله بدا مِنْهُ قدر هَذَا فَالْمُرَاد بِهِ الْإِشَارَة إِلَى الشَّيْء الْيَسِير من آيَاته يُرِيد أَن مَا أظهر الله فِي الْجَبَل من الْآيَة كَانَ قدرا يَسِيرا فِي جنب مَا يقدر عَلَيْهِ بِالْإِضَافَة إِلَى مَا يبديه من علاماته ويظهره من آيَاته يَوْم الْقِيَامَة وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل قَول ابْن عَبَّاس مَا تجلى مِنْهُ إِلَّا قدر الْخِنْصر وَذَلِكَ أَنه مثل يضْرب عِنْد تقليل الشَّيْء وَقد جرت الْعَادة فِي لُغَة الْعَرَب والعجم على هَذَا النَّحْو وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لإستحالة أَن يُوصف الله بالتبعيض والتجزئة

стр. 401

فصل مِمَّا ذكر فِيهِ النُّزُول والمجيء مَعَ أَلْفَاظ زَائِدَة على مَا تقدم ذكرهَا وَبَيَان تَأْوِيلهَا وَمَا ذكر فِي بعض الْأَخْبَار من ذكر الْعُلُوّ والصعود وَمِمَّا لم يتَقَدَّم ذكره وَلَا بَيَان تَأْوِيله فَمن ذَلِك مَا روى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ قَالَ ينزل الْجَبَّار ﷻ يَوْم الْقِيَامَة فِي سَحَاب قد قطع كَهَيئَةِ الطاقات وروى شهر بن حَوْشَب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مدت الأَرْض مد الْأَدِيم وَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ فلأهل السَّمَاء السَّابِعَة أَكثر من أهل السَّمَوَات السِّت وَأهل الأَرْض بالضعف فَيَجِيء الله ﵎ فيهم والأمم وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد أَنَّهُمَا شَهدا على رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا كَانَ الأول هَبَط إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَقَالَ هَل من مذنب فيتوب الْخَبَر // أخرجه الْأَمَام مُسلم // وروى عَطاء بن يسَار عَن رِفَاعَة بن عرابة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ

стр. 402

إِذا مضى شطر اللَّيْل أَو قَالَ ثلثا اللَّيْل ينزل الله ﵎ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول لَا يسْأَل عَن عبَادي أحد غَيْرِي من ذَا الَّذِي يسألني فَأعْطِيه // أخرجه الْأَمَام مُسلم // وروى جَابر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من أَيَّام أفضل عِنْد الله من أَيَّام عَرَفَة ينزل الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فيباهي بِأَهْل الأَرْض // أخرجه الْأَمَام مُسلم // وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم عَرَفَة وَهُوَ يَوْم المباهاة ينزل الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول للْمَلَائكَة أنظروا إِلَى عبَادي وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿وَيَوْم تشقق السَّمَاء بالغمام وَنزل الْمَلَائِكَة تَنْزِيلا﴾ أهل السَّمَاء الدُّنْيَا وهم أَكثر من أهل الأَرْض من الْجِنّ وَالْإِنْس فَيَقُول أهل الأَرْض أفيكم رَبنَا فَيَقُولُونَ لَا وَسَيَأْتِي وَذكر الحَدِيث وَقَالَ وَفِيه تشقق السَّمَاء السَّابِعَة وهم أَكثر مِمَّن أَسْفَل مِنْهُم من أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض فَيَقُولُونَ أفيكم رَبنَا فَيَقُولُونَ لَا وَسَيَأْتِي ثمَّ يَأْتِي الرب فِي

стр. 403

الكروبيين وهم أَكثر من أهل السَّمَوَات السَّبع وَالْأَرضين // أخرجه عبد بن حميد وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ينزل رَبنَا ﵎ كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ فَيكون كَذَلِك حَتَّى يصبح الصُّبْح ثمَّ يَعْلُو رَبنَا إِلَى كرسيه وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ جَاءَ رجل من بني سليم إِلَى رَسُول الله ﷺ وَلم يكن رَآهُ إِلَّا بِمَكَّة يُقَال لَهُ عَمْرو بن عبسة فَقَالَ يَا رَسُول الله عَلمنِي مِمَّا أَنْت بِهِ عَالم وَأَنا بِهِ جَاهِل أَي صَلَاة المتطوعين أفضل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مضى نصف اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل فَتلك سَاعَة ينزل الله فِيهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ إِلَى أَن قَالَ حَتَّى ينفجر الصُّبْح فَإِذا انفجر الصُّبْح صعد الرَّحْمَن إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى

стр. 404

فصل الْجَواب عَن هَذَا الْبَاب وَبَيَان تَأْوِيله أعلم أَنا قد بَينا فِيمَا قبل معنى هَذَا الْخَبَر وَأَن النُّزُول يَنْقَسِم إِلَى أَقسَام وَلَيْسَ مَعْنَاهُ يخْتَص النُّزُول بالنقلة والتحويل فَقَط بل مَعْنَاهُ فِي غير الْحَرَكَة أَكثر مِنْهُ يُقَال نزل فلَان من معالي الْأُمُور ومكارمها إِلَى سفاسفها وَيُقَال نزل فلَان عَن رَأْيه وَأنزل فلَان فلَانا عَن دَرَجَته ورتبته وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر﴾ فِي صفة الْقُرْآن وَأخْبر عَن الْمُشْركين أَنهم قَالُوا ﴿سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله﴾ وَيُقَال نزل بني فلَان خير وخصب وارتفع عَنْهُم جَدب وقحط وَلَيْسَ يُرَاد بذلك معنى النقلَة والتحويل من مَكَان إِلَى مَكَان وَمَعَ ذَلِك فَمَعْنَى النُّزُول فِيهِ صَحِيح على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بِهِ كَذَلِك معنى مَا وصف بِهِ الرب من النُّزُول وَإِن لم يكن معنى النقلَة سَائِغ فِي لُغَة الْعَرَب وَذكرنَا أَن ذَلِك يرجع تَأْوِيله إِلَى إِظْهَار فعل وتدبير فِي عباده يُسَمِّيه نزولا وَأَنه يحْتَمل أَن يُقَال

стр. 405

إِن مَعْنَاهُ أَن يظْهر رَحمته لَهُم وإجابته لدعائهم وَأَنه من لَهُ أَن لَا يُجيب وَلَا يرحم لِأَن الْإِجَابَة مِنْهُ فضل وَتركهَا مِنْهُ عدل فَإِذا أجابهم فقد نزل عماله أَن يفعل بهم من ترك الْإِجَابَة إِلَى أَن يفعل بهم مَا يكون من فعله متفضلا وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون مَعْنَاهُ نزُول مَلَائكَته بأَمْره فيضاف إِلَيْهِ النُّزُول على معنى مَا وَقع بأَمْره كَمَا يُقَال نزل الْأَمِير بِموضع كَذَا إِذا نزل أَصْحَابه بأَمْره وَنفذ فِيهِ حكمه وسلطانه وَإِذا كَانَ ذَلِك مِمَّا يحْتَملهُ اللَّفْظ وَيصِح مَعْنَاهُ وَكَانَ حمله على بَعْضهَا لَا يُؤَدِّي إِلَى وصف الله جلّ ذكره مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ كَانَ أولى مِمَّا قَالُوا وَأما اللَّفْظ الآخر الَّذِي ذكره فِي الْخَبَر وَهُوَ قَوْله فَيَجِيء الله ﵎ فيهم فتأويله على نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد بِهِ إِظْهَار فعل يُسمى مجيئا وَالثَّانِي أَن يكون يَجِيء فيهم أَي يَجِيء بهم وَهَذَا نَحْو مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿فِي ظلل من الْغَمَام﴾ أَن مَعْنَاهُ بظلل وَمَا ذكرنَا فِي تَأْوِيل النُّزُول والمجيء فَهُوَ تَأْوِيل الهبوط وَأَن ذَلِك أَيْضا لَيْسَ هُوَ بِمَعْنى التَّحْوِيل من مَكَان إِلَى مَكَان فَأَما مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ فِي قَوْله إِن الْحَج الْأَكْبَر يَوْم

стр. 406

عَرَفَة وَأَن ذَلِك يَوْم المباهاة وَأَن الله تَعَالَى يَقُول للْمَلَائكَة انْظُرُوا إِلَى عبَادي فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنكر وَمعنى المباهاة تَعْرِيف الْمَلَائِكَة مَا يفضل بِهِ على بني آدم من الواقفين بِعَرَفَة من توفيقه إيَّاهُم لطاعته وإحتمالهم المشاق فِيهَا فَأَما ذكره فِي الْخَبَر الآخر من قَوْله وَسَيَأْتِي فَهُوَ بِمَعْنى قَوْلنَا يَجِيء وَجَاء ينزل ويأتيهم الله فِي ظلل وَلَيْسَ معنى شَيْء من ذَلِك هُوَ على الْحَد الَّذِي لَا يَلِيق بِاللَّه تَعَالَى من الْحَرَكَة والنقلة والزوال من مَكَان إِلَى مَكَان بل كل ذَلِك على معنى ظُهُور فعله وتدبيره أَو على معنى ظُهُور الْفِعْل من غير بأَمْره وَحكمه فيضاف إِلَيْهِ اللَّفْظ الَّذِي يكون من قبله على معنى أَنه بأَمْره وَحكمه وَقع وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل مَا ذكر فِيهِ من الْعُلُوّ والصعود وَأَنه لَا يَخْلُو المُرَاد فِيهِ من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ علو الْأَمْلَاك الَّذين نزلُوا بأَمْره إِلَى حَيْثُ يُرِيد من فَوق بأَمْره أَيْضا فيضاف الْفِعْل إِلَيْهِ كَمَا قُلْنَا أَنهم يَقُولُونَ ضرب الْأَمِير اللص وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ أَمر بذلك وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون مَعْنَاهُ ظُهُور فعل بعد فعل فَإِذا كَانَ فعله فضلا سمي نزولا وَإِذا كَانَ عدلا سمي صعُود الْأَجَل مَا يرجع إِلَى الْمَعْقُول فِيهِ وَإِلَى صفة الْفَاعِل فِيمَا لَهُ أَن يفعل وَأَن لَا يفعل

стр. 407

فصل فِي ذكر أَلْفَاظ زَائِدَة فِي الْأَخْبَار الَّتِي فِيهَا الضحك فَمن ذَلِك مَا روى ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِنِّي لأعْلم آخر أهل النَّار خُرُوجًا من النَّار وَآخر أهل الْجنَّة دُخُولا الْجنَّة رجل يُقَال لَهُ ادخل الْجنَّة فيأتيها فَيرى أَنَّهَا ملئت فَيرجع فَيَقُول يَا رب قد امْتَلَأت فَيَقُول ارْجع ثَلَاث مَرَّات ثمَّ يَقُول لَهُ لَك مثل الدُّنْيَا وَلَك مثل عشرَة أَمْثَالهَا فَيَقُول أتضحك بِي وَأَنت الْملك قَالَ ورأيته يَعْنِي النَّبِي ﷺ ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَعَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله ليضحك من إِيَاس العَبْد وقنوطه وَقرب الرَّحْمَة مِنْهُ // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَعَن طَلْحَة بن الْبَراء أَن النَّبِي ﷺ لما أخبر بِمَوْت طَلْحَة رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ اللَّهُمَّ القه وَهُوَ يضْحك وَأَنت تضحك إِلَيْهِ

стр. 408

وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يضْرب الصِّرَاط بَين ظهراني جَهَنَّم وَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ فَيَقُول يَا ابْن آدم مَا أغدرك تُعْطِي عهودك ومواثيقك أَن لَا تَسْأَلنِي غير مَا أَعْطَيْت فَيَقُول أَي يَا رب لَا أكون أَشْقَى خلقك فَلَا يزَال يَدْعُو حَتَّى يضْحك الرب مِنْهُ فَإِذا ضحك مِنْهُ قَالَ لَهُ ادخل الْجنَّة وَعَن عَاصِم بن لَقِيط بن عَامر خرج وافدا إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ فوافينا رَسُول الله ﷺ حِين انْصَرف من صَلَاة الْغَدَاة فَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ فيظل يضْحك قد علم أَن دعوتكم قريب قَالَ لَقِيط لن نعدم من رب يضْحك خيرا // أخرجه أَبُو حميد //

стр. 409

فصل فِي بَيَان تَأْوِيله أعلم أَن الضحك لَيْسَ هُوَ مَخْصُوصًا بتكشر الْفَم وَظُهُور الْأَسْنَان وَتغَير الْحَال على الْإِنْسَان بِهِ بل مَعْنَاهُ مُشْتَرك قَالَت الْعَرَب ضحِكت الأَرْض بالنبات إِذا ظهر فِيهَا النَّبَات قَالَ الشَّاعِر (تضحك الأَرْض من بكاء السَّمَاء ... ) يُرِيد بذلك مَا تظهر الأَرْض من النَّبَات وأنواره عَن مطر السَّمَاء فَأَما وصف الله جلّ ذكره بِهِ فَذَلِك رَاجع إِلَى مَا يظْهر من نعمه ويبديه من مننه فَأَما مَا قيل فِي خبر من يدْخل الْجنَّة آخرا أتضحك بِي وَأَنت الْملك فقد قيل فِي بعض الْأَخْبَار أَيْضا فِي مثل هَذَا الْموضع مِنْهُ أتستهزيء وَأَنت رب الْعِزَّة وَلَيْسَ المُرَاد بذلك إِلَّا مَا يَقع فِي وهم هَذَا الْقَائِل أَن مَا يطْمع فِيهِ ويرجى غير موثوق بِهِ وَلَا مُتَحَقق لما رَجَعَ إِلَى مُتَحَقق حَالَة نَفسه فِي خُرُوجه من النَّار وَالْعَذَاب وَذَلِكَ أَيْضا مجَاز فِي الْكَلَام أَي يفعل مثل مَا يَفْعَله من لَا يُحَقّق مَا يَقُول والمشبه بالشَّيْء قد يُسمى بإسمه قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ وَقَوله

стр. 410

﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ فَأَما قَوْله فِي الْخَبَر الآخر ﴿إِن الله يضْحك من يأس العبيد وقنوطهم﴾ فَيحْتَمل أَن يُقَال إِن مَعْنَاهُ أَنه عِنْد يأس العَبْد مِمَّا سوى الله جلّ ذكره يظْهر الله رَحمته وَعطفه ولطفهم فيرحمهم وَلَيْسَ ذَلِك يرجع إِلَى يأس العَبْد من الله جلّ وَعز لِأَن من كَانَ كَذَلِك لم يظْهر لَهُ نعم الله جلّ ذكره فَأَما قَوْله اللَّهُمَّ ألقه وَهُوَ يضْحك وَأَنت تضحك إِلَيْهِ فَضَحِك الله إِلَيْهِ إِظْهَار لكرامته وضحكه ظُهُور الْفَرح فِيهِ بِمَا يظْهر الله من النعم عَلَيْهِ وَفِيه فَأَما قَوْله فِي الْخَبَر الآخر وَإِذا ضحك رَبك إِلَى عبد فِي موطن فَلَا حِسَاب عَلَيْهِ فَالْمُرَاد أَيْضا نظره لَهُ وَرَحمته وَأَنه إِذا أبدى نعمه على عبد رفع عَنهُ الْحساب فِيهَا إتماما لنعمه وإكمالا لَهَا ولمننه وفضله فِيهِ وَكَذَلِكَ قَوْله فَلَا يزَال حَتَّى يضْحك الله مِنْهُ فَإِذا ضحك مِنْهُ قَالَ لَهُ ادخل الْجنَّة فَالْمَعْنى إِظْهَار إجَابَته والإنعام عَلَيْهِ وإبتداؤه بِالْكَرمِ وَالرَّحْمَة وَلَيْسَ يخرج جَمِيع مَا وصف بِهِ الرب سُبْحَانَهُ من الضحك من أَن يكون مَعْنَاهُ رَاجع إِلَى مَا قُلْنَا فعلى ذَلِك فرتبه للإستحالة فِي وصف الله جلّ وَعز بِمَا هُوَ تكشر الْفَم وَظُهُور الْأَسْنَان وَتغَير الْأَحْوَال لِأَن ذَلِك من صِفَات الْأَجْسَام المحدثة الَّذِي يدل تعاقب الْحُدُوث عَلَيْهَا على حدثها

стр. 411

فصل فِي ذكر مَا رُوِيَ من أَلْفَاظ الْفَرح والإستبشار روى النُّعْمَان بن بشر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لله أفراح بتوبة العَبْد من رجل كَانَ فِي سفر مَعَه رَاحِلَته // أخرجه الْأَمَام مُسلم // الحَدِيث وروى أَبُو هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا ذَكرنِي وَالله أفرح بتوبة عَبده من الرجل يجد ضالته بالفلاة // أخرجه الْأَمَام البُخَارِيّ // وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لاستبشار الله بتوبة أحدكُم أفضل من استبشار أحدكُم بضالته علهيا زَاده ومتاعه وسقاؤه وَمَا يصلحه // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وروى أَبُو الدَّرْدَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ثَلَاثَة يُحِبهُمْ الله ويضحك إِلَيْهِم ويستبشر بهم الَّذِي إِذا اكشفت فِئَة قَاتل وَرَاءَهَا بِنَفسِهِ لله وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يتَوَضَّأ أحدكُم فَيحسن وضوءه ويسبغه حَتَّى يَأْتِي الْمَسْجِد لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِيهِ إِلَّا يستبشر الله تَعَالَى بِهِ كَمَا يستبشر أهل الْغَائِب بطلعته // أخرجه ابْن خزيمه //

стр. 412

فصل الْجَواب فِي ذَلِك أعلم أَن معنى مَا وصف بِهِ الله جلّ ذكره من الْفَرح فَهُوَ بِمَعْنى الرِّضَا لِأَن الْفَرح يَنْقَسِم مَعْنَاهُ إِلَى السرُور وَالرِّضَا وَلَا يَلِيق بِاللَّه تَعَالَى السرُور لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تغير صفته وحدوث الْحَوَادِث فِيهِ فَأَما الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الرِّضَا فَصَحِيح فِي وَصفه وَيكون مَعْنَاهُ إِرَادَته الإنعام على من هُوَ رَاض عَنهُ وَمن تَابَ الله عَلَيْهِ فقد فَرح بِهِ على معنى أَنه رَاض عَنهُ وَأَرَادَ الإنعام عَلَيْهِ فَأَما معنى استبشاره بتوبة العَبْد فراجع أَيْضا إِلَى مَا يظْهر للْعَبد من الْكَرَامَة واللطف وَالنعْمَة وأفعاله لَا تحله وَلَا تحدث فِي ذَاته بل تحدث فِي غَيره فَأَما البشبشة فَهُوَ بِمَعْنى الإستبشار لِأَنَّهُ يُقَال فِي فلَان بشبشة وهشاشة وبشاشة وَفُلَان باش إِذا كَانَ مظهر الرِّضَا بِمَا يستقبله فَلَمَّا كَانَ الله رَاضِيا عَن التائب عَن عبيده مظْهرا للنعم لَدَيْهِ بتوفيقه إِيَّاه للتَّوْبَة أَولا وتثبيته عَلَيْهَا ثَانِيًا ومثوبته ثَالِثا كَانَ ذَلِك مِنْهُ إستبشارا وبشبشة

стр. 413

فصل فِي ذكر مَا رُوِيَ من أَلْفَاظ الإستحياء روى أَبُو وَاقد اللَّيْثِيّ أَن النَّبِي ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد وَالنَّاس مَعَه إِذْ أقبل ثَلَاثَة نفر فَأقبل إثنان إِلَى رَسُول الله ﷺ وَذهب وَاحِدًا قَالَ فَوقف على رَسُول الله ﷺ فَأَما أَحدهمَا فَرَأى فُرْجَة فِي الْحلقَة فَجَلَسَ فِيهَا فَأَما الآخر فَجَلَسَ خَلفهم وَأما الثَّالِث فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا فَلَمَّا فرغ رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا أخْبركُم عَن الثَّلَاثَة نفر أما أَحدهمَا فأوى إِلَى الله فآواه الله وَالْآخر فاستحيا فاستحيا الله مِنْهُ وَأما الآخر فَأَعْرض الله عَنهُ // أخرجه الْأَمَام البُخَارِيّ // وَعَن أبي حنيس الْغِفَارِيّ قَالَ خرجت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة تهَامَة قَالَ خطب رَسُول الله ﷺ فجَاء ثَلَاثَة نفر فَجَلَسَ إثنان مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ﷺ أَلا أخْبركُم عَن النَّفر الثَّلَاثَة

стр. 414

أما أَحدهمَا فاستحيا فاستحيا الله مِنْهُ وَأما الآخر فَأقبل تَائِبًا إِلَى الله فَتَابَ الله عَلَيْهِ وَأما الآخر فَأَعْرض فَأَعْرض الله عَنهُ وَعَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن ربكُم حَيّ كريم يستحي أَن يمد عَبده إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَن يردهما خائبتين وَعَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله يستحي من عَبده أَو أمته يعذبهما بعد مَا شَابًّا

стр. 415

فصل فِي الْجَواب عَن ذَلِك أعلم أَن الإستحياء من الله بِمَعْنى التّرْك وعَلى ذَلِك تَأَول المتأول قَوْله ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا﴾ وَأَن مَعْنَاهُ أَنه لَا يتْرك وَأما قَوْله وَأما الآخر فاستحيا فأستحيا الله مِنْهُ فَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ ترك أَذَى الْقَوْم بمزاحمتهم فِي الْحلقَة فَجَلَسَ خَلفهم فَترك الله عُقُوبَته وَعَفا عَن ذنُوبه وَكَذَلِكَ معنى قَوْله إِن ربكُم حَيّ كريم أَنه يتْرك عُقُوبَة العَبْد عَن خطيئته وَيَعْفُو عَن زلته بكرامته فَإِذا رَجَعَ إِلَيْهِ سَائِلًا مُسْتَغْفِرًا أَجَابَهُ وَغفر لَهُ وَكَذَلِكَ معنى قَوْله إِن الله يستحي من عَبده أَو أمته أَن يعذبهما بعد مَا شَابًّا أَنه يتْرك عذابهما إِذا شَابًّا فِي الْإِسْلَام وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن الْحيَاء الَّذِي هُوَ الإنقباض بِتَغَيُّر الْأَحْوَال وحدوث الْحَوَادِث فِيمَن يتَغَيَّر بِهِ لَا يجوز على الله عز وَجل

стр. 416

فصل آخر فِي معنى مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ فِي وصف الله تَعَالَى بِالصبرِ وَالْغَضَب والبغض روى أَبُو مُوسَى عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا أحد أَصْبِر على أَذَى يسمعهُ من الله تَعَالَى إِنَّه يُشْرك بِهِ وَيجْعَل لَهُ ولدا ويرزقهم وَيدْفَع عَنْهُم ويعافيهم // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وروى أَبُو الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله يبغض الْفَاحِش الْبَذِيء وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله ﷺ من لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم أحد أَشْتَدّ غضب الله على قوم قسموا الْبَيْضَة على رَأس نَبِيّهم وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى الله // أخرجه ابْن حميد // وَعَن سَلام عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اشْتَدَّ غضب الله على امْرَأَة ألحقت ولدا بِقوم لَيْسَ مِنْهُم يشركهم فِي

стр. 417

أَمْوَالهم ويطلع على عَوْرَاتهمْ // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَعَن جَابر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اشْتَدَّ غضب الله على من كذب عَليّ مُتَعَمدا // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تَدْنُو الشَّمْس فَيبلغ النَّاس من الكرب وَالْغَم مَالا يُطِيقُونَ وَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ فَيَأْتُونَ آدم ﷺ فَيَقُولُونَ أشفع لنا إِلَى رَبك فَيَقُول إِن رَبِّي قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغْضب مثله قبله وَلَا يغْضب مثله بعده // أخرجه الْأَمَام مُسلم //

стр. 418

فصل فِي الْجَواب عَن ذَلِك أعلم أَن معنى وصف الله جلّ ذكره بِالصبرِ فَهُوَ بِمَعْنى الْحلم وَمعنى وصف الله جلّ ذكره بالحلم فَهُوَ تَأْخِير الْعقُوبَة عَن الْمُسْتَحقّين لَهَا وَوصف الله بِالصبرِ لم يرد بِهِ الْكتاب وَإِنَّمَا ورد فِي نوع من هَذِه الْأَخْبَار وتأوليه على معنى تَأْوِيل الْحلم فَأَما وَصفه بِالْغَضَبِ فقد ورد بِهِ الْكتاب وَمَعْنَاهُ إِرَادَة الْعقُوبَة لأَهْلهَا وَمن علم أَنه يُعَاقب عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ نقُول فِي الرِّضَا أَنه إِرَادَة التَّنْعِيم والتفضيل لمن علم أَنه أهل لذَلِك وَذَلِكَ من صِفَات الذَّات لِأَن تَأْوِيله يرجع إِلَى الْإِرَادَة وَإِرَادَة الله تَعَالَى من صِفَات ذَاته فَأَما معنى اشْتَدَّ غَضَبه فَالْمُرَاد بِهِ مَا يبديه من زِيَادَة الْعقُوبَة على بَعضهم دون بعض فَأَما مَا هُوَ صفة الذَّات فَلَا يجوز وَصفه بالتزايد وَإِنَّمَا يرجع التزايد إِلَى الْأَفْعَال الصادرة عَن الْإِرَادَة وَأما معنى السخط فَهُوَ بِمَعْنى الْغَضَب وَأما معنى البغض فَهُوَ بِمَعْنى الْكَرَاهِيَة فَإِذا قيل أبْغض الله فلَانا من خلقه فَالْمُرَاد بِهِ كَرَاهَته الْفضل عَلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ وَالرَّحْمَة لَهُ

стр. 419

وَإِذا قيل للموجود إِن الله يبغضه فَالْمَعْنى فِيهِ أَنه يكره أَن يكون بِخِلَاف مَا هُوَ بِهِ وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل قَوْله إِن الله يبغض الْفَاحِش الْبَذِيء فصل آخر فِي ذكر مَا ورد فِي السّنة من وصف الله جلّ ذكره بِالْإِعْرَاضِ رُوِيَ عَن وَائِل بن حجر اخْتصم رجل من حَضرمَوْت وَرجل من كِنْدَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ قَالَ رَسُول الله ﷺ أما إِنَّه حلف على مَاله ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض // أخرجه النَّسَائِيّ // وروى عَطاء عَن أبي أَيُّوب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هِجْرَة الْمُؤمن ثَلَاث فَإِن تكلما وَإِلَّا أعرض الله عَنْهُمَا حَتَّى يتكلما

стр. 420

فصل فِي الْجَواب عَن ذَلِك أعلم أَن وصف الله جلّ ذكره بِالْإِعْرَاضِ عِنْد العَبْد يرجع إِلَى تَركه توفيقه لخيرو معونته عَلَيْهِ أَو عَن إثْبَاته وإكرامه فَإِذا قيل للْعَبد إِنَّه معرض عَن الله فَالْمُرَاد بِهِ أَنه منصرف عَن طَاعَته وَكَذَلِكَ يُقَال فِي الإقبال إِذا قيل إِن الله مقبل على عبد أَو قيل للْعَبد إِنَّه مقبل على الله أَو إِلَى الله جلّ ذكره فَالْمُرَاد بِهِ وصف الله تَعَالَى بِهِ مَعُونَة العَبْد على فعل الْخَيْر بتيسيره لَهُ طَرِيق الطَّاعَة وَإِذا وصف بِهِ العَبْد فَالْمُرَاد بِهِ اسْتِعْمَاله بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَة وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لإستحالة أَن يُوصف الله بالملاقاة والمقابلة فَيكون إعراضه والإعراض عَنهُ حسب الْإِعْرَاض عَن الْأَجْسَام والإقبال عَلَيْهَا بتلقي الْمُحَاذَاة لَهَا وَوجه الْمُقَابلَة وَذَلِكَ لإستحالة كَونه جسما أَو جورها وموصوفا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى وَصفه بالحدوث وسماته

стр. 421

فصل آخر فِي ذكر مَا رُوِيَ فِي الإثارة فِي المبالاة فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي كِتَابه ﴿قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم﴾ وروى نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من جعل الْهم هما وَاحِدًا كَفاهُ الله هم دُنْيَاهُ وَمن تشعبته الهموم لم يبال الله فِي أَي أَوديَة الدُّنْيَا هلك // أخرجه الْبَيْهَقِيّ // وروى حَمَّاد عَن ثَابت عَن شهر بن حَوْشَب عَن أَسمَاء بنت يزِيد قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا وَلَا يُبَالِي // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وروى خَالِد بن عبد الله عَن بَيَان عَن قيس بن مرداس الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 422

يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حثالة كحثالة الشّعير أَو التَّمْر لَا يباليهم الله باله // أخرجه الْأَمَام فِي مُسْنده // وروى شهر بن حَوْشَب عَن معدي كرب عَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ يرويهِ عَن ربه جلّ وَعز يَا ابْن آدم إِن تذنب حَتَّى يبلغ ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ تستغفرني غفرت لَك لَا أُبَالِي // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // فصل فِي الْجَواب عَن ذَلِك أعلم أَن كل مَا وصف بِهِ الله من أَمْثَال هَذِه الْأَلْفَاظ فَالْمُرَاد بِهِ الْأَخْبَار عَن غناهُ وَأَنه مِمَّن لَا ينتقص شَيْء مِمَّا يَفْعَله وَكَذَلِكَ معنى مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ فِي القبضتين اللَّتَيْنِ أخرجهُمَا من صلب آدم ﵇ للنار وَلَا أُبَالِي وللجنة وَلَا أُبَالِي وَأفَاد بذلك أَنه يُوصل فَضله وعدله إِلَى مَا شَاءَ من خلقه من غير أَن يزْدَاد عَن فعل الْفضل أَو يكون لَهُ نقص بِفعل الْعدْل من تعذيبهم ابْتِدَاء من غير جرم وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ معنى الْآيَة مَحْمُولا عَلَيْهِ

стр. 423

فصل آخر فِي الْبَيَان عَمَّا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من وصف الله بالمباهاة روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله يباهي بِأَهْل عَرَفَات فَيَقُول يَا ملائكتي أنظروا إِلَى عبَادي جاؤوني من كل فج عميق أشهدكم أَنِّي غفرت لَهُم وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير أَن نَوْفًا الْبكالِي وعبد الله بن عَمْرو اجْتمعَا فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو أَنا أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ صلينَا مَعَه الْمغرب ذَات لَيْلَة فَرجع من رَجَعَ وعقب من عقب فجَاء رَسُول الله ﷺ من قبل أَن يثوب النَّاس لصَلَاة الْعشَاء وَقد حفزه النَّفس وَهُوَ رَافع إصبعيه إِلَى السَّمَاء وَهُوَ يَقُول أَبْشِرُوا يَا معشر الْمُسلمين هَذَا ربكُم فتح بَابا من أَبْوَاب السَّمَاء يباهي بكم الْمَلَائِكَة فَيَقُول أنظروا عبَادي قضوا فَرِيضَة وهم ينتظرون أُخْرَى وَرُوِيَ أَن مُعَاوِيَة خرج على أنَاس وهم جالسون فَقَالَ خرج رَسُول الله ﷺ على حَلقَة وهم جُلُوس فَقَالَ مَا أجلسكم قَالُوا جلسنا نذْكر الله ونحمده على مَا هدَانَا

стр. 424

لِلْإِسْلَامِ وَمن علينا بك فَقَالَ الله مَا أجلسكم إِلَّا ذَلِك قَالُوا آللَّهُ مَا أجلسنا إِلَّا ذَلِك قَالَ إِنِّي لم أستحلفكم تُهْمَة لكم وَلَكِنِّي أَخْبرنِي جِبْرِيل ﵇ أَن الله يباهي بكم الْمَلَائِكَة فصل فِي الْجَواب عَن ذَلِك أعلم أَن معنى المباهاة هُوَ أَن الله يظْهر من فعله للْمَلَائكَة مَا يحقرون طاعتهم وعبادتهم فِي عِبَادَتهم وأصل المباهاة هُوَ مفاعلة من الْبَهَاء والبهاء من العظمة فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن الله يظْهر من عَظمَة هَؤُلَاءِ المطيعين وبهائهم فِيهَا مَا يزِيد على بهاء الْمَلَائِكَة وحالهم فِي طاعتهم وعبادتهم وَالْغَرَض فِي معنى هَذَا الْخَبَر وَفَائِدَته تَعْرِيف الْخلق من الْآدَمِيّين مَوَاضِع الْفضل فِي طاعتهم وعبادتهم وَأَنَّهُمْ قد تبلغ طاعتهم مبلغا يزِيد قدره على قدر طَاعَة الملائة وَهَذَا مِمَّا يُمكن أَن يسْتَدلّ بِهِ أَن أفاضل الْآدَمِيّين أفضل من الْمَلَائِكَة لِأَنَّهُ لَا يباهي إِلَّا بالأفضل

стр. 425

فصل آخر مِمَّا ذكر فِي الْخَبَر من معنى الْمُنَاجَاة روى حميد الطَّوِيل عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه رأى نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فشق عَلَيْهِ حَتَّى عرف ذَلِك فِي وَجهه فحكسه وَقَالَ إِن أحدكُم إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربه وَإِن ربه بَينه وَبَين الْقبْلَة // أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم // وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا سلم فَإِذا رجل فِي آخر الصَّفّ قَالَ يَا فلَان أَلا تتقي الله أَلا تنظر كَيفَ تصلي فَإِن أحدكُم إِذا قَامَ يُصَلِّي يقوم يُنَاجِي ربه فَلْينْظر كَيفَ يناجيه // أخرجه الْحَاكِم // وَعَن صَفْوَان بن مُحرز قَالَ بَيْنَمَا أَنا أَسِير مَعَ عبد الله بن عمر آخِذا بِيَدِهِ إِذْ عرض لَهُ رجل فَقَالَ كَيفَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدنى مِنْهُ الْمُؤمن فَيَقُول أتعرف كَذَا أتعرف ذَنبا كَذَا // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
следующие страницы →