← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 59

حينما يعتكف القلب

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (58 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمدُ لله الذي جعلَ محل نظره القلوب لا الأبدان، والصلاةُ والسلامُ الأتمَّان الأكملان على نبيِّنا محمد سيِّد ولد عدنان، وعلى آله وصحبه ذوي التقى والإيمان. أما بعد: فكثيرٌ أولئك الذين لا يسبقُ إلى أذهانهم حينما يسمعونَ كلمةَ (الاعتكاف) سوى اعتكاف الجسد في بيتٍ من بيوتِ الله، فهو في مخيلتهم منحصرٌ في مفهومِ الاعتكافِ الحسي، وهذا وإنْ كان مِن شرائطِ الاعتكاف إلا أنه ليس هو مقصودَه، فإنَّ مقصودَه والغايةَ منه: اعتكافُ القلب الذي هو موضع نظر الله: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (١). وكم مِن عبدٍ عكفَ بجسدِه في بيتِ الله، لكنه لم يصلْ إلى

стр. 2

الاعتكافِ الذي أراده الله ؛ ولهذا علَّق اللهُ سبحانه الخيرَ الذي يُؤتيه عبدَه بالخيرِ الذي في قلبِ عبدِه، فقال سبحانه: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]. فكلما صحَّ القلبُ وتعالى على الدنيا؛ أقبلتْ مِنحُ الله وهباته عليه، والعشر الأواخر من رمضان أحرى الأيام بهذه المنح، والعاكفُ في بيتِ الله (عكوفَ قلب) حقيقٌ بذلك؛ لصدقِه وقربِه مِن الله. ولكي يكون الاعتكافُ اعتكاف قلب لا جسد فقط، ويتذوق المُعْتكِف هذه العبادة، وتستقيم له هذه الطاعة، ويستروح روحها، ويستحضر معاني العبودية فيها؛ ينبغي له أن يتطلَّعَ إلى السِّمات التالية:

стр. 3

السِّمةُ الأولى قطعُ العلائِق عن الخلائِق إنَّ سِرَّ الاعتكاف وغايته: الخلوةُ باللهِ وتفريغُ القلب وقطعُ علائقِه بالخلائق؛ ولهذا كان اللائقُ بالمُعْتَكِف أنْ يكون مُنهمكًا في التَّنسُّك والعبادات الخاصة، مُقبلًا على ربِّه بتخليةِ القلب لله، والإلحاح في طلبِ رضاه، والإلحاف (١) في نيلِ مغفرتِه وعفوه، كما قال عطاء ﵀: «مَثَل المُعْتَكِف كمثل رجلٍ له حاجةٌ إلى عظيمٍ، فجلسَ على بابِه يقولُ: لا أَبرحُ حتى تَقْضِي حاجتي، وكذلك المُعْتَكِف يجلسُ في بَيتِ الله يقول: لا أَبْرحُ حتى يُغْفَر لي» (٢). ولهذا كان المشروعُ للمُعْتَكِف أنْ يكونَ عَزوفًا عن الناس، مجافيًا لمجالسِهم، وقد نصَّ الإمامُ أحمد ﵀ على أنه ينبغي

стр. 4

للمُعْتَكِف ألَّا يخالطَ الناس حتى ولو كان ذلك لتعليمِ علم أو إقراء قرآن، وأنَّ الأكملَ له الانفراد والتخلي لمناجاةِ ربِّه وذكرِه ودعائِه (١). وبنظرةِ تأمُّل، نجدُ أنَّ عبادةَ الاعتكاف اقترنت بعبادةِ الصوم؛ لأنَّ حكمةَ مشروعيتهما واحدة، وهي: إصلاح القلب بتقوى الله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، ويبلغُ العبدُ الصائمُ الذروةَ في إصلاحِ قلبِه حينما يعتزل الناس، ويعتكف بقلبِه وجسدِه، خاليًا بربِّه، منطرحًا بين يديه، وكان مِن هدي النبي ﷺ في الاعتكاف الانفرادُ عن الناس، وكان يأمرُ بأنْ يُضربَ له خِبَاء (٢) في المسجدِ يلزمُه، ويخلو بربِّه، كما قالت عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ

стр. 5

يَدْخُلُهُ» (١). إنَّ جُل الطاعات وكثيرًا مِن العبادات تجتمعُ للعاكفِ المنفردِ الخالي بربِّه، وأعظم هذه العبادات وأشرفها: عبادة القلب، ولأنَّ القلبَ هو سيد الأعضاء فإنه مخصوصٌ بسيد العبادات: الإخلاص، وليس شيءٌ مِن الحالاتِ تزيدُ الإخلاصَ وتُنميه كما في حالةِ العبد المنكسر المنطرح بين يدي مولاه حين الخلوة بالله، والعكوف على طاعته؛ ولهذا فإنَّه يتذوق حلاوةَ الإيمان، ويجد له مذاقًا وطعمًا لا يُساميه أيّ مذاق، ولا يُدانيه أيُّ طعم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].

стр. 6

السِّمةُ الثانية العيشُ مع القرآن لُبُّ العبادةِ وحياةُ القلبِ مصدرُها الأول: كتاب الله، الذي جعله الله روحًا وحياةً ونورًا، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. ولا غرو أنْ يجدَ المؤمنُ حياةَ قلبِه في تدبر القرآن؛ لأنَّه يتذوقُ بتلاوتِه المتأنية حلاوةَ المناجاة لكلامِ ربِّه، فيعيشُ في آفاق الآيات التي يسري رَوْحُها في خلجاتِ قلبه، فيجد حينها لقلبِه حياةً أخرى، ولقراءته لذَّةً لا يَصِفُها لسانُه، ولا تُدوِّنها أقلامُه، وذلك لعظمةِ الخطاب الرباني وروعةِ جماله الذي يَسلُبُ عقلَ المتدبرِ فترِقُّ نفسُه، ويَلُفها سكينة وخشية، فيتجلى للقلبِ مِن المعاني ما يَفيضُ نورًا وغيثًا يُضفي على القارئ جلالًا وجمالًا. وكما أنَّ الغيثَ ربيعُ الأرضِ، فكذلك القرآن ربيع أفئدة أهل

стр. 7

الإيمان، وهو نهر الحياة لقلوبِهم، فلا شيء أنفع للقلبِ مِن قراءةِ القرآن بالتدبر والتفكر، فهو يُورث المحبَّة والشوق والخوف والرجاء، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، فلو علم النَّاس ما في قراءة القُرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عنْ كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مَرَّ بآيةٍ هو محتاجٌ إليها في شفاءِ قلبه، كررها ولو مائة مرة ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خيرٌ مِن قراءةِ ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حُصُولِ الإيمان وذوق حلاوة القرآن؛ فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب (١). وهذا ليس لكلِّ قارئ للقرآن، بل لمن «كان هَمُّه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها: متى أتَّعِظُ بما أتلوه؟ ولم يكنْ مرادهُ: متى أختم السورة؟، مرادهُ: متى أعقل عنِ الله الخطاب، متى أزدجر، متى أعتبر؟ لأنَّ تلاوة القرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة» (٢). ومتى ما عاش المعتكف مع القرآن على هذا النحو فقد أحرز عكوف القلب الذي هو بُغية طلاب الاعتكاف الحق.

стр. 8

إنَّ العيشَ مع القرآن وتدبره مفتاحُ استقامة القلب، ولا شيء يَعْدِلُ العيش مع القرآن في تثبيتِ القلب وإرساءِ دعائمه؛ ولذا أمر الله «بتدبر كتابه، والتفكر في معانيه، والاهتداء بآياته، وأثنى على القائمين بذلك، وجعلهم في أعلى المراتب، ووعدهم أَسْنَى المواهب، فلو أنفق العبدُ جواهرَ عُمُرِهِ في هذا الفن، لم يكنْ ذلك كثيرًا في جنب ما هو أفضل المطالب، وأعظم المقاصد، وأصل الأصول كلها، وقاعدة أساس السعادة في الدارين، وصلاح أمور الدِّين والدنيا والآخرة، وبه يتحقق للعبد حياةٌ زاهرة بالهدى والخير والرحمة، ويُهيئ الله له أطيب الحياة والباقيات الصالحات» (١). إنِّ الانطلاقةَ الأولى للعيشِ مع القرآن تكمُن في تدبُّره وطول التأمُّل في آياته. نعم إنه «ليس شيءٌ أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاتِه مِن تدبر القرآن، وإطالة التأمُّل فيه، وجَمْعِ الفكر على معاني آياته، فإنها تُطْلِعُ العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى

стр. 9

طُرُقَاتِهِما، وأسبابهما، وغاياتهما، وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتَتُلُّ (١) في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتُثَبِّتُ قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه وتُوَطِّدُ أركانه، وتُرِيهِ صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتُحْضِرُهُ بين الأمم، وتُرِيهِ أيام الله فيهم، وتُبَصِّرُهُ مواقع العبر، وتُشْهِدُهُ عدل الله وفضله، وتُعَرِّفُهُ ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يُحبه وما يُبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها، وتُعَرِّفُهُ النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق، واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وفي تأمُّل القرآن وتدبره، وتفهمه، أضعاف أضعاف ما ذكرنا من

стр. 10

الحِكَم والفوائد. وبالجملة فهو أعظم الكنوز، طِلَّسْمُه (١) الغوص بالفكر إلى قرار معانيه» (٢). ومِن أنفعِ الوسائل المعُينة على تدبر القرآن: ترديد الآيات، فهو السبيل إلى استدرار كنوز القرآن وأسراره. عن أبي ذر ﵁ قال: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ؛ يُرَدِّدُهَا وَالآيَةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]» (٣). قال بِشْر بن السَّرِي: «إنما الآية مثل التمرة؛ كلما مضغتها استخرجت حلاوتها» (٤). وقال المُوَفَّق ابن قدامة: «وإنْ لم يحصل التدبر إلا بترداد

стр. 11

الآية، فليرددها» (١). ومن الْمُعِينات على تدبر القرآن: الإقبال عليه، واستشعار القارئ أنه مُخَاطَبٌ به، فإنَّ ذلك مِن دواعي الفتوحات فيه. قال شيخ الإسلام ﵀ مستشعرًا ما أفاض اللهُ على قلبِه مِن الفتوحاتِ العظيمة والاستنباطات البديعة، وذلك في أثناء سجنه وخلوته بربِّه، وإقباله التام على القرآن-: «قد فتح اللهُ عليَّ في هذا الحصن في هذه المرة مِن معاني القرآن، ومِن أصول العلم بأشياء، كان كثيرٌ من العلماء يتمنونها، وندمتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن» (٢). وقال تلميذه ابن القيم ﵀: «إذا أردتَ الانتفاعَ بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألقِ سمعك، واحضُر حضور مَن يخاطبه به مَن تَكَلَّمَ به سبحانه منه إليه، فإنه خطابٌ منه لك على لسانِ رسولِه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ

стр. 12

أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، وذلك أنَّ تمامَ التأثير لَمَّا كان موقوفًا على مُؤَثِّرٍ مُقْتَضٍ، ومَحَلٍّ قابلٍ، وشرطٍ لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه؛ تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأَبْيَنِهِ وأَدَلِّهِ على المراد. فإذا حصل الْمُؤَثِّر: وهو القرآن، والمحل القابل: وهو القلب الحي، وَوُجِدَ الشرط: وهو الإصغاء، وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيءٍ آخر؛ حصلَ الأثر: وهو الانتفاع والتذكر» (١). إنَّ مِنَّةَ الله علينا عظيمة، حين أَذِنَ لمخلوقات ضعيفة مثلنا، أن تناجيه من خلال كلامه العظيم، قال ابن الصلاح ﵀: «ورد أن الملائكة لم يُعطُوا فضيلة قراءَة القُرآن، وهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، فإذن قراءة القُرآن كرامة أكرم الله بها الإنس، غير أن المُؤمنينَ من الجن بلغنا أنهم يقرؤونه، والله أعلم» (٢).

стр. 13

إنَّ استحضارَ هذا الاصطفاء، واستحضارَ عظمة المتكلِّم بالقرآن، هو أقوى وسائل العيش مع القرآن، قال ابن الجوزي ﵀: «ينبغي لتالي القرآن العظيم أنْ ينظرَ كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم، وأنْ يعلمَ أنَّ ما يقرؤه ليس مِن كلامِ البشر، وأنْ يَستحضرَ عظمة المتكلِّم ، ويتدبر كلامه» (١). ومِن الْمُعِيناتِ على تدبر القرآن والعيش معه: الفرح به، وقراءته بروح الاستبشار والشعور بالفضل، فمَن رَامَ فَهْمَ القرآن؛ فليقرأه قراءة فرح واستبشار؛ فإنَّ ذلك مِن أعظم دواعي التدبر، قال تعالى في وصفِ عبادِه المؤمنين: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧، ٥٨].

стр. 14

قال ابن أبي حاتم ﵀ في تفسير هذه الآية: «وذُكِرَ عنْ بَقيَّة، عنْ صفوان- يعني ابن الوليد بن عمرو- قال: سمعتُ أَيْفَع بن عبد الكَلَاعِي يقول: لَمَّا قَدِمَ خَرَاجُ العراق إلى عمر ﵁ خرج عمر ومولًى له، فجعل عمر يَعُدُّ الإبل، فإذا هو أكثر مِن ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله، ويقول مولاه: يا أميرَ المؤمنين، هذا واللهِ مِن فضلِ الله ورحمتِه. فقال عمر: كَذَبتَ ليس هذا هو, يقول الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، وهذا مما يجمعون» (١). وقال أحمد بن أبي الحواري: «إني لأقرأ القرآن فأنظرُ في آيةٍ منه فيَحَارُ عقلي فيها، وأَعْجَبُ مِن حُفَّاظِ القرآن! كيف يَهنْيِهِمُ النوم، ويُسيغهم أنْ يشتغلوا بشيءٍ مِن الدنيا، وهم يتكلمون كلام الرحمن، أَمَا لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واسْتَحْلَوا المناجاة به؛ لذهبَ عنهم النوم فرحًا بما رُزِقُوا ووُفقوا» (٢).

стр. 15

وأنشد ذو النون المصري: مَنَعَ القُرَانُ بِوَعْدِه وَوَعِيدِهِ ... مُقَلَ الْعُيُونِ بِلَيْلِهَا لَا تَهْجَعُ فَهِمُوا عَنِ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ كَلَامَهُ ... فَهْمًا تَذِلُّ لَهُ الرِّقَابُ وَتَخْضَعُ (١) وقال أبو سليمان الداراني ﵀: «أهلُ الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببتُ البقاء في الدنيا» (٢). وقال بعض السلف: «مساكين أهل الدنيا: خرجوا مِن الدنيا وما ذاقوا أطيبَ ما فيها. قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأُنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عَمَّا سِوَاه» (٣). وهذا الشوق والأُنس بالله والإقبال عليه، أعظمُ بواعثه العيشُ مع القرآن وتدبره والتنعم بتلاوتِه.

стр. 16

لقد فهم السلف الصالح هذا المعنى ووعوه؛ فأثمر ذلك لديهم هِممًا طامحةً لتخليةِ الذهن للقرآنِ في مواسمِ النفحات، وكان لديهم بقراءته عجائب، وكان يُسمع لهم به دَوِيٌّ كدوي النحل مِن التأثر. إنَّ علينا جميعًا أنْ نستيقنَ أنَّ العيشَ مع القرآن وتدبره وتفهم معانيه والعمل به، هو مقصود التلاوة، كما أدرك ذلك سلفُنا الصالح. قال الحسن البصري ﵀: «إنَّ مَن كان قبلكم رأوا القرآن رسائل مِن ربهم، فكانوا يتدبرونها في الليل، ويُنَفِّذُونَهَا في النهار» (١). فأطْلِقْ لنفسِك -أيها المُوفَّق- رُوحَها؛ لِتعُبَّ (٢) من رياحين القرآن، وفرِّغ قلبك، وأخْلِ ذهنك للقرآن؛ كي تعيش معه فيُرفرف قلبك في قِمم السعادة، فتفوز فوزًا عظيمًا.

стр. 17

السِّمةُ الثالثة جمعيةُ القلبِ وصِدقُ إقبالِه إنَّ غايةَ الاعتكاف ومقصودَه: استقامةُ القلب، والقلبُ لا يستقيمُ على صراطِ الله إلا بإقبالِه بكُلِّيته على الله، ومتى ما انصرفَ عن الله وسَبَح في أشتاتٍ بعيدةٍ عنه؛ فقد فاته المقصودُ مِن الاعتكاف، ولو كان الجسدُ عاكفًا. ولهذا؛ «لمَّا كانَ صلاحُ القلبِ واستقامتُه على طريقِ سيرِه إلى الله تعالى، متوقِّفًا على جَمعِيَّته على الله، ولَمِّ شَعْثِه بإقبالِه بالكُلِّيةِ على اللهِ تعالى، فإنَّ شعثَ القلبِ لا يَلُمُّه إلا الإقبالُ على اللهِ تعالى، وكان فضولُ الطعامِ والشرابِ، وفضولُ مخالطة الأنامِ، وفضولُ الكلامِ، وفضولُ المنامِ، مما يزيدُهُ شَعَثًا، ويُشتِّتهُ في كلِّ وادٍ، ويقْطَعُه عنْ سيرِه إلى اللهِ تعالى، أو يُضعفُه أو يَعُوقُه ويوقفُه؛ اقتضتْ رحمةُ العزيزِ الرحيم بعبادِه أنْ شرعَ لهم مِن الصومِ ما يُذهبُ فضولَ الطعامِ

стр. 18

والشرابِ، ويستفرغُ مِن القلبِ أخلاطَ الشهواتِ المُعوِّقة له عنْ سيرِه إلى اللهِ تعالى، وشرعِهِ بقْدرِ المصلحةِ، بحيثُ ينتفعُ به العبدُ في دُنياه وأُخراه، ولا يَضُرُّه ولا يَقْطَعُه عنْ مصالحِه العاجلة والآجلة. وشرع لهم الاعتكافَ الذي مقصودُه وروحُه عكوفُ القلبِ على اللهِ تعالى، وجَمعيتُه عليه، والخلوةُ به، والانقطاعُ عنْ الاشتغال بالخلق، والاشتغالُ به وحده سبحانه بحيثُ يصيرُ ذكرُهُ وحُبُّهُ، والإقبالُ عليه في مَحلِّ هُموم القلب وخطراتِه، فيستولي عليه بَدَلها (١)، ويصيرُ الهَمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكرِه، والتفكرُ في تحصيلِ مَرَاضِيه وما يُقربُ منه، فيصيرُ أُنسه بالله بدلًا عنْ أُنسه بالخلق، فيُعِدُّه بذلك لأُنسِه به يومَ الوحشةِ في القبور حين لا أَنيسَ له، ولا ما يفرحُ به سواه، فهذا مَقصودُ الاعتكافِ الأعظمِ» (٢).

стр. 19

السِّمةُ الرابعة استشعارُ مَعيَّةِ الله لعبدِه قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] إنها آية عظيمة يَستوحي منها العبدُ المؤمنُ اطلاع الله عليه في كل تقلباتِه وأحوالِه وعباداتِه، «أي يراك في هذه العبادة العظيمة التي هي الصلاة وقت قيامك وتقلبك راكعًا وساجدًا، وخصَّها بالذِّكرِ لفضلها وشرفها؛ ولأنَّ مَن استحضر فيها قُربَ ربِّه خشعَ وذَل» (١). وهذه الآيةُ الكريمة جاءت في آخر سورة الشعراء بعد أمْر النبي ﷺ بالإنذارِ والثبات على الحقِّ والتوكلِ على الله؛ فكأنَّ في هذا إلماحة إلى أنَّ استحضارَ مَعيَّة الله لعبدِه واطلاعه عليه حين القيام

стр. 20

بالعبادة، هو زادٌ رُوحي يُسلي قلبَ المؤمن في طريقهِ إلى الله، ويَسُلُّ سخيمتَه، ويُجلي عنه صخب الحياة وكدرها وعذاباتها. إنَّ استحضار هذه المعيَّة ومراقبة الله لعبده وعلمه بحاله، وإحاطته بسره وعلانيته، وقوله وعمله؛ لهو كفيلٌ بإزالةِ الغشاوة عن القلب وزوال غبار أوضار الدنيا؛ ليحل محلها الإخلاص الذي يلفه سياج الصدق مع الله وابتغاء ثوابه وعطائه الأخروي، فإنَّ مَن كان بهذه المنزلة في الرقابةِ الذاتية عند أداء العبادة لا تتطلع همته إلا إلى أعلى المنازل في الآخرة؛ لأنَّ الدنيا وحظوظها باستشعار معيَّة الله ورقابته تُصبحُ هشيمًا تذروه الرياح، وإذا غابت الرقابة أو ضعفت في قلب العبد هجمت عليه نوازع النفس هجوم الأسد الضاري على فريستهِ في يوم مسغبةٍ وغياب رقيبٍ.

стр. 21

السِّمةُ الخامسة تعظيمُ الله تعالى إنَّ الأصلَ في عبوديتنا لله أنْ تكون قائمة على توقيره وتعظيمه وإجلالِه، ورمضانُ، وعَشْرُهُ الفاضلات، والاعتكافُ؛ بواباتٌ مباركةٌ لتنمية هذا التوقير والتعظيم في قلوبِنا، وهذه المناسبات مِن أعظمِ مُورِثاتِ هذا المطلبِ الجليل. قال ابن عباس ﵄ في معنى قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]: «ما لكم لا تَعظِّمونَ الله حقَّ عظمته» (١)، فحق التوقير: التعظيم في القلب، وحق التعظيم بالقلب: الطاعة بالجوارح (٢). وكلما تدبر المؤمنُ آيات القرآن وأحاديث السُّنة التي جاء فيها

стр. 22

ذكر أسماء الله الحسنى وعظمته وجلاله؛ انخلع قلبُه إجلالًا لله وتعظيمًا له، يتلو قول الله سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر: ٦٧]، فتنساب إلى قلبه مشاعرُ من تعظيم الله وإجلاله، مشاعر فياضة تستخرج رواسب التعلق بالدنيا والإخلاد إليها، فلا يبقى في القلب سكنٌ لغير إجلال الله. يقرأ قوله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، يتأملُ هذه الآية ويقف عند معانيها فتستجيشُ في قلبه أطياف الشعور بعظمة هذا الكلام وعظمة المتكلِّم به سبحانه. إنه «كلام الله، وقد تَجَلَّى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يَتَجَلَّى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكِبْرُ كما يذوب الملح في الماء، وتارة يَتَجَلَّى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال

стр. 23

الدالُّ على كمال الذات، فيستنفد حبُّه من قلب العبد قوةَ الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله؛ فيصبح فؤاد عبده فارغًا إلا من محبته، فإذا أراد منه الغير أن يعلق تلك المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء كما قيل: يُرَادُ مِنَ الْقَلْبِ نِسْيَانُكُمْ ... وَتَأْبَى الطِّبَاعُ عَلَى النَّاقِل فتبقى المحبة له طبعًا لا تكلفًا، وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله، وقوي طمعه، وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جد في العمل، كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المُغَلِّ (١) غَلَّق أرضه بالبذر، وإذا ضعف رجاؤه قَصَّر في البذر ... وإذا تجلى بصفات العز والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذلِّ لعظمته، والانكسار لعزته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح له، فتعلوه السكينة والوقار في

стр. 24

قلبِه ولسانه وجوارحه وسَمْتِهِ، ويذهب طيشه وتَوْقُه وحدته. وجماع ذلك أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة، وبصفات ربوبيته تارة، فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة، والشوق إلى لقائه، والأُنس والفرح به والمنافسة في قربه، والتودد إليه بطاعته، واللهج بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصير هو وحده همه دون ما سواه، ويُوجب له شهود صفات الربوبية؛ التوكل عليه، والافتقار إليه، والاستعانة به، والذل والخضوع والانكسار له» (١). وفي السُّنة الغراء يقرأُ المؤمنُ حديثَ عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟» (٢)، فيُقَلِّب الطرف في أسرار هذا

стр. 25

الحديث، ويُسرح قلبه في ظلال معانيه، فيَتَملَّكُه شعور بالهيبة والإجلال لذي الجلال ﷻ ، إنها مشاعر سمو وعلو، يرتفع بها القلب إلى ذُرَى المقامات؛ جراء سطوة هذه النصوص التي تستفز القلب؛ فينبعث منه تعظيم الله وخشيته وإجلاله. فكيف لا يكون القلب عاكفًا وقد امتلأ تعظيمًا لله جلَّ في علاه؟!، فلا ريب أنَّ القلب إذا امتلأ بذلك توصل إلى لُبِّ الاعتكاف وحقيقته.

стр. 26

السِّمةُ السادسة افتقارُ العبدِ إلى ربِّه وشعورُه بالحاجةِ إليه إنَّ الاعتكافَ في بيتٍ مِن بيوتِ الله، اعتكاف قلب، صورة حية لمشهد ذُلِّ العبدِ وافتقارِه لمولاه، ولا تتم العبوديَّة إلا «بتكميلِ مقام الذل والانقياد، وأكملُ الخلق عبوديةً أكملُهم ذلًّا لله وانقيادًا وطاعة، والعبد ذليلٌ لمولاه الحق بِكلِّ وجه مِن وجوه الذل، فهو ذليل لعزه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانِه إليه وإنعامه عليه» (١). إنَّ العبدَ كلما انكسر بين يدي مولاه كان قريبًا مِن الله، ومِن رحمته ونصره وعطاياه، يُوفقه ويَهديه ويجبر كسر قلبه «فما أقربَ الجبر مِن هذا القلبِ المكسور! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه! وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه! وذَرةٌ مِن هذا ونَفَسٌ منه أحبُّ إلى اللهِ

стр. 27

مِن طاعاتٍ أمثال الجبال مِن المُدِلِّين (١) المُعجبين بأعمالهِم وعلومِهم وأحوالهِم، وأحبُّ القلوبِ إلى الله سبحانه قلبٌ قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، فهو ناكسُ الرأسِ بين يدي ربِّه، لا يرفعُ رأسَه إليه حياءً وخجلًا مِن الله» (٢). إنَّ الله سبحانه يُحب مِن عبدِه أنْ يكونَ منكسرًا بين يديه، ملازمًا لحالةِ الذُّل له، مفتقرًا دومًا إليه، بل إنَّ القلبَ لا تستقيمُ له حال إلا بالافتقارِ إلى الله الذي هو لُبُّ العبودية وروحُها، «فالقلبُ لا يصلح ولا يفلح، ولا يَلتذ، ولا يُسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به مِن المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربِّه، مِن حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه» (٣). وكلما تعمق شعور العبد بحاجتِه إلى الله، دفعه إلى الإنابة، واستكانة القلب، وعكوفه على محبة الله وكثرة ذكره وشكره وحمده

стр. 28

وتمجيده والثناء عليه، وهذه سمة المؤمن في حياته، وفي سائر أوقاته، وحال بيعه وشرائه، ومع أهله وخلانه، فكيف به وهو في صلب ميدان المنافسة، وفي ليالي الرحمات، وتنزل الهبات، وهو عاكف بقلبه وجسده على طاعة ربه، حينما يصل إلى «صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص الود؛ فيُصبح ويُمسي ولا هَمَّ له غير ربه، فقد قطَع همُّه بربِّه عنه جميعَ الهموم، وعطلت إراداته جميع الإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه» (١). إنَّ المؤمنَ حينما يتيقن حاجته إلى ربه، ويستشعر أنها أهم الضروريات، يصل إلى نقاءِ العبودية، وإلى لذةِ الخلوة بالله. إنه حينما يستشعر فقره إلى الله، ومسيس الحاجةِ إلى التذللِ بين يديه، ويندفع إلى ذلك بصدقٍ وجمعيةِ قلب؛ سيجد عالمًا آخر مِن نعيم الأرواح، ولذة النفس، وقُرة العين، نعيمًا للعبادة «لا ينالُه الوصف، ولا يدركُه مَنْ ليس له نَصيبٌ منه، وكلُّ مَنْ كان به أقوم

стр. 29

كان نصيبُه مِن الالتذاذِ به أعظم» (١)، «والقلبُ إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له، لم يكنْ عنده شيء قط أحلى مِن ذلك ولا ألذ ولا أطيب» (٢). إذن فَسِرُّ الاعتكاف لزوم الافتقار والانكسار والتذلل لله، والانطراح على عتبات عبوديته سبحانه.

стр. 30

السِّمةُ السابعة استحضارُ مِنَّة الله وفضله مِن روائع التربية القرآنية في أوائل الدعوة النبوية ما جاء في مطلع سورة المُدَّثر، عندما أمر الله نبيه ﷺ بالنذارة والدعوة ثم قال له: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدَّثر: ٦]. إنها الوصية الربانية التي تجرد العبد من الاستعلاء بالعمل، وتملأ قلبه مهابةً وإجلالًا لله، واستحضارًا لمشاهد مِننه التي غمرت حياة العبد، فما من سبيلٍ إلا ولله على عبدهِ نعَمٌ، لا يَعدُّها عاد، ولا يُحصيها كتاب. إنَّ المؤمنَ الحق هو مَن يُديم استحضار مشاهد مِنَنِ ربه عليه؛ لأنها قد طوقت المؤمن طوقًا يملأ الأرض والسماء، فهو الذي أفاض عليه نِعمًا أعلاها نعمة الهداية التي يعجز اللسان عن الوفاء بقدرها، حيث أخرجه ربُّه بها مِن ظُلمةِ الضلال إلى نور الهداية، ومِن لُجةِ

стр. 31

الغي إلى رحاب الإيمان، «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (١). لذا عتب الله على مَن غفل عن مشاهدة مِننه، فقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]. إنها تربية القرآن التي تُطهر القلب من الاستعلاء، وتمحو عنه مسارب (٢) الإدلال (٣)، وتملؤه إجلالًا لله واعترافًا بفضله ومِنَّتِهِ، كما فقه ذلك أولو الفضل من أمثال عمر ﵁ حينما طُعن وقال له عبدالله ابن عباس ﵄ مواسيًا: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ الله ﷺ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ، قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ الله تَعَالَى مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ

стр. 32

مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ الله جَلَّ ذِكْرُهُ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ، وَالله لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الأَرْضِ (١) ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ الله ، قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ» (٢). إنَّ استحضارَ مشهد مِنَّة الله يُزيلُ مِن القلبِ منابت العُجب، ويغسله مِن درن الإدلال، ويُطهره مِن الدنس ليكون وعاءً نظيفًا يتزكى بالإيمان، ويرتفع بأعمال القلوب، وينتفع بأعمال الجوارح، أما إذا وُجدت هذه الأعمال مع شوائب العُجب والإدلال بالعمل، فإنها تَسْحقُ قلبَ صاحبها سحقًا، فلا تُبقي فيه خيرًا ولا تذر، ومِنْ ثَمَّ قال الله لمن أدلَّ بعمله، «قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (٣). إنَّ إعجابَ المرء بعمله وإدلاله به سقطة مِن أشنع السقطات وأقبحها، إنه محرقةٌ للطاعات، ومَنْبِتٌ للرذائل وشتى الأدواء والآفات.

стр. 33

وكان السلفُ يحاذرون العُجب ويفرون منه، قال مطرف بن عبدالله بن الشخير: «لأنْ أبيتَ نائمًا وأُصبحَ نادمًا، أحبُّ إلي مِن أنْ أبيتَ قائمًا فأُصبح مُعجبًا» (١). «إنك أنْ تبيتَ نائمًا وتُصبح نادمًا، خير مِن أنْ تبيتَ قائمًا وتُصبح مُعجبًا، فإنَّ المُعجب لا يصعد له عمل، وإنك أنْ تضحك وأنت معترف، خير مِن أنْ تبكي وأنت مُدِلٌّ، وأنين المذنبين أحب إلى الله مِن زجل (٢) المسبحين المدلين» (٣). فأَوقِدْ أيها المُعْتكِف في ذهنك شرارة الشعور بمنة الله وتزكيته لك، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].

стр. 34

السِّمةُ الثامنة الاعترافُ بالذنبِ والتقصير إنَّ لمحةً خاطفةً، وتأملًا سريعًا في ابتهالات الأنبياء والصالحين ومناجاتهم وأدعيتهم، يكشفُ لك سرًّا يكتنفها، ألا وهو اشتمالها على الاعترافِ بالذنب والظلم، وإليك سِجلًّا وصفحاتٍ مشرقةً من اعترافهم بالذنب والظلم: فهذا آدم وحواء يدعوان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وهذا موسى ﵇ وهو مِن أُولي العزم مِن الرسل- يدعو: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وهذا يونس ﵇ يبتهل إلى ربِّه ويُناجيه معترفًا بذنبه بل بكونه مِن الظالمين، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ

стр. 35

سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وحينما استرشد الصديق ﵁ النبي ﷺ وقال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (١). إنها التربية النبوية التي تحدُّ مِن استعلاء العبد، وتجعله دائم الافتقار لربه، دائم الانكسار بين يديه مستحضرًا ذنوبه بين عينيه، وإذا كانت هذه هي وصية النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ وهو مَنْ هو فضلًا وإمامةً وجلالة ونصرةً لدينه وذبًّا عن نبيه؛ فكيف يكون حالنا ونحن المذنبون المفرطون؟! فالزمْ أيها المُعْتَكِف هذا المشهد، معترفًا بذنبك، مقبلًا على ربك، متيقنًا من قلبك أنَّك مِن الظالمين، واجعل هذه الدعوات

стр. 36

المباركة على لسانِك في كلِّ أحوالك، واحذرْ أن تَنْبِسَ (١) بها بشفتيك، وقلبُك مِن الاعتراف بها خالٍ، فإنَّ حقيقةَ الصدق أنْ يُواطِئ القلبُ ما يجري به اللسان.

стр. 37

السِّمةُ التاسعة الإقبالُ على اللهِ بُمداومةِ الذِّكر إنَّ استدامةَ ذكرِ الله واستغفارِه والثناءِ عليه مشهدٌ من مشاهد عكوفِ القلب وصحته وصفائه وبلوغه معالي الدرجات الإيمانية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. إنَّ ذكر الله تعالى يَعمُرُ القلب ويملؤه نورًا وسرورًا، بل إنَّ القلبَ بفقده يكون في ظلامٍ وظُلمة؛ لأنَّ «في القلبِ خلة وفاقة لا يسدها شيء البَتَّة إلا ذكر الله ، فإذا صار شعار القلب، بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له، فهذا هو الذِّكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقة، فيكون صاحبه غنيًّا بلا مال، عزيزًا بلا عشيرة، مهيبًا بلا سلطان، فإذا كان غافلًا عنْ ذِكر الله فهو

стр. 38

بضد ذلك، فقير مع كثرة جِدَتِه، ذليل مع سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته» (١). وقلبُ المؤمن لا يسكنُ ولا يلتذ ولا يجد للحياة مذاقًا وأُنسًا إلا بذكر الله، ولقد وصف الله أهل الإيمان وأولي الألباب بأنهم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١]. فهذا هِجِّيراهُم: اللهج بذكر الله وهم قيام، واللهج بذكره وهم قعود، واللهج بذكره وهم على فرشهم وعلى جنوبهم، تعلقت قلوبهم بالله فاستداموا الذكر في جميع الأحوال. يا الله، كم هي لفتة قرآنية مؤثرة!! ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾؛ فهم مِن شدة تعلقهم بالله يذكرونه في هذه الحال التي هي مَظِنَّة شرود أو غفلة أو نَصَب، لكنْ هؤلاء قومٌ وصل بهم التعلق الشديد بالله سبحانه ألَّا ينسوه في هذه الحال التي يستحكم فيها الذهول غالبًا.

стр. 39

إنه قلب رسخ فيه الإيمان واستمكن، فأحدث ذلك أثرًا في اللسان بحركة دائبة في الذِّكر، حين القيام، والاضطجاع، والقعود، وحين الدخول والخروج، وحين الأكل والشرب، وحين اليقظة وعند النوم، وفي الحضر والسفر، وفي الليل والنهار، فهو دائم الافتقار إلى الله والتعلق به لا يغفل ساعة ولا أدنى من ذلك، فإنْ غفل أو توانى وَجَدَ ثقلًا في النفس، وشعورًا بالنقص لا يَسدُّه إلا مراجعة المسار، وعود القلب إلى مَعينِه ونَعيمِه، ومِنْ ثَمَّ تسطع أنواره، وتتهلل سبحات وجهه. قال النبي ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١)، وفي رواية: «إِنَّهُ لَيُغَانُ (٢) عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ

стр. 40

اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١). وقال ﷺ : «وَالله إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٢). وعن علي بن أبي طالب ﵁ أَنَّ فَاطِمَةَ ? أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ؟ تُسَبِّحِينَ الله عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ الله أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ»، قَالَ عَلِيٌّ: «مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ» (٣). وعن أبي هريرة ﵁، قال: «إِنِّي لَأُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، قَدْرَ دِيَتِي» (٤). وذكر الحافظ عبد الغني في «الكمال» في ترجمة أبي الدرداء ﵁، أنه كان يُسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة (٥).
следующие страницы →