← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5906

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ابن الجوزي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

نَفسه، فقد يُوجد فِي تضاعيف كَلَام رَسُول الله ﷺ مَا لَا يخفى، كَقَوْلِه للْأَنْصَار: ((إِنَّكُم تقلون عِنْد الطمع، وتكثرون عِنْد الْفَزع)) وَقَوله: ((خير المَال سكَّة مأبورة ومهرة مأمورة)) . وَقَوله: ((يَا أَبَا عُمَيْر، مَا فعل النغير)) وَقَوله: ((أعوذ بك من علم لَا ينفع، وَقَول لَا يسمع، وقلب لَا يخشع، وَنَفس لَا تشبع، أعوذ بك من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَع)) وَلكنه إِنَّمَا عَابَ مِنْهُ رده الحكم وترتيبه القَوْل فِيهِ بالسجع على مَذْهَب الْكُهَّان، فِي ترويج أباطيلهم بالأساجيع الَّتِي يولعون بهَا، فيوهمون النَّاس أَن تحتهَا طائلا. ١٧٧٢ - / ٢٢٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: ((إِذا قلت لصاحبك: أنصت، يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فقد لغوت)) . اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد: هَل يحرم الْكَلَام حَال سَماع الْخطْبَة على رِوَايَتَيْنِ، وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، فَإِن قُلْنَا: يحرم، فلظاهر هَذَا الحَدِيث، وَإِن قُلْنَا: لَا يحرم حمل هَذَا على الْأَدَب. واللغو: مَا

стр. 1437

لَا فَائِدَة فِيهِ. ١٧٧٣ - / ٢٢٠٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: ((حج مبرور)) وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ: ((الْحَج المبرور لَيْسَ لَهُ ثَوَاب دون الْجنَّة)) قيل: مَا بره؟ فَقَالَ: ((العج والثج)) والعج: رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. والثج: نحر الْإِبِل وَغَيرهَا، وَأَن يثج دَمهَا: وَهُوَ سيلان الدَّم، فعلى هَذَا يكون معنى المبرور الَّذِي قد أُقِيمَت فروضه وسننه. وَفِي حَدِيث جَابر: قيل: يَا رَسُول الله، مَا بر الْحَج؟ قَالَ: ((إطْعَام الطَّعَام، وإفشاء السَّلَام)) فَيكون المُرَاد على هَذَا فعل الْبر فِي الْحَج. وَقيل: المبرور: المقبول. ١٧٧٤ - / ٢٢٠٧ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: ((لَا يَمُوت لأحد من الْمُسلمين ثَلَاثَة من الْوَلَد فَتَمَسهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم)) . تَحِلَّة الْقسم إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ [مَرْيَم: ٧١] . وَقَوله: ((فتحتسبه)) أَي يكون هَذَا فِي حِسَابهَا الَّذِي ترجوه فِي

стр. 1438

ثَوَابهَا، وَهَذَا لَا يكون إِلَّا من مُؤمن بالجزاء. والحنث: الْحلم. وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أنس. والإحتظار: الإمتناع. والحظار: مَا منع من وُصُول مَكْرُوه إِلَى من فِيهِ، وَأَصله الحظيرة الَّتِي يحظر بهَا على الْغنم وَغَيرهَا. والدعاميص جمع دعموص: وَهُوَ دويبة من دَوَاب المَاء صَغِيرَة تضرب إِلَى السوَاد، كَأَنَّهُ شبههم بهَا فِي الصغر وَسُرْعَة الْحَرَكَة. وَقَالَ المرزباني: الدعموص: دويدة صَغِيرَة تكون فِي المَاء، وَأنْشد: (إِذا التقى البحران عَم الدعموص ... فعي أَن يسبح أَو يغوص) وصنفة الثَّوْب: حَاشِيَته الَّتِي فِيهَا الهدب. ١٧٧٥ - / ٢٢٠٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: ((هَل فِي إبلك أَوْرَق؟)) . الأورق: المغبر الَّذِي لَيْسَ بناصع الْبيَاض كلون الرماد، وَسميت الْحَمَامَة وَرْقَاء لذَلِك. وَقَوله: ((عَسى أَن يكون نَزعه عرق)) يُقَال: نزع إِلَيْهِ فِي الشّبَه: إِذا أشبهه. والعرق: الأَصْل، كَأَنَّهُ نزع فِي الشّبَه إِلَى أجداده من جِهَة الْأَب أَو الْأُم. وَفِي هَذَا الحَدِيث حكم الْفراش على اعْتِبَار الشّبَه. وَفِيه زجر عَن تَحْقِيق ظن السوء. ١٧٧٦ - / ٢٢٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: ((لَا تسموا الْعِنَب

стр. 1439

الْكَرم؛ فَإِن الْكَرم الْمُسلم)) . قد علم اشتهار الْعِنَب عِنْد الْعَرَب بِهَذَا الإسم، وَقد أكثرت شعراؤهم فِي هَذَا، فَقَالَ بَعضهم: (إِذا مت فادفني إِلَى جنب كرمة ... تروي عِظَامِي بعد موتِي عروقها) وَإِنَّمَا كَانُوا يسمونها كرما لما يدعونَ من إحداثها فِي قُلُوب شاربيها من الْكَرم، فَنهى ﵇ عَن تَسْمِيَتهَا بِهَذَا الإسم الَّذِي يشيرون إِلَى فَضلهَا، تَأْكِيدًا لتحريمها، وَقَالَ: ((إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن)) يُشِير بذلك إِلَى مَا فِيهِ من نور الْإِيمَان وبركات التقى. ١٧٧٧ - / ٢٢١٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: مر عمر فِي الْمَسْجِد وَحسان ينشد، فلحظ إِلَيْهِ: أَي نظر إِلَيْهِ نظر الْمُنكر عَلَيْهِ. وروح الْقُدس: جِبْرِيل. وَفِي الْقُدس ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الله ، قَالَه كَعْب وَالربيع وَابْن زيد والمفضل بن سَلمَة، فَيكون الْمَعْنى: أَن جِبْرِيل روح الله، كَمَا سمي بذلك عِيسَى. وَالثَّانِي: أَن الْقُدس الْبركَة، قَالَه السّديّ. وَالثَّالِث: أَن الْقُدس الطَّهَارَة، فَكَأَنَّهُ روح الطَّهَارَة وخالصها، فشرف بِهَذَا الإسم وَإِن كَانَ جَمِيع الْمَلَائِكَة

стр. 1440

روحانيين. وَقيل: إِنَّمَا سمي روحا لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْبَيَانِ عَن الله فتحيا بِهِ الْأَرْوَاح. وَقد ذكرنَا حكم الشّعْر فِي مُسْند سعد بن أبي وَقاص وَابْن عمر وَغَيرهمَا. ١٧٧٨ - / ٢٢١١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: بَينا الْحَبَشَة يَلْعَبُونَ عِنْد النَّبِي ﷺ بِحِرَابِهِمْ دخل عمر فَأَهوى إِلَى الْحَصْبَاء، فحصبهم بهَا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((دعهم يَا عمر)) وَإِنَّمَا حصبهم عمر لِأَنَّهُ رأى ذَلِك عَبَثا. وَإِنَّمَا نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ لِأَن كل شَيْء يحْتَاج إِلَى المناضلة بِهِ فِي الْحَرْب يجوز اللّعب بِهِ فِي غير الْحَرْب ليتمرن عَلَيْهِ ويتدرج إِلَى تعلمه لأجل الْحَرْب، كالرمي بِالسِّهَامِ والحراب والمسابقة بِالْخَيْلِ. ١٧٧٩ - / ٢٢١٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: ((قَالَ الله تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْن آدم، يسب الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر)) . كَانَت الْعَرَب إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة يسبون الدَّهْر، وَيَقُولُونَ عِنْد ذكر موتاهم. أبادهم الدَّهْر، ينسبون ذَلِك إِلَيْهِ، ويرونه الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَشْيَاء، وَلَا يرونها من قَضَاء الله ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نموت ونحيا وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر﴾ [الجاثية: ٢٤] . وَقَالَ عَمْرو بن قميئة:

стр. 1441

(رمتني بَنَات الدَّهْر من حَيْثُ لَا أرى ... فَكيف بِمن يَرْمِي وَلَيْسَ برامي) (فَلَو أَنَّهَا نبل إِذن لاتقيتها ... ولكنما أرمى بِغَيْر سِهَام) (على الراحتين مرّة وعَلى الْعَصَا ... أنوء ثَلَاثًا بعدهن قيامي) وَقَالَ آخر: (واستأثر الدَّهْر الْغَدَاة بهم ... والدهر يرميني وَمَا أرمي) (يَا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت فِي الْعظم) (وسلبتنا مَا لست تعقبنا ... يَا دهر مَا أنصفت فِي الحكم) فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ((لَا تسبوا الدَّهْر؛ فَإِن الله هُوَ الدَّهْر)) أَي هُوَ الَّذِي يُصِيبكُم بِهَذِهِ المصائب، فَإِذا سببتم فاعلها فكأنكم قصدتم الْخَالِق، وَكَانَ أَبُو بكر بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ يروي هَذَا الحَدِيث: ((وَأَنا الدَّهْر)) مَفْتُوحَة الرَّاء مَنْصُوبَة على الظَّرْفِيَّة: أَي أَنا طول الدَّهْر بيَدي الْأَمر، وَكَانَ يَقُول: لَو كَانَ مضموما لصار اسْما من أَسمَاء الله . وَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ بَاطِل من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه خلاف أهل النَّقْل، فَإِن الْمُحدثين الْمُحَقِّقين لم يضبطوا هَذِه اللَّفْظَة إِلَّا بِضَم الرَّاء، وَلم يكن ابْن دَاوُد من الْحفاظ وَلَا من عُلَمَاء النقلَة. وَالثَّانِي:

стр. 1442

أَن هَذَا الحَدِيث قد ورد بِأَلْفَاظ صِحَاح يبطل تَأْوِيله، فَمن ذَلِك مَا أخرجه البُخَارِيّ من طَرِيق أبي سَلمَة، وَأخرجه مُسلم من طَرِيق أبي الزِّنَاد، كِلَاهُمَا عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ((لَا تَقولُوا يَا خيبة الدَّهْر؛ فَإِن الله هُوَ الدَّهْر)) . وَأخرج مُسلم من طَرِيق ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((لَا تسبوا الدَّهْر، فَإِن الله هُوَ الدَّهْر)) وَالثَّالِث: أَن تَأْوِيله يَقْتَضِي أَن تكون عِلّة النَّهْي لم تذكر؛ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: ((لَا تسبوا الدَّهْر؛ فَأَنا الدَّهْر أقلب اللَّيْل وَالنَّهَار)) فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تسبوا الدَّهْر فَأَنا أقلبه. وَمَعْلُوم أَنه يقلب كل خير وَشر، وتقليبه للأشياء لَا يمْنَع من ذمها، وَإِنَّمَا يتَوَجَّه الْأَذَى فِي قَوْله: ((يُؤْذِينِي ابْن آدم)) على مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ. ١٧٨٠ - / ٢٢١٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: ((الْفطْرَة خمس: الْخِتَان والإستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط)) . قد ذكرنَا معنى الْفطْرَة فِي مُسْند ابْن عمر. فَأَما الْخِتَان فعندنا أَنه وَاجِب على الرجل، وَلنَا فِي الْمَرْأَة رِوَايَتَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: يجب على الْكل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَيْسَ بِوَاجِب. وَكَانَ بعض الْعلمَاء يحْتَج على وُجُوبه بِأَن كشف الْعَوْرَة

стр. 1443

محرم بِالْإِجْمَاع، فلولا أَنه وَاجِب لم يجز هتك الْعَوْرَة الْمحرم لفعل سنة. وَأما الإستحداد فَهُوَ حلق الْعَانَة بالحديدة. والإستحداد: الإستحلاق بالحديدة. وقص الشَّارِب قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر. وتقليم الْأَظْفَار: قصها. والقلم: الْقطع. والآباط جمع إبط: وَهُوَ مَا تَحت الْيَد. قَالَ شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: وَبَعض المتحذلقين يَقُول الْإِبِط بِكَسْر الْبَاء، وَالصَّوَاب سكونها، وَلم يَأْتِ فِي الْكَلَام شَيْء على ((فعل)) إِلَّا إبل وإطل وَحبر: وَهِي صفرَة الْأَسْنَان. وَفِي الصِّفَات: امْرَأَة بلز: وَهِي السمينة. وأتان إبد: تَلد كل عَام، وَقيل: هِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا الدَّهْر. وَأما الإطل فَهِيَ الخاصرة. ١٧٨١ - / ٢٢١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: بعثت بجوامع الْكَلم، ونصرت بِالرُّعْبِ)) . أما جَوَامِع الْكَلم فَهُوَ جمع الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة. وَفِي هَذَا حث على التفهم والإستنباط. والرعب: الْخَوْف والفزع كَانَ يَقع فِي قُلُوب أعدائه وَبَينه وَبينهمْ

стр. 1444

مسيرَة شهر على مَا سبق فِي مُسْند جَابر بن عبد الله، وَذكرنَا هُنَالك إحلال الْمَغَانِم، وَجعل الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا، وإرساله إِلَى الْخلق كَافَّة. وَفِي مَفَاتِيح الخزائن قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا يفتح لأمته من الْبِلَاد والممالك. وَالثَّانِي: مَا يحصل بِملكه الأَرْض من الْمَعَادِن. وتنتثلونها بِمَعْنى تثيرونها من موَاضعهَا وتستخرجونها، يُقَال: نثلت الْبِئْر وانتثلتها: إِذا استخرجت ترابها. وتنتقلونها: من نقل الشَّيْء. وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: ((وَأَنْتُم ترغثونها)) أَي تستخرجون درها وترتضعونها، يُقَال: نَاقَة رغوث وشَاة رغوث: أَي كَثِيرَة اللَّبن. ١٧٨٢ - / ٢٢١٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: ((أحناه على طِفْل، وأرعاه على زوج)) . أحناه من الحنو: وَهُوَ الْعَطف والشفقة. وأرعاه من الإرعاء: وَهُوَ الْإِبْقَاء. ١٧٨٣ - / ٢٢١٧ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: نهى أَن يَبِيع حَاضر لباد. قد سبق هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. وَكَذَلِكَ التلقي. وَسبق النجش فِي مُسْند ابْن عمر.

стр. 1445

وَقَوله: ((لَا يبع الرجل على بيع أَخِيه)) هَذَا النَّهْي يتَعَلَّق بالحالة الَّتِي يعلم فِيهَا سُكُون البَائِع إِلَى المُشْتَرِي، وَذَلِكَ يكون قبيل التواجب، فَأَما فِي حَالَة السّوم قبل ظُهُور مُوجب الرِّضَا فَجَائِز. وَكَذَلِكَ قَوْله: ((أَن يستام الرجل على سوم أَخِيه)) يَعْنِي بِهِ: إِذا سكن البَائِع إِلَى المُشْتَرِي. وَكَذَلِكَ الْخطْبَة إِنَّمَا ينْهَى عَنْهَا عِنْد سُكُون الْمَرْأَة إِلَى الْخَاطِب. وَقَوله: ((لَا تسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا)) قَالَ أَبُو عبيد: تَعْنِي بأختها ضَرَّتهَا. وَقَوله: ((لتكفأ)) مَأْخُوذ من كفأت الْقدر وَغَيرهَا: إِذا كببتها ففرغت مَا فِيهَا. وَفِي لفظ: ((لتكتفىء)) تفتعل من ذَلِك. وَقَوله: ((فَإِذا أَتَى سَيّده)) أَي رب الْمَتَاع السُّوق فَهُوَ بِالْخِيَارِ. وَسَيَأْتِي ذكر التصرية فِي هَذَا الْمسند إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٧٨٤ - / ٢٢١٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: نعي النَّجَاشِيّ، وَالصَّلَاة عَلَيْهِ. وَقد سبق فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن. ١٧٨٥ - / ٢٢١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رفع رَأسه من الرَّكْعَة الثَّانِيَة قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ بِمَكَّة. اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر. اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِين كَسِنِي يُوسُف)) .

стр. 1446

أما الْوَلِيد فَهُوَ الْوَلِيد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله، كَانَ على دين قومه، وَخرج مَعَهم إِلَى بدر، فَأسرهُ يَوْمئِذٍ عبد الله بن جحش، وَيُقَال: سليط بن قيس، وَقدم فِي فدائه أَخَوَاهُ خَالِد وَهِشَام، فافتكاه بأَرْبعَة آلَاف، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بلغ ذَا الحليفة، فَأَفلَت فَأتى النَّبِي ﷺ فَأسلم، فَقَالَ لَهُ خَالِد: هلا كَانَ هَذَا قبل أَن تفتدى؟ فَقَالَ: مَا كنت لأسلم حَتَّى أفتدى بِمثل مَا افتدي بِهِ قومِي، وَلَا تَقول قُرَيْش: إِنَّمَا تبع مُحَمَّدًا فِرَارًا من الْفِدَاء، ثمَّ خرجا بِهِ إِلَى مَكَّة وَقد أمنهما، فحبساه بهَا مَعَ سَلمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة، وَكَانَ سَلمَة قد أسلم بِمَكَّة قَدِيما وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة، فَأَخذه أَبُو جهل فحبسه وضربه وأجاعه، فَكَانَ النَّبِي ﷺ يقنت فِي صَلَاة الْفجْر وَيَدْعُو لَهُم. وَالْوَطْأَةُ: الْبَأْس والعقوبة، وَهِي مَا أَصَابَهُم من الْجُوع والشدة. وَالْمرَاد بسني يُوسُف سنو المجاعة. وَقَوله: ((على مُضر)) إِشَارَة إِلَى قُرَيْش لأَنهم من أَوْلَاد مُضر. وَسَيَأْتِي بعد أَحَادِيث: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: وَأهل الْمشرق يَوْمئِذٍ من مُضر مخالفون لَهُ. ١٧٨٦ - / ٢٢٢٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: ((إِذا أَمن الإِمَام فَأمنُوا، فَإِنَّهُ من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه)) . قَوْله: (فَأمنُوا)) دَلِيل على أَنه سنة.

стр. 1447

وَفِي الحَدِيث إِضْمَار: وَهُوَ الْخَبَر عَن تَأْمِين الْمَلَائِكَة، كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ الإِمَام: آمين، فَقولُوا: آمين كَمَا تَقول الْمَلَائِكَة، فَمن وَافق ... وَلَوْلَا ذَلِك لم يَصح تعقيبه بِالْفَاءِ. وَقد ذكرنَا معنى آمين وَمَا يتَعَلَّق بهَا فِي مُسْند أبي مُوسَى. ١٧٨٧ - / ٢٢٢١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: ((إِذا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَة فامشوا إِلَى الصَّلَاة وَعَلَيْكُم السكينَة وَالْوَقار)) . قد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي قَتَادَة، وَبينا أَن المُرَاد بالتثبت حسن الْأَدَب، وَذكرنَا هُنَاكَ الْخلاف فِيمَا يُدْرِكهُ الْمَأْمُوم. هَل هُوَ آخر صلَاته أَو أَولهَا؟ فَأَما قَوْله: ((إِذا ثوب بِالصَّلَاةِ. .)) فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: المُرَاد بِهِ هَا هُنَا الْإِقَامَة، وأصل التثويب رفع الصَّوْت بالإعلام، وأصل هَذَا أَن يلوح الرجل بِثَوْبِهِ عِنْد الْفَزع يعلم بذلك أَصْحَابه، فَسُمي رفع الصَّوْت هَا هُنَا تثويبا. قَالَ: وَقيل: التثويب مَأْخُوذ من ثاب الرجل بِمَعْنى عَاد إِلَى الشَّيْء بعد ذَهَابه، فَقيل للمؤذن إِذا قَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم ثمَّ عَاد إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى فَقَالَهَا: قد ثوب: أَي ردد القَوْل مرّة أُخْرَى، وَكَذَلِكَ قَوْله: قد قَامَت الصَّلَاة مرَّتَيْنِ. ١٧٨٨ - / ٢٢٢٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: قَامَ رَسُول الله ﷺ حِين أنزل الله: ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ [الشُّعَرَاء: ٢١٤] فَقَالَ: ((يَا

стр. 1448

معشر قُرَيْش، اشْتَروا أَنفسكُم، لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا)) . الْعَشِيرَة: الرَّهْط الأدنون. وَقد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عَبَّاس، وَهُوَ ينْهَى عَن اغترار الْقَرِيب بقرابته من أهل الصّلاح، فَإِنَّهُ إِنَّمَا فضل الصَّالح بصلاحه. وَإِنَّمَا قَالَ: ((سلاني من مَالِي)) لِأَنَّهُ يملك مَاله، وَلَو ملك نجاة شخص لأنجى أمه وأباه وَعَمه. وَقَوله: ((سَأَبلُّهَا بِبلَالِهَا)) قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: بللت رحمي أبلها بِلَا وبلالا: إِذا وصلتها ونديتها بالصلة. وَإِنَّمَا شبهت قطيعة الرَّحِم بالحرارة تطفأ بالبرد كَمَا قَالُوا: سقيته شربة بردت بهَا عطشه، قَالَ الْأَعْشَى: (أما لطَالب نعْمَة تممتها ... ووصال رحم قد بردت بلالها) قلت: هَكَذَا ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد: ((بِبلَالِهَا)) بِكَسْر الْبَاء، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْبَاء مَفْتُوحَة، من بله يبله، كالملال من مله يمله. ١٧٨٩ - / ٢٢٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: ((تفضل صَلَاة الْجَمِيع صَلَاة الرجل وَحده بِخمْس وَعشْرين جُزْءا)) . قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر بِسبع وَعشْرين وَلَعَلَّ هَذَا التَّفَاوُت

стр. 1449

يرجع إِلَى أَحْوَال الْمُصَلِّين. وَقَوله: ((تَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر)) وَذَلِكَ لِأَن الْفجْر تصلى عِنْد انْفِصَال اللَّيْل، فَتكون مَلَائِكَة اللَّيْل قد هَمت بالرحيل وملائكة النَّهَار قد نزلت فَيَشْهَدُونَ صَلَاة الْفجْر، وَذَلِكَ معنى قَوْله: ﴿كَانَ مشهودا﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٨] وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْمسند بعد السّبْعين وَمِائَة أَنهم يَجْتَمعُونَ فِي صَلَاة الْعَصْر أيضاُ. ١٧٩٠ - / ٢٢٢٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: ((العجماء جرحها جَبَّار)) . قَالَ أَبُو عبيد: العجماء: الْبَهِيمَة، وَإِنَّمَا سميت عجماء لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّم، وكل من لَا يقدر على الْكَلَام فَهُوَ أعجم ومستعجم. والجبار الهدر. وَإِنَّمَا يَجْعَل جرح العجماء هدرا إِذا كَانَت منفلتة لَيْسَ لَهَا قَائِد وَلَا سائق وَلَا رَاكب، فَإِذا كَانَ مَعهَا أحد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فَهُوَ ضَامِن لِأَن الْجِنَايَة حِينَئِذٍ لَيست للعجماء إِنَّمَا هِيَ جِنَايَة صَاحبهَا. وَقَوله: ((الْبِئْر جَبَّار)) هِيَ الْبِئْر يسْتَأْجر عَلَيْهَا صَاحبهَا رجلا يحفرها فِي ملكه فتنهار على الْحَافِر، فَلَيْسَ على صَاحبهَا ضَمَان، وَكَذَلِكَ الْبِئْر تكون فِي ملك الرجل فَيسْقط فِيهَا إِنْسَان أَو دَابَّة فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْبِئْر العادية الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يعلم لَهَا حافر يَقع فِيهَا الْإِنْسَان أَو الدَّابَّة.

стр. 1450

قَوْله: ((والمعدن جَبَّار)) الْمَعْدن اسْم لكل مَا فِيهِ شَيْء من الخصائص المنتفع بهَا كالذهب وَالْفِضَّة والياقوت والزبرجد والصفر والزجاج والزئبق والكحل والقار والنفط وَمَا أشبه ذَلِك، فيستأجر قوما لحفره فينهار عَلَيْهِم، فدماؤهم هدر. وَقَوله: ((فِي الرِّكَاز الْخمس)) الرِّكَاز مَا وجد من دفن الْجَاهِلِيَّة، وَيعرف ذَلِك بِأَن ترى عَلَيْهِ عَلَامَات الْجَاهِلِيَّة، وَسَوَاء كَانَ فِي موَات أَو فِي مَكَان مَمْلُوك لكنه لَا يعرف مَالِكه، فَهَذَا يجب فِيهِ الْخمس فِي الْحَال، أَي نوع كَانَ من المَال، خلافًا لأحد قولي مَالك وَللشَّافِعِيّ فِي أَنه لَا يجب الْخمس إِلَّا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة. وَعِنْدنَا أَنه لَا يعْتَبر فِيهِ النّصاب، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي. وَفِي مصرف هَذَا الْخمس رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد: أَنه مصرف خمس الْفَيْء، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَالثَّانيَِة: مصرف الزَّكَاة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَأما إِذا كَانَ الْمَكَان يعرف مَالِكه فَإنَّك تنظر: فَإِن كَانَ الْمَالِك مُسلما أَو ذِمِّيا فَهُوَ للْمَالِك، وَإِن كَانَ حَرْبِيّا نظرت: فَإِن كَانَ الْوَاجِد لَهُ قد قدر عَلَيْهِ بِنَفسِهِ فَهُوَ ركاز، وَإِن لم يقدر عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَة الْمُسلمين فَهُوَ غنيمَة. وَإِن لم يكن على الرِّكَاز عَلامَة الْإِسْلَام أَو لم يكن عَلامَة فَهُوَ لقطَة. وَأما حكم الْمَعْدن فَإِنَّهُ من استخرج من مَعْدن مَا يبلغ نِصَابا أَو قيمَة نِصَاب تعلق بِهِ الْحق، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يتَعَلَّق الْحق إِلَّا

стр. 1451

بِالذَّهَب وَالْفِضَّة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يتَعَلَّق بِكُل مَا ينطبع، ثمَّ اخْتلفُوا فِي مِقْدَار الْحق الْمُتَعَلّق بِهِ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه ربع الْعشْر، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد، وَالثَّانِي: الْخمس، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَعَن الشَّافِعِي كالقولين، وَله قَول ثَالِث: إِن أَصَابَهُ مُتَفَرقًا بتعب فربع الْعشْر وَإِلَّا فالخمس. واتفقت الْجَمَاعَة على أَن ذَلِك الْحق يجب فِي الْحَال كَمَا يجب فِي الرِّكَاز إِلَّا دَاوُد، فَإِنَّهُ يعْتَبر الْحول. وَأما مصرف ذَلِك الْحق فعندنا أَنه مصرف الزَّكَاة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مصرف الْفَيْء. فَإِن وجد الْإِنْسَان فِي دَاره معدنا أَو ركازا فَإِنَّهُ يجب فِيهِ عندنَا مَا يجب فِي الْموَات. وَأما مَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان من الْبَحْر كَاللُّؤْلُؤِ والمرجان والعنبر والسمك وَغير ذَلِك فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد: إِحْدَاهمَا: أَنه تجب الزَّكَاة إِذا بلغت قِيمَته مِائَتي دِرْهَم أَو عشْرين دِينَارا. وَالثَّانيَِة: لَا شَيْء فِي ذَلِك، وَهِي قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: فِي اللُّؤْلُؤ والعنبر الْخمس، وَلَا شَيْء فِي الْمسك والسمك. ١٧٩١ - / ٢٢٢٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: ((نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٠] وَيرْحَم الله لوطا، لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد. وَلَو لَبِثت فِي السجْن

стр. 1452

مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي)) . مخرج هَذَا الحَدِيث مخرج التَّوَاضُع وَكسر النَّفس، وَلَيْسَ فِي قَوْله: ((نَحن أَحَق بِالشَّكِّ)) إِثْبَات شكّ لَهُ وَلَا لإِبْرَاهِيم، وَإِنَّمَا يتَضَمَّن نفي الشَّك عَنْهُمَا، لِأَن قوما ظنُّوا فِي قَوْله ( ﴿أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ أَنه شكّ، فنفى ذَلِك عَنهُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: إِذا لم أَشك أَنا فِي قدرَة الله تَعَالَى على إحْيَاء الْمَوْتَى فإبراهيم أولى أَلا يشك، فَكَأَنَّهُ رَفعه على نَفسه. وَدلّ بِهَذَا على أَن إِبْرَاهِيم مَا سَأَلَ لأجل الشَّك وَلَكِن لزِيَادَة الْيَقِين؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُشَاهدَة الَّتِي لَا يبْقى مَعهَا وسواس. وَقد ذكر ابْن الْأَنْبَارِي وَجها آخر فَقَالَ: لما أنكر قوم الْخَلِيل إحْيَاء الْمَوْتَى سَأَلَ ربه أَن يرِيه مَا أَيقَن بِهِ عقله من قدرَة ربه على إحْيَاء الْمَوْتَى، وَأَرَادَ أَن يعلم مَنْزِلَته عِنْد ربه بإجابة دَعوته، وَشك: هَل تقع الْإِجَابَة أم لَا؛ لِأَنَّهُ قد يكون من الْمصلحَة أَلا يُجَاب الْمُؤمن إِلَى مَا يسْأَل، فَلَمَّا شكّ إِبْرَاهِيم على هَذَا التَّأْوِيل الْحسن لَا على الْمَعْنى المذموم - قَالَ النَّبِي ﷺ : ((أَنا أولى بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم)) أَي أَنا أولى أَن أسأَل مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الَّذِي يشك السَّائِل فِي إِجَابَة ربه فِيهِ، وَإِنَّمَا صَار أَحَق لما عانى من تَكْذِيب قومه لَهُ، وردهم عَلَيْهِ، وتعجبهم من ذكر الْبَعْث، فَقَالَ: أَنا أَحَق أَن أسأَل مَا سَأَلَ إِبْرَاهِيم لعَظيم مَا جرى عَليّ من قومِي، ولمعرفتي بتفضيل الله إيَّايَ على الْأَنْبِيَاء، وَلَكِنِّي لَا أسأَل. فَأَما قصَّة لوط فَإِن لوطا لم يغْفل عَن الله ، وَلم يتْرك

стр. 1453

التَّوَكُّل عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذكر السَّبَب، وَذكره للسبب وَحده يتخايل مِنْهُ السَّامع نسيانه لله، فَأَرَادَ مِنْهُ نَبينَا ﵇ أَلا نقُول مَا يُوهم هَذَا. وَأما مدحه يُوسُف فَبَالغ؛ لِأَن يُوسُف أَرَادَ أَن يخرج خُرُوج من لَهُ الْحجَّة لَا خُرُوج من قد عُفيَ عَنهُ. ١٧٩٢ - / ٢٢٢٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: إِن إخوتي من الْمُهَاجِرين كَانَ يشغلهم الصفق بالأسواق، وَكنت من أهل الصّفة. وَأما الصفق بالأسواق فقد بَيناهُ من الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين من مُسْند أبي سعيد. وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ أَرْبَاب تِجَارَات، وَالْأَنْصَار أَرْبَاب نخل وَزرع، فَكَانُوا يغيبون أَكثر النَّهَار، فَلذَلِك حفظ أَبُو هُرَيْرَة مَا لم يحفظوا. وَالصّفة مَكَان مُرْتَفع من الْمَسْجِد، كَانَ يأوي إِلَيْهِ الْمَسَاكِين. والنمرة: شملة مخططة من مآزر الْعَرَب. وَجَاء فِي بعض الْأَلْفَاظ عَنهُ: كنت ألزم رَسُول الله ﷺ حِين لَا آكل الْخَبِير، وَلَا ألبس الحبير. والخبير: الْخبز المأدوم. والحبير: الثِّيَاب المحبرة كالبرود اليمانية. ١٧٩٣ - / ٢٢٢٧ - وَفِي الحَدِيث السِّتين: هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالَ: ((هَل تمارون فِي رُؤْيَة الْقَمَر؟ هَل تمارون فِي الشَّمْس؟)) فَذكر نَحْو

стр. 1454

حَدِيث أبي سعيد الثَّانِي وَالْعِشْرين من مُسْنده، وَقد فسرناه هُنَاكَ. وَفِي هَذَا الحَدِيث: ((فينصب الصِّرَاط بَين ظهراني جَهَنَّم)) أَي على وَسطهَا. يُقَال: نزلت بَين ظهريهم وظهرانيهم بِفَتْح النُّون: أَي فِي وَسطهمْ مُتَمَكنًا بَينهم لَا فِي أَطْرَافهم. وَفِيه: ((وَمِنْهُم من يوبق، وَمِنْهُم من يخردل)) والموبق: المهلك، يُقَال: أوبقته ذنُوبه: أَي أهلكته، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يوبقهن بِمَا كسبوا﴾ ) [الشورى: ٣٤] والمخردل: المقطع، يُقَال: خَرْدَل الشَّاة: إِذا قطعهَا. وَفِيه: ((قد قشبني رِيحهَا، وأحرقني ذكاؤها)) قشبني من القشب، والقشب: السم، كَأَنَّهُ قَالَ: قد سمني رِيحهَا، وَيُقَال لكل مَسْمُوم قشيب ومقشب. وذكاء النَّار: اشتعالها، يُقَال: ذكت النَّار تذكو. وَفِيه: ((فَإِذا رأى بهجتها وَمَا فِيهَا من النضرة انفهقت لَهُ الْجنَّة)) الْبَهْجَة: الْحسن. والنضرة: الرونق. وانفهقت: انفتحت واتسعت. وَمِنْه قيل: صحراء فيهق: أَي وَاسِعَة. ١٧٩٤ - / ٢٢٢٨ - والْحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: قد تقدم فِي مُسْند أبي سعيد.

стр. 1455

وَفِيه: ((وَلَا أَقُول: إِن أحدا أفضل من يُونُس بن مَتى)) وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. ١٧٩٥ - / ٢٢٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ: أَتَى رجل من أسلم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن الْأُخَر قد زنى - يَعْنِي نَفسه، فَأَعْرض عَنهُ. هَذَا الرجل الْأَسْلَمِيّ هُوَ مَاعِز بن مَالك. والشق: الْجَانِب. وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنه لَا يجْرِي فِي الْإِقْرَار إِلَّا أَربع مَرَّات. وَقد ذكرنَا هَذَا وَالْخلاف فِيهِ فِي مُسْند جَابر بن سَمُرَة، وَبينا هُنَاكَ معنى الْأُخَر. وأذلقته الْحِجَارَة: أَي بلغت مِنْهُ فقلق وَلم يصبر. وجمز: وثب هَارِبا. والحرة: مَوضِع فِيهِ حِجَارَة سود. ١٧٩٦ - / ٢٢٣٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: ((سَتَكُون فتن الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم)) قد تقدم هَذَا فِي مُسْند أبي بكرَة. وَقَوله: ((من تشرف لَهَا)) أَي تطلع إِلَيْهَا، تطلعت إِلَيْهِ. يُقَال: استشرفت الشَّيْء: إِذا رفعت بَصرك لتنظر إِلَيْهِ. والمعاذ: الملجأ. يَقُول: من قدر أَن يبعد عَنْهَا ويلجأ مِنْهَا إِلَى مَا يخلصه فَلْيفْعَل.

стр. 1456

وَقَوله: ((من الصَّلَاة صَلَاة من فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وتر أَهله)) يَعْنِي الْعَصْر، وَقد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند ابْن عمر. ١٧٩٧ - / ٢٢٣١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن)) . قَالَ الْعلمَاء: الْمَعْنى: وَهُوَ كَامِل الْإِيمَان. كَقَوْلِه ﵇: ((مَا آمن من لم يَأْمَن جَاره بوائقه)) أَي مَا اسْتكْمل الْإِيمَان. وَيحْتَمل وَجها آخر: وَهُوَ أَن الْهوى يُغطي الْإِيمَان، فَصَاحب الْهوى لَا يرى إِلَّا هَوَاهُ وَلَا ينظر إِلَى إيمَانه الناهي لَهُ، فَكَأَن الْإِيمَان قد عدم. وَقَوله: ((وَلَا ينتهب نهبة ذَات شرف)) أَي ذَات قدر. والغلول: أَخذ شَيْء من الْمغنم فِي خُفْيَة. قَالَ ابْن عَرَفَة: سمي الْغلُول غلولا لِأَن الْأَيْدِي مغلولة عَنهُ: أَي مَمْنُوعَة. ١٧٩٨ - / ٢٢٣٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: ((بَيْنَمَا رَاع فِي غنمه عدا الذِّئْب فَأخذ مِنْهَا شَاة، فطلبها حَتَّى استنقذها مِنْهُ، فَقَالَ الذِّئْب: من لَهَا يَوْم السَّبع، يَوْم لَا راعي لَهَا غَيْرِي؟)) فَقَالَ النَّاس: سُبْحَانَ الله! فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ((فَإِنِّي أُؤْمِن بِهَذَا وَأَبُو بكر وَعمر)) وَمَا هما ثمَّ.

стр. 1457

فَأَما يَوْم السَّبع فَأكْثر الْمُحدثين يرونه بِضَم الْبَاء، وعَلى هَذَا يكون الْمَعْنى: إِذا أَخذهَا السَّبع لم تقدر على استخلاصها، فَلَا يرعاها حِينَئِذٍ غَيْرِي. أَي إِنَّك تهرب وأكون أَنا قَرِيبا مِنْهَا أنظر مَا يفضل لي مِنْهَا. وَقد ذكر الْأَزْهَرِي فِي كتاب ((تَهْذِيب اللُّغَة)) عَن ابْن الْأَعرَابِي أَن السَّبع بتسكين الْبَاء: وَهُوَ الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ الْمَحْشَر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: من لَهَا يَوْم الْقِيَامَة؟ . وَأما إخْبَاره بِإِيمَان أبي بكر وَعمر فَلِأَنَّهُ علم أَنَّهُمَا يؤمنان بِمَا آمن بِهِ، فَكَذَلِك عَامَّة أَصْحَابه، غير أَنه خصهما لِشَرَفِهِمَا. ١٧٩٩ - / ٢٢٣٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ: ((قرصت نملة نَبيا من الْأَنْبِيَاء، فَأمر بقرية النَّمْل فأحرقت)) . قَرْيَة النَّمْل: مَوضِع اجتماعهن، وَالْعرب تفرق فِي الأوطان بَين الْأَسْمَاء. فَيَقُولُونَ: قطن الْإِنْسَان، وعطن الْإِبِل، وعرين الْأسد، وكناس الظبي، ووجار الذِّئْب والضبع، وعش الطَّائِر، وكور الزنابير، ونافقاء اليربوع، وقرية النَّمْل. وَهَذَا النَّبِي لما آذته استجاز قتل مَا يُؤْذِي، فَأُرِيد مِنْهُ صُورَة الْعدْل فِي قتل المؤذي فَحسب، فَقيل لَهُ: ((فَهَلا نملة وَاحِدَة)) . ١٨٠٠ - / ٢٢٣٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: ((فِي الْحبَّة السَّوْدَاء شِفَاء من كل دَاء إِلَّا السام)) وَقد فسر فِي الحَدِيث، فَقَالَ الزُّهْرِيّ: السام: الْمَوْت. والحبة السَّوْدَاء: الشونيز.

стр. 1458

وَظَاهر قَوْله: ((من كل دَاء)) عُمُوم الأدواء كلهَا. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: لَفْظَة كل هَا هُنَا لَفْظَة عُمُوم وَالْمرَاد بهَا الْخُصُوص كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ [النَّمْل: ٢٣] ، وَقَوله: ﴿تدمر كل شَيْء﴾ [الْأَحْقَاف: ٢٥] وَقَوله: ﴿وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ [الْبَقَرَة: ٤٧] وَالْمرَاد بهَا شِفَاء من أدواء الرُّطُوبَة والبلغم من جِهَة أَن الشونيز حَار يَابِس، فَهُوَ يقطع البلغم، وينقي، وينفع الزُّكَام، وَيقتل الديدان، ويدر الطمث. ويسقى بِالْمَاءِ الْحَار وَالْعَسَل للحصاة فِي المثانة والكلية، وَيحل الحميات البلغمية والسوداوية، ودخانه يهرب مِنْهُ الْهَوَام، إِلَى غير ذَلِك من الْمَنَافِع. فَلَمَّا عَمت منفعَته أطلقت عَلَيْهِ لَفْظَة ((كل)) . ١٨٠١ - / ٢٢٣٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: ((لَا تمنعوا فضل المَاء لتمنعوا بِهِ الْكلأ)) . قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: هَذَا فِي الرجل يحْفر الْبِئْر فِي الأَرْض الْموَات فيملكها بِالْإِحْيَاءِ، وحول الْبِئْر أَو بقربها موَات فِيهِ كلأ، وَلَا يُمكن النَّاس أَن يرعوه إِلَّا بِأَن يبْذل لَهُم مَاءَهُ، فَأمره ﷺ أَلا يمنعهُم مَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذا فعل ذَلِك فقد مَنعهم الْكلأ. وَاخْتلف الْعلمَاء: هَل هَذَا على وَجه التَّحْرِيم أَو على وَجه الْكَرَاهَة.

стр. 1459

١٨٠٢ - / ٢٢٣٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: أَن رَسُول الله ﷺ اسْتعْمل رجلا على خَيْبَر، فجَاء بِتَمْر جنيب، فَقَالَ: ((أكل تمر خَيْبَر هَكَذَا؟)) قَالَ: إِنَّا لنأخذ الصَّاع بالصاعين، والصاعين بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ ﷺ : ((لَا تفعل، بِعْ الْجمع بِدَرَاهِم ثمَّ ابتع بِالدَّرَاهِمِ جنيبا)) وَقَالَ فِي الْمِيزَان مثل ذَلِك. الجنيب من جيد التَّمْر. وَالْجمع من النّخل: كل لون لَا يعرف اسْمه، فَيكون تمره من أردأ التَّمْر، فَنَهَاهُ عَن المفاضلة فِي مَال الرِّبَا. وَقَالَ فِي الْمِيزَان - أَي فِيمَا يُوزن - مثل ذَلِك، وَهَذَا لِأَن التَّمْر أَصله الْكَيْل لَا الْوَزْن. ١٨٠٣ - / ٢٢٣٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين: ((إِذا أدْرك أحدكُم سَجْدَة من صَلَاة الْعَصْر قبل أَن تغرب الشَّمْس فليتم صلَاته)) . المُرَاد بِالسَّجْدَةِ: الرَّكْعَة بركوعها وسجودها. وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث بعد الثَّالِث وَالسِّتِّينَ وَالْمِائَة من هَذَا الْمسند، وَلَفظه: ((من أدْرك من الصُّبْح رَكْعَة قبل أَن تطلع الشَّمْس فقد أدْرك الصُّبْح، وَمن أدْرك من الْعَصْر رَكْعَة قبل أَن تغرب الشَّمْس فقد أدْرك)) وَهَذَا يدل

стр. 1460

على أَن من طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَقد صلى رَكْعَة من الْفجْر، أَو غربت وَقد صلى رَكْعَة من الْعَصْر، أَنه يتم الصَّلَاة، وَأَنَّهَا صَحِيحَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تبطل صلَاته. ١٨٠٤ - / ٢٢٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين: ((لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة، فتعجل كل نَبِي دَعوته، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي)) . هَذَا من حسن ظن نظره ﷺ حِين اخْتَار أَن تكون دَعوته فِيمَا يبْقى. فَإِن سُلَيْمَان ﵇ قَالَ: ﴿هَب لي ملكا﴾ [ص: ٣٥] وَاخْتِيَار الْبَاقِي أحزم. وَمن فضل كرمه أَنه جعلهَا لأمته، وَجعلهَا شَفَاعَة للمذنبين، فَكَأَنَّهُ هيأ النجَاة للمنقطعين ليلحقهم بالسابقين. وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند جَابر وَأنس. ١٨٠٥ - / ٢٢٤٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين: النَّهْي عَن الْوِصَال فِي الصَّوْم. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر. وَفِي هَذَا الحَدِيث: ((فاكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون)) اللَّام فِي اكلفوا مَفْتُوحَة وَالْمعْنَى: تكلفوا طاقتكم. وَقد سبق بَيَان هَذَا.

стр. 1461

١٨٠٦ - / ٢٢٤١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين: التَّكْبِير فِي كل خفض وَرفع، وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس وَغَيره. وَفِيه: ((سمع الله لمن حَمده)) أَي: قبل. وَفِيه: ((اشْدُد وطأتك على مُضر)) وَقد تقدم آنِفا. ١٨٠٧ - / ٢٢٤٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: ((مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ أَن يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)) وَفِي لفظ: ((مَا أذن الله لشَيْء كَإِذْنِهِ لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يجْهر بِهِ)) وَفِي لفظ: ((لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ)) . أما اللَّفْظ الأول فَهَكَذَا ورد: ((أَن يتَغَنَّى)) وَالَّذِي أرَاهُ أَن لَفْظَة ((أَن)) من زِيَادَة بعض الروَاة؛ لأَنهم يروون بِالْمَعْنَى فَيَقَع الْخَطَأ فِي كثير من الرِّوَايَات، وَإِذا ثبتَتْ ((أَن)) كَانَ من الْإِذْن: بِمَعْنى الْإِطْلَاق فِي الشَّيْء، وَلَيْسَ هُوَ المُرَاد بِالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا أذن هَا هُنَا بِمَعْنى اسْتمع، يُقَال: أَذِنت للشَّيْء: أذنا: إِذا استمعت لَهُ، قَالَ عدي: (فِي سَماع يَأْذَن الشَّيْخ لَهُ ... وَحَدِيث مثل ماذي مشار) وَاخْتلف الْعلمَاء فِي معنى ((يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)) على أَرْبَعَة أَقْوَال:

стр. 1462

أَحدهَا: أَنه تَحْسِين الصَّوْت بِهِ، روى أَبُو دَاوُد فِي ((سنَنه)) عَن ابْن أبي مليكَة أَنه سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث، فَقيل لَهُ: أَرَأَيْت إِن لم يكن حسن الصَّوْت؟ فَقَالَ: ((يُحسنهُ مَا اسْتَطَاعَ)) وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: يَسْتَغْنِي بِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن وَكِيع وَابْن عُيَيْنَة، وَقد روى أَنهم دخلُوا على سعد وَعِنْده مَتَاع رث، فَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ)) فَهَذَا دَلِيل على أَنه الإستغناء. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: من قَرَأَ آل عمرَان فَهُوَ غَنِي. قَالَ أَبُو عبيد: وَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ تَرْجِيع الْقِرَاءَة لَكَانَ من لم يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من النَّبِي، قَالَ: وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب أَن يَقُولُوا: تَغَنَّيْت تغَنِّيا، وَتَغَانَيْت تَغَانِيًا: بِمَعْنى اسْتَغْنَيْت، قَالَ الْأَعْشَى: (وَكنت امْرأ زَمنا بالعراق ... عفيف المناخ طَوِيل التغن) يُرِيد الإستغناء. وَقَالَ الْمُغيرَة بن حبناء يُعَاتب أَخَاهُ: (كِلَانَا غَنِي عَن أَخِيه حَيَاته ... وَنحن إِذا متْنا أَشد تَغَانِيًا) فعلى هَذَا يكون الْمَعْنى: من لم يسْتَغْن بِالْقُرْآنِ عَن الْإِكْثَار من

стр. 1463

الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ ينبهه على ترك الفضول ويحثه على طلب الْآخِرَة. وَالثَّالِث: أَن الْمَعْنى يتحزن بِهِ ويترنم، قَالَه الشَّافِعِي، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ عندنَا تحزين الْقِرَاءَة. وَالرَّابِع: أَنه التشاغل بِهِ عَن مَكَان التَّغَنِّي، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَت الْعَرَب تتغنى بالركبان إِذا ركبت الْإِبِل، وَإِذا جَلَست فِي الأفنية، وعَلى أَكثر أحوالها، فَلَمَّا نزل الْقُرْآن أحب النَّبِي ﷺ أَن يكون الْقُرْآن هجيراهم مَكَان التَّغَنِّي بالركبان. ويوضح هَذَا الْوَجْه مَا أَنبأَنَا بِهِ عَليّ بن أبي عمر قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن أَيُّوب قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عَليّ بن شَاذان قَالَ: أخبرنَا أَبُو سهل أَحْمد بن مُحَمَّد الْقطَّان قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد البرتي قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن الْمليكِي عَن ابْن أبي مليكَة عَن عبد الله بن السَّائِب عَن سعد هُوَ ابْن أبي وَقاص قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: ((غنوا بِالْقُرْآنِ، لَيْسَ من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ)) يَعْنِي منا. ١٨٠٨ - / ٢٢٤٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسبْعين: ((ننزل غَدا إِن شَاءَ الله بخيف بني كنَانَة حَيْثُ تقاسموا على الْكفْر)) يُرِيد المحصب. قَالَ ابْن فَارس الْخيف: مَا ارْتَفع عَن الْوَادي وَانْحَدَرَ عَن الْجَبَل. وتقاسموا بِمَعْنى تحالفوا، وَقد ذكر تَفْسِير هَذَا فِي الحَدِيث: وَهُوَ

стр. 1464

أَن قُريْشًا وكنانة حصروا بني هَاشم وَبني الْمطلب فِي الشّعب. وَقَالَ بعض الروَاة: أَو بني عبد الْمطلب، وَهُوَ غلط، وَإِنَّمَا هُوَ: وَبني الْمطلب - وتحالفوا أَلا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا يؤوهم حَتَّى يسلمُوا إِلَيْهِم النَّبِي ﷺ ، وَكتب الْقَوْم بذلك كتابا وتركوه فِي الْكَعْبَة، فجَاء النَّبِي ﷺ إِلَى عَمه أبي طَالب فَأخْبرهُ أَن الأرضة قد لحست مَا فِي كِتَابهمْ من جور وظلم وأبقت مَا فِيهِ من ذكر الله ، فَخرج أَبُو طَالب إِلَيْهِم فَأخْبرهُم بذلك، وَقَالَ: إِن كَانَ ابْن أخي صَادِقا فانزعوا عَمَّا أَنْتُم عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ كَاذِبًا أسلمته إِلَيْكُم. فَقَالُوا: قد أنصفت، ففتحوا الْكتاب فوجدوه كَمَا قَالَ، فنكسوا على رؤوسهم وسكتوا، فَلَمَّا خرج النَّبِي ﷺ أَتَى مَكَّة فِي حجَّته، قَالَ: ((منزلنا إِن شَاءَ الله بخيف بني كنَانَة)) فآثر النُّزُول بذلك الْمَكَان شكرا لنعمة الله سُبْحَانَهُ فِي التَّمْكِين لَهُ، ونقضا لعهدهم. ١٨٠٩ - / ٢٢٤٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين: ((اشتكت النَّار إِلَى رَبهَا، فَأذن لَهَا بنفسين: نفس فِي الشتَاء وَنَفس فِي الصَّيف، فَهُوَ أَشد مَا تَجِدُونَ من الْحر وَمن الزَّمْهَرِير)) . تَشْبِيه الْحر وَالْبرد فِي ابْتِدَائه وامتداده وقوته وَضَعفه بِالنَّفسِ من أحسن التَّشْبِيه. والزمهرير: شدَّة الْبرد. وَبَاقِي الحَدِيث قد تقدم فِي مُسْند أبي ذَر. ١٨١٠ - / ٢٢٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسبْعين: ((الْفَخر وَالْخُيَلَاء -

стр. 1465

وَفِي لفظ: والرياء - فِي الْفَدادِين. .)) وَفِي رِوَايَة: ((أَتَاكُم أهل الْيمن، هم أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة)) . الْخُيَلَاء: التكبر والإعجاب بِالنَّفسِ. وَمن يقْصد الترفع عَن النَّاس يحب أَن يرى مَاله الْكثير. والفدادون مُفَسّر فِي مُسْند أبي مَسْعُود البدري، وَكَذَلِكَ قَوْله: ((الْإِيمَان يمَان)) هُنَالك أَيْضا. وَقد بَينا ثمَّ أَنه أَشَارَ بذلك إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة، وَإِنَّمَا أثنى على أهل الْيمن لمبادرتهم إِلَى الْإِيمَان، وَإِذا رقت الأفئدة ولانت الْقُلُوب وصلت إِلَيْهَا المواعظ وأثرت فِيهَا. وَالْحكمَة: الْفِقْه. والسكينة: السّكُون. وَفِي هَذَا الحَدِيث ثَنَاء على الْأَنْصَار. وَقَوله: ((وَرَأس الْكفْر قبل الْمشرق)) وَذَاكَ لِأَن الدَّجَّال يخرج مِنْهُ ويأجوج وَمَأْجُوج، وتغلب العجمة على ساكنيه وَقلة الْفَهم، وَلذَلِك أضَاف طُلُوع قرن الشَّيْطَان إِلَيْهِ، وَيُرِيد بِطُلُوع قرن الشَّيْطَان ظُهُور إِبْلِيس بالفتن هُنَالك. ١٨١١ - / ٢٢٤٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين: ((التَّسْبِيح للرِّجَال والتصفيق للنِّسَاء)) وَقد تقدم هَذَا فِي مُسْند سهل بن سعد. ١٨١٢ - / ٢٢٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين: ((إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ

стр. 1466

أدبر الشَّيْطَان، فَإِذا قضى التثويب أقبل)) . قد ذكرنَا التثويب آنِفا فِي هَذَا الْمسند. وَالْمرَاد بِهِ هَا هُنَا الْإِقَامَة، فَإِنَّهَا إِعْلَام بِقِيَام الصَّلَاة. وَالْأَذَان إِعْلَام بِوَقْت الصَّلَاة. والحصاص يكون بمعنيين: الحصاص: الْعَدو. والحصاص: الضراط. وَقَالَ عَاصِم بن أبي النجُود: إِذا صر أُذُنَيْهِ ومصع بِذَنبِهِ: أَي حركه يَمِينا وَشمَالًا وَعدا، فَذَلِك الحصاص. فَإِن قيل: كَيفَ يهرب من الْأَذَان وَيَدْنُو من الصَّلَاة، وَفِي الصَّلَاة الْقُرْآن ومناجاة الْحق ؟ فَالْجَوَاب: أَنه يبعد عَن الْأَذَان لغيظه من ظُهُور الدّين وَغَلَبَة الْحق، وعَلى الْأَذَان هَيْبَة يشْتَد انزعاجه لَهَا، وَلَا يكَاد يَقع فِي الْأَذَان رِيَاء وَلَا غَفلَة عِنْد النُّطْق بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تحضر النَّفس، فَأَما الصَّلَاة فَإِن النَّفس تحضر فِيهَا عَن إِطْلَاقهَا قبلهَا، فَيفتح لَهَا الشَّيْطَان أَبْوَاب الوساوس فترتع فِيهَا بِالْقَلْبِ. ١٨١٣ - / ٢٢٥١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين: ((مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة)) .

стр. 1467

الْفطْرَة تقال على وُجُوه، قد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند الْبَراء بن عَازِب، فَأَما المُرَاد بهَا هَا هُنَا: فَاعْلَم أَن معرفَة الْحق مركوزة فِي النُّفُوس، ثمَّ قد نصبت لَهَا عَلَيْهَا أَدِلَّة، فَإِذا سلمت فطرتها من صَاد عَن الْهدى بَان لَهَا الْحق بدليله، يدل على هَذَا من حَيْثُ الْمَعْنى وَمن حَيْثُ الْوُقُوع: أما من حَيْثُ الْمَعْنى فَإِن الْأَدِلَّة إِنَّمَا ترد النَّفس إِلَى معلومها الأول الَّذِي قد ثَبت عِنْدهَا، فَأَنا إِذا قلت: لَا بُد من صانع، فَهَذَا مركوز فِي النُّفُوس، وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى إِقَامَة الدَّلِيل الَّذِي يَنْفِي الشوائب عَنهُ. وَأما من حَيْثُ الْوُقُوع فقد اسْتدلَّ جمَاعَة على الوحدانية كقس بن سَاعِدَة، فَإِذا وَقع الصَّاد غير الْفطْرَة ووقفت ظلمته فِي وُجُوه نورها، فَاشْتَبَهَ على النَّفس الْأَمر، فاحتاجت إِلَى قُوَّة معالجة من الدَّلِيل. وَقد ذكر ابْن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: هَذَا حِين أَخذ الله الْعَهْد على الْخلق فِي أصلاب آبَائِهِم ﴿وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] فلست واجدا أحدا إِلَّا وَهُوَ مقرّ بِأَن لَهُ صانعا ومدبرا وَإِن سَمَّاهُ بِغَيْر اسْمه، وَعبد شَيْئا دونه. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله﴾ [الزخرف: ٨٧] فَالْمَعْنى: كل مَوْلُود فِي الْعَالم على ذَلِك الْعَهْد وَالْإِقْرَار الأول وَهُوَ الْفطْرَة، وَمعنى الْفطْرَة: ابْتِدَاء الْخلقَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ [الْأَنْعَام: ١٤] أَي مبتدئها، وَهِي الحنيفية الَّتِي وَقعت لأوّل الْخلق وَجَرت فِي فطر الْعُقُول، ثمَّ يهود الْيَهُود أَبْنَاءَهُم، ويمجس الْمَجُوس أَبْنَاءَهُم: أَي يعلمونهم ذَلِك،

стр. 1468

وَلَيْسَ الْإِقْرَار الأول مِمَّا يَقع بِهِ حكم أَو عَلَيْهِ ثَوَاب، أَلا ترى أَن الطِّفْل من أَطْفَال الْمُشْركين مَحْكُوم عَلَيْهِ بدين أَبَوَيْهِ، فَإِن خرج عَنْهُمَا إِلَى مُسلم حكم عَلَيْهِ بدين مَالِكه، وَمن وَرَاء ذَلِك علم الله فِيهِ. فَفرق مَا بَيْننَا وَبَين الْقَدَرِيَّة فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْفطْرَة عِنْدهم الْإِسْلَام، وَعِنْدنَا الْإِقْرَار بِاللَّه والمعرفة بِهِ. وَقَوله: ((كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء)) تنْتج: مَضْمُومَة التَّاء الأولى مَفْتُوحَة الثَّانِيَة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هِيَ السليمة، سميت بذلك لإجتماع السَّلامَة فِي أعضائها. والجدعاء: المقطوعة الْأنف وَالْأُذن. واللكز: الطعْن بِجَمِيعِ الْكَفّ. والحضنان: الجنبان، وهما مَا دون الْإِبِط إِلَى الخصر. وَقَوله: ((الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين)) قد سبق بَيَانه فِي مُسْند ابْن عَبَّاس، وَذكرنَا هُنَاكَ خلاف النَّاس فيهم. ١٨١٤ - / ٢٢٥٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: ((من ترك كلا فإلينا)) . الْكل: الْعِيَال والثقل. ((فعلي قَضَاؤُهُ)) هَذَا فِيمَن ترك دينا لَا وَفَاء لَهُ فَإِنَّهُ يقْضى من الْفَيْء.

стр. 1469

والضياع بِفَتْح الضَّاد وَهُوَ مصدر ضَاعَ يضيع، وَالْمعْنَى: من ترك شَيْئا ضائعا كالأطفال فَليَأْتِنِي ذَلِك الضائع ((فَأَنا مَوْلَاهُ)) أَي وليه. وَرَوَاهُ بَعضهم ((ضيَاعًا)) بِكَسْر الضَّاد، وَهُوَ جمع ضائع، كَمَا تَقول: جَائِع وجياع، وَالْأول أصح. وَفِي لفظ: ((فَأَيكُمْ ترك مَالا فَإلَى الْعصبَة)) قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: عصب الْقَوْم بفلان: أحاطوا بِهِ، وَسميت الْعصبَة وهم قرَابَة الرجل لِأَبِيهِ. وعصبت الْإِبِل بِالْمَاءِ: إِذا دارت بِهِ. ١٨١٥ - / ٢٢٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: ((أَنا أولى النَّاس بِابْن مَرْيَم، الْأَنْبِيَاء أَوْلَاد علات)) . أَوْلَاد العلات: الْإِخْوَة من أَب وَاحِد وأمهاتهم شَتَّى. وَأَوْلَاد الْأَعْيَان: الْإِخْوَة من أَب وَاحِد وَأم وَاحِدَة. وَالَّذِي أَرَادَ أَن أصل دين الْأَنْبِيَاء وَاحِد وَإِن كَانَت شرائعهم مُخْتَلفَة، كَمَا أَن أَوْلَاد العلات أبوهم وَاحِد وَإِن كَانَت أمهاتهم شَتَّى. أما قَوْله: ((لَيْسَ بَيْننَا نَبِي)) فَإِن قيل: فقد ذكر أَن بعد عِيسَى أَنْبيَاء. فَالْجَوَاب: أَن هَذَا الحَدِيث أصح، والاعتماد عَلَيْهِ وَإِن جَوَّزنَا وجود نَبِي ذُو شرع متجدد. ١٨١٦ - / ٢٢٥٤ - ((من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي)) .

стр. 1470

وَهَذَا قد تقدم فِي مُسْند أبي قَتَادَة وَغَيره. وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: ((من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة)) وَهَذَا كالبشارة لمن يرَاهُ بِأَنَّهُ يلقاه يَوْم الْقِيَامَة. ١٨١٧ - / ٢٢٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن والثمانين: ((من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه. .)) وَفِي وَرَايَة: ((من صَامَ. .)) . وَقَوله: ((إِيمَانًا واحتسابا)) أَي تَصْدِيقًا بالمعبود الْآمِر لَهُ، وعلما بفضيلة الْقيام وَوُجُوب الصّيام، وخوفا من عِقَاب تَركه، ومحتسبا جزيل أجره، وَهَذِه صفة الْمُؤمن. وَقَوله: ((فيوافقها)) يَعْنِي لَيْلَة الْقدر. وَهَذَا دَلِيل على زِيَادَة أجر الْمُجْتَهد إِذا أصَاب. والأوزاع: جماعات من النَّاس. والرهط دون الْعشْرَة. وَيُقَال: إِلَى الْأَرْبَعين. ١٨١٨ - / ٢٢٥٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين: ((لَا عدوى وَلَا صفر وَلَا هَامة)) فَقَالَ أَعْرَابِي: يَا رَسُول الله، فَمَا بَال إبل تكون فِي الرمل كَأَنَّهَا الظباء فَيَأْتِي الْبَعِير الأجرب فَيدْخل فِيهَا فيجربها؟ قَالَ: ((فَمن أعدى الأول؟)) . قد تكلمنا فِي الْعَدْوى والطيرة. وَفِي قَوْله: ((لَا يُورد ممرض على مصح)) وَفِي قَوْله: ((فر من المجذوم)) فِي مُسْند ابْن عمر، وَبينا أَنه

стр. 1471

إِنَّمَا نهى عَن التَّعَرُّض بِالْمرضِ لِئَلَّا يظنّ الصَّحِيح إِذا مرض عِنْد المقاربة للْمَرِيض أَن ذَلِك من بَاب الْعَدْوى. والممرض: الَّذِي إبِله مراض، وضده المصح. وفسرنا قَوْله: ((لَا صفر)) فِي مُسْند جَابر بن عبد الله. وَقَوله: ((وَخَيرهَا الفأل)) قَالَ ابْن عون: هَذَا مثل أَن يكون مَرِيضا فَيسمع: يَا سَالم، وباغيا فَيسمع: يَا وَاجِد. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الفأل فِيمَا يحسن ظَاهره ويرجى وُقُوعه بِالْخَيرِ. والطيرة لَا تكون إِلَّا فِيمَا يسوء. وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا صَار الفأل خير أَنْوَاع هَذَا الْبَاب لِأَنَّهُ يصدر عَن نطق وَبَيَان، فَكَأَنَّهُ خير جَاءَ من غيب. فَأَما سنوح الطير وبروحها فتكلف من المتطير مَا لَا أصل لَهُ فِي الْبَيَان، إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ نطق فيستدل بِهِ على معنى فِيهِ. وَقَوله: ((لَا هَامة)) قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: كَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة تزْعم أَن عِظَام الْمَيِّت تَجْتَمِع فَتَصِير هَامة فتطير، وَكَانُوا يسمون الطَّائِر الَّذِي يخرج مِنْهَا الصدى. وَقَالَ غَيره: كَانُوا يسمون

стр. 1472

الْأُنْثَى من هَذِه الطير: هَامة، وَالذكر: الصدى، فَإِذا قتل الْإِنْسَان قَالَ هَذَا الطَّائِر: اسقوني، حَتَّى يقتل قَاتله فيهدأ، قَالَ الشَّاعِر: (وَلَو أَن ليلى الأخيلية سلمت ... عَليّ، ودوني تربة وصفائح) (لسلمت تَسْلِيم البشاشة أَو زقا ... إِلَيْهَا صدى من جَانب الْقَبْر صائح) فَأبْطل النَّبِي ﷺ هَذَا. وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو زيد: الهامة مُشَدّدَة الْمِيم، يذهب إِلَى وَاحِد الْهَوَام: وَهِي دَوَاب الأَرْض. قَالَ: وَلَا أرى أَبَا زيد حفظ هَذَا. وَأما نِسْيَان أبي هُرَيْرَة الحَدِيث فقد جرى هَذَا لجَماعَة كَثِيرَة حدثوا بأَشْيَاء ثمَّ نسوا، وَفِيهِمْ من كَانَ يخبر بِمَا أخبر بِهِ فَيَقُول: حَدثنِي فلَان عني. وَقَوله: فرطن بالحبشية: أَي تكلم بهَا، وكل كَلَام لَا تفهمه الْعَرَب من كَلَام الْعَجم تسميه رطانة. والمماراة: الْمُرَاجَعَة على وَجه الْمُخَالفَة. والنوء: من أنواء الْمَطَر، وَقد سبق بَيَانه فِي مُسْند زيد بن خَالِد.

стр. 1473

١٨١٩ - / ٢٢٥٧ - وَفِي الحَدِيث التسعين: ((ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر)) وَفِي رِوَايَة: ((إِذا ذهب ثلث اللَّيْل الأول)) . أصح الرِّوَايَات عَن أبي هُرَيْرَة: ((إِذا بَقِي ثلث اللَّيْل الآخر)) كَذَلِك قَالَ التِّرْمِذِيّ. وَحَدِيث النُّزُول قد رَوَاهُ جمَاعَة عَن رَسُول الله ﷺ ، مِنْهُم أَبُو بكر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَجبير بن مطعم وَرِفَاعَة الْجُهَنِيّ والنواس بن سمْعَان وَأَبُو ثَعْلَبَة الْخُشَنِي وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَعَائِشَة فِي آخَرين. وَقد ذكرت فِيمَا تقدم من مُسْند ابْن عمر وَأنس وَغَيرهمَا فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء أَنه يجب علينا أَن نَعْرِف مَا يجوز على الله سُبْحَانَهُ وَمَا يَسْتَحِيل. وَمن المستحيل عَلَيْهِ الْحَرَكَة والنقلة والتغير، فَيبقى مَا ورد فِي هَذَا فَالنَّاس فِيهِ قائلان: أَحدهمَا: السَّاكِت عَن الْكَلَام فِيهِ، وَقد حكى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ عَن مَالك بن أنس وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الله بن الْمُبَارك أَنهم قَالُوا فِي هَذِه الْأَحَادِيث: أمروها بِلَا كَيفَ، فَهَذِهِ كَانَت طَريقَة عَامَّة السّلف. وَالثَّانِي: المتأول، فَهُوَ يحملهَا على مَا توجبه سَعَة اللُّغَة، لعلمه بِأَن مَا يتضمنه النُّزُول من الْحَرَكَة مُسْتَحِيل على الله ، وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد: ﴿وَجَاء رَبك﴾ [الْفجْر: ٢٢] أَي جَاءَ أمره.

стр. 1474

وَقَوله: ((من يقْرض غير عديم)) أصل الْقَرْض الْقطع، وَكَأَنَّهُ يَقُول: من يقطع قِطْعَة من مَاله أَو عمله فيجعلها لله. والعديم بِمَعْنى العادم. ١٨٢٠ - / ٢٢٥٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين: ((إِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يصبغون فخالفوهم)) . المُرَاد بِالْحَدِيثِ تَغْيِير الشيب. وَقد كَانَ السّلف يغيرونه بأنواع من الخضاب وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي كتاب ((الشيب والخضاب)) . ١٨٢١ - / ٢٢٥٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالتسْعين: ((مثل المهجر كَمثل الَّذِي يهدي بَدَنَة)) . روى النَّضر بن شُمَيْل عَن الْخَلِيل قَالَ: التهجير إِلَى الْجُمُعَة: التبكير إِلَيْهَا، فَقَوله: ((مثل المهجر)) أَرَادَ المبكر، وَهِي لُغَة حجازية. وَقَوله: ((من رَاح)) قَالَ أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ: مَعْنَاهُ: من خف إِلَى الْجُمُعَة، وَلم يرد رواح آخر النَّهَار. وَيُقَال: رَاح الْقَوْم: إِذا سَارُوا فِي أَي وَقت كَانَ. وَقَوله: ((فِي السَّاعَة الأولى)) قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: لم يرد تَحْدِيد

стр. 1475

السَّاعَات، لكنه تجوز فِي الْكَلَام، كَمَا تَقول: قعدت عِنْد فلَان سَاعَة. وَأما طي الْمَلَائِكَة الصُّحُف فَالْمُرَاد بِهِ صحف الْفضل لَا صحف الْفَرْض، لِأَن الْفَرْض يسْقط بالإتيان بعد ذَلِك، وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه قد ذهب وَقت الْفَضِيلَة وَلزِمَ السَّعْي. ١٨٢٢ - / ٢٢٦١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالتسْعين: ((لقد كَانَ فِيمَا قبلكُمْ من الْأُمَم محدثون، فَإِن يَك فِي أمتِي أحد فَإِنَّهُ عمر)) قَالَ ابْن وهب: محدثون: ملهمون. وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: مفهمون. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُرِيد قوما يصيبون إِذا ظنُّوا وحدسوا، فكأنهم حدثوا بِشَيْء فقالوه، قَالَ أَوْس: (الألمعي الَّذِي يظنّ لَك الظَّن كَأَن قد رأى وَقد سمعا ... ) وَيُقَال فِي بعض الْأَمْثَال: ((من لم ينفعك ظَنّه لم ينفعك يقينه)) . ١٨٢٣ - / ٢٢٦٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالتسْعين: ((تحاج آدم ومُوسَى)) . الإحتجاج: انتزاع الْحجَّة لغَلَبَة الْخصم. وَاعْلَم أَن نَبينَا ﷺ قد
следующие страницы →