Полный текст (2 175 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَقَوله: " أبْكِي للَّذي عرض عَليّ أَصْحَابك من أَخذهم الْفِدَاء، لقد عرض عَليّ عَذَابهمْ ".
إِن قَالَ قَائِل: كَيفَ عرض عَلَيْهِ عَذَابهمْ وَلم يتَقَدَّم إِلَيْهِم فِي ذَلِك نهي؟
فَالْجَوَاب: أَنهم اخْتَارُوا الْفِدَاء وَهُوَ أَهْون الرأيين، فعوتبوا على اخْتِيَار الأوهن، قَالَه ابْن جرير.
فَإِن قيل: كَيفَ أضَاف الْأَمر إِلَى المشيرين إِلَيْهِ وَقد مَال هُوَ إِلَى ذَلِك الرَّأْي؟ وَلم اسْتحق المشير الْعَذَاب؟
فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن النَّبِي ﷺ ظهر مِنْهُ الْميل إِلَى الْفِدَاء وَلم يَأْمر بِهِ، فَاسْتحقَّ الْعَذَاب من تعجل الْأَخْذ من غير أَمر.
وَالثَّانِي: أَن الْعَذَاب لمن طلب عرض الدُّنْيَا من الْقَوْم لَا لمن أَشَارَ، وَلذَلِك جَاءَ التوبيخ بقوله تَعَالَى: ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ ثمَّ أخْبرهُم بالمانع من تعذيبهم على مَا فعلوا بقوله: ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق﴾ [الْأَنْفَال: ٦٨] .
وَفِيه أَرْبَعَة أَقْوَال:
أَحدهَا: لَوْلَا أَن الله كتب فِي أم الْكتاب أَنه سيحل لكم الْغَنَائِم لمسكم فِيمَا تعجلتم من الْغَنَائِم وَالْفِدَاء قبل أَن تؤمروا بذلك عَذَاب عَظِيم. رَوَاهُ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّانِي: لَوْلَا كتاب من الله سبق أَنه لَا يعذب من أَتَى ذَنبا على
стр. 142
جَهَالَة لعوقبتم، رَوَاهُ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّالِث: لَوْلَا مَا سبق لأهل بدر أَنه لَا يعذبهم لعذبتم. قَالَه الْحسن.
وَالرَّابِع: لَوْلَا مَا سبق من أَنه يغْفر لمن عمل الْخَطَايَا، ثمَّ علم مَا عَلَيْهِ فَتَابَ. قَالَه الزّجاج.
فَتخرج على هَذِه الْأَقْوَال فِي معنى الْكتاب قَولَانِ: أَحدهمَا أَنه كتاب مَكْتُوب. وَالثَّانِي: أَنه الْقَضَاء.
فَلَمَّا نزل قَوْله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم﴾ [الْأَنْفَال: ٦٩] أخذُوا الْفِدَاء.
وَالْجَوَاب الثَّالِث: أَن يكون أضَاف الْعَذَاب إِلَيْهِم لعز قدره ﷺ ، كَمَا يُضَاف الْخَيْر إِلَى الله ، وَالشَّر إِلَى إِبْلِيس، لَا لكَون الْقدر لم يشْتَمل الْأَمريْنِ، بل لحسن الْأَدَب بِالْإِضَافَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ [النِّسَاء: ٧٩] .
وَقَوله: ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ [الْأَنْفَال: ٦٧] أصل الْأسر: الشد، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر " أُسَارَى ". قَالَ الْفراء: أهل الْحجاز يَقُولُونَ: أُسَارَى، وَأهل نجد أَكثر كَلَامهم أسرى، وَهُوَ أَجود الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَرَبيَّة؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة جريح وجرحى. قَالَ أَبُو عَمْرو: الْأُسَارَى: الَّذين شدوا، والأسرى فِي أَيدي الْعَدو، إِلَّا أَنهم لم يشدوا. وَقَالَ الزّجاج: " فعلى " جمع لكل مَا أُصِيب بِهِ النَّاس فِي أبدانهم وعقولهم،
стр. 143
يُقَال: هَالك وهلكى، ومريض ومرضى، وسكران وسكرى، وَمن قَرَأَ " أُسَارَى " فَهُوَ جمع الْجمع، لِأَن جمع أَسِير أسرى، وَجمع أسرى أُسَارَى.
وَقَوله: (حَتَّى يثخن فِي الأَرْض) أَي يتَمَكَّن فِيهَا فيبالغ فِي قتل أعدائه. وَكَانَ هَذَا أول حَرْب، وَفِي الْمُسلمين ضعف وَقلة، فَلم يكن لاستبقاء الْأَعْدَاء وَجه.
٧٨ - / ٨٥ - الحَدِيث السَّابِع: كتب حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أهل مَكَّة.
أما حَاطِب فَهُوَ من لخم وَكَانَ نازلا بِمَكَّة وَلَيْسَ من أَهلهَا، فَهَاجَرَ وَترك أَهله هُنَالك، فتقرب إِلَى الْقَوْم ليحفظوه فِي أَهله بِأَن أطلعهم على بعض أسرار رَسُول الله ﷺ فِي كيدهم وَقصد قِتَالهمْ، وَعلم أَن ذَلِك لَا يضر رَسُول الله لنصر الله إِيَّاه، وَهَذَا الَّذِي فعله أَمر يحْتَمل التَّأْوِيل، وَلذَلِك اسْتعْمل رَسُول الله حسن الظَّن. وَقَالَ فِي بعض الْأَلْفَاظ: " إِنَّه قد صدقكُم ".
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن حكم المتأول فِي اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور خلاف حكم الْمُتَعَمد لاستحلاله من غير تَأْوِيل، وَدلّ على أَن من أَتَى مَحْظُورًا أَو ادّعى فِي ذَلِك مَا يحْتَمل التَّأْوِيل كَانَ القَوْل قَوْله فِي ذَلِك وَإِن كَانَ غَالب الظَّن بِخِلَافِهِ.
стр. 144
وَقَول عمر: إِنَّه قد كفر، يحْتَمل وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن عمر تَأَول قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ كفر النِّعْمَة.
وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق. وَهَذَا لِأَنَّهُ رأى صُورَة النِّفَاق. وَلما احْتمل قَول عمر وَكَانَ لتأويله مساغ لم يُنكر عَلَيْهِ الرَّسُول ﷺ .
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَنه الجاسوس الْمُسلم لَا يقتل. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يسْتَحق الْعقُوبَة المنكلة والتغريب إِلَى بعض الْآفَاق فِي وثاق. وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: يُعَاقب ويسجن. وَقَالَ مَالك: يجْتَهد فِيهِ الإِمَام. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا كَانَ من ذَوي الهيئات كحاطب أَحْبَبْت أَن يتجافى عَنهُ، وَإِن لم يكن مِنْهُم كَانَ للْإِمَام أَن يعزره.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز النّظر إِلَى مَا هُوَ عَورَة من الْمَرْأَة بِموضع الضرورات لأَنهم فتشوا الْمَرْأَة.
وَقَوله: " اعْمَلُوا مَا شِئْتُم " لَيْسَ على الِاسْتِقْبَال، وَإِنَّمَا هُوَ للماضي، وَتَقْدِيره: أَي عمل كَانَ لكم فقد غفر. وَيدل على هَذَا شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَنه لَو كَانَ للمستقبل كَانَ جَوَابه فسأغفر. وَالثَّانِي: أَنه كَانَ يكون إطلاقا فِي الذُّنُوب، وَلَا وَجه لذَلِك، ويوضح هَذَا أَن الْقَوْم خَافُوا من الْعقُوبَة فِيمَا بعد، فَقَالَ عمر: يَا حُذَيْفَة، هَل أَنا مِنْهُم؟
стр. 145
٧٩ - / ٨٦ - الحَدِيث الثَّامِن: " من نَام عَن حزبه من اللَّيْل أَو عَن شَيْء مِنْهُ فقرأه مَا بَين صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر كتب لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ من اللَّيْل ".
قد صحف بَعضهم فَقَالَ: من نَام عَن جزئه من الْجُزْء الَّذِي هُوَ الْقطعَة من الشَّيْء، وَإِنَّمَا هُوَ: عَن حزبه بِالْحَاء الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الحزب من الْقُرْآن: الْورْد، وَهُوَ شَيْء يفرضه الْإِنْسَان على نَفسه، يَقْرَؤُهُ كل يَوْم. وَيُقَال: الْقَوْم أحزاب: إِذا كَانُوا قطعا وفرقا، من كل نَاحيَة فرقة. وَقَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ: يَعْنِي بحزبه: جمَاعَة السُّور الَّتِي كَانَ يقْرؤهَا فِي صلَاتهم بِاللَّيْلِ، وكل جمَاعَة مؤتلفة أَو مُتَفَرِّقَة على شَيْء فَهِيَ حزب، وَمِنْه " الْأَحْزَاب ".
وَاعْلَم أَن مَا بَين الْفجْر إِلَى الظّهْر مُضَاف عِنْد الْعَرَب إِلَى اللَّيْل، يَقُولُونَ: كَيفَ كنت اللَّيْلَة؟ إِلَى وَقت الزَّوَال، وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى الْغَدَاة يَقُول فِي بعض الْأَيَّام: " هَل رأى أحد مِنْكُم اللَّيْلَة رُؤْيا " وَقد بنى أَبُو حنيفَة على هَذَا فَقَالَ: إِذا نوى صَوْم الْفَرْض قبل الزَّوَال صَحَّ، فَكَأَنَّهُ نوى من آخر اللَّيْل.
٨٠ - / ٨٧ - الحَدِيث التَّاسِع: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب ".
стр. 146
قَالَ الْخَلِيل: جَزِيرَة الْعَرَب مَعْدِنهَا ومسكنها، وَإِنَّمَا قيل لَهَا جَزِيرَة؛ لِأَن بَحر الْحَبَش وبحر فَارس ودجلة والفرات قد أحَاط بهَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: جَزِيرَة الْعَرَب من أقْصَى عدن أبين إِلَى ريف الْعرَاق فِي الطول، وَأما الْعرض فَمن جدة وَمَا والاها من سَاحل الْبَحْر إِلَى أطرار الشَّام.
٨١ - / ٨٨ - الحَدِيث الْعَاشِر: أَن رجلا تَوَضَّأ فَترك مَوضِع ظفر على قدمه، فَأَبْصَرَهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " ارْجع فَأحْسن وضوءك " فَرجع فَتَوَضَّأ ثمَّ صلى.
قد احْتج بِهَذَا بعض أَصْحَابنَا فِي وجوب الْمُوَالَاة؛ لِأَن الْمُوَالَاة عندنَا شَرط فِي صِحَة الْوضُوء، وَهُوَ قَول مَالك، وَعَن أَحْمد لَيْسَ شرطا كَقَوْل أبي حنيفَة، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ. وَلَا خلاف فِي التَّفْرِيق الْيَسِير أَنه لَا يبطل، وَقد حد أَصْحَابنَا الْكثير: بِأَن يَأْتِي على الْعُضْو زمَان معتدل فِي الْحر وَالْبرد فينشف. وَوجه الْحجَّة فِي الحَدِيث أَن الرجل فهم من قَوْله: " أحسن وضوءك " إِعَادَة الْوضُوء، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: تعلم كَيفَ الْوضُوء، فَلَيْسَ مَا فعلت بِوضُوء.
٨٢ - / ٨٩ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر - قَالَ عمر فِي الضَّب: إِن رَسُول الله لم يحرمه. وَفِي لفظ: إِنَّمَا عافه رَسُول الله.
стр. 147
الضَّب مَعْرُوف، وَهُوَ مُبَاح الْأكل، وعافه بِمَعْنى كرهه، ولكراهته لَهُ سببان:
أَحدهمَا: أَنه لم يتعود أكله، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي لحم الضَّب: " كلوا؛ فَإِنَّهُ حَلَال، وَلكنه لَيْسَ من طَعَامي ". وَفِي مُسْند خَالِد بن الْوَلِيد أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن الضَّب: أحرام هُوَ؟ قَالَ: " لَا، وَلكنه لَيْسَ فِي قومِي، فأجدني أعافه ".
وَالثَّانِي: أَنه خَافَ أَن يكون مِمَّن مسخ. وَسَيَأْتِي فِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بضب، فَأبى أَن يَأْكُل مِنْهُ وَقَالَ: " لَا أَدْرِي، لَعَلَّه من الْقُرُون الَّتِي مسخت ".
٨٣ - / ٩٠ - الحَدِيث الثَّانِي عشر: قَالَ أَبُو نَضرة: كَانَ ابْن عَبَّاس يَأْمر بِالْمُتْعَةِ، وَكَانَ ابْن الزبير ينْهَى عَنْهَا، فَذكرت ذَلِك لجَابِر بن عبد الله، فَقَالَ: على يَدي دَار الحَدِيث، تَمَتعنَا مَعَ رَسُول الله، فَلَمَّا قَامَ عمر قَالَ: إِن الله كَانَ يحل لرَسُوله مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَإِن الْقُرْآن قد نزل مَنَازِله، فَأتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة كَمَا أَمركُم الله، وأبتوا نِكَاح هَذِه النِّسَاء، فَلَنْ أُوتى بِرَجُل نكح امْرَأَة إِلَى أجل إِلَّا رَجَمْته بِالْحِجَارَةِ. وَفِي لفظ: فَافْصِلُوا حَجكُمْ من عُمْرَتكُمْ؛ فَإِنَّهُ أتم لحجكم، وَأتم لعمرتكم.
стр. 148
أما الْمُتْعَة فَإِنَّهَا كَانَت مُبَاحَة أول الْإِسْلَام، وصفتها أَن الرجل كَانَ ينْكح الْمَرْأَة بِشَيْء مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم، لَا بِعقد عِنْد الِاتِّصَال، وَلَا بِطَلَاق عِنْد الِانْفِصَال، ثمَّ نسخ هَذَا بِمَا سَيَأْتِي فِي مُسْند عَليّ ﵇: أَن رَسُول الله نهى عَن مُتْعَة النِّسَاء يَوْم خَيْبَر. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند سُبْرَة بن معبد مَا يدل على أَنَّهَا نسخت عِنْد فتح مَكَّة، فقد وَقع الِاتِّفَاق على النّسخ وَإِن اخْتلف فِي الْوَقْت، غير أَن حَدِيث عَليّ ﵇ مقدم لثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن حَدِيث عَليّ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَحَدِيث سُبْرَة من أَفْرَاد مُسلم.
وَالثَّانِي: أَن عليا ﵇ أعلم بأحوال رَسُول الله من غَيره.
وَالثَّالِث: أَنه أثبت تَقْدِيمًا فِي الزَّمَان خَفِي على غَيره.
فكأنهم استعملوا عِنْد فتح مَكَّة مَا كَانُوا أبيحوه من غير علم بالناسخ أَنه قد وَقع، فنهاهم. وَأما فَتْوَى ابْن عَبَّاس فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو من أَمريْن: إِمَّا أَن يكون النَّاسِخ مَا وصل إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَن يكون تَأَول النّسخ فِي حق الْمُضْطَر إِلَى ذَلِك، وَهُوَ مَذْهَب مَتْرُوك.
وَقَول جَابر: على يَدي دَار الحَدِيث: أَي بمشاهدتي وحضوري جرى ذَلِك.
وَقَوله: فَأتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة: اخْتلف الْعلمَاء فِي المُرَاد بإتمامها على
стр. 149
أَرْبَعَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن يفصل بَينهمَا، فَيَأْتِي بِالْعُمْرَةِ فِي غير أشهر الْحَج، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ عمر، وَإِلَيْهِ ذهب الْحسن وَعَطَاء.
وَالثَّانِي: أَن يحرم الرجل من دويرة أَهله، قَالَه عَليّ وَطَاوُس وَابْن جُبَير.
وَالثَّالِث: أَنه إِذا شرع فِي أَحدهمَا لم يفسخه حَتَّى يتم، قَالَه ابْن عَبَّاس.
وَالرَّابِع: أَنه فعل مَا أَمر الله فيهمَا، قَالَه مُجَاهِد.
قَوْله: أبتوا نِكَاح هَذِه النِّسَاء. الْبَتّ: الْقطع. وَالْمعْنَى: أمضوه إِمْضَاء لَا اسْتثِْنَاء فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ إِلَى أجل كَانَ غير دَائِم. قَالَ الزّجاج: يُقَال: بت الحكم وأبته: إِذا قطعه.
وَاعْلَم أَن إحكام أَمر النِّكَاح لَازم، وَلذَلِك تواعد على الْمُتْعَة بِالرَّجمِ، بِخِلَاف فصل الْحَج من الْعمرَة؛ فَإِنَّهُ الْأَفْضَل عِنْد قوم، وَجَائِز عِنْد آخَرين.
وَرُبمَا توهم من لَا علم لَهُ أَن عمر نهى عَن الْمُتْعَة لمصْلحَة رَآهَا، وَهَذَا لَا يجوز لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يُغير شرع رَسُول الله، وَلَوْلَا أَنه ثَبت عِنْده النَّاسِخ مَا قَالَ.
وَالثَّانِي: أَنه لَو كَانَ على وَجه الْمصلحَة مَا تواعد عَلَيْهِ بِالرَّجمِ.
стр. 150
٨٤ - / ٩١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: قَالَ عمر: إِن رَسُول الله يرينا مصَارِع أهل بدر بالْأَمْس، يَقُول: " هَذَا مصرع فلَان غَدا إِن شَاءَ الله، وَهَذَا مصرع فلَان إِن شَاءَ الله " فو الَّذِي بَعثه بِالْحَقِّ مَا أَخطَأ الْحُدُود الَّتِي حَدهَا رَسُول الله.
المصرع: مَوضِع المصروع، وَهُوَ الْملقى على الأَرْض، يُقَال: صرعت الرجل: إِذا أَلقيته، وَرجل صريع ومصروع.
وإخبار الرَّسُول ﷺ بذلك من أعظم المعجزات الدَّالَّة على صدقه، لِأَنَّهُ أخبر بِمَا يكون، فَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَقَوله: مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم. إِن قيل: كَيفَ أخبر بسماعهم وَقد قَالَ : ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ [النَّمْل: ٨٠] ؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن الله تَعَالَى أحياهم لَهُ، فَسَمِعُوا كَلَامه إِكْرَاما لَهُ وإذلالا لَهُم، هَذَا قَول قَتَادَة. وعَلى هَذَا القَوْل ردَّتْ أَرْوَاحهم وَقت خطابه، كَمَا ترد الرّوح إِلَى الْمَيِّت عِنْد سُؤال مُنكر وَنَكِير، وَلذَلِك قَالَ: " إِنَّهُم ليسمعون قرع نعالكم إِذا وليتم مُدبرين ".
وَالثَّانِي: أَن الله تَعَالَى أوصل صداه إِلَى أَرْوَاحهم، وَإِنَّمَا الْبدن آلَة، وَالله قَادر أَن يُوصل إِلَى الرّوح بِآلَة أُخْرَى، وَبِغير آلَة.
стр. 151
٨٥ - / ٩٢ - الحَدِيث الرَّابِع عشر: لقد رَأَيْت رَسُول الله يظل الْيَوْم يلتوي مَا يجد دقلا يمْلَأ بِهِ بَطْنه.
يُقَال " ظلّ فلَان يفعل كَذَا: إِذا فعله بِالنَّهَارِ، وَبَات يفعل كَذَا إِذا فعله بِاللَّيْلِ.
ويلتوي: يتثنى من الْجُوع.
والدقل من التَّمْر: أردؤه.
وَإِنَّمَا جرى هَذَا على رَسُول الله لثَلَاثَة أَشْيَاء:
أَحدهَا: أَن الْبلَاء يلصق بالأقوياء، وَمِنْه قَوْله ﵇: " نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء أَشد النَّاس بلَاء، ثمَّ الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه ".
وَالثَّانِي: ليتأسى بِهِ الْفُقَرَاء فيطيب عيشهم، وَلِهَذَا الْمَعْنى أَمر النَّاس بالتجرد عَن الْمخيط عِنْد الْإِحْرَام لِئَلَّا ينكسر قلب الْفَقِير.
وَالثَّالِث: ليَكُون ذَلِك أقوى دَلِيل على صدقه فِيمَا جَاءَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا الصدْق لطلب الدُّنْيَا، فصبره على الْفقر من أقوى أَدِلَّة صدقه.
٨٦ - / ٩٣ - الحَدِيث الْخَامِس عشر: أَن نَافِع بن الْحَارِث لَقِي عمر بعسفان، وَكَانَ عمر يَسْتَعْمِلهُ على مَكَّة، فَقَالَ: من اسْتعْملت على أهل الْوَادي؟ فَقَالَ: ابْن أَبْزَى فَقَالَ: وَمن ابْن أَبْزَى؟ فَقَالَ: مولى من موالينا. فَقَالَ: أستخلفت عَلَيْهِم مولى؟ فَقَالَ: إِنَّه قَارِئ لكتاب الله، عَالم بالفرائض. فَقَالَ عمر: أما إِن نَبِيكُم ﷺ قد قَالَ: " إِن
стр. 152
الله يرفع بِهَذَا الْكتاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين ".
أما نَافِع فَلَيْسَ كَمَا نسبه الْحميدِي، إِنَّمَا هُوَ نَافِع بن عبد الْحَارِث، كَذَلِك ذكره مُحَمَّد بن سعد فِي مَوَاضِع، وَذكره ابْن أبي خَيْثَمَة، وَالْبُخَارِيّ فِي " التَّارِيخ ".
وَأما ابْن أَبْزَى فاسمه عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ مولى نَافِع.
وَقَوله: إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب - يَعْنِي الْقُرْآن - أَقْوَامًا. أَرَادَ يرفع حافظيه والعاملين بِهِ، وَيَضَع المضيعين لحقه، المفرطين فِي أمره.
٨٧ - / ٩٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: قَالَ عقبَة بن عَامر: كَانَت علينا رِعَايَة الْإِبِل، فَجَاءَت نوبتي، فروحتها بعشي.
قَوْله: جَاءَت نوبتي: كَانُوا يتناوبون فِي رعي الْإِبِل. وَقَوله: فروحتها: الرواح: من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل وَكَذَلِكَ الْعشي، إِلَّا أَنه أَرَادَ بالْعَشي هَاهُنَا أَوَاخِر الْوَقْت. وَهُوَ الْمسَاء. وَيُقَال: أَرحْنَا إبلنا: أَي رددناها وَقت الرواح. والمراح: حَيْثُ تأوي الْمَاشِيَة بِاللَّيْلِ.
وَقَوله: " فَيحسن وضوءه " إِحْسَان الْوضُوء: إِتْمَامه.
وَقَوله: " يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يقبل عَلَيْهِمَا بِقَلْبِه وَوَجهه " الإقبال بِالْوَجْهِ: ترك الِالْتِفَات وَالنَّظَر إِلَى مَوضِع السُّجُود، وبالقلب: قطع الْفِكر عَنهُ
стр. 153
فِيمَا سوى الْعِبَادَة.
وَقَوله: آنِفا. قَالَ الزّجاج: آنِفا: بِمَعْنى السَّاعَة، وَهُوَ من قَوْلك استأنفت الشَّيْء: إِذا ابتدأته. وروضة أنف: لم ترع، فلهَا أول مرعى. وَقَالَ أَبُو عمر غُلَام ثَعْلَب: معنى آنِفا: مذ سَاعَة.
وإسباغ الْوضُوء: إِتْمَامه.
فَإِن قيل: أَيجوزُ أَن يقطع بِالْجنَّةِ لمن صلى رَكْعَتَيْنِ أحضر فيهمَا قلبه، لقَوْله: " وَجَبت لَهُ الْجنَّة "؟
فَالْجَوَاب: أَنا لَا نقطع لأحد بِعَيْنِه؛ لِأَنَّهُ رُبمَا لم يَأْتِ بالحضور الْمَطْلُوب كَمَا يَنْبَغِي، وَرُبمَا وَجَبت الْجنَّة لشخص ثمَّ حَال بَينه وَبَينهَا عمل من أَعماله القباح، وَلَكنَّا نرجوها لَهُ.
٨٨ - / ٩٥ - الحَدِيث السَّابِع عشر: قَالَ يعلى بن أُميَّة: قلت: لعمر: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ [النِّسَاء: ١٠١] فقد أَمن النَّاس. فَقَالَ: عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ، فَسَأَلت رَسُول الله عَن ذَلِك، فَقَالَ: " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم، فاقبلوا صدقته ".
الْجنَاح: الْإِثْم. وَالْقصر: النَّقْص. والفتنة: الْقَتْل.
وَفِي هَذَا الحَدِيث ثَلَاثَة أوجه.
أَحدهَا: أَنه قد كَانَ الحكم مُتَعَلقا بالخوف، فَلَمَّا زَالَ الْخَوْف أبقى الله حكم الْقصر على وَجه التَّخْفِيف عَن الْمُسَافِر، فَيكون هَذَا من
стр. 154
الْأَحْكَام الَّتِي نطيت بِسَبَب، ثمَّ زَالَ السَّبَب وَبَقِي الحكم، كالرمل.
وَالثَّانِي: أَن الْآيَة إِنَّمَا نزلت على غَالب أسفار رَسُول الله، وأكثرها لم يخل من الْخَوْف، وَنَحْو هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ [النُّور: ٣٣] فَخرج النَّهْي على صفة السَّبَب وَإِن لم يكن شرطا فِيهِ، لِأَنَّهُنَّ كن يردن التحصن.
وَالثَّالِث: أَن تحمل على معنى " إِن " كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧٨] وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ [آل عمرَان: ١٣٩] وَاعْلَم أَن الْمُسَافِر مُخَيّر بَين الْإِتْمَام وَالْقصر، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ، وَعَن أبي حنيفَة يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْقصر وَلَا يجوز لَهُ الْإِتْمَام، وَعَن أَصْحَاب مَالك كالمذهبين.
ومستند هَذَا الْخلاف أَن الْقصر رخصَة عندنَا وَعند الشَّافِعِي، إِلَّا أَنه مَعَ كَونه رخصَة فَهُوَ عندنَا أفضل من الْإِتْمَام، وَهَذَا أحد قولي الشَّافِعِي. وَعند أبي حنيفَة أَنه عَزِيمَة. وَيدل على قَوْلنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح﴾ والجناح إِنَّمَا يرفع فِي الْمُبَاح لَا فِي الْوَاجِب. ثمَّ لَو كَانَ الأَصْل رَكْعَتَيْنِ لم يكن لقَوْله: " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم " وَجه.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مُدَّة السّفر الَّتِي يجوز فِيهِ الْقصر، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: أَقَله سِتَّة عشر فرسخا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: أَقَله مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام سير الْإِبِل. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: مرحلة يَوْم. وَقَالَ دَاوُد: يجوز الْقصر فِي السّفر الطَّوِيل والقصير.
فَأَما مُدَّة الْإِقَامَة الَّتِي إِذا نَوَاهَا بِبَلَدِهِ أتم الصَّلَاة، وَإِن نوى أقل مِنْهَا قصر: فَقَالَ أَصْحَابنَا: إِقَامَة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين صَلَاة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة:
стр. 155
إِقَامَة خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِقَامَة أَرْبَعَة أَيَّام.
وَعِنْدنَا أَن الْقصر إِنَّمَا يُبَاح للْمُسَافِر إِذا كَانَ سَفَره مُبَاحا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَدَاوُد: يجوز لَهُ إِن لم يكن سَفَره مُبَاحا. ووافقنا مَالك فِي أَنه لَا يجوز للعاصي بِسَفَرِهِ الْفطر وَلَا الْقصر، وَقَالَ: يجوز لَهُ أكل الْميتَة.
فَإِن قَالَ لنا قَائِل: كَيفَ تمْنَعُونَ الْمُضْطَر الْميتَة حَتَّى يَمُوت؟
قُلْنَا: نَحن نقُول لَهُ: تب وكل.
وَقَوله: " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم " أَي أنعم بذلك كَمَا ينعم الْمُتَصَدّق، فَهُوَ كَقَوْلِه: ﴿وَتصدق علينا﴾ [يُوسُف: ٨٨] . وَفِي هَذَا الحَدِيث رد على من نهى أَن يُقَال: اللَّهُمَّ تصدق علينا، فَإِنَّهُ قد روى سعيد بن مَنْصُور فِي كتاب " السّنَن " عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَن رجلا قَالَ: تصدق عَليّ تصدق الله عَلَيْك بِالْجنَّةِ. فَقَالَ: إِن الله لَا يتَصَدَّق، وَلَكِن يَجْزِي المتصدقين. وروى أَيْضا أَن مُجَاهدًا قَالَ: لَا تقل تصدق عَليّ، فَإِنَّمَا يتَصَدَّق من يَبْتَغِي الثَّوَاب. وَاعْلَم أَنَّهُمَا إِنَّمَا قَالَا هَذَا بِمُقْتَضى الْعرف وَلم يَقع إِلَيْهِمَا الحَدِيث.
٨٩ - / ٩٦ - الحَدِيث الثَّامِن عشر: عَن جُبَير بن نفير قَالَ: خرجت مَعَ شُرَحْبِيل بن السمط إِلَى قَرْيَة على سَبْعَة عشر أَو ثَمَانِيَة عشر ميلًا،
стр. 156
فصلى رَكْعَتَيْنِ فَقلت لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْت عمر بن الْخطاب صلى بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ، فَقلت لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أفعل كَمَا رَأَيْت رَسُول الله يفعل. أما الْقرْيَة فاسم لما يجمع جمَاعَة من النَّاس، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْجمع.
وَأما الْميل فَقَالَ ابْن فَارس: الْميل من الأَرْض قدر مد الْبَصَر.
وَلَا يَخْلُو حَال شُرَحْبِيل من أَمريْن: إِمَّا أَن يكون هَذَا الْمِقْدَار غَايَة سَفَره، فَيكون مِمَّن يرى قصر الصَّلَاة فِي السّفر الْقصير، أَو أَن يكون خرج إِلَى سفر طَوِيل، فَلَمَّا وصل هَذِه الْقرْيَة قصر.
وَقَوله: رَأَيْت عمر صلى بِذِي الحليفة: يُرِيد أَنه قصر فِي السّفر.
٩٠ - / ٩٧ - الحَدِيث التَّاسِع عشر: " إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: الله أكبر الله أكبر: فَقَالَ أحدكُم: الله أكبر الله أكبر ... " فَذكر الْأَذَان إِلَى أَن قَالَ عِنْد الحيعلة: " لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه " وَقَالَ فِي آخِره: " فَقَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، من قلبه دخل الْجنَّة ".
قَالَ ثَعْلَب: قَالَ اللغويون: وَمعنى الله أكبر: الله أكبر، وَاحْتَجُّوا بقول الفرزدق:
(إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز وأطول)
قَالَ: وَقَالَ النحويون كالكسائي وَالْفراء: مَعْنَاهُ الله أكبر من كل
стр. 157
شَيْء، فحذفت من، كَمَا تَقول: أَبوك أفضل، أَي من غَيره وَاحْتَجُّوا بقول الشَّاعِر:
(إِذا مَا ستور الْبَيْت أرخين لم يكن ... سراج لنا إِلَّا ووجهك أنور)
وَمعنى أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله: أعلم وَأبين.
فَأَما معنى حَيّ على الصَّلَاة فَقَالَ الْفراء: هلموا إِلَى الصَّلَاة وَأَقْبلُوا عَلَيْهَا. وَفتحت الْيَاء من حَيّ لسكونها وَسُكُون الْيَاء الَّتِي قبلهَا، كليت وَلَعَلَّ.
والفلاح: الْفَوْز.
وَإِنَّمَا يُقَال عِنْد هَذَا: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَلَا يُقَال كَمَا قَالَ المؤذنون؛ لِأَن مَضْمُون هَذَا الْكَلَام دُعَاء الْمُصَلِّي، فَلَا يُجيب بِمثلِهِ.
وَمعنى لَا حول: لَا حِيلَة. يُقَال: مَا للرجل حول وَلَا حِيلَة وَلَا احتيال.
٩١ - / ٩٨ - الحَدِيث الْعشْرُونَ: قَالَ عمر: قسم النَّبِي ﷺ قسما فَقلت: يَا رَسُول الله لغير هَؤُلَاءِ أَحَق بِهِ مِنْهُم. قَالَ: " إِنَّهُم خيروني بَين أَن يَسْأَلُونِي بالفحش، أَو يبخلوني، وَلست بباخل ".
الْقسم بِفَتْح الْقَاف مصدر قسمت، وبكسرها: الْحَظ والنصيب، يُقَال: هَذَا قسمك، وَهَذَا قسمي.
стр. 158
وَالْفُحْش: الزَّائِد فِي الْخُرُوج عَن حد الصَّوَاب، وكل شَيْء جَاوز قدره فَهُوَ فَاحش.
وَيُشبه أَن يكون هَؤُلَاءِ الَّذين أَعْطَاهُم من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم.
وَقد نبه الحَدِيث على جَوَاز الْإِعْطَاء لحفظ الْعرض.
٩٢ - / ٩٩ - الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: كَانَ عمر إِذا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَاد أهل الْيمن سَأَلَهُمْ: أفيكم أويس بن عَامر؟
أما الأمداد فقوم يجيئون بعد قوم.
واليمن سميت بذلك لِأَنَّهَا عَن يَمِين الْكَعْبَة.
وأويس تَصْغِير أَوْس، وَأَوْس اسْم للذئب، وأنشدوا:
(مَا فعل الْيَوْم أويس فِي الْغنم ... )
وَقرن مَفْتُوحَة الرَّاء: قَبيلَة. وَقرن بتسكين الرَّاء مَوضِع من مَوَاقِيت الْحَج.
وغبر النَّاس من الغابر: وَهُوَ الْمُتَأَخر عَمَّن تقدمه. والغبرات: البقايا. وَهَكَذَا سمعنَا هَذِه الْكَلِمَة وتفسيرها، وَقد ذكرهَا ابْن جرير فِي " تَهْذِيب الْآثَار " وَقَالَ: أكون فِي غثر النَّاس. قَالَ: وَهِي الْجَمَاعَة
стр. 159
المختلطة من قبائل شَتَّى، يُقَال: أَقبلت غثيرة من النَّاس وغثراء مِنْهُم، ودهماء، وأوزاع، وأوباش، وأوشاب: وهم الْفرق.
وَفِي رِوَايَة أكون فِي خمار النَّاس: أَي فِي زحمتهم حَيْثُ أخْفى. وَإِنَّمَا أَرَادَ الخمول؛ لِأَن الْمُتَقَدّم مشتهر بِخِلَاف الْمُتَأَخر. والخمول إِلَى السَّلامَة أقرب.
стр. 160
كشف الْمُشكل من مُسْند أبي عمر وَعُثْمَان بن عَفَّان
أسلم قَدِيما، وزوجه رَسُول الله ابْنَته رقية، فَلَمَّا مَاتَت زوجه أم كُلْثُوم، فَلَمَّا مَاتَت قَالَ: " لَو كَانَ عِنْدِي ثَالِثَة لزوجتها عُثْمَان ".
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله مائَة وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة عشر حَدِيثا.
٩٣ - / ١٠٠ - الحَدِيث الأول: أَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ سَأَلَ عُثْمَان فَقَالَ: أَرَأَيْت إِذا جَامع الرجل امْرَأَته وَلم يمن. قَالَ عُثْمَان: يتَوَضَّأ للصَّلَاة وَيغسل ذكره. وَقَالَ عُثْمَان: سمعته من رَسُول الله ﷺ .
فِي هَذَا الحَدِيث تَقْدِيم وَتَأْخِير، تَقْدِيره: يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ للصَّلَاة، وَالْوَاو للْجمع لَا للتَّرْتِيب.
وَاعْلَم أَن هَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي بن كَعْب، وَفِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ نَحْو هَذَا، إِلَّا
стр. 161
أَنه نسخ بِمَا سَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من مُسْند أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع ثمَّ جهدها فقد وَجب الْغسْل ". وَبِمَا سَيَأْتِي فِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع، وَمَسّ الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل ".
وروى رَافع بن خديج أَن النَّبِي ﷺ مر بِهِ فناداه، فَخرج إِلَيْهِ وَمضى مَعَه حَتَّى أَتَى الْمَسْجِد، ثمَّ انْصَرف واغتسل، فَرَأى النَّبِي ﷺ أثر المَاء، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَا نَبِي الله، سَمِعت نداءك وَأَنا على امْرَأَتي، فَقُمْت قبل أَن أنزل فاغتسلت، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " إِنَّمَا المَاء من المَاء " ثمَّ قَالَ نَبِي الله ﷺ بَعْدَمَا انْصَرف: " إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان وَجب الْغسْل ".
٩٤ - / ١٠١ - الحَدِيث الثَّانِي: أَن عُثْمَان دَعَا بِإِنَاء فأفرغ على كفيه ثَلَاث مَرَّات فغلسهما.
أما غسل الْيَدَيْنِ ثَلَاثًا قبل إدخالهما الْإِنَاء فَسنة، فَإِن كَانَ قد قَامَ من نوم اللَّيْل فَهُوَ عندنَا وَاجِب، وَسَيَأْتِي ذكره.
وَأما الاستنثار فَتَارَة يُرَاد بِهِ الِاسْتِنْشَاق: وَهُوَ اجتذاب المَاء بِالنَّفسِ إِلَى بَاطِن الْأنف، وَتارَة يُرَاد بِهِ رمي مَا فِي الْأنف من الْأَذَى. والنثرة: الْأنف.
стр. 162
وَقَوله: ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ. احْتج بعض أَصْحَابنَا بقوله: وَمسح بِرَأْسِهِ، وَلم يقل ثَلَاثًا كَمَا قَالَ فِي المغسولات، على أَن تكْرَار الْمسْح لَا يسن، وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: يسن ثَلَاثًا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَالثَّانيَِة: لَا يسن، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك، وَالْأولَى أصح؛ فَإِنَّهُ قد روى مُسلم من حَدِيث عُثْمَان أَن النَّبِي ﷺ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث حمْرَان وشقيق عَن عُثْمَان أَنه وصف وضوء رَسُول الله: فَمسح بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حمْرَان وشقيق وَعبد الله بن جَعْفَر وَابْن دارة مولى عُثْمَان وَابْن الْبَيْلَمَانِي عَن أَبِيه، كلهم عَن عُثْمَان: أَنه حكى وضوء رَسُول الله: وَمسح بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا.
وَالْأَخْذ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَهَذَا الْبَيَان أولى من الْأَخْذ بِأَمْر مُحْتَمل؛ لِأَن من لم يذكر فِي الْمسْح عددا يحْتَمل أَنه لم يحفظ الْعدَد، وَيحْتَمل أَن يكون أحَال بِهِ على الْعدَد الْمُتَقَدّم. ثمَّ لَو ثَبت أَنه مسح مرّة كَانَ ذَلِك لبَيَان الْإِجْزَاء. وَمَا رُوِيَ عَنهُ من التّكْرَار لَا يجوز أَن يُرِيد بِهِ الْإِجْزَاء لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْإِجْزَاء يَقع بِدُونِهِ.
وَالثَّانِي: أَن الْإِجْزَاء قرين التقليل، فَثَبت أَنه للفضيلة.
وَقَوله: لم يحدث فِيهَا نَفسه: يُرِيد بِهِ حُضُور الْقلب فِي الصَّلَاة، واشتغال الْمصلى بتدبر التِّلَاوَة والخشوع.
وَقَوله: كَانَت صلَاته ومشيه إِلَى الْمَسْجِد نَافِلَة. أَي أَن الغفران قد
стр. 163
حصل لَهُ بِالْوضُوءِ، فثواب صلَاته ومشيه زِيَادَة فِي الْفضل.
وَقَوله: لَا ينهزه إِلَّا الصَّلَاة: أَي لَا يحركه سواهَا.
وَأما النُّطْفَة فَهِيَ المَاء الَّذِي لَا كدر فِيهِ، وَالْجمع نطف. وَتَقَع النطف على الْقَلِيل وَالْكثير من المَاء.
وإفاضة المَاء: صبه.
وَقَوله: مَا أَدْرِي، أحدثكُم أَو أسكت. يحْتَمل وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَنه استطعم هَذَا مِنْهُم أَن يسألوه ليحدثهم.
وَالثَّانِي: أَنه خَافَ أَن يتكلوا على هَذَا الثَّوَاب فيقتنعوا بِهِ عَن كَثْرَة الْأَعْمَال.
وَقَوله: مَا لم يُؤْت كَبِيرَة. يَعْنِي أَنَّهَا تكفر الصَّغَائِر. وَالْكَفَّارَة المغطية للذنوب.
٩٥ - / ١٠٢ - الحَدِيث الثَّالِث: " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة مثله ".
قَوْله: " لله " يُرِيد بِهِ الْإِخْلَاص فِي الْفِعْل.
وَمن بنى مَسْجِدا فَكتب اسْمه عَلَيْهِ فَهُوَ بعيد من الْإِخْلَاص؛ لِأَن المخلص يَكْتَفِي بِرُؤْيَة الْمَعْمُول مَعَه. وَقد كَانَ حسان بن أبي سِنَان يَشْتَرِي أهل الْبَيْت فيعتقهم وَلَا يُخْبِرهُمْ من هُوَ.
وَقَوله: " بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة مثله " لَيْسَ المُرَاد بِهِ فِي الْمِقْدَار،
стр. 164
وَإِنَّمَا المُرَاد بني لَهُ بَيْتا، يدل عَلَيْهِ أَن أجر الْأَعْمَال يُضَاعف، قَالَ الله : ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ [الْأَنْعَام: ١٦٠] ، وَقَول رَسُول الله: " من تصدق بِعدْل تَمْرَة من كسب طيب فَإِن الله يقبلهَا ثمَّ يُرَبِّيهَا حَتَّى تكون مثل الْجَبَل ".
٩٦ - / ١٠٣ - الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
قَالَ ابْن الزبير: قلت لعُثْمَان: هَذِه الْآيَة الَّتِي فِي " الْبَقَرَة ": ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿غير إِخْرَاج﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٠] قد نسختها الْأُخْرَى، فَلم تَكْتُبهَا؟ فَقَالَ: ندعها يَا ابْن أخي، لَا أغير شَيْئا مِنْهُ من مَكَانَهُ.
أما الْآيَة الناسخة لهَذِهِ الْآيَة فَهِيَ قَوْله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٤] وَظن ابْن الزبير أَن مَا ينْسَخ حكمه فَيَنْبَغِي أَلا يثبت، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ فَإِن إثْبَاته فِي الْمُصحف يتَضَمَّن ثَلَاث فَوَائِد:
إِحْدَاهَا: أَن الله تَعَالَى لَو أَرَادَ نسخ لَفظه لرفعه، فقد رفع آيَات كَثِيرَة من الْمُصحف وصدور الحافظين.
وَالثَّانيَِة: أَن فِي تِلَاوَته ثَوابًا كَمَا فِي تِلَاوَة غَيره.
وَالثَّالِثَة: أَنه إِن كَانَ تثقيلا قد نسخ بتَخْفِيف عرف بتذكرة قدر اللطف، وَإِن كَانَ تَخْفِيفًا قد نسخ بتثقيل علم أَن المُرَاد انقياد النَّفس للأصعب أَن يظْهر مِنْهَا عِنْد ذَاك التَّسْلِيم.
стр. 165
٩٧ - / ١٠٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن الْمسور وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود قَالَا لِعبيد الله بن عدي بن الْخِيَار: مَا يمنعك أَن تكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان فِي شَأْن أَخِيه الْوَلِيد بن عقبَة، فقد أَكثر النَّاس فِيهِ.
أما الْوَلِيد فَهُوَ أَخُو عُثْمَان لأمه؛ لِأَن أمه أروى بنت كريز بن ربيعَة تزَوجهَا عَفَّان بن أبي الْعَاصِ، فَولدت لَهُ عُثْمَان وَأُميَّة، ثمَّ تزَوجهَا عقبَة بن أبي معيط فَولدت لَهُ الْوَلِيد وَعمارَة وخالدا وَأم كُلْثُوم وَأم حَكِيم وهندا، وَأسْلمت أروى وَهَاجَرت وبايعت، وَمَاتَتْ فِي خلَافَة ابْنهَا عُثْمَان. وَأسلم الْوَلِيد يَوْم فتح مَكَّة.
وَأما مَا تكلم النَّاس فِي شَأْنه فَلِأَنَّهُ شرب: أخبرنَا الْمُبَارك بن عَليّ قَالَ: أخبرنَا شُجَاع بن فَارس قَالَ: أخبرنَا أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن أَحْمد الْأُشْنَانِي قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد الحمامي قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أبي قيس قَالَ: أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد الْقرشِي قَالَ حَدثنَا أَبُو خَيْثَمَة قَالَ: حَدثنَا وهب بن جرير قَالَ: حَدثنَا أبي قَالَ: بعث عُثْمَان على الْكُوفَة الْوَلِيد بن عقبَة - وَهُوَ أَخُوهُ لأمه - وَكَانَ الْوَلِيد يشرب الشَّرَاب، فصلى بِالنَّاسِ يَوْمًا صَلَاة الْغَدَاة وَهُوَ سَكرَان، فَلَمَّا فرغ قَالَ: أزديكم؟ فَعظم ذَلِك عِنْد النَّاس وأنكروه، فَخرج وَفد إِلَى عُثْمَان فأخبروه، وشهدوا عَلَيْهِ بالسكر، فَعَزله وَجلده الْحَد.
قلت: وَيَنْبَغِي أَن يحمل حَال الْوَلِيد على أَنه شرب من النَّبِيذ متأولا لَهُ، وظنه أَنه لَا يسكر فَسَكِرَ. وَقد أنعمنا الْكَلَام فِي وجوب تَنْزِيه
стр. 166
الصَّحَابَة عَن الْإِقْدَام على الْحَرَام من غير تَأْوِيل فِي قصَّة " قدامَة " فِي مُسْند عمر.
وَقَول عبيد الله لعُثْمَان: كنت مِمَّن اسْتَجَابَ: أَي أجَاب. وَقَوله: هَاجَرت الهجرتين: أما الْهِجْرَة الأولى فَإلَى أَرض الْحَبَشَة، وَالثَّانيَِة إِلَى الْمَدِينَة. وَكَانَ السَّبَب فِي الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة أَن الْمُشْركين لما نصبوا لرَسُول الله الْعَدَاوَة وبالغوا فِي أَذَاهُ وأذى أَصْحَابه، فَمَنعه الله تَعَالَى بِعَمِّهِ أبي طَالب، أَمر أَصْحَابه بِالْخرُوجِ إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَقَالَ لَهُم: " إِن فِيهَا ملكا لَا يظلم النَّاس ببلاده، فتحرزوا عِنْده حَتَّى يأتيكم الله بفرج مِنْهُ " فَهَاجَرَ قوم، واستتر آخَرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا نزلت سُورَة " النَّجْم "، وسمعوا (تِلْكَ الغرانيق العلى) كفوا عَن أذاهم. وَهَذِه الْكَلِمَات أَعنِي: (تِلْكَ الغرانيق العلى. وَإِن شفاعتهن لترتجى) لَا يجوز أَن تكون جرت على لَفْظَة رَسُول الله، وَإِنَّمَا قَالَهَا بعض شياطين الْإِنْس، غير تِلَاوَة الرَّسُول، وسنوضح هَذَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
وَلما بلغ أهل الْحَبَشَة أَن الْمُشْركين قد كفوا عَن أَذَى الْمُسلمين أَقبلُوا إِلَى مَكَّة، فَلَقِيَهُمْ ركب، فَقَالُوا: إِنَّهُم قد عَادوا بالأذى لمُحَمد وَأَصْحَابه، فَدخل قوم مِنْهُم بجوار، وَعَاد أَكْثَرهم، فَبَالغ الْمُشْركُونَ فِي أذاهم، فَأذن لَهُم رَسُول الله فِي الْخُرُوج مرّة ثَانِيَة. وَعدد الَّذين خَرجُوا فِي الْمرة الأولى قَلِيل، وَإِنَّمَا خرج فِي الْمرة الثَّانِيَة خلق يزِيدُونَ على مائَة نفس بَين رجل وَامْرَأَة، وَقد أحصيتهم
стр. 167
فِي كتابي الْمُسَمّى بالتلقيح.
وَقَوله: وَرَأَيْت هَدْيه: أَي سمته وطريقته.
وَقَوله: جلد رَسُول الله أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بكر أَرْبَعِينَ، وَعمر ثَمَانِينَ، وكل سنة.
فِي هَذَا إِشْكَال: وَهُوَ أَن يُقَال: كَيفَ يجوز أَن يَجْعَل فعل الصَّحَابِيّ سنة؟ وَكَيف سَاوَى بَين الْأَرْبَعين والثمانين؟
فَالْجَوَاب: أَنه سَيَأْتِي فِي مُسْند أنس: أَن رَسُول الله جلد بجريد النّخل نَحْو أَرْبَعِينَ، وَفعله أَبُو بكر، فَلَمَّا كَانَ عمر اسْتَشَارَ النَّاس، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: أخف الْحُدُود ثَمَانُون، فَأمر بِهِ عمر.
وَبَيَان ذَلِك أَن رَسُول الله لم يحد فِي ذَلِك حدا يرجع إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُوده التَّأْدِيب والردع، فاتفق أَنه جلد نَحْو الْأَرْبَعين، فَلَمَّا تتايع النَّاس فِي شرب الْخمر رأى عمر الزِّيَادَة فِي الردع، وأصل الردع مسنون، فَكَذَلِك فَرعه، ثمَّ إِنَّمَا أطلقهُ بِعَدَد مَشْرُوع وَلم يقف بِرَأْيهِ على عدد، فَلذَلِك قَالَ عَليّ: وكل سنة.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: قَول عَليّ عِنْد الْأَرْبَعين: حَسبك، دَلِيل على أَن أصل الْحَد فِي الْخمر إِنَّمَا هُوَ أَرْبَعُونَ، وَمَا وَرَاءه تَعْزِير، وَللْإِمَام أَن يزِيد فِي الْعقُوبَة إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك. وَلَو كَانَت الثَّمَانُونَ حدا مَا كَانَ لأحد فِيهِ الْخِيَار. قَالَ: وَقَوله: وكل سنة؛ لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " اقتدوا بالذين من بعدِي: أبي بكر وَعمر ".
стр. 168
قلت: وَالَّذِي ذهبت إِلَيْهِ أَنا أصح مِمَّا قَالَ الْخطابِيّ، لِأَنَّهُ لَو ثَبت أَن الْأَرْبَعين هِيَ الْحَد مَا جَازَ تجاوزها، وَلَو كَانَ مَا بعْدهَا تعزيراً لم يبلغ عَددهَا؛ فَإِن التَّعْزِير لَا يرتقي عندنَا إِلَى حد الْحَد. قَالَ الْخرقِيّ من أَصْحَابنَا: لَا يُبَالغ بالتعزير أدنى الْحُدُود. على أَنه قد قَالَ مَالك: يفعل الإِمَام مَا يُؤَدِّيه اجْتِهَاده إِلَيْهِ وَإِن زَاد على الْحَد.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي عدد الضَّرْب فِي الْخمر: وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: ثَمَانُون، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك. وَالثَّانيَِة: أَرْبَعُونَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي.
وَقَول عَليّ: وَهَذَا أحب إِلَيّ؛ لِأَنَّهُ قد رُوِيَ عَن رَسُول الله أَنه ضرب نَحْو الْأَرْبَعين.
٩٨ - / ١٠٧ - الحَدِيث الْخَامِس: عَن عبيد الله بن عدي أَنه دخل على عُثْمَان وَهُوَ مَحْصُور، فَقَالَ: إِنَّك إِمَام الْعَامَّة، وَقد نزل بك مَا ترى، وَهُوَ يُصَلِّي لنا إِمَام فتْنَة، وَأَنا أتحرج من الصَّلَاة مَعَه. فَقَالَ عُثْمَان: إِن الصَّلَاة أحسن مَا يعْمل النَّاس، فَإِذا أحسن النَّاس فَأحْسن مَعَهم، وَإِذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
وَقَوله: إِنَّك إِمَام الْعَامَّة. يَعْنِي الْعُمُوم.
وَقَوله: يُصَلِّي لنا إِمَام فتْنَة: أَي يؤمنا. وَكَانَ الَّذين خَرجُوا على عُثْمَان قد هجموا على الْمَدِينَة، وَعُثْمَان يخرج فَيصَلي بِالنَّاسِ وهم
стр. 169
يصلونَ خَلفه شهرا، ثمَّ خرج فِي آخر جُمُعَة خرج فِيهَا فحصبوه حَتَّى وَقع عَن الْمِنْبَر وَلم يقدر أَن يُصَلِّي بهم، فصلى بهم يَوْمئِذٍ أَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف. ثمَّ حصروه ومنعوه الصَّلَاة، فَكَانَ يُصَلِّي بهم ابْن عديس تَارَة، وكنانة بن بشر أُخْرَى، وهما من الْخَوَارِج على عُثْمَان، فبقوا على هَذَا عشرَة أَيَّام ثمَّ قَتَلُوهُ. وَفِي رِوَايَة أَنهم حصروه أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَطَلْحَة يُصَلِّي بِالنَّاسِ. وَفِي رِوَايَة: أَن عَليّ بن أبي طَالب صلى بهم أَكثر تِلْكَ الْأَيَّام.
أخبرنَا الْمُبَارك بن عَليّ قَالَ: أخبرنَا شُجَاع بن فَارس قَالَ: أخبرنَا أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن الْأُشْنَانِي قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن عمر الحمامي قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي قيس قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر عبد الله ابْن مُحَمَّد الْقرشِي قَالَ: حَدثنَا دَاوُد بن عَمْرو قَالَ: حَدثنَا يُوسُف بن يَعْقُوب عَن عَتبه بن مُسلم قَالَ: إِن آخر خرجَة خرجها عُثْمَان يَوْم جُمُعَة، فَلَمَّا اسْتَوَى على الْمِنْبَر حصبه النَّاس، فَقَالَ رجل من غفار يُقَال لَهُ الجهجاه: وَالله لنغرينك إِلَى جبل الدُّخان، فَنزل، فحيل بَينه وَبَين الصَّلَاة، فصلى للنَّاس يَوْمئِذٍ أَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف.
قَالَ الْقرشِي: وَحدثنَا أَبُو خَيْثَمَة قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن حَمَّاد بن زيد عَن يزِيد بن أبي حَازِم عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن " جَهْجَاه " الْغِفَارِيّ أَخذ عَصا النَّبِي ﷺ من عُثْمَان فَكَسرهَا بركبته، فَوَقَعت الْأكلَة فِي ركبته.
стр. 170
قَالَ الْقرشِي: وَحدثت عَن كَامِل بن طَلْحَة قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن عَمْرو المغافري أَنه سمع أَبَا ثَوْر الفهمي قَالَ: قدمت على عُثْمَان بن عَفَّان فَإِذا بوفد أهل مصر، فَقلت: إِنِّي أرى وَفد أهل مصر قد رجعُوا جَيْشًا عَلَيْهِم ابْن عديس، فَصَعدَ ابْن عديس مِنْبَر رَسُول الله فصلى بهم الْجُمُعَة، فَقَالَ فِي خطبَته: أَلا إِن عبد الله بن مَسْعُود حَدثنِي أَنه سمع رَسُول الله يَقُول: أَلا إِن عُثْمَان أصل من عَيْبَة عَليّ قفلها، فَدخلت على عُثْمَان فَأَخْبَرته، فَقَالَ: كذب وَالله ابْن عديس، مَا سَمعهَا من ابْن مَسْعُود، وَلَا سَمعهَا ابْن مَسْعُود من رَسُوله الله قطّ.
أخبرنَا مُحَمَّد بن الْحسن وَإِسْمَاعِيل بن أَحْمد قَالَا: حَدثنَا ابْن النقور قَالَ: أخبرنَا المخلص قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عبد الله بن سيف قَالَ: حَدثنَا السّري بن يحيى قَالَ: حَدثنَا سيف بن عمر عَن مُبشر بن الفضيل عَن سَالم قَالَ: قلت لَهُ: كَيفَ صنع النَّاس بِالصَّلَاةِ خلف المصريين؟ قَالَ: كرهها كلهم إِلَّا الْأَعْلَام. فَإِنَّهُم خَافُوا على أنفسهم، فَكَانُوا يشهدونها إِذا شهدُوا، ويلوذون مِنْهَا بضياعهم إِذا تركُوا.
وَحدثنَا سيف عَن سهل بن يُوسُف عَن أَبِيه قَالَ: كره النَّاس الصَّلَاة خلف المصريين مَا خلا عُثْمَان؛ فَإِنَّهُ قَالَ: من دَعَا إِلَى الصَّلَاة فأجيبوه.
وَقَوله: وَأَنا أتحرج من الصَّلَاة مَعَه. معنى أتحرج: أتأثم: أَي أَخَاف الْإِثْم. وأصل الْحَرج الضّيق، وكل ضيق حرج وحرج. والحرجة: الشّجر الملتف.
стр. 171
٩٩ - / ١٠٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه ".
اخْتلف فِي هَذَا الحَدِيث إِمَامًا الْمُحدثين سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج. وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سعد بن عُبَيْدَة عَن أبي عبد الرَّحْمَن عَن عُثْمَان. وتابع شُعْبَة قيس بن الرّبيع وَالْحكم بن ظهير وَحَفْص بن سُلَيْمَان الْأَسدي فِي آخَرين.
وَرَوَاهُ سُفْيَان عَن عَلْقَمَة عَن أبي عبد الرَّحْمَن عَن عُثْمَان، فَلم يذكر فِيهِ سعد بن عُبَيْدَة. وتابع سُفْيَان مسعر والجراح بن الضَّحَّاك، وَعَمْرو بن قيس الْملَائي، ومُوسَى الْفراء، وَمُحَمّد بن أبان، وَعُثْمَان ابْن مقسم، وَأَيوب بن جَابر، وَالربيع بن ركين فِي آخَرين.
وَصحح البُخَارِيّ كلتا الرِّوَايَتَيْنِ اعْتِمَادًا على إتقان الْإِمَامَيْنِ سُفْيَان وَشعْبَة، وحملا لِلْأَمْرِ على أَن عَلْقَمَة سَمعه من سعد بن عُبَيْدَة عَن أبي عبد الرَّحْمَن، وسَمعه من أبي عبد الرَّحْمَن. فَكَانَ تَارَة يرويهِ عَن سعد عَن أبي عبد الرَّحْمَن، وَتارَة عَن أبي عبد الرَّحْمَن، فَأخْرجهُ البُخَارِيّ عَن حجاج بن الْمنْهَال عَن شُعْبَة، وَعَن أبي نعيم عَن سُفْيَان، وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا بالروايتين، وَأعْرض عَن إِخْرَاجه مُسلم لما رأى من الِاخْتِلَاف فِيهِ، ورأي البُخَارِيّ فِي ذَلِك أَسد.
وَقد روى هَذَا الحَدِيث يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن سُفْيَان وَشعْبَة، كِلَاهُمَا عَن عَلْقَمَة عَن سعد بن أبي عبد الرَّحْمَن، فَيُقَال: إِنَّه وهم فِي هَذَا الحَدِيث على سُفْيَان.
стр. 172
وَقد درج بعض الروَاة فِي هَذَا الحَدِيث كَلِمَات يظنّ من لَا يعلم أَنَّهَا مَرْفُوعَة، فَرَوَاهُ الْجراح بن الضَّحَّاك عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن عُثْمَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله: " خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه. وَفضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه " وَذَاكَ أَنه مِنْهُ. فَهَذِهِ الزِّيَادَة يظنّ أَنَّهَا من كَلَام رَسُول الله، وَإِنَّمَا هِيَ من كَلَام أبي عبد الرَّحْمَن. وَقد بَين ذَلِك عُلَمَاء النَّقْل، وَلم تذكر فِي الصِّحَاح.
فَأَما تَفْسِير الحَدِيث: فَإِنَّهُ لما كَانَ الْقُرْآن الْعَزِيز أصل الْعُلُوم مَعَ كَونه كَلَام الله تَعَالَى، كَانَ أفضل الْعُلُوم.
فَإِن قيل: فأيما أفضل: تعلم الْقُرْآن أَو تعلم الْفِقْه؟
فَالْجَوَاب: أَن تعلم اللَّازِم مِنْهُمَا فرض على الْأَعْيَان، وَتعلم جَمِيعهَا فرض على الْكِفَايَة، فَإِذا قَامَ بِهِ قوم سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ، فقد اسْتَويَا فِي الْفَرِيضَة فِي الْحَالَتَيْنِ. فَإِذا فَرضنَا الْكَلَام فِي التزيد مِنْهُمَا على قدر الْوَاجِب فِي حق الْأَعْيَان، فالتشاغل بالفقه أفضل، وَذَاكَ رَاجع إِلَى حَاجَة الْإِنْسَان، لَا أَن الْفِقْه أفضل من الْقُرْآن، وَإِنَّمَا كَانَ الأقرأ فِي زمَان رَسُول الله هُوَ الأفقه، فَلذَلِك قدم الْقَارئ فِي الصَّلَاة.
١٠٠ - / ١٠٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: أَن عُثْمَان قَالَ: أنْشدكُمْ الله،
стр. 173
ألستم تعلمُونَ أَن رَسُول الله قَالَ: " من جهز جَيش الْعسرَة فَلهُ الْجنَّة " فجهزتهم؟ ألستم تعلمُونَ أَنه قَالَ: " من حفر بِئْر رومة فَلهُ الْجنَّة " فحفرتها؟ فصدقوه بِمَا قَالَ.
أما جَيش الْعسرَة فَفِي غَزْوَة تَبُوك، وَكَانَ قد بلغ رَسُول الله أَن الرّوم قد جمعت جموعا كَثِيرَة بِالشَّام، فندب رَسُول الله النَّاس وأعلمهم الْمَكَان الَّذِي يُرِيد لِيَتَأَهَّبُوا لَهُ. وَفِي هَذِه الْغُزَاة جَاءَ البكاءون، وفيهَا تخلف الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا. وَخرج النَّاس فِي حر شَدِيد، فَاشْتَدَّ بهم الْعَطش حَتَّى جعلُوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها وَيَشْرَبُونَ ماءها، وَكَانَ يركب الْبَعِير الْوَاحِد رجلَانِ أَو ثَلَاثَة. فَكَانَت الْعسرَة فِي المَاء وَالظّهْر وَالنَّفقَة، فَسُمي جَيش الْعسرَة بِمَا أَصَابَهُم. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد حث النَّاس على تجهيز هَذَا الْجَيْش قبل خُرُوجهمْ، فَقَامَ عُثْمَان فَقَالَ: عَليّ مائَة بعير بأحلاسها وأقتابها. ثمَّ حض فَقَامَ عُثْمَان فَقَالَ: عَليّ مائَة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثمَّ حض فَقَامَ فَقَالَ كَذَلِك.
وَفِي حَدِيث أَن عُثْمَان جَاءَ يَوْمئِذٍ بِأَلف دِينَار فِي ثَوْبه، فصبها فِي حجر رَسُول الله ﷺ فَجعل النَّبِي ﷺ يقلبها وَيَقُول: " مَا ضرّ عُثْمَان مَا فعل بعد هَذَا ".
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على جَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى لمن يفهم
стр. 174
الْمَعْنى؛ لِأَنَّهُ قَالَ: " من يُجهز جَيش الْعسرَة " وَمَعْلُوم أَن هَذِه اللَّفْظَة لم يقلها رَسُول الله؛ لِأَنَّهُ فِي وَقت التَّجْهِيز لم يسم الْجَيْش بِهَذَا الِاسْم، وَإِنَّمَا لقوا فِي سفرهم شدَّة أوجبت تسميتهم بذلك، فروى عُثْمَان بِالْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ يَقُول: حث رَسُول الله على الْجَيْش الَّذِي سمي بِجَيْش الْعسرَة.
وَأما بِئْر رومة فبئر مَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ.
١٠١ - / ١١١ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح وَلَا يخْطب ".
وَهَذَا دَلِيل على أَنه لَا يَصح أَن يعْقد الْمحرم عقد نِكَاح لنَفسِهِ وَلَا لغيره، فَإِن فعل فَالنِّكَاح بَاطِل، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: النِّكَاح صَحِيح.
وَأما الرّجْعَة فِي حَال الْإِحْرَام فَلَا تصح فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى تصح، وَهُوَ قَول مَالك، وَالشَّافِعِيّ.
فَأَما الْخطْبَة وَالشَّهَادَة على النِّكَاح فَيكْرَه عندنَا فِي حق الْمحرم. وَقد تَأَول الحنفيون هَذَا الحَدِيث على أَنه إِخْبَار عَن حَال الْمحرم؛ لِأَنَّهُ باشتغاله بالنسك لَا يتفرغ للنِّكَاح، وَهَذَا بَاطِل من ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ رَوَوْهُ: " لَا ينْكح الْمحرم " بِكَسْر الْحَاء على معنى النَّهْي.
стр. 175
وَالثَّانِي: أَن النَّبِي ﷺ لَا يخبرنا بِمَا نعلم، وَقد علمنَا أَن الْمحرم مَشْغُول، وَإِنَّمَا تحمل أَلْفَاظه على الْفَوَائِد الشَّرْعِيَّة.
وَالثَّالِث: أَن أبان بن عُثْمَان رواي الحَدِيث أنكر على محرم أَرَادَ عقد النِّكَاح، وروى لَهُ هَذَا الحَدِيث. فَإِن عَارَضنَا الْخصم بِحَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم، فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مُسْنده إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٠٢ - / ١١٢ - الحَدِيث الثَّانِي: أَن عمر بن عبيد الله اشْتَكَى عينه وَهُوَ محرم، فَأَرَادَ أَن يكحلها، فَنَهَاهُ أبان بن عُثْمَان، وَأمره أَن يضمدها بِالصبرِ، وحدثه عَن عُثْمَان عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَفْعَله.
وَفِي لفظ: خرجنَا مَعَ عُثْمَان، حَتَّى إِذا كُنَّا بِملك اشْتَكَى عمر ...
أما ملك فَهُوَ اسْم مَوضِع. وَإِنَّمَا أمره بِالصبرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطيب. وَقد رخص أَحْمد بن حَنْبَل للْمحرمِ فِي الْكحل الَّذِي لَا طيب فِيهِ، وَكره للْمحرمِ الإثمد.
وَقَالَ ابْن جرير فِي كتاب " تَهْذِيب الْآثَار ": وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على فَسَاد مَا يَقُوله أهل الغباوة من أهل التصوف من أَن التَّوَكُّل لَا يَصح لأحد عالج عِلّة فِي جسده بدواء، إِذْ ذَاك عِنْدهم طلب الْعَافِيَة من غير من بِيَدِهِ الْعَافِيَة والضر والنفع. وَفِي إِطْلَاق النَّبِي ﷺ للْمحرمِ علاج
стр. 176
عَيْنَيْهِ بِالصبرِ لدفع الْمَكْرُوه دَلِيل على أَن معنى التَّوَكُّل غير مَا قَالَه الَّذين ذكرنَا قَوْلهم، وَأَن للنَّاس أَن يعالجوا أجسامهم من الْعِلَل الْعَارِضَة لَهُم، وَأَن ذَلِك غير مخرج فَاعله من الرِّضَا بِقَضَاء الله . كَمَا أَن من عرض لَهُ كلب الْجُوع لم يُخرجهُ فزعه إِلَى الْغذَاء من التَّوَكُّل وَالرِّضَا بِالْقضَاءِ؛ لِأَن الله تَعَالَى لم ينزل دَاء إِلَّا أنزل لَهُ دَوَاء إِلَّا الْمَوْت. وَقد جعل أسبابا لدفع الْأَذَى، كَمَا جعل الْأكل سَببا لدفع الْجُوع، وَقد كَانَ قَادِرًا أَن يحيي خلقه بِغَيْر غذَاء، لكنه خلقهمْ ذَوي حَاجَة، لَا ينْدَفع عَنْهُم أَذَى الْجُوع إِلَّا بِالْأَكْلِ، فَكَذَلِك الدَّاء الْعَارِض.
١٠٣ - / ١١٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن أَبَا بكر اسْتَأْذن على رَسُول الله وَهُوَ مُضْطَجع على فرَاشه، لابس مرط عَائِشَة.
المرط: قد سبق بَيَانه فِي مُسْند عمر.
وَقَوله: " اجمعي عَلَيْك ثِيَابك " أَي ضميها وزيدي فِي الاستتار بهَا وفزعت: بِمَعْنى تأهبت، للتحول من حَال إِلَى حَال.
١٠٤ - / ١١٥ - الحَدِيث الْخَامِس: من صلى الْعشَاء فِي جمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ نصف اللَّيْل، وَمن صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة فَكَأَنَّمَا صلى اللَّيْل كُله.
الْعشَاء: هِيَ الَّتِي تسميها النَّاس الْعَتَمَة. وَالْمرَاد من الحَدِيث: أَن من صلى فِي جمَاعَة كمن قَامَ اللَّيْل وَلم يصل فِي جمَاعَة.
стр. 177
وَظَاهر قَوْله: " وَمن صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة فَكَأَنَّمَا صلى اللَّيْل كُله " أَن هَذِه الصَّلَاة وَحدهَا تفي بِثَوَاب قيام اللَّيْل كُله؛ لِأَن مصليها فِي جمَاعَة يحْتَاج إِلَى الانتباه بِوَقْت يُمكنهُ فِيهِ التهيؤ للصَّلَاة وَإِدْرَاك الْجَمَاعَة، وَالنَّوْم حِينَئِذٍ مستلذ، قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَو كنت يَوْمًا كنت يَوْم وصالنا ... وَلَو كنت نوما كنت أغفية الْفجْر)
فَإِن الْعَادة لم تجر بِالنَّوْمِ قبلهَا، فَلذَلِك نَالَ مصلي الصُّبْح فِي جمَاعَة ضعف ثَوَاب من صلى الْعشَاء فِي جمَاعَة.
وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: فَكَأَنَّمَا صلى اللَّيْل من يُصَلِّي الْعشَاء وَالْفَجْر فِي جمَاعَة، فَتكون كل وَاحِدَة بِنصْف اللَّيْل.
стр. 178
كشف الْمُشكل من مُسْند أبي الْحسن عَليّ بن أبي طَالب
أسلم وَهُوَ ابْن سبع سِنِين، وَلم يتَخَلَّف عَن مشْهد شهده رَسُول الله، إِلَّا أَنه خَلفه فِي أَهله فِي غَزْوَة تَبُوك، وَقَالَ لَهُ: " أَلا ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى " وَكَانَ كبراء الصَّحَابَة يرجعُونَ إِلَيْهِ فِي رَأْيه وَعلمه، حَتَّى كَانَ عمر يتَعَوَّذ من معضلة لَيْسَ لَهَا أَبُو حسن.
وَجُمْلَة مَا روى من الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ خَمْسمِائَة وَسَبْعَة وَثَلَاثُونَ، مثل عمر، أخرج لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا.
١٠٥ - / ١١٦ - الحَدِيث الأول: أَن النَّبِي ﷺ طرقه وَفَاطِمَة لَيْلًا، فَقَالَ: " أَلا تصليان؟ ".
قَوْله: طرقه: مَعْنَاهُ آتَاهُ لَيْلًا، وكل من أَتَاك لَيْلًا فقد طرقك، وَسمي النَّجْم طَارِقًا فِي قَوْله: ﴿وَالسَّمَاء والطارق﴾ [فَاتِحَة الطارق] لِأَنَّهُ يطلع لَيْلًا.
وَقَوله: إِنَّمَا أَنْفُسنَا بيد الله. يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى: (وَالَّتِي لم
стр. 179
تمت فِي منامها﴾ [الزمر: ٤٢] .
قَوْله: فَإِذا شَاءَ أَن يبعثنا. أَي يوقظنا. والبعث: إثارة الشَّيْء عَن مَكَانَهُ، فَتَارَة يذكر وَيُرَاد بِهِ الْإِحْيَاء، وَتارَة يُرَاد بِهِ الإيقاظ. وَيُقَال: بعثت النَّاقة: أَي أثرتها.
وَقَوله: وَلم يرجع إِلَيّ شَيْئا: أَي لم يجبني بِشَيْء.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلا﴾ . قَالَ الزّجاج: الْجِدَال: الْمُبَالغَة فِي المناظرة وَالْخُصُومَة، وَهُوَ مَأْخُوذ من الجدل: وَهُوَ شدَّة الفتل. وَيُقَال للصقر أجدل لِأَنَّهُ أَشد الطير. وكل مَا يعقل من الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ يُجَادِل، وَالْإِنْسَان أَكثر هَذِه الْأَشْيَاء جدلا.
١٠٦ - / ١١٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كَانَ لي شَارف من نَصِيبي من الْمغنم يَوْم بدر.
الشارف: المسنة من النوق، وَمثلهَا الناب، وَالْجمع شرف ونيب، وَلَا يُقَال ذَلِك للذّكر.
وَقَوله: فَلَمَّا أردْت أَن أبتني فَاطِمَة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الأَصْل فِي هَذَا أَنه كَانَ من أَرَادَ الدُّخُول على أَهله ضرب عَلَيْهَا قبَّة، فَقيل لكل دَاخل بأَهْله بَان.
стр. 180
والصواغ: الصَّائِغ
والوليمة: الدعْوَة. والعرس: طَعَام الْوَلِيمَة. وأعرس فلَان بأَهْله: بنى بهَا.
والأقتاب: مَا يوضع على ظُهُور الْإِبِل من أَدَاة أحمالها.
والغرائر جمع غرارة: وَهِي أكسية تجْعَل كالظروف لما يحمل فِيهَا.
وَجَبت: قطعت.
وبقرت: شقَّتْ وَفتحت.
وَالشرب بِفَتْح الشين: الْقَوْم يَجْتَمعُونَ للشراب. وبكسرها: النَّصِيب من المَاء، وَبِضَمِّهَا الْفِعْل.
والقينة: الْمُغنيَة. والغناء بِالْمدِّ: التطريب بالشعر. والغنى بِالْقصرِ، من المَال.
وَقَوْلها: يَا حمز، تُرِيدُ يَا حَمْزَة. وَقَوْلها للشرف: أَي انهض إِلَى الشّرف، تستدعيه أَن يَنْحَرهَا ليطعم أضيافه من لَحمهَا. والنواء: السمان. والني: الشَّحْم يُقَال: نَاقَة ناوية: إِذا كَانَ لَهَا شَحم.
وَقَوله: فَانْطَلَقت حَتَّى أَدخل على رَسُول الله: أَي حَتَّى دخلت، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿افْعَل مَا تُؤمر﴾ [الصافات: ١٠٢] أَي مَا أمرت.
وطفق: أَخذ فِي الْفِعْل.
والثمل: السَّكْرَان.
وَصعد الْبَصَر: رفع الْبَصَر.
ونكص: رَجَعَ. والقهقرى: الرُّجُوع على العقبين.
следующие страницы →