Полный текст (2 175 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
٤٦ - / ٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَن غُلَاما قتل غيلَة، فَقَالَ عمر: لَو اشْترك فِيهَا أهل صنعاء لقتلتهم.
قَالَ أَبُو عبيد: الغيلة: أَن يخدع الْإِنْسَان بالشَّيْء حَتَّى يصير إِلَى مَوضِع يخفى، فَإِذا صَار إِلَيْهِ قتل.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الْجَمَاعَة يقتلُون بِالْوَاحِدِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل. وَعَن أَحْمد رِوَايَة: لَا يقتلُون، بل يجب عَلَيْهِم الدِّيَة، وَهُوَ قَول دَاوُد.
٤٧ - / ٤٨ - الحَدِيث الرَّابِع: قَالَ ابْن عمر: لما فتح هَذَانِ المصران أَتَوا عمر فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَسُول الله حد لأهل نجد قرنا، وَإنَّهُ جور عَن طريقنا، وَإِنَّا إِن أردنَا أَن نأتي قرنا شقّ علينا. قَالَ: فانظروا حذوها من طريقكم. قَالَ: فحد لَهُم ذَات عرق.
الْمصر: الْبَلَد. قَالَ ابْن فَارس: إِن الْمصر الْحَد. وَأهل هجر يَكْتُبُونَ فِي شروطهم: اشْترى فلَان الدَّار بمصورها: أَي بحدودها. قَالَ عدي:
(وجاعل الشَّمْس مصرا لاخفاء بِهِ ... بَين النَّهَار وَبَين اللَّيْل قد فصلا)
قَالَ الْمفضل الضَّبِّيّ: وَسميت مصر الْمَعْرُوفَة مصر؛ لِأَنَّهَا آخر
стр. 107
حُدُود الْمشرق وَأول حُدُود الْمغرب، فَهِيَ حد بَينهمَا.
وَالْمرَاد بالمصرين: الْكُوفَة وَالْبَصْرَة. وَلما افْتتح سعد بن أبي وَقاص الْقَادِسِيَّة نزل الْكُوفَة، وخطها لقبائل الْعَرَب، وابتنى بهَا دَارا، ووليها لعمر وَعُثْمَان. وَكَانَ سلمَان الْفَارِسِي يَقُول: الْكُوفَة قبَّة الْإِسْلَام.
وَفِي تَسْمِيَتهَا بِالْكُوفَةِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا من قَوْلهم: تكوف الرمل: إِذا ركب بعضه بَعْضًا. وَالثَّانِي: استدارة النّخل بهَا. وَالثَّالِث: انها من الكوفان، يُقَال: للشر كوفان، وكوفان، ذكرهن ابْن فَارس.
فَأَما الْبَصْرَة فَقَالَ مُصعب بن مُحَمَّد: إِنَّمَا سميت بصرة لِأَنَّهَا كَانَت فِيهَا حِجَارَة سود. وَالَّذِي فتحهَا عتبَة بن غَزوَان، وَهُوَ الَّذِي اختطها.
فَلَمَّا شكا أهل هَاتين البلدتين إِلَى عمر مَا يصعب عَلَيْهِم من قصد قرن حد لَهُم ذَات عرق، وَإِنَّمَا حَدهَا لَهُم لِأَنَّهَا حَذْو قرن: أَي محاذيتها، تَقول: هَذَا حَذْو هَذَا، ووازن هَذَا.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه حد ذَات عرق، وَلَكِن الصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ، وَقد تبع النَّاس رَأْي عمر فِي ذَلِك إِلَى زَمَاننَا هَذَا، وَسَيَأْتِي ذكر الْمَوَاقِيت فِي مُسْند ابْن عَبَّاس إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 108
وَأما نجد فَالْأَصْل فِيهَا الِارْتفَاع، يُقَال للْأَرْض المرتفعة نجد، وخلافها الْغَوْر، لِأَنَّهُ من الهبوط.
والجور. الْميل عَن الْقَصْد.
٤٨ - / ٤٩ - الحَدِيث الْخَامِس: أَن عمر قَرَأَ السَّجْدَة فَلم يسْجد، وَقَالَ: لم يفْرض علينا السُّجُود.
وَهَذَا دَلِيل على أَن سُجُود التِّلَاوَة لَا يجب، وَإِنَّمَا هُوَ سنة، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ وَاجِب. فَأَما إِذا ركع بَدَلا من السُّجُود فَإِنَّهُ لَا يَجْزِي، وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ركع وَإِن شَاءَ سجد. وَأما إِذا قَرَأَ الْإِنْسَان سَجْدَة فَسجدَ ثمَّ أعَاد، فعندنا أَنه يسن أَن يُعِيد السُّجُود. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُعِيد.
وَعِنْدنَا أَنه لَا يَصح سُجُود التِّلَاوَة إِلَّا بتكبيرة الْإِحْرَام وَالسَّلَام، خلافًا لأَصْحَاب أبي حنيفَة وَبَعض الشَّافِعِيَّة.
٤٩ - / ٥٠ - الحَدِيث السَّادِس: قَالَ ابْن عمر: بَينا عمر فِي الدَّار خَائفًا، إِذْ جَاءَهُ الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي وَعَلِيهِ حلَّة حبر وقميص مكفوف بحرير، وَهُوَ من بني سهم، وهم حلفاؤنا فِي الْجَاهِلِيَّة،
стр. 109
فَقَالَ لَهُ: مَا مَالك؟ قَالَ: زعم قَوْمك أَنهم سيقتلونني أَن أسلمت. قَالَ: لَا سَبِيل إِلَيْك، أمنت، فَخرج الْعَاصِ، فلقي النَّاس قد سَالَ بهم الْوَادي، فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيد ابْن الْخطاب الَّذِي صَبأ قَالَ: لَا سَبِيل إِلَيْهِ. فكر النَّاس.
أما خوف عمر؛ فَلِأَنَّهُ أسلم، وَفعل يَوْم إِسْلَامه مَا كَاد بِهِ الْمُشْركين وغاظهم، فَلذَلِك تواعدوه بِالْقَتْلِ. أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة قَالَ: حَدثنَا عبد الحميد بن صَالح قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبان عَن إِسْحَق بن عبد الله عَن أبان بن صَالح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سَأَلت عمر: لأي شَيْء سميت الْفَارُوق؟ قَالَ: أسلم حَمْزَة قبلي بِثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ شرح الله صَدْرِي لِلْإِسْلَامِ، فَقلت: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ فَمَا فِي الأَرْض نسمَة أحب إِلَيّ من نسمَة رَسُول الله. فَقلت أَيْن رَسُول الله؟ قَالَت أُخْتِي: هُوَ فِي دَار الأرقم بن الأرقم عِنْد الصَّفَا، فَأتيت الدَّار وَحَمْزَة فِي أَصْحَابه جُلُوس فِي الدَّار، وَرَسُول الله فِي الْبَيْت، فَضربت الْبَاب، فَاسْتَجْمَعَ الْقَوْم، فَقَالَ لَهُم حَمْزَة: مالكم؟ قَالُوا: عمر بن الْخطاب. قَالَ فَخرج رَسُول الله، فَأخذ بِمَجَامِع ثِيَابه ثمَّ نثره نثرة، فَمَا تمالك أَن وَقع على رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: " مَا أَنْت بمنته يَا عمر " قَالَ: قلت: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. قَالَ: فَكبر أهل الدَّار تَكْبِيرَة سَمعهَا أهل الْمَسْجِد. قَالَ: فَقلت: يَا رَسُول الله، أَلسنا على الْحق إِن متْنا وَإِن
стр. 110
حيينا؟ قَالَ: " بلَى، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم على الْحق إِن متم وَإِن حييتُمْ " قَالَ: فَقلت: فَفِيمَ الاختفاء وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ؟ فأخرجناه فِي صفّين، حَمْزَة فِي أَحدهمَا وَأَنا فِي الآخر، لَهُ كديد ككديد الطحين حَتَّى دَخَلنَا الْمَسْجِد، فَنَظَرت إِلَيّ قُرَيْش وَإِلَى حَمْزَة، فَأَصَابَتْهُمْ كآبة لم يصبهم مثلهَا، فسماني رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ الْفَارُوق، وَفرق الله بِي بَين الْحق وَالْبَاطِل.
أما الْعَاصِ بن وَائِل فَهُوَ أَبُو عَمْرو.
والحلة: لَا تكون إِلَّا ثَوْبَيْنِ، قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الْحلَّة ثَوْبَان: إِزَار ورداء، وَلَا تسمى حلَّة حَتَّى تكون جَدِيدَة تحل عَن طيها.
فَأَما الحبر فَهُوَ نوع من البرود مخطط.
والحلفاء جَمِيع حَلِيف، وَكَانُوا يتحالفون فِي الْجَاهِلِيَّة على الْمُوَالَاة والنصرة، ويتوارثون بذلك.
وسال بهم الْوَادي: سالوا فِيهِ، وَهَذَا تجوز، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لكثرتهم وإسراعهم، فشبههم بالسيل.
وصبأ بِمَعْنى خرج من دين إِلَى دين، يُقَال: صَبأ نَاب الْبَعِير: أَي طلع، وَهُوَ مَهْمُوز.
وَقَوله: فكر النَّاس: أَي رجعُوا.
٥٠ - / ٥١ - الحَدِيث السَّابِع: أَن عمر قَالَ لأبي مُوسَى: هَل يَسُرك أَن إسْلَامنَا مَعَ رَسُول الله، وهجرتنا مَعَه، وجهادنا مَعَه، وعملنا كُله
стр. 111
مَعَه برد لنا، وَإِن كل عمل عَمِلْنَاهُ بعده نجونا مِنْهُ كفافا، رَأْسا بِرَأْس؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَا وَالله، قد جاهدنا بعد رَسُول الله، وصلينا وصمنا، وعملنا خيرا كثيرا، وَأسلم على أَيْدِينَا بشر كثير، وَإِنَّا لنَرْجُو ذَلِك. قَالَ عمر: لكني أَنا وددت ذَلِك.
برد: بِمَعْنى ثَبت لنا ثَوَابه وخلص.
وَقَوله: كفافا: كِنَايَة عَن الْمُسَاوَاة. يُقَال خرجت من فعلي كفافا: أَي لَا لي شَيْء وَلَا عَليّ شَيْء.
وَالَّذِي تلمحه عمر أَن جد الطَّالِب فِي بداية أمره صَاف عَن الشوائب، وَلِهَذَا أوجب فِرَاقه الْأَهْل وَالْمَال، وَالصَّبْر الشَّديد على الشدائد. وَيحْتَمل أَن يكون عمر إِنَّمَا خَافَ مَا دخل فِيهِ من الْولَايَة.
٥١ - / ٥٢ - الحَدِيث الثَّامِن: قَالَ عمر: لما مَاتَ عبد الله بن أبي بن سلول دعِي لَهُ رَسُول الله ﷺ ليُصَلِّي عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُول الله وَثَبت إِلَيْهِ فَقلت: أَتُصَلِّي على ابْن أبي وَقد قَالَ يَوْم كَذَا: كَذَا وَكَذَا.
كَانَ عبد الله بن أبي سيد الْخَزْرَج فِي آخر جاهليتهم، فَلَمَّا ظهر النَّبِي حسده، ونافق، وَهُوَ ابْن خَالَة أبي عَامر الراهب الَّذِي ترهب فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا بعث رَسُول الله حسده أَبُو عَامر أَيْضا. وَكَانَ المُنَافِقُونَ خلقا كثيرا، حَتَّى إِنَّه قد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كَانُوا ثَلَاثمِائَة رجل، وَمِائَة وَسبعين امْرَأَة. وَقد أحصينا من عرفنَا مِنْهُم فِي
стр. 112
كتَابنَا الْمُسَمّى ب " التلقيح "، إِلَّا أَن ابْن أبي كَانَ رَأس الْقَوْم، وَأبي: أَبوهُ، وسلول: اسْم أم أَبِيه، فَهُوَ عبد الله بن أبي بن مَالك. وَيُقَال: ابْن سلول، فسلول أم أبي لَا أم عبد الله، فَتَارَة ينْسب أبي إِلَيْهَا، وَتارَة إِلَى أَبِيه مَالك. هَكَذَا ذكره ابْن سعد.
وَقَوله: " إِنِّي خيرت فاخترت " يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ [التَّوْبَة: ٨٠] وَإِنَّمَا فعل هَذَا رَسُول الله لثَلَاثَة معَان: أَحدهَا: لسعة حلمه عَمَّن يُؤْذِيه. وَالثَّانِي: لرحمة الْخلق عِنْد تلمح جَرَيَان الأقدار عَلَيْهِم. وَالثَّالِث: لإكرام وَلَده، وَكَانَ وَلَده اسْمه عبد الله أَيْضا، وَقد شهد بَدْرًا.
٥٢ - / ٥٣ - الحَدِيث التَّاسِع: لما قدم عُيَيْنَة بن حصن نزل على ابْن أَخِيه الْحر بن قيس بن حصن، وَكَانَ من النَّفر الَّذين يدنيهم عمر، وَكَانَ الْقُرَّاء أَصْحَاب عمر ومشاورته، كهولا كَانُوا أَو شبانا.
أما عُيَيْنَة فَكَانَ اسْمه حُذَيْفَة، فأصابته لقُوَّة فجحظت عينه، فَسُمي عُيَيْنَة، وَهُوَ مَعْدُود فِي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم.
والقراء: يُرَاد بهم قراء الْقُرْآن. وَيُرَاد بهم أهل التَّعَبُّد والزهد.
стр. 113
وَقَوله: مَا تُعْطِينَا الجزل. الجزل: مَا كثر من الْعَطاء. وَأَصله مَا عظم من الْحَطب، فاستعير للكثير.
وَقَوله: خُذ الْعَفو. الْعَفو: الميسور. يُقَال: خُذ منا مَا عَفا لَك: أَي مَا أَتَاك سهلا بِلَا إِكْرَاه وَلَا مشقة.
وللمفسرين فِي المُرَاد بِهَذَا الْعَفو ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنه التجاوز عَن أَخْلَاق النَّاس. قَالَه ابْن الزبير، وَالْحسن، وَمُجاهد. فَيكون الْمَعْنى: لَا تستقص عَلَيْهِم وسامح فِي المخالطة.
الثَّانِي: أَنه المَال، ثمَّ فِي المُرَاد بِهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الزَّكَاة، قَالَه مُجَاهِد. وَالثَّانِي: صَدَقَة كَانَت تُؤْخَذ قبل فرض الزَّكَاة ثمَّ نسخت بِالزَّكَاةِ، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّالِث: أَن المُرَاد بهَا مساهلة الْمُشْركين وَالْعَفو عَنْهُم، ثمَّ نسخ بِآيَة السَّيْف قَالَه ابْن زيد.
قَوْله: ﴿وَأمر بِالْعرْفِ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٩٩] الْعرف وَالْمَعْرُوف: مَا عرف من طَاعَة الله .
قَوْله: مَا جاوزها عمر: الْمَعْنى أَنه وقف عِنْد سماعهَا عَن إِمْضَاء مَا هم بِهِ من الْعقُوبَة.
٥٣ - / ٥٤ - الحَدِيث الْعَاشِر: عمل بِالْمَعَاصِي حَتَّى أغرق أَعماله.
стр. 114
أَي أبطلها وأفسدها فَذهب نَفعهَا كَمَا تذْهب نفس الغريق بِالْغَرَقِ.
٥٤ - / ٥٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: سَمِعت رَسُول الله وَهُوَ بوادي العقيق بقوله: " أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي فَقَالَ: صل فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك، وَقل: عمْرَة فِي حجَّة ".
أما وَادي العقيق، فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: هُوَ مِيقَات لأهل الْعرَاق، وَكَانَ الشَّافِعِي يسْتَحبّ أَن يحرم أهل الْعرَاق من العقيق، وَإِن أَحْرمُوا من ذَات عرق أجزأهم.
وَأما الْعمرَة، فَقَالَ الزّجاج: هِيَ الْقَصْد، وكل قَاصد شَيْئا فقد اعتمره، وَكَذَلِكَ الْحَج. وَذكر ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْعمرَة قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا أَنَّهَا الزِّيَارَة. وَالثَّانِي: الْقَصْد.
وَفِي الْحَج لُغَتَانِ: فتح الْحَاء، وَكسرهَا. وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ بِالْفَتْح مصدر، وبالكسر اسْم.
وَهَذَا الحَدِيث يحْتَج بِهِ الحنفيون، لِأَن الْقرَان عِنْدهم أفضل. وَقد أجِيبُوا أَن فِي بعض أَلْفَاظه الصَّحِيحَة: عمْرَة وَحجَّة. على أَن لَفْظَة فِي قد تكون بِمَعْنى " مَعَ ". ثمَّ هُوَ مَحْمُول على معنى تحصيلهما جَمِيعًا، لِأَن عمْرَة الْمُتَمَتّع وَاقعَة فِي أشهر الْحَج.
стр. 115
٥٥ - / ٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: قَالَ عَمْرو بن مَيْمُون: رَأَيْت عمر قبل أَن يصاب بأيام وقف على حُذَيْفَة وَعُثْمَان بن حنيف فَقَالَ: كَيفَ فعلتما؟ أتخافان أَن تَكُونَا قد حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق؟ .
أما قَول عمر لِحُذَيْفَة وَعُثْمَان: أتخافان أَن تَكُونَا حملتما الأَرْض. كَانَ عمر قد بعثهما لأخذ الْخراج، فَقَالَ: أتخافان أَن تكون حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق؟ إِشَارَة إِلَى الْخراج.
والأرامل: جمع أرملة: وَهِي الْمَرْأَة الَّتِي لَا زوج لَهَا. وَيُقَال للرجل إِذا لم تكن لَهُ زَوْجَة أرمل أَيْضا: وَأَرَادَ عمر بغنى الأرامل مَا يفْرض لَهُنَّ فِي بَيت المَال.
والخلل: الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ، بِضَم الْفَاء. فَأَما الفرجة بِفَتْحِهَا فانفراج الْهم.
وَقَوله: أكلني الْكَلْب: ظن عمر أَن كَلْبا قد عضه لما جرح، وَكَانَ يَقُول لَهُم: لقد طعنني وَمَا أَظُنهُ إِلَّا كَلْبا حَتَّى طعنني الثَّالِثَة.
وَقَوله: فطار العلج: أَي أسْرع فِي مَشْيه إِلَى عمر يدْفع النَّاس، فَشبه إسراعه بإسراع الطَّائِر. والعلج: الرجل الشَّديد. وَيُقَال: إِن اشتقاقه من المعالجة: وَهِي مزاولة الشَّيْء، وَيُقَال للأعجمي علج. وَالْأَصْل فِي العلج أَنه حمَار الْوَحْش.
والبرنس: كسَاء، وَهُوَ مُبين فِي الحَدِيث: أَنه طرح عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ خميصة كَانَت عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي احتز
стр. 116
رَأسه بعد أَن قتل نَفسه.
وَقَوله: آلصنع؟ يُرِيد: الَّذِي يحسن الصِّنَاعَة. يُقَال: رجل صنع، وَامْرَأَة صناع.
وَكَانَ أَبُو لؤلؤة حدادا نقاشا نجارا، واسْمه فَيْرُوز.
وَقَوله: قَاتله الله، فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: لَعنه الله، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: قَتله الله، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة. وَالثَّالِث: عَادَاهُ الله، ذكره ابْن الْأَنْبَارِي.
وَقَوله: الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل ميتتي بيد رجل مُسلم، كَانَ أَبُو لؤلؤة مجوسيا.
وَقَوله: فاحملوني وَقل: يسْتَأْذن عمر. قد سبق اسْتِئْذَانه لعَائِشَة فِي حَيَاته، وَإِنَّمَا أَمرهم بِإِعَادَة الاسْتِئْذَان بعد مَوته ورعا، مَخَافَة أَن تكون أَذِنت لَهُ فِي حَيَاته حَيَاء ومحاباة.
وَقد سمينا السِّتَّة أَصْحَاب الشورى فِي حَدِيث السَّقِيفَة، وَذكرنَا هُنَالك تَفْسِير كَلِمَات فِي هَذَا الحَدِيث.
وَقَوله: يشهدكم عبد الله. طيب قلب ابْنه بِحُضُورِهِ مَعَ الْقَوْم، وَلم يستخلفه لفضل غَيره عَلَيْهِ.
وَفِي الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين قَولَانِ.
أَحدهمَا: أَنهم الَّذين صلوا الْقبْلَتَيْنِ. قَالَه أَبُو مُوسَى، وَسَعِيد بن الْمسيب.
وَالثَّانِي: أَنهم الَّذين أدركوا بيعَة الرضْوَان، قَالَه الشّعبِيّ، وَابْن سِيرِين.
стр. 117
فعلى القَوْل الأول الْإِشَارَة إِلَى من هَاجر قبل تَحْويل الْقبْلَة، والقبلة حولت فِي نصف رَجَب سنة ثِنْتَيْنِ من الْهِجْرَة، وَقيل: فِي نصف شعْبَان، وعَلى الثَّانِي الْإِشَارَة إِلَى من هَاجر قبل الْحُدَيْبِيَة؛ لِأَن بيعَة الرضْوَان فِيهَا كَانَت، وغزوة الْحُدَيْبِيَة كَانَت فِي سنة سِتّ.
وَالْأَنْصَار أهل الْمَدِينَة، سموا بذلك لأَنهم نصروا رَسُول الله.
وَالْمرَاد بِالدَّار الْمَدِينَة. (وتبوءوا) بِمَعْنى نزلُوا الْمَدِينَة. وَالْمعْنَى تبوءوا الدَّار وآثروا الْإِيمَان. (من قبلهم) أَي من قبل هِجْرَة الْمُهَاجِرين.
والأمصار: الْبلدَانِ.
والردء: العون وَالْقُوَّة. يُقَال: فلَان ردء لفُلَان: أَي معينه ومقويه.
وَقد سبق فِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين شرح الْمَادَّة.
وحواشي المَال: مَا لَيْسَ من خِيَاره. وأصل الْحَوَاشِي: النواحي، وَيُشِير بذلك إِلَى الزَّكَاة.
وَأهل الذِّمَّة: أهل الْكتاب. وَإِنَّمَا أوصى بهم ليَقَع الْوَفَاء لَهُم بِمَا عقده الشَّرْع.
والرهط الَّذين ولاهم عمر هم السِّتَّة أهل الشورى.
وَقَوله: لست بِالَّذِي أنافسكم: أَي لَا أحرص على أَن أغلب على مَا تتنافسون فِيهِ.
وآلو: بِمَعْنى أقصر.
стр. 118
وانثال النَّاس عَلَيْهِ: أَي تتابعوا فِي الِاجْتِمَاع إِلَيْهِ. يُقَال: نثل مَا فِي كِنَانَته: أَي صب ذَلِك، فتتابع بعضه خلف بعض.
وابهار اللَّيْل: مَعْنَاهُ انتصف، أَخذ من بهرة الشَّيْء: أَي وَسطه.
وَيُقَال: تهور اللَّيْل: أَي أدبر وانهدم كَمَا يتهور الْبناء، قَالَه أَبُو عبيد.
وَقَوله: وَكَانَ يخْشَى من عَليّ شَيْئا: أَي يحذر أَن يُخَالف،، وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله: لَك قرَابَة رَسُول الله والقدم فِي الْإِسْلَام: يَعْنِي السَّابِقَة والمنزلة. وَالْمعْنَى: لَك الْفضل الَّذِي قَدمته لتقدم عَلَيْهِ.
٥٦ - / ٥٧ - الحَدِيث الثَّالِث عشر: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن عبد: خرجت لَيْلَة فِي رَمَضَان إِلَى الْمَسْجِد، فَإِذا النَّاس أوزاع متفرقون.
الأوزاع: الْجَمَاعَات المتفرقة.
والرهط: مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة.
وَقَوله: نعمت الْبِدْعَة. الْبِدْعَة: فعل شَيْء لَا على مِثَال تقدم، فسماها بِدعَة لِأَنَّهَا لم تكن فِي زمن رَسُول الله على تِلْكَ الصّفة، وَلَا فِي زمن أبي بكر، وَقد تكون الْبِدْعَة فِي الْخَيْر وَالشَّر، وَإِنَّمَا المذموم من الْبدع مَا رد مَشْرُوعا أَو نافاه.
وَقَوله: الَّتِي ينامون عَنْهَا: يُرِيد صَلَاة آخر اللَّيْل.
٥٧ - / ٦٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: جلس عمر على مِنْبَر
стр. 119
رَسُول الله، وَذَلِكَ الْغَد من يَوْم توفّي رَسُول الله ﷺ ، فَتشهد وَأَبُو بكر صَامت. ثمَّ قَالَ عمر: أما بعد، فَإِنِّي قلت لكم أمس مقَالَة، وَإِنَّهَا لم تكن كَمَا قلت، وَكنت أَرْجُو أَن يعِيش رَسُول الله حَتَّى يدبرنا.
الْإِشَارَة بالمقالة الَّتِي قَالَهَا إِلَى قَوْله: إِن رَسُول الله لم يمت.
ويدبرنا: بِمَعْنى يبْقى بَعدنَا. قَالَ اللغويون: دابر الْقَوْم: آخِرهم؛ لِأَنَّهُ ياتي فِي أدبارهم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْل إِذْ أدبر﴾ [المدثر: ٣٣] أَي تبع النَّهَار فَكَانَ بعد.
قَوْله: فَرَأَيْت عمر يزعج أَبَا بكر: أَي ينهضه بِسُرْعَة. وَكَانَ قد بُويِعَ يَوْم السَّقِيفَة، وَإِنَّمَا كَانَت الْبيعَة الْعَامَّة فِي الْيَوْم الثَّانِي عِنْد الْمِنْبَر.
وَالْآيَة الَّتِي تَلَاهَا أَبُو بكر فِي أول يَوْم مَاتَ الرَّسُول: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول﴾ [آل عمرَان: ١٤٤] .
وعقرت بِمَعْنى دهشت.
٥٨ - / ٦١ - الحَدِيث السَّابِع عشر: قَالَ عمر: نهينَا عَن التَّكَلُّف. وَفِي لفظ أَن عمر قَرَأَ: ﴿وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ [عبس: ٣١] وَقَالَ: مَا الْأَب؟ ثمَّ قَالَ: مَا كلفنا، أَو مَا أمرنَا بِهَذَا.
وَهَذَا الحَدِيث يحْتَمل ثَلَاثَة أَشْيَاء:
أَحدهَا: أَن يكون عمر قد علم الْأَب، لِأَنَّهَا كلمة شائعة بَين
стр. 120
الْعَرَب، وَأَنه الَّذِي ترعاه الْبَهَائِم، وَلكنه أَرَادَ تخويف غَيره من التَّعَرُّض للتفسير بِمَا لَا يعلم، كَمَا كَانَ يَقُول: أقلوا الرِّوَايَة عَن رَسُول الله وَأَنا شريككم، يُرِيد الِاحْتِرَاز، فَإِن من احْتَرز قلت رِوَايَته.
وَالثَّانِي: أَن يكون ذَلِك خَفِي عَنهُ كَمَا خَفِي عَن ابْن عَبَّاس معنى ﴿فاطر السَّمَاوَات﴾ [الْأَنْعَام: ١٤] .
وَالثَّالِث: أَن يكون قد ظن بِهَذِهِ الْكَلِمَة أَنَّهَا تقع على مسميين، فتورع عَن إِطْلَاق القَوْل.
وأصل التَّكَلُّف: تتبع مَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ، أَو مَا لَا يُؤمر بِهِ الْإِنْسَان، وَلَا يحصل إِلَّا بِمَشَقَّة. فَأَما إِذا كَانَ مَأْمُورا بِهِ وَفِيه مَنْفَعَة فَلَا وَجه للذم. وَقد فسر رَسُول الله آيَات، وَفسّر كثير من الصَّحَابَة كثيرا من الْقُرْآن. قَالَ الْحسن: وَالله مَا أنزل الله آيَة إِلَّا أحب أَن يعلم فيمَ أنزلت، وماذا عني بهَا.
٥٩ - / ٦٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: فحصبني رجل: أَي رماني بالحصباء: وَهِي صغَار الْحَصَا.
٦٠ - / ٦٤ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: أَن عمر اسْتعْمل قدامَة بن مَظْعُون على الْبَحْرين، وَهُوَ خَال ابْن عمر وَحَفْصَة، فَقدم الْجَارُود من الْبَحْرين فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن قدامَة قد شرب مُسكرا، وَإِنِّي إِذا رَأَيْت حدا من حُدُود الله حق عَليّ أَن أرفعه إِلَيْك. فَقَالَ لَهُ عمر: من يشْهد؟ فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة. فَدَعَا عمر أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ: علام تشهد؟ فَقَالَ: لم أره حِين شرب، وَقد رَأَيْته سَكرَان يقيء. فَقَالَ: لقد
стр. 121
تنطعت. وَقَالَ عمر: مَاذَا ترَوْنَ فِي جلد قدامَة؟ فَقَالَ الْقَوْم: لَا نرى أَن تجلده مَا دَامَ وجعا، ثمَّ أصبح يَوْمًا وَقد عزم على جلده، فَقَالَ: ايتوني بِسَوْط، فَجَاءَهُ مَوْلَاهُ أسلم بِسَوْط دَقِيق صَغِير، فَأَخذه عمر وَقَالَ: قد أخذتك دقرارة أهلك، ايتوني بِسَوْط غير هَذَا. فَأمر بِهِ فجلد، فغاضب قدامَة عمر، فحجا، حَتَّى قَفَلُوا من حجهم، وَنزل عمر بالسقيا، فَنَامَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ. قَالَ عجلوا عَليّ بِقُدَامَةَ، إِنِّي جَاءَنِي آتٍ فَقَالَ لي: سَالم قدامَة؛ فَإِنَّهُ أَخُوك.
أما قدامَة فَإِنَّهُ أسلم قَدِيما، وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة، وَشهد بَدْرًا وَجَمِيع الْمشَاهد مَعَ رَسُول الله، وَلم يذكر عَنهُ أَنه شرب الْخمر، إِنَّمَا شرب شَيْئا فأسكره، فَيحْتَمل أَن يكون شرب قَلِيلا من النَّبِيذ متأولا، فَخرج بِهِ إِلَى السكر، أَو شرب مَا لَا يَظُنّهُ يسكر فَسَكِرَ.
على أَنه قد ذكر فِي هَذَا الحَدِيث تَأْوِيل لَهُ عَجِيب، فَإِنَّهُ قَالَ لعمر: لَو شربت كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَك أَن تجلدني. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا﴾ [الْمَائِدَة: ٩٣] فَقَالَ عمر: أَخْطَأت التَّأْوِيل، إِذا اتَّقَيْت اجْتنبت مَا حرم الله.
وَفِي الْجُمْلَة، لَا يَنْبَغِي أَن نظن بالصحابة أَنهم تعمدوا الْحَرَام أصلا، وَقد روى مُحَمَّد بن سعد من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: شهد أَبُو بكرَة، وشبل بن معبد، وَنَافِع بن الْحَارِث، وَزِيَاد على الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالْحَدَثِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ عِنْد عمر، فضربهم
стр. 122
عمر الْحَد غير زِيَاد، فَإِنَّهُ لم يتم الشَّهَادَة عَلَيْهِ.
قَالَ ابْن عقيل: للفقهاء فِيمَا يَفْعَلُونَ تأويلات، وَمَعْلُوم أَن الْمُتْعَة قد كَانَت عقدا فِي الشَّرْع، وَكَانَ نِكَاح السِّرّ عِنْد قوم من أهل الْمَدِينَة زنا، فَمن عثر على ذَلِك الْفِعْل شهد بِالزِّنَا، والمغيرة سليم، وَلَا يجوز أَن ينْسب الصَّحَابَة إِلَى شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء، فَمن فعل ذَلِك جهل مِقْدَار الْمضرَّة فِي ذَلِك القَوْل، أَو هُوَ زنديق.
وَقَول عمر: لقد تنطعت: التنطع: التعمق والغلو والإفراط فِي التدقيق، يُقَال: تنطع فلَان فِي كَذَا: إِذا بَالغ فِي اجْتِهَاده. وَلم يجلده بقول أبي هُرَيْرَة وَإِنَّمَا جلده بِإِقْرَارِهِ، أَو بِإِثْبَات شَهَادَة عَلَيْهِ.
وَأما جلده وَهُوَ مَرِيض فَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، وَأحمد بن حَنْبَل، وَعِنْدَهُمَا أَنه لَا يُؤَخر الْحَد عَن الْمَرِيض، سَوَاء كَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ أَو لَا يُرْجَى، فَإِن كَانَ مِمَّن يخَاف عَلَيْهِ التّلف أقيم عَلَيْهِ الْحَد بأطراف الثِّيَاب وَنَحْوهَا، قَالَ أَكثر الْعلمَاء: يُؤَخر الْحَد عَن الْمَرِيض، إِلَّا أَن مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ قَالَا: إِذا كَانَ مَرضه لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أقيم عَلَيْهِ الْحَد فِي الْحَال، إِلَّا أَن الشَّافِعِي يرى اللطف فِي الضَّرْب على مَا نَحْو مَا ذكرنَا، وَمَالك يَقُول: يضْرب الْجلد التَّام.
الدقرارة: الْمُخَالفَة، وَأَصلهَا الشَّيْء الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَقِيم. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: أخذتك دقرارة أهلك: أَي عَادَة أهلك فِي الْخلاف.
стр. 123
وَإِنَّمَا قَالَ: أهلك؛ لِأَن عمر تزوج زَيْنَب بنت مَظْعُون أُخْت قدامَة، فَجَاءَت مِنْهُ بِعَبْد الله وَعبد الرَّحْمَن وَحَفْصَة، فقدامة خالهم، وَأسلم مَوْلَاهُم.
وقفلوا بِمَعْنى رجعُوا، وَبِه سميت الْقَافِلَة.
والسقيا: مَوضِع.
٦١ - / ٦٥ - الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: أَن عمر قسم مروطا، فَبَقيَ مِنْهَا مرط جيد، فَقَالَ بعض من عِنْده: أعْط هَذَا ابْنة رَسُول الله الَّتِي عنْدك، يُرِيدُونَ أم كُلْثُوم، فَقَالَ: أم سليط أَحَق بِهِ، فَإِنَّهَا مِمَّن بَايع رَسُول الله، وَكَانَ تزفر لنا الْقرب يَوْم أحد.
المروط جمع مرط: وَهُوَ كسَاء من صوف أَو خَز يؤتزر بِهِ.
وَأم كُلْثُوم بنت عَليّ بن أبي طَالب. وَإِنَّمَا أضافوها إِلَى رَسُول الله لِأَنَّهَا من فَاطِمَة ﵍، وَكَانَت فَاطِمَة قد ولدت لعَلي الْحسن وَالْحُسَيْن وَزَيْنَب وَأم كُلْثُوم، فَتزَوج زَيْنَب عبد الله بن جَعْفَر، فَولدت لَهُ عبد الله وعونا، وَمَاتَتْ عِنْده، وَتزَوج أم كُلْثُوم عمر، فَولدت لَهُ زيدا، ثمَّ خلف عَلَيْهَا بعده عون بن جَعْفَر، ثمَّ مَاتَ فخلف عَلَيْهَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، فَولدت جَارِيَة، ثمَّ خلف عَلَيْهَا بعده عبد الله بن جَعْفَر فَلم تَلد لَهُ، وَمَاتَتْ عِنْده. وَقد زَاد ابْن إِسْحَق فِي أَوْلَاد فَاطِمَة من عَليّ محسنا، قَالَ: وَمَات صَغِيرا. وَزَاد اللَّيْث بن سعد رقية، قَالَ: وَمَاتَتْ وَلم تبلغ.
стр. 124
وَالسَّبَب فِي تَزْوِيج عمر أم كُلْثُوم أَنه أحب الِاتِّصَال بِنسَب رَسُول الله ﷺ ، لقَوْله ﵇: " كل حسب وَنسب مُنْقَطع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا حسبي ونسبي " فَخَطَبَهَا من عَليّ. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّهَا صبية. فَقَالَ: إِنَّك وَالله مَا بك ذَلِك، وَلَكِن قد علمنَا مَا بك، فَأمر عَليّ بهَا، فصنعت، ثمَّ أَمر بِبرد فطواه، ثمَّ قَالَ: انطلقي بِهَذَا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقولِي: أَرْسلنِي أبي يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول: إِن رضيت الْبرد فأمسكه، وَإِن سخطته فَرده. فَلَمَّا أَتَت عمر قَالَ: بَارك الله فِيك وَفِي أَبِيك، قد رَضِينَا، فَرَجَعت إِلَى أَبِيهَا فَقَالَت: مَا نشر الْبرد، وَلَا نظر إِلَّا إِلَيّ. فَزَوجهَا إِيَّاه وَلم تكن قد بلغت، فأمهرها عمر أَرْبَعِينَ ألفا.
وَأما أم سليط فقد ذَكرنَاهَا فِي المبايعات، وأحصيناهن فِي كتَابنَا المسمي ب " التلقيح ".
وتزفر بِمَعْنى تحمل. يُقَال: زفر يزفر وازدفر: أَي حمل حملا فِيهِ ثقل، والزفر: الْقرْبَة المملوءة مَاء، وَيُقَال للإماء اللواتي يحملنها زوافر. وَكَانَ النِّسَاء يخْرجن فِي الْغَزَوَات يحملن المَاء إِلَى الْجَرْحى فيسقينهم.
٦٢ - / ٦٦ - الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: قَالَ عمر: لَوْلَا أَن أترك آخر النَّاس ببانا لَيْسَ لَهُم شَيْء، مَا فتحت عَليّ قَرْيَة إِلَّا قسمتهَا كَمَا قسم
стр. 125
رَسُول الله خَيْبَر، وَلَكِنِّي أتركها خزانَة لَهُم يقتسمونها.
قَوْله: ببانا: أَي شَيْئا وَاحِدًا، كَمَا تَقول: هم بأج وَاحِد، وَالْمعْنَى أَنهم يستوون فِي الْفقر والحرمان، إِذْ لَا شَيْء لَهُم يرجعُونَ إِلَيْهِ، وَلذَلِك قَالَ: لكني أتركها خزانَة لَهُم يقتسمونها: أَي يَنْتَفِعُونَ بفوائدها مَعَ بَقَاء أَصْلهَا لَهُم، كالعراق.
٦٣ - / ٦٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: أَن عمر سَأَلَ رَسُول الله عَن شَيْء فَلم يجبهُ، ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ، ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ. فَقَالَ عمر: ثكلتك أمك، نزرت رَسُول الله.
وَالْمعْنَى: أكثرت عَلَيْهِ السُّؤَال وألححت وأضجرته. وَيُقَال: عَطاء منزور: إِذا استخرج بعد شدَّة وإلحاح.
٦٤ - / ٦٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: لحقت عمر امْرَأَة فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هلك زَوجي وَترك صبية صغَارًا، وَالله مَا ينضجون كُرَاعًا.
قَالَ ابْن فَارس: الكراع من الْإِنْسَان: مَا دون الرّكْبَة، وَمن الدَّوَابّ مَا دون الكعب. وَالْمعْنَى أَنهم لَا يحسنون لصغرهم طبخ هَذَا الْقدر، وَلَا يقدرُونَ على إصْلَاح مَا يَأْكُلُونَهُ.
قَوْلهَا: وخشيت أَن تأكلهم الضبع. والضبع اسْم يَقع على الْحَيَوَان
стр. 126
الْمَعْرُوف، وَهُوَ اسْم للْأُنْثَى مِنْهُ، وَالذكر ضبعان. وَيَقَع على السّنة المجدبة، وَهُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث.
وَقَوله: فَانْصَرف إِلَى بعير ظهير: وَهُوَ الْقوي الَّذِي يستظهر بقوته على الْحمل.
ونستفيء سهمانهما: أَي نسترجعها، وَهُوَ الْفَيْء، وَسمي فَيْئا لِأَنَّهُ مَال استرجعه الْمُسلمُونَ من أَيدي الْكفَّار، وَالْمعْنَى: نَأْخُذ سهمانهما.
٦٥ - / ٦٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: أَن عمر اسْتعْمل مولى لَهُ على الصَّدَقَة، فَقَالَ: ضم جناحك عَن النَّاس، وَأدْخل رب الصريمة وَرب الْغَنِيمَة. وإياي وَنعم ابْن عَفَّان وَابْن عَوْف، فَإِنَّهُمَا إِن تهْلك ماشيتهما يرجعان إِلَى زرع ونخيل، وَإِن رب الصريمة وَالْغنيمَة إِن تهْلك ماشيتهما يأتيني ببنيه فَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أفتاركه أَنا - لَا أبالك. فالماء والكلأ أيسر من الذَّهَب وَالْفِضَّة. وَايْم الله، إِنَّهُم لَيرَوْنَ أَنا قد ظلمناهم، إِنَّهَا لبلادهم ومياههم. قَاتلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأَسْلمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَام. وَالله لَوْلَا المَال الَّذِي أحمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله مَا حميت على النَّاس من بِلَادهمْ شبْرًا.
قَوْله: ضم جناحك عَن النَّاس: أَي لَا تحمل ثقلك عَلَيْهِم.
وَقَوله: وَأدْخل رب الصريمة: الصريمة تَصْغِير الصرمة: وَهُوَ القطيع من الْإِبِل نَحْو الثَّلَاثِينَ، وَالْغنيمَة: القليلة.
وَكَانَ عمر قد حمى مرعى لَا يرْعَى فِيهِ إِلَّا الْخَيل الَّتِي يعدها
стр. 127
للْجِهَاد، فَأمره بِإِدْخَال الضُّعَفَاء فِي ذَلِك الْحمى دون الْأَغْنِيَاء، وَلذَلِك قَالَ: وإياي وَنعم ابْن عَفَّان وَابْن عَوْف. وَمَعْنَاهُ: لَا يدْخل نعمهما الْحمى. وحميت بِمَعْنى منعت. والحمى خلاف الْمُبَاح.
٦٦ - / ٧٢ - الحَدِيث الثَّامِن وَالْعشْرُونَ: قَالَ عمر: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يفيضون من جمع حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَيَقُولُونَ: أشرق ثبير. قَالَ: فخالفهم النَّبِي ﷺ وأفاض قبل طُلُوع الشَّمْس.
الْإِفَاضَة من الْمَكَان: سرعَة السّير مِنْهُ إِلَى مَكَان آخر، وَقَالَ الزّجاج: الْإِفَاضَة: الدّفع بِكَثْرَة، يُقَال: أَفَاضَ الْقَوْم فِي الحَدِيث: إِذا انْدَفَعُوا فِيهِ وَأَكْثرُوا التَّصَرُّف.
وَقَوْلهمْ: أشرق ثبير: أَي ادخل أَيهَا الْجَبَل فِي الشروق، وَهُوَ نور الشَّمْس.
وَفِي لفظ عَنْهُم: كَيْمَا نغير: أَي ندفع للنحر. يُقَال: أغار يُغير: إِذا أسْرع وَدفع فِي عدوه.
٦٧ - / ٧٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: عَن أبي الْأسود قَالَ: قدمت الْمَدِينَة وَالنَّاس يموتون موتا ذريعا.
عَامَّة الْمُحدثين يَقُولُونَ: الدؤَلِي، وَكَذَلِكَ قَالَ يُونُس النَّحْوِيّ الديل فِي عبد الْقَيْس سَاكِنة الْيَاء، والدول من حنيفَة سَاكن الْوَاو، والدئل فِي كنَانَة رَهْط أبي الْأسود مَهْمُوزَة، فَهُوَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي. وَقَالَ ابْن
стр. 128
الْكَلْبِيّ: هُوَ أَبُو الْأسود الديلِي. قَالَ أَبُو عبيد: وَهُوَ الصَّوَاب عندنَا.
والذريع: السَّرِيع الْكثير.
٦٨ - / ٧٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: كَانَ عَطاء الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف، وَقَالَ عمر: لأفضلنهم على من بعدهمْ.
اعْلَم أَنه لما فتحت الْفتُوح وغنموا خَزَائِن كسْرَى وَغَيرهَا، دون عمر الدَّوَاوِين، وَفرض للنَّاس الأعطية على أقدارهم وتقدمهم فِي الْإِسْلَام، فَبَدَأَ بِالْعَبَّاسِ فَفرض لَهُ خَمْسَة وَعشْرين ألفا، ثمَّ فرض لأهل بدر خَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف، ثمَّ فرض لمن بعد بدر إِلَى الْحُدَيْبِيَة أَرْبَعَة آلَاف أَرْبَعَة آلَاف، ثمَّ فرض لمن بعد الْحُدَيْبِيَة إِلَى أَن أقلع أَبُو بكر عَن أهل الرِّدَّة ثَلَاثَة آلَاف ثَلَاثَة آلَاف، وَدخل فِي ذَلِك من شهد الْفَتْح، ثمَّ فرض لأهل الْقَادِسِيَّة، وَأهل الشَّام أَصْحَاب اليرموك أَلفَيْنِ أَلفَيْنِ، وَفرض لِأَزْوَاج رَسُول الله عشرَة آلَاف عشرَة آلَاف، إِلَّا من جرى عَلَيْهِ الْملك، وَفضل عَائِشَة بِأَلفَيْنِ، وَجعل نسَاء أهل بدر على خَمْسمِائَة خَمْسمِائَة، وَنسَاء من بعد بدر إِلَى الْحُدَيْبِيَة على أَرْبَعمِائَة أَرْبَعمِائَة، وَنسَاء من بعد ذَلِك إِلَى الْأَيَّام على ثَلَاثمِائَة ثَلَاثمِائَة، ثمَّ نسَاء أهل الْقَادِسِيَّة على مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، ثمَّ سوى بَين النِّسَاء بعد ذَلِك، وَجعل الصّبيان من أهل بدر وَغَيرهم سَوَاء على مائَة مائَة.
стр. 129
٦٩ - / ٧٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: أَن عمر فرض للمهاجرين الْأَوَّلين أَرْبَعَة آلَاف، وَفرض لِابْنِ عمر ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة، فَقيل لَهُ: هُوَ من الْمُهَاجِرين، فَلم نقصته من أَرْبَعَة آلَاف؟ قَالَ: إِنَّمَا هَاجر بِهِ أَبوهُ. يَقُول: لَيْسَ هُوَ كمن هَاجر بِنَفسِهِ.
فِي الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين قَولَانِ قد ذكرناهما فِي الحَدِيث الثَّانِي عشر من هَذَا الْمسند.
وَالَّذِي اعْتَمدهُ عمر فِي حق ابْنه من أحسن المعتمدات، لِأَنَّهُ هَاجر بِهِ وَهُوَ غير محتلم، فَلم ير إِلْحَاقه بالبالغين.
٧٠ - / ٧٧ - الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ: أَن عمر أذن لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ فِي آخر حجَّة حَجهَا فِي الْحَج، وَبعث مَعَهُنَّ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعُثْمَان بن عَفَّان.
كَانَ أَزوَاج النَّبِي ﷺ قد اسْتَأْذن عمر فِي الْحَج لمَكَان إِمَامَته، وَهُوَ الَّذِي يحجّ بِالنَّاسِ عامئذ، وَإِنَّمَا بعث مَعَهُنَّ عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن ليحفظا النَّاحِيَة الَّتِي يسرن فِيهَا، فَكَانَ أَحدهمَا بَين أَيْدِيهنَّ، وَالْآخر من ورائهن.
٧١ - / ٧٨ - الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ: أَن عبدا من رَقِيق الْإِمَارَة وَقع على وليدة من الْخمس، فاستكرهها حَتَّى افتضها، فجلده عمر الْحَد ونفاه، وَلم يجلد الوليدة من أجل أَنه استكرهها.
حد العَبْد إِذا زنى نصف حد الْحر، خَمْسُونَ جلدَة.
стр. 130
وَقَوله: ونفاه، حجَّة لمَالِك، فَإِن عِنْده أَن العَبْد يغرب، وَعِنْدنَا لَا يغرب، فَيحْتَمل قَوْله نَفَاهُ: أبعده من صحبته.
٧٢ - / ٧٩ - الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
أَن عمر رأى حلَّة سيراء تبَاع.
الْحلَّة لَا تكون إِلَّا من ثَوْبَيْنِ، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي هَذَا الْمسند. والسيراء: ضرب من البرود مخطط. يُقَال: برد مسير: أَي مخطط، وَلم يحرم من أجل الخطوط، وَلكنهَا كَانَت من حَرِير. وَقَالَ الْخطابِيّ: السيراء: المضلعة بالحرير، وَسميت سيراء لما فِيهَا من الخطوط الَّتِي تشبه السيور.
وَقَوله: " من لَا خلاق ": الخلاق: النَّصِيب.
٧٣ - / ٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن عمر سَأَلَ رَسُول الله ﷺ : أَيَنَامُ أَحَدنَا وَهُوَ جنب؟ قَالَ: " نعم، إِذا تَوَضَّأ ".
الْجَنَابَة فِي اللُّغَة: الْبعد، وَفِي تَسْمِيَة الْجنب جنبا قَولَانِ: أَحدهمَا لمجانبة مَائه مَحَله. وَالثَّانِي: لما يلْزمه من اجْتِنَاب الصَّلَاة وَالْقُرْآن وَمَسّ الْمُصحف، وَدخُول الْمَسْجِد. وَيُقَال: رجل جنب، ورجلان جنبان، وَرِجَال جنب، كَمَا يُقَال: رجل رضى، وَقوم رضى.
стр. 131
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على اسْتِحْبَاب التنظف من الأقذار عِنْد النّوم، لِأَن الْإِنْسَان لَا يكَاد يتَوَضَّأ حَتَّى يغسل مَا بِهِ من أَذَى. وَإِنَّمَا أَمر بذلك عِنْد النّوم لِأَن الْمَلَائِكَة تبعد عَن الْوَسخ وَالرِّيح الكريهة، وَالشَّيَاطِين تتعرض بالأنجاس والأقذار. وَقَالَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: إِن الْأَرْوَاح يعرج بهَا فِي منامها إِلَى السَّمَاء، فتؤمر بِالسُّجُود عِنْد الْعَرْش، فَمَا كَانَ مِنْهَا طَاهِرا سجد عِنْد الْعَرْش، وَمَا لَيْسَ بطاهر سجد بَعيدا عَن الْعَرْش. ثمَّ إِن الْوضُوء يُخَفف الْحَدث، وَلِهَذَا يجوز عندنَا للْجنب إِذا تَوَضَّأ أَن يجلس فِي الْمَسْجِد.
٧٤ - / ٨١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قَالَ عمر: يَا رَسُول الله، أصبت أَرضًا لم أصب مَالا أحب إِلَيّ وَلَا أنفس عِنْدِي مِنْهَا، فَقَالَ: " إِن شِئْت تَصَدَّقت بهَا ". فَتصدق بهَا عمر: على أَن لَا تبَاع وَلَا توهب، فِي الْفُقَرَاء وَذَوي الْقُرْبَى الرّقاب والضيف وَابْن السَّبِيل، لَا جنَاح على من وَليهَا أَن يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ غير مُتَمَوّل مَالا، وَيطْعم.
أنفس بِمَعْنى أفضل. وَإِنَّمَا نبهه على التَّصَدُّق بهَا عِنْد قَوْله: إِنِّي لم أصب مَالا أحب إِلَيّ مِنْهَا؛ لِأَن الْفَضَائِل لَا تنَال إِلَّا ببذل الأحب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ [آل عمرَان: ٩٢] .
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْعلم أَن الرجل إِذا وقف وَقفا فَأحب أَن يشْتَرط لنَفسِهِ أَو لغيره فِيهِ شرطا سوى الْوَجْه الَّذِي جعل الْوَقْف فِيهِ، كَانَ لَهُ ذَلِك، وَعِنْدنَا أَنه إِذا وقف على غَيره وَاسْتثنى أَن ينْفق على نَفسه حَيَاته صَحَّ. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَمُحَمّد: لَا يَصح. وَقد دلّ حَدِيث عمر على صِحَة مَذْهَبنَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا جنَاح على من وَليهَا أَن يَأْكُل. وَإِنَّمَا ولي هَذِه الأَرْض عمر.
стр. 132
٧٥ - / ٨٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: قَالَ يحيى بن يعمر: كَانَ أول من قَالَ فِي الْقدر بِالْبَصْرَةِ معبد الْجُهَنِيّ، فَانْطَلَقت أَنا وَحميد بن عبد الرَّحْمَن فَقُلْنَا: لَو لَقينَا أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُول هَؤُلَاءِ، فوفق لنا عبد الله بن عمر دَاخِلا الْمَسْجِد، فاكتنفته أَنا وصاحبي.
قَوْله: فوفق لنا ابْن عمر: أَي قدر لنا لقاؤه فاكتنفته أَنا وصاحبي: أَي صرنا مِمَّا يَلِيهِ.
وَقَوله: سيكل الْكَلَام إِلَيّ: أَي سيقتنع بِقَوْلِي ويعتمد عَليّ فِيمَا أذكر.
قَوْله: يتقفرون الْعلم: أَي يطلبونه ويتبعون أَثَره. يُقَال: فلَان يتقفر الشَّيْء: إِذا طلبه واجتهد فِي الْبَحْث عَنهُ. وَرُبمَا قَرَأَ بعض طلبة الحَدِيث هَذَا فَقدم الْفَاء، وَإِنَّمَا الْقَاف الْمُقدمَة.
وَقَوله: يَزْعمُونَ أَن لَا قدر: أَي أَن الْأَشْيَاء لم يسْبق تقديرها.
وَقَوله: أَن الْأَمر أنف: أَي مُسْتَأْنف لم يتَقَدَّم فِيهِ قدر وَلَا مَشِيئَة. يُقَال: رَوْضَة أنف: إِذا كَانَت وافية الْكلأ، لم يرع مِنْهَا شَيْء، ويعنون أَن مَا نعمله لم يقدر.
وَأما فرقه بَين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان فِي السُّؤَال عَنْهُمَا فدليل على الْفرق بَينهمَا.
وَالْمرَاد بِالْإِحْسَانِ حسن الطَّاعَات، وَالْإِشَارَة إِلَى المراقبة؛ فَإِنَّهُ من راقب نظر الله إِلَيْهِ حسنت عِبَادَته، فَإِن عبد كَأَنَّهُ يرى المعبود
стр. 133
كَانَت عِبَادَته أحسن. وَكَانَ بعض السّلف يَقُول: إِذا تَكَلَّمت فاذكر من يسمع، وَإِذا نظرت فاذكر من يرى، وَإِذا تفكرت فاذكر من يعلم.
وَقَوله: فَأَخْبرنِي عَن أمارتها: الأمارة: الْعَلامَة، وَكَذَلِكَ الأمار. وَالْأَمر الْحِجَارَة المنضودة على الطَّرِيق للأمارة.
وَقَوله: أَن تَلد الْأمة ربتها: المُرَاد بِهَذَا أَن الْإِسْلَام يظْهر ويستولي أَهله على بِلَاد الْكفْر فيسيبونهم، فَإِذا ملك الْمُسلم الْجَارِيَة فاستولدها كَانَ الابْن بِمَنْزِلَة رَبهَا، وَالْبِنْت بِمَنْزِلَة ربتها، لِأَنَّهُ ولد سَيِّدهَا. وَفِي لفظ: " وَأَن تَلد الْأمة بَعْلهَا ". وَالْمرَاد بالبعل هَاهُنَا: الْمَالِك. وَكَانَ بعض الْعَرَب قد ضلت نَاقَته، فَجعل يُنَادي: من رأى نَاقَة أَنا بَعْلهَا، فَجعل الصّبيان يَقُولُونَ: يَا زوج النَّاقة.
وَقَوله: " وَأَن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشَّاء " - وَفِي مُسْند أنس: " رعاء البهم " والعالة: الْفُقَرَاء، والعيلة: الْفقر. والبهم: صغَار الْغنم، وَالْمعْنَى أَن الْعَرَب الَّذين كَانُوا لَا يستقرون فِي مَكَان وَإِنَّمَا كَانُوا ينتجعون مواقع الْغَيْث، يسكنون الْبلدَانِ ويتطاولون فِي الْبُنيان، كل ذَلِك لاتساع الْإِسْلَام.
وَفِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث قصَّة آدم ومُوسَى، وفيهَا: " فحج آدم مُوسَى " وَمعنى غَلبه بِالْحجَّةِ.
٧٦ - / ٨٣ - الحَدِيث الْخَامِس: لما كَانَ يَوْم خَيْبَر قتل نفر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، فَقَالُوا: فلَان شَهِيد، وَفُلَان شَهِيد، حَتَّى مروا على رجل فَقَالُوا: فلَان شَهِيد، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " كلا، إِنِّي رَأَيْته فِي النَّار فِي بردة غلها - أَو عباءة " ثمَّ قَالَ: " يَا ابْن الْخطاب،
стр. 134
اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاس أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ".
النَّفر من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة.
والشهيد: الْقَتِيل فِي سَبِيل الله. وَفِي تَسْمِيَته بالشهيد سَبْعَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن الشَّهِيد هُوَ الْحَيّ، كَأَنَّهُ شَاهد: أَي حَاضر، قَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ [آل عمرَان: ١٦٩] فأرواحهم قد أحضرت الْجنَّة وشهدتها، وَغَيرهم لَا يشهدونها. هَذَا قَول النَّضر بن شُمَيْل.
وَالثَّانِي: أَن الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته شهدُوا لَهُ بِالْجنَّةِ: قَالَه ثَعْلَب وَابْن الْأَنْبَارِي.
وَالثَّالِث: لِأَن مَلَائِكَة الرَّحْمَة تشهده.
وَالرَّابِع: لسقوطه بِالْأَرْضِ، وَالْأَرْض الشاهدة بِمَا كَانَ. حكى الْقَوْلَيْنِ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس.
وَالْخَامِس: لقِيَامه بِشَهَادَة الْحق فِي أَمر الله تَعَالَى حَتَّى قتل، قَالَه أَبُو سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي.
وَالسَّادِس: لِأَنَّهُ شهد لله سُبْحَانَهُ بالوجود والإلهية بِتَسْلِيم نَفسه للْقَتْل، لما شهد لَهُ غَيره بالْقَوْل، ذكره بعض أهل الْعلم.
فَأَما الرجل الْمَذْكُور فَهُوَ مدعم مولى رَسُول الله، أهداه لَهُ رِفَاعَة ابْن زيد الجذامي، وَكَانَ أسود اللَّوْن، وَكَانَ يُسَافر مَعَ رَسُول الله
стр. 135
ويرحل لَهُ، فَبينا هُوَ يحط رَحل رَسُول الله أَتَاهُ سهم عائر فَقتله، فَقَالَ النَّاس: هَنِيئًا لَهُ الْجنَّة. فَقَالَ رَسُول الله: " كلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِن الشملة الَّتِي أَخذهَا يَوْم خَيْبَر من الْغَنَائِم لم يصبهَا الْمقسم لتشتعل عَلَيْهِ نَارا ".
والغلول: أَخذ الشَّيْء من الْمغنم فِي خُفْيَة، وَمِنْه الغلالة: وَهِي ثوب يلبس تَحت الثِّيَاب. والغلل: المَاء الَّذِي يجْرِي تَحت الشّجر. والغل: الحقد الكامن فِي الصَّدْر، وأصل الْبَاب الاختفاء.
والعباء: كسَاء يلتحف بِهِ.
وَإِنَّمَا أَمر عمر فَنَادَى: " لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ "؛ لِأَن الْإِيمَان إِذا تحقق منع الْغلُول والمعاصي.
٧٧ - / ٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: قَالَ عمر: لما كَانَ يَوْم بدر نظر رَسُول الله إِلَى الْمُشْركين وهم ألف، وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر رجلا، فَاسْتقْبل نَبِي الله الْقبْلَة، ثمَّ مد يَدَيْهِ فَجعل يَهْتِف بربه يَقُول: " اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي ".
أما بدر فَقَالَ الشّعبِيّ: هِيَ اسْم بِئْر لرجل يُقَال لَهُ بدر، الْتَقَوْا عِنْدهَا.
стр. 136
وَقَوله: وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر رجلا. هَذَا قَول مُفْرد لم أر أحدا من أَرْبَاب التواريخ قَالَ بِهِ، فَإِن جَمِيع من شهد بَدْرًا مَعَ من ضرب لَهُ رَسُول الله ﷺ بسهمه وأجره فِي عدد ابْن إِسْحَق ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة عشر، وَفِي عدد أبي معشر والواقدي ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر، وَفِي عدد مُوسَى بن عقبَة ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة عشر، وَقد أحصيت أهل بدر على الْخلاف الْوَاقِع فيهم فِي كتابي الْمُسَمّى " بالتلقيح ".
وَقَوله: فَجعل يَهْتِف بربه. يُقَال: هتف يَهْتِف: إِذا رفع صَوته فِي دُعَاء أَو غَيره.
وَقَوله: " أنْجز لي مَا وَعَدتنِي " إنجاز الْوَعْد: تَعْجِيل الْمَوْعُود، وَلم يكن حد وقتا معينا فِي النَّصْر، فَسَأَلَ تَعْجِيل مَا وعد بِهِ.
قَوْله: " إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض ".
الْعِصَابَة: الْجَمَاعَة. واعصوصب الْقَوْم: صَارُوا عصائب. وَعصب الْقَوْم بفلان: أحاطوا بِهِ، وَبِه سميت الْعصبَة: وهم قرَابَة الرجل لِأَبِيهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قطع رَسُول الله على انْقِطَاع الْعِبَادَة بِهَلَاك تِلْكَ الْعِصَابَة؟ أَو لَيْسَ فِي الْقدر إنْشَاء أمثالهم؟ كَيفَ وَقد قَالَ : ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ﴾ [مُحَمَّد: ٣٨] ؟ فَالْجَوَاب أَنه لَا يجوز أَن يظنّ برَسُول الله ﷺ أَنه أَرَادَ أَن عدم هَؤُلَاءِ يمْنَع من وجود عَابِد، وَكَيف يقطع على انْقِطَاع المقدورات وَهِي
стр. 137
لَا تتناهى، على أَنِّي قد قَرَأت بِخَط عَليّ بن عقيل مِمَّا أثْبته من خواطره السانحة قَالَ: أقدر معاتبة على بادرة النَّبِي ﷺ وَقَوله: " إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد " فَأَقُول: يَا مُحَمَّد، أَنا لم أخرجك عَن كونك رَسُولا مُتبعا بقعودهم عَنْك يَوْم عمْرَة الْقَضَاء، أفأخرج أَنا أَن أكون معبودا بهلاكهم. فَهَذِهِ زلَّة عَالم هَذَا كَلَامه، وَهَذَا عِنْدِي فِي غَايَة الْقبْح، وَنسبَة الزلل إِلَى رَسُول الله فِي مثل هَذَا فَوق الْقَبِيح.
ثمَّ قد أسلم بِمَكَّة خلق كثير فِي ثَلَاث عشرَة سنة من النُّبُوَّة، ثمَّ فِي الْمَدِينَة سنتَيْن، وامتد الْإِسْلَام فِي الْأَطْرَاف، وَوَجَبَت الْهِجْرَة، فجَاء الْخلق، فَأخذ من جملَة الْمُسلمين ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر، وَخرج وتخلف عَنهُ عُثْمَان وَطَلْحَة وَسَعِيد بن زيد لأسباب، فقد كَانَ فِي الْمَدِينَة وَحدهَا خلق كثير لم يخرجُوا مَعَه غير من فِي الْبِلَاد، فَلَو هلك من مَعَه لبقي أضعافهم من الْمُسلمين، فَلم تَنْقَطِع الْعِبَادَة، غير أَن من قل علمه بِالنَّقْلِ ظن الَّذين مَعَه هم جَمِيع الْمُسلمين. وَمن الْجَائِز أَن يكون أَشَارَ بِالْعِصَابَةِ إِلَى جَمِيع الْمُسلمين، وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يجز أَن يقطع على انْقِطَاع التَّعَبُّد بهلاكهم.
فَإِن قيل: فَإِذا استقبحت هَذَا وَهُوَ الْمَفْهُوم من ظَاهر الْكَلَام، فَمَا المُرَاد بِهِ عنْدك؟
فَالْجَوَاب: أَنا نتكلم فِي لفظ الحَدِيث قبل تَفْسِيره فَنَقُول: قد اخْتلفت أَلْفَاظه، فَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي أَفْرَاده من مُسْند ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " اللَّهُمَّ إِن تشأ لَا تعبد بعد الْيَوْم ". وَرَوَاهُ مُسلم فِي أَفْرَاده من حَدِيث
стр. 138
أنس بن مَالك أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّك إِن تشأ لَا تعبد فِي الأَرْض " وَعَادَة الروَاة ذكر الْمَعْنى الَّذِي يظنون أَنه الْمَعْنى، وَقد يغلطون فِي الْعبارَات عَنهُ، فَرُبمَا كَانَ حَدِيث عمر مغيرا مِمَّن قد ظن أَنه أَتَى بِالْمَعْنَى.
وعَلى لفظ حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأنس يسهل الْجَواب، وَيكون الْمَعْنى: إِنَّك قد جعلت الْأُمُور منوطة بالأسباب، فَإِذا قطعت هَذَا السَّبَب فكأنك قد شِئْت قطع الْعِبَادَة. ويتضمن هَذَا شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَنَّك غَنِي عَن الْعِبَادَة وَنحن فُقَرَاء إِلَيْهَا. وَالثَّانِي: أننا نَخَاف هَلَاك الصَّالِحين فَيبقى أهل الْفساد، فيشمت بِنَا من قَالَ: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٣٠] .
وَإِن نزلنَا على الأشد وتكلمنا على لفظ حَدِيث عمر، فَإِن الْقطع على نفي الْعِبَادَة بِعَدَمِ هَؤُلَاءِ مَحْمُول على أَنه مِمَّا اطلع عَلَيْهِ من الْغَيْب، وَكَانَ مِمَّا اطلع عَلَيْهِ أَن الله تَعَالَى لَا يبْعَث نَبيا بعده، وَلَا يخلق لحفظ قَاعِدَة دينه ونصرته سوى هَؤُلَاءِ، فَأخْبر عَن علم الْحق لَا عَن ظن نَفسه، فَكَأَنَّهُ يَقُول: إِذا هلك هَؤُلَاءِ، الناقلون عني وهم جُمْهُور الْمُؤمنِينَ وخيارهم وَلَا نَبِي بعدِي بطلت الْعِبَادَة؛ لِأَن الْعِبَادَة إِنَّمَا تكون بنشر الشَّرِيعَة. ويتضمن هَذَا القَوْل مِنْهُ نوع غيرَة، تقديرها: أغار أَلا تعبد.
وَلَا يجوز أَن يظنّ برَسُول الله مَا هُوَ منزه عَنهُ من الشطح والزلل فِي القَوْل، مَعَ شَهَادَة الْحق لَهُ بالعصمة فِي كَلَامه بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ [النَّجْم: ٣] وَقَالَ لَهُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: أكتب مَا أسمع مِنْك؟ قَالَ " نعم " قَالَ: فِي السخط وَالرِّضَا؟
стр. 139
قَالَ: " فِي السخط وَالرِّضَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لي أَن أَقُول إِلَّا حَقًا ".
وَقَول أبي بكر: كَذَلِك مُنَاشَدَتك رَبك. إِشَارَة إِلَى ترك الإلحاح وَاسْتِعْمَال الرِّفْق.
فَإِن قيل: أَفَكَانَ أَبُو بكر فِي ذَلِك الْمقَام أثبت من رَسُول الله؟
قيل: كلا، غير أَن النَّبِي ﷺ رأى مَا بِأَصْحَابِهِ من الْهم، فناب عَنْهُم فِي الدُّعَاء، وَكَانَت أول غَزْوَة قَاتل فِيهَا بالأنصار الَّذِي آووه، فَمَا أحب أَن يكون جَزَاء الْقَوْم على إحسانهم الْقَتْل. وَعلم أَن دعاءه مستجاب، فَلذَلِك ألح.
وَقَوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم﴾ [الْأَنْفَال: ٩] إِذْ من صلَة: ﴿وَيبْطل الْبَاطِل﴾ [الْأَنْفَال: ٨] .
وَفِي ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا تستنصرون. وَالثَّانِي: تستجيرون. وَالْفرق بَينهمَا أَن الْمُسْتَنْصر يطْلب الظفر، والمستجير يطْلب الْخَلَاص.
وَقَوله: ﴿فَاسْتَجَاب لكم﴾ أَي أجابكم. يُقَال: اسْتَجَابَ وَأجَاب بِمَعْنى، وأنشدوا:
(وداع دَعَا يَا من يُجيب إِلَى الندى ... فَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب)
стр. 140
والإمداد: إِعْطَاء الشَّيْء بعد الشَّيْء. والمدد: العون.
فَأَما " مُردفِينَ " فَقَرَأَ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عَمْرو ﴿مُردفِينَ﴾ بِكَسْر الدَّال. قَالَ ابْن عَبَّاس: هم المتتابعون. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي، تحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: مُردفِينَ مثلهم، يُقَال: أردفت زيدا دَابَّتي، فَيكون الْمَفْعُول الثَّانِي محذوفا. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: جَاءُوا بعدكم. تَقول الْعَرَب: بَنو فلَان مردفونا: أَي يجيئون بَعدنَا.
وَقَرَأَ قوم مِنْهُم نَافِع ﴿مُردفِينَ﴾ بِفَتْح الدَّال. قَالَ الْفراء: فعل ذَلِك بهم وَالْمعْنَى أَن الله أرْدف الْمُسلمين بهم.
وَقَرَأَ أَبُو المتَوَكل " مُردفِينَ " بِفَتْح الرَّاء وَالدَّال مَعَ التَّشْدِيد. وَقَرَأَ أَبُو الجوزاء " مُردفِينَ " بِضَم الرَّاء وَكسر الدَّال مَعَ التَّشْدِيد. قَالَ الزّجاج: يجوز " مُردفِينَ " بِكَسْر الرَّاء مَعَ تَشْدِيد الدَّال. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: الأَصْل مرتدفين، فأدغمت التَّاء فِي الدَّال، فَصَارَت مُردفِينَ، لِأَنَّك طرحت حَرَكَة التَّاء على الرَّاء وَكسرت الرَّاء لالتقاء الساكنين، وَضمّهَا نَافِع لضم الْمِيم.
وَقَوله: أقدم حيزوم: وَهُوَ خطاب الْملك لفرسه. وحيزوم: اسْم الْفرس.
وَقَوله: خطم أَنفه: أَي أُصِيب بضربة أثرت فِيهِ.
والصناديد: الْأَشْرَاف، واحدهم صنديد.
стр. 141
وَقَوله: " أبْكِي للَّذي عرض عَليّ أَصْحَابك من أَخذهم الْفِدَاء، لقد عرض عَليّ عَذَابهمْ ".
إِن قَالَ قَائِل: كَيفَ عرض عَلَيْهِ عَذَابهمْ وَلم يتَقَدَّم إِلَيْهِم فِي ذَلِك نهي؟
فَالْجَوَاب: أَنهم اخْتَارُوا الْفِدَاء وَهُوَ أَهْون الرأيين، فعوتبوا على اخْتِيَار الأوهن، قَالَه ابْن جرير.
فَإِن قيل: كَيفَ أضَاف الْأَمر إِلَى المشيرين إِلَيْهِ وَقد مَال هُوَ إِلَى ذَلِك الرَّأْي؟ وَلم اسْتحق المشير الْعَذَاب؟
فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن النَّبِي ﷺ ظهر مِنْهُ الْميل إِلَى الْفِدَاء وَلم يَأْمر بِهِ، فَاسْتحقَّ الْعَذَاب من تعجل الْأَخْذ من غير أَمر.
وَالثَّانِي: أَن الْعَذَاب لمن طلب عرض الدُّنْيَا من الْقَوْم لَا لمن أَشَارَ، وَلذَلِك جَاءَ التوبيخ بقوله تَعَالَى: ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ ثمَّ أخْبرهُم بالمانع من تعذيبهم على مَا فعلوا بقوله: ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق﴾ [الْأَنْفَال: ٦٨] .
وَفِيه أَرْبَعَة أَقْوَال:
أَحدهَا: لَوْلَا أَن الله كتب فِي أم الْكتاب أَنه سيحل لكم الْغَنَائِم لمسكم فِيمَا تعجلتم من الْغَنَائِم وَالْفِدَاء قبل أَن تؤمروا بذلك عَذَاب عَظِيم. رَوَاهُ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّانِي: لَوْلَا كتاب من الله سبق أَنه لَا يعذب من أَتَى ذَنبا على
стр. 142
جَهَالَة لعوقبتم، رَوَاهُ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّالِث: لَوْلَا مَا سبق لأهل بدر أَنه لَا يعذبهم لعذبتم. قَالَه الْحسن.
وَالرَّابِع: لَوْلَا مَا سبق من أَنه يغْفر لمن عمل الْخَطَايَا، ثمَّ علم مَا عَلَيْهِ فَتَابَ. قَالَه الزّجاج.
فَتخرج على هَذِه الْأَقْوَال فِي معنى الْكتاب قَولَانِ: أَحدهمَا أَنه كتاب مَكْتُوب. وَالثَّانِي: أَنه الْقَضَاء.
فَلَمَّا نزل قَوْله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم﴾ [الْأَنْفَال: ٦٩] أخذُوا الْفِدَاء.
وَالْجَوَاب الثَّالِث: أَن يكون أضَاف الْعَذَاب إِلَيْهِم لعز قدره ﷺ ، كَمَا يُضَاف الْخَيْر إِلَى الله ، وَالشَّر إِلَى إِبْلِيس، لَا لكَون الْقدر لم يشْتَمل الْأَمريْنِ، بل لحسن الْأَدَب بِالْإِضَافَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ [النِّسَاء: ٧٩] .
وَقَوله: ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ [الْأَنْفَال: ٦٧] أصل الْأسر: الشد، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر " أُسَارَى ". قَالَ الْفراء: أهل الْحجاز يَقُولُونَ: أُسَارَى، وَأهل نجد أَكثر كَلَامهم أسرى، وَهُوَ أَجود الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَرَبيَّة؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة جريح وجرحى. قَالَ أَبُو عَمْرو: الْأُسَارَى: الَّذين شدوا، والأسرى فِي أَيدي الْعَدو، إِلَّا أَنهم لم يشدوا. وَقَالَ الزّجاج: " فعلى " جمع لكل مَا أُصِيب بِهِ النَّاس فِي أبدانهم وعقولهم،
стр. 143
يُقَال: هَالك وهلكى، ومريض ومرضى، وسكران وسكرى، وَمن قَرَأَ " أُسَارَى " فَهُوَ جمع الْجمع، لِأَن جمع أَسِير أسرى، وَجمع أسرى أُسَارَى.
وَقَوله: (حَتَّى يثخن فِي الأَرْض) أَي يتَمَكَّن فِيهَا فيبالغ فِي قتل أعدائه. وَكَانَ هَذَا أول حَرْب، وَفِي الْمُسلمين ضعف وَقلة، فَلم يكن لاستبقاء الْأَعْدَاء وَجه.
٧٨ - / ٨٥ - الحَدِيث السَّابِع: كتب حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أهل مَكَّة.
أما حَاطِب فَهُوَ من لخم وَكَانَ نازلا بِمَكَّة وَلَيْسَ من أَهلهَا، فَهَاجَرَ وَترك أَهله هُنَالك، فتقرب إِلَى الْقَوْم ليحفظوه فِي أَهله بِأَن أطلعهم على بعض أسرار رَسُول الله ﷺ فِي كيدهم وَقصد قِتَالهمْ، وَعلم أَن ذَلِك لَا يضر رَسُول الله لنصر الله إِيَّاه، وَهَذَا الَّذِي فعله أَمر يحْتَمل التَّأْوِيل، وَلذَلِك اسْتعْمل رَسُول الله حسن الظَّن. وَقَالَ فِي بعض الْأَلْفَاظ: " إِنَّه قد صدقكُم ".
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن حكم المتأول فِي اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور خلاف حكم الْمُتَعَمد لاستحلاله من غير تَأْوِيل، وَدلّ على أَن من أَتَى مَحْظُورًا أَو ادّعى فِي ذَلِك مَا يحْتَمل التَّأْوِيل كَانَ القَوْل قَوْله فِي ذَلِك وَإِن كَانَ غَالب الظَّن بِخِلَافِهِ.
стр. 144
وَقَول عمر: إِنَّه قد كفر، يحْتَمل وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن عمر تَأَول قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ كفر النِّعْمَة.
وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق. وَهَذَا لِأَنَّهُ رأى صُورَة النِّفَاق. وَلما احْتمل قَول عمر وَكَانَ لتأويله مساغ لم يُنكر عَلَيْهِ الرَّسُول ﷺ .
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَنه الجاسوس الْمُسلم لَا يقتل. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يسْتَحق الْعقُوبَة المنكلة والتغريب إِلَى بعض الْآفَاق فِي وثاق. وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: يُعَاقب ويسجن. وَقَالَ مَالك: يجْتَهد فِيهِ الإِمَام. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا كَانَ من ذَوي الهيئات كحاطب أَحْبَبْت أَن يتجافى عَنهُ، وَإِن لم يكن مِنْهُم كَانَ للْإِمَام أَن يعزره.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز النّظر إِلَى مَا هُوَ عَورَة من الْمَرْأَة بِموضع الضرورات لأَنهم فتشوا الْمَرْأَة.
وَقَوله: " اعْمَلُوا مَا شِئْتُم " لَيْسَ على الِاسْتِقْبَال، وَإِنَّمَا هُوَ للماضي، وَتَقْدِيره: أَي عمل كَانَ لكم فقد غفر. وَيدل على هَذَا شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَنه لَو كَانَ للمستقبل كَانَ جَوَابه فسأغفر. وَالثَّانِي: أَنه كَانَ يكون إطلاقا فِي الذُّنُوب، وَلَا وَجه لذَلِك، ويوضح هَذَا أَن الْقَوْم خَافُوا من الْعقُوبَة فِيمَا بعد، فَقَالَ عمر: يَا حُذَيْفَة، هَل أَنا مِنْهُم؟
стр. 145
٧٩ - / ٨٦ - الحَدِيث الثَّامِن: " من نَام عَن حزبه من اللَّيْل أَو عَن شَيْء مِنْهُ فقرأه مَا بَين صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر كتب لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ من اللَّيْل ".
قد صحف بَعضهم فَقَالَ: من نَام عَن جزئه من الْجُزْء الَّذِي هُوَ الْقطعَة من الشَّيْء، وَإِنَّمَا هُوَ: عَن حزبه بِالْحَاء الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الحزب من الْقُرْآن: الْورْد، وَهُوَ شَيْء يفرضه الْإِنْسَان على نَفسه، يَقْرَؤُهُ كل يَوْم. وَيُقَال: الْقَوْم أحزاب: إِذا كَانُوا قطعا وفرقا، من كل نَاحيَة فرقة. وَقَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ: يَعْنِي بحزبه: جمَاعَة السُّور الَّتِي كَانَ يقْرؤهَا فِي صلَاتهم بِاللَّيْلِ، وكل جمَاعَة مؤتلفة أَو مُتَفَرِّقَة على شَيْء فَهِيَ حزب، وَمِنْه " الْأَحْزَاب ".
وَاعْلَم أَن مَا بَين الْفجْر إِلَى الظّهْر مُضَاف عِنْد الْعَرَب إِلَى اللَّيْل، يَقُولُونَ: كَيفَ كنت اللَّيْلَة؟ إِلَى وَقت الزَّوَال، وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى الْغَدَاة يَقُول فِي بعض الْأَيَّام: " هَل رأى أحد مِنْكُم اللَّيْلَة رُؤْيا " وَقد بنى أَبُو حنيفَة على هَذَا فَقَالَ: إِذا نوى صَوْم الْفَرْض قبل الزَّوَال صَحَّ، فَكَأَنَّهُ نوى من آخر اللَّيْل.
٨٠ - / ٨٧ - الحَدِيث التَّاسِع: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب ".
следующие страницы →