Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء)) .
الْغرَّة: بَيَاض فِي الْوَجْه وغرة كل شَيْء أكْرمه. والتحجيل: بَيَاض فِي الرجلَيْن.
وَقَوله: ((أَسْبغ الْوضُوء)) أَي أتمه.
وأشرع فِي الْعَضُد: بِمَعْنى أدخلهُ فِي الْغسْل، وَمِنْه إشراع الْبَاب والجناح. وَقَالَ الزّجاج: يُقَال: أشرعت الرمْح نَحْو الْعَدو: إِذا صوبته إِلَيْهِ وحددته نَحوه.
والعضد: مَا بَين الْمرْفق إِلَى الْكَتف. والمنكب: مُجْتَمع رَأس الْعَضُد فِي الْكَتف. والإبط: مَا تَحت الْيَد. وَقد تقدما.
والحلية المُرَاد بهَا النُّور الَّذِي يزين بِهِ الْمُتَوَضِّئ.
وَبَاقِي الحَدِيث مِمَّا يتَعَلَّق بالحوض قد سبق فِي مُسْند سهل بن سعد وَغَيره.
وَقَوله: ((السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين)) قد سبق فِي مُسْند بُرَيْدَة.
فَإِن قيل: كَيفَ سمى من لم يره إخْوَانًا واشتاق إِلَيْهِم والإخوان أفضل من الْأَصْحَاب، وَقد ثَبت فضل أَصْحَابه على غَيرهم؟ فَالْجَوَاب: أَن الْأُخوة تَقْتَضِي المشابهة والمشاكلة، كَمَا يُقَال: هَذِه الْحبَّة من اللُّؤْلُؤ أُخْت هَذِه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا نريهم من آيَة إِلَّا هِيَ أكبر من أُخْتهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] وَقَالَ ﷺ : ((شيبتني هود وَأَخَوَاتهَا)) . يُرِيد
стр. 1542
أشكالها من السُّور المتضمنة قصَص الْأُمَم السالفة. وَكَانَ يَقُول: ((رحم الله أخي مُوسَى)) ، ((رحم الله أخي عِيسَى)) وَذَلِكَ لموْضِع الْمُشَاركَة لَهُ فِي الدعاية، فَأَرَادَ بإخوانه فِي آخر الزَّمَان: القائمين بشرعه عِنْد فَسَاد الْأمة، فقد شابهوه فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَنه جَاءَ على فَتْرَة من الرُّسُل وَقد تشبث حب الْأَصْنَام بالقلوب، وَخيَار أمته يظْهر كل مِنْهُم فِي زمن قد يتشبث الْهوى فِيهِ بالنفوس فيسلكون سنَن الإستقامة وَيدعونَ النَّاس إِلَى الصّلاح. وَالثَّانِي: أَنه ظهر غَرِيبا وَأظْهر دينه، فَكَانَ غَرِيبا، وَكَذَلِكَ صالحو الْمُتَأَخِّرين يكونُونَ غرباء ويظهرون مَا قد صَار غَرِيبا، كَمَا قَالَ ﵇: ((بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فطوبى للغرباء)) قيل: من الغرباء؟ قَالَ: ((الَّذين يصلحون إِذا فسد النَّاس)) وَالثَّالِث: أَنهم يظهرون فِي زمَان خَال عَن نَذِير، فينفرد الْوَاحِد مِنْهُم عَن معِين، كَمَا ظهر ﷺ وَلَيْسَ هَذَا حَال صحابته مَعَ وجوده، فَإِن النَّاس استغنوا بِهِ عَنْهُم، فَلم يصلحوا إخْوَانًا لهَذَا الْمَعْنى وَإِن كَانَت مرتبتهم لَا توازى.
فَإِن قيل: فَهَلا كَانَت هَذِه مرتبَة الصَّحَابَة بعد مَوته؟ قُلْنَا: لَا يَصح؛ لِأَن الْعَهْد قريب، والبدع نادرة، والمدافع عَن الشَّرّ من أهل الْعلم كثير.
وَإِنَّمَا اشْتَدَّ شوقه إِلَيْهِم لمَكَان اجتهادهم فِي إِثْبَات الدَّلِيل على نبوته، فَإِن الصَّحَابَة رَأَوْا مِنْهُ مَا لم ير هَؤُلَاءِ من الْآيَات الخارقة والمعجزات العجيبة، كنبع المَاء من بَين أَصَابِعه، وحنين الْجذع إِلَيْهِ،
стр. 1543
وإخباره بالغائبات، فَكَانَت كَمَا قَالَ؛ والمتأخرون لم يشاهدوا مثل هَذَا، وَإِنَّمَا نقل إِلَيْهِم.
والدهم: السود: والبهم: من قَوْلك: أسود بهيم، وَهُوَ الَّذِي لَا يخالط لَونه لون سواهُ.
١٩١١ - / ٢٣٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالتسْعين بعد الْمِائَة: ((على أنقاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة، لَا يدخلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال)) .
الأنقاب جمع نقب: وَهُوَ الطَّرِيق بَين الجبلين.
وَقد ذكرنَا الدَّجَّال وتسميته بالمسيح فِي مُسْند ابْن عمر.
ودبر أحد: ظهر الْجَبَل.
١٩١٢ - / ٢٣٦١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة: ((من تَوَضَّأ فليستنثر، وَمن استجمر فليوتر)) .
الإستنثار: نفض مَا فِي الْأنف بعد استنشاق المَاء. وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: من تَوَضَّأ فليستنشق؛ لِأَن النثرة الْأنف.
والإستجمار: الإستنجاء بِالْحِجَارَةِ.
وَقَوله: ((فليوتر)) دَلِيل على وجوب اسْتِيفَاء عدد الثَّلَاث فِي الإستنجاء؛ إِذا كَانَ معقولا أَنه لم يرد بِهِ الْوتر الَّذِي هُوَ الْوَاحِد، لِأَنَّهُ
стр. 1544
زِيَادَة وصف على اسْم، والإسم لَا يحصل بِأَقَلّ من وَاحِد، فَعلم أَنه قصد بِهِ مَا زَاد على الْوَاحِد، وَأَدْنَاهُ الثَّلَاث. وَمن أنقى وَأحب الزِّيَادَة اسْتحبَّ لَهُ أَن تكون زِيَادَته وترا لهَذَا الحَدِيث.
وَقَوله: ((وَإِذا اسْتَيْقَظَ فليغسل يَده)) أما غسل الْيَد عِنْد الانتباه من نوم اللَّيْل فَإِن بعض أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة ذكر غسل الْيَد مُطلقًا، وَبَعْضهمْ ذكر الْغسْل ثَلَاثًا، فَمن الَّذين ضبطوا الثَّلَاث جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَعبد الله بن شَقِيق وَأَبُو رزين وَأَبُو صَالح كلهم عَن أبي هُرَيْرَة بِذكر الثَّلَاث. وَمذهب أَحْمد أَن ذَلِك على الْوُجُوب خلافًا للأكثرين.
١٩١٣ - / ٢٣٦٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالتسْعين بعد الْمِائَة: ((لَيْسَ على الْمُسلم صَدَقَة فِي عَبده وَلَا فرسه)) .
وَالصَّدَََقَة هَا هُنَا الزَّكَاة، وَالْمرَاد العَبْد وَالْفرس اللَّذَان للْخدمَة دون مَا يتَّخذ من ذَلِك للتِّجَارَة.
١٩١٤ - / ٢٣٦٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالتسْعين بعد الْمِائَة: ((من رغب عَن أَبِيه فَهُوَ كفر)) .
الْكفْر أَصله التغطية. وَهَذَا يحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا: أَنه تَغْطِيَة
стр. 1545
للصحيح. وَالثَّانِي: أَنه فعل الْكفَّار لَا فعل الْمُسلمين.
١٩١٥ - / ٢٣٦٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة: رخص رَسُول الله ﷺ فِي بيع الْعَرَايَا بِخرْصِهَا من التَّمْر، مَا دون خَمْسَة أوسق أَو فِي خَمْسَة أوسق. شكّ الرَّاوِي.
قد سبق الْكَلَام فِي الْعَرَايَا أَنه إِنَّمَا جَازَ لأجل الْحَاجة، فِي مُسْند زيد بن ثَابت، وَلَا يجوز إِلَّا فِيمَا دون خَمْسَة أوسق، لِأَن الرَّاوِي شكّ فأسقطنا الْمَشْكُوك فِيهِ.
١٩١٦ - / ٢٣٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين بعد الْمِائَة: ((يسلم الرَّاكِب على الْمَاشِي)) .
الرَّاكِب بِالْإِضَافَة إِلَى الْمَاشِي كَأَنَّهُ مار على قَاعد لمَكَان إسراعه، وَكَذَلِكَ الْمَاشِي مَعَ الْقَاعِد. وَالْمرَاد من السَّلَام الْأمان. والماشي يخَاف الرَّاكِب، والقاعد يخَاف الْمَاشِي، فَأمر بِالسَّلَامِ ليَقَع الْأَمْن.
فَأَما الْعدَد الْكثير فَلهُ زِيَادَة مرتبَة بِالْكَثْرَةِ، فشرع تَسْلِيم النَّاقِص على الْكَامِل، وَكَذَلِكَ الصَّغِير على الْكَبِير.
١٩١٧ - / ٢٣٦٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة: ((لَا يزَال أحدكُم فِي صَلَاة مَا دَامَت الصَّلَاة تحبسه)) .
إِذا قعد الْمُتَوَضِّئ ينْتَظر الصَّلَاة أعطي حكم الْمُصَلِّي، فَإِذا أحدث
стр. 1546
خرج عَن تِلْكَ الْحَالة.
١٩١٨ - / ٢٣٦٧ - وَفِي الحَدِيث الْمِائَتَيْنِ: ((لعن الله السَّارِق يسرق الْبَيْضَة فتقطع يَده، وَيسْرق الْحَبل فتقطع يَده)) . فِي هَذَا الحَدِيث ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه عَنى بالبيضة بيض الْحَدِيد، وبالحبل: الْعَظِيم من حَبل السفن، وكل من هذَيْن يبلغ دَرَاهِم كَثِيرَة، وَهَذَا مَذْكُور فِي الحَدِيث عَن الْأَعْمَش يحكيه عَن الْعلمَاء. وَكَانَ يحيى بن أَكْثَم يذهب إِلَى هَذَا التَّفْسِير ويعجب بِهِ. وَالثَّانِي: أَن الرَّسُول ﷺ لما نزل عَلَيْهِ: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ [الْمَائِدَة: ٣٨] قَالَ هَذَا الحَدِيث أخذا بِظَاهِر الْآيَة، ثمَّ أعلم بِالْوَحْي بعد أَن الْقطع لَا يكون إِلَّا فِي ربع دِينَار فَمَا فَوْقه: وَهَذَا اخْتِيَار ابْن قُتَيْبَة، وَأنكر القَوْل الأول وَقَالَ: لَا يَقُوله إِلَّا من لَا معرفَة لَهُ باللغة ومخارج الْكَلَام، فَإِن هَذَا لَيْسَ بِموضع تَكْثِير لما يَأْخُذهُ السَّارِق، وَلَيْسَ من عَادَة النَّاس أَن يَقُولُوا: قبح الله فلَانا، عرض نَفسه للضرب فِي عقد جَوْهَر وجراب مسك، وَإِنَّمَا الْعَادة أَن يُقَال: تعرض لقطع الْيَد فِي حَبل رث، وَكلما كَانَ أَحْقَر كَانَ أبلغ. وَالثَّالِث: أَن المُرَاد أَنه يقطع فِي السّرقَة حَتَّى فِي الشَّيْء المحتقر إِذا بلغ نِصَابا، فَذكر الْبَيْضَة وَالْحَبل لبَيَان جنس المحتقرات، لِئَلَّا يظنّ أَن الْقطع يخْتَص بنفائس الْأَمْوَال.
١٩١٩ - / ٢٣٦٨ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الْمِائَة: ((من تردى من
стр. 1547
جبل فَقتل نَفسه فَهُوَ فِي نَار جَهَنَّم يتردى فِيهَا خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا)) .
تردى بِمَعْنى سقط.
ويتوجأ بهَا: أَي يضْرب بهَا.
فَإِن قيل: غَايَة هَذِه الْأَشْيَاء أَنَّهَا مَعْصِيّة لَا كفر فِيهَا، فَمَا وَجه الخلود؟ فَالْجَوَاب: أَن ذكر الخلود إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد رَوَاهُ سعيد المَقْبُري والأعرج عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يذكرَا فِيهِ ((خَالِدا مخلدا أبدا)) قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا أصح.
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: هَذَا مَحْمُول على من فعل ذَلِك مستحلا لقَتله ومكذبا بِتَحْرِيم ذَلِك، بِدَلِيل الْأَحَادِيث المروية فِي أَن الْمُسلمين لَا يخلدُونَ.
١٩٢٠ - / ٢٣٦٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْمِائَتَيْنِ: ((ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله: رجل على فضل مَاء بالفلاة يمنعهُ من ابْن السَّبِيل، فَيَقُول الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة: الْيَوْم أمنعك كَمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك)) .
يُرِيد بِهَذَا أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي خلق المَاء وأنزله من السَّمَاء وأجراه من الْعُيُون، وَأما تَخْصِيص مَا بعد الْعَصْر بِالْحِنْثِ فَلِأَنَّهُ وَقت يعظمه أهل الْأَدْيَان، وَهُوَ وَقت اجْتِمَاع النَّاس فِيهِ.
وَقَوله فِي الْمُبَايعَة للْإِمَام: ((إِن أعطَاهُ وفى)) أعلم أَن الْمُبَايعَة يَنْبَغِي
стр. 1548
أَن تكون للدّين لَا للدنيا، فَإِذا عكس الْأَمر وَقعت الْعقُوبَة.
١٩٢١ - / ٢٣٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَتَيْنِ: ((مَا بَين النفختين أَرْبَعُونَ)) .
النفخة الأولى فِي الصُّور هِيَ الَّتِي تَمُوت الْخَلَائق عِنْدهَا. والنفخة الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي يحيون عِنْدهَا.
وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أَبيت، لِأَنَّهُ إِنَّمَا سمع ((أَرْبَعِينَ)) وَلم يعين لَهُ.
قَوْله: ((ويبلى كل شَيْء من الْإِنْسَان إِلَّا عجب الذَّنب)) وَهُوَ العصعص، وَهُوَ الْعظم الَّذِي يجد اللامس مَسّه فِي وسط الْوَرِكَيْنِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا فَائِدَة إبْقَاء هَذَا الْعظم دون سَائِر الْجَسَد؟ فقد أجَاب ابْن عقيل فَقَالَ: لله سُبْحَانَهُ فِي هَذَا سر لَا نعلمهُ، لِأَن من ينحت الْوُجُود من الْعَدَم لَا يحْتَاج أَن يكون لفعله شَيْء يبْنى عَلَيْهِ، فَإِن علل هَذَا، فَيجوز أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ جعل ذَلِك للْمَلَائكَة عَلامَة على أَنه يحيي كل إِنْسَان بجواهره بِأَعْيَانِهَا، وَلَا يحصل الْعلم للْمَلَائكَة بذلك إِلَّا بإبقاء عظم من كل شخص ليعلم أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بذلك إِعَادَة الْأَرْوَاح إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَان الَّتِي هَذَا جُزْء مِنْهَا، كَمَا أَنه لما أمات عُزَيْرًا وَحِمَاره، أبقى عِظَام الْحمار وَكَسَاهَا ليعلم أَن هَذَا المنشأ ذَلِك الْحمار لَا غَيره، وَلَوْلَا إبْقَاء شَيْء لجوزت الْمَلَائِكَة أَن تكون الْإِعَادَة للأرواح إِلَى أَمْثَال الأجساد لَا إِلَى أعيانها.
стр. 1549
١٩٢٢ - / ٢٣٧١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ: ((أثقل صَلَاة على الْمُنَافِقين صَلَاة الْعشَاء وَصَلَاة الْفجْر)) .
إِنَّمَا ثقلت هَاتَانِ الصَّلَاتَان على الْمُنَافِقين لإيثارهم النّوم وكراهتهم التعسف فِي الْخُرُوج وَالْمَشْي فِي الظلمَة.
والحبو: زحف الصَّغِير.
والعرق: الْعظم الَّذِي تقشر عَنهُ مُعظم اللحوم وَبقيت عَلَيْهِ مِنْهُ بَقِيَّة.
والمرماة يُقَال بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا، قَالَ أَبُو عبيد: وَهِي مَا بَين ظلفي الشَّاة. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَقَالَ غير أبي عبيد: المرماة: سهم يتَعَلَّم عَلَيْهِ الرَّمْي. وَقَالَ الْحميدِي: هِيَ السهْم الَّذِي يرْمى بِهِ.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على وجوب صَلَاة الْجَمَاعَة.
١٩٢٣ - / ٢٣٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَا يصومن أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَن يَصُوم قبله أَو بعده)) .
إِفْرَاد يَوْم الْجُمُعَة بالصيام مَكْرُوه عِنْد أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يكره، والْحَدِيث نَص. وَأما تَخْصِيص لَيْلَة
стр. 1550
الْجُمُعَة بِالْقيامِ فمكروه؛ لِأَن السهر يُؤثر فِي وظائف يَوْم الْجُمُعَة وَيمْنَع النشاط لَهَا.
١٩٢٤ - / ٢٣٧٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لِأَن يمتلئ جَوف أحدكُم قَيْحا يرِيه خير من أَن يمتلئ شعرًا)) .
قد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند سعد بن أبي وَقاص، إِلَّا أَن حَدِيث سعد فِيهِ: ((حَتَّى يرِيه)) وَلَيْسَ هَا هُنَا ((حَتَّى)) فنرى جمَاعَة من المبتدئين ينصبون ((يرِيه)) هَا هُنَا جَريا على الْعَادة فِي قِرَاءَة الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ((حَتَّى)) ، وَلَيْسَ هَا هُنَا مَا ينصب، سمعته من عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ.
١٩٢٥ - / ٢٣٧٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ: ((الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة)) .
الْبضْع من الشَّيْء: الْقطعَة مِنْهُ، وَيُقَال: هُوَ من الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة، وَقيل: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع.
والشعبة: قِطْعَة من الشَّيْء، وَالْمرَاد بِهَذِهِ الْخِصَال أصُول الْخَيْر من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال. وَالْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ تَصْدِيق الْقلب، وَهَذِه الْخِصَال تنبعث عَنهُ فسميت إِيمَانًا. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر تَفْسِير قَوْله: ((الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان)) .
стр. 1551
١٩٢٦ - / ٢٣٧٥ - والْحَدِيث الثَّامِن بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٩٢٧ - / ٢٣٧٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْمِائَتَيْنِ: ((السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب)) .
السّفر مُشْتَقّ من السّفر وَهُوَ الْكَشْف، يُقَال: سفرت الْمَرْأَة عَن وَجههَا، وأسفر الصُّبْح: إِذا أَضَاء، فَسُمي الْخُرُوج إِلَى الْموضع الْبعيد سفرا لِأَنَّهُ يكْشف عَن أَخْلَاق الْمُسَافِر وأحواله.
وَالْعَذَاب: الْأَلَم المستمر. وَالْمُسَافر يتَأَذَّى بِالْمَشْيِ وَالرُّكُوب والسهر وَغير ذَلِك.
والنهمة: الْحَاجة والإرادة من الشَّيْء، وَالْمرَاد بِالْوَجْهِ الْمَقْصد الَّذِي قَصده فِي السّفر.
١٩٢٨ - / ٢٣٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر بعد الْمِائَتَيْنِ: ((تعوذوا بِاللَّه من جهد الْبلَاء)) .
تعوذوا: بِمَعْنى الجأوا إِلَيْهِ ولوذوا بِهِ.
والجهد: الْمَشَقَّة.
والدرك: الْإِدْرَاك.
стр. 1552
والشقاء: الْهَلَاك. وَقد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْأَسْبَاب الَّتِي تُؤدِّي إِلَى الْهَلَاك، كالنصب وَغَيره.
والشماتة: الْفَرح ببلية الْعَدو.
وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن الْكَلَام المسجوع إِذا لم يكن عَن تكلّف لم يكره.
فَإِن قيل: هَل تَنْفَع الإستعاذة مِمَّا قضي؟ فَالْجَوَاب: أَنَّهَا مِمَّا قضي أَيْضا، فقد يقْضى على الْإِنْسَان بلَاء ويسبق فِي الْقَضَاء أَنه يَدْعُو فَيدْفَع عَنهُ، فَيكون فِي الْقَضَاء الدَّافِع والمدفوع. وَفَائِدَة الدُّعَاء التَّعَبُّد بِهِ وَإِظْهَار الْفَاقَة من العَبْد.
١٩٢٩ - / ٢٣٧٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: ((الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا)) .
الْعمرَة مَعْرُوفَة، وَأَصلهَا فِي اللُّغَة الزِّيَارَة. وَالْحج: الْقَصْد.
والمبرور: المقبول، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: المبرور: الَّذِي لَا يخالطه شَيْء من المآثم، وَكَذَلِكَ البيع المبرور: الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ وَلَا خِيَانَة، وَقد سبق بَيَان هَذَا.
وَقَوله: ((من حج لله)) إِشَارَة إِلَى الْإِخْلَاص.
والرفث: الْكَلَام المستقبح. وَالْفِسْق: الْخُرُوج عَن طَاعَة الله .
وَقَوله: ((كَيَوْم وَلدته أمه)) أَي رَجَعَ بِغَيْر ذَنْب.
стр. 1553
١٩٣٠ - / ٢٣٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: ((بَيْنَمَا رجل يمشي فَإِذا كلب يَلْهَث يَأْكُل الثرى من الْعَطش)) .
اللهث: صَوت النَّفس من شدَّة الإعياء.
وَالثَّرَى هَا هُنَا الأَرْض.
ورقي بِكَسْر الْقَاف: أَي صعد.
وَالْبَغي: الْفَاجِرَة.
ويطيف: يَدُور حولهَا.
وأدلع: أخرج لِسَانه من الْعَطش.
والموق: الْخُف، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الموق: الْخُف، فَارسي مُعرب. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: الموق: نوع من الْخفاف مَعْرُوف وَسَاقه إِلَى الْقصر. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الموق فَارسي مُعرب، وَيجمع على الأمواق. وَفِي حَدِيث عمر أَنه لما قدم الشَّام عرضت لَهُ مخاضة فَنزل عَن بعيره وَنزع موقيه. وَقَالَ النمر بن تولب:
(فترى النعاج بِهِ تمشي خلفة ... مشي العباديين فِي الأمواق)
العباديون: قوم تزهدوا وَقَالُوا: نَحن عباد الله.
стр. 1554
١٩٣١ - / ٢٣٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ثمَّ لم يَجدوا إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا)) .
النداء: الْأَذَان. والاستهام: الْقرعَة. وَإِنَّمَا قيل فِي الإقراع استهام لِأَنَّهَا سِهَام يكْتب عَلَيْهَا الْأَسْمَاء، فَمن وَقع لَهُ مِنْهَا سهم حَاز الْحَظ الموسوم.
والتهجير: التبكير بِصَلَاة الظّهْر. والهاجرة: نصف النَّهَار.
وَالشُّهَدَاء جمع شَهِيد. وَفِي تَسْمِيَة الشَّهِيد شَهِيدا سَبْعَة أَقْوَال قد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند عمر بن الْخطاب.
وَأما المطعون فَهُوَ صَاحب الطَّاعُون، وَهُوَ مرض مَعْرُوف.
والمبطون: صَاحب الْبَطن، وَهُوَ ذُو الإسهال.
وَالْهدم بِفَتْح الدَّال: هُوَ اسْم مَا يَقع، قَالَه لنا ابْن الخشاب.
وَأما بتسكينها فَهُوَ الْفِعْل. وَالَّذِي يَقع هُوَ الَّذِي يقتل، وَيجوز أَن ينْسب الْقَتْل إِلَى الْفِعْل، إِلَّا أَن الأول أظهر.
وَقَوله: ((خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا)) لأَنهم قد أمروا بالتقدم، فَخَيرهمْ من بَادر الْفَضِيلَة، على عكس حَال النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ قد أمرن بالتأخر خوف الإفتتان بِهن.
стр. 1555
١٩٣٢ - / ٢٣٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: ((ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ)) وَقد سبق فِي مُسْند أبي ذَر.
١٩٣٣ - / ٢٣٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ ((لَا أجد حمولة)) .
الحمولة: مَا يحمل الزَّاد وَالْمَتَاع من الْإِبِل.
وَقَوله: ((انتدب الله)) أَي أَجَابَهُ إِلَى غفرانه، يُقَال: ندبته للْجِهَاد فَانْتدبَ، أَي أجَاب.
وَقَوله: ((قتلت ثمَّ أَحييت)) دَلِيل على فضل الشَّهَادَة، وحث على مبادرة الْفَضَائِل وَحمل المشاق فِي تكلفها نظرا إِلَى مآلها.
١٩٣٤ - / ٢٣٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: فِي ذكر الْخَيل: ((رجل ربطها فَأطَال لَهَا فِي مرج أَو رَوْضَة)) .
قَوْله: ((أَطَالَ لَهَا)) أَي أرْخى لَهَا الْحَبل. والطول: الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الدَّابَّة، قَالَ طرفَة:
(لعمرك إِن الْمَوْت مَا أَخطَأ الْفَتى ... لكالطول المرخى وثنياه بِالْيَدِ)
والطيل لُغَة فِي الطول.
والمرج: أَرض ذَات نَبَات تمرج فِيهَا الدَّوَابّ: أَي ترسل للرعي.
وَالرَّوْضَة: الْمَكَان المخضر.
стр. 1556
والإستنان: الْعَدو، وَقد شرحناه فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
والشرق: الْموضع الْمشرق: ومشارق الأَرْض: أعاليها.
والتغني: الإستغناء.
وَقَوله: ((ثمَّ لم ينس حق الله فِي رقابها وظهورها)) عِنْد أبي حنيفَة أَن الزَّكَاة وَاجِبَة فِي الْخَيل، وَعِنْدنَا لَا تجب، وَلنَا فِي هَذَا الحَدِيث وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يدعى نسخه بِمَا قد سبق قبل أوراق من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ((لَيْسَ على الْمُسلم صَدَقَة فِي فرسه وَعَبده)) وَبِقَوْلِهِ ﵇: ((عَفَوْت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل وَالرَّقِيق)) وَفِي حَدِيث آخر: ((لَيْسَ فِي الْجَبْهَة وَلَا النخة صَدَقَة)) .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْجَبْهَة: الْخَيل. والنخة الرَّقِيق. وَالثَّانِي: أَن يكون الْحق بِمَعْنى الْمَعْرُوف، كَمَا سبق فِي حَدِيث جَابر أَنه سُئِلَ عَن حق الْإِبِل فَقَالَ: حلبها على المَاء، ومنيحتها وإعارة دلوها. وَمَعْلُوم أَنه لم يجب فِيهَا سوى الزَّكَاة، وَأَن الْحَلب على المَاء والمنحة مَنْدُوب إِلَيْهِمَا.
стр. 1557
وَأما قَوْله: ((فخرا ورياء)) أَي يفاخر بهَا ويري النَّاس كَثْرَة مَاله.
وَقيل: بل يُرِيهم أَنه يُرِيد الْجِهَاد ويضمر غير ذَلِك.
وَقَوله: ((ونواء لأهل الْإِسْلَام)) أَي معاداة لَهُم، يُقَال: ناوأت الرجل نواء ومناوأة: إِذا عاديته، وَأَصله من ناء إِلَيْك ونؤت إِلَيْهِ: أَي نهضت إِلَيْهِ نهوض المغالبة.
والأشر: التكبر والمرح وَالْعجب. والبطر: الطغيان فِي النِّعْمَة.
وَقَالَ الزّجاج: البطر. أَن يطغى فيتكبر عِنْد الْحق فَلَا يقبله.
يَعْنِي المفردة الَّتِي جمعت على انفرادها حكم الْحَسَنَات والسيئات، وَهِي وَقَوله: ((هَذِه الْآيَة الجامعة الفاذة)) يَعْنِي المفردة الَّتِي جمعت على انفرادها حكم الْحَسَنَات والسيئات، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] ومثقال الشَّيْء: زنته. والذرة: أَصْغَر النَّمْل.
والصفائح وَاحِدهَا صفيحة. وَالْإِشَارَة بذلك إِلَى اتساع صفائحها وانبساط أقطارها. فأحمي عَلَيْهَا: أَي أوقد عَلَيْهَا حَتَّى تحمى.
والجبين: مَا عَن يَمِين الْجَبْهَة وشمالها، وهما جبينان. والجبهة: مَوضِع السُّجُود.
وَقَوله: ((وَمن حَقّهَا حلبها يَوْم وردهَا)) قد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند جَابر، وَبينا أَنه إِنَّمَا يكون قد كَانَ وَاجِبا قبل الزَّكَاة أَو أَن يشار بِالْحَقِّ إِلَى فعل الْمَعْرُوف، وفسرنا هُنَاكَ القاع والقرقر والأخفاف.
والشجاع: الْحَيَّة. والأقرع: الَّذِي لِكَثْرَة مَا فِي رَأسه من السم كَأَنَّهُ قد قرع.
стр. 1558
والعقصاء: الملتوية القرنين. والجلحاء: هِيَ الْجَمَّاء الَّتِي لَا قرن لَهَا، والعضباء: الْمَكْسُورَة الْقرن. والعضب فِي الْأذن: قطعهَا.
والأظلاف قد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند أبي ذَر.
واليعار: صَوت الشَّاء. والرغاء: صَوت الْبَعِير.
وَقَوله: ((لَهُ زَبِيبَتَانِ)) قَالَ أَبُو عبيد: هما النكتتان السوداوان فَوق عَيْنَيْهِ، وَهُوَ أوحش مَا يكون من الْحَيَّات وأخبثه. قَالَ: وَيُقَال فِي الزبيبتين إنَّهُمَا الزبدتان اللَّتَان تَكُونَانِ فِي الشدقين إِذا غضب الْإِنْسَان أَو أَكثر الْكَلَام حَتَّى يُزْبِد، قَالَت أم غيلَان بنت جرير الخطفي: رُبمَا أنشدت أبي حَتَّى يتزبب شدقاي. قَالَ الراجز:
(إِنِّي إِذا مَا زبب الأشداق ... وَكثر الضجاج واللقلاق)
(ثَبت الْجنان مرجم وداق ... )
اللقلاق: الصَّوْت. والمرجم: الَّذِي يرْجم الْكَلَام.
وَقَوله: ((بِلِهْزِمَتَيْهِ)) يَعْنِي شدقيه. واللهزمتان: الشدقان.
وَقَوله: ((الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر)) قد سبق فِي مُسْند عُرْوَة الْبَارِقي.
١٩٣٥ - / ٢٣٨٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: ((تسموا
стр. 1559
باسمي)) قد سبق فِي مُسْند جَابر، وَبينا حكمه.
وَقَوله: ((من رَآنِي فِي الْمَنَام)) قد سبق فِي مُسْند أبي قَتَادَة.
وَقَوله: ((من كذب عَليّ)) قد تقدم فِي مُسْند عَليّ.
١٩٣٦ - / ٢٣٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لِبلَال: ((سَمِعت اللَّيْلَة خشف نعليك)) وَفِي رِوَايَة: ((دف نعليك فِي الْجنَّة)) .
الخشف: الْحَرَكَة وَالصَّوْت الَّذِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ. والدف: الْحَرَكَة الْخَفِيفَة أَيْضا.
وَقد حث هَذَا الحَدِيث على إتباع الْوضُوء بِالصَّلَاةِ لِئَلَّا يبْقى الْوضُوء خَالِيا عَن مَقْصُوده.
١٩٣٧ - / ٢٣٨٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي دَعْوَة، فَرفع إِلَيْهِ الذِّرَاع وَكَانَت تعجبه، فنهس مِنْهَا نهسة.
قَالَ ابْن فَارس: الدعْوَة إِلَى الطَّعَام بِالْفَتْح. والدعوة فِي النّسَب بِالْكَسْرِ. وَحكي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ: هَذَا أَكثر كَلَام الْعَرَب إِلَّا
стр. 1560
عدي الربَاب، فَإِنَّهُم ينصبون الدَّال فِي النّسَب ويكسرونها فِي الطَّعَام.
وَأما الذِّرَاع فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هِيَ مُؤَنّثَة، وَجَمعهَا أَذْرع لَا غير.
وَقَالَ ابْن قتبية: الذِّرَاع تذكر وتؤنث، وَمثلهَا الموس والسكين والسبيل وَالطَّرِيق والسوق والدلو وَاللِّسَان، من ذكره قَالَ أَلْسِنَة، وَمن أنثه قَالَ: ألسن، والعنق والعاتق والمتن وَالسِّلَاح والكراع والصاع وَالْحَال والفهر وَالْخمر وَالْعَسَل وَالسُّلْطَان وَالسّلم - وَهُوَ الصُّلْح - والقليب.
وَمِمَّا يكون للذكور وَالْإِنَاث وَفِيه عَلامَة التَّأْنِيث: السخلة تكون للذّكر وَالْأُنْثَى، والبهمة كَذَلِك، والرشأ: ولد الغزال، والعسبارة: ولد الضبع من الذِّئْب، والحية وَالشَّاة، وبطة وحمامة ونعامة، لَا تَقول هَذِه نعَامَة ذكر حَتَّى تَقول: ظليم. وكل هَذِه تجمع بطرح الْهَاء إِلَّا حَيَّة فَإِنَّهُ لَا يُقَال فِي جمعهَا حَيّ. وَمن الْأَسْمَاء المؤنثة الَّتِي لَا أَعْلَام فِيهَا للتأنيث: السَّمَاء وَالشَّمْس والنعل والعصى والرحى وَالدَّار وَالضُّحَى وَدرع الْحَدِيد، وَأما درع الْمَرْأَة وَهُوَ قميصها فمذكر.
والنهس: أَخذ مَا على الْعظم بأطراف الْأَسْنَان.
وَقَوله: ((أَنا سيد ولد آدم)) أَي: أَنا الْمُقدم عَلَيْهِم. إِن قيل: كَيفَ الْجمع بَين هَذَا وَبَين ((لَا تفضلُونِي على يُونُس)) ؟
فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون نَهْيه عَن تفضيله قبل
стр. 1561
إِعْلَامه بِأَنَّهُ سيد ولد آدم. وَالثَّانِي: أَن يكون علم، غير أَنه نهى عَن تفضيله على يُونُس لثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَن فِي تَفْضِيل شخص على شخص نوع نقص للْآخر، وَالْمعْنَى: قُولُوا مَا قيل لكم وَلَا تخَيرُوا برأيكم، وَلَيْسَ المُرَاد أَن لَا تعتقدوا تَفْضِيل قوم على قوم، فقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] وَالثَّانِي: أَن يفضل عَلَيْهِ فِي صبره ومعاناة قومه، فَإِن نَبينَا ﵊ لم يفضل الْأَنْبِيَاء بمعاناة قومه بل بموهبة الله لَهُ الْفضل.
وَالثَّالِث: أَن يكون دلّ النَّاس على التَّوَاضُع، لِأَنَّهُ إِذا تواضع هُوَ مَعَ شرفه فَغَيره أولى بذلك.
وَالْوَجْه الثَّالِث من الْجَواب: أَن السِّيَادَة التَّقَدُّم، فَأَشَارَ بتقدمه فِي الْقِيَامَة فِي الشَّفَاعَة على الْخلق وَلم يتَعَرَّض بِذكر فضل.
وَأما الصَّعِيد فالأرض المستوية.
وَأما قَول إِبْرَاهِيم: إِنِّي كذب، فَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ قلت قولا يشبه الْكَذِب فِي ظَاهر القَوْل وَهُوَ صدق عِنْد الْبَحْث والتفتيش. وسنوضح هَذَا بعد سَبْعَة وَعشْرين حَدِيثا.
والمصراع: أحد شقي الْبَاب. والصرعان فِي اللُّغَة: المثلان، يُقَال: هَذَا صرع هَذَا: أَي مثله، وَيُشبه أَن يكون اشتقاق المصراعين من هَذَا.
وأعضاد كل شَيْء: مَا يشد حوله.
стр. 1562
وَأما مَكَّة فَقَالَ ابْن فَارس: قَالَ قوم: سميت مَكَّة لِأَنَّهَا مثابة يؤمها النَّاس من كل فج، وَكَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تجذبهم إِلَيْهَا، من قَول الْعَرَب: امتك الفصيل مَا فِي ضرع النَّاقة: إِذا استقصى. وَقَالَ آخَرُونَ: سميت مَكَّة من قَوْلك: مككت الرجل: إِذا رددت نخوته، قَالَ الشَّاعِر:
(يَا مَكَّة الْفَاجِر مكي مكا ... وَلَا تمكي مذحجا وعكا)
قَالَ: وَيُقَال: سميت مَكَّة لجهد أَهلهَا.
وَأما مَا بَينهَا وَبَين هجر فمسافة بعيدَة تقطع فِي نَحْو عشْرين يَوْمًا.
وتزلف: تقرب.
وَقَوله: ((وَترسل الْأَمَانَة وَالرحم فتقومان جنبتي الصِّرَاط)) المُرَاد: أَنه من أدّى الْأَمَانَة وَوصل الرَّحِم نجا، وَمن لم يفعل لم يسلم.
والمكردس: الَّذِي جمعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ فِي وُقُوعه.
والخريف يُرَاد بِهِ هَا هُنَا السّنة.
١٩٣٨ - / ٢٣٨٩ - والْحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند عمر.
١٩٣٩ - / ٢٣٩٠ - وَسبق الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ:
стр. 1563
فِي مُسْند طَلْحَة.
١٩٤٠ - / ٢٣٩١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ فَذكر الْغلُول.
الْغلُول: أَخذ الشَّيْء من الْمغنم فِي سر قبل أَن يقسم.
وَقَوله: ((لَا أَلفَيْنِ)) أَي: لَا أجدن، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٠] .
والرغاء: صَوت الْبَعِير. والثغاء: صَوت الشَّاة. أخبرنَا مُحَمَّد ابْن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا ثَابت بن بنْدَار قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن رزمة قَالَ: أخبرنَا أَبُو سعيد السيرافي قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي الْأَزْهَر النَّحْوِيّ قَالَ: قَالَ لنا الزبير بن بكار: سَمِعت الْعَرَب تَقول فِي مثل صَوت الْإِنْسَان من ذِي الْحَافِر صَهل الْفرس يصهل صهيلا، وحمحم حَمْحَمَة، وشهق الْحمار، ونهق ينهق نهيقا، وشحج الْبَغْل يشحج ويشحج شحيجا وشحاجا، ورغا الْبَعِير يرغو رُغَاء، وجرجر وهدر وقبقب، وثغت الشَّاة تغثو ثُغَاء، ويعرت تَيْعر يعارا، وثأجت النعجة تثأج، وبغم الظبي يبغم بغاما، ونزب ينزب، وزأر الْأسد يزأر زئيرا، ونأم نئيما، ونهت ونأت، ووعوع الذِّئْب وعوعة، ونهم الْفِيل ينهم نهما، ورقح القرد يرقح رقحا، وضبح الثَّعْلَب يضبح ضباحا، وعوى الْكَلْب يعوي عواء، ونبح أَيْضا، ومأت السنور تموء، وصأت
стр. 1564
الْفَأْرَة تصئوا صئيا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَيُقَال فِي الْحمار يسحل ويسحل، والجمل يرغو ويهدر، والناقة تئط وتحن، واليعار للمعز، والثؤاج للضأن، والتيس ينب ويهب: إِذا أَرَادَ السفاد، وَالذِّئْب يعوي ويتضور: إِذا جَاع، والأفعى تفح بفيها، وتكش بجلدها، قَالَ الشَّاعِر:
(كشيش أَفْعَى أَجمعت لعض ... فَهِيَ تحك بَعْضهَا بِبَعْض)
والحية تنضنض، وَيُقَال: النضنضة: تحريكها لسانها. وَابْن آوى يعوي. والغراب ينغق بالغين مُعْجمَة، وينعب، والديك يزقو ويسقع، والدجاجة تنق وتنقض: إِذا أَرَادَت الْبيض، والنسر يصفر، وَالْحمام يهدر ويهدل، والمكاء يزقو ويغرد، والقرد يضْحك، والنعام يعار عرارا، يُقَال ذَلِك فِي الظليم، وَالْأُنْثَى تزمر زمارا، وَالْخِنْزِير يقبع، والأرنب تضغب، وَالْعَقْرَب تنق وتصأى، وَيُقَال: صأى الفرخ وَالْخِنْزِير والفيل والفأرة واليربوع يصأى صئيا وصئيا، والضفادع تنقض وتنق، وَكَذَلِكَ الفراريج، وَالْجِنّ تعزف. والشخير من الْفَم، والنخير من المنخرين، والكرير من الصَّدْر، والخرير صَوت المَاء، والغرغرة صَوت الْقدر، والوسواس صَوت الْحلِيّ، والجرس
стр. 1565
والجرس صَوت حَرَكَة الْإِنْسَان، والركز الصَّوْت الْخَفي، وَكَذَلِكَ الهمس. وَيُقَال: هجهجت بالسبع: إِذا صحت بِهِ، وَلَا يُقَال ذَلِك لغير السَّبع. وشايعت بِالْإِبِلِ، ونعقت بالغنم، ودجدجت بالدجاجة، وسأسأت بالحمار، وجأجأت بِالْإِبِلِ: دعوتها للشُّرْب، وهأهأت بهَا للعلف. وأشليت الْكَلْب: دَعوته.
وَقَوله: ((نفس لَهَا صياح)) وَهِي الَّتِي تغل من الْمغنم.
وَقَوله: ((رقاع تخفق)) وَهُوَ مَا يغل من الثِّيَاب. وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحميدِي: المُرَاد بالرقاع مَا عَلَيْهِم من الْحُقُوق الْمَكْتُوبَة فِي الرّقاع.
قلت: وَفِي هَذَا بعد، لِأَن الحَدِيث سيق لذكر الْغلُول.
وَأما الصَّامِت فَهُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة.
١٩٤١ - / ٢٣٩٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((هَلَاك أمتِي على يَد أغيلمة من قُرَيْش)) .
الأغيامة جمع غُلَام. وَقد بَينا معنى الْغُلَام فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: ((لَو أَن النَّاس اعتزلوهم)) قد أَمر أَحْمد بن حَنْبَل بترك هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ الْخلال: قَالَ عبد الله: قَالَ أبي فِي مَرضه: اضْرِب
стр. 1566
على هَذَا الحَدِيث، فَإِنَّهُ خلاف الْأَحَادِيث. قَالَ الْخلال: وَحدثنَا الْمَرْوذِيّ قَالَ: بَلغنِي أَن أَبَا عبد الله قَالَ فِي مَرضه: اضربوا من حَدِيثي على حَدِيث أبي هُرَيْرَة: ((لَو أَن النَّاس اعتزلوهم)) . قَالَ الْمَرْوذِيّ: كنت أسمعهُ يَقُول: هُوَ حَدِيث رَدِيء يحْتَج بِهِ فِي ترك الْجُمُعَة. قَالَ الْخلال: وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد فِي حَدِيث ثَوْبَان عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ((اسْتَقِيمُوا لقريش مَا استقاموا لكم، فَإِن لم يستقيموا لكم فاحملوا سُيُوفكُمْ على أَعْنَاقكُم فأبيدوا خضراءهم)) قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: الْأَحَادِيث خلاف هَذَا، قَالَ ﵇: ((اسْمَع وأطع)) قلت: فَهَذَا دَلِيل على أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة لم يثبت عِنْد أَحْمد وَإِن كَانَ قد أخرج فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) ، فَيحمل على أَنه وهم من الروَاة. وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: ((لَو أَن النَّاس اعتزلوهم)) أَي تركُوا الْإِنْكَار عَلَيْهِم ظَاهرا وصبروا على أفعالهم لِئَلَّا تقع فتْنَة، فَهَذَا تَأْوِيل حسن.
١٩٤٢ - / ٢٣٩٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((أول زمرة يدْخلُونَ الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر)) .
الزمرة: الْجَمَاعَة. وَالْإِشَارَة إِلَى نور الْقَمَر لَا إِلَى صورته،
стр. 1567
ويوضح هَذَا مَا بعده. وَقد ذكرنَا معنى لَيْلَة الْبَدْر فِي مُسْند سهل بن سعد.
وَقَوله: ((لَا يَتَغَوَّطُونَ)) أَي لَا يأْتونَ الْغَائِط: وَهُوَ الْمَكَان المطمئن من الأَرْض لقَضَاء الْحَاجة.
وَقَوله: ((لَا يَتْفلُونَ)) أَي لَا يبصقون. وَقد سبق أَن التفل لَا يكون إِلَّا وَمَعَهُ شَيْء من الرِّيق.
وَقَوله: ((مجامرهم الألوة)) قَالَ أَبُو عبيد: الألوة: الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ، فارسية معربة، وَفِيه لُغَتَانِ: ألوة وألوة.
فَأَما الألنجوج فَقَالَ ابْن السّكيت: اليلنجوج: الْعود، وَيُقَال ألنجوج وألنجج وأنجوج.
وَأما الْحور فَقَالَ مُجَاهِد: هن النقيات الْبيَاض. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْحور: الشَّدِيدَة بَيَاض الْعين، الشَّدِيدَة سَواد سوادها. قَالَ الزّجاج: وَالْعين: كبار الْعُيُون حسانها، واحدتهن عيناء.
وَقَوله: ((على خلق رجل)) أَرَادَ بِهِ الطول فِي الْبدن.
стр. 1568
١٩٤٣ - / ٢٣٩٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((انتدب الله لمن خرج فِي سَبيله)) .
قد تقدم آنِفا معنى انتدب، وَأَنه بِمَعْنى أجَاب وَضمن. وَقد جَاءَ بِأَلْفَاظ مِنْهَا: تكفل، وتوكل، وتضمن.
وَقَوله: ((فَهُوَ عَليّ ضَامِن)) أَي مَضْمُون.
١٩٤٤ - / ٢٣٩٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((مَا من مكلوم يكلم فِي سَبِيل الله)) .
الكلوم وَالْكَلَام: الْجِرَاحَات، وَاحِدهَا كلم.
وَقَوله: ((فِي سَبِيل الله)) إِشَارَة إِلَى الْإِخْلَاص وَصِحَّة الْقَصْد، وَإِنَّمَا تَأتي الْجِرَاحَات على حَالهَا ليبين بهَا فضل الشَّهِيد وفخره، فليجتهد الْمُجَاهِد أَن تكون الكلوم فِيمَا أقبل مِنْهُ لَا فِيمَا أدبر، لِأَنَّهَا إِذا كَانَت فِيمَا أدبر مِنْهُ دلّت على الْهَزِيمَة، فَهُوَ يفتخر بِتِلْكَ ويستحيي من هَذِه، كَمَا قَالَ الْقَائِل:
(ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... وَلَكِن على أقدامنا تقطر الدما)
١٩٤٥ - / ٢٣٩٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا؟ قَالَ: ((أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح)) .
стр. 1569
اعْلَم أَن الْمُتَصَدّق مخرج لمحبوبه عَن يَده، وَهَذَا المحبوب معد للإنفاق فِي الْأَغْرَاض، ومعظم الْأَغْرَاض تكون فِي الصِّحَّة، فَإِذا كَانَ أخرجه فِي الْمَرَض فقد بَدَت أَمَارَات الإستغناء عَن المَال فَلَا يلْحق بِدَرَجَة الْمُعْطِي فِي الصِّحَّة. أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر الأرموي قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عَليّ الْمهْدي قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن الصَّباح قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن معن قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَيَّان قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي حَبِيبَة الطَّائِي عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((مثل الَّذِي يعْتق عِنْد الْمَوْت كَمثل الَّذِي يهدي إِذا شبع)) .
١٩٤٦ - / ٢٣٩٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين)) فَقَالُوا: وللمقصرين. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين)) حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: (وللمقصرين)) .
وَهَذَا لِأَنَّهُ حلق رَأسه ﷺ فكرر الدُّعَاء لمن وَافقه فِي فعله وَقصر بِمن قصر، وَقد ذكرنَا فِي مُسْند ابْن عمر سَبَب توقفهم عَن الحلاق.
١٩٤٧ - / ٢٤٠١ - والْحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند عبد الله بن أبي أوفى.
стр. 1570
١٩٤٨ - / ٢٤٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا)) .
طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا آيَة تعم الْكل، وتدل على الصَّانِع المقلب للأشياء، وَقد سبق الْوَعْد بذلك فِي الْقُرْآن، فَإِذا اضطرهم ذَلِك إِلَى التَّصْدِيق لم يقبل إِيمَان من يُؤمن حِينَئِذٍ، وَلَقَد زعم الْمُلْحِدُونَ وَأهل النُّجُوم أَن ذَلِك لَا يكون، فيبين كذبهمْ، وَيظْهر الْقُدْرَة على مَا طلبه الْخَلِيل من نمْرُود بقوله: ﴿فأت بهَا من الْمغرب﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٨] والدجال قد سبقت الْأَخْبَار عَنهُ. وَالدُّخَان مَذْكُور فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. وَالدَّابَّة هِيَ الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا وَقع القَوْل عَلَيْهِم أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض تكلمهم﴾ [النَّمْل: ٨٢] وَهِي دَابَّة تخرج فِي آخر الزَّمَان تكلم الْإِنْس وتنكت فِي وَجه الْكَافِر نُكْتَة سَوْدَاء فيسود وَجهه، وتنكت فِي وَجه الْمُؤمن نُكْتَة بَيْضَاء فيبيض وَجهه، فَيعرف الْمُؤمن من الْكَافِر. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي صفتهَا وَمَكَان خُرُوجهَا على مَا ذَكرْنَاهُ فِي ((التَّفْسِير)) ، وَإِنَّمَا تخرج هَذِه الدَّابَّة لعقوبة الْكفَّار وفضيحتهم؛ فَإِنَّهُم رَأَوْا من الْآيَات مَا يشفي وَيَكْفِي فَلم ينتفعوا بِمَا رَأَوْا، فَخَرجُوا بالأغراض عَن فهم الدَّلِيل عَن حيّز الْآدَمِيَّة إِلَى حيّز الْحَيَوَان البهيم، فأخرجت لعقوبتهم دَابَّة.
стр. 1571
وَقَوله: ((أَو خَاصَّة أحدكُم)) أَي مَا يَخُصُّهُ من الْمَوْت الَّذِي يمنعهُ من الْعَمَل. ((أَو أَمر الْعَامَّة)) يَعْنِي الْقِيَامَة، لِأَنَّهَا تعم النَّاس جَمِيعًا بِالْمَوْتِ، يَقُول: فبادروا الْمَوْت وَالْقِيَامَة بِالْأَعْمَالِ.
١٩٤٩ - / ٢٤٠٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ)) .
الْوَاو عاطفة لكَلَام مُقَدّر تَقْدِيره: وَبِحَمْدِهِ سبحته.
١٩٥٠ - / ٢٤٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا)) .
الْقُوت: مَا مَا يمسك الرمق. يُقَال: مَا عِنْده قوت لَيْلَة وقيت لَيْلَة، فَكَأَنَّهُ طلب مِقْدَار الْكِفَايَة من الرزق؛ لِأَن فضول الدُّنْيَا تشغل الْقلب وَتخرج إِلَى حب الدُّنْيَا.
١٩٥١ - / ٢٤٠٧ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((اسْتَوْصُوا بِالنسَاء)) .
يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أوصوهن، وَقد جَاءَ استفعل بِمَعْنى أفعل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فليستجيبوا لي﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٦] وَقَوله: ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا﴾ [الشورى: ٢٦] وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر:
( ... ... ... فَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب)
وَالثَّانِي: أَن يكون استفعل على أَصله وَهُوَ طلب الْفِعْل، فَيكون
стр. 1572
مَعْنَاهُ: اطْلُبُوا الْوَصِيَّة. وَإِنَّمَا خص النِّسَاء بِالذكر لضعفهن واحتياجهن إِلَى من يقوم بأمورهن.
وَقَوله: ((فَإِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع)) فروى السّديّ عَن أشياخه: أَن آدم نَام نومَة فِي الْجنَّة فَاسْتَيْقَظَ فَإِذا عِنْد رَأسه امْرَأَة قَاعِدَة خلقهَا الله تَعَالَى من ضلعه، فَسَأَلَهَا: من أَنْت؟ قَالَت: امْرَأَة. قَالَ: وَلم خلقت. قَالَت: تسكن إِلَيّ. وَقَالَ عبد الله بن عمر: خلقت حَوَّاء من ضلع آدم الْأَيْسَر.
وَقَوله: ((وفيهَا عوج)) قَالَ ثَعْلَب: العوج عِنْد الْعَرَب بِكَسْر الْعين فِي كل مَا لَا يحاط بِهِ. والعوج بِفَتْح الْعين فِي كل مَا يتَحَصَّل، فَيُقَال: فِي الأَرْض عوج وَفِي الدّين عوج؛ لِأَن هذَيْن يتسعان وَلَا يدركان.
وَفِي الْعَصَا عوج وَفِي السن عوج؛ لِأَنَّهُمَا يحاط بهما ويبلغ كنههما.
١٩٥٢ - / ٢٤٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لقد عجب الله من صنيعكما)) .
قَالَ ابْن عقيل: الْعجب فِي الأَصْل استغراب الشَّيْء، والإستغراب حَقِيقَة علم مَا لم يعلم، وَإِلَّا فَكل شَيْء أنس بِهِ لَا يتَصَوَّر الْعجب مِنْهُ، كَمَا لَو رأى إِنْسَان حجر المغناطيس يجذب الْحَدِيد وَلم يكن رَآهُ قبلهَا فَإِنَّهُ يعجب، أَو رأى النعام تزدرد الْجَمْر. وَإِذا كَانَ البارئ سُبْحَانَهُ لَا يعزب عَن علمه شَيْء، وَلَا يصدر شَيْء إِلَّا عَن فعله وخلقه، فَأَيْنَ
стр. 1573
الْعجب مِنْهُ؟ فَلم يبْق للْحَدِيث معنى إِلَّا أَن يكون فعل فِي حق هَذَا من الثَّوَاب وَالْجَزَاء فعل من أعجبه فعله. وَكَذَلِكَ قَوْله: ((ضحك الله)) لِأَن الضحك لَا يصدر إِلَّا عَن رَاض غير ساخط، فَيكون الْمَعْنى: يصدر عَنهُ فعل الراضي الضاحك وإثابته.
١٩٥٣ - / ٢٤١٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: مَا عَابَ رَسُول الله ﷺ طَعَاما قطّ.
اعْلَم أَنه قد يكره الْإِنْسَان شَيْئا وَلَا يكرههُ غَيره، فَإِذا عابه نفر عَنهُ من لم يكرههُ، فَيتْرك فيضيع.
١٩٥٤ - / ٢٤١٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: إِن رَسُول الله ﷺ انْصَرف من اثْنَتَيْنِ وَخرج سرعَان النَّاس.
السِّين وَالرَّاء مفتوحتان، وَهَكَذَا ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب ابْن قُتَيْبَة وَغَيره. وَقَالَهُ أَبُو عمر الزَّاهِد بتسكين الرَّاء. قَالَ الْخطابِيّ: الصَّوَاب فتحهما. فَأَما قَوْلهم: سرعَان مَا فعلت، فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات: سرعَان وسرعان وسرعان، وَالرَّاء فِيهِ سَاكِنة وَالنُّون نصب أبدا.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن من تكلم فِي الصَّلَاة نَاسِيا أَو جَاهِلا بِتَحْرِيم الْكَلَام لم تبطل صلَاته، وَقد ذكرنَا هَذَا وَبينا الْخلاف فِيهِ فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن. وَقد اعْترض الْخصم علينا بسؤالين:
стр. 1574
أَحدهمَا: الطعْن، وَذَلِكَ من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: أَن رَاوِيه أَبُو هُرَيْرَة، وَإِنَّمَا أسلم فِي سنة سبع، قَالُوا: وَذُو الْيَدَيْنِ قتل ببدر، فَكيف يَحْكِي أَبُو هُرَيْرَة حَالَة مَا شَاهدهَا؟ قَالُوا: وَكَذَلِكَ عمرَان بن حُصَيْن هجرته مُتَأَخِّرَة.
وَالثَّانِي: أَن أَلْفَاظه تخْتَلف، وَذَلِكَ يدل على وهاه. فَتَارَة يرْوى: فَسلم من رَكْعَتَيْنِ، وَتارَة: من ثَلَاث.
وَالسُّؤَال الثَّانِي: أَنهم قَالُوا: هَذَا كَانَ فِي حَال كَون الْكَلَام مُبَاحا فِي الصَّلَاة، وَلِهَذَا تكلم أَبُو بكر وَعمر عَامِدين.
فَالْجَوَاب: أما الطعْن فَلَا وَجه لَهُ؛ لِاتِّفَاق الْأَئِمَّة على الصِّحَّة.
وَأما ذُو الْيَدَيْنِ فاسمه الْخِرْبَاق كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن، وعاش الْخِرْبَاق بعد رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا الْمَقْتُول يَوْم بدر ذُو الشمالين، واسْمه عُمَيْر. وَإِنَّمَا أَخذ الْخصم فِي هَذَا الحَدِيث الزُّهْرِيّ، وَالزهْرِيّ يَقُول فِي هَذِه الْقِصَّة: فَقَامَ ذُو الشمالين. قَالَ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي: وهم فِي هَذَا الزُّهْرِيّ لِأَنَّهُ ظن أَن ذَا الشمالين وَذَا الْيَدَيْنِ وَاحِد. وَأما عمرَان فَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: أسلم قَدِيما، وغزا مَعَ رَسُول الله ﷺ غزوات. وَأما اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فَإِنَّمَا يروي الثَّلَاث عمرَان بن حُصَيْن لَا أَبُو هُرَيْرَة. ثمَّ الشَّك فِي الْعدَد لَا يقْدَح فِي حفظ أصل الحَدِيث وَثُبُوت الْكَلَام نَاسِيا، وَلَعَلَّه من الروَاة لَا من الصَّحَابَة. ثمَّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة أقوى للإتفاق عَلَيْهِ، وَحَدِيث عمرَان انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم.
стр. 1575
وَأما تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة فقد بَيناهُ فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
وَأما كَلَام أبي بكر وَعمر وَالنَّاس فِي ذَلِك الْيَوْم فقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند عمرَان.
فَإِن قيل: لما قضى مَا فَاتَهُ وَقد خرج سرعَان النَّاس، لم لم يقل: يَا بِلَال، نَاد فِي النَّاس ليتموا صلَاتهم؟ فقد أجَاب عَنهُ ابْن عقيل بجوابين، أَحدهمَا: أَنه لم يتَعَرَّض لأمر لَا يلْزمهُم، بل تَركهم كَمَا ترك السَّائِلين عَن مَاء الغدير. وَالثَّانِي: أَن يكون وكل ذَلِك إِلَى عَادَة النَّاس فِي تَبْلِيغ ذَلِك بَعضهم إِلَى بعض، وَلَوْلَا ذَلِك لطال عَلَيْهِ تلبيغ كل مَا يحدث بِهِ.
١٩٥٥ - / ٢٤١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: نهى أَن يُصَلِّي الرجل مُخْتَصرا.
وَهُوَ وضع الْيَد على الخصر، وَهَذَا يُنَافِي الْخُشُوع والتعبد. قَالَ أَبُو عبيد: وَجَاء فِي حَدِيث: إِنَّه رَاحَة أهل النَّار.
١٩٥٦ - / ٢٤١٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((أسلم سَالَمَهَا الله)) وَفِي سبق فِي مُسْند أبي ذَر.
١٩٥٧ - / ٢٤١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لم
стр. 1576
يكذب إِبْرَاهِيم قطّ إِلَّا ثَلَاث كذبات: قَوْله إِنِّي سقيم، وَقَوله: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا. وَقَوله عَن سارة: أُخْتِي)) .
اعْلَم أَن الْكَذِب لَا يجوز على الْأَنْبِيَاء بِحَال، فَهَذَا أصل يَنْبَغِي أَن يعْتَقد وَلَا يُنَاقض بأخبار الْآحَاد، فَإِنَّهُ ثَابت بِدَلِيل أقوى مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَن إِبْرَاهِيم قَالَ قولا يشبه الْكَذِب. قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: كَلَام إِبْرَاهِيم كَانَ صدقا عِنْد الْبَحْث، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ قولا يشبه الْكَذِب فِي الظَّاهِر وَلَيْسَ بكذب. قَالَ ابْن عقيل: دلَالَة الْعقل تصرف ظَاهر هَذَا اللَّفْظ، وَذَاكَ أَن الْعقل قطع بِأَن الرَّسُول يَنْبَغِي أَن يكون موثوقا بِهِ ليعلم صدق مَا جَاءَ بِهِ عَن الله، وَلَا ثِقَة مَعَ تَجْوِيز الْكَذِب عَلَيْهِ، فَكيف مَعَ وجود الْكَذِب مِنْهُ، وَإِنَّمَا استعير ذكر الْكَذِب لِأَنَّهُ بِصُورَة الْكَذِب فَسَماهُ كذبا مجَازًا، وَلَا يجوز سوى هَذَا.
قلت: وَاعْلَم أَن تِلْكَ الْكَلِمَات إِنَّمَا كَانَت من إِبْرَاهِيم على جِهَة المعاريض، غير أَن الْأَنْبِيَاء يحذرون من كلمة تشبه الْكَذِب، وَلذَلِك يَقُول الْخَلِيل إِذا قيل لَهُ فِي الْقِيَامَة: اشفع لنا: إِنِّي كذبت. وَبَيَان أَنَّهَا كَانَت من جِهَة المعاريض أَنه رُوِيَ عَن الْكسَائي أَنه كَانَ يقف عِنْد قَوْله: ﴿بل فعله﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٦٣] وَيَقُول: فعله من فعله وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ: إِن كَانُوا ينطقون فقد فعله كَبِيرهمْ هَذَا. وَكَذَلِكَ: ﴿إِنِّي سقيم﴾ [الصافات: ٨٩]
стр. 1577
أَي سأسقم، فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّك ميت﴾ [الزمر: ٣٠] أَي سَتَمُوتُ.
وَقَوله: ﴿لَا تؤاخذني بِمَا نسيت﴾ [الْكَهْف: ٧٣] قَالَ ابْن عَبَّاس: لم ينس، وَلكنه من معاريض الْكَلَام.
وَكَذَلِكَ قَوْله هِيَ أُخْتِي: فقد بَين أَنه أَرَادَ أخوة الْإِسْلَام.
وعَلى هَذَا إِشْكَال مَا زَالَ يختلج فِي نَفسِي وَهُوَ أَن يُقَال: مَا معنى توريته عَن الزَّوْجَة بالأخت؟ وَمَعْلُوم أَن ذكرهَا بِالزَّوْجِيَّةِ أسلم لَهَا؛ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: هَذِه أُخْتِي، قَالَ: زوجنيها. وَإِذا قَالَ: امْرَأَتي، سكت، هَذَا إِذا كَانَ الْملك يعْمل بِالشَّرْعِ، فَأَما إِذا كَانَ كَمَا وصف من جوره وَمد يَده إِلَيْهَا ظلما، فَمَا يُبَالِي أَكَانَت زَوْجَة أَو أُخْتا. وَمَا زلت أبحث عَن هَذَا وأسأل فَلم أجد أحدا يشفي بِجَوَاب، إِلَى أَن وَقع لي أَن الْقَوْم كَانُوا على دين الْمَجُوس، وَفِي دينهم أَن الْأُخْت إِذا كَانَت زَوْجَة كَانَ أَخُوهَا الَّذِي هُوَ زَوجهَا أَحَق بهَا من غَيره، فَكَأَن الْخَلِيل ﵇ أَرَادَ أَن يستعصم من الْجَبَّار بِذكر الشَّرْع الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ الْجَبَّار، فَإِذا الْجَبَّار لَا يُرَاعِي جَانب دين، فَنظر الله إِلَى خَلِيله بِلُطْفِهِ وكف كف الْفَاجِر.
وَقد اعْترض على هَذَا فَقيل: إِنَّمَا جَاءَ بِمذهب الْمَجُوس زاردشت وَهُوَ مُتَأَخّر عَن زمَان الْخَلِيل. وَالْجَوَاب: أَن لمَذْهَب الْقَوْم أصلا قَدِيما فَادَّعَاهُ زرادشت وَزَاد عَلَيْهِ، وَقد كَانَ نِكَاح الْأَخَوَات جَائِزا فِي زمن آدم، وَقيل: إِنَّمَا حرمه مُوسَى ﵇، وَيدل على أَن دين
стр. 1578
الْمَجُوس لَهُ أصل مَا روى أَبُو دَاوُد فِي ((سنَنه)) أَن النَّبِي ﷺ أَخذ الْجِزْيَة من مجوس هجر. وَمَعْلُوم أَن الْجِزْيَة لَا تُؤْخَذ إِلَّا مِمَّن لَهُ كتاب أَو شبه كتاب. ثمَّ سَأَلت عَن هَذَا بعض عُلَمَاء أهل الْكتاب فَقَالَ: كَانَ من مَذْهَب الْقَوْم أَنه من كَانَ لَهُ زَوْجَة لَا يجوز أَن يتَزَوَّج بهَا إِلَّا أَن يقتل الزَّوْج، فَعلم إِبْرَاهِيم هَذَا فَقَالَ عَن سارة: أُخْتِي، وَكَأَنَّهُ يَقُول: إِن كَانَ الْملك عادلا فَخَطَبَهَا مني أمكن مَنعه، وَإِن كَانَ ظَالِما فَأَخذهَا تخلصت من الْقَتْل.
وَقَوله: مَهيم؟ سُؤال عَن الْحَال والقصة، وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أنس.
وَقَول أبي هُرَيْرَة: فَتلك أمكُم يَا بني مَاء السَّمَاء. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: يَعْنِي الْعَرَب، وَذَلِكَ أَنهم يعيشون بِمَاء السَّمَاء ويتبعون مَوَاضِع الْقطر فِي بواديهم. قَالَ: وَيُقَال: إِنَّمَا أَرَادَ زَمْزَم أنبطها لهاجر فعاشوا بهَا فصاروا كَأَنَّهُمْ أَوْلَادهَا.
وَقَوله: ((كبت الْفَاجِر)) : أَي صرفه وأذله.
١٩٥٩ - / ٢٤١٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: حَدِيث جريج، وَفِيه أَنه قَالَ: ((أُمِّي وصلاتي)) .
اعْلَم أَن قلَّة الْعلم أوقع جريجا فِيمَا أوقعه فِيهِ، فَإِن طَاعَة الوالدة
стр. 1579
وإجابتها لَازِمَة وَصلَاته كَانَت تَطَوّعا، فَلَمَّا قل علمه قدم التَّطَوُّع على الْوَاجِب.
والمومسة: الْفَاجِرَة، وَجَمعهَا مومسات وميامس. وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ مياميس بِزِيَادَة يَاء، قَالَ لنا ابْن الخشاب: لَيْسَ قَوْلهم صَحِيحا.
وَقَوله: يَا بابوس. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: البابوس: الصَّبِي الرَّضِيع، قَالَ ابْن أَحْمَر:
(حنت قلوصي إِلَى بابوسها جزعا ... وَمَا حنينك أم مَا أَنْت وَالذكر)
وَلما ترك جريج مَا يجب عَلَيْهِ من إِجَابَة أمه سمع دعاؤها فِيهِ لِأَنَّهَا مظلومة بِمَنْع حَقّهَا، وَلما كَانَ أصل إيثاره لطاعة الله نظر إِلَى ذَلِك فأنطق الطِّفْل.
وَالدَّابَّة الفارهة: النشيطة. والشارة الْحَسَنَة: الْجمال الظَّاهِر فِي الْهَيْئَة واللباس. وَأما حِكَايَة رَسُول الله ﷺ ارتضاع الصَّبِي فلزيادة التفهيم للقصة.
١٩٦٠ - / ٢٤١٧ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((من نسي وَهُوَ صَائِم فَأكل وَشرب فليتم صَوْمه؛ فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه)) .
هَذَا صَرِيح فِي الرَّد على مَالك فَإِنَّهُ يَقُول: إِن النَّاسِي إِذا أكل بَطل صَوْمه.
стр. 1580
١٩٦١ - / ٢٤١٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((فقدت أمة من بني إِسْرَائِيل لَا يدرى مَا فعلت، وَإِنِّي لَا أَرَاهَا إِلَّا الفأر)) .
أَي لَا أظنها، وَالظَّاهِر أَنه قَالَ هَذَا بظنه ثمَّ أعلم بعد ذَلِك فَقَالَ مَا سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود: ((إِن الله لم يمسخ مسخا فَيجْعَل لَهُ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَة)) .
١٩٦٢ - / ٢٤١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَو آمن بِي عشرَة من الْيَهُود لم يبْق على ظهرهَا يَهُودِيّ إِلَّا أسلم)) .
كَأَنَّهُ ﵇ أَشَارَ إِلَى أَن الْقَوْم يقلدون أَحْبَارهم لَا بِالدَّلِيلِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني﴾ [الْبَقَرَة: ٧٨]
فَإِن قيل: فقد أسلم أَكثر من عشرَة. فَالْجَوَاب: أَن بعض الْعلمَاء يَقُول: مَا أسلم مِنْهُم عشرَة، بل أقل، فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا إِشْكَال، وَإِلَّا فَالْحَدِيث على أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى الرؤساء الْكِبَار. وَالثَّانِي: إِلَى اجْتِمَاع عشرَة فِي الْإِسْلَام فِي وَقت وَاحِد.
١٩٦٣ - / ٢٤٢١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: أَن امْرَأَة كَانَت تقم الْمَسْجِد فَمَاتَتْ، فَقَالَ: ((دلوني على قبرها))
следующие страницы →