← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5906

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ابن الجوزي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

يكذب إِبْرَاهِيم قطّ إِلَّا ثَلَاث كذبات: قَوْله إِنِّي سقيم، وَقَوله: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا. وَقَوله عَن سارة: أُخْتِي)) . اعْلَم أَن الْكَذِب لَا يجوز على الْأَنْبِيَاء بِحَال، فَهَذَا أصل يَنْبَغِي أَن يعْتَقد وَلَا يُنَاقض بأخبار الْآحَاد، فَإِنَّهُ ثَابت بِدَلِيل أقوى مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَن إِبْرَاهِيم قَالَ قولا يشبه الْكَذِب. قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: كَلَام إِبْرَاهِيم كَانَ صدقا عِنْد الْبَحْث، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ قولا يشبه الْكَذِب فِي الظَّاهِر وَلَيْسَ بكذب. قَالَ ابْن عقيل: دلَالَة الْعقل تصرف ظَاهر هَذَا اللَّفْظ، وَذَاكَ أَن الْعقل قطع بِأَن الرَّسُول يَنْبَغِي أَن يكون موثوقا بِهِ ليعلم صدق مَا جَاءَ بِهِ عَن الله، وَلَا ثِقَة مَعَ تَجْوِيز الْكَذِب عَلَيْهِ، فَكيف مَعَ وجود الْكَذِب مِنْهُ، وَإِنَّمَا استعير ذكر الْكَذِب لِأَنَّهُ بِصُورَة الْكَذِب فَسَماهُ كذبا مجَازًا، وَلَا يجوز سوى هَذَا. قلت: وَاعْلَم أَن تِلْكَ الْكَلِمَات إِنَّمَا كَانَت من إِبْرَاهِيم على جِهَة المعاريض، غير أَن الْأَنْبِيَاء يحذرون من كلمة تشبه الْكَذِب، وَلذَلِك يَقُول الْخَلِيل إِذا قيل لَهُ فِي الْقِيَامَة: اشفع لنا: إِنِّي كذبت. وَبَيَان أَنَّهَا كَانَت من جِهَة المعاريض أَنه رُوِيَ عَن الْكسَائي أَنه كَانَ يقف عِنْد قَوْله: ﴿بل فعله﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٦٣] وَيَقُول: فعله من فعله وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ: إِن كَانُوا ينطقون فقد فعله كَبِيرهمْ هَذَا. وَكَذَلِكَ: ﴿إِنِّي سقيم﴾ [الصافات: ٨٩]

стр. 1577

أَي سأسقم، فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّك ميت﴾ [الزمر: ٣٠] أَي سَتَمُوتُ. وَقَوله: ﴿لَا تؤاخذني بِمَا نسيت﴾ [الْكَهْف: ٧٣] قَالَ ابْن عَبَّاس: لم ينس، وَلكنه من معاريض الْكَلَام. وَكَذَلِكَ قَوْله هِيَ أُخْتِي: فقد بَين أَنه أَرَادَ أخوة الْإِسْلَام. وعَلى هَذَا إِشْكَال مَا زَالَ يختلج فِي نَفسِي وَهُوَ أَن يُقَال: مَا معنى توريته عَن الزَّوْجَة بالأخت؟ وَمَعْلُوم أَن ذكرهَا بِالزَّوْجِيَّةِ أسلم لَهَا؛ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: هَذِه أُخْتِي، قَالَ: زوجنيها. وَإِذا قَالَ: امْرَأَتي، سكت، هَذَا إِذا كَانَ الْملك يعْمل بِالشَّرْعِ، فَأَما إِذا كَانَ كَمَا وصف من جوره وَمد يَده إِلَيْهَا ظلما، فَمَا يُبَالِي أَكَانَت زَوْجَة أَو أُخْتا. وَمَا زلت أبحث عَن هَذَا وأسأل فَلم أجد أحدا يشفي بِجَوَاب، إِلَى أَن وَقع لي أَن الْقَوْم كَانُوا على دين الْمَجُوس، وَفِي دينهم أَن الْأُخْت إِذا كَانَت زَوْجَة كَانَ أَخُوهَا الَّذِي هُوَ زَوجهَا أَحَق بهَا من غَيره، فَكَأَن الْخَلِيل ﵇ أَرَادَ أَن يستعصم من الْجَبَّار بِذكر الشَّرْع الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ الْجَبَّار، فَإِذا الْجَبَّار لَا يُرَاعِي جَانب دين، فَنظر الله إِلَى خَلِيله بِلُطْفِهِ وكف كف الْفَاجِر. وَقد اعْترض على هَذَا فَقيل: إِنَّمَا جَاءَ بِمذهب الْمَجُوس زاردشت وَهُوَ مُتَأَخّر عَن زمَان الْخَلِيل. وَالْجَوَاب: أَن لمَذْهَب الْقَوْم أصلا قَدِيما فَادَّعَاهُ زرادشت وَزَاد عَلَيْهِ، وَقد كَانَ نِكَاح الْأَخَوَات جَائِزا فِي زمن آدم، وَقيل: إِنَّمَا حرمه مُوسَى ﵇، وَيدل على أَن دين

стр. 1578

الْمَجُوس لَهُ أصل مَا روى أَبُو دَاوُد فِي ((سنَنه)) أَن النَّبِي ﷺ أَخذ الْجِزْيَة من مجوس هجر. وَمَعْلُوم أَن الْجِزْيَة لَا تُؤْخَذ إِلَّا مِمَّن لَهُ كتاب أَو شبه كتاب. ثمَّ سَأَلت عَن هَذَا بعض عُلَمَاء أهل الْكتاب فَقَالَ: كَانَ من مَذْهَب الْقَوْم أَنه من كَانَ لَهُ زَوْجَة لَا يجوز أَن يتَزَوَّج بهَا إِلَّا أَن يقتل الزَّوْج، فَعلم إِبْرَاهِيم هَذَا فَقَالَ عَن سارة: أُخْتِي، وَكَأَنَّهُ يَقُول: إِن كَانَ الْملك عادلا فَخَطَبَهَا مني أمكن مَنعه، وَإِن كَانَ ظَالِما فَأَخذهَا تخلصت من الْقَتْل. وَقَوله: مَهيم؟ سُؤال عَن الْحَال والقصة، وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أنس. وَقَول أبي هُرَيْرَة: فَتلك أمكُم يَا بني مَاء السَّمَاء. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: يَعْنِي الْعَرَب، وَذَلِكَ أَنهم يعيشون بِمَاء السَّمَاء ويتبعون مَوَاضِع الْقطر فِي بواديهم. قَالَ: وَيُقَال: إِنَّمَا أَرَادَ زَمْزَم أنبطها لهاجر فعاشوا بهَا فصاروا كَأَنَّهُمْ أَوْلَادهَا. وَقَوله: ((كبت الْفَاجِر)) : أَي صرفه وأذله. ١٩٥٩ - / ٢٤١٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: حَدِيث جريج، وَفِيه أَنه قَالَ: ((أُمِّي وصلاتي)) . اعْلَم أَن قلَّة الْعلم أوقع جريجا فِيمَا أوقعه فِيهِ، فَإِن طَاعَة الوالدة

стр. 1579

وإجابتها لَازِمَة وَصلَاته كَانَت تَطَوّعا، فَلَمَّا قل علمه قدم التَّطَوُّع على الْوَاجِب. والمومسة: الْفَاجِرَة، وَجَمعهَا مومسات وميامس. وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ مياميس بِزِيَادَة يَاء، قَالَ لنا ابْن الخشاب: لَيْسَ قَوْلهم صَحِيحا. وَقَوله: يَا بابوس. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: البابوس: الصَّبِي الرَّضِيع، قَالَ ابْن أَحْمَر: (حنت قلوصي إِلَى بابوسها جزعا ... وَمَا حنينك أم مَا أَنْت وَالذكر) وَلما ترك جريج مَا يجب عَلَيْهِ من إِجَابَة أمه سمع دعاؤها فِيهِ لِأَنَّهَا مظلومة بِمَنْع حَقّهَا، وَلما كَانَ أصل إيثاره لطاعة الله نظر إِلَى ذَلِك فأنطق الطِّفْل. وَالدَّابَّة الفارهة: النشيطة. والشارة الْحَسَنَة: الْجمال الظَّاهِر فِي الْهَيْئَة واللباس. وَأما حِكَايَة رَسُول الله ﷺ ارتضاع الصَّبِي فلزيادة التفهيم للقصة. ١٩٦٠ - / ٢٤١٧ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((من نسي وَهُوَ صَائِم فَأكل وَشرب فليتم صَوْمه؛ فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه)) . هَذَا صَرِيح فِي الرَّد على مَالك فَإِنَّهُ يَقُول: إِن النَّاسِي إِذا أكل بَطل صَوْمه.

стр. 1580

١٩٦١ - / ٢٤١٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((فقدت أمة من بني إِسْرَائِيل لَا يدرى مَا فعلت، وَإِنِّي لَا أَرَاهَا إِلَّا الفأر)) . أَي لَا أظنها، وَالظَّاهِر أَنه قَالَ هَذَا بظنه ثمَّ أعلم بعد ذَلِك فَقَالَ مَا سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود: ((إِن الله لم يمسخ مسخا فَيجْعَل لَهُ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَة)) . ١٩٦٢ - / ٢٤١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَو آمن بِي عشرَة من الْيَهُود لم يبْق على ظهرهَا يَهُودِيّ إِلَّا أسلم)) . كَأَنَّهُ ﵇ أَشَارَ إِلَى أَن الْقَوْم يقلدون أَحْبَارهم لَا بِالدَّلِيلِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني﴾ [الْبَقَرَة: ٧٨] فَإِن قيل: فقد أسلم أَكثر من عشرَة. فَالْجَوَاب: أَن بعض الْعلمَاء يَقُول: مَا أسلم مِنْهُم عشرَة، بل أقل، فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا إِشْكَال، وَإِلَّا فَالْحَدِيث على أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى الرؤساء الْكِبَار. وَالثَّانِي: إِلَى اجْتِمَاع عشرَة فِي الْإِسْلَام فِي وَقت وَاحِد. ١٩٦٣ - / ٢٤٢١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: أَن امْرَأَة كَانَت تقم الْمَسْجِد فَمَاتَتْ، فَقَالَ: ((دلوني على قبرها))

стр. 1581

فصلى عَلَيْهَا. تقم: أَي تكنسه وتنظفه. وَالْقُمَامَة: الكناسة. وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز الصَّلَاة على الْقَبْر وإعادتها فِي حق من لم يصل. ١٩٦٤ - / ٢٤٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع ثمَّ جهدها فقد وَجب الْغسْل)) . فِي الشّعب الْأَرْبَع قَولَانِ: أَحدهمَا: اليدان وَالرجلَانِ. وَالثَّانِي: الفخذان والاسكتان: وهما حرفا الْفرج. وَقَوله جهدها: أَي اجْتهد فِي الْوُصُول إِلَيْهَا، وَالْإِشَارَة إِلَى التقاء الختانين، فَإِنَّهُ مُبين فِي حَدِيث آخر. وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن قَوْله: ((المَاء من المَاء)) مَنْسُوخ. ١٩٦٥ - / ٢٤٢٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((من أعتق شقيصا من مَمْلُوك فَعَلَيهِ خلاصه من مَاله)) . الشّقص والشقيص: الشّرك والنصيب، وَالْأَصْل فِي الشقيص الطَّائِفَة فِي الشَّيْء، وَأهل الْحجاز يَقُولُونَ: هُوَ شقيصي: أَي شَرِيكي. وَقَوله: ((فَإِن لم يكن لَهُ مَال فقوم الْمَمْلُوك ثمَّ استسعى)) الْمَعْنى:

стр. 1582

إِذا أعتق الْمُعسر نصِيبه سعى العَبْد فِي فكاك مَا قد بَقِي مِنْهُ رَقِيقا حَتَّى يُؤَدِّي إِلَى الَّذِي لم يعْتق قيمَة نصِيبه، فَسُمي تَكْلِيفه للإكتساب استسعاء، وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة، وَعَن أَحْمد نَحوه، وَقد أوضحنا هَذَا فِي مُسْند ابْن عمر. ١٩٦٦ - / ٢٤٢٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((الْعُمْرَى مِيرَاث لأَهْلهَا)) وَقد شرحناه فِي مُسْند جَابر. ١٩٦٧ - / ٢٤٢٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((إِن الله تجَاوز لأمتي عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تعْمل أَو تكلم)) . تحديث النَّفس بالشَّيْء والوسواس بِهِ حَرَكَة فِي الْبَاطِن بتخييله وتمثيله، وَالنَّظَر فِي تَحْصِيله، وَمنع ذَلِك من جولانه فِي الْبَاطِن لَا يدْخل تَحت طوق العَبْد، وَإِنَّمَا غَايَة قدرته أَن يعرض عَن مساكنة ذَلِك، وَلَو أَنه حدث نَفسه بِمَعْصِيَة لم يُؤَاخذ، فَأَما إِذا عزم على الْمعْصِيَة فَإِنَّهُ يخرج عَن تحديث النَّفس وَيصير من أَعمال الْقلب، فَإِن عقد النِّيَّة على الْفِعْل من عمل الْقلب، فَحِينَئِذٍ يَأْثَم بنية السِّرّ. وَبَيَان الْفرق بَين الهمة والعزم أَنه لَو حدث نَفسه وَهُوَ فِي الصَّلَاة بقطعها لم تَنْقَطِع، فَإِذا عزم حكمنَا بقطعها، وَكَذَلِكَ إِذا نوى الْإِفْطَار فقد أفطر. وَقد سُئِلَ سُفْيَان الثَّوْريّ: أيؤاخذ العَبْد بالهمة؟ فَقَالَ: إِذا كَانَت عزما. أخبرنَا مُحَمَّد ابْن أبي الْقَاسِم قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن

стр. 1583

عبد الله الْحَافِظ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْفضل قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق قَالَ: حَدثنَا أَبُو همام قَالَ: حَدثنَا مطرف بن مَازِن قَالَ: سَمِعت سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول: الْملكَانِ يجدان ريح الْحَسَنَات والسيئات إِذا عقد الْقلب. ١٩٦٨ - / ٢٤٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((إِن عفريتا من الْجِنّ تفلت عَليّ)) . العفريت: المارد الْخَبيث من الْجِنّ. يُقَال: عفريت نفريت وعفر: إِذا كَانَ قَوِيا خبيثا مُنْكرا. وَقَوله: ((تفلت عَليّ)) أَي تعرض لي فلتة: أَي فَجْأَة ليغلبني على صَلَاتي. وَقَوله: ((فَذكرت دَعْوَة أخي)) وَالْمعْنَى أَن سُلَيْمَان أعطي ملكة الْجِنّ فَلم أرد أَن أزاحمه فِيمَا أعطي. وَقَوله: ((فرددته خاسئا)) الخاسئ. المبعد الصاغر، يُقَال: خسأته فخسأ وخسئ وانخسأ: أَي أبعدته فَبعد. ١٩٦٩ - / ٢٤٣٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((أما يخْشَى أحدكُم إِذا رفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس حمَار، أَو يَجْعَل صورته صُورَة حمَار)) . هَذِه اللَّفْظَة الْأَخِيرَة تَأْوِيل من قَالَ: رَأس حمَار فِي البلادة،

стр. 1584

وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه لَو عقل أمره لعرف عَظمَة المعبود، فَأوجب التَّعَبُّد عَلَيْهِ الْخُشُوع، فَإِذا لم يعرف كَانَ كالبهيمة، فَلم يَأْمَن أَن يمسخ بَهِيمَة. ١٩٧٠ - / ٢٤٣١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أَسْبغُوا الْوضُوء؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: ((ويل لِلْعَرَاقِيبِ من النَّار)) . إسباغ الْوضُوء: إِتْمَامه، يُقَال: ثوب سابغ، وَدرع سابغ. والعراقيب جمع عرقوب، قَالَ الزّجاج: العرقوب: هُوَ الْعصبَة الْوَاصِلَة بَين السَّاق والعقب من وَرَاء الْقدَم، والأعقاب جمع عقب: وَهُوَ مَا أصَاب الأَرْض من مُؤخر الرجل إِلَى مَوضِع الشرَاك، وَالْمعْنَى: ويل لَهَا إِذا عوقبت بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة. ١٩٧١ - / ٢٤٣٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: أَخذ الْحسن تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((كخ كخ)) . هَذَا زجر للصَّبِيّ وردع لَهُ؛ لِأَن الصَّدَقَة لم تكن تحل لَهُ. ١٩٧٢ - / ٢٤٣٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَتَيْنِ: ((صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غمي عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ)) كَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن آدم. وَفِي لفظ لمُسلم: ((فعدوا ثَلَاثِينَ)) وَفِي لفظ لَهُ: ((فصوموا ثَلَاثِينَ)) .

стр. 1585

الأول حجَّة لمن لم ير صَوْم يَوْم الْغَيْم، وهم يدعونَ أَنه حجَّة قَاطِعَة، وَإِذا شِئْنَا أَن نتكلم عَلَيْهِ نصرا لرِوَايَة وجوب الصَّوْم إِذا غم الْهلَال قُلْنَا: هَذَا اللَّفْظ إِنَّمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن آدم عَن شُعْبَة. وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ وَقَالَ فِيهِ: ((فَإِن غم عَلَيْكُم الشَّهْر فعدوا ثَلَاثِينَ)) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَقد روينَا هَذَا الحَدِيث عَن غنْدر وَابْن مهْدي وَابْن علية وَعِيسَى بن يُونُس وشبابة وَعَاصِم بن عَليّ وَالنضْر بن شُمَيْل وَيزِيد بن هَارُون وَأَبُو دَاوُد كلهم عَن شُعْبَة وَلم يذكر أحد مِنْهُم: ((فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ)) فَيجوز أَن يكون آدم قَالَ ذَلِك من عِنْده على وَجه التَّفْسِير للْخَبَر، وَإِلَّا فَلَيْسَ لانفراد البُخَارِيّ عَنهُ بِهَذَا من بَين من رَوَاهُ عَنهُ وَجه. وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِيهِ: ((فعدوا ثَلَاثِينَ)) يَعْنِي عدوا شعْبَان ثَلَاثِينَ. وَقَالَ: أخرجه البُخَارِيّ عَن آدم فَقَالَ فِيهِ: ((فعدوا شعْبَان)) وَلم يقل: يَعْنِي. وَهَذَا يدل على أَن قَوْله يَعْنِي من بعض الروَاة، وَالظَّاهِر أَنه آدم وَأَنه قَوْله. وَقد روى هَذَا الحَدِيث ابْن عَبَّاس مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَلم يقل فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: ((فأكملوا عدَّة شعْبَان)) غير آدم أَيْضا، وَهَذَا يدل على أَن الْكل تَفْسِير مِنْهُ. وَمَا ذكرنَا من اللَّفْظ الْأَخير، وَهُوَ قَوْله: ((فصوموا ثَلَاثِينَ)) يدل على أَن المُرَاد بقوله: ((فعدوا)) عد رَمَضَان لَا شعْبَان، وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ((صُومُوا

стр. 1586

لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ، ثمَّ أفطروا)) وَكَذَلِكَ رُوِيَ من حَدِيث رَافع بن خديج. وعَلى هَذَا لَا يبْقى لَهُم حجَّة فِي الحَدِيث. ١٩٧٣ - / ٢٤٣٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لأذودن رجَالًا عَن حَوْضِي)) . أَي لأطردن، يُقَال: ذدته أذوده ذودا: إِذا طردته، وَإِذا وَردت الْإِبِل المَاء فَدخلت فِيهَا غَرِيبَة من غَيرهَا طردت وَضربت حَتَّى تخرج. وَقَوله: ((فيحلئون عَنهُ)) أَي يمْنَعُونَ، يُقَال: حلأت الرجل عَن المَاء: إِذا منعته أَن يرد، قَالَ الشَّاعِر: ( ... . . ... محلأ عَن سَبِيل الود مصدود) وَمن روى ((يجلون)) بِالْجِيم أَرَادَ يطردون، يُقَال: جلا الْقَوْم عَن مَنَازِلهمْ وأجليتهم أَنا: إِذا أخرجتهم. والقهقرى: الرُّجُوع إِلَى الْخلف.

стр. 1587

والهمل: الْمُهْملَة الَّتِي لَيْسَ مَعهَا رَاع وَلَا حَافظ وَلَا يكَاد يسلم مِنْهَا من السبَاع وَغَيرهَا إِلَّا الْقَلِيل. وَقيل: الهمل: مَا يهمل فَلَا يرْعَى وَلَا يسْتَعْمل، بل يتْرك مهملا فيضيع وَيهْلك. ١٩٧٤ - / ٢٤٣٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((بَينا رجل يتبختر)) . التَّبَخْتُر: مشْيَة فِيهَا تمايل. والحلة: ثَوْبَان من جنس وَاحِد، وَقد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند عمر. والجمة من الْإِنْسَان: مجمع شعر ناصيته، وَهِي جمة إِذا بلغت الْمَنْكِبَيْنِ، فَإِذا كَانَت إِلَى شحمة الْأُذُنَيْنِ فَهِيَ وفرة. والخسف: غموض ظَاهر الأَرْض وسؤوخها بِمَا عَلَيْهَا. وَقَوله: ((فَهُوَ يتجلجل فِيهَا)) الجلجلة: الْحَرَكَة المزعجة، وكل شَيْء حرك وخلط بعضه بِبَعْض فقد جلجل. وَالْمعْنَى أَنه يهوى بِهِ ويزعج فِي الْخَسْف بالحركة العنيفة. ١٩٧٥ - / ٢٤٣٧ - والْحَدِيث السبعون بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند عَليّ ﵇، وَفِيه: ((هلك كسْرَى ثمَّ لَا يكون كسْرَى بعده، وَقَيْصَر ليهلكن ثمَّ لَا يكون قَيْصر بعده)) وَقد سبق الْكَلَام فِي اسْم كسْرَى فِي مُسْند عدي بن حَاتِم، وَفِي اسْم قَيْصر فِي مُسْند جَابر بن سَمُرَة،

стр. 1588

وفسرنا معنى الحَدِيث هُنَالك. ١٩٧٦ - / ٢٤٣٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((غزا نَبِي فَقَالَ: لَا يَتبعني رجل ملك بضع امْرَأَة وَهُوَ يُرِيد أَن يَبْنِي بهَا وَلم يبن)) . الْبضْع: الْفرج، والمباضعة: المجامعة. وَالْبناء بِالْمَرْأَةِ: الدُّخُول بهَا، وأصل ذَلِك أَنهم كَانُوا يبنون بِنَاء لمن أَرَادَ أَن يدْخل بِزَوْجَتِهِ. والخلفات جمع خلفة: وَهِي النَّاقة الْحَامِل، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة جمع الْهم، فَإِن الْهم إِذا تفرق ضعف فعل الْجَوَارِح، وَإِذا اجْتمع قوي، وَكَانَ من عَادَة الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة أَنهم إِذا غزوا فغنموا نزلت نَار فَأكلت الْغَنَائِم، وَكَأَنَّهُم كَانُوا يحملون بِهَذَا على خلوص النِّيَّة فِي الْغَزَوَات لِئَلَّا يَقع قِتَالهمْ لأجل الْغَنِيمَة، فأبيحت الْغَنَائِم لهَذِهِ الْأمة لطفا بهَا، وَكَأَنَّهَا لما غلب الْإِخْلَاص عَلَيْهَا لم تحتج إِلَى باعث عَلَيْهِ، فَكَانَ الْإِخْلَاص فِي الْجِهَاد أصل قَصدهَا، فَصَارَت الْغَنِيمَة تبعا. ١٩٧٧ - / ٢٤٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((قيل لبني إِسْرَائِيل: ادخُلُوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة، فبدلوا فَدَخَلُوا يزحفون على أستاههم، وَقَالُوا: حَبَّة فِي شَعْرَة)) .

стр. 1589

من تَأمل هَذَا الحَدِيث علم فرق مَا بَين أمتنَا وَبني إِسْرَائِيل، فَإِن أُولَئِكَ لما أذنبوا دلوا على طَرِيق التَّوْبَة وأتوها متلاعبين بِالدّينِ، وَهَذَا يدل على أَن الذُّنُوب مَا آلمتهم، وَلَا دخل خوف الْجَزَاء عَلَيْهَا فِي قُلُوبهم، وَلَا اكترثوا بالتحذير من عواقبها، وَلَا سروا بِالدّلَالَةِ على طَرِيق النجَاة من شَرها. وَمن كَانَ تلاعبه فِي أصل دينه وَمَعَ نبيه وَفِي بَاب تَوْبَته فَهُوَ فِي غَايَة الْبعد. وَهَذِه الْأمة إِذا أذْنب مذنبهم انْكَسَرَ وَبكى وَاعْتذر، ثمَّ لَا يزَال ينصب ذَنبه بَين عَيْنَيْهِ وَيَوَد أَن لَو مُحي بِكُل مَا يقدر عَلَيْهِ، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعلنَا من هَذِه الْأمة. ١٩٧٨ - / ٢٤٤٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((كَانَ مُوسَى يغْتَسل وَحده، فَقَالُوا: مَا يمنعهُ أَن يغْتَسل مَعنا إِلَّا أَنه آدر)) . قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الآدر: عَظِيم الخصيتين، يُقَال: رجل آدر بَين الأدرة والأدرة. والشرج: أَن تعظم وَاحِدَة وتصغر الْأُخْرَى. والمويه تَصْغِير المَاء. وجمح: أسْرع إسراعا لَا يردهُ شَيْء. وَالْمَلَأ: الْأَشْرَاف. وطفق: أَخذ فِي الْفِعْل.

стр. 1590

وَالنَّدْب: الْأَثر، قَالَ ذُو الرمة: ( ... ... ... ملساء، لَيْسَ بِهِ خَال وَلَا ندب) فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ جَازَ لمُوسَى أَن يمشي بَين بني إِسْرَائِيل مَكْشُوف الْعَوْرَة؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مُوسَى كَانَ فِي خلْوَة كَمَا بَين فِي الحَدِيث، فَلَمَّا تبع الْحجر لم يكن عِنْده أحد، فاتفق أَنه جَازَ على قوم فرأوه، وجوانب الْأَنْهَار وَإِن خلت لَا يُؤمن وجود قريب مِنْهَا، فَبنى مُوسَى الْأَمر وَأَنه لَا يرَاهُ أحد على مَا رَآهُ من خلاء الْمَكَان، فاتفق من رَآهُ. وَالثَّانِي: أَن مُوسَى إِنَّمَا نزل إِلَى المَاء مؤتزرا، فَلَمَّا خرج يتبع الْحجر وَهُوَ مبتل بِالْمَاءِ تبين أَنه لَيْسَ بآدر، لِأَن الأدرة تبين تَحت الثَّوْب المبتل بِالْمَاءِ، سمعته من الْحسن عَن أبي بكر النَّيْسَابُورِي الْفَقِيه. وَقَوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى﴾ [الْأَحْزَاب: ٦٩] أَي لَا تُؤْذُوا مُحَمَّد كَمَا آذَى بَنو إِسْرَائِيل مُوسَى. وَقد اخْتلف الْعلمَاء بِمَاذَا آذوا مُوسَى على أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم قَالُوا: آدر، كَمَا ذكرنَا. وَالثَّانِي: أَنه صعد الْجَبَل وَمَعَهُ هَارُون فَمَاتَ هَارُون فَقَالُوا: أَنْت قتلته، قَالَه عَليّ بن أبي طَالب. وَالثَّالِث: أَن قَارون اسْتَأْجر بغية لتقذف مُوسَى بِنَفسِهَا على مَلأ من بني إِسْرَائِيل فعصمها الله وبرأ مُوسَى من ذَلِك، قَالَه أَبُو الْعَالِيَة. وَالرَّابِع: أَنهم رَمَوْهُ بِالسحرِ وَالْجُنُون،

стр. 1591

حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ. وَقَوله: ﴿وَكَانَ عِنْد الله وجيها﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: حظيا، لَا يسْأَله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ. ١٩٧٩ - / ٢٤٤١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ)) وَسبق بَيَان الحَدِيث فِي مُسْند جَابر بن عبد الله. ١٩٨٠ - / ٢٤٤٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((إِذا أنفقت الْمَرْأَة من كسب زَوجهَا من غير أمره فَلهُ نصف أجره)) . وَأما إنفاقها من كَسبه عَن غير أمره فَالْمُرَاد بِهِ مَا جعله بحكمها كالملك لَهَا وَلم يأمرها بالتصدق مِنْهُ، فلهَا أجر الصَّدَقَة وَله أجر الْكسْب. وَالْمرَاد بِالصَّوْمِ النَّافِلَة، فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، لِأَنَّهُ رُبمَا أرادها. وَلَا يجوز لَهَا أَن تَأذن فِي بَيته إِلَّا بِإِذْنِهِ. ١٩٨١ - / ٢٤٤٣ - والْحَدِيث السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند أبي ذَر. ١٩٨٢ - / ٢٤٤٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ:

стр. 1592

((خلق الله آدم وَطوله سِتُّونَ ذِرَاعا)) وَفِي بعض الرِّوَايَات: ((خلق الله آدم على صورته، ثمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسلم على أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة فاستمع مَا يحيونك بِهِ. فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، فَقَالُوا: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله، فزادوه: وَرَحْمَة الله)) . أما قَوْله: ((خلق الله آدم على صورته)) فللناس فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب: أَحدهَا: مَذْهَب جُمْهُور السّلف وَهُوَ السُّكُوت عَن تَفْسِير هَذَا وَأَمْثَاله. وَالثَّانِي: أَن الْهَاء رَاجِعَة إِلَى آدم، فَيكون الْمَعْنى: أَنه خلقه على تِلْكَ الْحَال وَلم يَنْقُلهُ من نُطْفَة إِلَى علقَة، وَهَذَا مَذْهَب أبي سُلَيْمَان الْخطابِيّ. وَالثَّالِث: أَنَّهَا ترجع إِلَى الله سُبْحَانَهُ، فَهِيَ مُضَافَة إِضَافَة ملك لَا إِضَافَة ذَات، كَمَا أضَاف الرّوح الَّتِي نفخت فِي آدم إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ [ص: ٧٢] وَهَذَا مَذْهَب ابْن عقيل. قَالَ: وَإِنَّمَا خص آدم بِإِضَافَة الصُّورَة إِلَيْهِ لخصيصة فِيهِ، وَهِي السلطنة الَّتِي تشاكل الإلهية استعبادا وسجودا واستخداما وأمرا نَافِذا وسياسات يعمر بهَا الْبِلَاد وَيصْلح بهَا من أَمر الْعباد، وَلَيْسَ فِي الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة من يجْتَمع على طَاعَته نَوعه وقبيله سوى الْآدَمِيّ، وَهَذِه الصُّورَة هِيَ حَال، وَالصُّورَة قد تقع على الْحَال، فَهَذَا مَوضِع حمل الصُّورَة على الصُّورَة، وَهِي حمل حَال الْخلَافَة والمملكة والسلطنة على حَال الإلهية. وَأما التَّحِيَّة هَا هُنَا فَهِيَ السَّلَام. وَقَوله: السَّلَام عَلَيْك قد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.

стр. 1593

فَأَما الزِّيَادَة على الْمُسلم فَهُوَ أَنه إِذا قَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، قيل لَهُ: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله، فَإِذا قَالَ هَذَا كُله قيل لَهُ مثله وَزيد: وَبَرَكَاته، أَو يُقَال لَهُ: وَعَلَيْكُم السَّلَام، فَيكون ذَلِك رد الْكل، وَإِلَى هَذَا يَنْتَهِي السَّلَام. ١٩٨٣ - / ٢٤٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((رأى عِيسَى بن مَرْيَم رجلا يسرق، فَقَالَ لَهُ: أسرقت؟ قَالَ: كلا، وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنت بِاللَّه وكذبت عَيْني)) . فَإِن قَالَ قَائِل: أَعلَى الْيَقِين الْمُشَاهدَة، فَكيف يكذب وَيقدم قَول زاعم؟ فَالْجَوَاب: من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن النَّاظر إِلَى الشَّيْء قد لَا يتثبت فِي نظره فَلَا يحصل لَهُ الْيَقِين. وَالثَّانِي: أَن يكون هَذَا من المعاريض، وَيكون تَقْدِيره: كذبت عَيْني فِي غير هَذَا. ١٩٨٤ - / ٢٤٤٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((اشْترى رجل عقارا)) . وَالْعَقار: الضَّيْعَة وَالنَّخْل. ١٩٨٥ - / ٢٤٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما وَاحِدَة. .)) الفئة: الْجَمَاعَة.

стр. 1594

وَالدَّعْوَى: الإنتماء، كَمَا فسرناه دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فِي مُسْند جَابر. وَمعنى ((دعواهما وَاحِدَة)) انتماؤهما إِلَى دين وَاحِد. وَقَوله: ((حَتَّى يبْعَث دجالون)) أصل الْبَعْث الإثارة. والدجال: الْكذَّاب. وَقبض الْعلم قد سبق فِي مُسْند أنس. وَقَوله: ((يتقارب الزَّمَان)) قد فسرناه فِي أول هَذَا الْمسند. واللقحة وَاحِد اللقَاح: وَهِي النَّاقة ذَات اللَّبن، وَيُقَال: الملاقيح والملاقح أَيْضا للحوامل. ولاط فلَان حَوْضه يلوطه ويليطه: إِذا طينه بالطين وسد خروقه ليحفظ لَهُ المَاء فِي سقِِي دوابه. وأصل اللوط اللصوق، يُقَال: لَا يلتاط هَذَا بصفري: أَي لَا يلتصق بقلبي. والأكلة: اللُّقْمَة. قَالَ لنا شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: الْأكلَة بِالضَّمِّ: اللُّقْمَة، والأكلة بِالْفَتْح: الْمرة، والإكلة بِالْكَسْرِ: الْحَالة. ١٩٨٦ - / ٢٤٤٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((اشْتَدَّ غضب الله على قوم فعلوا بِنَبِيِّهِ - يُشِير إِلَى رباعيته - اشْتَدَّ غضب الله على رجل يقْتله رَسُول فِي سَبِيل الله)) . الرّبَاعِيّة مبينَة فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. وَإِنَّمَا اشْتَدَّ غضب الله على

стр. 1595

رجل يقْتله رَسُول الله، لِأَن الرَّسُول يُرْجَى مِنْهُ الرَّحْمَة، فَإِذا اشْتَدَّ غَضَبه وَأخرج إِلَى الْقَتْل دلّ على أَن الْمَقْتُول فِي غَايَة الشَّقَاء. وَقد قتل ﵇ أبي بن خلف يَوْم أحد. ١٩٨٧ - / ٢٤٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((تَحَاجَّتْ الْجنَّة وَالنَّار)) . وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند أبي سعيد، وفسرنا هُنَاكَ معنى المتكبرين والضعفاء. وَقَوْلها: أُوثِرت: أَي خصصت. والسقط: المزدرى بِهِ. وَقَوله: ((وغرتهم)) الْغرَّة كالغفلة، والغر: الَّذِي لم يجرب الْأُمُور. وَالْعجز جمع عَاجز، وَكَأَنَّهُم عجزوا عَن اكْتِسَاب الدُّنْيَا شغلا باكتساب الْآخِرَة. وَقَوله: ((يضع قدمه)) قد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند أنس، وَبينا معنى قطّ قطّ، وتكلمنا هُنَاكَ فِي قَوْله: ((وينشئ للجنة خلقا)) . وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: ((يضع رجله)) مَكَان قَوْله ((قدمه)) وَهُوَ من رِوَايَة مُحَمَّد بن رَافع، وَكَانَ رجلا صَالحا، ظن أَن الْقدَم

стр. 1596

بِمَعْنى الرجل. وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند أنس أَيْضا. وَبينا أَن الرجل تكون بِمَعْنى الْجَمَاعَة، كَمَا يُقَال رجل من جَراد. ١٩٨٨ - / ٢٤٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((الْعين حق)) وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. وَقَوله: لعن الْوَاصِلَة. قد ذكرنَا الْوَاصِلَة والواشمة فِي مُسْند ابْن عمر. ١٩٨٩ - / ٢٤٥١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ)) وَقد تقدم هَذَا فِي هَذَا الْمسند. وَفِي هَذَا الحَدِيث: ((وَالله لِأَن يلج أحدكُم بِيَمِينِهِ فِي أَهله آثم لَهُ عِنْد الله من أَن يُعْطي كَفَّارَته الَّتِي افْترض الله عَلَيْهِ)) وَفِي لفظ: ((من استلج فِي أَهله بِيَمِينِهِ فَهُوَ أعظم، لَيْسَ تغني الْكَفَّارَة)) . لج واستلج واستلجج فِي يَمِينه، من اللجاج: وَهُوَ أَن يسْتَمر على حكم الْيَمين وَترك التَّكْفِير وَهُوَ يعلم أَن الْحِنْث أفضل، كَأَنَّهُ حلف أَلا يصل قرَابَته وَلَا يطَأ زَوجته، فإقامته على ذَلِك شَرّ لَهُ من أَن يكفر وَإِن كَانَت الْكَفَّارَة لَيست شرا. وَقَوله: ((لَيْسَ تغني الْكَفَّارَة)) كَأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى إثمه فِي قَصده أَلا يبر

стр. 1597

وَلَا يفعل الْخَيْر، فَلَو كفر لم تدفع الْكَفَّارَة سوء ذَلِك الْقَصْد. وَبَعْضهمْ يفتح نون تغني، من قَول عُثْمَان: أغنها عَنَّا: أَي اصرفها عَنَّا واتركها، فَيكون الْمَعْنى أَن الْكَفَّارَة لَا يَنْبَغِي أَن تتْرك. ١٩٩٠ - / ٢٤٥٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَا يشر أحدكُم إِلَى أَخِيه بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَان ينزغ فِي يَده فَيَقَع فِي حُفْرَة من النَّار)) . قد فسره أَبُو عبد الله الْحميدِي على أَن نيزع بالغين الْمُعْجَمَة وَقَالَ: النزغ: الْفساد، وَمِنْه: ﴿نَزغ الشَّيْطَان بيني وَبَين إخوتي﴾ [يُوسُف: ١٠٠] أَي أفسد، قَالَ: فَنهى عَن الْإِشَارَة بالحديد خوفًا من أَن يتَّفق الْفساد فِي ذَلِك فيأثم، وَيحْتَمل أَن يكون ينْزع بِالْعينِ، من نزعت فِي الْقوس: إِذا مددتها، فَيكون الْمَعْنى: لَعَلَّ الشَّيْطَان يمد يَده عِنْد الْإِشَارَة فيجرح الْمُسلم أَو يقْتله. ١٩٩١ - / ٢٤٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَا يقل أحدكُم: أطْعم رَبك، وَليقل: سَيِّدي، مولَايَ. وَلَا يقل أحدكُم: عَبدِي وَأمتِي، وَليقل: فَتَاي وَفَتَاتِي وَغُلَامِي)) . المُرَاد بهَا نفي الْمُشَاركَة فِيمَا هُوَ اسْم علم لله ، فَإِن

стр. 1598

الرب من أَسمَاء الْحق - سُبْحَانَهُ - الْأَعْلَام، وَكَذَلِكَ العَبْد إِنَّمَا يُضَاف غَالِبا إِلَى الله . ١٩٩٢ - / ٢٤٥٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَوْلَا بَنو إِسْرَائِيل لم يخنز اللَّحْم، وَلَوْلَا حَوَّاء لم تخن أُنْثَى زَوجهَا)) . قَوْله: ((لم يخنز اللَّحْم)) لم يتَغَيَّر وينتن. قَالَ أَبُو عبيد: خنز يخنز، وخنز يخنز، وخزن يخزن، وَقَالَ طرفَة: (ثمَّ لَا يخزن فِينَا لَحمهَا ... إِنَّمَا يخزن لحم المدخر) وَيُقَال: صل اللَّحْم وأصل، وخم وأخم، وثنت ونثت: إِذا أروح وَتغَير. وَأما خِيَانَة حَوَّاء زَوجهَا فَإِنَّهَا كَانَت فِي ترك النَّصِيحَة فِي أَمر الشَّجَرَة لَا فِي غير ذَلِك. وَالْمرَاد أَن بني إِسْرَائِيل لما نهوا أَن يدخروا فخالفوا فسد اللَّحْم، واطردت الْحَال فِيهِ عِنْد كل مدخر. وَلما خانت حَوَّاء زَوجهَا اطردت الْحَال فِي بناتها. ١٩٩٣ - / ٢٤٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَا ينظر الله إِلَى من جر إزَاره بطرا)) .

стр. 1599

البطر: الطغيان عِنْد النِّعْمَة. وَالْمعْنَى أَن الله معرض عَنهُ غير مقبل عَلَيْهِ. ١٩٩٤ - / ٢٤٥٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت، إِمَّا محسنا فَلَعَلَّهُ يزْدَاد، أَو مسيئا فَلَعَلَّهُ يستعتب)) . اعْلَم أَن تمني الْمَوْت اخْتِيَار من العَبْد لنَفسِهِ مَا يظنّ فِيهِ الْخيرَة، والخيرة غَائِبَة عَن الْآدَمِيّ لَا يعلمهَا، وَالْمُؤمن إِذا بَقِي ازْدَادَ خيرا أَو تَابَ من شَرّ. والإستعتاب: الرُّجُوع عَن الْإِسَاءَة إِلَى الْإِحْسَان. ١٩٩٥ - / ٢٤٥٧ - وَفِي الحَدِيث التسعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((وَلَقَاب قَوس أحدكُم فِي الْجنَّة خير مِمَّا تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس أَو تغرب)) . القاب: الْقدر. وَقيل: القاب من الْقوس: مَا بَين المقبض إِلَى السية، وَلكُل قَوس قابان. وسية الْقوس: طرفها. والغدو: أول النَّهَار، والغدوة: الفعلة الْوَاحِدَة. والرواح: من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل. والروحة: الفعلة الْوَاحِدَة. ١٩٩٦ - / ٢٤٥٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((إِذا قَاتل أحدكُم أَخَاهُ فليجتنب الْوَجْه، فَإِن الله خلق آدم على صورته)) . قد أوسعنا الْكَلَام فِي هَذَا قبل عشرَة أَحَادِيث، وَبينا أَن كثيرا من

стр. 1600

السّلف كَانَ يسكت عَن الْكَلَام فِي هَذَا. وَقد قَالَ قوم: المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث أَن الله تَعَالَى خلق آدم على صُورَة هَذَا الْمَضْرُوب، فَيَنْبَغِي أَن يحترم لأجل آدم. ١٩٩٧ - / ٢٤٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((يضْحك الله إِلَى رجلَيْنِ)) . قد ذكرنَا أَن أَكثر السّلف كَانُوا يمتنعون من تَفْسِير مثل هَذَا ويمرونه كَمَا جَاءَ، وَيَنْبَغِي أَن تراعى قَاعِدَة فِي هَذَا قبل الإمرار: وَهِي أَنه لَا يجوز أَن يحدث لله صفة، وَلَا تشبه صِفَاته صِفَات الْخلق، فَيكون معنى إمرار الحَدِيث الْجَهْل بتفسيره. وَقَالَ الْخطابِيّ: الضحك الَّذِي يعتري الْبشر عِنْدَمَا يستخفهم الْفَرح أَو يستفزهم الطَّرب غير جَائِز على الله سُبْحَانَهُ، وَإِنَّمَا هَذَا مثل مَضْرُوب لهَذَا الصَّنِيع الَّذِي يحل مَحل الْعجب عِنْد الْبشر، فَإِذا رَأَوْهُ أضحكهم. وَمعنى يضْحك فِي صفة الله الْإِخْبَار عَن الرِّضَا بِفعل أحد هذَيْن وَالْقَبُول للْآخر ومجازاتهما على صنيعهما الْجنَّة مَعَ تبَاين مقاصدهما. ١٩٩٨ - / ٢٤٦١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((الْمُؤمن يَأْكُل فِي معى وَاحِد)) قد سبق الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مُسْند أبي مُوسَى.

стр. 1601

١٩٩٩ - / ٢٤٦٥ - وَمَا بعد هَذَا قد تقدم إِلَى الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ،، فِيهِ: ((لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل صَلَاة)) . وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب: لِأَنَّهُ أعلمهم أَنه لَو أَمر لوَجَبَ. وَلَا يحسن أَن يُقَال: يجوز أَن يَأْمُرهُم وَيكون أَمر ندب، لِأَنَّهُ لَا يصرف أمره إِلَى النّدب إِلَّا بِقَرِينَة، وَهُوَ بِهَذَا القَوْل قد ندب. ٢٠٠٠ - / ٢٤٦٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: ((حجبت النَّار بالشهوات ﷺ وحجبت الْجنَّة بالمكاره)) وَفِي لفظ: ((حفت)) . حجبت بِمَعْنى سترت. وَالشَّيْء لَا يُوصل إِلَيْهِ إِلَّا بعد كشف ستره ومجاوزه مَا حف بِهِ، وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أنس. ٢٠٠١ - / ٢٤٦٧ - وَفِي الحَدِيث الثلاثمائة: ((لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض، وَلَكِن الْغنى غنى النَّفس)) . الْعرض: جَمِيع الْأَمْوَال. وَالْمرَاد بِهِ أَنه من افْتَقَرت نَفسه لم يغنه شَيْء، وافتقارها يكون بالشره فَلَا يغنيها مَا يكفيها، وأنشدوا فِي هَذَا الْمَعْنى:

стр. 1602

(غنى النَّفس لمن يعقل ... خير من غنى المَال) (وَفضل النَّاس فِي الْأَنْفس ... لَيْسَ الْفضل فِي الْحَال) ٢٠٠٢ - / ٢٤٦٨ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الثلاثمائة: ((لَا يصل أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه مِنْهُ شَيْء)) . قَالَ الزّجاج: صفحة الْعُنُق من مَوضِع الرِّدَاء من الْجَانِبَيْنِ يُقَال لَهَا العاتق. وَهَذَا الحَدِيث يدل على مَذْهَبنَا، فَإِن عندنَا أَن ستر الْمَنْكِبَيْنِ وَاجِب فِي صَلَاة الْفَرْض دون النَّفْل. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يجب فيهمَا وَإِنَّمَا يسْتَحبّ. ٢٠٠٣ - / ٢٤٦٩ - والْحَدِيث الثَّانِي بعد الثلاثمائة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. ٢٠٠٤ - / ٢٤٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الثلاثمائة: ((دَعونِي مَا تركتكم؛ إِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ)) . قد بَين فِي الحَدِيث سَبَب قَوْله هَذَا، وَهُوَ أَنه لما قَالَ: ((أَيهَا

стр. 1603

النَّاس، قد فرض عَلَيْكُم الْحَج فحجوا)) . قَالَ رجل: كل عَام؟ فَسكت، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ وَلما اسْتَطَعْتُم)) ثمَّ قَالَ: ((ذروني مَا تركتكم)) فَأَرَادَ مِنْهُم ﷺ أَن يقومُوا بظواهر الْأَوَامِر من غير تعمق وتكلف، فَإِن قَوْله: ((قد فرض عَلَيْكُم الْحَج)) يَكْفِي فِي امْتِثَال هَذَا حجَّة وَاحِدَة، فالسؤال: هَل هُوَ كل عَام؟ تكلّف وتعمق. وَمثل هَذَا جرى لبني إِسْرَائِيل حِين قَالَ لَهُم: (اذبحوا بقرة) فَلَو اعْترضُوا بقرة فذبحوها كَانُوا قد عمِلُوا بِمُقْتَضى الْخطاب، وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد عَلَيْهِم. وَقَوله: ((إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم)) قد دلّ على وجوب الْمَقْدُور عَلَيْهِ من جَمِيع المأمورات، فَإِن من لم يُمكنهُ الصَّلَاة قَاعِدا صلى على جنب، وَكَذَلِكَ إِذا وجد من المَاء بعض مَا يَكْفِي فِي الطَّهَارَة فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلهُ ثمَّ يتَيَمَّم لما بَقِي، إِن كَانَت جَنَابَة فَلَا خلاف فِي الْمَذْهَب، وَإِن كَانَ وضُوءًا فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَان، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ، الْمَنْصُور عندنَا وَعِنْدهم اسْتِعْمَاله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يلْزم اسْتِعْمَاله فِي الطهارتين. ٢٠٠٥ - / ٢٤٧١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الثلاثمائة: ((لَا يَأْتِي ابْن آدم النّذر بِشَيْء لم أكن قدرته)) . وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند ابْن عمر. ٢٠٠٦ - / ٢٤٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الثلاثمائة: أَن رجلا

стр. 1604

خرج بِصَدقَة فَوَقَعت فِي يَد سَارِق، ثمَّ خرج بِصَدقَة فَوَقَعت فِي يَد زَانِيَة ... . وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن الثَّوَاب يكون بنية الْمُتَصَدّق وَإِن لم يُصَادف أَهلا. ٢٠٠٧ - / ٢٤٧٣ - والْحَدِيث السَّادِس بعد الثلاثمائة: قد سبق فِي مُسْند جَابر بن عبد الله. ٢٠٠٨ - / ٢٤٧٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الثلاثمائة: ((كَانَت امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابناهما، فجَاء الذِّئْب فَذهب بِابْن إِحْدَاهمَا، فَقَالَت لصاحبتها: إِنَّمَا ذهب بابنك، فتحاكمتا إِلَى دَاوُد، فَقضى بِهِ للكبرى، فَقَالَ سُلَيْمَان: ائْتُونِي بالسكين أشقه بَينهمَا، فَقَالَت الصُّغْرَى: لَا تفعل، هُوَ ابْنهَا، فَقضى بِهِ للصغرى)) . أما دَاوُد ﵇ فَرَأى استواءهما فِي الْيَد فَقدم الْكُبْرَى لأجل السن، وَأما سُلَيْمَان ﵇ فَرَأى الْأَمر مُحْتملا، فاستنبط فَأحْسن، فَكَانَ أحد فطنة من دَاوُد، وَكِلَاهُمَا حكم بالإجتهاد، لِأَنَّهُ لَو كَانَ دَاوُد حكم بِالنَّصِّ لم يسع سُلَيْمَان أَن يحكم بِخِلَافِهِ، وَلَو كَانَ مَا حكم بِهِ نصا لم يخف على دَاوُد. وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن الفطنة والفهم موهبة لَا بِمِقْدَار السن،

стр. 1605

قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب: وَفِيه دَلِيل على أَن الْحق فِي جِهَة وَاحِدَة، لِأَن سُلَيْمَان لَو وجد مساغا أَلا ينْقض على دَاوُد حكمه لفعل. ٢٠٠٩ - / ٢٤٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الثلاثمائة: ((يَد الله ملأى، لَا يغيضها نَفَقَة، سحاء اللَّيْل وَالنَّهَار)) . يغيض: ينقص. والسحاء: الدائمة الصب. يُقَال: سَحَابَة سحوح: أَي كَثِيرَة الصب. وَفرس مسح: أَي سريعة شَدِيدَة الْعَدو، تشبه بانصباب الْمَطَر. وَقَوله: ((بِيَدِهِ الْمِيزَان)) قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: ذكر الْمِيزَان مثل، وَإِنَّمَا هُوَ قسمه بِالْعَدْلِ بَين الْخلق، يخْفض من يَشَاء وَيرْفَع من يَشَاء، ويوسع على من يَشَاء، كَمَا يصنع الْوزان عِنْد الْوَزْن. قَوْله: ((وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْض وَالْقَبْض)) الْفَيْض من فاض الشَّيْء، فيشار بِهَذَا إِلَى سَعَة الْعَطاء. وَالْقَبْض ضد الْبسط، فيشار بِهَذَا إِلَى الْمَنْع، وَهُوَ أليق لمقابلته الْإِعْطَاء. ٢٠١٠ - / ٢٤٧٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر بعد الثلاثمائة: ((إِن لله مَلَائِكَة سيارة فضلا)) . أَي يزِيدُونَ على كتاب النَّاس ويفضلون عَنْهُم. ٢٠١١ - / ٢٤٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر بعد الثلاثمائة: ((الْوَلَد

стр. 1606

للْفراش، وللعاهر الْحجر)) . الْمَعْنى: الْوَلَد لصَاحب الْفراش وَهُوَ الزَّوْج؛ لِأَن الزَّانِي لَا فرَاش لَهُ. وَقَالَ قوم: الْفراش: الزَّوْج، وَاحْتَجُّوا بقول جرير: (باتت تعارضه وَبَات فراشها ... ... . .) قَالَ ابْن فَارس: وعَلى هَذَا يجوز أَن يكون الزَّوْج قد استعير لَهُ اسْم الْمَرْأَة كَمَا اشْتَركَا فِي اللبَاس وَالزَّوْج. والعهر: الزِّنَا. وَمعنى قَوْله: ((للعاهر الْحجر)) أَي: لَا حَظّ لَهُ فِي نسب الْوَلَد، كَمَا تَقول: لَهُ التُّرَاب، أَي لَا شَيْء لَهُ. ٢٠١٢ - / ٢٤٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الثلاثمائة: قضى رَسُول الله ﷺ إِذا تشاجروا فِي الطَّرِيق بسبعة أَذْرع. تشاجروا واشتجروا بِمَعْنى تنازعوا وَاخْتلفُوا. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَوجه هَذَا الحَدِيث أَن يكون هَذَا فِي الطَّرِيق الشارعة الَّتِي هِيَ معبر النَّاس، وَقد يكون ذَلِك فِي الطَّرِيق الْوَاسِع من شوارع الْمُسلمين يقْعد فِي حافتيه قوم من الباعة يرتفقون بهَا، فَإِن كَانَ الشَّارِع الْمَتْرُوك فِيهِ للمارة سَبْعَة أَذْرع لم يمنعوا من الْقعُود فِيهِ والإرتفاق بِهِ، وَإِن كَانَ ذَلِك

стр. 1607

أقل منعُوا لِئَلَّا تضيق الطَّرِيق على أَهلهَا. ٢٠١٣ - / ٢٤٨١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر بعد الثلاثمائة: ((يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكُم إِذا هُوَ نَام ثَلَاث عقد، يضْرب على كل عقدَة مَكَانهَا: عَلَيْك ليل طَوِيل فارقد)) . قافية الرَّأْس: مؤخره، وَقفا كل شَيْء وقافيته: آخِره، وَمِنْه سمي آخر بَيت الشّعْر قافية. قَالَ أَبُو عبيد: فَكَأَن معنى الحَدِيث: على قفا أحدكُم ثَلَاث عقد للشَّيْطَان. وَقَوله: ((عَلَيْك ليل طَوِيل)) أَي يَقُول لَهُ ذَلِك. وَمَتى مَا انتبه الْإِنْسَان وَقد أَخذ حظا من نَومه يَكْفِيهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتعلل عَن الْقيام، فَإِنَّهُ رُبمَا أَخذه النّوم إِلَى الْفجْر، وَقد كَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول: إِذا انْتَبَهت لم أقل نَفسِي. وَكَانَ آخر من الْعباد يَقُول: إِذا انْتَبَهت ثمَّ عدت أَنَام فَلَا أَنَام الله عَيْني. ٢٠١٤ - / ٢٤٨٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر بعد الثلاثمائة: ((إِذا نظر أحدكُم إِلَى من فضل عَلَيْهِ فِي المَال والخلق فَلْينْظر إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ)) . هَذَا من أحسن الْأَدَب، وَبِه يطيب الْعَيْش، فَإِن النَّفس تحب أَلا يفوقها أحد فِي شَيْء، فَإِذا نظرت إِلَى من قد فاقها انْكَسَرت، وَرُبمَا

стр. 1608

تسخطت مَا هِيَ فِيهِ، فَإِذا نظرت إِلَى من دونهَا عرفت قدر النِّعْمَة فَشَكَرت. وأجدر بِمَعْنى أَحَق. والازدراء: الاحتقار. وَمَا أحسن مَا قَالَ بعض الْعَرَب: (إِذا شِئْت أَن تحيا غَنِيا فَلَا تكن ... على حَالَة إِلَّا رضيت بِدُونِهَا) ٢٠١٥ - / ٢٤٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الثلاثمائة: ((إيَّاكُمْ وَالظَّن؛ فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث)) . المُرَاد بِهَذَا الظَّن القَوْل بِمُقْتَضى الظَّن، فَإِنَّهُ حكم على مَا لم يتَيَقَّن فَلذَلِك كَانَ أكذب الحَدِيث، فَأَما خواطر الْقلب فَإِنَّهَا لَا تملك فَلَا ينْهَى عَنْهَا. قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: الظَّن ظنان: فَظن هُوَ إِثْم: وَهُوَ أَن يظنّ وَيتَكَلَّم بِهِ، وَظن لَيْسَ بإثم: وَهُوَ أَن يظنّ وَلَا يتَكَلَّم بِهِ. وَمَا بعد هَذَا من الحَدِيث قد سبق إِلَى قَوْله: ((وَلَا تجسسوا)) والتجسس: التبحث وَالِاسْتِقْصَاء والفحص عَن بواطن الْأُمُور، وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي الشَّرّ، والجاسوس: صَاحب سر الشَّرّ، والناموس: صَاحب سر الْخَيْر. وَأما قَوْله: ((وَلَا تحسسوا)) بِالْحَاء فَقَالَ قوم - مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة: الْجِيم والحاء بِمَعْنى، فعلى هَذَا إِنَّمَا ذكره تَأْكِيدًا، فَخَالف بَين اللفظتين، كَقَوْل الشَّاعِر:

стр. 1609

( ... . . ... وألفى قَوْلهَا كذبا ومينا) قَالَ قوم - مِنْهُم يحيى بن أبي كثير: التَّجَسُّس بِالْجِيم: الْبَحْث عَن عورات النَّاس، وَبِالْحَاءِ: الِاسْتِمَاع لحَدِيث الْقَوْم. وَكَانَ أَبُو بكر ابْن مقسم يذهب بِالْجِيم إِلَى الإجتهاد فِي الطّلب، وَيَقَع على جَمِيع الْجَوَارِح، وَيذْهب بِالْحَاء إِلَى التسمع وَمد الْعين، من قَوْلك: أحسست الشَّيْء: إِذا سَمِعت حسه. والمنافسة: الْحِرْص على الشَّيْء بِطَلَب طَالبه الإنفراد بِهِ، وَذَلِكَ إِذا كَانَ فِي طلب الدُّنْيَا أوجب التباغض، وَأما احتقار الْمُسلمين فَإِنَّمَا ينشأ من الْكبر. ٢٠١٦ - / ٢٤٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الثلاثمائة: ((لَا يُؤمن أحدكُم الَّذِي لَا يَأْمَن جَاره بوائقه)) وَفِي لفظ: ((لَا يدْخل الْجنَّة. .)) . قَالَ أَبُو عبيد: البوائق: الغوائل وَالشَّر، يُقَال: أَصَابَتْهُم بائقة: أَي داهية، وباقتهم تبوقهم بوقا، وَكَذَلِكَ فقرتهم الفاقرة، وصلتهم الصالة، والصالة: الداهية. فَإِن قيل: فَهَل يخرج بِهَذَا من الْإِيمَان؟ فَالْجَوَاب: يخرج من كَمَال الْإِيمَان وَيُمكن أَن يُقَال إِن هَذِه الصّفة لَيست من صِفَات الْمُؤمن.

стр. 1610

فَإِن قيل: فَهَل يمْنَع هَذَا دُخُول الْجنَّة؟ فقد سبق مثل هَذَا مشروحا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. ٢٠١٧ - / ٢٤٨٦ - والْحَدِيث التَّاسِع عشر بعد الثلاثمائة: قد سبق فِي مُسْند أبي مُوسَى. ٢٠١٨ - / ٢٤٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين بعد الثلاثمائة: ((نعم المنيحة اللقحة منيحة، وَالشَّاة الصفي تَغْدُو بِإِزَاءِ وَتَروح بِإِنَاء)) . المنيحة: الْعَطِيَّة، وَهِي هَا هُنَا عَارِية يمنح قوم لَبنهَا ثمَّ يردونها. واللقحة بِكَسْر اللَّام: الشَّاة الَّتِي لَهَا لبن. وَبِفَتْحِهَا: الْمرة الْوَاحِدَة من الْحَلب. وَقيل: فِيهِ لُغَتَانِ: كسر اللَّام وَفتحهَا. وَالشَّاة الصفي والناقة الصفي: الْكَثِيرَة اللَّبن. وصفايا الْإِبِل: الغزار مِنْهَا. والصبوح: الشّرْب فِي وَقت الْغَدَاة. والغبوق: شرب الْعشي. وَفِي هَذَا الحَدِيث كَلِمَات أخر كلهَا قد سبق شرحها. ٢٠١٩ - / ٢٤٨٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الثلاثمائة: بعث رَسُول الله ﷺ عمر على الصَّدَقَة، فَقيل: منع ابْن جميل وخَالِد ابْن الْوَلِيد وعباس بن عبد الْمطلب، فَقَالَ: ((مَا ينقم ابْن جميل إِلَّا أَن

стр. 1611

كَانَ فَقِيرا فأغناه الله وَرَسُوله، وَأما خَالِد فَإِنَّكُم تظْلمُونَ خَالِدا، قد احْتبسَ أدراعه وأعبده)) - وَفِي لفظ: ((وأعتاده - فِي سَبِيل الله. وَالْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَمثلهَا مَعهَا)) - وَفِي رِوَايَة: ((فَهِيَ عَليّ وَمثلهَا مَعهَا)) . قَوْله: ((مَا ينقم)) أَي مَا يكره، يُقَال: نقم ينقم، ونقم ينقم، وَالْمعْنَى: أَنه لَا ينقم شَيْئا، قَالَ الله : ﴿وَمَا نقموا مِنْهُم إِلَّا أَن يُؤمنُوا بِاللَّه﴾ [البروج: ٨] وأنشدوا: (مَا نقم النَّاس من أُميَّة إِلَّا ... أَنهم يحلمون إِن غضبوا) (وَأَنَّهُمْ سادة الْمُلُوك وَلَا ... يصلح إِلَّا عَلَيْهِم الْعَرَب) وَالْمعْنَى: مَا ينقمون مِنْهُم شَيْئا، وَهَذَا من جنس قَول الشَّاعِر: (وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم ... بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب) أَي لَا عيب فيهم أصلا. وَقَوله: ((تظْلمُونَ خَالِدا)) فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه اعتذر لخَالِد، فَكَأَنَّهُ يَقُول: من تبرع بِمَا لَا يجب من الْوَقْف كَيفَ يبخل بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَن يكون خَالِد طُولِبَ بِالزَّكَاةِ عَن أَثمَان الدروع والأعبد لكَونهَا من مَال التِّجَارَة فَأخْبر النَّبِي ﷺ أَنه لَا زَكَاة عَلَيْهِ، لِأَن المزكى قد خرج عَن يَده. وَالثَّالِث: أَن يكون خَالِد قد

стр. 1612

تصدق بِتِلْكَ الدروع والأعبد على الْمُجَاهدين على وَجه الْقيمَة فِي الزَّكَاة فحسبها لَهُ. وَالرَّابِع: أَن لفظ هَذَا الحَدِيث الأول: أَمر رَسُول الله ﷺ بِصَدقَة، وَظَاهر هَذَا يدل على أَنَّهَا تطوع فَلذَلِك عذره. وَأما الأعتاد فَقَالَ الْخطابِيّ: أعتاد: كل مَا أعده الرجل من سلَاح ومركوب وَآلَة الْجِهَاد. وَيُقَال: أعتدت الشَّيْء للرجل: إِذا هيأته لَهُ. وَأما قَوْله فِي صَدَقَة الْعَبَّاس: ((فَهِيَ عَلَيْهِ وَمثلهَا مَعهَا)) فَقَالَ أَبُو عبيد: نرى أَنه كَانَ أخر الصَّدَقَة عَاميْنِ وَلَيْسَ وَجه ذَلِك إِلَّا حَاجَة الْعَبَّاس إِلَيْهَا. قَالَ: وَيجوز للْإِمَام أَن يؤخرها إِذا كَانَ على وَجه النّظر ثمَّ يَأْخُذهَا بعد. قَالَ لنا ابْن نَاصِر: وَيجوز أَن يكون قد قَالَ: هِيَ عَلَيْهِ بتَشْديد الْيَاء وَلم يبين ذَلِك الرَّاوِي. وَأما من روى ((فَهِيَ عَلَيْهِ)) فقد روى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: ((إِنَّا كُنَّا احتجنا فتعجلنا من الْعَبَّاس صَدَقَة مَاله سنتَيْن)) وَبِهَذَا الحَدِيث قُلْنَا نَحن وَأَبُو حنيفَة: يجوز تَعْجِيل زَكَاة سنتَيْن. وَيحْتَمل

стр. 1613

أَن يكون الْمَعْنى: هِيَ عَليّ: أَي أَنا أؤديها عَنهُ لما لَهُ عَليّ من الْحق، وَلِهَذَا قَالَ: ((عَم الرجل صنو أَبِيه)) والصنو: الْمثل. قَالَ الْخطابِيّ: وَفِي حَدِيث مُوسَى بن عقبَة: ((فَهِيَ لَهُ وَمثلهَا مَعهَا)) أَي فَهِيَ عَلَيْهِ، وَله بِمَعْنى عَلَيْهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَهُم اللَّعْنَة﴾ [الرَّعْد: ٢٥] ٢٠٢٠ - / ٢٤٩٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الثلاثمائة: ((الْغَرْقَد من شجر الْيَهُود)) . الْغَرْقَد: شجر لَهُ شوك. وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عَليّ ﵇. ٢٠٢١ - / ٢٤٩١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الثلاثمائة: ((إِن فرس الْمُجَاهِد ليستن فِي طوله)) . أَي ليعدو فِي حبله الَّذِي قد شدّ بِهِ. وَقد سبق هَذَا فِي هَذَا الْمسند. وَالَّذِي بعده أَيْضا. ٢٠٢٢ - / ٢٤٩٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ: أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِيمَن زنا وَلم يحصن بِنَفْي عَام وبإقامة

стр. 1614

الْحَد عَلَيْهِ. إِذا زنى الْمُكَلف وَجب عَلَيْهِ الْحَد، فَإِن كَانَ مُحصنا فحده الرَّجْم حَتَّى يَمُوت، وَهل يجلد قبل الرَّجْم أم لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد. والمحصن من كَانَ بَالغا قد جَامع فِي نِكَاح صَحِيح من هُوَ على مثل حَاله، فَإِن اخْتَلَّ شَرط من ذَلِك فِي أَحدهمَا فَلَا إِحْصَان لَهما. فَإِن زنا مُحصن بِغَيْر مُحصن رجم الْمُحصن وَجلد الآخر وَغرب. وَإِن كَانَ الزَّانِي غير مُحصن وَهُوَ حر فحده مائَة جلدَة وتغريب عَام، وَهُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث بِنَفْي عَام. وَهَذَا النَّفْي عندنَا وَاجِب، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب، والْحَدِيث نَص. وَقَوله: بِإِقَامَة الْحَد: أَي مَعَ إِقَامَة الْحَد: وَهُوَ الْجلد. ٢٠٢٣ - / ٢٤٩٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: ((خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى، وابدأ بِمن تعول)) . وَاعْلَم أَن الصَّدَقَة نَافِلَة، وإغناء النَّفس والأهل وَاجِب، فَإِذا أغنوا حسنت الصَّدَقَة بعد ذَلِك، فَهَذَا معنى قَوْله: ((وابدأ بِمن تعول)) . فَإِن قيل: فَكيف الْجمع بَين هَذَا وَبَين قَوْله: ((أفضل الصَّدَقَة جهد مقل)) ؟ . فَالْجَوَاب: من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون جهد الْمقل بعد إغناء من يلْزم إغناؤه، فَكَأَنَّهُ يستسل من فواضل الْغنى شَيْئا فَيتَصَدَّق بِهِ.

стр. 1615

وَالثَّانِي: أَن الْمقل إِذا آثر وصبر فَهُوَ غَنِي بِالصبرِ. وَقَوله: ((وَالْيَد الْعليا)) قد سبق تَفْسِيرهَا فِي مُسْند ابْن عمر. وَقَوله: ((وَمن يستعفف يعفه الله)) قد فسرناه فِي مُسْند أبي سعيد. ٢٠٢٤ - / ٢٤٩٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي شَاب، وَإِنِّي أَخَاف على نَفسِي الْعَنَت، وَلَا أجد مَا أَتزوّج بِهِ، كَأَنَّهُ يسْتَأْذن فِي الإختصاء، قَالَ: فَسكت عني، ثمَّ قلت مثل ذَلِك مرَارًا، فَقَالَ: ((جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لَاق، فاختص على ذَلِك أَو ذَر)) . الْعَنَت: الزِّنَا، وأصل الْعَنَت الْحمل على مشقة لَا تطاق، وَإِنَّمَا ذكر الْقدر ليمنعه من ذَلِك الْفِعْل. وَالْمعْنَى: مَا تقدر أَن تخرج على الْمَقْدُور. وَقَوله: ((فاختص)) لَيْسَ بِأَمْر، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: إِن فعلت أَو لم تفعل فلابد من نُفُوذ الْقدر. وَقد رَأينَا بعض جهال الْأَحْدَاث تزهد فِي صباه، فَلَمَّا اشتدت عَلَيْهِ الْعُزُوبَة جب نَفسه. وَكُنَّا قد سمعنَا عَن بعض القدماء أَنه جب نَفسه حَيَاء من الله . فَانْظُر إِلَى مَا يصنع الْجَهْل بأَهْله، فَأول مَا يُقَال لهَذَا: لَيْسَ لَك أَن تتصرف إِلَّا بِإِذن الله ، وَهَذَا أَمر لَا يُقَال: مَا أذن فِيهِ، بل قد حرمه. ثمَّ يَنْبَغِي أَن يعلم أَن الله تَعَالَى وضع هَذَا الْأَمر لحكمة هِيَ إِيجَاد النَّسْل، فَمن
следующие страницы →