Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
مَقْبُولَة ومحتسبة لَهُ، فَإِن مَاتَ على كفره كَانَ هدرا، وَإِن صَحَّ هَذَا كَانَ الْمَعْنى: أسلمت على قبُول مَا لَك من خير.
٢٢٥٩ - / ٢٨٦٧ - والْحَدِيث الثَّالِث: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
٢٢٦٠ - / ٢٨٦٨ - وَالرَّابِع: بعضه فِي مُسْند ابْن عمر، وَبَعضه فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة.
стр. 1752
(٩٩) كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الله بن مَالك
هَذَا الرجل يعرف بِأُمِّهِ بُحَيْنَة، وَلَا يكَاد ينْسب إِلَى أَبِيه مَالك، وَقد كتب الْحميدِي فِي كتاب " الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ " عبد الله بن مَالك، ابْن بُحَيْنَة، فَرُبمَا ظن من لَا خبر لَهُ بِعلم النَّقْل أَن بُحَيْنَة اسْم جده أَو جدته، وَإِنَّمَا ذكر أَبوهُ وَعرف باسم أمه. وَقد بَينا فِيمَا سبق مثل هَذَا فِي مُسْند عَليّ ﵇، فَإِنَّهُ يُقَال فِيمَا يرويهِ ابْنه مُحَمَّد: مُحَمَّد بن عَليّ، ابْن الْحَنَفِيَّة. وَكَذَلِكَ يُقَال: عبد الله بن أبي، ابْن سلول، وسلول أمه. وَقد ذكرنَا هَذَا ليعرف.
وَجُمْلَة مَا روى ابْن بُحَيْنَة عَن رَسُول الله ﷺ سَبْعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة.
٢٢٦١ - / ٢٨٦٩ - فَفِي الحَدِيث الأول: أَن النَّبِي ﷺ سجد للسَّهْو قبل السَّلَام.
وَقد ذكرنَا الْخلاف فِي هَذَا فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ.
٢٢٦٢ - / ٢٨٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن رَسُول الله ﷺ احْتجم
стр. 1753
وَهُوَ محرم بِلحي جمل فِي وسط رَأسه.
قد تكلمنا فِي حجامة الْمحرم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
ولحي جمل: اسْم مَوضِع فِي طَرِيق مَكَّة.
٢٢٦٣ - / ٢٨٧١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كَانَ إِذا صلى فرج بَين يَدَيْهِ حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ. وَفِي رِوَايَة: كَانَ إِذا سجد يجنح فِي سُجُوده حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ.
قَوْله: فرج بَين يَدَيْهِ: أَي فِي السُّجُود. وَالْمعْنَى أَنه يبعد عضديه عَن جَنْبَيْهِ، وَهَذَا معنى يجنح. قَالَ الْفراء: جنَاح الرجل: عضده وإبطه، وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: الْعَرَب تستعير الْجنَاح فتسمي بِهِ مَا بَين الْإِبِط والعضد من الْإِنْسَان.
والوضح: الْبيَاض.
٢٢٦٤ - / ٢٨٧٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: إِن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ لاث بِهِ النَّاس، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : " آلصبح أَرْبعا؟ آلصبح أَرْبعا؟ " وَفِي لفظ: " يُوشك أَن يُصَلِّي أحدكُم الصُّبْح أَرْبعا ".
لاث بِهِ النَّاس: أحاطوا بِهِ واجتمعوا.
стр. 1754
وَقَوله: يُوشك. الوشك: الْقرب.
وَقد ذكرنَا فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة أَن من سمع الْإِقَامَة فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتشاغل إِلَّا بالمكتوبة، وحكينا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: إِذا كَانَ خَارج الْمَسْجِد وَعلم أَنه يدْرك الرُّكُوع فِي الثَّانِيَة جَازَ لَهُ أَن يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر.
стр. 1755
(١٠٠) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي وَاقد اللَّيْثِيّ
وَقد اخْتلفُوا فِي اسْمه وَاسم أَبِيه، فَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد: الْحَارِث بن عَوْف. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحَارِث بن مَالك، وَقَالَ غَيرهمَا: عَوْف بن الْحَارِث. أسلم قَدِيما، وَكَانَ يحمل لِوَاء بني لَيْث وضمرة وَسعد بن بكر يَوْم الْفَتْح، وَقد ذكر الْحميدِي أَنه شهد بَدْرًا، وَهَذَا غلط؛ لإنه مَا ذكره أحد فِي أهل بدر، وَقد ذكره مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة من الصَّحَابَة مِمَّن شهد الخَنْدَق وَمَا بعْدهَا.
وَجُمْلَة مَا روى عَن النَّبِي ﷺ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٢٢٦٥ - / ٢٨٧٣ - فَفِي الحَدِيث الأول: " أما أَحدهمَا فأوى إِلَى الله ".
أَي رَجَعَ وَانْصَرف. يُقَال: أَوَى فلَان أويا، وآويته أَنا أؤويه إيواء: إِذا ضممته وَجعلت لَهُ مأوى. وَتقول: أويت إِلَى الْمنزل: إِذا رجعت.
стр. 1756
٢٢٦٦ - / ٢٨٧٤ - وَقد تكلمنا على الحَدِيث الثَّانِي فِي مُسْند النُّعْمَان بن بشير.
стр. 1757
(١٠١) كشف الْمُشكل من مُسْند الْمسيب بن حزن
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سَبْعَة أَحَادِيث، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة.
٢٢٦٧ - / ٢٨٧٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَن أَبَا طَالب لما حَضرته الْوَفَاة جَاءَهُ رَسُول الله ﷺ فَوجدَ عِنْده أَبَا جهل وَعبد الله بن أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة، فَقَالَ: " أَي عَم، قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، كلمة احاج لَك بهَا عِنْد الله " فَقَالَ أَبُو جهل وَعبد الله بن أُميَّة: أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب؟ فَلم يزل رَسُول الله ﷺ يعرضهَا عَلَيْهِ ويعودان لتِلْك الْمقَالة حَتَّى قَالَ أَبُو طَالب آخر مَا كَلمهمْ بِهِ: أَنا على مِلَّة عبد الْمطلب.
عبد الله بن أبي أُميَّة. وَاسم أبي أُميَّة سُهَيْل، ويلقب زَاد الرَّاكِب، كَانَ إِذا سَافر مَعَه قوم أنْفق عَلَيْهِم، وَهُوَ سُهَيْل بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم، وَأمه عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب بن هَاشم، وَعبد الله أَخُو أم سَلمَة زوج رَسُول الله ﷺ ، كَانَ أَشد النَّاس عَدَاوَة لرَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لأبي طَالب: أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب؟ فَلَمَّا كَانَت عمْرَة الْقَضِيَّة وَدخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة خرج هُوَ من مَكَّة حَتَّى كَانَ على عشرَة أَمْيَال من مَكَّة، وَجعل يستخبر عَن رَسُول الله ﷺ ، فَأخْبر أَنه فِي
стр. 1758
عز وَقُوَّة، فَوَقع فِي قلبه الْإِسْلَام، فلقي أَبَا سُفْيَان بن الْحَارِث وَقد وَقع الْإِسْلَام فِي قلب أبي سُفْيَان أَيْضا، فَخَرَجَا فلقيا رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَين السقيا وَالْعَرج، فطلبا الدُّخُول عَلَيْهِ فَأبى، فكلمته أم سَلمَة وَقَالَت: يَا رَسُول الله! صهرك وَابْن عَمَّتك، وَابْن عمك وأخوك من الرضَاعَة - تَعْنِي أَبَا سُفْيَان، وَقد جَاءَ الله بهما مُسلمين، لَا يَكُونَا أَشْقَى النَّاس بك. فَقَالَ: " لَا حَاجَة لي بهما " فَقَالَت: قد عَفَوْت عَن أعظم جرما. فرق رَسُول الله ﷺ لَهما، فَأَسْلمَا وشهدا مَعَه الْفَتْح وحنينا والطائف، وَرمي عبد الله من حصن الطَّائِف فَقتل شَهِيدا.
٢٢٦٨ - / ٢٨٧٦ - الحَدِيث الثَّانِي: عَن الْمسيب أَنه كَانَ مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة، قَالَ: فرجعنا إِلَيْهَا الْعَام الْمقبل فعميت علينا.
وَالْمعْنَى: عمينا عَنْهَا، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿فعميت عَلَيْكُم﴾ [هود: ٢٨] قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال عمي عَليّ هَذَا الْأَمر: إِذا لم أفهمهُ، وعميت عَنهُ بِمَعْنى، وَقَالَ الْفراء: هَذَا مِمَّا حولت الْعَرَب الْفِعْل إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الأَصْل لغيره، كَقَوْلِهِم: دخل الْخَاتم فِي يَدي، والخف فِي رجْلي، وَإِنَّمَا الإصبع يدْخل فِي الْخَاتم وَالرجل فِي الْخُف، واستجازوا ذَلِك إِذا كَانَ الْمَعْنى مَعْرُوفا.
стр. 1759
٢٢٦٩ - / ٢٨٧٧ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ:
مَا اسْمك؟ قَالَ: حزن. قَالَ: " بل أَنْت سهل "، قَالَ سعيد: فَمَا زَالَت فِينَا الحزونة بعد.
الْحزن: مَا غلظ من الأَرْض، وَيُقَال: فِي خلق فلَان حزونة: أَي غلظة وقساوة. وَكَأن النَّبِي ﷺ كره الِاسْم لهَذَا الْمَعْنى فأبدله بضده تفاؤلا، فَأبى الرجل.
стр. 1760
(١٠٢) كشف الْمُشكل من مُسْند سُفْيَان بن أبي زُهَيْر
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة أَحَادِيث، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٢٢٧٠ - / ٢٨٧٨ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " يَأْتِي قوم يبسون ".
هَذَا كِنَايَة عَن الرحيل والانتقال. والبس: زجر الْإِبِل واستحثاثها فِي السّير، يُقَال: بسست وأبسست.
٢٢٧١ - / ٢٨٧٩ - والْحَدِيث الثَّانِي: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
стр. 1761
(١٠٣) كشف الْمُشكل من مُسْند الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ
أسلم قَدِيما، وولاه رَسُول الله ﷺ الْبَحْرين، وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة أَحَادِيث، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث وَاحِد.
٢٢٧٢ - / ٢٨٨٠ - وَفِيه: " يُقيم المُهَاجر بِمَكَّة بعد قَضَاء نُسكه ثَلَاثًا ".
اعْلَم أَنه كَانَ يكره لِلْمُهَاجِرِ من مَكَّة أَن يعود فيقيم بهَا؛ لِأَنَّهُ كالرجوع فِيمَا ترك، ورثى رَسُول الله ﷺ لسعد بن خَوْلَة لكَونه مَاتَ بِمَكَّة، فَجعل لِلْمُهَاجِرِ أَن يُقيم بعد النّسك ثَلَاثًا ثمَّ يخرج لتتحقق هجرته.
وَقد كَانَ جمَاعَة من الصَّحَابَة يرَوْنَ أَن هَذَا كَانَ فِي بداية الْإِسْلَام، فَلَمَّا صَارَت دَار إِسْلَام واستقرت الْقَوَاعِد كَانَ ابْن عمر وَجَابِر يجاوران بهَا، وَقد توطنها خلق كثير من الصَّحَابَة، وَقد ذكرتهم فِي كتاب " مَكَّة " وعَلى اسْتِحْبَاب الْمُجَاورَة بهَا أَكثر الْفُقَهَاء، مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل. وَقد كره الْمُجَاورَة بهَا أَبُو حنيفَة، وَقد علل بعض أَصْحَابه بخوف الْملَل، وَقلة الاحترام لمداومة الْأنس بِالْمَكَانِ، وَخَوف ارْتِكَاب الذُّنُوب، وَهَذَا يُقَابله فضل الْمَكَان وَفضل الْعِبَادَة فِيهِ.
стр. 1762
والنسك: التَّعَبُّد، والمناسك: المتعبدات.
والصدر: الرُّجُوع بعد الْوُرُود، يُقَال: صدر الْقَوْم عَن الْمَكَان: أَي رجعُوا عَنهُ.
стр. 1763
(١٠٤) كشف الْمُشكل من مُسْند الصعب بن جثامة
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتَّة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٢٢٧٣ - / ٢٨٨١ - فَالْأول: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢٢٧٤ - / ٢٨٨٢ - وَفِي الثَّانِي: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أهل الدَّار يبيتُونَ فتصاب ذَرَارِيهمْ، فَقَالَ: " هم مِنْهُم ".
البيات: قصد الْعَدو لَيْلًا. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَاءَهَا بأسنا بياتا﴾ [الْأَعْرَاف: ٤] .
وَقَوله: " هم مِنْهُم " أَي فِي حكم الدّين وَإِبَاحَة الدَّم، وَلم يرد قَتلهمْ ابْتِدَاء، وَلَكِن إِذا لم يُوصل إِلَى أُولَئِكَ إِلَّا بهؤلاء لم يكن فِي قَتلهمْ إِثْم.
وَقَوله: " لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ "؛ الْحمى: هُوَ الْمَمْنُوع، يُقَال: حميت كَذَا أحميه: إِذا منعته. قَالَ الشَّافِعِي: كَانَ الشريف فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا نزل بَلَدا فِي حيه استعوى كَلْبا، ووقف من يسمع صَوته، فحمى مدى عواء الْكَلْب لَا يشركهُ فِيهِ غَيره، وَهُوَ يُشَارك الْقَوْم فِي سَائِر مَا
стр. 1764
يدعونَ، فَنهى النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك.
فَإِن قَالَ قَائِل: فقد حمى رَسُول الله ﷺ لإبل الصَّدَقَة وضعاف الْخَيل. قَالَ الزُّهْرِيّ: حمى رَسُول الله ﷺ النقيع، وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ تستنقع فِيهِ الْمِيَاه وينبت الْكلأ. وَقد حمى عمر بن الْخطاب الربذَة وسرف. قُلْنَا: إِنَّمَا أبطل مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة؛ لأَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِمُقْتَضى الْغَلَبَة والهوى، وَمَا يفعل فِي الْإِسْلَام على خلاف ذَلِك. وَمعنى قَوْله: " لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ " أَي: إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي أذن الله فِيهِ وَرَسُوله، وَذَلِكَ على قدر الْحَاجة والمصلحة، وَإِنَّمَا حمى عمر لإبل الصَّدَقَة وَالْخَيْل الْمعدة فِي سَبِيل الله ، وَللْإِمَام أَن يحمي على وَجه النّظر فِي تَقْوِيَة الْخَيل والكراع مَا لم يضق على الْعَامَّة المرعى.
стр. 1765
(١٠٥) كشف الْمُشكل من مُسْند السَّائِب بن يزِيد، ابْن أُخْت نمر
ذكر أَبُو بكر الْخَطِيب عَن أبي الْحسن الْمَدَائِنِي أَنه قَالَ: أُخْت نمر اسْم جده، وَهُوَ رجل وَلَيْسَ بِامْرَأَة.
وَقد أخرج لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة أَحَادِيث.
٢٢٧٥ - / ٢٨٨٣ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: ذهبت بِي خَالَتِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: إِن ابْن أُخْتِي وجع. وَفِي رِوَايَة: وَقع. فَنَظَرت إِلَى خَاتمه بَين كَتفيهِ مثل زر الحجلة.
الحجلة: بَيت كالقبة يستر بالثياب، وَيجْعَل لَهُ بَاب من جنسه فِيهِ زر وَعُرْوَة يشد إِذا أغلق. وَوَقع مثل وجع.
٢٢٧٦ - / ٢٨٨٤ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
حج بِي فِي ثقل النَّبِي ﷺ .
стр. 1766
الثّقل: الرحل وَالْمَتَاع وَمَا ينْقل من القماش، وَجمعه أثقال، وَفِيه دَلِيل على صِحَة حج الصَّبِي.
٢٢٧٧ - / ٢٨٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن عُثْمَان زَاد النداء الثَّالِث.
النداء الثَّالِث الَّذِي زَاد عُثْمَان هُوَ الأول الْيَوْم، وَإِنَّمَا كَانُوا يُؤذنُونَ إِذا صعد الْخَطِيب الْمِنْبَر. وَالْإِقَامَة تسمى نِدَاء أَيْضا، فَزَاد الأول، فَأذن قبل صُعُوده الْمِنْبَر.
والزوراء: مَوضِع بِالْمَدِينَةِ.
وَقَوله: لم يكن لرَسُول الله ﷺ إِلَّا مُؤذن وَاحِد؛ يَعْنِي يَوْم الْجُمُعَة لم يُؤذن لَهُ إِلَّا مرّة. وَقد كَانَ فِي غير الْجُمُعَة يُؤذن بِلَال وَابْن أم مَكْتُوم وَأَبُو مَحْذُورَة.
٢٢٧٨ - / ٢٨٨٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: خرجت مَعَ الغلمان إِلَى ثنية الْوَدَاع.
الثَّنية: طَرِيق مُرْتَفع بَين جبلين، وَالْإِشَارَة إِلَى مَوضِع بِالْمَدِينَةِ.
٢٢٧٩ - / ٢٨٨٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: جلد عمر أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذا عتوا وفسقوا جلد ثَمَانِينَ.
العتو: الْمُبَالغَة فِي ركُوب الْمعاصِي. والعاتي: هُوَ الَّذِي لَا يُؤثر عِنْده
стр. 1767
الْوَعْظ والزجر.
وَالْفِسْق: الْخُرُوج عَن الطَّاعَة. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: وَلم يسمع فِي كَلَام الْجَاهِلِيَّة لَا فِي شعر وَلَا فِي كَلَام: فَاسق، وَهَذَا عجب وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ، وَلم يَأْتِ فِي شعر جاهلي.
стр. 1768
(١٠٦) كشف الْمُشكل من مُسْند عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ عشرُون حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٢٢٨٠ - / ٢٨٨٨ - فَفِي الحَدِيث الأول: أَنه رأى رَسُول الله ﷺ يحتز من كتف شَاة فِي يَده فدعي إِلَى الصَّلَاة، فَألْقى السكين وَصلى وَلم يتَوَضَّأ.
أصل الحز الْقطع، وَقد يكون بَائِنا وَغير بَائِن، وَقد كَانُوا يقطعون اللَّحْم بالسكين.
وَفِي هَذَا الحَدِيث ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار.
٢٢٨١ - / ٢٨٨٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يمسح على عمَامَته وخفيه.
أما جَوَاز الْمسْح على الْعِمَامَة فَهُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَحَكِيم بن جَابر فِي آخَرين، وَبِه يَقُول أَحْمد بن حَنْبَل خلافًا
стр. 1769
لأكْثر الْعلمَاء فِي قَوْلهم: لَا يجوز.
وَمن شُرُوط جَوَاز الْمسْح على الْعِمَامَة أَن تكون تَحت الحنك، ساترة لجَمِيع الرَّأْس، إِلَّا مَا جرت الْعَادة بكشفه، كمقدم الرَّأْس والأذنين. فَإِن لم تكن تَحت الحنك بل كَانَت مُدَوَّرَة لَا ذؤابة لَهَا لم يجز الْمسْح عَلَيْهَا، فَإِن كَانَ لَهَا ذؤابة فلأصحابنا وَجْهَان فِي جَوَاز الْمسْح عَلَيْهَا. وَيمْسَح أَكثر الْعِمَامَة، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: لَا يُجزئ إِلَّا مسح جَمِيعهَا.
وَأما الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فقد تقدم فِي مُسْند عَليّ ﵇.
стр. 1770
(١٠٧) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ الكعبي
واسْمه خويلد بن عَمْرو، كَذَلِك سَمَّاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَقَالَ مُحَمَّد ابْن سعد: اسْمه خويلد بن صَخْر بن عبد الْعُزَّى. وَقَالَ أَبُو بكر البرقي: اسْمه كَعْب.
وَجُمْلَة مَا روى عَن النَّبِي ﷺ عشرُون حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة.
٢٢٨٢ - / ٢٨٩٠ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَنه قَالَ لعَمْرو بن سعيد وَهُوَ يبْعَث الْبعُوث إِلَى مَكَّة: ائْذَنْ لي أحَدثك مَا قَامَ بِهِ رَسُول الله ﷺ الْغَد من يَوْم الْفَتْح، قَالَ: " إِن مَكَّة حرمهَا الله فَلَا يحل لامرئ يُؤمن بِاللَّه أَن يسفك فِيهَا دَمًا، وَلَا يعضد بهَا شَجَرَة ... " فَذكر الحَدِيث. فَقَالَ: يَا أَبَا
شُرَيْح، إِن الْحرم لَا يعيذ عَاصِيا وَلَا فَارًّا بِدَم وَلَا بخربة.
أما الْبعُوث الْمَذْكُورَة فَإِن عبد الله بن الزبير لم يزل بِالْمَدِينَةِ إِلَى أَن توفّي مُعَاوِيَة، فَبعث الْوَلِيد بن عتبَة وَالِي الْمَدِينَة إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالبيعة ليزِيد، فَخرج إِلَى مَكَّة، وَلم يزل يحرض النَّاس على بني أُميَّة، فَغَضب يزِيد فَمضى ابْن الزبير إِلَى يحيى بن حَكِيم وَالِي مَكَّة فَبَايعهُ ليزِيد، فَكتب بذلك يحيى، فَقَالَ يزِيد: لَا أقبل حَتَّى يُؤْتى بِهِ فِي وثاق، فَأبى ابْن
стр. 1771
الزبير وَقَالَ: أَنا عَائِذ بِالْبَيْتِ، فعزل يزِيد الْوَلِيد عَن الْمَدِينَة وَولى عَمْرو ابْن سعيد بن الْعَاصِ، وَكتب إِلَيْهِ: أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يقسم بِاللَّه لَا يقبل من ابْن الزبير شَيْئا حَتَّى يُؤْتى بِهِ فِي جَامِعَة، فعرضوا ذَلِك على ابْن الزبير، فَأبى فَكتب يزِيد إِلَى عَمْرو بن سعيد أَن يُوَجه إِلَيْهِ جندا، فَبعث الْبعُوث.
وَقَوله: " أَن يعضد بهَا شَجَرَة " أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: يعضد بِضَم الضَّاد، وَقَالَ لنا عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ: يعضد بِكَسْر الضَّاد.
ويعيذ بِمَعْنى يجير؛ يُقَال: عاذ بالشَّيْء: إِذا استجار بِهِ ولجأ إِلَيْهِ، وأعاذه: أَي مَنعه وحماه.
والخربة: السّرقَة، وَالْخَاء مَضْمُومَة، والخارب: اللص، وَيُقَال فِي سَارِق الْإِبِل خَاصَّة ثمَّ استعير لكل سَارِق.
وَاعْلَم أَن الْإِجْمَاع انْعَقَد على أَن من جنى فِي الْحرم لَا يُؤمن؛ لِأَنَّهُ هتك حُرْمَة الْحرم ورد الْأمان. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن جنى خَارِجا ثمَّ لَجأ إِلَيْهِ: فروى أَبُو بكر الْمروزِي عَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: إِذا قتل أَو قطع يدا أَو أَتَى حدا فِي غير الْحرم ثمَّ دخل لم يقم عَلَيْهِ الْحَد وَلم يقْتَصّ مِنْهُ، وَلَكِن لَا يُبَايع وَلَا يشارى ولايؤاكل حَتَّى يخرج. فَإِن فعل شَيْئا من ذَلِك فِي الْحرم استوفي مِنْهُ. وروى عَنهُ حَنْبَل أَنه قَالَ: إِذا قتل خَارج الْحرم ثمَّ دخل لم يقتل، وَإِن كَانَت الْجِنَايَة دون النَّفس فَإِنَّهُ يُقَام عَلَيْهِ
стр. 1772
الْحَد وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يُقَام الْحَد فِي جَمِيع ذَلِك فِي النَّفس وَفِيمَا دون النَّفس.
٢٢٨٣ - / ٢٨٩١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه " قَالُوا: وَمَا جائزته؟ قَالَ: " يَوْمه وَلَيْلَته ".
الضَّيْف يَقع على الْوَاحِد وعَلى الْجَمَاعَة. يُقَال: هَذَا ضيف، وَهَؤُلَاء ضيف.
والجائزة: الْعَطِيَّة. وجوائز السُّلْطَان: عطاياه. وَالْمرَاد بالجائزة هَاهُنَا مَا يجوز بِهِ مَسَافَة يَوْم وَلَيْلَة. وَهَذَا عِنْد أَكثر الْعلمَاء مُسْتَحبّ، وَقَالَ أَحْمد: يجب على الْمُسلم ضِيَافَة الْمُسلم الْمُسَافِر المجتاز بِهِ لَيْلَة، لحَدِيث آخر رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " لَيْلَة الضَّيْف وَاجِبَة على كل مُسلم ".
وَمن نزل بِهِ الضَّيْف فَامْتنعَ عَن ضيافته كَانَ الضَّيْف مُخَيّرا بَين مُطَالبَته بذلك عِنْد الْحَاكِم أَو إعفائه. وَلَا يجب إنزاله فِي بَيته إِلَّا أَن يجد مَسْجِدا أَو رِبَاطًا يبيت فِيهِ. وَسَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من مُسْند عقبَة بن عَامر قَالَ: قلت للنَّبِي ﷺ : إِنَّك تبعثنا فَنَنْزِل بِقوم لَا يقرونا، فَمَا ترى؟ فَقَالَ: " إِن لم يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُم حق الضَّيْف الَّذِي يَنْبَغِي لَهُم " وَأما ضِيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فمستحبة.
стр. 1773
وَقَوله: " حَتَّى يؤثمه " وَذَلِكَ أَنه إِذا لم يكن لَهُ مَا يقربهُ بِهِ تسخط بإقامته، وَرُبمَا ذكره بقبيح، وَرُبمَا أَثم فِي كسب مَا يُنْفِقهُ عَلَيْهِ.
٢٢٨٤ - / ٢٨٩٢ - والْحَدِيث الَّذِي للْبُخَارِيّ قد سبق فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة.
(١٠٨)
ومافي مُسْند خفاف بن إِيمَاء قد سبق شَرحه.
стр. 1774
(١٠٩) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب
وَهُوَ حَدِيث وَاحِد.
٢٢٨٥ - / ٢٨٩٤ - وَفِيه: انْطَلَقت فِي الْمدَّة الَّتِي كَانَت بيني وَبَين رَسُول الله ﷺ إِلَى الشَّام.
كَانُوا قد اصْطَلحُوا على مُدَّة يتركون فِيهَا الْقِتَال، وَكَتَبُوا الْكتاب الَّذِي تولاه سُهَيْل بن عَمْرو، وَقد ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَذكرنَا دحْيَة فِي مُسْند جَابر ابْن عبد الله.
وهرقل هُوَ قَيْصر، وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور قَالَ: هِرقل اسْم أعجمي، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب، قَالَ جرير يمدح الْوَلِيد بن عبد الْملك:
(وَأَرْض هِرقل قد قهرت وداهرا ... وَيسْعَى لكم من آل كسْرَى النواصف)
والترجمان: الْمعبر.
وَقَوله: لَوْلَا أَن يأثروا عني الْكَذِب: أَي لَوْلَا أَن يذكروني بِالْكَذِبِ ويروونه عني، يُقَال: أثرت الحَدِيث أَثَرَة: إِذا رويته.
стр. 1775
والحسب: الفعال الْحسن للآباء، مَأْخُوذ من الْحساب إِذا حسبوا مناقبهم، وَذَلِكَ أَنه إِذا عد كل وَاحِد مِنْهُم مناقبه ومآثر آبَائِهِ وحسبها، كَانَ أحسبهم أَكْثَرهم عددا
وَقَوله: سجالا: أَي مرّة لنا وَمرَّة لَهُ، وَأَصله من السّجل وَهُوَ الدَّلْو، وَذَلِكَ أَن الرجلَيْن إِذا استقيا نزع هَذَا سجلا وَهَذَا سجلا.
وَقَوله: إِذا خالط بشاشته الْقُلُوب، أصل البشاشة فِي اللِّقَاء، وَهُوَ الْفَرح بِالْمَرْءِ والانبساط إِلَيْهِ والملاطفة فِي الْمَسْأَلَة. يُقَال: بش فلَان بفلان وتبشبش بِهِ، فَشبه الْإِيمَان إِذا ورد على الْقلب ففرح بِهِ وانشرح الصَّدْر لَهُ بذلك.
وَقَوله: عَظِيم الرّوم: أَي الَّذين يعظمونه ويقدمونه بالرئاسة. وَلم يكْتب إِلَى ملك الرّوم لما يَقْتَضِيهِ هَذَا الِاسْم من الْمعَانِي الَّتِي لَا يَسْتَحِقهَا من لَيْسَ بِمُسلم، وَالْإِسْلَام قد عَزله عَن المملكة، فَلم يخله من نوع إكرام.
وَقَوله: " سَلام على من اتبع الْهدى " هَذَا شَيْء لَا يغْضب مِنْهُ أحد؛ لِأَن قَيْصر يظنّ أَنه مِمَّن اتبع الْهدى.
وَقَوله: " أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام " الدعاية من قَوْلك: دَعَا يَدْعُو دعاية، كَمَا يُقَال: شكا يشكو شكاية، المُرَاد دَعْوَة الْإِسْلَام وَهِي الشهادتان.
وَقَوله: " إِثْم الأريسيين "، وَفِي لفظ: " اليريسيين " قد ذكرنَا اللفظتين فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. فَأَما قَوْله: " إِثْم الركوسيين " فالركوسية دين بَين النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ.
стр. 1776
وَقَوله: " ﴿يَا أهل الْكتاب﴾ الْآيَات [آل عمرَان: ٦٤] دَلِيل على جَوَاز كِتَابَة آيَة أَو آيَتَيْنِ مِمَّا يَقع بِهِ الْإِنْذَار إِلَى أَرض الْعَدو، وَلَا يُعَارض بقوله: " لَا تسافروا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو "؛ لِأَن المُرَاد بذلك السُّور والآيات الْكَثِيرَة.
وَأما اللَّغط فَهُوَ الْأَصْوَات الَّتِي لَا تفهم.
وَقَوله: أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة. أَمر بِمَعْنى عظم وارتفع. وَأما أَبُو كَبْشَة فأنبأنا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب النَّحْوِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو جَعْفَر بن الْمسلمَة قَالَ: أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص قَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد الطوسي قَالَ: أخبرنَا الزبير بن بكار قَالَ: أول من عبد الشعرى أَبُو كَبْشَة، واسْمه وجز بن غَالب بن عَامر، وَكَانَ يَقُول: إِن الشعرى تقطع السَّمَاء عرضا، وَلَا أرى فِي السَّمَاء شمسا وَلَا قمرا وَلَا نجما يقطع السَّمَاء عرضا غَيرهَا. وَالْعرب تسمي الشعرى العبور؛ لِأَنَّهَا تعبر السَّمَاء عرضا.
ووجز هُوَ أَبُو كَبْشَة الَّذِي كَانَت قُرَيْش تنْسب رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جده من قبل أمه، وَالْعرب تظن أَن أحدا لَا يعْمل شَيْئا إِلَّا بعرق نَزعه شبهه، فَلَمَّا خَالف رَسُول الله ﷺ دين قُرَيْش قَالَ مشركو قُرَيْش: نَزعه أَبُو كَبْشَة، فَإِن أَبَا كَبْشَة خَالف النَّاس بِعِبَادَتِهِ الشعرى. وَكَانَ أَبُو كَبْشَة سيدا فِي خُزَاعَة، لم يعيروا رَسُول الله ﷺ من نقص كَانَ فِيهَا، وَلَكِن لما خَالف دينهم نسبوه إِلَى خلاف أبي كَبْشَة، فَقَالُوا: خَالف كَمَا خَالف أَبُو كَبْشَة.
стр. 1777
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: لما خَالف أَبُو كَبْشَة دين قومه شبهوا بِهِ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كَقَوْلِهِم لِمَرْيَم: ﴿يَا أُخْت هَارُون﴾ [مَرْيَم: ٢٨] أَي يَا شَبيه هَارُون فِي الصّلاح. وهما شعريان: أحداهما هَذِه، والشعرى الْأُخْرَى هِيَ الغميصاء، وَهِي تقَابلهَا، وَبَينهمَا المجرة، والغميصاء من الذِّرَاع الْمَبْسُوط فِي نُجُوم الْأسد، وَتلك فِي الجوزاء.
وَقَالَ غَيره: أَبُو كَبْشَة جد جد النَّبِي ﷺ من قبل أمه.
ونقلت من خطّ أبي الْفَتْح مُحَمَّد بن الْحسن الْأَزْدِيّ الْحَافِظ وتصنيفه قَالَ: أَبُو كَبْشَة حاضن النَّبِي ﷺ زوج حليمة ظئر رَسُول الله ﷺ ، اسْمه الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى، مَاتَ قبل أَن يدْرك النُّبُوَّة، وَهُوَ الَّذِي كَانَت قُرَيْش تعير بِهِ رَسُول الله ﷺ ، فَيَقُولُونَ: ابْن أبي كَبْشَة.
قلت: وَالْقَوْل الأول عِنْدِي أصح من هَذَا.
وَبَنُو الْأَصْفَر: الرّوم، سموا بذلك لصفرة اعترت أباهم، قَالَ عدي ابْن زيد: وَبَنُو الْأَصْفَر الْكِرَام مُلُوك الرّوم لم يبْق مِنْهُم مَذْكُور.
قَوْله: وَكَانَ قَيْصر لما كشف الله عَنهُ جنود فَارس مَشى من حمص إِلَى إيلياء.
إيلياء: بَيت الْمُقَدّس، وَقد سبق فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة. وَإِنَّمَا فعل
стр. 1778
ذَلِك شكرا لله تَعَالَى لما أبلاه. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال من الْخَيْر: أبليته أبليه إبلاء، وَمن الشَّرّ: بلاه يبلوه بلَاء.
وَمَا زَالَت الْحَرْب قَائِمَة بَين فَارس وَالروم، فَغلبَتْ الرّوم، فَبلغ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه فشق عَلَيْهِم، وَفَرح الْمُشْركُونَ بذلك؛ لِأَن فَارس لم يكن لَهَا كتاب، ثمَّ ظَهرت الرّوم على فَارس ففرح الْمُسلمُونَ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ويومئذ يفرح الْمُؤْمِنُونَ [٤] بنصر الله﴾ [الرّوم: ٤، ٥] . وَاتفقَ ذَلِك فِي يَوْم بدر، وَقيل: يَوْم الْحُدَيْبِيَة.
وَقَوله وَكَانَ ابْن الناطور صَاحبه. أَي صَاحب هِرقل. وهرقل أسقفه على نَصَارَى الشَّام: أَي جعله أسقفا، وَهِي سنة فِي دينهم.
والحزاء والحازي هُوَ الحازر الَّذِي يحزر الشَّيْء وَيقدر مَا فِيهِ - بظنه. وَيُقَال للَّذي ينظر فِي النُّجُوم حزاء على هَذَا الْمَعْنى؛ لإنه يظنّ بنظره فِي النُّجُوم شَيْئا ويقدره، فَرُبمَا أصَاب.
وَقَوله: فَلم يرم حمص: أَي لم يبرح مِنْهَا، يُقَال: لَا ترم: أَي لَا تَبْرَح.
وَالْعجب من قَيْصر مَعَ ذكائه وفطنته، ومبالغته فِي الْبَحْث عَن أَمر رَسُول الله ﷺ ، وَنَظره فِي النُّجُوم - على زَعمه - وموافقة من يعده نَظِيره فِي الْعلم على صِحَة نبوة مُحَمَّد ﷺ ، كَيفَ لم يتبعهُ! غير أَن جنود الْهوى بُنيان مرصوص.
والدسكرة وَاحِدَة الدساكر: وَهِي الْقُصُور.
وحاصوا: نفروا وجالوا، يُقَال: حَاص يحيص: إِذا مَال ملتجئا إِلَى ملْجأ.
стр. 1779
(١١٠) كشف الْمُشكل من مُسْند مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث وَثَلَاثَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة عشر.
٢٢٨٦ - / ٢٨٩٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: قصرت عَن رَسُول الله ﷺ بمشقص.
المشقص: نوع من الجلم يقص بِهِ الشّعْر، وَيُقَال لنصل السهْم إِذا كَانَ طَويلا مشقص أَيْضا. وأصل الشّقص الْقطع والتقسيم.
٢٢٨٧ - / ٢٨٩٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن مُعَاوِيَة تنَاول قصَّة من شعر وَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَن مثل هَذِه.
الْقِصَّة بِضَم الْقَاف: شعر الناصية. وَالْإِشَارَة إِلَى وصل الشّعْر.
وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ سَمَّاهُ الزُّور.
٢٢٨٨ - / ٢٨٩٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه
стр. 1780
فِي الدّين.
الْفِقْه: الْفَهم. وَأول مَرَاتِب الْفَقِيه أَن يفهم أصُول الشَّرِيعَة وموضوعها، فَحِينَئِذٍ يتهيأ لَهُ إِلْحَاق فرع بِأَصْل، وتشبيه شَيْء بِشَيْء، فَتَصِح لَهُ الْفَتْوَى، ثمَّ يرتقي إِلَى فهم الْمَقْصُود بِالْعلمِ، فَيصير حِينَئِذٍ من عُمَّال الله تَعَالَى، وَذَلِكَ الْفِقْه النافع. وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول: إِنَّمَا الْفَقِيه من يخْشَى الله .
وَقَوله: " لَا تزَال عِصَابَة من الْمُسلمين يُقَاتلُون " الْعِصَابَة: الْجَمَاعَة.
وناوأهم: عاداهم وخاصمهم. وَهَذِه الْعِصَابَة تَنْقَسِم: فَمِنْهَا المجاهدون فِي الثغور، وَمِنْهَا الآمرون بِالْمَعْرُوفِ من أهل الْخَيْر، وَمِنْهَا الْعلمَاء الَّذين يَذبُّونَ عَن الشَّرْع ويقمعون أهل الْبدع، فَهَؤُلَاءِ كلهم وَإِن أزيل مِنْهُم بالقهر لَهُم، فالعاقبة لَهُم.
٢٢٨٩ - / ٢٨٩٩ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
قَالَ مُعَاوِيَة فِي كَعْب الْأَحْبَار: إِن كَانَ من أصدق المخبرين عَن أهل الْكتاب، وَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك لنبلو عَلَيْهِ الْكَذِب.
يَعْنِي أَن الْكَذِب فِيمَا يخبر بِهِ عَن أهل الْكتاب لَا مِنْهُ، فالأخبار الَّتِي يحكيها عَن الْقَوْم يكون بَعْضهَا كذبا، فَأَما كَعْب الْأَحْبَار فَمن كبار
стр. 1781
الأخيار.
٢٢٩٠ - / ٢٩٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أذن الْمُؤَذّن، فَقَالَ مُعَاوِيَة مثله إِلَى أَن قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، فَقَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا سمعنَا نَبِيكُم ﷺ يَقُول.
الْأَذَان فِي اللُّغَة: الْإِعْلَام، فَمَعْنَى أذن الْمُؤَذّن: أعلم الْمعلم. والمؤذن: الْمعلم بأوقات الصَّلَاة.
وَقَوله: الله أكبر، فِيهِ قَولَانِ: أَن أكبر بِمَعْنى كَبِير، فتقديره: الله الْكَبِير، فَوضع أفعل مَوضِع فعيل، كَقَوْلِه: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ [الرّوم: ٢٧] ، وأنشدوا:
(إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز وأطول)
وَالثَّانِي: الله أكبر من كل شَيْء فحذفت " من " لوضوح مَعْنَاهَا، قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَالنَّاس يضمون الرَّاء من قَوْلهم الله أكبر، وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس يَقُوله بِإِسْكَان الرَّاء، ويحتج بِأَن الْأَذَان سمع مَوْقُوفا غير مُعرب. وَكَذَلِكَ حَيّ على الصَّلَاة. حَيّ على الْفَلاح.
وَقَوله: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. أَي أعلم وَأبين ذَلِك، كَقَوْلِه: ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمرَان: ١٨] أَي بَين لكم وَأعْلمكُمْ.
стр. 1782
وَقَوله: حَيّ على الصَّلَاة: أَي هلموا إِلَى الصَّلَاة وَأَقْبلُوا إِلَيْهَا، وَفتحت الْيَاء من حَيّ لسكونها وَسُكُون الْيَاء الَّتِي قبلهَا، كَمَا قيل: لَيْت وَلَعَلَّ. وَقَول ابْن مَسْعُود: إِذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر مَعْنَاهُ: فَأَقْبَلُوا على ذكر عمر.
وَفِي الْفَلاح قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْبَقَاء. وَالثَّانِي: الْفَوْز.
وَقَوله: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. الْحول: الْحِيلَة. يُقَال: حولق الرجل وحوقل: إِذا قَالَ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. كَمَا يُقَال بسمل: إِذا قَالَ: بِسم الله، وهيلل: إِذا قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، وحيعل: إِذا قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة.
وَإِنَّمَا قوبلت كَلِمَات الْأَذَان بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّهَا إِقْرَار وَشَهَادَة. فَأَما حَيّ على الصَّلَاة، حَيّ على الْفَلاح، فدعاء للسامع إِلَى الْحُضُور، فَلَا يصلح أَن يُقَابل بِمثلِهِ، وَإِنَّمَا يُقَال: لَا حول: أَي لَا قدرَة لي أَن أُجِيب مَا دعيت إِلَيْهِ إِلَّا بِاللَّه.
٢٢٩١ - / ٢٩٠١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَنه بلغ مُعَاوِيَة أَن عبد الله ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ يحدث أَنه سَيكون ملك من قحطان. فَغَضب مُعَاوِيَة، فَقَامَ فَقَالَ: إِنَّه بَلغنِي أَن رجَالًا مِنْكُم يتحدثون أَحَادِيث لَيست فِي كتاب الله، وَلَا تُؤثر عَن رَسُول الله، وَأُولَئِكَ جهالكم، فإياكم والأماني الَّتِي تضل أَهلهَا؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " إِن هَذَا
стр. 1783
الْأَمر فِي قُرَيْش، لَا يعاديهم أحد إِلَّا كَبه الله على وَجهه، مَا أَقَامُوا الدّين ".
قَوْله: لَا تُؤثر: أَي لَا تروى.
والأماني: بِمَعْنى التِّلَاوَة، وأنشدوا:
(تمنى كتاب الله أول ليله ... وَآخره لَاقَى حمام المقادر)
فَيكون الْمَعْنى: إيَّاكُمْ وَقِرَاءَة مَا فِي الصُّحُف الَّتِي تُؤثر عَن أهل الْكتاب مِمَّا لم يَأْتِ بِهِ الرَّسُول ﷺ ، فَكَأَن عبد الله بن عَمْرو قَرَأَ هَذَا من كتاب، وَقد كَانَ ينظر فِي التَّوْرَاة ويحكي عَنْهَا، فَغَضب مُعَاوِيَة، وَلَو كَانَ حدث بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ لم يُنكر عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَّهمًا.
٢٢٩٢ - / ٢٩٠٣ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" إِن الله يباهي بكم الْمَلَائِكَة ".
المباهاة: الْمُفَاخَرَة، وَمَعْنَاهَا من الله التَّفْضِيل لهَؤُلَاء على الْمَلَائِكَة.
٢٢٩٣ - / ٢٩٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قُمْت فِي مقَامي فَصليت،
стр. 1784
فَقَالَ مُعَاوِيَة: أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَلا توصل صَلَاة حَتَّى نتكلم أَو نخرج.
إِنَّمَا أَمر بذلك ليتبين انْفِصَال مَا بَين الصَّلَاتَيْنِ.
стр. 1785
(١١١) كشف الْمُشكل من مُسْند الْمُغيرَة بن شُعْبَة
شهد الْحُدَيْبِيَة مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ يلازمه فِي سَفَره وحضره، وَيحمل وضوءه مَعَه.
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث وَسِتَّة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ اثْنَا عشر حَدِيثا.
٢٢٩٤ - / ٢٩٠٨ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " يَا مغير، خُذ الْإِدَاوَة " فَتبرز قبل العائط، وَفِي لفظ: وَتَوَضَّأ وَمسح بناصيته وعَلى الْعِمَامَة والخفين، وَأَقْبَلت مَعَه فيجد النَّاس قد قدمُوا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فصلى لَهُم، فَأدْرك رَسُول الله ﷺ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا سلم عبد الرَّحْمَن قَامَ رَسُول الله ﷺ يتم صلَاته، فأفزع ذَلِك الْمُسلمين فَأَكْثرُوا التَّسْبِيح، فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ: " أَحْسَنْتُم " يَغْبِطهُمْ أَن صلوا الصَّلَاة لوَقْتهَا.
الْإِدَاوَة: إِنَاء من جُلُود كالركوة.
وتبرز: خرج وبرز من الْبيُوت. وَالْبرَاز مَفْتُوحَة الْبَاء اسْم للفضاء الْوَاسِع من الأَرْض، كنوا بِهِ عَن حَاجَة الْإِنْسَان، كَمَا كنوا بالخلاء عَنهُ،
стр. 1786
يُقَال: تبرز الرجل: إِذا تغوط. وَقيل: الْغَائِط نَحوه، وَهُوَ الْمَكَان المطمئن.
والناصية: مقدم شعر الرَّأْس.
وَقَوله: تَوَضَّأ. اشتقاق الْوضُوء من الْوَضَاءَة، وَهِي الْحسن، يُقَال: وَجه وضيء: أَي حسن، من أوجه وضاء، ثمَّ صَار التنظف بِالْمَاءِ نوعا من الْحسن.
وَقد سبق بَيَان الْمسْح على الْعِمَامَة فِي مُسْند عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي قبل أوراق، وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ فِي مُسْند عَليّ ﵇.
وَإِنَّمَا فزع الْمُسلمُونَ من تقديمهم سوى رَسُول الله ﷺ وائتمام الرَّسُول بِغَيْرِهِ.
ويغبطهم: يحسن لَهُم فعلهم ويمدحهم عَلَيْهِ وَيبين لَهُم أَنه مِمَّا يغبط على مثله.
وَقَوله: أَن صلوا: أَي لِأَن صلوا لوَقْتهَا.
٢٢٩٥ - / ٢٩٠٩ - وَقد سبق الحَدِيث الثَّانِي: فِي مُسْند مُعَاوِيَة وَغَيره.
٢٢٩٦ - / ٢٩١٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: مَا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ أحد عَن الدَّجَّال أَكثر مِمَّا سَأَلته، فَقَالَ: " مَا ينصبك مِنْهُ؟ " قلت: يَا رَسُول الله، إِنَّهُم يَقُولُونَ: إِن مَعَه أَنهَار المَاء وجبال الْخبز، قَالَ: " هُوَ أَهْون على الله من ذَلِك ".
стр. 1787
قَوْله: " ينصبك " أَي يتعب فكرك ويشغل قَلْبك. وَالنّصب: التَّعَب، وَتارَة يكون تَعب الْجِسْم، وَتارَة يكون تَعب الْقلب.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: " هُوَ أَهْون من ذَلِك " وَقد سبق فِي مُسْند حُذَيْفَة أَن: " مَعَ الدَّجَّال مَاء ونار "؟ فَالْجَوَاب: أَنه تخييل لَا حَقِيقَة، بِدَلِيل تَمام الحَدِيث؛ فَإِنَّهُ قَالَ: " فَالَّذِي يرى النَّاس أَنه نَار فماء بَارِد، وَالَّذِي يرَاهُ النَّاس أَنه مَاء بَارِد فَنَار تحرق " وَفِي الْجُمْلَة فقد أعطي شَيْئا يَسِيرا للفتنة، فَإِن الله تَعَالَى يُقيم الشُّبْهَة فِي مُقَابلَة الْحجَّة، ويفرض على الْعقل الْفرق.
٢٢٩٧ - / ٢٩١١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد "
وَقد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي سعيد.
وَفِيه: كَانَ ينْهَى عَن قيل وَقَالَ، وإضاعة المَال، وَكَثْرَة السُّؤَال. وَكَانَ ينْهَى عَن عقوق الْأُمَّهَات، ووأد الْبَنَات، وَمنع وهات.
أما قيل وَقَالَ فَالْمُرَاد بِهِ حِكَايَة مَا لَا يعلم صِحَّته؛ فَإِن الحاكي يَقُول: قيل وَقَالَ.
وَأما إِضَاعَة المَال فَيكون من وُجُوه أمهاتها أَرْبَعَة: أَحدهمَا: أَن يتْركهُ
стр. 1788
من غير حفظ لَهُ فيضيع. وَالثَّانِي: أَن يتلفه إِمَّا بِتَرْكِهِ إِذا كَانَ طَعَاما حَتَّى يفْسد، أَو يرميه إِن كَانَ يَسِيرا كبرا عَن تنَاول الْقَلِيل، أَو بِأَن يرضى بِالْغبنِ، أَو بِأَن ينْفق فِي الْبناء واللباس والمطعم مَا هُوَ إِسْرَاف. وَالثَّالِث: أَن يُنْفِقهُ فِي الْمعاصِي، فَهَذَا تَضْييع من حَيْثُ الْمَعْنى. وَالرَّابِع: أَن يسلم مَال نَفسه إِلَى الخائن، أَو مَال الْيَتِيم إِلَيْهِ إِذا بلغ مَعَ علمه بتبذيره.
أما كَثْرَة السُّؤَال فَفِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: كَثْرَة السُّؤَال للرسول ﷺ ؛ فَإِنَّهُ قد قَالَ: " ذروني مَا تركتكم "؛ فَإِنَّهُ رُبمَا سَأَلُوا فأجيبوا بِمَا لَا يطيقُونَهُ من الْمَفْرُوض. وَالثَّانِي: سُؤال النَّاس؛ فَإِن من قصد سد الْفَاقَة لم يكثر السُّؤَال.
وَأما عقوق الْأُمَّهَات فَإِنَّمَا خص الْأُمَّهَات بِالذكر لعظم حقهن، وحقهن مقدم على حق الْأَب كَمَا قدمهن فِي الْبر، وَإِنَّمَا يخص الشَّيْء بِالذكر من بَين جنسه لِمَعْنى فِيهِ يزِيد على غَيره، كَمَا قَالَ: " من رمانا بِاللَّيْلِ فَلَيْسَ منا "؛ وَإِن كَانَ الحكم كَذَلِك بِالنَّهَارِ، وَلَكِن الرَّمْي بِاللَّيْلِ أَشد قبحا ونكاية؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي على غَفلَة.
وَأما وأد الْبَنَات فَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ من الموءودة، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك ببناتهم فِي الْجَاهِلِيَّة، كَانَ أحدهم رُبمَا ولدت لَهُ الْبِنْت فيدفنها وَهِي حَيَّة حِين تولد، وَلِهَذَا كَانُوا يسمون الْقَبْر صهرا: أَي قد زَوجهَا مِنْهُ، قَالَ الشَّاعِر:
стр. 1789
(سميتها إِذْ ولدت تَمُوت ... )
(والقبر صهر ضَامِن زميت ... )
(لَيْسَ لمن ضمنه تربيت ... )
(يَا بنت شيخ مَا لَهُ سبروت ... )
أَي قَلِيل، من قَوْلهم: أَرض سباريت: وَهِي الَّتِي لَا شَيْء فِيهَا.
وَقَوله: وَمنع وهات، يَعْنِي منع مَا على الْإِنْسَان من الْحُقُوق والواجبات وَطلب مَا لَا يحل لَهُ أَخذه من أَمْوَال النَّاس. قَالَ ابْن مَنْصُور: قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل: مَا معنى منع وهات؟ قَالَ: أَن تمنع مَا عنْدك، وَلَا تصدق، وَلَا تُعْطِي، وتمد يدك فتأخذ من النَّاس.
٢٢٩٨ - / ٢٩١٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: قَالَ سعد بن عبَادَة: لَو رَأَيْت رجلا مَعَ امْرَأَتي لضربته بِالسَّيْفِ غير مصفح.
الْمَعْنى: غير ضَارب بصفحة السَّيْف. وصفحتاه: وجهاه، وَأَرَادَ أَنِّي كنت أضربه بحده. وَقَول بعض الروَاة: غير مصفح عَنهُ، غلط؛ لِأَنَّهُ
стр. 1790
رَوَاهُ بِالْمَعْنَى، وظنه من الصفح الَّذِي هُوَ الْعَفو فَزَاد فِيهِ لَفْظَة: عَنهُ.
وَقد تكلمنا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود فِي معنى غيرَة الله ، وَمعنى: مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن.
وَأما قَوْله: " وَلَا شخص أغير من الله " فالشخص هَاهُنَا يرجع إِلَى الْأَشْخَاص المخلوقين، لَا أَن الله يُقَال لَهُ شخص، فَكَأَن الْمَعْنى: لَيْسَ مِنْكُم أَيهَا الْأَشْخَاص أغير من الله. وَمثل هَذَا قَوْله: مَا خلق الله من سَمَاء وَلَا أَرض أعظم من آيَة الْكُرْسِيّ. والخلق رَاجع إِلَى الْمَخْلُوقَات، وَالْمعْنَى: أَن آيَة الْكُرْسِيّ أعظم من جَمِيع الْمَخْلُوقَات، وَكَذَلِكَ قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي حَدِيث آيَة الْكُرْسِيّ.
وَقد انزعج لهَذِهِ اللَّفْظَة الْخطابِيّ فَقَالَ: الشَّخْص لَا يكون إِلَّا جسما مؤلفا، وَإِنَّمَا يُسمى شخصا مَا كَانَ لَهُ شخوص وارتفاع، وَمثل هَذَا النَّعْت منفي عَن الله تَعَالَى، وخليق أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة غير صَحِيحَة، أَو أَن تكون تصحيفا من الرَّاوِي. قَالَ: وَقد رَوَاهُ أَبُو عوَانَة عَن عبد الْملك وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة، وَقد روته أَسمَاء بنت أبي بكر فَقَالَت: " لَا شَيْء أغير من الله " قَالَ: فالشخص وهم وتصحيف، وَلَيْسَ كل الروَاة يراعون اللَّفْظ؛ بل مِنْهُم من يحدث بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كلهم بفقيه.
следующие страницы →