Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
(٩٢) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي رَافع
مولى رَسُول الله ﷺ . كَانَ للْعَبَّاس فوهبه لرَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا أسلم الْعَبَّاس بشر رَسُول الله ﷺ بِإِسْلَامِهِ فَأعْتقهُ. وَكَانَ قد أسلم بِمَكَّة حِين أسلم الْعَبَّاس، وَشهد الخَنْدَق. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة.
٢٢٣٣ - / ٢٨٢٩ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: جَاءَ أَبُو رَافع فَقَالَ لسعد بن أبي وَقاص: ابتع مني بَيْتِي فِي دَارك، فَقَالَ: لَا أزيدك على أَرْبَعَة آلَاف منجمة.
المنجمة: الَّتِي فِي نُجُوم. والنجوم: الْأَوْقَات الْمُخْتَلفَة.
وَقَوله: " الْجَار أَحَق بسقبه " يرْوى بِالسِّين وَالصَّاد. والسقب والصقب: الْقرب. قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: كل صَاد أَو سين تَجِيء قبل الْقَاف فللعرب فِيهَا لُغَتَانِ: مِنْهُم من يَجْعَلهَا سينا وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا صادا.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَرَادَ بالصقب الملاصقة؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِمَا يَلِيهِ وَيقرب مِنْهُ.
стр. 1717
وَقد يحْتَج بِهَذَا من يرى الشُّفْعَة بالجوار، وَلَا حجَّة لَهُم؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اللَّفْظ صَرِيحًا فِي الشُّفْعَة، فَيحْتَمل أَن يكون أَحَق بِالْبرِّ والمعونة. وَيحْتَمل أَن يُرِيد بالجار هَاهُنَا الشَّرِيك، وَسَماهُ جارا لِأَنَّهُ أقرب الْجِيرَان بالمشاركة فَحِينَئِذٍ تكون لَهُ الشُّفْعَة. وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا كَانَت فِيهِ الشُّفْعَة لمَكَان طَرِيق هذَيْن الْبَيْتَيْنِ، فَإِن طريقهما كَانَت شائعة فِي الْعَرَصَة، وَهِي جُزْء من الدَّار فَلذَلِك اسْتحق الشُّفْعَة. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي الطّرق والعراص: هَل تجب فِيهَا الشُّفْعَة بانفرادها؟ على رِوَايَتَيْنِ.
٢٢٣٣ - م / ٢٨٣٠ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
استسلف النَّبِي ﷺ بكرا.
الْبكر: الفتي من الْإِبِل، فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْغُلَام من الذُّكُور. والقلوص بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة من الْإِنَاث. وَأما الرباعي فَهُوَ الَّذِي تمت لَهُ سِتّ سِنِين وَدخل فِي السَّابِعَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ استسلف لنَفسِهِ ثمَّ قضى من إبل الصَّدَقَة، وَالصَّدَََقَة لَا تحل لَهُ؟ فَالْجَوَاب: أَنه مَا استسلف لنَفسِهِ؛ إِذْ لَو كَانَ ذَلِك لما قَضَاهُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا استسلف للْفُقَرَاء من بعض الْأَغْنِيَاء فقضاه من
стр. 1718
الصَّدَقَة.
٢٢٣٤ - / ٢٨٣٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: لقد كنت أشوي لرَسُول الله ﷺ بطن الشَّاة، ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ.
المُرَاد بِبَطْنِهَا مَا فِي الْبَطن من الكبد وَغَيره.
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَنه أكل مَا مسته النَّار وَلم يتَوَضَّأ مِنْهُ. وَقد سبق فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة بَيَان نسخ هَذَا، لقَوْله: " توضؤوا مِمَّا مست النَّار ".
стр. 1719
(٩٣) كشف الْمُشكل من مُسْند سلمَان الْفَارِسِي
وَهُوَ من أهل أَصْبَهَان، من قَرْيَة يُقَال لَهَا جي. وَقيل: من رامهرمز سَافر يطْلب الدّين مَعَ قوم فغدروا بِهِ فباعوه من الْيَهُود، ثمَّ إِنَّه كُوتِبَ فأعانه رَسُول الله ﷺ فِي كِتَابَته، وَأسلم مقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة، وَمنعه الرّقّ عَن بدر وَأحد، وَأول غزَاة غَزَاهَا الخَنْدَق، وَشهد مَا بعْدهَا، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ بِحَفر الخَنْدَق. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة.
٢٢٣٥ - / ٢٨٣٣ - فَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
أَنه تداوله بضعَة عشر من رب إِلَى رب.
قد ذكرنَا أَنه سَافر مَعَ قوم فباعوه، ثمَّ بَاعه الَّذِي اشْتَرَاهُ كَذَلِك، إِلَى بضعَة عشر. قَالَ ابْن فَارس: الْبضْع: مَا بَين الْوَاحِد إِلَى التِّسْعَة. والرب: الْمَالِك.
٢٢٣٦ - / ٢٨٣٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: فَتْرَة مَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد
стр. 1720
سِتّمائَة سنة.
الفترة بَين الرُّسُل: الْمدَّة الَّتِي لَا رَسُول فِيهَا. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق: بَين آدم إِلَى نوح ألف وَمِائَتَا سنة، وَبَين نوح إِلَى إِبْرَاهِيم ألف وَمِائَة وثنتان وَأَرْبَعُونَ سنة، وَبَين إِبْرَاهِيم إِلَى مُوسَى خَمْسمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ، وَمن مُوسَى إِلَى دَاوُد خَمْسمِائَة وتسع وَسِتُّونَ، وَمن دَاوُد إِلَى عِيسَى ألف وثلاثمائة وست وَخَمْسُونَ، وَمن عِيسَى إِلَى مُحَمَّد سِتّمائَة سنة.
٢٢٣٧ - / ٢٨٣٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" إِن لله مائَة رَحْمَة " وَقد سبق فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: " فضها على الْمُتَّقِينَ " وأصل الفض: الْكسر والتفريق. وانفض الْقَوْم: تفَرقُوا.
٢٢٣٨ - / ٢٨٣٨ / - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " رِبَاط يَوْم وَلَيْلَة خير من صِيَام شهر وقيامه ".
الرِّبَاط: مُلَازمَة الثغر، وَأَصله أَن يرْبط هَؤُلَاءِ خيولهم وَهَؤُلَاء خيولهم، كل يعد لصَاحبه.
وَقَوله: " جرى عَلَيْهِ عمله " أَي ثَوَابه. " وَأجْرِي عَلَيْهِ رزقه " يَعْنِي من
стр. 1721
الْجنَّة. " وَأمن الفتان " فسره أَبُو عبد الله الْحميدِي فَقَالَ: الفتان: الشَّيْطَان؛ لِأَنَّهُ يفتن النَّاس بخدعه وتزيينه الْمعاصِي. وَلَا أرى لهَذَا التَّفْسِير وَجها؛ لِأَن الْحِكَايَة عَمَّا بعد الْمَوْت، وَلَيْسَ للشَّيْطَان فِيمَا بعد الْمَوْت عمل، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَمن فتْنَة الْقَبْر، وَهِي سُؤال الْملك، فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ: " إِنَّكُم تفتنون فِي قبوركم ".
٢٢٣٩ - / ٢٨٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قيل لسلمان: قد علمكُم نَبِيكُم كل شَيْء حَتَّى الخراءة.
الخراءة مَكْسُورَة الْخَاء ممدودة الْألف، وَمَعْنَاهَا أدب التخلي وَالْقعُود عِنْد الْحَاجة. وَقد سبق الْكَلَام فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي مُسْند أبي أَيُّوب.
وَالْغَائِط: المطمئن من الأَرْض، ثمَّ صَار اسْما لما يكون فِيهِ من الرجيع.
والاستنجاء: التمسح بالأحجار، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَأَصله من النجوة: وَهِي الِارْتفَاع من الأَرْض، وَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ قَضَاء الْحَاجة تستر بنجوة من الأَرْض، فاشتق من ذَلِك الِاسْتِنْجَاء، إِن مسح فِيهِ أَو غسل، وَقد سبق هَذَا.
وَقَوله: بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار، فِيهِ دَلِيل على أَن من عدل عَن المَاء
стр. 1722
إِلَى الْأَحْجَار لم يجزه أقل من ثَلَاثَة أَحْجَار، وَهَذَا قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب الْعدَد، وَإِنَّمَا يعْتَبر الإنقاء فَحسب، فَإِنَّهُ قد يحصل بِالْحجرِ الْوَاحِد. وللشرع تعبد فِي الْمَعْقُول مَعْنَاهُ، كَمَا لَهُ تعبد فِيمَا لَا يعقل، أَلا ترى أَنه لما ورد الشَّرْع بسن مَعْلُوم فِي الْهَدْي وَالْأَضَاحِي لم يجز إِبْدَال سنّ بسن وَإِن كَانَ يعقل الْمَعْنى، وَالْعجب من أَصْحَاب الرَّأْي كَيفَ يُنكرُونَ دُخُول التَّعَبُّد فِي مثل هَذَا، وَلَهُم قَول فِي إِيجَاب ثَلَاث مَرَّات فِي غسل النَّجَاسَة وَإِن زَالَت بِأول مرّة.
وَأما الرجيع فَهُوَ الْعذرَة، وَسمي رجيعا لِأَنَّهُ رَجَعَ عَن حَالَته الأولى بعد أَن كَانَ طَعَاما.
وَعِنْدنَا أَنه لَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بالرجيع سَوَاء كَانَ طَاهِرا كروث الْبَقر وَالْإِبِل، أَو نجسا كروث الْبَغْل وَالْحمار، وَكَذَلِكَ الْعظم، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَأما إِذا كَانَ نجسا فالنجس لَا يجوز اسْتِعْمَاله. وَأما إِذا كَانَ الْعظم طَاهِرا فقد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود أَن الْجِنّ سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ الزَّاد فَقَالَ: " لكم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ، وكل بَعرَة علف لدوابكم " فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " فَلَا تستنجوا بهما؛ فَإِنَّهُمَا طَعَام إخْوَانكُمْ ". وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَدَاوُد: يجوز الِاسْتِنْجَاء بالروث وَالْعِظَام، وَسَوَاء فِي ذَلِك النَّجس والطاهر.
стр. 1723
٢٢٤٠ - / ٢٨٤٠ - والْحَدِيث الرَّابِع: قد سبق فِي مُسْند أُسَامَة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: " وَبهَا باض وفرخ " الْمَعْنى أَنَّهَا مَأْوَاه؛ لِأَن الطَّائِر إِنَّمَا يبيض ويفرخ فِي مستقره. وَقيل: أَرَادَ مَا يثيره من الشَّرّ بَينهم فِي الشِّرَاء وَالْبيع.
стр. 1724
(٩٤) كشف الْمُشكل من مُسْند خباب بن الْأَرَت
أسلم قَدِيما، وَكَانَ يعذب فِي الله ، وَشهد جَمِيع الْمشَاهد. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ اثْنَان وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة.
٢٢٤١ - / ٢٨٤١ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: قَوْله: كنت قينا فِي الْجَاهِلِيَّة.
الْقَيْن: الْحداد، وَجمعه قيون.
وَقَوله: وَالله لَا أكفر حَتَّى يُمِيتك الله ثمَّ يَبْعَثك. إِن قَالَ قَائِل: لم لم يقل لَا أكفر أبدا، فَكيف علقه على أَمر قريب فَقَالَ: حَتَّى يُمِيتك الله ثمَّ يَبْعَثك؟ فَالْجَوَاب: أَنه لما كَانَ اعْتِقَاد هَذَا الْمُخَاطب أَنه لَا يبْعَث، خاطبه على اعْتِقَاده، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا أكفر أبدا، وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ [هود: ١٠٧] ، فخاطبهم بِمَا يستعملونه لِلْأَبَد، وهم يَقُولُونَ: لَا أُكَلِّمك مَا دَامَت السَّمَاء، وَمَا أطت الْإِبِل، وَمَا اخْتلفت الدرة والجرة، يُرِيدُونَ الْأَبَد.
стр. 1725
وَقَوله: ﴿أفرءيت الَّذِي كفر بِآيَاتِنَا﴾ [مَرْيَم: ٧٧] ، يَعْنِي الْعَاصِ بن وَائِل، ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ﴾ أَي على زعمكم. وَتَقْدِير الْكَلَام: أرأيته مصيبا.
﴿أطلع الْغَيْب﴾ الْمَعْنى: أعلم مَا غَابَ عَنهُ حَتَّى يعلم أَفِي الْجنَّة هُوَ أم لَا؟ ﴿أم اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ أَي عهد إِلَيْهِ أَنه يدْخلهُ الْجنَّة.
﴿كلا﴾ لَيْسَ الْأَمر على مَا قَالَ من أَنه يُؤْتى المَال وَالْولد ﴿سنكتب﴾ ؛ أَي سنأمر الْحفظَة بِإِثْبَات قَوْله عَلَيْهِ ليجازيه.
﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ أَي نرث مَا عِنْده من المَال وَالْولد بإهلاكنا إِيَّاه ﴿ويأتينا فَردا﴾ بِلَا مَال وَلَا ولد.
٢٢٤٢ - / ٢٨٤٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: وَترك نمرة.
النمرة: كسَاء ملون من صوف، وكل شملة مخططة من مآزر الْأَعْرَاب فَهِيَ نمرة وَجَمعهَا نمار. وَقَالَ القتيبي: النمرة: بردة تلبسها الْإِمَاء، وَجمعه نمرات ونمار. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: إِذا غزل الصُّوف شزرا ونسج بالحف فَهُوَ كسَاء، وَإِذا غزل يسرا ونسج بالصيصية
стр. 1726
فَهُوَ بجاد، فَإِن جعل شقة وَلها هدب فَهِيَ نمرة، وَبرد، وشملة، فَإِذا كَانَت النمرة فِيهَا خطوط سوى ألوانها فَهِيَ برجد، فَإِن كَانَت منسوجة خيطا على خيط فَهِيَ منيرة، فَإِذا عرضت الخيوط الْبيض فَهِيَ عباءة، فَإِذا غزل شرزا جَاءَ خشنا لَا يدفئ وَهُوَ الَّذِي يغزل على الوحشي، وَإِذا غزل يسرا وَهُوَ الَّذِي يغزل على الْإِنْسِي جَاءَ لينًا دفيئا رَقِيقا.
وَقَوله: أينعت. قَالَ الزّجاج: يُقَال: ينع وأينع بِمَعْنى أدْرك قَالَ الْفراء: أينع أَكثر من ينع. وَهَذَا اسْتِعَارَة لما فتح الله عَلَيْهِم من الدُّنْيَا وَقَوله: يهدبها، الدَّال مَكْسُورَة، يُقَال: هدب الثَّمَرَة يهدبها هدبا: إِذا اجتناها.
٢٢٤٣ - / ٢٨٤٦ - وَفِي أَفْرَاد مُسلم:
شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ الرمضاء فَلم يشكنا. الرمضاء: شدَّة الْحر. وَالْأَصْل أَن الرمضاء الرمل، فَإِذا احْتَرَقَ بالتهاب حر
стр. 1727
الشَّمْس عَلَيْهِ نسب الْحر إِلَيْهِ. وَفِي الحَدِيث تَفْسِير ذَلِك، وَأَنَّهُمْ أَرَادوا تَأْخِير الظّهْر.
стр. 1728
(٩٥) كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الله بن زَمعَة بن الْأسود
فِيهِ حَدِيث وَاحِد:
٢٢٤٤ - / ٢٨٤٧ - وَفِيه ذكر النَّاقة: " انتدب لَهَا رجل عَزِيز عَارِم منيع فِي رهطه مثل أبي زَمعَة ".
الْعَزِيز: الْعَظِيم الْقدر الْبعيد الْمثل.
والعارم: الشَّديد الْجَاهِل. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العرم: الْجَاهِل. وَقَالَ الْفراء: العرام: الْجَهْل.
والمنيع: الْمُمْتَنع على من أَرَادَهُ.
وَأَبُو زَمعَة كَانَ عَم الزبير بن الْعَوام.
стр. 1729
(٩٦) كشف الْمُشكل من مُسْند جُبَير بن مطعم
جملَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عشرَة.
٢٢٤٥ - / ٢٨٥١ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الرَّابِع: سَمِعت النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي الْمغرب بِالطورِ، فَلَمَّا بلغ: ﴿أم خلقُوا من غير شَيْء أم هم الْخَالِقُونَ﴾ [الطّور: ٣٥] ، إِلَى قَوْله: ﴿ ... المسيطرون﴾ [الطّور: ٣٧] كَاد قلبِي أَن يطير.
الطّور: الْجَبَل، قَالَ مُجَاهِد: الطّور: الْجَبَل بالسُّرْيَانيَّة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الطّور: مَا لَا ينْبت من الْجبَال وَمَا أنبت فَلَيْسَ بطور.
وَيُمكن أَن يكون قَرَأَ جَمِيع السُّورَة وَيُمكن أَن يكون قَرَأَ بَعْضهَا، فَقَالَ: سمعته يقْرَأ بِالطورِ. وَالْبَاء قد تكون بِمَعْنى من، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ [الْإِنْسَان: ٦] أَي مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿أم خلقُوا من غير شَيْء﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْمَعْنى لَيْسُوا بأشد من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَقد خلقت من غير شَيْء وهم
стр. 1730
خلقُوا من آدم. وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: أم خلقُوا لغير شَيْء؛ أَي: أخلقوا عَبَثا، ذكرهمَا الزّجاج. وَالثَّالِث: أم خلقُوا فوجدوا بِلَا خَالق، وَذَلِكَ مَا لَا يجوز، لِأَن تعلق الْخلق بالخالق من ضَرُورَة الِاسْم: ﴿أم هم الْخَالِقُونَ﴾ لأَنْفُسِهِمْ، فَإِذا ثَبت أَن لَهُم خَالِقًا فليؤمنوا بِهِ، ذكره الْخطابِيّ، قَالَ: وَقَول: ﴿بل لَا يوقنون﴾ هِيَ الْعلَّة الَّتِي منعتهم عَن الْإِيمَان، وَلِهَذَا انزعج جُبَير بن مطعم لحسن مَعْرفَته بِمَا تحوي الْآيَة.
٢٢٤٦ - / ٢٨٥٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: رَأَيْت النَّبِي ﷺ يَوْم عَرَفَة وَاقِفًا مَعَ النَّاس بِعَرَفَة، فَقلت: هَذَا وَالله من الحمس، فَمَا شَأْنه هَاهُنَا؟
كَانَت قُرَيْش وَبَنُو كنَانَة يسمون الحمس، لأَنهم تحمسوا فِي دينهم: أَي تشددوا، والحماسة: الشدَّة فِي كل شَيْء، وَكَانُوا يقفون عَشِيَّة عَرَفَة بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحن قطن الْبَيْت، وَكَانَ بَقِيَّة الْعَرَب وَالنَّاس يقفون بِعَرَفَات، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٩] ، وَهَذِه الْآيَة نزلت فِي الْإِسْلَام وَذَاكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهَذَا الرجل إِنَّمَا رأى رَسُول الله ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَكَأَن رَسُول الله ﷺ خَالف قومه فِي هَذَا مَعَ مَا خَالف.
فَأَما حجَّة الْوَدَاع فَإِنَّهُ لم يكن ثمَّ مُشْرك. وَسَيَأْتِي هَذَا مُبينًا فِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين من مُسْند عَائِشَة ﵂.
стр. 1731
٢٢٤٧ - / ٢٨٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لامْرَأَة: " إِن لم تجديني فَأتي أَبَا بكر ".
وَهَذَا من النُّصُوص الْخفية على خلَافَة أبي بكر.
٢٢٤٨ - / ٢٨٥٤ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بدر: " لَو كَانَ الْمطعم بن عدي حَيا ثمَّ كلمني فِي هَؤُلَاءِ النتنى لتركتهم لَهُ ".
النتنى جمع نَتن، كالزمنى جمع زمن. وَإِنَّمَا خص الْمطعم بِهَذَا لِأَنَّهُ لما مَاتَ عَمه أَبُو طَالب وَمَاتَتْ خَدِيجَة خرج إِلَى الطَّائِف وَمَعَهُ زيد بن حَارِثَة، فَأَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة فِي جوَار الْمطعم بن عدي، فَأحب مكافأته لَو أمكن.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على جَوَاز إِطْلَاق الْأَسير والمن عَلَيْهِ من غير فدَاء. وَعِنْدنَا أَن الإِمَام مُخَيّر فِي الْأُسَارَى الْبَالِغين، إِن شَاءَ من عَلَيْهِم من غير فدَاء، وَإِن شَاءَ فاداهم، وَإِن شَاءَ قَتلهمْ، أَي ذَلِك كَانَ أصلح وأعز لِلْإِسْلَامِ فعل، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: إِن شَاءَ قَتلهمْ، وَإِن شَاءَ فاداهم، وَإِن شَاءَ استرقهم، وَلَا يمن عَلَيْهِم بِغَيْر عوض؛ فَإِن ذَلِك تَقْوِيَة للْكفَّار، وَزعم بَعضهم أَن الْمَنّ كَانَ خَاصّا لرَسُول الله ﷺ ، وَهَذِه دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا.
стр. 1732
٢٢٤٩ - / ٢٨٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: اضطروه إِلَى سَمُرَة فخطفت رِدَاؤُهُ.
السمرَة: شَجَرَة الطلح. والعضاة: شجر من شجر الشوك كالطلح والعوسج.
والاختطاف: الاستلاب بِسُرْعَة.
٢٢٥٠ - / ٢٨٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: مشيت أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله! أَعْطَيْت بني عبد الْمطلب وَتَرَكتنَا، وَنحن وهم مِنْك بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، فَقَالَ: " إِنَّمَا بَنو الْمطلب وَبَنُو هَاشم شَيْء وَاحِد ".
إِنَّمَا مَشى جُبَير وَعُثْمَان لِأَن جبيرا من بني نَوْفَل، وَعُثْمَان من بني عبد شمس، وهما أخوا هَاشم وَالْمطلب، إِلَّا أَن هاشما وَالْمطلب وَعبد شمس أخوة لأَب وَأم، وَنَوْفَل أخوهم لأبيهم لَا لأمهم. وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد أعْطى بني هَاشم وَبني الْمطلب من خمس خَيْبَر وَلم يُعْط بني عبد شمس، فَمضى عُثْمَان يطْلب لكَونه من بني عبد شمس، وَمضى جُبَير يطْلب لِأَنَّهُ من بني نَوْفَل، وَقَالا: نَحن وهم مِنْك بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، يعنون أَن الْكل أخوة، فَقَالَ: " إِنَّمَا بَنو الْمطلب وَبَنُو هَاشم شَيْء وَاحِد " أَي حكمهمَا وَاحِد. وَكَانَ يحيى ابْن معِين يرويهِ بِالسِّين الْمُهْملَة فَيَقُول: سي وَاحِد: أَي مثل وَاحِد، يُقَال: هَذَا سي هَذَا، وهما سيان. قَالَ الْخطابِيّ: وَهُوَ أَجود.
стр. 1733
أما قَوْله: " لم يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام " سَمِعت شَيخنَا أَبَا الْفضل ابْن نَاصِر يَقُول: بَنو الْمطلب دخلُوا مَعَ بني هَاشم إِلَى الشّعب لما حصرهم الْمُشْركُونَ دون غَيرهم.
وَفِي هَذَا الحَدِيث إِثْبَات سهم ذِي الْقُرْبَى؛ لِأَن عُثْمَان وجبيرا إِنَّمَا طَالبا لقرابتهما.
وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم:
٢٢٥١ - / ٢٨٥٧ - " لَا حلف فِي الْإِسْلَام، وَأَيّمَا حلف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة ".
أصل الْحلف: المعاقدة والمعاهدة على المعاضدة، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّة على الْقِتَال والغارات فَذَلِك الَّذِي أبْطلهُ الشَّرْع بقوله: " لَا حلف فِي الْإِسْلَام "، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّة على نصر الْمَظْلُوم وصلَة الْأَرْحَام، فَهُوَ الَّذِي لم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة.
стр. 1734
(٩٧) كشف الْمُشكل من مُسْند الْمسور بن مخرمَة
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ عشرُون حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة أَحَادِيث.
٢٢٥٢ - / ٢٨٥٨ - فَفِي الحَدِيث الأول: أَن عَليّ بن أبي طَالب خطب بنت أبي جهل.
أما بنت أبي جهل هَذِه فاسمها جوَيْرِية، أسلمت وبايعت رَسُول الله ﷺ ، فَخَطَبَهَا عَليّ، فجَاء عمومتها يستأذنون رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك فَقَالَ هَذَا الْكَلَام.
وَقَوله: " أَخَاف أَن تفتن " أصل الْفِتْنَة الاختبار والابتلاء، ثمَّ قد يُطلق على الْمخوف من الِابْتِلَاء، فَيُقَال: فتن فلَان فِي دينه: بِمَعْنى وَقع فِيمَا لَا يجوز. وَالضَّمِير الَّذِي ذكره مَا بنى عَلَيْهِ هُوَ أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع زوجه رَسُول الله ﷺ ابْنَته زَيْنَب.
وَقَوله: " لست أحرم حَلَالا وَلَا أحل حَرَامًا " الْمَعْنى: إِن هَذَا وَإِن جَازَ
стр. 1735
فَمَا يَقع، وَكَأن قَوْله: وَالله لَا تَجْتَمِع بنت نَبِي الله وَبنت عَدو الله " من جنس قَول أنس بن النَّضر: وَالله لَا يكسر سنّ الرّبيع، وَقَول الرَّسُول ﷺ : " لَو أقسم على الله لَأَبَره ". وَيحْتَمل أَن يكون رَسُول الله ﷺ قد شَرط على عَليّ ﵇ حِين زوجه فَاطِمَة أَلا يتَزَوَّج عَلَيْهَا، وَالشّرط فِي مثل هَذَا صَحِيح، وَلِهَذَا قَالَ: " لَا آذن " وَهَذَا الْوَجْه أولى من الأول، وَيدل عَلَيْهِ أَنه أثنى على أبي الْعَاصِ وشكره. وَجَاء فِي بعض الحَدِيث أَنه قَالَ: " حَدثنِي فوفى لي ".
والبضعة: الْقطعَة من اللَّحْم.
وَقَوله: " يريبني مَا رابها " يُقَال: رَابَنِي الرجل: إِذا استبنت مِنْهُ الرِّيبَة، وأرابنى: إِذا ظَنَنْت بِهِ ذَلِك وَلم تستبنه. قَالَ الشَّاعِر:
(أَخُوك الَّذِي إِن ربته قَالَ إِنَّمَا ... أربت، وَإِن عاتبته لَان جَانِبه)
فَمَعْنَى أربت: ظَنَنْت وَلم تحقق، وَقَالَ الْفراء وَأَبُو عُبَيْدَة: راب وأراب بِمَعْنى.
٢٢٥٣ - / ٢٨٥٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: قسم رَسُول الله ﷺ أقبية.
القباء فَارسي مُعرب، وَقيل: هُوَ عَرَبِيّ واشتقاقه من القبو وَهُوَ الضَّم
стр. 1736
وَالْجمع، كَذَلِك قرأته على شَيخنَا أبي مَنْصُور.
٢٢٥٤ - / ٢٨٦٠ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
خرج رَسُول الله ﷺ وزمن الْحُدَيْبِيَة.
الْحُدَيْبِيَة مُخَفّفَة، وَرُبمَا شددها من لَا يعرف، وَسميت بذلك لأجل شَجَرَة جدباء كَانَت هُنَاكَ.
والثنية: طَرِيق مُرْتَفع بَين جبلين.
وَقَوله: حل حل: زجر للناقة، يُقَال: حلحلت بِالْإِبِلِ: إِذا زجرتها لتنبعث.
فألحت: أَي لَزِمت مَكَانهَا. يُقَال: تلحلح الرجل: إِذا لزم مَكَانَهُ، وتحلحل عَنهُ: إِذا فَارقه.
وَقَوْلهمْ: خلأت. هُوَ مثل قَوْلهم: حرن الْفرس. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: لَا يكون الخلأ إِلَّا للنوق خَاصَّة.
وَقَوله: " مَا ذَاك لَهَا بِخلق " أَي مَا هُوَ من عَادَتهَا.
وَقَوله: " حَبسهَا حَابِس الْفِيل " يَعْنِي أَن الله تَعَالَى حَبسهَا كَمَا حبس الْفِيل حِين جَاءَ بِهِ أَبْرَهَة الحبشي ليهْدم الْكَعْبَة. وَوجه الْحِكْمَة فِي جَرَيَان
стр. 1737
الْقدر بذلك أَنه لَو دخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة عامئذ لم يُؤمن وُقُوع قتال كثير، وَقد سبق فِي الْعلم الْقَدِيم إِسْلَام جمَاعَة مِنْهُم وَوُجُود ذُرِّيَّة مُسلمين، فحبس عَن ذَلِك كَمَا حبس الْفِيل؛ إِذْ لَو دخل أَصْحَاب الْفِيل مَكَّة قتلوا خلقا، وَقد سبق الْعلم بِإِيمَان قوم، فَلم يكن للفيل عَلَيْهِم سَبِيل، فَمنع سَببه.
وَقَوله: " لَا يَسْأَلُونِي خطة يعظمون فِيهَا حرمات الله إِلَّا أَعطيتهم "، الخطة: الْحَال، قَالَ الزُّهْرِيّ: وَلِهَذَا لما قَالُوا: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن وَلَا نكتب رَسُول الله، وافقهم على مَا أَرَادوا.
والثمد: المَاء الْقَلِيل الَّذِي لَا مَادَّة لَهُ.
ويتبرضه النَّاس: أَي يأخذونه قَلِيلا قَلِيلا.
ونزحوه: أخذُوا جَمِيعه.
وتجيش: تَفُور وترتفع. يُقَال: جَاشَتْ الْقدر: إِذا غلت.
وصدروا: رجعُوا بعد ورودهم.
قَوْله: وَكَانُوا عَيْبَة نصح رَسُول الله: أَي مَوضِع سره وثقته، مُسلم الْقَوْم وكافرهم، لحلف كَانَ بَينهم فِي الْجَاهِلِيَّة.
وتهامة سميت بذلك لشدَّة حرهَا.
وَقَوله: تركت كَعْب بن لؤَي. أَي بني كَعْب بن لؤَي، وَهُوَ من قدماء الأجداد، فَإِن النَّبِي ﷺ هُوَ ابْن عبد الله بن الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي. وعامر أَخُو كَعْب.
وَقَوله: نزلُوا أعداد مياه الْحُدَيْبِيَة، الْأَعْدَاد جمع عد: وَهُوَ المَاء الْكثير
стр. 1738
الجم الَّذِي لَا انْقِطَاع لمادته، كَمَاء الْعين، وَالْمعْنَى نزلُوا على هَذِه الْمِيَاه.
والعوذ المطافيل: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُرِيد النِّسَاء وَالصبيان. والعوذ جمع عَائِذ: وَهِي النَّاقة إِذا وضعت وَبعدهَا تضع أَيَّامًا حَتَّى يقوى وَلَدهَا قَلِيلا، فَإِذا مَشى فَهُوَ مرشح، فَإِذا تبعها فَهِيَ متلية؛ لِأَنَّهُ يتلوها.
والمطافيل: الأمات، جمع مطفل: وَهِي النَّاقة مَعهَا طفلها، وَإِنَّمَا اسْتعَار ذَلِك. قَالَ ابْن فَارس: كل أُنْثَى إِذا وضعت فَهِيَ سَبْعَة أَيَّام عَائِذ بَيِّنَة العوذ، وَالْجمع عوذ، كَأَنَّهَا تعوذ بِوَلَدِهَا وتشتغل بِهِ.
وَقَوله: قد نهكتهم الْحَرْب. الْهَاء مكسوره، وَالْمعْنَى: أضرت بهم وأثرت فيهم، يُقَال: نهكته الْحمى: إِذا بلغت مِنْهُ وأثرت فِيهِ.
وَقَوله: " فقد جموا " يَعْنِي استراحوا، والجمام: الرَّاحَة بعد التَّعَب.
وَقَوله: " تنفرد سالفتي " السالفة: صفحة الْعُنُق من لدن مُعَلّق القرط، وهما سالفتان عَن يَمِين وشمال، وَإِنَّمَا عَنى الْهَلَاك؛ لِأَن السالفة لَا تنفرد عَمَّا يَليهَا إِلَّا بِالْقَتْلِ.
وَقَوله: استنفرت أهل عكاظ أَي دعوتهم إِلَى الْقِتَال. فَلَمَّا بلحوا عَليّ أَي أَبَوا. وأصل التبليح: الإعياء وَالْعجز، يُقَال: بلح الرجل: إِذا انْقَطع من الإعياء وَعجز عَن الْحَرَكَة، وَقد يُقَال بلح بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْله: قد عرض خطة رشد، الخطة: الْحَال، والرشد: الصَّوَاب.
والاستئصال: الإفراط فِي قطع الْأُصُول، وَنَحْوه الاجتياح.
стр. 1739
وَقَوله: أرى أشوابا، الأشواب والأوشاب والأوباش والأشايب: الأخلاط من النَّاس من قبائل شَتَّى.
وَقَوله: خليقا أَن يَفروا: أَي لَا يبعد ذَلِك مِنْهُم.
وَقَوله: امصص بظر اللات، البظر: مَا تبقيه الخافضة عِنْد الْقطع، وَالْمرَاد شتم آلِهَتهم.
وَقَوله: فَكلما كَلمه أَخذ بلحيته، هَذِه كَانَت عَادَة من عادات الْعَرَب تجْرِي مجْرى الملاطفة، وَلم يَدْفَعهُ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك حلما عَنهُ واستمالة لَهُ.
ونعل السَّيْف: مَا يكون أَسْفَل القراب من حَدِيد أَو فضَّة، وَإِنَّمَا فعل بِهِ الْمُغيرَة هَذَا لِأَن تِلْكَ الْعَادة كَانَت تجرى بَين النظراء.
وَأما قيام الْمُغيرَة على رَأس رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ كالحراسة لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مقَام حَرْب، فَلَا يجوز أَن يُؤْخَذ من هَذَا جَوَاز الْقيام على رَأس الرئيس على وَجه الْكبر؛ فَإِنَّهُ قد نهى ﵇ عَن ذَلِك بقوله: " من أحب أَن يتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قيَاما فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ".
قَوْله: أَي غدر، الْغَيْن مَضْمُومَة وَالدَّال مَفْتُوحَة، وَهُوَ نعت للمبالغ فِي الْغدر.
وَقَوله: أَلَسْت أسعى فِي غدرتك؟ ؛ كَانَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة قد خرج مَعَ نفر من بني مَالك إِلَى الْمُقَوْقس وَمَعَ الْقَوْم هَدَايَا، فقبلها مِنْهُم الْمُقَوْقس
стр. 1740
ووصلهم بجوائز، وَقصر بالمغيرة؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْقَوْم، فجلسوا فِي بعض الطَّرِيق يشربون، فَلَمَّا سَكِرُوا وناموا قَتلهمْ الْمُغيرَة جَمِيعًا وَأخذ مَا كَانَ مَعَهم، وَقدم على رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: مَا فعل المالكيون الَّذين كَانُوا مَعَك؟ قَالَ: قَتلتهمْ وَجئْت بأسلابهم إِلَى رَسُول الله ﷺ ليخمسها أَو يرى فِيهَا رَأْيه فَإِنَّمَا هِيَ غنيمَة من الْمُشْركين، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " أما إسلامك فنقبله، وَلَا آخذ من أَمْوَالهم شَيْئا وَلَا أخمسه؛ لِأَن هَذَا غدر، والغدر لَا خير فِيهِ ". وَإِنَّمَا امْتنع رَسُول الله ﷺ من أَخذ تِلْكَ الْأَمْوَال لِأَن الرفقاء يصطحبون على الْأَمَانَة، وَالْأَمَانَة مُؤَدَّاة إِلَى الْمُسلم وَالْكَافِر، وَبلغ الْخَبَر ثقيفا بِالطَّائِف فتداعوا لِلْقِتَالِ، ثمَّ اصْطَلحُوا على أَن يحمل عَنهُ عُرْوَة بن مَسْعُود - وَهُوَ عَم الْمُغيرَة - ثَلَاثَة عشر دِيَة، فَلذَلِك قَالَ: أَي غدر! أَلَسْت أسعى فِي غدرتك؟ .
وَقَوله: جعل يرمق أَصْحَاب رَسُول الله، أَي يلحظهم كالمسارق للنَّظَر.
وتنخم، من النخامة: وَهُوَ مَا يَأْتِي من أقْصَى الْفَم.
وَقَوله: يعظمون الْبدن: أَي يعظمون مَا أهدي إِلَى الْبَيْت احتراما للبيت.
وَقَوله: " رجل فَاجر "؛ أصل الْفُجُور: الْخُرُوج عَن الْحق.
وَقَوله: " قد سهل لكم من أَمركُم " دَلِيل على اسْتِحْبَاب التفاؤل بِالِاسْمِ الْحسن، وَإِنَّمَا يكره التشاؤم وَهُوَ التطير.
стр. 1741
وَفِيمَا جرى من موافقتهم فِي كتب مَا أَرَادوا تَعْلِيم لِلْخلقِ حسن المداراة والتلطف، وَلَا يَنْبَغِي أَن تخرج المداراة عَن الشَّرْع؛ فَإِن الرَّسُول ﷺ مَا وافقهم إِلَّا فِي جَائِز؛ لِأَن قَوْله: " بِاسْمِك اللَّهُمَّ " يتَضَمَّن معنى بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَنسبه إِلَى أَبِيه لَا يُخرجهُ عَن النُّبُوَّة.
وَأما قَول سُهَيْل: أما الرَّحْمَن فوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا هُوَ. فَإِنَّهُم كَانُوا يعْرفُونَ الرَّحْمَن، إِلَّا أَنه قَلِيل فِي لغتهم، قَالَ ثَعْلَب: هُوَ اسْم عبراني. قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: يذهب أَبُو الْعَبَّاس إِلَى أَن الرَّحْمَن اتّفقت فِيهِ لُغَة الْعَرَب ولغة الْعَجم، وَقد كَانَت الْعَرَب تعرف الرَّحْمَن فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ بَعضهم:
(أَلا ضربت تِلْكَ الفتاة هجينها ... أَلا قضب الرَّحْمَن رَبِّي يَمِينهَا)
وَقَالَ سَلامَة بن جندل:
( ... ... ... ... ... ... ... . . ... وَمَا يَشَأْ الرَّحْمَن يعْقد وَيُطلق)
وَقَوله: هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد؛ أَي فصل الحكم عَلَيْهِ. قَالَ الزّجاج: الْقَضَاء فِي اللُّغَة على ضروب، مرجعها إِلَى انْقِطَاع الشَّيْء وَتَمَامه.
وَقَوله: أَخذنَا ضغطة، الضغظة: الْقَهْر والتضييق.
стр. 1742
وَقد ذكرنَا قصَّة أبي جندل فِي مُسْند سهل بن حنيف.
والرسف: مشي الْمُقَيد.
وَقَوله: فَأَجره لي. هَكَذَا ضَبطه الْحميدِي بالراء. وَالزَّاي أليق.
وَأما غضب عمر ومراجعته، وتسكين أبي بكر فورة عمر، فَذَلِك دَلِيل على أَن أَبَا بكر أعلم النَّاس برَسُول الله ﷺ وأعرفهم ببواطن أُمُوره، وَإِن كَانَ عمر إِنَّمَا سَأَلَ لكشف الشُّبْهَة وتعرف أوجه الْحِكْمَة، لَا على وَجه الِاعْتِرَاض على الرَّسُول ﷺ ، وجرأه على ذَلِك حرصه على ظُهُور الدّين وعزه، كَمَا اجترأ يَوْم الصَّلَاة على ابْن أبي.
وَقَوله: لم نعطى الدنية؟ يَعْنِي: الدون.
وَقَول أبي بكر: استمسك بغرزه. الغرز للرحل بِمَنْزِلَة الركاب من السرج.
قَول عمر: فَعمِلت لذَلِك أعمالا، كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَنه اسْتغْفر مِمَّا فعل وَاعْتذر.
وَقَول النَّبِي ﷺ لأَصْحَابه: " قومُوا فَانْحَرُوا واحلقوا " دَلِيل على أَن من أحرم بِحَجّ أَو عمْرَة ثمَّ أحْصر فَإِنَّهُ ينْحَر الْهَدْي مَكَانَهُ وَيحل وَإِن لم يكن هَدْيه قد بلغ الْحرم.
وَأما توقف الصَّحَابَة وَهُوَ يَأْمُرهُم فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أَشْيَاء: إِمَّا أَن
стр. 1743
يَكُونُوا ظنُّوا أَنه يَأْمُرهُم بِالرُّخْصَةِ وَيلْزم هُوَ الْعَزِيمَة من بَقَائِهِ على الْإِحْرَام، فأحبوا مُوَافَقَته، أَو أَن يكون لرجاء أَن يَأْتِي الْوَحْي بِأَمْر يتمم لَهُم نسكهم، أَو أَن يَكُونُوا بهتُوا لذَلِك مفكرين فِيمَا قد لحقهم من الذل مَعَ بذل النُّفُوس لإعزاز الدّين.
وَأما مُشَاورَة رَسُول الله ﷺ أم سَلمَة وَقبُول قَوْلهَا فَفِيهِ دَلِيل على جَوَاز الْعَمَل بمشاورة النِّسَاء، ووهن لما يُقَال: شاوروهن وخالفوهن.
وَقَوله: ﴿إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات﴾ [الممتحنة: ١٠] ، لما وَقع الصُّلْح وَشرط فِيهِ رد من جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَجَاء أَبُو جندل فَرده على مَا شرحنا فِي مُسْند سهل بن حنيف، فَجَاءَت أم كُلْثُوم بنت عقبَة ابْن أبي معيط، فَخرج فِي أَثَرهَا أَخَوَاهَا الْوَلِيد وَعمارَة ابْنا عقبَة فَقَالَا: يَا مُحَمَّد، ف لنا بشرطنا. فَقَالَت أم كُلْثُوم: يَا رَسُول الله ﴿أَنا امْرَأَة، وَحَال النِّسَاء إِلَى الضعْف مَا قد علمت، فتردني إِلَى الْكفَّار يفتنونني وَلَا صَبر لي﴾ فنقض الله الْعَهْد فِي النِّسَاء وَأنزل فِيهِنَّ هَذِه الْآيَة، وَحكم بِحكم رضوه كلهم.
والامتحان أَن يَقُول: وَالله مَا أخرجكن إِلَّا حب الله وَرَسُوله، وَمَا خرجتن لزوج وَلَا مَال، فَإِذا قُلْنَ ذَلِك تركن فَلم يرددن.
وَالْمَشْهُور أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أم كُلْثُوم. وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا فِي سبيعة بنت الْحَارِث، وَقيل: فِي أُمَيْمَة بنت بشر. قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: وَقد اخْتلف الْعلمَاء: هَل دخل رد النِّسَاء فِي عقد الْهُدْنَة لفظا أَو عُمُوما؟
стр. 1744
فَقَالَت طَائِفَة: كَانَ شَرط ردهن فِي عقد الْهُدْنَة لفظا صَرِيحًا، فنسخ الله تَعَالَى ردهن من العقد، وَمنع مِنْهُ وأبقاه فِي الرِّجَال على مَا كَانَ. وَهَذَا يدل على أَن للنَّبِي ﷺ أَن يجْتَهد بِرَأْيهِ فِي الْأَحْكَام، وَلَكِن الله لَا يقره على خطأ. وَقَالَت طَائِفَة: لم يشرط ردهن فِي العقد لفظا صَرِيحًا وَإِنَّمَا أطلق العقد، فَكَانَ ظَاهر الْعُمُوم اشتماله عَلَيْهِنَّ مَعَ الرِّجَال؛ لأَنهم قَالُوا: لَا يَأْتِيك منا أحد، فَبين الله خروجهن من عُمُوم اللَّفْظ، وَفرق بَينهُنَّ وَبَين الرِّجَال لأمرين: أَحدهمَا: أَنَّهُنَّ ذَوَات فروج فحرمن عَلَيْهِم. وَالثَّانِي: أَنَّهُنَّ أرق قلوبا وأسرع تقلبا. فَأَما المقيمة على شركها فمردودة عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿الله أعلم بإيمانهن﴾ أَي إِن هَذَا الامتحان لكم وَالله أعلم بِهن. ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ وَذَلِكَ بإقرارهن.
وَقَوله: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ يَعْنِي أَزوَاجهم الْكفَّار ﴿مَا أَنْفقُوا﴾ يَعْنِي الْمهْر. وَهَذَا إِذا تزَوجهَا مُسلم، وَإِن لم يَتَزَوَّجهَا أحد فَلَيْسَ لزَوجهَا شَيْء، وَهَذَا مِمَّا نسخ.
وَقَوله: ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ يَعْنِي المهور.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الحربية إِذا هَاجَرت بعد دُخُول زَوجهَا بهَا: فمذهب الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل أَن الْفرْقَة تقف على انْقِضَاء عدتهَا، فَإِن أسلم الزَّوْج قبل انْقِضَاء عدتهَا فَهِيَ امْرَأَته. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تقع الْفرْقَة باخْتلَاف الدَّاريْنِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ ؛ عصمتهن: عقد نِكَاحهنَّ، وَالْمرَاد نهي الْمُؤمنِينَ عَن الْمقَام على نِكَاح الكوافر؛ لِأَن
стр. 1745
عصمتهن قد انْقَطَعت.
قَالَ الزّجاج: وأصل الْعِصْمَة الْحَبل، وَالْمعْنَى قد انبت عقد النِّكَاح.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿واسألوا مَا أنفقتم﴾ أَي إِن لحقت امْرَأَة مِنْكُم بِأَهْل الْعَهْد من الْكفَّار مرتدة فسلوهم مهرهَا إِذا لم يدفعوها إِلَيْكُم. ﴿وليسألوا﴾ يَعْنِي الْمُشْركين الَّذين لحقت أَزوَاجهم بكم مؤمنات، ليطلبوا مهورهن مِمَّن يتزوجهن مِنْكُم. وَالْمعْنَى: عَلَيْكُم أَن تغرموا الْمهْر كَمَا يغرمون لكم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم﴾ أَي أصبتموهم بعقوبة حَتَّى غَنِمْتُم. وَقَالَ الزّجاج: كَانَت العقبى لكم بِأَن غلبتم ﴿فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم﴾ أَي أعْطوا الْأزْوَاج من رَأس الْغَنِيمَة مَا أَنْفقُوا، وَهُوَ الْمهْر.
وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَحْكَام من أَدَاء الْمهْر، وَأَخذه من الْكفَّار، وتعويض الزَّوْج من الْغَنِيمَة، كل ذَلِك مَنْسُوخ بِآيَة السَّيْف، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي زمَان الْهُدْنَة.
وَأما أَبُو بَصِير فاسمه عتبَة بن أسيد بن جَارِيَة، أسلم بِمَكَّة قَدِيما، فحبسه الْمُشْركُونَ عَن الْهِجْرَة، وَذَلِكَ قبل عَام الْحُدَيْبِيَة، فَلَمَّا نزل رَسُول الله ﷺ الْحُدَيْبِيَة وقاضى قُريْشًا على مَا قاضاهم عَلَيْهِ وَقدم الْمَدِينَة أفلت أَبُو بَصِير من قومه، فَسَار على قَدَمَيْهِ سبعا حَتَّى أَتَى رَسُول الله ﷺ ،
стр. 1746
فَكتب الْأَخْنَس بن شريق وأزهر بن عبد عَوْف إِلَى رَسُول الله ﷺ كتابا، فِيهِ أَن يردهُ إِلَيْهِم على مَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ، وبعثاه مَعَ خُنَيْس بن جَابر، فَخرج خُنَيْس وَمَعَهُ مَوْلَاهُ كوثر، فَدفعهُ إِلَيْهِمَا فَخَرَجَا بِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِذِي الحليفة عدا أَبُو بَصِير على خُنَيْس فَقتله، وهرب كوثر حَتَّى قدم الْمَدِينَة، فَأخْبر النَّبِي ﷺ ، وَرجع أَبُو بَصِير فَقَالَ: وفت ذِمَّتك يَا رَسُول الله، دفعتني إِلَيْهِم فَخَشِيت أَن يفتنوني عَن ديني فامتنعت، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لكوثر: " خُذْهُ فَاذْهَبْ بِهِ " فَقَالَ: أَخَاف أَن يقتلني، فَتَركه وَرجع إِلَى مَكَّة، فَأخْبر قُريْشًا، وَخرج أَبُو بَصِير إِلَى الْعيص فَنزل نَاحيَة على طَرِيق عير قُرَيْش إِلَى الشَّام، فَجعل من بِمَكَّة من المحبوسين يَتَسَلَّلُونَ إِلَى أبي بَصِير، فَاجْتمع عِنْده مِنْهُم قريب من سبعين، مِنْهُم أَبُو جندل والوليد ابْن الْوَلِيد، فَجعلُوا لَا يظفرون بِأحد من قُرَيْش إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلَا بعير لَهُم إِلَّا اقتطعوها، وكتبت قُرَيْش إِلَى النَّبِي ﷺ يسألونه بأرحامهم إِلَّا أَدخل أَبَا بَصِير وَأَصْحَابه إِلَيْهِ فَلَا حَاجَة لنا بهم، فَكتب النَّبِي ﷺ إِلَى أبي بَصِير أَن يقدم عَلَيْهِ مَعَ أَصْحَابه، فَجَاءَهُ الْكتاب وَهُوَ يَمُوت، فَجعل يقرأه ويقبله ويضعه على عَيْنَيْهِ، فَمَاتَ وَهُوَ فِي يَده، فَغسله أَصْحَابه وصلوا عَلَيْهِ ودفنوه هُنَاكَ، ثمَّ قدمُوا على النَّبِي ﷺ فأخبروه، فترحم عَلَيْهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ حسن أَن يرد مُسلما إِلَى الْكفَّار؟ فَالْجَوَاب: أَن أَبَا بَصِير هَذَا كَانَت لَهُ عشيرة وموال يَذبُّونَ عَنهُ، ثمَّ غَايَة مَا يحملونه عَلَيْهِ التَّكَلُّم بالْكفْر، وَذَلِكَ جَائِز على جِهَة التقية على مَا بَينا فِي قصَّة أبي جندل فِي مُسْند سهل بن حنيف.
стр. 1747
وَقَوله: " ويل أمه، مسعر حَرْب "؛ ويل أمه كلمة تعجب، يصفه بالإقدام، والمسعر: الموقد، فَالْمَعْنى أَنه موقد حَرْب. يُقَال: سعرت النَّار وأسعرتها فَهِيَ مسعرة ومسعورة. والمسعر: الْخشب الَّذِي تسعر بِهِ النَّار: أَي توقد.
وَسيف الْبَحْر: ساحله.
والعصابة: الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ لَهَا وَاحِد من ألفاظها. وَأما الْعصبَة فنحو الْعشْرَة، وَقيل: هِيَ الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين، وَجَمعهَا عصب.
وَقَوله: طلق عمر امْرَأتَيْنِ، كَانَ عمر قد تزوج فِي الشّرك قريبَة بنت أبي أُميَّة، وَأم كُلْثُوم بنت جَرْوَل، وَكَانَت قد ولدت لعمر زيدا وَهُوَ الْأَصْغَر، وَعبيد الله.
وَقَوله: وَهِي عاتق، العاتق من الْجَوَارِي الَّتِي تحدر حِين تدْرك.
والأحابيش: الْجَمَاعَات المجتمعون من قبائل شَتَّى، والتحبش: التجمع.
٢٢٥٥ - / ٢٨٦١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " حَتَّى يرفع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمركُم ".
العرفاء جمع عريف، والعريف: الَّذِي يتعرف أَحْوَال الْقَوْم وأمورهم كالنقيب.
٢٢٥٦ - / ٢٨٦٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " إِن سبيعة نفست ".
стр. 1748
أَي ولدت. يُقَال: نفست الْمَرْأَة ونفست بِضَم النُّون وَفتحهَا: إِذا ولدت، فإمَّا إِذا حَاضَت فبفتح النُّون.
стр. 1749
(٩٨) كشف الْمُشكل من مُسْند حَكِيم بن حزَام
أسلم يَوْم الْفَتْح، وَكَانَ يبكي على تَأَخّر إِسْلَامه وَيَقُول: مَا أهلكنا إِلَّا الِاقْتِدَاء بِآبَائِنَا وكبرائنا.
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة.
٢٢٥٧ - / ٢٨٦٥ - وَفِي الحَدِيث الأول: " إِن هَذَا المَال خضر حُلْو ".
كل غض ناعم خضر، وَأَصله من خضرَة الشَّجَرَة
وَقَوله: " فَمن أَخذه بسخاوة نفس " أَي بِلَا شَره وَلَا إلحاح، وَقل من يَأْخُذ الشَّيْء بشره إِلَّا وَيَأْخُذهُ بِغَيْر حَقه وَمن غير وَجهه.
وَقَوله: " بإشراف نفس " أَي بتطلع إِلَيْهِ وحرص عَلَيْهِ وطمع فِيهِ.
وَقَوله: " الْيَد الْعليا " قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: " لَا أرزأ أحدا بعْدك " أَي لَا أُصِيب مِنْهُ شَيْئا. يُقَال: فلَان كريم مرزأ: أَي يُصِيب النَّاس من رفده وعطائه. وأصل الرزء النُّقْصَان، وَسميت الْمُصِيبَة رزءا لِأَنَّهَا نقص من المَال والأحباب.
стр. 1750
وَقد كَانَ حَكِيم بن حزَام يعد من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، ثمَّ اسْتَقر الْإِيمَان فِي قلبه فَصَارَ أثبت من الْجبَال، فَكَانَ لَا يَأْخُذ حَقه من بَيت المَال، لَا من أبي بكر وَلَا من عمر.
٢٢٥٨ - / ٢٨٦٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت أمورا كنت أتحنث بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة من صَلَاة وعتاقة وَصدقَة، هَل لي فِيهَا أجر؟ فَقَالَ: " أسلمت على مَا سلف لَك من خير ".
أتحنث بِمَعْنى أَتَعبد وأقصد الْبر. وَكَانَ حَكِيم بن حزَام قد أعتق مائَة رَقَبَة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَحمل على مائَة بعير، ونرى أَن رَسُول الله ﷺ ورى عَن جَوَابه، فَإِنَّهُ سَأَلَهُ: هَل لي فِيهَا أجر؟ يُرِيد ثَوَاب الْآخِرَة، وَمَعْلُوم أَنه لَا ثَوَاب فِي الْآخِرَة لفعل كَافِر، فَقَالَ لَهُ: " أسلمت على مَا سلف لَك من خير " فالعتق فعل خير، وَقد قَالَ شُعَيْب لِقَوْمِهِ " ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَير﴾ [هود: ٨٤] يُشِير إِلَى رخص الأسعار، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ أَنَّك قد فعلت خيرا، وَالْخَيْر يمدح فَاعله، وَقد يجازى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَقد سبق فِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " أما الْكَافِر فيطعم بحسناته فِي الدُّنْيَا، فَإِذا لَقِي الله لم يكن لَهُ حَسَنَة يعْطى بهَا خيرا ". وَقد يدْفع عَن الْكَافِر بعض الْعَذَاب، كَمَا دفع عَن أبي طَالب فَكَانَ أخف أهل النَّار عذَابا، وَقد أجَاب أَبُو سُلَيْمَان البستي بِجَوَاب آخر فَقَالَ: قد رُوِيَ أَن حَسَنَات الْكَافِر إِذا ختم لَهُ بِالْإِسْلَامِ
стр. 1751
مَقْبُولَة ومحتسبة لَهُ، فَإِن مَاتَ على كفره كَانَ هدرا، وَإِن صَحَّ هَذَا كَانَ الْمَعْنى: أسلمت على قبُول مَا لَك من خير.
٢٢٥٩ - / ٢٨٦٧ - والْحَدِيث الثَّالِث: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
٢٢٦٠ - / ٢٨٦٨ - وَالرَّابِع: بعضه فِي مُسْند ابْن عمر، وَبَعضه فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة.
стр. 1752
(٩٩) كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الله بن مَالك
هَذَا الرجل يعرف بِأُمِّهِ بُحَيْنَة، وَلَا يكَاد ينْسب إِلَى أَبِيه مَالك، وَقد كتب الْحميدِي فِي كتاب " الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ " عبد الله بن مَالك، ابْن بُحَيْنَة، فَرُبمَا ظن من لَا خبر لَهُ بِعلم النَّقْل أَن بُحَيْنَة اسْم جده أَو جدته، وَإِنَّمَا ذكر أَبوهُ وَعرف باسم أمه. وَقد بَينا فِيمَا سبق مثل هَذَا فِي مُسْند عَليّ ﵇، فَإِنَّهُ يُقَال فِيمَا يرويهِ ابْنه مُحَمَّد: مُحَمَّد بن عَليّ، ابْن الْحَنَفِيَّة. وَكَذَلِكَ يُقَال: عبد الله بن أبي، ابْن سلول، وسلول أمه. وَقد ذكرنَا هَذَا ليعرف.
وَجُمْلَة مَا روى ابْن بُحَيْنَة عَن رَسُول الله ﷺ سَبْعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة.
٢٢٦١ - / ٢٨٦٩ - فَفِي الحَدِيث الأول: أَن النَّبِي ﷺ سجد للسَّهْو قبل السَّلَام.
وَقد ذكرنَا الْخلاف فِي هَذَا فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ.
٢٢٦٢ - / ٢٨٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن رَسُول الله ﷺ احْتجم
стр. 1753
وَهُوَ محرم بِلحي جمل فِي وسط رَأسه.
قد تكلمنا فِي حجامة الْمحرم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
ولحي جمل: اسْم مَوضِع فِي طَرِيق مَكَّة.
٢٢٦٣ - / ٢٨٧١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كَانَ إِذا صلى فرج بَين يَدَيْهِ حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ. وَفِي رِوَايَة: كَانَ إِذا سجد يجنح فِي سُجُوده حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ.
قَوْله: فرج بَين يَدَيْهِ: أَي فِي السُّجُود. وَالْمعْنَى أَنه يبعد عضديه عَن جَنْبَيْهِ، وَهَذَا معنى يجنح. قَالَ الْفراء: جنَاح الرجل: عضده وإبطه، وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: الْعَرَب تستعير الْجنَاح فتسمي بِهِ مَا بَين الْإِبِط والعضد من الْإِنْسَان.
والوضح: الْبيَاض.
٢٢٦٤ - / ٢٨٧٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: إِن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ لاث بِهِ النَّاس، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : " آلصبح أَرْبعا؟ آلصبح أَرْبعا؟ " وَفِي لفظ: " يُوشك أَن يُصَلِّي أحدكُم الصُّبْح أَرْبعا ".
لاث بِهِ النَّاس: أحاطوا بِهِ واجتمعوا.
стр. 1754
وَقَوله: يُوشك. الوشك: الْقرب.
وَقد ذكرنَا فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة أَن من سمع الْإِقَامَة فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتشاغل إِلَّا بالمكتوبة، وحكينا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: إِذا كَانَ خَارج الْمَسْجِد وَعلم أَنه يدْرك الرُّكُوع فِي الثَّانِيَة جَازَ لَهُ أَن يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر.
стр. 1755
(١٠٠) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي وَاقد اللَّيْثِيّ
وَقد اخْتلفُوا فِي اسْمه وَاسم أَبِيه، فَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد: الْحَارِث بن عَوْف. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحَارِث بن مَالك، وَقَالَ غَيرهمَا: عَوْف بن الْحَارِث. أسلم قَدِيما، وَكَانَ يحمل لِوَاء بني لَيْث وضمرة وَسعد بن بكر يَوْم الْفَتْح، وَقد ذكر الْحميدِي أَنه شهد بَدْرًا، وَهَذَا غلط؛ لإنه مَا ذكره أحد فِي أهل بدر، وَقد ذكره مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة من الصَّحَابَة مِمَّن شهد الخَنْدَق وَمَا بعْدهَا.
وَجُمْلَة مَا روى عَن النَّبِي ﷺ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٢٢٦٥ - / ٢٨٧٣ - فَفِي الحَدِيث الأول: " أما أَحدهمَا فأوى إِلَى الله ".
أَي رَجَعَ وَانْصَرف. يُقَال: أَوَى فلَان أويا، وآويته أَنا أؤويه إيواء: إِذا ضممته وَجعلت لَهُ مأوى. وَتقول: أويت إِلَى الْمنزل: إِذا رجعت.
следующие страницы →