Полный текст (2 175 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يشْهد طَعَام عَليّ ﵇، وَقد سمع عليا يذكر الْخَوَارِج، وَأَن فيهم المخدج، سَمعه مِنْهُ مرَارًا، حَتَّى كَانَ لِكَثْرَة مَا يسمع من ذَلِك يمْتَنع من حُضُور الطَّعَام.
والبطر: تجَاوز الْحَد فِي المرح.
١٣٥ - / ١٥٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: ذكر الْخَوَارِج أَيْضا. قَالَ سَلمَة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلا منزلا. أَي سمى لي الْمنَازل الَّتِي نزلوها منزلا بعد منزل.
وَقَوله: كَمَا ناشدوكم يَوْم حروراء. قد ذكرنَا أَن حروراء صحراء بِالْكُوفَةِ.
وَقَوله: فوحشوا برماحهم: أَي رموا بهَا متخففين.
وَمعنى شجرهم النَّاس برماحهم: طعنوهم، يُقَال: تشاجر الْقَوْم بِالرِّمَاحِ: أَي تطاعنوا.
١٣٦ - / ١٥١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: قَالَ عَليّ: يَا رَسُول الله، مَالك تتوق فِي قُرَيْش وَتَدعنَا؟ قَالَ: " وعندكم شَيْء " قلت: نعم، بنت حَمْزَة. فَقَالَ: " إِنَّهَا لَا تحل لي، إِنَّهَا ابْنة أخي من الرضَاعَة ".
تتوق بتاءين: من تاق إِلَى الشَّيْء: إِذا اشتهاه وأحبه، وَالْمعْنَى تشتاق وترغب فِي نكاحهم، هَكَذَا رَوَوْهُ لنا وفسروه، وَرُبمَا قَالَه بَعضهم بالنُّون مَعَ تَشْدِيد الْوَاو، وَقد ذكر أَبُو عمر غُلَام ثَعْلَب فَقَالَ: تأنق الرجل وتنوق. وَقَالَ مُحَمَّد جرير الطَّبَرِيّ فِي كتاب
стр. 212
" تَهْذِيب الْآثَار ": تنوق: تفعل من التوقان إِلَى الشَّيْء: وَهُوَ التشوق إِلَيْهِ، قَالَ: وَمن قَالَ تنوق فَإِنَّهُ بِمَعْنى يستجيد، من النيقة.
وَأما بنت حَمْزَة فقد روينَا فِي هَذَا الْمسند أَنه كَانَت لَهُ بنت يُقَال لَهَا فَاطِمَة، وَالظَّاهِر أَنَّهَا درجت صَغِيرَة، وَإِنَّمَا الْبَاقِيَة بعده هِيَ الَّتِي اخْتصم عَليّ وجعفر وَزيد فِي كفالتها لما هَاجَرت على مَا سَيَأْتِي فِي مُسْند الْبَراء بن عَازِب، وَالْجَمَاعَة يسمونها أُمَامَة، وَانْفَرَدَ الْوَاقِدِيّ بتسميتها عمَارَة.
وَقَوله: " إِنَّهَا ابْنة أخي " كَانَت ثويبة مولاة أبي بكر قد أرضعت حَمْزَة، ثمَّ أرضعت بعده رَسُول الله، وَكَانَ أَبُو لَهب قد أعْتقهَا، فَلَمَّا مَاتَ رَآهُ بعض أَهله فِي الْمَنَام فَقَالَ: مَاذَا لقِيت؟ فَقَالَ: لم نذق بعدكم رخاء، غير أَنى سقيت فِي هَذِه، بعتقي ثويبة، وَأَشَارَ إِلَى النقرة الَّتِي بَين الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا من الْأَصَابِع.
وَكَانَ رَسُول الله يكرم ثويبة ويصلها وَهُوَ بِمَكَّة، فَلَمَّا هَاجر كَانَ يبْعَث إِلَيْهَا بالصلة، إِلَى أَن جَاءَ خَبَرهَا حِين رَجَعَ من خَيْبَر أَنَّهَا توفيت، وَلَا نعلم أحدا ذكر أَنَّهَا أسلمت إِلَّا مَا حَكَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ عَن بعض الْعلمَاء أَنه قَالَ: قد اخْتلف فِي إسْلَامهَا.
١٣٧ - / ١٥٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَن عليا خطب فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، أقِيمُوا الْحُدُود على أرقائكم، من أحصن وَمن لم يحصن، فَإِن أمة
стр. 213
لرَسُول الله زنت فَأمرنِي أَن أجلدها، فأتيتها فَإِذا هِيَ حَدِيثَة عهد بنفاس، فَخَشِيت إِن أَنا جلدتها أَن أقتلها، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله فَقَالَ: " أَحْسَنت، اتركها حَتَّى تماثل ". والأرقاء: المماليك.
والإحصان: أَصله فِي اللُّغَة الْمَنْع، وَمِنْه سميت الْحُصُون لِأَنَّهَا تمنع من الْعَدو وَقَالَ ثَعْلَب: كل امْرَأَة عفيفة فَهِيَ مُحصنَة ومحصنة، وكل امْرَأَة متزوجة فَهِيَ مُحصنَة لَا غير وَالظَّاهِر من كَلَام عَليّ ﵇ أَنه أَرَادَ بالإحصان التَّزْوِيج، وَيجوز أَن يُرِيد بِهِ الْإِسْلَام.
وَالرَّقِيق لَا يثبت فِي حَقه الرَّجْم وَلَا الْجلد التَّام، وَإِنَّمَا يضْرب خمسين جلدَة. وَعِنْدنَا أَنه لَا يغرب خلافًا لمَالِك ولأحد قولي الشَّافِعِي، وَعند دَاوُد أَن الْمَمْلُوك فِي جَمِيع ذَلِك كَالْحرِّ، إِلَّا أَنه وَافق فِي الْأمة.
وَقد دلّ قَوْله: أقِيمُوا الْحُدُود على أرقائكم على أَنه يجوز للْمولى أَن يُقيم حد الزِّنَا على رَقِيقه، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ، إِلَّا أَن أَحْمد يَسْتَثْنِي الْأمة إِذا كَانَت تَحت زوج، وَالشَّافِعِيّ يُطلق، فَأَما أَبُو حنيفَة فَلَا يُجِيزهُ بِحَال.
وَقَوله: حَدِيثَة عهد بنفاس. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَالَ اللغويون: سميت النُّفَسَاء نفسَاء لما يسيل مِنْهَا من الدَّم، يُقَال نفست الْمَرْأَة: إِذا
стр. 214
حَاضَت، وعركت، ودرست، وَيُقَال امْرَأَة نفسَاء ونفساء ونفساء، وَفِي الْجمع نفساوات ونفاس وَنَفس ونفاس.
وَأكْثر مَا يَمْتَد إِلَيْهِ حكم النّفاس أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة سِتُّونَ يَوْمًا، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن مَالك: لَا حد لَهُ، بل تجْلِس أقْصَى مَا يجلس النِّسَاء، وَيرجع فِي ذَلِك إِلَى أولات الْعلم والخبرة بِهِ مِنْهُنَّ.
وَقَوله: " اتركها حَتَّى تماثل " قد ذكرنَا فِي مُسْند عمر جَوَاز إِقَامَة الْحَد على الْمَرِيض، فَيحمل تَأْخِيره عَن هَذَا لأجل الْوَلَد.
١٣٨ - / ١٥٤ - الحَدِيث الْعَاشِر: جعل رَسُول الله ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر، وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم.
هَذَا الحَدِيث يدل على جَوَاز الْمسْح فِي الْحَضَر وَالسّفر، وَقَالَ مَالك فِي رِوَايَة لَهُ: لَا يجوز فِي الْحَضَر. وَقَالَت الإمامية وَابْن دَاوُد: لَا يجوز الْمسْح بِحَال. وَقد دلّ الحَدِيث على التَّوْقِيت، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي " الْقَدِيم ": لَا يتوقت، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم.
١٣٩ - / ١٥٥ - الحَدِيث الْحَادِي عشر: نهاني عَن لبس القسي،
стр. 215
وَعَن جُلُوس على المياثر.
قد سبق فِي هَذَا الْمسند تَفْسِير القسي.
والمياثر جمع ميثرة. وَقَالَ أَبُو عبيد: الميثرة كَانَت من مراكب الْعَجم، أحسبها من حَرِير أَو ديباج، فجَاء النَّهْي عَنْهَا لذَلِك. وَقَالَ غَيره: الميثرة: جُلُود السبَاع. فعلى هَذَا يكون النَّهْي لنجاسة الْجُلُود، وَالسِّبَاع عندنَا نَجِسَة فِي حَال حَيَاتهَا، فَإِن دبغت جلودها بعد الْمَوْت لم يتَغَيَّر حكم النَّجَاسَة، لِأَن غَايَة الدّباغ أَن يرد الْجلد إِلَى حَالَته فِي الْحَيَاة. وَعند الشَّافِعِي: يطهر بالدباغ كل جلد إِلَّا جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِلَّا جلد الْخِنْزِير، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَدَاوُد: يطهر الْكل. فَأَما إِذا ذبح مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه فَإنَّا لَا نحكم بِطَهَارَة جلده بذَبْحه، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَعند أبي حنيفَة يحكم بِطَهَارَة جلده؛ لِأَن الذّبْح عِنْده يمْنَع النَّجَاسَة الْحَاصِلَة بِالْمَوْتِ، فَيبقى الحكم بِالطَّهَارَةِ، وَعِنْدنَا أَن هَذَا الْحَيَوَان نجس الْعين، فَلَا ينفع الذّبْح.
١٤٠ - / ١٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: قل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْهدى والسداد، وَاذْكُر بِالْهدى هدايتك الطَّرِيق، والسداد سداد السهْم.
стр. 216
قَالَ اللغويون: أصل الْهدى فِي اللُّغَة التَّوْفِيق.
والسداد بِفَتْح السِّين: إِصَابَة الْمَقْصد، وبكسرها اسْم لكل شَيْء سددت بِهِ خللا، وَمِنْه قَوْلهم: سداد من عوز، وأنشدوا:
(أضاعوني وَأي فَتى أضاعوا ... ليَوْم كريهة وسداد ثغر)
وَقَوله: وَاذْكُر بِالْهدى هدايتك الطَّرِيق. الْمَعْنى أَن سالك الطَّرِيق إِنَّمَا يؤم سمت الطَّرِيق وَلَا يُفَارق الجادة. فَالْمُرَاد: اخطر بقلبك هِدَايَة الطَّرِيق، وسل الله الْهدى والاستقامة كَمَا تتحراه فِي هِدَايَة الطَّرِيق، وَكَذَلِكَ الرَّامِي يسدد نَحْو الْغَرَض، فاخطر هَذَا الْمَعْنى بقلبك حِين تسْأَل الله السداد ليَكُون مَا تنويه من ذَلِك على شاكلة مَا تستعمله من الرَّمْي.
١٤١ - / ١٥٧ - الحَدِيث الثَّالِث عشر: رَأَيْت رَسُول الله قَامَ فقمنا، وَقعد فَقَعَدْنَا. يَعْنِي فِي الْجِنَازَة.
لما قعد ﷺ بعد الْقيام نسخ الْقيام وَبَطل حكمه.
١٤٢ - / ١٥٨ - الحَدِيث الرَّابِع عشر: عَن أبي الْهياج قَالَ: قَالَ لي عَليّ ﵁: أَلا أَبْعَثك على مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُول الله؟ أَلا تدع تمثالا إِلَّا طمسته، وَلَا قبرا مشرفا إِلَّا سويته.
التمثال: الصُّورَة. وطمسها: محوها.
стр. 217
والمشرف: العالي. وعَلى هَذَا يكره تعلية الْقَبْر: فَأَما التسنيم فَهُوَ السّنة عندنَا، وَعند الشَّافِعِي السّنة تسطيح الْقُبُور.
١٤٣ - / ١٥٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: عَن حضين بن الْمُنْذر قَالَ: شهِدت عُثْمَان أَتَى بالوليد، فَشهد عَلَيْهِ رجلَانِ أَحدهمَا: حمْرَان أَنه شرب الْخمر، وَشهد أَحدهمَا أَنه رَآهُ يتقيأ.
أما حضين فَهُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة، وَلَيْسَ لاسمه أَخ.
وَقد فسرنا هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند عُثْمَان، وَذكرنَا أَن قَول عُثْمَان: إِنَّه لم يتقيأ حَتَّى شربهَا مَحْمُول على أَنهم تيقنوا من الْقَيْء ريح الْمُسكر. وَقد رُوِيَ عَن أَحْمد أَنه إِذا وجد مِنْهُ ريح الْمُسكر حد. قَالَ أَبُو بكر من أَصْحَابنَا: وَهَذَا مَحْمُول على أَنه إِذا تحقق أَنه مُسكر فَأَما إِذا كَانَت الرَّائِحَة تحْتَمل أَن تكون من مُسكر، وَأَن تكون من غير مُسكر فَلَا. وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى المنصورة أَنه إِذا وجد سكرانا أَو تقيأ خمرًا، أَو وجد رِيحهَا مِنْهُ فَلَا حد عَلَيْهِ إِلَّا أَن يقر أَو تقوم الْبَيِّنَة.
وَقَول الْحسن: ول حارها من تولى قارها. وَهَذَا مثل مَعْنَاهُ: ول الْعقُوبَة وَالضَّرْب من توليه الْعَمَل والنفع. والقار: الْبَارِد. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مَعْنَاهُ: ول شديدها من تولى هينها.
стр. 218
كشف الْمُشكل من مُسْند أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف
أسلم قَدِيما، وَهَاجَر الهجرتين، وَلم يفته مَعَ رَسُول الله مشْهد، وَثَبت مَعَ رَسُول الله يَوْم أحد، وَصلى رَسُول الله خَلفه، كَانَ قد ذهب فِي غَزْوَة تَبُوك للطَّهَارَة، فجَاء وَعبد الرَّحْمَن قد صلى بهم رَكْعَة، فصلى مَعَه وَأتم الَّذِي فَاتَهُ، وَقَالَ: " مَا قبض نَبِي حَتَّى يُصَلِّي خلف رجل صَالح من أمته ".
وروى عَن رَسُول الله خَمْسَة وَسِتِّينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة أَحَادِيث.
١٤٤ - / ١٦٠ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَن عمر خرج إِلَى الشَّام، حَتَّى إِذا كَانَ بسرغ لقِيه أُمَرَاء الأجناد فأخبروه أَن الوباء قد وَقع بِالشَّام.
سرغ: مَوضِع.
стр. 219
وَأما أُمَرَاء الأجناد فَقَالَ أَبُو الْحسن الْهنائِي اللّغَوِيّ: الشَّام خَمْسَة أجناد؛ الْأُرْدُن، وحمص، ودمشق، وفلسطين، وقنسرين.
وَأما مُشَاورَة عمر فَإِنَّهُ لما رأى أَن الله تَعَالَى قد أَمر نبيه بالمشاورة اقْتدى بذلك، ثمَّ عمل بقول من وَافق رَأْيه. والفرار من الْمخوف مَشْرُوع، وَكَذَلِكَ الِاحْتِرَاز مِنْهُ، قَالَ : ﴿خُذُوا حذركُمْ﴾ [النِّسَاء: ٧١] . وَقد مر النَّبِي ﷺ بحائط مائل فأسرع، وَاسْتعْمل الدَّوَاء، وَلبس الدرْع. فَهَذِهِ الْأَشْيَاء مَوْضُوعَة على قانون الْحِكْمَة، فَلَيْسَ لقَائِل أَن يعْتَمد على الْقدر ويعرض عَن الْأَسْبَاب، فَإِن الرزق مُقَدّر، وَالْكَسْب مَشْرُوع، والوباء عِنْد المتطببين أَنه يعرض للهواء فيفسده.
وَفِي قَوْله: لَو غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة، قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْمَعْنى لعاقبته. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: هلا تركت هَذِه الْكَلِمَة لمن قل فقهه.
وعدوة الْوَادي: جَانِبه، وفيهَا لُغَتَانِ: ضم الْعين وَكسرهَا، وَالْجمع عدى وعدى. والجدب ضد الخصب.
وَقَوله: " إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ " يَعْنِي الطَّاعُون.
وَفِي قَوْله: " لَا تقدمُوا عَلَيْهِ " إِثْبَات الحذر، والنهى عَن التَّعَرُّض للتلف، فَهُوَ تَأْدِيب وَتَعْلِيم.
وَفِي قَوْله: " فَلَا تخْرجُوا " إِثْبَات التَّوَكُّل وَالتَّسْلِيم لأمر الله تَعَالَى وقضائه.
стр. 220
فَإِن قيل: فهذان ضدان، كَيفَ يَأْمر بالحذر ثمَّ ينْهَى عَنهُ؟
فَالْجَوَاب: أَنه لما لم يُؤمن على القادم على الطَّاعُون أَن يظنّ إِذا أَصَابَهُ أَن ذَلِك على سَبِيل الْعَدْوى الَّتِي لَا صنع للقدر فِيهَا نهى عَن ذَلِك، وَلما ظن الْخَارِج عَنهُ أَن خُرُوجه يدْفع الْقدر نهى عَن ذَلِك، فكلا الْأَمريْنِ يُرَاد لإِثْبَات الْقدر، وَترك التَّعَرُّض بِمَا يزلزل الْبَاطِن. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّمَا نهى إِذا وَقع الطَّاعُون فِي بلد أَن يخرج مِنْهُ لِأَنَّهُ إِذا خرج الأصحاء هلك المرضى، لِأَنَّهُ لَا يبْقى من يقوم بأمرهم، فخروجهم لَا يقطع بنجاتهم، وَهُوَ قَاطع بِهَلَاك البَاقِينَ، والمسلمون كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا.
١٤٥ - / ١٦١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: إِنَّنِي لواقف فِي الصَّفّ يَوْم بدر، فَنَظَرت فَإِذا أَنا بغلامين حَدِيثَة أسنانهما، فتمنيت أَن أكون بَين أضلع مِنْهُمَا.
أضلع مِنْهَا: أَي أقوى، والضلاعة: الْقُوَّة.
والسواد: الشَّخْص.
والغلامان معَاذ بن عَمْرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، وهما من بني الْخَزْرَج، وَقد شَهدا الْعقبَة، وهما ضربا أَبَا جهل.
وَقَول رَسُول الله: " كلاكما قَتله " ثمَّ قضى بسلبه لِمعَاذ، وَكَأَنَّهُ ﵇ رأى على سيف معَاذ مَا يدل على أَن إِضَافَة الْقَتْل إِلَيْهِ أولى.
وَابْن عفراء مَنْسُوب إِلَى أمه، وَاسم أَبِيه الْحَارِث بن رِفَاعَة. وَهَذِه الْمَرْأَة الَّتِي اسْمهَا عفراء من بني النجار أسلمت وبايعت، وَلَيْسَ فِي
стр. 221
الصحابيات من شهد لَهَا سَبْعَة بَنِينَ بَدْرًا إِلَّا هِيَ، فَإِنَّهَا كَانَت عِنْد الْحَارِث بن رِفَاعَة، فَولدت لَهُ معَاذًا ومعوذا، ثمَّ طَلقهَا فَتَزَوجهَا بكير ابْن عبد ياليل، فَولدت لَهُ خَالِدا وإياسا وعاقلا وعامرا، ثمَّ رَاجعهَا الْحَارِث فَولدت لَهُ عوفا، فَشَهِدُوا كلهم بَدْرًا، وَاسْتشْهدَ معَاذ ومعوذ وعاقل ببدر، وخَالِد يَوْم الرجيع، وعامر يَوْم بِئْر مَعُونَة، وَإيَاس يَوْم الْيَمَامَة. والبقية مِنْهُم لعوف.
١٤٦ - / ١٦٢ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
كاتبت أُميَّة بن خلف أَن يحفظني فِي صاغيتي بِمَكَّة وأحفظه فِي صاغيته بِالْمَدِينَةِ.
صاغية الرجل: أَهله وحاشيته وكل من يصغى إِلَيْهِ: أَي يمِيل، وَمِنْه قَوْلهم: أصغيت إِلَى فلَان: أَي ملت بسمعي، وَيُقَال: صغوك مَعَ فلَان: أَي ميلك مَعَه.
خرجت لأحرزه: أَي لأحوطه وأحفظه من الْقَتْل، وَسمي الْحِرْز حرْزا لحفظه.
١٤٧ - / ١٦٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: لما قدمنَا الْمَدِينَة آخى رَسُول الله بيني وَبَين سعد بن الرّبيع.
سعد بن الرّبيع من نقباء الْأَنْصَار، شهد بَدْرًا وأحدا، وَقَالَ النَّبِي
стр. 222
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد: " من يأتيني بِخَبَر سعد بن الرّبيع؟ " فَقَالَ رجل: أَنا فَذهب يطوف بَين الْقَتْلَى، فَقَالَ لَهُ سعد بن الرّبيع: مَا شَأْنك؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ لآتيه بخبرك. قَالَ: فَاذْهَبْ وَأقرهُ مني السَّلَام، وَأخْبرهُ أَنِّي قد طعنت اثْنَتَيْ عشرَة طعنة، وَأَنه قد أنفذت مقاتلي، وَأخْبر قَوْمك أَنهم لَا عذر لَهُم عِنْد الله إِن قتل رَسُول الله وَوَاحِد مِنْهُم حَيّ، وَمَات من جراحته تِلْكَ.
وَهَذِه المؤاخاة كَانَت فِي أول سنة من سني الْهِجْرَة، وعامتها بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَلها سببان:
أَحدهمَا: أَنه أجراهم على مَا كَانُوا ألفوا فِي الْجَاهِلِيَّة من الْحلف، فَإِنَّهُم كَانُوا يتوارثون بِالْحلف، فنفاه وَأثبت من جنسه المؤاخاة، لِأَن الْإِنْسَان إِذا فطم عَمَّا يألفه علل بِجِنْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَن الْمُهَاجِرين قدمُوا مُحْتَاجين إِلَى المَال والمنازل، فنزلوا على الْأَنْصَار، فأكد هَذِه المخالطة بالمؤاخاة، وَلم يكن بعد غزَاة بدر مؤاخاة، لِأَن الْغَنَائِم وَقعت بِالْقِتَالِ، فاستغنى الْمُهَاجِرُونَ بِمَا كسبوا.
وَقد أحصيت عدد الَّذين آخى بَينهم فِي كتابي الْمُسَمّى بالتلقيح، فَكَانُوا مائَة وَسِتَّة وَثَمَانِينَ رجلا.
وَقَوله: " فكم سقت؟ " أَي كم أَعْطَيْت؟ وَكَانَ عَادَتهم سوق الْإِبِل إِلَى الْمَرْأَة فِي الْمهْر.
والنواة فِي الموزونات خَمْسَة دَرَاهِم، هَكَذَا ذكر أَبُو عبيد. وَقَالَ
стр. 223
أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: ذَهَبا كَانَ أَو فضَّة.
وَقد دلّ هَذَا على جَوَاز النِّكَاح بِدُونِ عشرَة دَرَاهِم، لِأَن النَّبِي ﷺ لم يُنكر عَلَيْهِ مَا صنع. وَعِنْدنَا أَنه لَيْسَ لأَقل الصَدَاق حد، وكل مَا جَازَ أَن يكون ثمنا جَازَ أَن يكون صَدَاقا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يقدر بِمَا يقطع بِهِ السَّارِق، فَعِنْدَ أبي حنيفَة يقطع فِي عشرَة دَرَاهِم، وَعند مَالك فِي ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو ربع دِينَار.
والوليمة: الطَّعَام عِنْد الْعرس، وَهِي عندنَا مُسْتَحبَّة، وَعَن الشَّافِعِي أَنَّهَا وَاجِبَة.
١٤٨ - / ١٦٦ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: جَاءَ كتاب عمر: اقْتُلُوا كل سَاحر وساحرة، وَفرقُوا بَين كل ذِي محرم من الْمَجُوس، وانههم عَن الزمزمة.
عندنَا أَن السَّاحر كَافِر، وَأَنه يقتل وَلَا تقبل تَوْبَته. وَعَن أَحْمد تقبل تَوْبَته كالمرتد. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يكفر بذلك، فَإِن قتل بِالسحرِ قتل قصاصا. فَأَما الْمَرْأَة فَحكمهَا عندنَا حكم الرجل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يحبس وَلَا يقتل. فَأَما إِذا كَانَ الرجل ذِمِّيا فعندنا أَنه لَا يقتل، لأَنا نقْتل الْمُسلم لقَوْله واعتقاده فِي السحر مَا يخرج بِهِ عَن الْإِسْلَام، وَالذِّمِّيّ مقرّ على مثل ذَلِك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يقتل.
стр. 224
وَقَوله: فرقوا بَين كل ذِي محرم من الْمَجُوس. فِي هَذَا وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون هَذَا قبل أَخذه مِنْهُم الْجِزْيَة، لِأَنَّهُ لم يَأْخُذهَا مِنْهُم حَتَّى شهد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَن رَسُول الله أَخذهَا من مجوس هجر. وَالثَّانِي: أَن يكون المُرَاد مَنعهم من إِظْهَار هَذَا ليستتروا بِهِ كَمَا تستتر النَّصَارَى بصلبانهم.
والزمزمة: الصَّوْت، وَكَانُوا يزمزمون عِنْد الْأكل، وَإِنَّمَا نهوا عَنْهَا لِأَنَّهَا رُبمَا تَضَمَّنت الْكفْر أَو عيب ديننَا.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: وألقوا وقر بغل أَو بغلين: أَي مِمَّا اختانوه.
стр. 225
كشف الْمُشكل من مُسْند طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ
أسلم قَدِيما، وَشهد الْمشَاهد كلهَا مَا خلا بَدْرًا؛ فَإِن رَسُول الله ﷺ بَعثه وَسَعِيد بن زيد يتجسسان خبر عير قُرَيْش، ففاتهما بدر، فَضرب لَهما بأجرهما وسهامهما، فَكَانَا كمن شَهِدَهَا، وَسَماهُ رَسُول الله يَوْمئِذٍ: طَلْحَة الْخَيْر، وَيَوْم غَزْوَة ذَات الْعَشِيرَة: طَلْحَة الْفَيَّاض، وَيَوْم حنين: طَلْحَة الْجُود.
وروى عَن رَسُول الله ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة.
١٤٩ - / ١٦٧ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول:
جَاءَ رجل من نجد ثَائِر الرَّأْس، يسمع دوِي صَوته وَلَا يفقه مَا يَقُول.
ثَائِر الرَّأْس: يَعْنِي أَن شعره متفرق لقلَّة الرَّفَاهِيَة.
والدوي: صَوت رفيع متكدر لَا يكَاد يفهم مِنْهُ شَيْء.
стр. 226
وَقَوله: لَا أَزِيد وَلَا أنقص، يحْتَمل وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: لَا أَزِيد فِي الْفَرَائِض وَلَا أنقص مِنْهَا كَمَا فعلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
وَالثَّانِي: أَن أكتفي بِمَا دون النَّوَافِل.
١٥٠ - / ١٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
رَأَيْت يَد طَلْحَة شلاء وقى بهَا رَسُول الله يَوْم أحد.
الشلل: فَسَاد يلْحق الْيَد فيرخيها. وَكَانَ رَسُول الله حِين تفرق النَّاس يَوْم أحد يَرْمِي بِالْقَوْسِ حَتَّى صَارَت شظايا، وَثَبت مَعَه عِصَابَة من الصَّحَابَة، فأصيبت يَوْمئِذٍ رباعيته، وكلم فِي وجنتيه، وعلاه ابْن قميئة بِالسَّيْفِ فاتقاه طَلْحَة بِيَدِهِ، فشلت يَده، وَقيل: إِنَّمَا شلت إصبعان من يَده.
١٥١ - / ١٧١ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
كُنَّا مَعَ طَلْحَة وَنحن حرم، فأهدي لنا طير وَطَلْحَة رَاقِد، فمنا من أكل وَمنا من تورع فَلم يَأْكُل، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَة وفْق من أكله وَقَالَ: أكلناه مَعَ رَسُول الله.
الْحرم: المحرمون.
стр. 227
وَالطير جمع طَائِر.
وتورع: امْتنع مِمَّا يشك فِيهِ.
وَمعنى وفْق: صوب.
والْحَدِيث مَحْمُول على أَنه أهدي لَهُم مَا لم يصطد لأجلهم. وَعِنْدنَا أَنه يحرم على الْمحرم أكل مَا صيد لأَجله خلافًا لأبي حنيفَة، فَإِن أكل مِنْهُ فَعَلَيهِ الضَّمَان خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي.
١٥٢ - / ١٧٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: إِذا وضع أحدكُم بَين يَدَيْهِ مثل مؤخرة الرحل فَليصل.
مؤخرة الرحل: آخِره، وَهِي خَشَبَة لَطِيفَة قَائِمَة، وَالْمرَاد بذلك أَن يُصَلِّي إِلَى ستْرَة، وَلَا يضرّهُ من جَازَ خلفهَا.
١٥٣ - / ١٧٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: مَرَرْت مَعَ رَسُول الله بِقوم على رُؤُوس النّخل، فَقَالَ: " مَا يصنع هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالُوا: يلقحونه.
التلقيح: ترك شَيْء من النَّخْلَة الذّكر فِي النَّخْلَة الْأُنْثَى.
وَقَوله: " مَا أَظن ذَلِك يُغني شَيْئا " إِعْرَاض مِنْهُ عَن الْأَسْبَاب، ثمَّ تفكر فِي تَأْثِير الْأَسْبَاب فَقَالَ: " إِن كَانَ يَنْفَعهُمْ ذَلِك فليصنعوه ".
стр. 228
كشف الْمُشكل من مُسْند الزبير بن الْعَوام
وَأمه صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله. أسلم قَدِيما وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة، فَعَذَّبَهُ عَمه ليرْجع عَن دينه فَلم يفعل، وَهَاجَر الهجرتين وَلم يتَخَلَّف عَن مشْهد شهده رَسُول الله، وَهُوَ أول من سل سَيْفا فِي سَبِيل الله، وَكَانَ يَوْم بدر على الميمنة وَعَلِيهِ ريطه صفراء قد اعتجز بهَا، فَنزلت الْمَلَائِكَة على سيماه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أول حربها، فَنزلت على سِيمَا أول محَارب.
روى عَن رَسُول الله ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثا مثل طَلْحَة، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ تِسْعَة.
١٥٤ - / ١٧٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول:
أَن رجلا خَاصم الزبير عِنْد رَسُول الله فِي شراج الْحرَّة، فَقَالَ النَّبِي: " اسْقِ يَا زبير، ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك " فَغَضب الْأنْصَارِيّ ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله، أَن كَانَ ابْن عَمَّتك. فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله، ثمَّ قَالَ للزبير: " اسْقِ يَا زبير، ثمَّ احْبِسْ المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر " وَفِي لفظ:
стр. 229
فَلَمَّا أحفظ الْأنْصَارِيّ رَسُول الله استوعى للزبير حَقه فِي صَرِيح الحكم، فَلَا أَحسب هَذِه الْآيَة نزلت إِلَّا فِي هَذَا: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ [النِّسَاء: ٦٥] .
قَالَ أَبُو عبيد: الشراج: مجاري المَاء من الْحرار إِلَى السهل، وَاحِدهَا شرج.
والحرة: الأَرْض الَّتِي قد ألبست حِجَارَة سَوْدَاء، وَكَانَ واديان من أَوديَة الْمَدِينَة يسيلان بالمطر فيتنافس أهل الحوائط فِي سيلهما، فَقضى بِهِ رَسُول الله للأعلى فالأعلى، وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرَب.
وَقَوله: أَن كَانَ ابْن عَمَّتك، الْألف فِي أَن مَفْتُوحَة، وَالْمعْنَى: تقضي لَهُ لكَونه ابْن عَمَّتك، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَال وبنين﴾ [الْقَلَم: ١٤] الْمَعْنى: لِأَن كَانَ ذَا مَال تُطِيعهُ.
والجدر: الْجِدَار. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: وَقد رَوَاهُ بَعضهم الجذر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، يُرِيد بِهِ مبلغ تَمام الشّرْب، من جذر الْحساب، وَالْأول أصح.
وأحفظ: أغضب. وصريح الحكم: ظَاهره. واستوعى: استوفى لَهُ الْحق، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْوِعَاء، كَأَنَّهُ جمعه فِي وعائه.
وَشَجر مَا بَين الْقَوْم: اخْتلفُوا، واشتجروا: تنازعوا.
стр. 230
١٥٥ - / ١٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كنت يَوْم الْأَحْزَاب مَعَ النِّسَاء فِي أَطَم حسان.
الأطم بِضَم الْألف: بِنَاء من حِجَارَة مَرْفُوع كالقصر والحصن. وَقَالَ أَبُو عبيد: الأطم: الْحصن، وَجمعه آطام، وَمثله الأجم وَجمعه آجام، وَهِي لُغَة حجازية.
١٥٦ - / ١٧٦ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
أَن الزبير قتل وَترك أَرضين من الغابة، وَأَنه خلف خمسين ألف ألف ومائتي ألف.
الغابة: اسْم مَوضِع.
وَترك هَذِه الْأَمْوَال دَلِيل على أَنه لَا يكره جمع الْأَمْوَال من حَلَال، وَأَن يخلفها الْإِنْسَان لِعِيَالِهِ، خلافًا لجهلة المتزهدين.
١٥٧ - / ١٧٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ".
أصل التبوء من مباءة الْإِبِل: وَهِي أعطانها، يُقَال: تبوأ لنَفسِهِ مَكَانا: إِذا اتَّخذهُ. وَظَاهر اللَّفْظ الْأَمر وَمَعْنَاهُ الْخَبَر، وَقد يكون ظَاهر اللَّفْظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الْأَمر كَقَوْلِه: (والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ
стр. 231
بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] ﴿والوالدات يرضعن﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٣] .
وَمَعْلُوم أَن الزبير مَا خَافَ تعمد الْكَذِب، إِنَّمَا خَافَ الزلل.
١٥٨ - / ١٧٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: لقِيت يَوْم بدر عُبَيْدَة - وَيُقَال عَبدة - بن سعيد بن الْعَاصِ وَهُوَ مدجج لَا ترى مِنْهُ إِلَّا عَيناهُ، وَكَانَ يكنى أَبَا ذَات الكرش، فَقَالَ: أَنا أَبُو ذَات الكرش، فَحملت عَلَيْهِ بالعنزة، فطعنته فِي عينه فَمَاتَ، وَلَقَد وضعت رجْلي عَلَيْهِ، ثمَّ تمطيت فَكَانَ الْجهد أَن نزعتها وَقد انثنى طرفها.
المدجج: المغطى بِالسِّلَاحِ.
والعنزة: الحربة.
وتمطيت: أَي تمددت، وَهُوَ مَأْخُوذ من المطا وَهُوَ الظّهْر، فالمتمطي يمد ظَهره. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: أصل يتمطى يتمطط، فقلبت الطَّاء فِيهِ يَاء، كَمَا قَالُوا يتظنى وَالْأَصْل يتظنن، وَمِنْه المشية الْمُطَيْطَاء، وأصل الطَّاء فِي هَذَا كُله دَال يُقَال: مططت ومددت بِمَعْنى.
قَوْله: وَكَانَ الْجهد أَن نزعتها - يَعْنِي الحربة. والجهد بِالْفَتْح: الْمَشَقَّة. والجهد بِالضَّمِّ: الطَّاقَة، وَبَعْضهمْ يَقُول لُغَتَانِ بِمَعْنى.
١٥٩ - / ١٨٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: قَالُوا للزبير يَوْم اليرموك: أَلا تشد فنشد مَعَك. قَالَ: إِنِّي إِن شددت كَذبْتُمْ.
اليرموك: وقْعَة كَانَت فِي خلَافَة عمر.
стр. 232
وَمعنى قَوْله: كَذبْتُمْ: أَي حملتم ثمَّ عدتم. يُقَال: كذب الرجل فِي الْقِتَال، وَهَلل وعرد: إِذا حمل ثمَّ رَجَعَ.
١٦٠ - / ١٨١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: ضربت للمهاجرين يَوْم بدر بِمِائَة سهم.
أَي عَنْهُم.
١٦١ - / ١٨٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: كَانَ سيف الزبير محلى بِفِضَّة.
اعْلَم أَن الْيَسِير من الْفضة إِذا كَانَ قَائِما مقَام مَا لَا غناء لَهُ عَنهُ من الصفر والنحاس وَغَيره جَازَ، كقبيعة السَّيْف، وشعيرة السكين، وتشعيب قدح، وَإِن لم يكن إِلَى ذَلِك اليسيرحاجة كالحلقة فِي الْإِنَاء لم يجز، فَإِن كَانَ كثيرا حرم على كل حَال. وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: إِن كَانَ يَسِيرا يحْتَاج إِلَيْهِ كإصلاح مَوضِع كسر فَهُوَ مُبَاح، فَأَما إِذا لم يحْتَج إِلَيْهِ فَمنهمْ من أَبَاحَهُ وَمِنْهُم من كرهه. وَأما إِذا كَانَ كثيرا: فَإِن احْتِيجَ إِلَيْهِ فَهُوَ مَكْرُوه عِنْدهم، وَإِن لم يحْتَج إِلَيْهِ فَحَرَام. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَدَاوُد: لَا يكره ذَلِك، كثيرا كَانَ أَو يَسِيرا.
стр. 233
كشف الْمُشكل من مُسْند سعد بن أبي وَقاص
واسْمه مَالك بن وهيب، أسلم قَدِيما، وَقَالَ: كنت ثَالِثا فِي الْإِسْلَام وَأَنا أول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله، وَلم يفته مشْهد مَعَ رَسُول الله.
وروى عَنهُ مِائَتي حَدِيث وَسبعين حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ.
١٦٢ - / ١٨٣ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول:
قَوْله: كنت أُصَلِّي بهم صَلَاة رَسُول الله ﷺ لَا أخرم عَنْهَا، أُصَلِّي صَلَاتي الْعشي، فأركد فِي الأولتين، وأخف فِي الأخرتين.
قَوْله: لَا أخرم: أَي لَا أترك وَلَا أنقص.
وصلاتا الْعشي الظّهْر وَالْعصر؛ لِأَن الفدو من أول النَّهَار إِلَى وَقت الزَّوَال، والعشي من عِنْد الزَّوَال إِلَى الْمغرب.
وأركد: أثبت وأسكن. يُقَال: مَاء راكد: أَي وَاقِف.
والركعتان الأوليان هما الأَصْل فِي الصَّلَاة، فَلهَذَا تطول.
стр. 234
١٦٣ - / ١٨٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أعْطى رَسُول الله رهطا وَأَنا جَالس، فَترك مِنْهُم رجلا هُوَ أعجبهم إِلَيّ، فَقُمْت فَقلت: مَالك عَن فلَان؟ وَالله إِنِّي لأراه مُؤمنا. فَقَالَ رَسُول الله: " أَو مُسلما " ثمَّ قَالَ: " إِنِّي لأعطي الرجل وَغَيره أحب إِلَيّ مِنْهُ خشيَة أَن يكب فِي النَّار على وَجهه ".
الرَّهْط: جمَاعَة دون الْعشْرَة.
وَقَوله: مَالك عَن فلَان؟ : أَي مَالك أَعرَضت عَنهُ فَلم تعطه.
وَهَذَا الحَدِيث صَرِيح فِي الْفرق بَين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان، وَذَلِكَ أَن الْإِسْلَام الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَالْإِيمَان الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ.
وَقَوله: " أعطي الرجل وَغَيره أحب إِلَيّ خشيَة أَن يكب فِي النَّار " كَأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى الْمُؤَلّفَة، أَو إِلَى من إِذا منع نسب الرَّسُول إِلَى الْبُخْل، فَاسْتحقَّ بِهَذِهِ النِّسْبَة النَّار.
١٦٤ - / ١٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: جَاءَنِي رَسُول الله يعودنِي، فَقلت: أَتصدق بِثُلثي مَالِي؟ قَالَ: " لَا " قلت: فَالشَّطْر؟ قَالَ " لَا ".
الشّطْر: النّصْف.
وَقَوله: " إِنَّك أَن تذر وَرثتك " سمعناه من رُوَاة الحَدِيث بِكَسْر " إِن " وَقَالَ لنا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ: إِنَّمَا هُوَ بِفَتْح الْألف وَلَا يجوز الْكسر؛ لِأَنَّهُ لَا جَوَاب لَهُ. وَمثله قَوْله تَعَالَى:
стр. 235
﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٤] .
والعالة: الْفُقَرَاء، جمع عائل وَهُوَ الْفَقِير.
وَمعنى يَتَكَفَّفُونَ: يمدون الأكف سائلين. يُقَال: تكفف واستكف: إِذا مد كَفه سَائِلًا. وَفِي هَذَا اسْتِحْبَاب تخليف المَال للْوَرَثَة.
وَقَوله: " تبتغي بهَا وَجه الله " يَعْنِي الْإِخْلَاص، فعلق الْأجر بالإخلاص.
وَقَوله: " وَلَكِن البائس سعد بن خَوْلَة " البائس: ذُو الْبُؤْس. فعده من جملَة الْمَسَاكِين والفقراء لما فَاتَهُ من الْفضل لَو مَاتَ فِي غير مَكَّة، وَذَلِكَ أَن الْمُهَاجِرين هجروا مَكَّة فِي الله فكرهوا أَن تكون حياتهم ومماتهم فِي مَكَان هجروه لله ، فَيكون ذَلِك كالعود فِيمَا تركُوا.
فَأَما ابْن خَوْلَة فَإِن الْجَمَاعَة يَقُولُونَ: سعد بن خَوْلَة، سوى أبي معشر فَإِنَّهُ يَقُول: ابْن خولى. وَهُوَ مِمَّن شهد بَدْرًا. وَاتفقَ أَنه خرج إِلَى مَكَّة فَمَاتَ بهَا، وَكَانَ يكره لمن هَاجر من مَكَّة أَن يرجع إِلَى مَكَّة فيقيم بهَا أَكثر من انْقِضَاء نُسكه، ليبين أثر الْهِجْرَة.
وَقَوله: أخلف بعد أَصْحَابِي؟ أَي يرحلون عني وَأبقى بِمَكَّة.
وَفِي قَوْله: " اللَّهُمَّ اشف سَعْدا " دَلِيل على اسْتِحْبَاب الدُّعَاء للْمَرِيض بالعافية.
стр. 236
وَقَوله: إِن نَفَقَتك على عِيَالك صَدَقَة يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْمَعْنى: يكْتب لَك بذلك أجر الصَّدَقَة. وَالثَّانِي: أَنه لما أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِمَالِه أخبرهُ أَن مَا يَنَالهُ من الْعِيَال فِيهِ أجر، كَمَا أَن فِي الصَّدَقَة أجرا.
١٦٥ - / ١٨٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما من سَأَلَ عَن شَيْء لم يحرم على النَّاس فَحرم من أجل مَسْأَلته.
هَذَا مَحْمُول على من سَأَلَ عَن الشَّيْء عنتا أَو عَبَثا فَعُوقِبَ لسوء قَصده بِتَحْرِيم مَا سَأَلَ عَنهُ، وَالتَّحْرِيم يعم.
١٦٦ - / ١٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: مَا سَمِعت رَسُول الله قَالَ لأحد يمشي على الأَرْض إِنَّه من أهل الْجنَّة إِلَّا لعبد الله بن سَلام، وَفِيه نزلت: ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله﴾ [الْأَحْقَاف: ١٠] قَالَ الرَّاوِي: لَا أَدْرِي قَالَ مَالك الْآيَة أَو فِي الحَدِيث.
إِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَقُول سعد هَذَا وَقد علم أَن رَسُول الله قد شهد لجَماعَة من الصَّحَابَة بِالْجنَّةِ وَسعد مِنْهُم؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن يكون سعد لم يسمع ذَلِك، فَإِن حَدِيث الْعشْرَة أَنهم فِي الْجنَّة يرويهِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَيَرْوِيه سعيد بن زيد.
وَالثَّانِي: أَن يُشِير بذلك إِلَى غير الْعشْرَة، فَإِن أَمر الْعشْرَة مستفيض.
стр. 237
وَأما قَوْله: ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل﴾ فأنبأنا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الْحَافِظ قَالَ: ذكر الْآيَة من قَول أنس بن مَالك، رَوَاهُ عبد الله بن وهب عَن مَالك، وَالزِّيَادَة فِيهِ مبينَة مفصولة من الحَدِيث.
وَأما الشَّاهِد فَهُوَ عبد الله بن سَلام.
وَإِسْرَائِيل: يَعْقُوب، وَفِيه لُغَات: إِسْرَائِيل، وإسرائين، وإسرال.
وَقَوله: ﴿على مثله﴾ الْمثل صلَة، وَالْمعْنَى: شهد على أَن هَذَا الْقُرْآن من عِنْد الله.
١٦٧ - / ١٨٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " من تصبح بِسبع تمرات عَجْوَة لم يضرّهُ ذَلِك الْيَوْم سم وَلَا سحر " وَفِي لفظ: " من عَجْوَة الْعَالِيَة " وَفِي لفظ " من أكل سبع تمرات مِمَّا بَين لابتيها ".
معنى تصبح: أكلهن وَقت الصَّباح قبل أَن يَأْكُل شَيْئا. والعجوة: نوع من التَّمْر يكون بِالْمَدِينَةِ. والعالية: مَكَان قريب من الْمَدِينَة.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: وَكَونهَا عوذة من السم وَالسحر إِنَّمَا هُوَ من طَرِيق التَّبَرُّك لدَعْوَة من الرَّسُول سبقت فِيهَا، لَا لِأَن من طبع التَّمْر أَن يصنع شَيْئا من ذَلِك.
وَقَوله: " مَا بَين لابتيها " قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اللابة: الْحرَّة، وَهِي
стр. 238
الأَرْض الَّتِي قد ألبستها حِجَارَة سود. وَجمع اللابة لابات، مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر، فَإِذا كثرت فَهِيَ اللاب واللوب. وَمثله قارة وقور، وساحة وسوح.
١٦٨ - / ١٨٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: اسْتَأْذن عمر على النَّبِي وَعِنْده نسْوَة يسألنه ويستكثرنه.
أَي يطلبن مِنْهُ الْكثير، وَإِنَّمَا علت أصواتهن لعلمهن بصفحه وحلمه.
وَقَوله: " إيه " كلمة تقال عَن استزادة الحَدِيث. وإيها عِنْد الْأَمر بالكف.
والفج وَاحِد الفجاج، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ المسالك. وَقَالَ الزّجاج: كل منخرق بَين جبلين فَهُوَ فج.
١٦٩ - / ١٩٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: خلف رَسُول الله عَليّ بن أبي طَالب فِي غَزْوَة تَبُوك، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أتخلفني فِي النِّسَاء وَالصبيان! فَقَالَ: " أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، غير أَنه لَا نَبِي بعدِي ".
لما شبهه فِي تخليفه إِيَّاه بهَارُون حِين خَلفه مُوسَى، خَافَ أَن يتَأَوَّل متأول فيدعي النُّبُوَّة لعَلي ﵇، فَقَالَ: " غير أَنه لَا نَبِي بعدِي "
стр. 239
وَإِنَّمَا كَانَت خلَافَة هَارُون فِي وَقت خَاص فِي حَيَاة مُوسَى.
١٧٠ - / ١٩١ - الحَدِيث التَّاسِع: عَن مُصعب بن سعد قَالَ: صليت إِلَى جنب أبي، فطبقت بَين كفي ثمَّ وَضَعتهَا بَين فَخذي، فنهاني عَن ذَلِك وَقَالَ: كُنَّا نَفْعل هَذَا فنهينا عَنهُ، وأمرنا أَن نضع أَيْدِينَا على الركب.
كَانُوا يلصقون الرَّاحَة بالراحة ويضعونهما بَين الفخذين فَوق الركب، وَكَانَ ذَلِك يُسمى التطبيق، فنهوا عَن ذَلِك وَأمرُوا بِوَضْع الْكَفَّيْنِ على الركب، وَهُوَ أمكن للْمُصَلِّي.
١٧١ - / ١٩٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: رد رَسُول الله على عُثْمَان ابْن مَظْعُون التبتل، وَلَو أذن لَهُ لاختصينا. أصل التبتل الِانْقِطَاع. يُقَال: بتلت الشَّيْء أبتله: إِذا أبنته عَن غَيره وَمِنْه: طلق الرجل زَوجته بتة بتلة. والمتبتل: الْمُنْقَطع إِلَى الله . وَالْمرَاد بِهِ هَاهُنَا الِانْقِطَاع عَن النِّسَاء وَترك النِّكَاح، وَمِنْه قيل لِمَرْيَم الْعَذْرَاء: البتول، لانقطاعها عَن التَّزْوِيج. وَإِنَّمَا نهى نَبينَا ﷺ عَن التبتل ليكْثر الموحدون وَالْمُجَاهِدُونَ.
والاختصاء: نزع الخصى.
١٧٢ - / ١٩٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: نثل رَسُول الله كِنَانَته.
стр. 240
أَي أخرج مَا فِيهَا من النبل.
قَوْله: وَكَانَ رجل قد أحرق الْمُسلمين: أَي بَالغ فِي أذاهم.
قَوْله: فَضَحِك حَتَّى نظرت إِلَى نَوَاجِذه. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: قَالَ أَبُو زيد للْإنْسَان أَربع ثنايا وَأَرْبع رباعيات، الْوَاحِدَة ربَاعِية مُخَفّفَة. وَأَرْبَعَة أَنْيَاب، وَأَرْبَعَة ضواحك، واثنتا عشرَة رحى، ثَلَاث فِي كل شقّ، وَأَرْبَعَة نواجذ وَهِي أقصاها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي مثل ذَلِك كُله، إِلَّا أَنه جعل الأرحاء ثمانيا: أَرْبعا من فَوق وأربعا من أَسْفَل. والناجذ: ضرس الْحلم، يُقَال: رجل منجذ: إِذا أحكم الْأُمُور، وَذَلِكَ مَأْخُوذ من الناجذ. والنواجذ للْإنْسَان بِمَنْزِلَة القارح من الْفرس: وَهِي الأنياب من ذَوَات الْخُف. وَقَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي: النواجذ: آخر الأضراس، وَاحِدهَا نجذ، وَلَا تبدو إِلَّا عِنْد الشَّديد من الضحك، وَفِي الْفَم اثْنَان وَثَلَاثُونَ سنا: ثنيتان من فَوق، وثنيتان من تَحت، ورباعيتان من فَوق، ورباعيتان من تَحت، ونابان من فَوق، ونابان من تَحت، وضاحكان من فَوق، وضاحكان من تَحت، وَثَلَاث أرحاء من فَوق، وَثَلَاث أرحاء من تَحت فِي الْجَانِب الْأَيْمن، وَفِي الْجَانِب الْأَيْسَر. وناجذان فِي الْجَانِب الْأَيْمن، وناجذان فِي الْجَانِب الْأَيْسَر. وَيُقَال لما بَين الثَّنية والأضراس: الْعَارِض، قَالَ جرير:
(أَتَذكر يَوْم تصقل عارضيها ... ٠٠٠٠٠٠٠٠٠)
стр. 241
وَقد رتبها بعض أهل اللُّغَة فَقَالَ: الثنايا أَربع: اثْنَتَانِ من فَوق، وَاثْنَتَانِ من تَحت، ثمَّ يليهن الرباعيتان: اثْنَتَانِ من فَوق، وَاثْنَتَانِ من تَحت، ثمَّ يليهن الأنياب وَهِي أَربع، ثمَّ يليهن الأضراس وَهِي عشرُون، من كل جَانب من الْفَم خَمْسَة من أَسْفَل وَخَمْسَة من فَوق، مِنْهَا الضواحك وَهِي أَرْبَعَة أضراس تلِي الأنياب، إِلَى جنب كل نَاب من أَسْفَل الْفَم وَأَعلاهُ ضَاحِك، ثمَّ بعد الضواحك الطواحن، وَيُقَال لَهَا الأرحاء، وَهِي اثْنَا عشر طاحنا من كل جَانب ثَلَاثَة، ثمَّ يَلِي الطواحن النواجذ، وَهِي آخر الْأَسْنَان، من كل جَانب من الْفَم وَاحِد من فَوق وَوَاحِد من أَسْفَل.
١٧٣ - / ١٩٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: كُنَّا نغزو مَعَ رَسُول الله مالنا طَعَام إِلَّا ورق الحبلة وَهَذَا السمر، حَتَّى إِن كَانَ أَحَدنَا ليضع كَمَا تضع الشَّاة، مَاله خلط، ثمَّ أَصبَحت بَنو أَسد تعزرني على الْإِسْلَام.
الحبلة بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْبَاء - كَذَلِك قَالَ أَبُو عبيد وَغَيره: وَهِي ثَمَر الْعضَاة، والعضاة: كل شجر من شجر الشوك كالطلح والعوسج. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: والحبلة أَيْضا: ضرب من الْحلِيّ يكون فِي القلائد، قَالَ النمر بن تولب:
стр. 242
(وكل حليل عَلَيْهِ الرعاث ... والحبلات كذوب ملق)
وَإِنَّمَا قيل لَهُ حبلة لِأَنَّهُ يصاغ على مِثَال ثَمَر الْعضَاة.
والسمر: شجر الطلح.
وَقَوله: مَاله خلط: أَي من اليبس وقشف الْعَيْش.
وتعزرني: تؤدبني، وَمِنْه التَّعْزِير الَّذِي هُوَ التَّأْدِيب على التَّفْرِيط. وَالْمعْنَى: يعلمونني الصَّلَاة، ويعيرونني بِأَنِّي لَا أحْسنهَا. وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: يعلمونني الْفِقْه.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ مدح هَذَا الرجل نَفسه وَمن شَأْن الْمُؤمن التَّوَاضُع؟
فَالْجَوَاب: أَنه إِذا اضْطر الْإِنْسَان إِلَى إِظْهَار فَضله حسن إِظْهَاره، كَمَا قَالَ يُوسُف ﵇: ﴿إِنِّي حفيظ عليم﴾ [يُوسُف: ٥٥] فَهَذَا لما عيره الْجُهَّال اضْطر إِلَى ذكر فَضله.
وَاعْلَم أَن المدحة إِذا خلت عَن الْبَغي والاستطالة على أهل الْحق، وَكَانَ مَقْصُود قَائِلهَا إِقَامَة حق أَو إبِْطَال جور أَو إِظْهَار نعْمَة، لم يلم. فَلَو أَن قَائِلا: إِنِّي لحافظ لكتاب الله، عَالم بتفسيره وبالفقه فِي الدّين، يقْصد بِهَذَا إِظْهَار الشُّكْر، أَو تَعْرِيف المتعلم مَا عِنْده ليستفيده، إِذْ لَو لم يبين ذَلِك لم يعلم مَا عِنْده فَلم يطْلب، لم يستقبح ذَلِك. وَلِهَذَا الْمَعْنى قَالَ يُوسُف ﵇: ﴿إِنِّي حفيظ عليم﴾ وَقَالَ نَبينَا ﵇: " أَنا أكْرم ولد آدم على ربه ". وَقَالَ عمر حِين أعْطى السَّائِل
стр. 243
قَمِيصه: وَالله لَا أملك غَيره. وَقَالَ عَليّ: سلوني عَن كتاب الله، فو الله مَا من آيَة إِلَّا وَأَنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم فِي سهل نزلت أم فِي جبل. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: وَالله مَا نزلت فِي الْقُرْآن سُورَة إِلَّا أَنا أعلم حَيْثُ أنزلت، وَلَو أعلم أحدا أعلم مني بِكِتَاب الله تبلغه الْإِبِل لأتيته، وَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر: أَنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب. وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس: مَا جلس إِلَيّ اثْنَان قطّ ثمَّ انصرفا من عِنْدِي فذكرتهما بِسوء. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: قَرَأت الْقُرْآن فِي رَكْعَة فِي الْكَعْبَة. وَقَالَ مُورق الْعجلِيّ: مَا قلت فِي الْغَضَب شَيْئا قطّ فندمت عَلَيْهِ فِي الرِّضَا. وَقَالَ ثَابت الْبنانِيّ: مَا تركت سَارِيَة فِي الْجَامِع إِلَّا صليت عِنْدهَا وبكيت عِنْدهَا.
وَقد كَانَت الْجَاهِلِيَّة تصف محاسنها لتبعث على الِاقْتِدَاء بهَا. قَالَ حَاتِم طَيء: وَالله مَا خاتلت جَارة لي قطّ، وَلَا ائتمنت على أَمَانَة إِلَّا أديتها، وَلَا أُتِي أحد قطّ من قبلي بِسوء، وَقَالَ:
(وَلَا تشتكيني جارتي، غير أنني ... إِذا غَابَ عَنْهَا بَعْلهَا لَا أزورها)
(سيبلغها خيري وَيرجع بَعْلهَا ... إِلَيْهَا، وَلم تقصر عَليّ ستورها)
стр. 244
وَقَالَ الآخر:
(وَإِنَّا لقوم مَا نرى الْقَتْل سبة ... إِذا مَا رَأَتْهُ عَامر وسلول)
(يقصر حب الْمَوْت آجالنا لنا ... وتكرهها آجالهم فتطول)
(وَمَا مَاتَ منا ميت فِي فرَاشه ... وَلَا طل منا - حَيْثُ كَانَ - قَتِيل)
(تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وَلَيْسَت على غير الظبات تسيل)
(وَإِن قصرت أسيافنا كَانَ وَصلهَا ... خطانا إِلَى أَعْدَائِنَا فتطول)
(وإيامنا مَعْلُومَة فِي عدونا ... لَهَا غرر مَشْهُورَة وحجول)
(وأسيافنا فِي كل شَرق ومغرب ... بهَا من قراع الدارعين فلول)
(معودة أَلا تسل نصالها ... فتغمد حَتَّى يستباح قبيل)
وَقَالَ الآخر:
(أيا ابْنة عبد الله وَابْنَة مَالك ... وَيَا بنت ذِي البردين وَالْفرس الْورْد)
(إِذا مَا صنعت الزَّاد فالتمسي لَهُ ... أكيلا، فَإِنِّي لست آكله وحدي)
(وَكَيف يسيغ الْمَرْء زادا وجاره ... خَفِيف المعى بَادِي الْخَصَاصَة والجهد)
(وَإِنِّي لعبد الضَّيْف مَا دَامَ ثاويا ... وَمَا فِي إِلَّا تِلْكَ من شِيمَة العَبْد)
стр. 245
١٧٤ - / ١٩٧ - الحَدِيث الْخَامِس عشر: " لَا يكيد أهل الْمَدِينَة أحد إِلَّا امّاع كَمَا يماع الْملح فِي المَاء ".
الكيد: الْمَكْر وَالْحِيلَة وَالِاجْتِهَاد فِي المساءة.
وَالْمَدينَة دَار الْهِجْرَة، وَقد سبق معنى هَذَا الِاسْم فِي مُسْند أبي بكر.
وَذكرنَا " اللابة " آنِفا، وَالْمَدينَة بَين لابتين.
وَقَوله: " بَارك لَهُم فِي مدهم " الْمَدّ: مكيال مَعْرُوف قدره رَطْل وَثلث بالعراقي وَقد سبق ذكر تَحْرِيم الْمَدِينَة فِي مُسْند عَليّ ﵇.
١٧٥ - / ١٩٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
لقد رَأَيْتنِي وَأَنا ثلث الْإِسْلَام: يَعْنِي ثَالِث الْمُسلمين.
١٧٦ - / ٢٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " أعوذ بك من الْبُخْل والجبن، وَأَن أرد إِلَى أرذل الْعُمر، وَمن فتْنَة الدَّجَّال ".
أما الْبُخْل فَهُوَ أَن يضن الْإِنْسَان بِمَالِه أَن يبذله فِي اللوازم أَو المكارم.
والجبن ضد الشجَاعَة، وَإِنَّمَا يكون من ضعف الْقلب وخسة النَّفس. والشجاعة تنبعث من قُوَّة الْقلب وَعز النَّفس.
стр. 246
وأرذل الْعُمر: أردؤه، وَهِي حَالَة الْهَرم.
والدجال: الْكذَّاب، وَالْمرَاد بِهِ الْمَسِيح الْخَارِج فِي آخر الزَّمَان.
١٧٧ - / ٢٠١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: قَالَ سعد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ [الْكَهْف: ١٠٣] هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
قَالَ: والحرورية: الَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. إِنَّمَا خسرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى لأَنهم تعبدوا على غير أصل صَحِيح، فخسروا الْأَعْمَال. والحرورية الَّذِي قَاتلُوا عليا ﵇، وَقد سبق وَصفهم، فَلَمَّا خالفوا مَا عهد إِلَيْهِم فِي الْقُرْآن من طَاعَة أولي الْأَمر بعد إقرارهم بِهِ، كَانَ ذَلِك نقضا مِنْهُم.
١٧٨ - / ٢٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أَن سَعْدا رأى أَن لَهُ فضلا على من دونه، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " هَل تنْصرُونَ وترزقون إِلَّا بضعفائكم ".
إِنَّمَا أَرَادَ النَّبِي كسر سورته فِي اعْتِقَاده فَضله على غَيره ليستعمل التَّوَاضُع والذل، فَأعلمهُ أَن الضُّعَفَاء فِي مقَام انكسار وذل، وَهُوَ المُرَاد من العَبْد، وَهُوَ الْمُقْتَضِي للرحمة والإنعام.
١٧٩ - / ٢٠٣ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
أَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتل الوزغ، وَسَماهُ فويسقا.
أصل الْفسق: الْخُرُوج، وَقد سميت الْفَأْرَة فويسقة لخروجها من
стр. 247
جحرها على النَّاس، كَذَلِك قَالَ الْفراء وَغَيره. فَلَمَّا كَانَ الوزغ يخرج من جُحْره فيؤذي النَّاس سَمَّاهُ فويسقا، وَيُمكن أَن يُقَال لما صدر مِنْهُ الْأَذَى كَمَا يصدر من الْفَاسِق سمي بذلك.
١٨٠ - / ٢٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كنت أرى النَّبِي يسلم عَن يَمِينه وَعَن يسَاره حَتَّى أرى بَيَاض خَدّه.
ظَاهر هَذَا الْفِعْل يدل على وجوب التَّسْلِيم، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب، بل يخرج من الصَّلَاة بِكُل مَا ينافيها، وَيدل على أَن التسليمة الثَّانِيَة وَاجِبَة، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى أَنَّهَا سنة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي " الْجَدِيد ". وَقَالَ مَالك: السّنة الِاقْتِصَار على وَاحِدَة.
١٨١ - / ٢٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " الحدوا لي لحدا، وانصبوا عَليّ اللَّبن نصبا كَمَا صنع برَسُول الله ".
اللَّحْد: شقّ فِي جَانب الْقَبْر، وَمِنْه الْإِلْحَاد: وَهُوَ الْميل عَن الاسْتقَامَة فِي الدّين. وَفِي حَدِيث جرير عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " اللَّحْد لنا، والشق لغيرنا " وَإِنَّمَا يكون الشق فِي وسط الْقَبْر، وَهُوَ فعل الْيَهُود، فَإِذا كَانَ لحدا كَانَ اللَّبن منتصبا.
стр. 248
١٨٢ - / ٢٠٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن سَعْدا ركب إِلَى قصره بالعقيق، فَوجدَ عبدا يقطع شَجرا أَو يخبطه، فسلبه، فَلَمَّا رَجَعَ سعد جَاءَهُ أهل العَبْد فكلموه أَن يرد عَلَيْهِم غلامهم، فَقَالَ: معَاذ الله أَن أرد شَيْئا نفلنيه رَسُول الله.
العقيق: اسْم مَوضِع، بَينه وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَمْيَال، وَبِه مَاتَ سعد وَحمل إِلَى الْمَدِينَة، فَصلي عَلَيْهِ وَدفن بهَا.
الْخبط بتسكين الْبَاء: ضرب الشّجر بعصا ليسقط ورقه، وَاسم الْوَرق السَّاقِط خبط بِفَتْح الْبَاء، والضارب مختبط.
وَقَوله: فسلبه: أَي أَخذ ثِيَابه.
ونفلنيه: أعطانيه. وَهَذَا كَانَ فِي حرم الْمَدِينَة. وَقد بَينا فِي مُسْند عَليّ ﵇ أَن جَزَاء صيدها وَقطع شَجَرهَا سلب الْقَاتِل، يَتَمَلَّكهُ الَّذِي يسلبه. وَمَا كَانَ سعد شَرها إِلَى مثل تملك الثِّيَاب، وَلَكِن أَرَادَ أَن يعلم حُرْمَة الْمَكَان، وَيظْهر الْعقُوبَة على ذَلِك، فيكف النَّاس.
١٨٣ - / ٢٠٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: مَا مَنعك أَن تسب أَبَا تُرَاب؟
إِنَّمَا كني عَليّ ﵇ بِأبي تُرَاب، لِأَنَّهُ خرج من بَيته يَوْمًا مغاضبا لفاطمة ﵍، فَنَامَ فِي الْمَسْجِد، فجَاء النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهَا عَنهُ، فَأَخْبَرته، فَدخل الْمَسْجِد فَرَآهُ نَائِما وَبَعض جسده على
стр. 249
التُّرَاب، فَقَالَ: " قُم أَبَا تُرَاب " وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند سهل ابْن سعد.
وَقَوله: " أحب إِلَيّ من حمر النعم ". قَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي: النعم: الْإِبِل، وحمرها: كرامها وأعلاها منزلَة. وَالنعَم فِي قَول بَعضهم لَا يَقع إِلَّا على الْإِبِل، والأنعام يَقع على الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، فَإِذا انْفَرَدت الْإِبِل قيل لَهَا نعم وأنعام، وَإِذا انْفَرَدت الْبَقر وَالْغنم لم يقل لَهَا نعم وَلَا أنعام. وَقَالَ آخَرُونَ: النعم والأنعام بِمَعْنى وَاحِد، وأنشدنا أَبُو الْعَبَّاس:
(أكل عَام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه)
وَقَالَ ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونها﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢١] فَذكر الْهَاء لِأَنَّهُ حمل الْأَنْعَام على معنى النعم كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(بَال سُهَيْل فِي الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقَاح وَبرد)
أَرَادَ: وطاب لبن اللقَاح.
стр. 250
١٨٤ - / ٢٠٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: كَانَ سعد فِي إبِله فجَاء ابْنه عمر، فَلَمَّا رَآهُ سعد قَالَ: أعوذ بِاللَّه من شَرّ هَذَا الرَّاكِب.
قلت: لقد نظر سعد فِي ابْنه عمر بِنور الله ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا خير فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي تولى قتال الْحُسَيْن ﵇.
وَقَوله: إِن الله يحب التقي الْغَنِيّ الْخَفي. اعْلَم أَن صَاحب القناعة هُوَ الْغَنِيّ وَلَيْسَ بالكثير المَال؛ فَإِن الْغنى غنى النَّفس، وَالْإِشَارَة بالخفي إِلَى خمول الذّكر، وَالْغَالِب على الخامل السَّلامَة.
١٨٥ - / ٢١٠ - الحَدِيث الثَّامِن: " إِنِّي أحرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها ".
قد فسرنا اللابة فِي الحَدِيث السَّادِس من هَذَا الْمسند، وَذكرنَا الْعضَاة فِي الحَدِيث الرَّابِع عشر، وتكلمنا فِي تَحْرِيم الْمَدِينَة فِي مُسْند عَليّ ﵇.
" وَالْمَدينَة خير لَهُم " إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن أَقْوَامًا كَانُوا يستوخمون الْمَدِينَة ويصعب عَلَيْهِم شدائدها.
وَقَوله: " لَا يَدعهَا أحد رَغْبَة " إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي حَيَاته ﵇، وَكَانَ من خرج يرغب عَن جواره، فَأَما بعد وَفَاته فقد خرج خلق كثير من خِيَار أَصْحَابه.
واللأواء: شدَّة الْحَال.
والجهد: الْمَشَقَّة.
следующие страницы →