← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5906

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ابن الجوزي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وأرذل الْعُمر: أردؤه، وَهِي حَالَة الْهَرم. والدجال: الْكذَّاب، وَالْمرَاد بِهِ الْمَسِيح الْخَارِج فِي آخر الزَّمَان. ١٧٧ - / ٢٠١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: قَالَ سعد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ [الْكَهْف: ١٠٣] هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى. قَالَ: والحرورية: الَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. إِنَّمَا خسرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى لأَنهم تعبدوا على غير أصل صَحِيح، فخسروا الْأَعْمَال. والحرورية الَّذِي قَاتلُوا عليا ﵇، وَقد سبق وَصفهم، فَلَمَّا خالفوا مَا عهد إِلَيْهِم فِي الْقُرْآن من طَاعَة أولي الْأَمر بعد إقرارهم بِهِ، كَانَ ذَلِك نقضا مِنْهُم. ١٧٨ - / ٢٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أَن سَعْدا رأى أَن لَهُ فضلا على من دونه، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " هَل تنْصرُونَ وترزقون إِلَّا بضعفائكم ". إِنَّمَا أَرَادَ النَّبِي كسر سورته فِي اعْتِقَاده فَضله على غَيره ليستعمل التَّوَاضُع والذل، فَأعلمهُ أَن الضُّعَفَاء فِي مقَام انكسار وذل، وَهُوَ المُرَاد من العَبْد، وَهُوَ الْمُقْتَضِي للرحمة والإنعام. ١٧٩ - / ٢٠٣ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: أَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتل الوزغ، وَسَماهُ فويسقا. أصل الْفسق: الْخُرُوج، وَقد سميت الْفَأْرَة فويسقة لخروجها من

стр. 247

جحرها على النَّاس، كَذَلِك قَالَ الْفراء وَغَيره. فَلَمَّا كَانَ الوزغ يخرج من جُحْره فيؤذي النَّاس سَمَّاهُ فويسقا، وَيُمكن أَن يُقَال لما صدر مِنْهُ الْأَذَى كَمَا يصدر من الْفَاسِق سمي بذلك. ١٨٠ - / ٢٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كنت أرى النَّبِي يسلم عَن يَمِينه وَعَن يسَاره حَتَّى أرى بَيَاض خَدّه. ظَاهر هَذَا الْفِعْل يدل على وجوب التَّسْلِيم، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب، بل يخرج من الصَّلَاة بِكُل مَا ينافيها، وَيدل على أَن التسليمة الثَّانِيَة وَاجِبَة، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى أَنَّهَا سنة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي " الْجَدِيد ". وَقَالَ مَالك: السّنة الِاقْتِصَار على وَاحِدَة. ١٨١ - / ٢٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " الحدوا لي لحدا، وانصبوا عَليّ اللَّبن نصبا كَمَا صنع برَسُول الله ". اللَّحْد: شقّ فِي جَانب الْقَبْر، وَمِنْه الْإِلْحَاد: وَهُوَ الْميل عَن الاسْتقَامَة فِي الدّين. وَفِي حَدِيث جرير عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " اللَّحْد لنا، والشق لغيرنا " وَإِنَّمَا يكون الشق فِي وسط الْقَبْر، وَهُوَ فعل الْيَهُود، فَإِذا كَانَ لحدا كَانَ اللَّبن منتصبا.

стр. 248

١٨٢ - / ٢٠٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن سَعْدا ركب إِلَى قصره بالعقيق، فَوجدَ عبدا يقطع شَجرا أَو يخبطه، فسلبه، فَلَمَّا رَجَعَ سعد جَاءَهُ أهل العَبْد فكلموه أَن يرد عَلَيْهِم غلامهم، فَقَالَ: معَاذ الله أَن أرد شَيْئا نفلنيه رَسُول الله. العقيق: اسْم مَوضِع، بَينه وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَمْيَال، وَبِه مَاتَ سعد وَحمل إِلَى الْمَدِينَة، فَصلي عَلَيْهِ وَدفن بهَا. الْخبط بتسكين الْبَاء: ضرب الشّجر بعصا ليسقط ورقه، وَاسم الْوَرق السَّاقِط خبط بِفَتْح الْبَاء، والضارب مختبط. وَقَوله: فسلبه: أَي أَخذ ثِيَابه. ونفلنيه: أعطانيه. وَهَذَا كَانَ فِي حرم الْمَدِينَة. وَقد بَينا فِي مُسْند عَليّ ﵇ أَن جَزَاء صيدها وَقطع شَجَرهَا سلب الْقَاتِل، يَتَمَلَّكهُ الَّذِي يسلبه. وَمَا كَانَ سعد شَرها إِلَى مثل تملك الثِّيَاب، وَلَكِن أَرَادَ أَن يعلم حُرْمَة الْمَكَان، وَيظْهر الْعقُوبَة على ذَلِك، فيكف النَّاس. ١٨٣ - / ٢٠٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: مَا مَنعك أَن تسب أَبَا تُرَاب؟ إِنَّمَا كني عَليّ ﵇ بِأبي تُرَاب، لِأَنَّهُ خرج من بَيته يَوْمًا مغاضبا لفاطمة ﵍، فَنَامَ فِي الْمَسْجِد، فجَاء النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهَا عَنهُ، فَأَخْبَرته، فَدخل الْمَسْجِد فَرَآهُ نَائِما وَبَعض جسده على

стр. 249

التُّرَاب، فَقَالَ: " قُم أَبَا تُرَاب " وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند سهل ابْن سعد. وَقَوله: " أحب إِلَيّ من حمر النعم ". قَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي: النعم: الْإِبِل، وحمرها: كرامها وأعلاها منزلَة. وَالنعَم فِي قَول بَعضهم لَا يَقع إِلَّا على الْإِبِل، والأنعام يَقع على الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، فَإِذا انْفَرَدت الْإِبِل قيل لَهَا نعم وأنعام، وَإِذا انْفَرَدت الْبَقر وَالْغنم لم يقل لَهَا نعم وَلَا أنعام. وَقَالَ آخَرُونَ: النعم والأنعام بِمَعْنى وَاحِد، وأنشدنا أَبُو الْعَبَّاس: (أكل عَام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه) وَقَالَ ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونها﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢١] فَذكر الْهَاء لِأَنَّهُ حمل الْأَنْعَام على معنى النعم كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (بَال سُهَيْل فِي الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقَاح وَبرد) أَرَادَ: وطاب لبن اللقَاح.

стр. 250

١٨٤ - / ٢٠٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: كَانَ سعد فِي إبِله فجَاء ابْنه عمر، فَلَمَّا رَآهُ سعد قَالَ: أعوذ بِاللَّه من شَرّ هَذَا الرَّاكِب. قلت: لقد نظر سعد فِي ابْنه عمر بِنور الله ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا خير فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي تولى قتال الْحُسَيْن ﵇. وَقَوله: إِن الله يحب التقي الْغَنِيّ الْخَفي. اعْلَم أَن صَاحب القناعة هُوَ الْغَنِيّ وَلَيْسَ بالكثير المَال؛ فَإِن الْغنى غنى النَّفس، وَالْإِشَارَة بالخفي إِلَى خمول الذّكر، وَالْغَالِب على الخامل السَّلامَة. ١٨٥ - / ٢١٠ - الحَدِيث الثَّامِن: " إِنِّي أحرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها ". قد فسرنا اللابة فِي الحَدِيث السَّادِس من هَذَا الْمسند، وَذكرنَا الْعضَاة فِي الحَدِيث الرَّابِع عشر، وتكلمنا فِي تَحْرِيم الْمَدِينَة فِي مُسْند عَليّ ﵇. " وَالْمَدينَة خير لَهُم " إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن أَقْوَامًا كَانُوا يستوخمون الْمَدِينَة ويصعب عَلَيْهِم شدائدها. وَقَوله: " لَا يَدعهَا أحد رَغْبَة " إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي حَيَاته ﵇، وَكَانَ من خرج يرغب عَن جواره، فَأَما بعد وَفَاته فقد خرج خلق كثير من خِيَار أَصْحَابه. واللأواء: شدَّة الْحَال. والجهد: الْمَشَقَّة.

стр. 251

١٨٦ - / ٢١١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: " سَأَلت رَبِّي أَلا يهْلك أمتِي بِالسنةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلته أَلا يَجْعَل بأسهم بَينهم فَمَنَعَنِيهَا ". السّنة: الجدب. والبأس: الشجَاعَة والشدة فِي الْحَرْب. وَالْمرَاد أَلا يقتتل الْمُسلمُونَ، وَإِنَّمَا يَقع قِتَالهمْ على الدُّنْيَا، لأَنهم قد اجْتَمعُوا فِي الدّين. ١٨٧ - / ٢١٢ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: " لِأَن يمتلئ جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يرِيه خير لَهُ من أَن يمتلئ شعرًا ". الْقَيْح: الْمدَّة لَا يخالطها دم، يُقَال: قاح الْجرْح يقيح. قَالَ أَبُو عبيد: يرِيه، من الوري، يُقَال مِنْهُ: رجل موري: وَهُوَ أَن يدوى جَوْفه، قَالَ العجاج: (عَن قلب ضجم توري من سبر ... ) يصف الْجِرَاحَات، شبهها بِالْقَلْبِ: وَهِي الْآبَار، يَقُول: إِن سبرها إِنْسَان أَصَابَهُ الوري من شدتها. وَقَالَ عبد بني الحسحاس: (وراهن رَبِّي مثل مَا قد ورينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا) وَقَالَ الراجز:

стр. 252

(قَالَت لَهُ وريا إِذا تنحنحا ... ) وَهَذَا الحَدِيث مَحْمُول على من جعل جَمِيع شغله حفظَة الشّعْر، فَلم يحفظ شَيْئا من الْقُرْآن وَلَا من الْعلم، لِأَنَّهُ إِذا امْتَلَأَ الْجوف بالشَّيْء لم يبْق فِيهِ سَعَة لغيره. قَالَ النَّضر بن شُمَيْل لم تمتلء أجوافنا من الشّعْر، فِيهَا الْقُرْآن وَغَيره. قَالَ: وَهَذَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأما الْيَوْم فَلَا. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: أكره من الشّعْر الهجاء وَالرَّقِيق الَّذِي يشبب بِالنسَاء، فَأَما الْكَلَام الجاهلي فَمَا أنفعه. قلت: فَأَما مَا رَوَاهُ الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " لِأَن يمتلئ جَوف أحدكُم قَيْحا ودما خير لَهُ من أَن يمتلئ شعرًا هجيت بِهِ " فَإِنَّهُ حَدِيث بَاطِل؛ لِأَن الْكَلْبِيّ لَا يوثق بِهِ، وَحفظ بَيت من ذَلِك يَكْفِي فِي الذَّم دون تَعْلِيق ذَلِك بملء الْجوف. وَالصَّحِيح عِنْدِي مَا ذكرته أَولا، وَأَن المُرَاد بامتلاء الْجوف بالشعر حَتَّى لَا يكون لغيره مَوضِع. وَقد مدح رَسُول الله الشّعْر بقوله: " إِن من الشّعْر حِكْمَة " وَكَانَ يسمعهُ ويستنشده، وَكَانَ أَبُو بكر يَقُول الشّعْر، وَعمر وَعُثْمَان، وَكَانَ عَليّ أشعرهم. وَقَالَ حبيب بن أبي ثَابت: كَانَ ابْن

стр. 253

عَبَّاس يُعجبهُ شعر زُهَيْر وَيَقْضِي لَهُ، وَكَانَ مُعَاوِيَة يُعجبهُ شعر عدي وَيَقْضِي لَهُ، وَكَانَ ابْن الزبير يُعجبهُ شعر عنترة وَيَقْضِي لَهُ. قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَار ابْن عَبَّاس شعر زُهَيْر لِأَنَّهُ كَانَ يخْتَار من الشّعْر أَكْثَره أَمْثَالًا وأدله على الْعلم وَالْخَيْر. وَاخْتَارَ مُعَاوِيَة شعر عدي لِأَنَّهُ كَانَ كثير الْأَخْبَار. وَاخْتَارَ ابْن الزبير شعر عنترة لشجاعته. أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْمعدل قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عَمْرو الرزاز. قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد قَالَ: حَدثنَا نصر بن عَليّ قَالَ: حَدثنَا نوح بن قيس عَن يُونُس بن مُسلم عَن وادع بن الْأسود عَن الشّعبِيّ قَالَ: مَا أروي شَيْئا أقل من الشّعْر، وَلَو شِئْت لأنشدتكم شهرا لَا أُعِيد. قلت: وَمَا زَالَ الْعلمَاء يَقُولُونَ الشّعْر ويحفظونه ويسمعونه، وَقد ذكرت من هَذَا مَا يَكْفِي فِي كتابي الْمُسَمّى ب " إحكام الْأَشْعَار فِي أَحْكَام الْأَشْعَار ". ١٨٨ - / ٢١٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: ضرب رَسُول الله يَده على الْأُخْرَى، وَقَالَ: " الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا " ثمَّ نقص فِي الثَّالِثَة إصبعا. هَذَا مَحْمُول على أحد مَعْنيين: إِمَّا أَن يُشِير بِهِ إِلَى الشَّهْر بِعَيْنِه، فَإِنَّهُ آلى من نِسَائِهِ شهرا، فاتفق ذَلِك تسعا وَعشْرين، فَقَالَ: " الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ " أَو أَن يُرِيد بِهِ أَنه قد يكون هَكَذَا.

стр. 254

١٨٩ - / ٢١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: " الله أكبر كَبِيرا ". ينْتَصب " كَبِيرا " على وَجْهَيْن: أَحدهمَا على التَّعْظِيم: تَقْدِيره: أعظم كَبِيرا، وَدلّ على الْفِعْل الْمَحْذُوف قَوْله: " الله أكبر " لِأَنَّهُ تَعْظِيم. وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره: تَكْبِيرا كَبِيرا، وَدلّ على هَذَا الْمصدر قَوْله: " الله أكبر " لِأَن الْمَعْنى أكبر الله تَكْبِيرا. وَقد كثر مَجِيء " كَبِيرا " صفة للمصدر، من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وعتوا عتوا كَبِيرا﴾ [الْفرْقَان: ٢١] وَمِنْه: ﴿والعنهم لعنا كَبِيرا﴾ [الْأَحْزَاب: ٦٨] على قِرَاءَة من قَرَأَ بِالْبَاء. ١٩٠ - / ٢١٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: حَلَفت أم سعد لَا تكَلمه أبدا حَتَّى يكفر بِدِينِهِ. كَانَ سعد ﵁ برا بِأُمِّهِ، فَلَمَّا أسلم قَالَت: مَا هَذَا الدّين الَّذِي قد أحدثت، لتدعنه أَو لَا أكل وَلَا أشْرب حَتَّى أَمُوت فتعير بِي وَيُقَال: يَا قَاتل أمه. فَقَالَ لَهَا: لَا تفعلي؛ فَإِنِّي لَا أدع ديني لشَيْء، فَمَكثت ثَلَاثًا لَا تَأْكُل وَلَا تشرب حَتَّى غشي عَلَيْهَا من الْجهد، فَأَصْبَحت وَقد جهدت، فَقَالَ لَهَا سعد: وَالله يَا أُمَّاهُ لَو كَانَت لَك مائَة نفس فَخرجت نفسا نفسا مَا تركت ديني هَذَا لشَيْء، فَأكلت، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ ٠٠٠﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جَاهَدَاك على أَن تشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم ٠٠﴾ [لُقْمَان: ١٤ - ١٥] أَي لتتخذ

стр. 255

معي شَرِيكا لَا تعلمه لي. وَقَوله: فَإِذا أَرَادوا أَن يطعموها شجروا فاها: أَي فتحوه بعصا ثمَّ أوجروها. والوجور: مَا أَدخل فِي الْفَم من دَوَاء أَو غذَاء تستدرك بِهِ الْقُوَّة. وَفِي هَذَا الحَدِيث نفلني: أَي أعطنيه من النَّفْل، وَهُوَ الزِّيَادَة على سهم الْغَنَائِم. وَالْقَبْض بِفَتْح الْبَاء: اسْم لما قبض من الْمَغَانِم وَجمع. والحش: الْبُسْتَان، وَيُقَال بِضَم الْحَاء. وَقَوله: أَخذ رجل أحد لحيي الرَّأْس. يُرِيد عظم الفك. والفرز: الشق. قَوْله: فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر ٠٠٠﴾ [الْمَائِدَة: ٩٠] قد ذكرنَا فِي مُسْند عمر معنى تَسْمِيَة الْخمر خمرًا. فَأَما الميسر فَقَالَ الزّجاج: إِنَّمَا كَانَ الميسر قمارا فِي الجزر خَاصَّة، وكل الْقمَار حرَام قِيَاسا عَلَيْهِ. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: يسرت: إِذا ضربت بِالْقداحِ. وَيُقَال للضارب بِالْقداحِ يَاسر وياسرون وَيسر وأيسار وَكَانَ أَصْحَاب الثروة والأجواد فِي الشتَاء عِنْد شدَّة الزَّمَان وكلبه ينحرون جزورا ويجزءونها أَجزَاء، ثمَّ يضْربُونَ عَلَيْهَا بِالْقداحِ، فَإِذا قمر القامر جعل ذَلِك لِذَوي الْحَاجة، وَكَانُوا يتمادحون بذلك، ويتسابون بِتَرْكِهِ، ويعيبون من لَا ييسر.

стр. 256

وَأما الأنصاب فَفِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا أصنام تنصب فتعبد، قَالَه ابْن عَبَّاس وَالْفراء والزجاج. وَالثَّانِي: حِجَارَة كَانُوا يذبحون عَلَيْهَا. ويشرحون اللَّحْم عَلَيْهَا ويعظمونها، قَالَه ابْن جريج. وَأما الأزلام فَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هِيَ القداح، وَاحِدهَا زلم وزلم، وَكَانُوا يضْربُونَ بهَا فيعملون بِمَا يخرج فِيهَا من أَمر وَنهي قَالَ مُجَاهِد: الأزلام: سِهَام الْعَرَب. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: الأزلام: حَصى بيض كَانُوا إِذا أَرَادوا غدوا أَو رواحا كتبُوا فِي قدح: أَمرنِي رَبِّي، وَفِي آخر: نهاني رَبِّي، ثمَّ يضْربُونَ بهَا، فَأَيّهمَا خرج عمِلُوا بِهِ. وَقَالَ السّديّ: وَكَانَت الأزلام تكون عِنْد الكهنة. وَقَالَ مقَاتل: فِي بَيت الْأَصْنَام. وَأما الرجس فَقَالَ الزّجاج: هُوَ اسْم لكل مَا استقذر من عمل. يُقَال: رِجْس الرجل يرجس، ورجس يرجس: إِذا عمل عملا قبيحا. والرجس بِفَتْح الرَّاء: شدَّة الصَّوْت، فَكَأَن الرجس الْعَمَل الَّذِي يقبح ذكره ويرتفع فِي الْقبْح، يُقَال: رعد رجاس: إِذا كَانَ شَدِيد الصَّوْت. وَقَوله: ﴿من عمل الشَّيْطَان﴾ نِسْبَة ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان تجوز، إِلَّا أَنه لما كَانَ الدَّاعِي إِلَيْهِ جَازَت النِّسْبَة.

стр. 257

١٩١ - / ٢١٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: فِي الطَّاعُون: " إِن هَذَا الوجع رِجْس وَعَذَاب ". وَالرجز: الْعَذَاب المقلقل. وَقد ذكرنَا تَفْسِير الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عَوْف. ١٩٢ - / ٢١٨ - الحَدِيث السَّادِس عشر: " لَا يزَال أهل الغرب ظَاهِرين على الْحق حَتَّى تقوم السَّاعَة ". كَأَن الْإِشَارَة إِلَى جهادهم للْكفَّار وهم فِي ذَلِك على الْحق. وَالظَّاهِر: الْغَالِب. ١٩٣ - / ٢١٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: سَأَلت سَعْدا عَن الْمُتْعَة فِي الْحَج، قَالَ: فعلناها وَهَذَا يَوْمئِذٍ كَافِر بالعرش. قد ذكرنَا الْمُتْعَة فِي مُسْند عَليّ ﵇. وَقَوله: وَهَذَا، إِشَارَة إِلَى مُعَاوِيَة، لِأَنَّهُ كَانَ ينْهَى عَن الْمُتْعَة. وَالْعرش بِضَم الْعين وَالرَّاء: الْبيُوت، وَأَرَادَ بيُوت مَكَّة، وَهَذَا مُفَسّر فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو عبيد: سميت بالعرش لِأَنَّهَا عيدَان تنصب ويظلل عَلَيْهَا، وَاحِدهَا عَرِيش، نَحْو قليب وقلب، وَالْمعْنَى: وَهُوَ مُقيم بِمَكَّة على

стр. 258

كفره. وَقد غلط بعض قرأة الحَدِيث فَقَالَ: كَافِر بالعرش، بِفَتْح الْعين وتسكين الرَّاء.

стр. 259

كشف الْمُشكل من مُسْند سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل أسلم قَدِيما، وَلم يفته مشْهد سوى بدر للْعُذْر الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة طَلْحَة. وروى عَن رَسُول الله ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة. ١٩٤ - / ٢٢١ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " الكمأة من الْمَنّ ". الكمأة نبت مَعْرُوف. وَفِي قَوْله: " من الْمَنّ " ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: من الَّذِي أنزل على بني إِسْرَائِيل. أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن عمر قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَيُّوب قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ بن شَاذان قَالَ: أخبرنَا أَبُو سهل أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ: حَدثنَا القَاضِي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد البرتي قَالَ: حَدثنَا القواريري قَالَ حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن عَمْرو بن سعيد يَعْنِي ابْن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الكمأة من الْمَنّ الَّذِي أنزل على بني إِسْرَائِيل ".

стр. 260

أخبرنَا ابْن الْحصين قَالَ: أخبرنَا ابْن الْمَذْهَب قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا عبد الصَّمد قَالَ: حَدثنِي أبي عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عَمْرو بن حُرَيْث قَالَ: حَدثنِي سعيد بن زيد عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " الكمأة من السلوى ". وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا مِمَّا من الله بِهِ من غير بذر وَلَا تَعب، كَمَا من على بني إِسْرَائِيل بالمن. قَالَ أَبُو عبيد: إِنَّمَا شبهها بالمن الَّذِي سقط على بني إِسْرَائِيل؛ لِأَن ذَلِك كَانَ ينزل عَلَيْهِم عفوا بِلَا علاج، فيصبحون وَهُوَ بأفنيتهم، فَكَذَلِك الكمأة، لَيْسَ على أحد مِنْهَا مؤونة فِي بذر وَلَا سقِِي. وَالثَّالِث: أَنَّهَا من الْمَنّ الَّذِي يسْقط على الشّجر فِي بعض الْبِلَاد، يشبه طعمه طعم الْعَسَل فَيجمع، ذكره أَبُو عبد الله الْحميدِي. وَقَوله: " وماؤها شِفَاء للعين " فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه مَاؤُهَا حَقِيقَة، إِلَّا أَن أَرْبَاب هَذَا القَوْل اتَّفقُوا على أَنه لَا يسْتَعْمل بحتا فِي الْعين. ثمَّ اخْتلفُوا كَيفَ يصنع بِهِ، على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يخلط فِي الْأَدْوِيَة الَّتِي يكتحل بهَا. قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: إِنَّه لَيْسَ معنى الحَدِيث أَن يُؤْخَذ مَاؤُهَا بحتا فيقطر فِي الْعين، وَلكنه

стр. 261

يخلط مَاؤُهَا فِي الْأَدْوِيَة الَّتِي تعالج بهَا الْعين. وَيصدق قَول أبي عبيد أَن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ: أكل الكمأة يجلو الْبَصَر. وَالثَّانِي: أَن تُؤْخَذ الكماة فتشق وتوضع على الْجَمْر حَتَّى يغلي مَاؤُهَا، ثمَّ يُؤْخَذ الْميل فَيصير فِي ذَلِك الشق وَهُوَ فاتر فيكتحل بِمَائِهَا، وَلَا يَجْعَل الْميل فِي مَائِهَا وَهِي بادرة يابسة، قَالَه إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ. قَالَ: وَقَالَ لي صَالح وَعبد الله ابْنا أَحْمد بن حَنْبَل: إنَّهُمَا اشتكت أعينهما فأخذا كماة فدقاها وعصراها فاكتحلا بِمَائِهَا، فهاجت أعينها ورمدت. وَإِنَّمَا الْوَجْه مَا ذكرنَا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه إِنَّمَا أَرَادَ المَاء الَّذِي ينْبت بِهِ، وَهُوَ أول مطر ينزل إِلَى الأَرْض، فِيهِ تربى الأكحال، قَالَه لنا شَيخنَا أَبُو بكر بن عبد الله الْبَاقِي. وَقد عصر بعض النَّاس الكماة فداوى بِهِ عينه فَذَهَبت. ١٩٥ - / ٢٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن سعيد بن زيد خاصمته أروى إِلَى مَرْوَان، وَادعت أَنه أَخذ شَيْئا من أرْضهَا، فَقَالَ: أَنا كنت آخذ من أرْضهَا شبْرًا بعد الَّذِي سَمِعت من رَسُول الله، سمعته يَقُول: " من أَخذ شبْرًا من الأَرْض ظلما طوقه من سبع أَرضين " فَقَالَ مَرْوَان: لَا أَسأَلك بَيِّنَة بعْدهَا. فِي معنى طوقه ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن يخسف بِهِ الأَرْض بعد مَوته أَو فِي حشره، فَتَصِير

стр. 262

الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة مِنْهَا فِي عُنُقه كالطوق، وَيُؤَيّد هَذَا حَدِيث ابْن عمر: " خسف بِهِ إِلَى سبع أَرضين ". وَالثَّانِي: أَن يُكَلف حمل ذَلِك، فَيكون من تطويق التَّكْلِيف لَا من تطويق التَّقْلِيد، وَلَيْسَ ذَلِك بممتنع، فَإِن قد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: " لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَأْتِي وعَلى رقبته بعير ٠٠٠، وعَلى رقبته شَاة ". وَالثَّالِث: أَن يُرِيد بِهِ تطويق الْإِثْم، وَإِنَّمَا قَالَ: " من سبع أَرضين " لِأَن حكم أَسْفَل الأَرْض تَابع لأعلاها. وَأما قَول مَرْوَان: لَا أَسأَلك بَيِّنَة، أَي لَا أُرِيد أبين من هَذَا الحَدِيث فِي معنى غصب الأَرْض، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ رِوَايَته للْحَدِيث بَيِّنَة لَهُ. ١٩٦ - / ٢٢٣ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن سعيد بن زيد قَالَ: لقد رَأَيْتنِي موثقي عمر على الْإِسْلَام أَنا وَأُخْته، وَمَا أسلم، وَلَو أَن أحدا انقض - وَقيل: ارْفض - للَّذي صَنَعْتُم بعثمان لَكَانَ محقوقا أَن ينْقض. كَانَ سعيد بن زيد زوج أُخْت عمر بن الْخطاب، فجَاء عمر فَأَغْلَظ لَهما وأوثقهما ليصدهما عَن الْإِسْلَام قبل أَن يسلم. أخبرنَا أَبُو بكر بن أبي طَاهِر قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو عمر بن حيويه قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن بن مَعْرُوف قَالَ:

стр. 263

أخبرنَا الْحُسَيْن بن الْفَهم قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أخبرنَا إِسْحَق بن يُوسُف الْأَزْرَق قَالَ: أخبرنَا الْقَاسِم بن عُثْمَان الْبَصْرِيّ عَن أنس بن مَالك قَالَ: خرج عمر مُتَقَلِّدًا السَّيْف، فَلَقِيَهُ رجل من بني زهرَة فَقَالَ: أَيْن تعمد؟ فَقَالَ: أُرِيد أَن أقتل مُحَمَّدًا. قَالَ: وَكَيف تأمن فِي بني هَاشم وَبني زهرَة وَقد قتلت مُحَمَّدًا؟ فَقَالَ لَهُ عمر: مَا أَرَاك إِلَّا قد صَبَأت وَتركت دينك الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ. فَقَالَ: أَفلا أدلك على الْعجب يَا عمر، إِن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك، فَمشى عمر ذامرا حَتَّى أتاهما وَعِنْدَهُمَا خباب بن الْأَرَت، فَلَمَّا سمع خباب حس عمر توارى فِي الْبَيْت، فَدخل عَلَيْهِمَا فَقَالَ: مَا هَذِه الهينمة الَّتِي سَمعتهَا عنْدكُمْ؟ قَالَ: وَكَانُوا يقرءُون (طه) . فَقَالَا: مَا عدا حَدِيثا تحدثناه. قَالَ: فلعلكما قد صبوتما. فَقَالَ لَهُ ختنه: أَرَأَيْت يَا عمر إِن كَانَ الْحق فِي غير دينك. فَوَثَبَ عمر على ختنه فوطئه وطئا شَدِيدا، فَجَاءَت أُخْته فَدَفَعته عَن زَوجهَا، فنفحها نفحة بِيَدِهِ، فدمي وَجههَا، فَقَالَت وَهِي غَضبى: يَا عمر، إِن كَانَ الْحق فِي غير دينك اشْهَدْ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، واشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله. فَلَمَّا يئس عمر قَالَ: أعطوني هَذَا الْكتاب الَّذِي عنْدكُمْ فأقرؤه، وَكَانَ عمر يقْرَأ الْكتب، فَقَالَت أُخْته: إِنَّك رِجْس، وَلَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ، فَقُمْ فاغتسل أَو تَوَضَّأ، فَقَامَ فَتَوَضَّأ، ثمَّ أَخذ الْكتاب فَقَرَأَ: ﴿طه﴾ حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ [طه: ١٤] فَقَالَ عمر: دلوني على مُحَمَّد، فَلَمَّا سمع خباب قَول عمر خرج من الْبَيْت فَقَالَ: أبشر يَا عمر، فَإِنِّي أَرْجُو أَن تكون دَعْوَة رَسُول الله لَك لَيْلَة الْخَمِيس: " اللَّهُمَّ أعز الْإِسْلَام بعمر بن

стр. 264

الْخطاب أَو بعمر بن هِشَام " فَانْطَلق عمر فَأسلم. وَأما قَوْله: وَلَو أَن أحدا انقض، فَمَعْنَاه هوى وَسقط. وَارْفض: تفرق. وَكَانَت الْمُنَاسبَة بَين ذكر مَا صَنَعُوا بعثمان وَبَين مَا فعل عمر أَن عمر رأى الْخَطَأ صَوَابا قبل أَن يسلم فِي إيثاق ختنه وَأُخْته على الْإِسْلَام، فَكَذَلِك من رأى مَا فعل بعثمان صَوَابا.

стр. 265

كشف الْمُشكل من مُسْند أبي عُبَيْدَة بن الْجراح واسْمه عَامر بن عبد الله، شهد الْمشَاهد كلهَا، وَثَبت مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد، وَنزع يَوْمئِذٍ بِفِيهِ الحلقتين اللَّتَيْنِ دخلتا فِي وجنتي رَسُول الله ﷺ من حلق المغفر، فَوَقَعت ثنيتاه، فَكَانَ من أحسن النَّاس هتما. وروى عَن رَسُول الله خَمْسَة عشر حَدِيثا، وَلم يخرج لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ سوى كلمة وَهِي: ١٩٧ - / ٢٢٤ - نَحن رسل رَسُول الله، فَهِيَ مندرجة فِي حَدِيث يرويهِ جَابر، وَفِيه: بعثنَا رَسُول الله وَأمر علينا أَبَا عُبَيْدَة نأتي عيرًا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غَيره، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يُعْطِينَا تَمْرَة تَمْرَة، فَكُنَّا نمصها كَمَا يمص الصَّبِي ثمَّ نشرب عَلَيْهَا من المَاء، فتكفينا يَوْمنَا إِلَى اللَّيْل، وَكُنَّا نضرب بعصينا الْخبط ثمَّ نبله بِالْمَاءِ فنأكله، وَرفع لنا على سَاحل الْبَحْر كَهَيئَةِ الْكَثِيب الضخم، فأتيناه فَإِذا هِيَ دَابَّة تدعى العنبر، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ميتَة، ثمَّ قَالَ: لَا، بل نَحن رسل رَسُول الله، وَفِي سَبِيل الله، وَقد اضطررتم فَكُلُوا، قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شهرا وَنحن ثَلَاثمِائَة حَتَّى سمنا، وَلَقَد رَأَيْتنَا نغترف من وَقب عينه

стр. 266

بالقلال الدّهن، ونقطع مِنْهُ الفدر كالثور، وَلَقَد أَخذ منا أَبُو عُبَيْدَة ثَلَاثَة عشر رجلا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقب عينه، وَأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثمَّ رَحل أعظم بعير مَعنا، فَمر من تحتهَا، وتزودنا من لَحْمه وشائق، فَلَمَّا قدمنَا ذكرنَا ذَلِك لرَسُول الله، فَقَالَ: " هُوَ رزق أخرجه الله لكم، فَهَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء فتطعمونا؟ " فَأَرْسَلنَا إِلَى رَسُول الله مِنْهُ فَأَكله. العير: الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة. والخبط قد فسرناه فِيمَا مضى. وَفِيمَا صَبر هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَيْهِ دَلِيل على قُوَّة إِيمَانهم، إِذْ لَو ضعف إِيمَانهم لما صَبَرُوا على هَذِه المشاق. وَقَول أبي عُبَيْدَة: ميتَة، دَلِيل على أَنه كَانَ لَا يرى جَوَاز أكل السّمك الطافي، وَإِنَّمَا استجازه على وَجه الِاضْطِرَار كَمَا يستجيز أكل الْميتَة، وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة، وَقد رد ذَلِك الرَّأْي قَول الرَّسُول: " هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء " فَأَعْطوهُ، فَأكل وَلَيْسَ بمضطر، فَدلَّ على جَوَاز أكل الطافي، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد، ثمَّ قد ثَبت جَوَاز أكل السّمك إِذا مَاتَ فِي الْبر، فَكَذَلِك إِذا مَاتَ فِي الْبَحْر. وَيُمكن أَن يَقُول من منع مِنْهُ: إِن الْبَحْر مَحل حَيَاة السّمك، فَإِذا مَاتَ فِي مَحل حَيَاته دلّ على مرض أوجب ذَلِك، فنزه عَن أكله. ووقب الْعين: مَا تقعر مِنْهَا. والوقب كالنقرة فِي الشَّيْء.

стр. 267

القلال مثل الجرار. والفدر جمع فدرة: وَهِي الْقطعَة من اللَّحْم. وَمعنى رَحل أعظم بعير: جعل عَلَيْهِ رَحْله. والوشائق: مَا قطع من اللَّحْم ليقدد، والواحدة وشيقة.

стр. 268

كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الله بن مَسْعُود أسلم قَدِيما، وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة مرَّتَيْنِ، ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة، وَلم يفته مَعَ رَسُول الله مشْهد، وَكَانَ صَاحب سر رَسُول الله ووساده وسواكه ونعليه وَطهُوره فِي السّفر، وَكَانَ يشبه برَسُول الله فِي هَدْيه وسمته. وروى عَن رَسُول الله ثَمَانمِائَة حَدِيث وَثَمَانِية وَأَرْبَعين، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مائَة وَعِشْرُونَ. ١٩٨ - / ٢٢٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَالَ: لما نزلت: ﴿وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ [الْأَنْعَام: ٨٢] شقّ ذَلِك على أَصْحَاب رَسُول الله وَقَالُوا: أَيّنَا لم يظلم نَفسه؟ فَقَالَ: " إِنَّمَا هُوَ الشّرك ". يلبسوا بِمَعْنى يخلطوا، يُقَال: لبست بِفَتْح الْبَاء، ألبس بِكَسْرِهَا: إِذا خلطت، ولبست بِكَسْر الْبَاء ألبس بِفَتْحِهَا من لبس الثَّوْب.

стр. 269

وَالظُّلم يَقع على الشّرك وعَلى الْمعاصِي دونه، وَقد فسره الرَّسُول الله ﵇ هَاهُنَا بالشرك. ١٩٩ - / ٢٢٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: بَينا أَنا مَعَ رَسُول الله وَهُوَ يتَوَكَّأ على عسيب. العسيب من النّخل كالقضيب من سَائِر الشّجر. وَقَوله: ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ [الْإِسْرَاء: ٨٥] أَي مِمَّا انْفَرد بِعِلْمِهِ فَلم يُعلمهُ غَيره. وَمَا أَكثر كَلَام النَّاس فِي الرّوح وماهيتها، مَعَ أَن الْقُرْآن لم يفصح بذلك وَالرَّسُول الْمَسْئُول عَنْهَا لم يبينها، وَلست أعجب من الفلاسفة الَّذين لَا يتدينون بديننا إِذا تكلمُوا فِيهَا، إِنَّمَا الْعجب من عُلَمَاء الْإِسْلَام كَيفَ يرَوْنَ الرَّسُول الْمَسْئُول لم يجب، وَالْقُرْآن لم يفصح بِشَيْء، ثمَّ يَقُول بَعضهم: هِيَ جسم، وَيَقُول بَعضهم: هِيَ شَيْء وَالنَّفس شَيْء، وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ من كَلَام الفلاسفة والأطباء، وَإِنَّمَا الرّوح أَمر من أَمر الله لَا يعرف إِلَّا بتصرفاته، كَمَا لَا يسْتَدلّ على وجود الْحق سُبْحَانَهُ إِلَّا بأفعاله، وَالشَّيْء إِذا لم يكْشف للأبصار منعت البصائر فِي وَصفه بالجمل، أَلا ترى إِلَى قَول الْخَلِيل ﵇: ﴿أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٠] فَلَمَّا لم يدْخل إِدْرَاك الْأَحْيَاء فِي قدرَة الْخَلِيل، أرَاهُ الْحق سُبْحَانَهُ الْمَوْتَى قد عاشوا. ٢٠٠ - / ٢٢٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كُنَّا نسلم على النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَيرد علينا، فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ سلمنَا عَلَيْهِ فَلم يرد علينا وَقَالَ: " إِن فِي الصَّلَاة شغلا " هَذَا لفظ

стр. 270

الصَّحِيح، وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " فَقَالَ فِيهِ: " إِن الله يحدث فِي أمره مَا يَشَاء، وَإنَّهُ قد أحدث أَن لَا تتكلموا فِي الصَّلَاة ". كَانَ الْكَلَام فِي الصَّلَاة مُبَاحا ثمَّ حرم، وَاخْتلفُوا مَتى حرم؟ فَقَالَ قوم: حرم وَرَسُول الله بِمَكَّة، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الحَدِيث. قَالُوا: وَإِنَّمَا رَجَعَ ابْن مَسْعُود من عِنْد النَّجَاشِيّ إِلَى مَكَّة. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا حرم بِالْمَدِينَةِ بِدَلِيل مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث زيد بن أَرقم قَالَ: كُنَّا نتكلم فِي الصَّلَاة، يكلم الرجل صَاحبه وَهُوَ إِلَى جَانِبه فِي الصَّلَاة حَتَّى نزلت: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٨] فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ. قَالُوا وَزيد من الْأَنْصَار، وَإِنَّمَا أسلم بِالْمَدِينَةِ. وَابْن مَسْعُود لما عَاد إِلَى مَكَّة من الْحَبَشَة رَجَعَ فِي الْهِجْرَة الثَّانِيَة إِلَى النَّجَاشِيّ، ثمَّ قدم على رَسُول الله بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يتجهز لبدر. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا نسخ الْكَلَام بعد الْهِجْرَة بِمدَّة يسيرَة، فَأجَاب الْأَولونَ بِأَن الظَّاهِر تجدّد هَذِه الْحَال فِي غيبَة ابْن مَسْعُود الأولى لِأَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ، وَلم يقل فِي الْمرة الثَّانِيَة، وحملوا حَدِيث زيد على أَنه إِخْبَار عَن الصَّحَابَة الْمُتَقَدِّمين، كَمَا يَقُول الْقَائِل: قتلناكم وهزمناكم، يعنون الْآبَاء والأجداد. وَقَول الْخطابِيّ يحْتَاج إِلَى تَارِيخ، والتاريخ بعيد. وَرَأَيْت أَبَا حَاتِم بن حبَان الْحَافِظ قد ذكر فِي هَذَا شَيْئا حسنا، فَإِنَّهُ قَالَ: لقد توهم من لم يحكم صناعَة الْعلم أَن نسخ الْكَلَام فِي الصَّلَاة كَانَ بِالْمَدِينَةِ لحَدِيث زيد بن أَرقم، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَن الْكَلَام فِي

стр. 271

الصَّلَاة كَانَ مُبَاحا فِي أول الْإِسْلَام إِلَى أَن رَجَعَ ابْن مَسْعُود وَأَصْحَابه من عِنْد النَّجَاشِيّ، فوجدوا إِبَاحَة الْكَلَام قد نسخت، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ مُصعب بن عُمَيْر يقرئ الْمُسلمين ويفقههم فِي الدّين، وَكَانَ الْكَلَام بِالْمَدِينَةِ مُبَاحا كَمَا كَانَ بِمَكَّة، فَلَمَّا نسخ ذَلِك بِمَكَّة تَركه النَّاس بِالْمَدِينَةِ، فَحكى زيد ذَلِك الْفِعْل، لَا أَن نسخ الْكَلَام كَانَ بِالْمَدِينَةِ. ٢٠١ - / ٢٢٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج ". الْبَاءَة كلمة ممدودة، أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ ابْن الْمهْدي قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن بن رزمة إِذْنا قَالَ: أخبرنَا عمر بن مُحَمَّد بن سيف قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي قَالَ: أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي قَالَ: قَرَأت على عمي الْأَصْمَعِي قَالَ: يُقَال: بَاء وباءة: وَهُوَ الغشيان، وَإِن شِئْت جمعت بِالتَّاءِ فَقلت باءات، قَالَ الراجز: (إِن كنت تبغي صَالح الباءات ... ) (فاعمد إِلَى هاتيكم الأبيات ... ) وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الْبَاءَة كِنَايَة عَن النِّكَاح، وأصل الْبَاءَة الْموضع الَّذِي يأوي إِلَيْهِ الْإِنْسَان، وَمِنْه اشتق مباءة الْغنم: وَهُوَ المراح الَّذِي تأوي إِلَيْهِ بِاللَّيْلِ. والوجاء: رض الْأُنْثَيَيْنِ، والخصاء نزعهما.

стр. 272

وَقَالَ أَبُو عبيد: يُقَال للفحل إِذا رضت أنثياه: قد وجئ وَجَاء فَهُوَ موجوء، فَإِن نزعت نزعا فقد خصي، فَإِن شدت الأنثيان شدا قيل: عصبته عصبا فَهُوَ معصوب. قَالَ: وَقَالَ بعض أهل الْعلم: " فَهُوَ لَهُ وجأ " بِفَتْح الْوَاو مَقْصُورَة، يُرِيد الحفا، وَالْوَجْه الأول. وَفِي الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز التعالج لقطع الْبَاءَة بالأدوية، لقَوْله: " فليصم ". وَمعنى: " أحصن لِلْفَرجِ " أعف. ٢٠٢ - / ٢٢٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: جَاءَ حبر إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِن الله يضع السَّمَاء على إِصْبَع، وَالْأَرضين على إِصْبَع، وَالْجِبَال على إِصْبَع، وَالشَّجر والأنهار على إِصْبَع، وَسَائِر الْخلق على إِصْبَع، ثمَّ يَقُول: أَنا الْملك. فَضَحِك رَسُول الله وَقَالَ: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ [الزمر: ٦٧] وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: ثمَّ يَهُزهُنَّ. وفيهَا: أَن رَسُول الله ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، تَعَجبا وَتَصْدِيقًا لَهُ. الحبر: الْعَالم. وَمذهب عُلَمَاء السّلف السُّكُوت عَن مثل هَذَا الحَدِيث، وَأَن يمر على مَا جَاءَ من غير تَشْبِيه وَلَا تَأْوِيل. أخبرنَا الكروخي قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَامر الْأَزْدِيّ وَأَبُو بكر الغورجي

стр. 273

قَالَا: أخبرنَا الجراحي قَالَ: حَدثنَا المحبوبي قَالَ: حَدثنَا التِّرْمِذِيّ قَالَ: رُوِيَ عَن مَالك بن أنس وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الله بن الْمُبَارك أَنهم قَالُوا: أمروا هَذِه الْأَحَادِيث بِلَا كَيفَ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا قَول أهل الْعلم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. قلت: وَقد كَانَ بعض السّلف إِذا تحدث بِهَذَا الحَدِيث يُحَرك أَصَابِعه على التَّقْرِيب إِلَى الْفَهم لَا على التَّشْبِيه، فَأخْبرنَا أَبُو الْقَاسِم هبة الله ابْن الْحُسَيْن بن الحاسب قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ بن الْبناء قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْفَتْح بن أبي الفوارس قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن جَعْفَر بن سلم قَالَ: حَدثنَا أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْجَوْهَرِي قَالَ: حَدثنَا صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: حَدثنِي يحيى بِحَدِيث الْأَعْمَش، حَدِيث عبد الله: " إِن الله يضع السَّمَوَات على أصْبع " فَجعل يَقُول بأصابعه هَكَذَا، حَتَّى أَتَى على آخرهَا. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون ضحك رَسُول الله إنكارا، قَالَ: وَقَول من قَالَ: تَصْدِيقًا، ظن مِنْهُ، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك من تَخْلِيط الْيَهُود وتخريفهم، وَأَن ضحك رَسُول الله إِنَّمَا كَانَ تَعَجبا وَإِنْكَارا. قَالَ: ثمَّ لَو صحت الرِّوَايَة بِإِثْبَات ذَلِك كَانَ الْمَعْنى أَن سهولة الْأَمر عَلَيْهِ كمن جمع شَيْئا فِي كَفه فاستخف حمله، فَلم يشْتَمل بِجَمِيعِ كَفه عَلَيْهِ، لكنه أَقَله بِبَعْض أَصَابِعه. يُقَال: إِن فلَانا ليفعل كَذَا بِخِنْصرِهِ.

стр. 274

وَقَوله: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ أَي مَا عظموه حق عَظمته. وَقد ذكرنَا النواجذ فِي مُسْند سعد. ٢٠٣ - / ٢٣٠ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَن ابْن مَسْعُود وجد من رجل ريح الْخمر، فَضَربهُ الْحَد. قد تكلمنا على هَذَا الحَدِيث فِي الحَدِيث الْخَامِس عشر من مُسْند عَليّ ﵇. ٢٠٤ - / ٢٣١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: أَن النَّبِي ﷺ صلى فَزَاد أَو نقص. وَفِي لفظ: صلى خمْسا، فَلَمَّا سلم أخبر، فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ. وَفِي لفظ: " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليتحر الصَّوَاب فليبن عَلَيْهِ، ثمَّ ليسجد سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ: أَنه سجد بعد السَّلَام وَالْكَلَام. وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على وجوب سُجُود السَّهْو لِأَنَّهُ أَمر بِهِ، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد. وَقَالَ مَالك: إِذا كَانَ عَن نُقْصَان وَجب، وَأما عَن زِيَادَة فَلَا يجب. وَقَالَ الشَّافِعِي: سُجُود السَّهْو مسنون. وَأما من نسي سُجُود السَّهْو فلنا فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَنه يسْجد مَا لم يَتَطَاوَل الزَّمَان أَو يخرج من الْمَسْجِد - وَإِن تكلم. وَالثَّانيَِة: يسْجد وَإِن خرج وتباعد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يسْجد بعد الْكَلَام وَالْخُرُوج. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن ذكر قَرِيبا سجد، وَإِن تبَاعد فعلى قَوْلَيْنِ.

стр. 275

وَقَوله: فليتحر الصَّوَاب: أَي ليجتهد فِي الْإِصَابَة. ٢٠٥ - / ٢٣٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لعن الله الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات، وَالْمُتَنَمِّصَات، وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحسنِ الْمُغيرَات خلق الله. أما الوشم فَهُوَ غرز الْكَفّ أَو الذِّرَاع بالإبرة، ثمَّ يحشى بكحل أَو نَحوه فَمَا يخضره، فالفاعلة واشمة، وَالَّتِي تطلب أَن يفعل بهَا ذَلِك مستوشمة. والنامصة: الَّتِي تنتف الشّعْر من الْوَجْه. والمتنمصة: هِيَ الَّتِي تطلب أَن يفعل بهَا ذَلِك، وَهُوَ مَأْخُوذ من المنماص، وَهُوَ المنقاش، وَبَعض قرأة الحَدِيث تَقول: المنتمصة بِتَقْدِيم النُّون. وَالَّذِي ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد بِتَقْدِيم التَّاء مَعَ التَّشْدِيد. وَالْمُتَفَلِّجَات: هن اللواتي يتكلفن تفريج مَا بَين الثنايا والرباعيات بصناعة. والفلج فِي الْأَسْنَان: تبَاعد مَا بَين ذَلِك. يُقَال: رجل أفلج الْأَسْنَان، وَامْرَأَة فلجاء الْأَسْنَان، وَلَا بُد من ذكر الْأَسْنَان. وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر: أَنه لعن الواشرة والمؤتشرة. قَالَ أَبُو عبيد: الواشرة الَّتِي تشر أسنانها: أَي تفلجها وتحددها حَتَّى يكون لَهَا أشر: وَهِي رقة وتحدد فِي أَطْرَاف أَسْنَان الْأَحْدَاث، فَهَذِهِ تتشبه بأولئك. وَمِنْه ثغر مؤشر.

стр. 276

وَظَاهر هَذَا الحَدِيث أَن الْكَلَام مُطلق فِي حق كل من فعل هَذَا. وَقَول ابْن مَسْعُود يدل على ذَلِك. وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ المتصنعات من النِّسَاء للفجور، لِأَن مثل هَذَا التحسن دأبهن. وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهن المموهات على الرِّجَال بِمثل هَذِه الْأَفْعَال لتغر المتزوج. ٢٠٦ - / ٢٣٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ (النَّجْم) فَسجدَ، وَسجد من كَانَ مَعَه، غير أَن شَيخا من قُرَيْش أَخذ كفا من تُرَاب فرفعه إِلَى جَبهته، فَلَقَد رَأَيْته قتل كَافِرًا. إِنَّمَا سجد رَسُول الله فِي سُورَة " النَّجْم " عِنْد السَّجْدَة الَّتِي فِي آخرهَا، وَهَذَا دَلِيل على مَالك، لِأَنَّهُ يَقُول: لَيْسَ فِي الْمفصل سَجْدَة. وَلما سجد رَسُول الله سجد الْمُشْركُونَ مَعَه، وَإِنَّمَا سجدوا لأَنهم سمعُوا (تِلْكَ الغرانيق العلى. وَإِن شفاعتهن لترتجى) فَفَرِحُوا ووافقوه فِي السُّجُود. وَقد بيّنت فِي " التَّفْسِير " أَن شَيْطَانا تكلم بذلك فسمعوه، إِمَّا من شياطين الْجِنّ أَو من شياطين الْإِنْس، لأَنهم كَانُوا إِذا قَرَأَ الرَّسُول لَغوا كَمَا وَصفهم الله بقوله: ﴿لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فَلَمَّا سمعُوا هَذِه السُّورَة قَالَ بعض الشَّيَاطِين هَذِه الْكَلِمَات على وَزنهَا، فظنوا أَن رَسُول الله قد قَالَهَا، وَإِنَّمَا قيلت فِي ضمن تِلَاوَته. فَأَما أَن يكون جرى على لِسَان الرَّسُول الْمَعْصُوم مثل هَذَا فمحال، فَلَا تغترر بِمَا تسمعه فِي التفاسير من أَنه

стр. 277

جرى على لِسَانه، فَإِنَّهُ لَو صَحَّ هَذَا لاختلط الْحق بِالْبَاطِلِ، وَجَاز أَن يشك فِي الصَّحِيح، فَيُقَال: لَعَلَّ هَذَا مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَان أَيْضا، وَقد عصم الله نبيه من مثل هَذَا، وَبَين كَيْفيَّة حفظ الْوَحْي من الشَّيَاطِين، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ يسْلك من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه رصدا﴾ [الْجِنّ: ٢٧] وَالْمعْنَى أَن يحرس الْوَحْي عِنْد تِلَاوَة الْملك لَهُ على الرَّسُول من استراق الشَّيَاطِين لِئَلَّا يسبقونه إِلَى الكاهن فيتكلم بِهِ قبل الرَّسُول، وَهَذِه الْعِصْمَة تنَافِي صِحَة مَا ادعِي مِمَّا أنكرناه. وَقد ذهب إِلَى مَا قلته كبار الْعلمَاء، مِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي، وَأَبُو جَعْفَر النّحاس، وَأَبُو الْوَفَاء بن عقيل، فِي خلق كثير من الْمُحَقِّقين. وَقد بالغت فِي شرح هَذَا الْمَعْنى فِي تفسيري الْكَبِير الْمُسَمّى ب " الْمُغنِي " وأشرت إِلَيْهِ فِي التَّفْسِير الْمُتَوَسّط الْمُسَمّى ب " زَاد الْمسير "، فَأخذت فِي تَجْوِيز مَنْقُول لَا يثبت يَقع بِهِ هدم أصل عَظِيم. وَأما الشَّيْخ الْقرشِي فَإِنَّهُ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة. ٢٠٧ - / ٢٣٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: لَا يجعلن أحدكُم للشَّيْطَان شَيْئا من صلَاته، يرى أَن حَقًا عَلَيْهِ أَلا ينْصَرف إِلَّا عَن يَمِينه، قد رَأَيْت رَسُول الله كثيرا ينْصَرف عَن يسَاره. أكد الْوَصِيَّة فِي هَذَا الحَدِيث ابْن مَسْعُود بنُون التوكيد حِين قَالَ: لَا يجعلن، وَالْمعْنَى: لَا يرين أحدكُم هَذَا حَقًا وَاجِبا أَو مسنونا فَاضلا. ٢٠٨ - / ٢٣٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد

стр. 278

قَالَ: صلى بِنَا عُثْمَان بن عَفَّان بمنى أَربع رَكْعَات، فَقيل لِابْنِ مَسْعُود، فَقَالَ: صليت مَعَ رَسُول الله بمنى رَكْعَتَيْنِ. فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَنه يجوز للْمُسَافِر إتْمَام الصَّلَاة، وَلَوْلَا ذَلِك مَا أقرُّوا عُثْمَان عَلَيْهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: إِنَّمَا أتم عُثْمَان لِأَنَّهُ اتخذ الْأَمْوَال بِالطَّائِف وَأَرَادَ أَن يُقيم بهَا. ٢٠٩ - / ٢٣٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى صَلَاة لغير ميقاتها إِلَّا صَلَاتَيْنِ. جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء بِجمع، وَصلى الْفجْر يَوْمئِذٍ قبل ميقاتها. أما جمع فَهُوَ اسْم لموْضِع الْمزْدَلِفَة. وحد الْمزْدَلِفَة مَا بَين المأزمين ووادي محسر، وَهُوَ اسْم مَأْخُوذ من الازدلاف وَهُوَ الْقرب، سميت بذلك لاقتراب النَّاس إِلَى منى بعد الْإِفَاضَة من عَرَفَات. وَمن دفع من عَرَفَة قبل غرُوب الشَّمْس فَعَلَيهِ دم خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي، فَإِذا وصل إِلَى الْمزْدَلِفَة جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء قبل حط الرّحال، فَإِن صلى الْمغرب قبل الْوُصُول إِلَى مُزْدَلِفَة صحت الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تصح. وَقَوله: صلى الْفجْر قبل ميقاتها: أَي قبل الْوَقْت الْمُعْتَاد، لَا أَنه صلى قبل طُلُوع الْفجْر، وَقد بَين هَذَا فِي تَمام الحَدِيث. وَقَوله: حِين يبرغ الْفجْر: أَي يطلع.

стр. 279

وَقَوله: حَتَّى يعتموا. يُقَال: عتم اللَّيْل: إِذا مضى مِنْهُ صدر. وَقَالَ الْخَلِيل: الْعَتَمَة من اللَّيْل بعد غيبوبة الشَّفق. وعتم الْمُسَافِر وأعتم: إِذا سَار فِي ذَلِك الْوَقْت أَو وصل إِلَى الْمنزل. وأسفر الصُّبْح: أَضَاء وَتبين. ٢١٠ - / ٢٤٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: أَن عبد الله رمى بجمرة الْعقبَة من بطن الْوَادي، فَقيل لَهُ: إِن نَاسا يَرْمُونَهَا من فَوْقهَا، فَقَالَ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مقَام الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة. وَفِي تَخْصِيصه سُورَة الْبَقَرَة دون غَيرهَا وَجْهَان: أَحدهمَا: لِأَن مُعظم الْمَنَاسِك وَمَا يتَعَلَّق بِالْحَجِّ فِيهَا. وَالثَّانِي: لطولها وَعظم قدرهَا وَكَثْرَة مَا تحوي من الْأَحْكَام. وَقد خصها رَسُول الله بعجز الفجرة عَن حفظهَا، فَقَالَ: " وَلَا تستطيعها البطلة " وَأمر الْعَبَّاس يَوْم حنين لما فر النَّاس فَقَالَ: " نَاد بأصحاب السمرَة: يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة " وَيُمكن أَن يكون خص الْبَقَرَة بِالذكر حِين فرارهم لِأَن فِيهَا: ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة﴾ [٢٤٩] وفيهَا: ﴿فهزموهم بِإِذن الله﴾ [٢٥١] ، أَو لِأَن فِيهَا: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [٤٠] وفيهَا: ﴿وَمن النَّاس من يشري نَفسه﴾ [٢٠٧] . وَفِي هَذَا الحَدِيث رد على أَقوام قَالُوا: لَا يُقَال سُورَة الْبَقَرَة، وَإِنَّمَا

стр. 280

يُقَال: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة، لِأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة. ٢١١ - / ٢٤١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: جَاءَ رجل فَقَالَ لِابْنِ مَسْعُود: إِن قَاصا عِنْد أَبْوَاب كِنْدَة يقص وَيَزْعُم أَن آيَة الدُّخان تَجِيء فتأخذ بِأَنْفَاسِ الْكفَّار، وَيَأْخُذ الْمُؤمن مِنْهُ كَهَيئَةِ الزُّكَام. فَقَالَ عبد الله وَجلسَ وَهُوَ غَضْبَان: يَا أَيهَا النَّاس، اتَّقوا، من علم شَيْئا فَلْيقل بِمَا يعلم، وَمن لَا يعلم فَلْيقل الله أعلم. إِن رَسُول الله لما رأى من النَّاس إدبارا قَالَ: " اللَّهُمَّ سبع كسبع يُوسُف "، فَأَخَذتهم سنة حصت كل شَيْء حَتَّى أكلُوا الْجُلُود وَالْميتَة من الْجُوع، وَينظر إِلَى السَّمَاء أحدهم فَيرى كَهَيئَةِ الدُّخان، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ [الدُّخان: ١٠] . قَوْله: " سبع كسبع يُوسُف ". يَعْنِي سبع سِنِين، يُشِير إِلَى قَوْله: ﴿قَالَ تزرعون سبع سِنِين دأبا﴾ [يُوسُف: ٤٧] . وحصت: أذهبت النَّبَات فَانْكَشَفَتْ الأَرْض، وَأَصله الظُّهُور والتبين. والأحص: الْقَلِيل الشّعْر. وَقَوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أَي فانتظر. وَقد فسر ابْن مَسْعُود فِي هَذَا الحَدِيث الدُّخان بِأَنَّهُ كَانَ من شدَّة جوع أهل مَكَّة، كَانَ أحدهم يرى مَا بَينه وَبَين السَّمَاء كَهَيئَةِ الدُّخان، وَأنكر أَن يكون دُخان يَجِيء قبل الْقِيَامَة، وَقَالَ: أفنكشف عَذَاب الْآخِرَة. يُشِير

стр. 281

إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّا كاشفوا الْعَذَاب﴾ [الدُّخان: ١٥] وَقد ذهب إِلَى مَا أنكرهُ ابْن مَسْعُود جمَاعَة وَقَالُوا: إِنَّه دُخان يَأْتِي قبل قيام السَّاعَة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَالْحسن. وَقَالَ ابْن أبي مليكَة: غَدَوْت على ابْن عَبَّاس ذَات يَوْم فَقَالَ: مَا نمت اللَّيْلَة. قلت: وَلم؟ قَالَ: طلع الْكَوْكَب ذُو الذَّنب فَخَشِيت أَن يطْرق الدُّخان. وعَلى قَول هَؤُلَاءِ يكْشف هَذَا الْعَذَاب فِي الْقِيَامَة قَلِيلا ثمَّ يعودون إِلَى عَذَاب شَدِيد. وعَلى هَذَا تكون البطشة الْكُبْرَى فِي الْقِيَامَة. وعَلى قَول ابْن مَسْعُود كَانَت يَوْم بدر. وَقَوله: ﴿فَسَوف يكون لزاما﴾ [الْفرْقَان: ٧٧] أَي يكون تكذيبكم عذَابا لَازِما لكم. ٢١٢ - / ٢٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: " لَيْسَ منا من ضرب الخدود، وشق الْجُيُوب، ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة ". قَوْله: " لَيْسَ منا " أَي لَيْسَ على طريقتنا وسنتنا، وَإِنَّمَا نهى عَمَّا يدْخل تَحت الْكسْب من ضرب الخد وشق الجيب، وَلم ينْه عَن الْبكاء والحزن. وَأما دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَمَا كَانُوا يذكرُونَهُ عِنْد موت الْمَيِّت، تَارَة من تَعْظِيمه ومدحه، وَتارَة من النّدب عَلَيْهِ مثل قَوْلهم: واجبلاه. ٢١٣ - / ٢٤٤ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: " لَيْسَ من نفس تقتل ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا، لِأَنَّهُ سنّ الْقَتْل أَولا ".

стр. 282

ابْن آدم: هُوَ قابيل، وَهُوَ أول من قتل. وللمتقدم فِي الْخَيْر وَالشَّر أثر يزِيد بِهِ على غَيره، كَمَا قَالَ ﵇: " من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء، وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا بعده من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء ". ٢١٤ - / ٢٤٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: " إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون " وَرَوَاهُ البرقاني فَقَالَ فِيهِ: " إِن أَشد النَّاس عذَابا رجل قَتله نَبِي، أَو مُصَور ". أما المصورون فَإِنَّمَا اشْتَدَّ عَذَابهمْ لأَنهم ضاهوا فعل الله ، فَفَعَلُوا كَمَا فعل من تَصْوِير الصُّور، وَسَيَأْتِي شرح هَذَا بَالغا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما من قَتله نَبِي فالغالب أَنه لَا يقْتله النَّبِي حَتَّى يروم قتل النَّبِي، فَإِذا قَتله النَّبِي الَّذِي جَاءَ بالتلطف دلّ على أَنه قد بارز بعناد لَا يتلافى، فضوعف عَذَابه. ٢١٥ - / ٢٤٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: ذكر سلى الْجَزُور الَّذِي ألقِي على ظهر رَسُول الله. السلى: هُوَ الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ الْوَلَد إِذا وضع الْجَزُور من الْإِبِل، سمي بذلك للجزر، وَهُوَ الْقطع.

стр. 283

وَقَوله: فانبعث أشقي الْقَوْم وَهُوَ عقبَة بن أبي معيط. والمنعة: الْعِزّ والامتناع من الْعَدو. وَفِي هَذَا الحَدِيث ذكر الْوَلِيد بن عتبَة فِي الْجَمَاعَة الَّذين حَضَرُوا ذَلِك، وَهَذَا غلط فقد روى هَذَا الحَدِيث البرقاني فَقَالَ: السَّابِع عمَارَة ابْن الْوَلِيد، وَهُوَ الصَّحِيح. وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " فَقَالَ فِيهِ: ثمَّ سحبوا إِلَى القليب غير أبي بن خلف أَو أُميَّة، هَكَذَا على الشَّك، وَهُوَ من الرَّاوِي، وَإِنَّمَا هُوَ أُميَّة بِلَا شكّ، فَإِن أبي بن خلف لم يقتل يَوْم بدر، وَإِنَّمَا أسر ففدى نَفسه وَعَاد إِلَى مَكَّة، ثمَّ جَاءَ يَوْم أحد فَقتله رَسُول الله بِيَدِهِ يَوْمئِذٍ. والقليب: الْبِئْر الَّتِي لم تطو، فَإِذا طويت فَهِيَ الطوي. وانزعاج الْقَوْم من دُعَائِهِ عَلَيْهِم دَلِيل على علمهمْ بصدقه، وَإِنَّمَا غلبهم الْهوى والحسد. ٢١٦ - / ٢٤٩ - الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ: دخل النَّبِي يَوْم الْفَتْح وحول الْكَعْبَة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ نصبا، فَجعل يطعنها بِعُود كَانَ فِي يَده وَيَقُول: " جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل ". فِي تَسْمِيَة الْكَعْبَة كعبة قَولَانِ: أَحدهمَا: لِأَنَّهَا مربعة، يُقَال: برد مكعب: إِذا طوي مربعًا،

стр. 284

وَهَذَا مَذْهَب عِكْرِمَة وَمُجاهد. وَالثَّانِي: لعلوها ونتوءها. يُقَال: كعبت الْمَرْأَة كعابة فَهِيَ كاعب: إِذا نتأ ثديها. وَأما النصب فَهُوَ وَاحِد الأنصاب: وَهِي الْأَصْنَام الَّتِي كَانُوا ينصبونها ويعبدونها. وَقَوله: " جَاءَ الْحق " يَعْنِي الْإِسْلَام والتوحيد. " وزهق " أَي بَطل واضمحل " الْبَاطِل " وَهُوَ الشّرك. فَإِن قيل: الشّرك فِي اعْتِقَاد أَهله صَحِيح مَعْمُول عَلَيْهِ عِنْدهم، فَكيف يُقَال: بَطل؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لما أزيلت الْأَصْنَام وَمنع من عبادتها بِمَكَّة بطلت. وَالثَّانِي: أَنه لما وضح عيب الشّرك بِالدَّلِيلِ بَطل حكمه عِنْد المتدبر النَّاظر. وَقَوله: ﴿وَمَا يبدئ الْبَاطِل﴾ [سبأ: ٤٩] قَالَ قَتَادَة: الْبَاطِل: الشَّيْطَان، لَا يخلق خلقا وَلَا يَبْعَثهُ. وَقَالَ الضَّحَّاك: هِيَ الْأَصْنَام، لَا تبدئ خلقا وَلَا تحييه. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي: لَا يَبْتَدِئ الصَّنَم كلَاما وَلَا يرد. ٢١٧ - / ٢٥٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: قَوْله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٧] قَالَ: كَانَ نفر من الْإِنْس يعْبدُونَ نَفرا من الْجِنّ، فَأسلم النَّفر من الْجِنّ، فَاسْتَمْسك

стр. 285

الْآخرُونَ بعبادتهم، فَنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ . الْوَسِيلَة: الْقرْبَة، يُقَال: توسلت إِلَى فلَان: أَي تقربت، وأنشدوا: (إِذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وَعَاد التصافي بَيْننَا والوسائل) و (يدعونَ) بِمَعْنى يعْبدُونَ، وَالْمعْنَى: أَن الَّذين يعبدهم هَؤُلَاءِ يطْلبُونَ التَّقَرُّب إِلَى الله . ٢١٨ - / ٢٥١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: عَلمنِي رَسُول الله التَّشَهُّد: التَّحِيَّات لله، والصلوات والطيبات. فِي التَّحِيَّات ثَلَاثَة أَقْوَال ذكرهَا ابْن الْقَاسِم: أَحدهَا: أَنه السَّلَام، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة﴾ [النِّسَاء: ٨٦] أَي: إِذا سلم عَلَيْكُم. وَالثَّانِي: أَنه الْملك، وَذَلِكَ أَن الْملك كَانَ يحيا فَيُقَال لَهُ: أنعم صباحا أَيهَا الْملك، أَبيت اللَّعْن، قَالَ عَمْرو بن معد يكرب: (أَسِيرهَا إِلَى النُّعْمَان حَتَّى ... أُنِيخ على تحيته بجند)
следующие страницы →