Полный текст (2 175 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
[يُوسُف: ٢٧] بِكَسْر الْهَاء، وَقَرَأَ (بل عجبت) بِفَتْح التَّاء [الصافات: ١٢] .
أما هيت فَفِيهَا قراءات (هئت) بِكَسْر الْهَاء وَفتح التَّاء كَمَا ذكرنَا عَن ابْن مَسْعُود، وَهِي قِرَاءَة نَافِع، وَابْن عَامر و (هيت) بِفَتْح الْهَاء وتسكين الْيَاء وَضم التَّاء وَهِي قِرَاءَة ابْن كثير. (وهئت) بِكَسْر الْهَاء وَضم التَّاء من الْهَيْئَة، كَأَنَّهَا قَالَت: تهيأت لَك. و (هيت) بِفَتْح الْهَاء وَكسر التَّاء قَرَأَهَا ابْن مُحَيْصِن. و (هئت) بِكَسْر الْهَاء وَالتَّاء مَعَ الْهمزَة قَرَأَهَا أَبُو الْعَالِيَة، و (هيئت) قِرَاءَة أبي السميفع. و (هَا أَنا لَك) قَرَأَهَا أبي بن كَعْب، و (هيت) بِفَتْح الْهَاء وَالتَّاء من غير همز وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَهِي أَجود اللُّغَات، وَمَعْنَاهَا: هَلُمَّ لَك، أَي أقبل على مَا أَدْعُوك إِلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِر:
(أبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ ... أَخا الْعرَاق إِذا أتيتا)
(إِن الْعرَاق وَأَهله ... عنق إِلَيْك فهيت هيتا)
أَي أقبل وتعال.
فَأَما قَوْله: (بل عجبت) فَقَرَأَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود - بِفَتْح التَّاء، وَالْمعْنَى: بل عجبت يَا مُحَمَّد مِنْهُم إِذْ كفرُوا ويسخرون هم مِنْك.
стр. 317
وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِضَم التَّاء. وأنكرها شُرَيْح القَاضِي وَقَالَ: إِن الله لَا يعجب، إِنَّمَا يعجب من لَا يعلم. قَالَ الزّجاج: إنكارها خطأ، لِأَن الْعجب من الله تَعَالَى خلاف الْعجب من الْآدَمِيّين، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ويمكر الله﴾ [الْأَنْفَال: ٣٠] ﴿سخر الله مِنْهُم﴾ [التَّوْبَة: ٧٩] . وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهَا: جازيتهم على عجبهم من الْحق، فَسمى الْجَزَاء على الشَّيْء باسم الشَّيْء، وَالْعرب تسمى الْفِعْل باسم الْفِعْل إِذا داناه من بعض وجوهه. قَالَ عدي:
(ثمَّ أضحوا لعب الدَّهْر بهم ... ٠٠٠٠٠٠٠٠٠)
فَجعل إهلاك الدَّهْر لَهُم لعبا.
٢٥٧ - / ٣٠٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: لقد أَتَانِي الْيَوْم رجل فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا مُؤديا.
يُقَال فِي الرجل إِذا كَانَ كَامِل الأداة: هَذَا مؤد بِالْهَمْز، وَلَا بُد من الْهَمْز، إِذْ لولاه لَكَانَ من أودى: إِذا هلك.
وَقَوله: لَا نحصيها: أَي لَا نطيقها، من قَوْله تَعَالَى: ﴿علم أَن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠] أَي لن تُطِيقُوا قيام اللَّيْل.
وغبر يصلح للماضي وَالْبَاقِي، وَهُوَ بالماضي هَاهُنَا أشبه،
стр. 318
لقَوْله: مَا أذكر.
والثغب: المَاء المستنقع فِي الْموضع المطمئن، وَالْجمع ثغاب.
٢٥٨ - / ٣٠٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: خطّ رَسُول الله خطا مربعًا، وَخط خطا فِي الْوسط خَارِجا مِنْهُ، وَخط خططا صغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوسط من جَانِبه الَّذِي فِي الْوسط، فَقَالَ: " هَذَا الْإِنْسَان، وَهَذَا أَجله محيطا بِهِ - أَو قد أحَاط بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارج أمله، وَهَذِه الخطط الصغار الْأَعْرَاض، فَإِن أخطأه هَذَا نهشه هَذَا، وَإِن أخطأه هَذَا نهشه هَذَا "
هَذَا تَمْثِيل مَا فِي الحَدِيث على هَذِه الْهَيْئَة:
والأمثال حِكْمَة الْعَرَب، بهَا ينْكَشف الشَّيْء الْخَفي، فَأخْبر ﷺ أَن أمل الْآدَمِيّ بَين يَدَيْهِ، وعينه إِلَى الأمل، وَالْأَجَل مُحِيط بِهِ، وَقد ألهاه أمله عَن أَجله.
٢٥٩ - / ٣٠٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: أَن أَبَا مُوسَى قَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء مَا دَامَ هَذَا الحبر فِيكُم، يَعْنِي ابْن مَسْعُود.
الحبر وَاحِد الْأَحْبَار، وهم الْعلمَاء، وَفِيه لُغَتَانِ: حبر وَحبر،
стр. 319
وَقَالَ الْفراء: أَكثر مَا سَمِعت الْعَرَب تَقوله بِالْكَسْرِ.
وَفِي اشتقاق هَذَا الِاسْم ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه من الحبار وَهُوَ الْأَثر الْحسن، قَالَه الْخَلِيل. وَالثَّانِي: من الحبر الَّذِي يكْتب بِهِ، قَالَه الْكسَائي. وَالثَّالِث: من الحبر الَّذِي هُوَ الْجمال والبهاء، كَقَوْلِه ﵇: " يخرج من النَّار رجل قد ذهب حبره وسبره ". أَي جماله وبهاؤه، فالعالم بهي: بِجَمَال الْعلم، وَهَذَا قَول قطرب.
٢٦٠ - / ٣٠٨ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: إِن أهل الْإِسْلَام لَا يسيبون.
هَذَا مَا ذكره البُخَارِيّ من هَذَا الحَدِيث، والْحَدِيث: أَن رجلا جَاءَ إِلَى ابْن مَسْعُود فَقَالَ: إِنِّي أعتقت عبدا لي وَجَعَلته سائبه، فَمَاتَ وَترك مَالا وَلم يتْرك وَارِثا. قَالَ عبد الله: إِن أهل الْإِسْلَام لَا يسيبون، وَأَنت ولي نعْمَته فلك مِيرَاثه، فَإِن تَأَثَّمت وتحرجت فَنحْن نقبله ونجعله فِي بَيت المَال.
اعْلَم أَن الْعَرَب كَانَت تنذر فِي مرض أَو سفر: إِن شفيت، إِن قدمت فناقتي سائبة، فتسيب وَلَا تمنع من مرعى وَلَا تطرد عَن مَاء وَلَا ينْتَفع بهَا، وَكَذَلِكَ عتق العَبْد سائبة: أَي لَا ملك لي عَلَيْهِ وَلَا وَلَاء. وَأَصله من يسييب الدَّوَابّ: وَهُوَ إرسالها. وَكَانَ أول من سنّ لَهُم
стр. 320
هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة ابْن لحي، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فَأبْطل ذَلِك. فَبَان من هَذَا أَن السائبة العَبْد يعْتق وَلَا يكون وَلَاؤُه لمعتقه، وَيَضَع العَبْد مَاله حَيْثُ شَاءَ. وَمِمَّنْ أعتق سائبة أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي، وَأوصى بِمَالِه كُله، فَقيل لَهُ: فَأَيْنَ مواليك؟ فَقَالَ: كنت مَمْلُوكا لأعرابية، فَدخلت الْمَسْجِد مَعهَا، فَوَافَقنَا الإِمَام على الْمِنْبَر فقبضت على يَدي فَقَالَت: اللَّهُمَّ اذخره عنْدك ذخيرة، اشْهَدُوا يَا أهل الْمَسْجِد أَنه سائبة لله، ثمَّ ذهبت فَمَا تراءينا بعد. وَولي النِّعْمَة الْمُعْتق.
وَقَوله: فَإِن تَأَثَّمت أَو تحرجت: أَي خفت الْإِثْم والحرج.
وَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن مَسْعُود من إبِْطَال حكم السائبة الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة وَأَن الْوَلَاء لمن أعتق وَأَن الْمُعْتق سائبة يَرث مُعْتقه مَذْهَب الْأَكْثَرين، مِنْهُم، أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَيتَخَرَّج فِي مَذْهَبنَا رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَنه يَرِثهُ كَقَوْل الْجَمَاعَة، وَالثَّانيَِة: يصرف وَلَاؤُه فِي رِقَاب يشْتَرونَ فيعتقون.
٢٦١ - / ٣٠٩ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: اخْتلفُوا فِي شَأْن سبيعة بنت الْحَارِث.
كَانَت سبيعة قد مَاتَ زَوجهَا وَهِي حَامِل، فَلَمَّا وضعت أَرَادَت أَن تتَزَوَّج، فَقَالَ لَهَا بعض الصَّحَابَة: امكثي أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، أخذا بقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٤] فَأَتَت رَسُول الله، فَأجَاز لَهَا النِّكَاح لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ [الطَّلَاق: ٤] فَهَذِهِ الْآيَة
стр. 321
خصت الْحَامِل من بَقِيَّة الْمُتَوفَّى عَنْهُن أَزوَاجهنَّ.
٢٦٢ - / ٣١٠ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" آخر من يدْخل الْجنَّة رجل، فَهُوَ يمشي مرّة ويكبو مرّة ".
يكبو بِمَعْنى يعثر.
وتسفعه: تصيبه بلفحها حَتَّى تبقي فِيهِ أثرا.
وتبارك: تَعَالَى وارتفع.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ هَذَا الرجل: لقد أَعْطَانِي الله شَيْئا مَا أعطَاهُ الْأَوَّلين والآخرين وَقد رأى نَفسه فِي النَّار، وَقد علم أَن خلقا لم يدخلُوا إِلَيْهَا، وَأَن خلقا فِي الْجنَّة وَهُوَ إِنَّمَا نجا من النَّار فَقَط؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذَا الرجل تفكر فِي ذنُوبه فَرَأى أَنه يسْتَحق الخلود وَطول الْمكْث، فَشكر مُجَرّد الْكَرم لَا فِي مُقَابلَة عمل، وَرَأى أَن كل من جوزي فعلى قدر عمله. وَالثَّانِي: أَن يكون قَوْله عَائِدًا إِلَى من فِي النَّار من الْمُعَذَّبين.
وَقَوله: " مَا يصيرني مِنْك؟ " أصل التصرية الْقطع، وَمِنْه سميت الْمُصراة، لِأَنَّهُ قد قطع حلب لَبنهَا وَجمع، وكل شَيْء قطعته ومنعته فقد صريته، وأنشدوا:
(٠٠٠٠٠ ... هواهن إِن لم يصره الله قَاتله)
стр. 322
وَالْمعْنَى: مَا الَّذِي يقطع مسألتك ويرضيك.
وَقَوله: " اتستهزئ مني؟ " الهزء: السخرية، فَأَما الضحك الْمُضَاف إِلَى الله سُبْحَانَهُ فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الضحك الَّذِي يعتري الْبشر غير جَائِز على الله سُبْحَانَهُ، وَإِنَّمَا هَذَا مثل مَضْرُوب مَعْنَاهُ الْإِخْبَار عَن الرِّضَا وَحسن المجازاة.
٢٦٣ - / ٣١١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " مَا من نَبِي بَعثه الله إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون ".
الحواريون: الْخَواص الأصفياء، فكأنهم خلصوا ونقوا من كل عيب، وَسمي الدَّقِيق الحوارى لتخليصه من لباب الْبر، وَيُقَال: عين حوراء: إِذا اشْتَدَّ بياضها وخلص وَاشْتَدَّ سوادها وَقيل: الحواريون: هم الناصرون. وَقَالَ أَبُو عبيد: أصل هَذَا من الحواريين أَصْحَاب عِيسَى ﵇، فَقيل لكل نَاصِر حوارِي تَشْبِيها بذلك.
والخلوف: الخالفون بعد السالفين.
والمجاهدة بِالْقَلْبِ: إِنْكَار الْمعْصِيَة وبغضها والنفور من فاعلها، وَمَتى لم يكن الْقلب على هَذِه الصّفة فالإيمان بعيد مِنْهُ.
стр. 323
٢٦٤ - / ٣١٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " هلك المتنطعون ".
التنطع: التعمق والغلو الوتكلف لما لم يُؤمر بِهِ.
٢٦٥ - / ٣١٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر ".
المثقال " مفعال " من الثّقل، ومثقال الشَّيْء: زنة الشَّيْء، يُقَال: هَذَا على مِثْقَال هَذَا: أَي على وَزنه، وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ: فَقَالَ: يظنّ النَّاس أَن المثقال وزن دِينَار لَا غير، وَلَيْسَ كَمَا يظنون، مِثْقَال كل شَيْء وَزنه، وَإِن كَانَ وزن ألف. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن صنجة الْمِيزَان فَقَالَ: فَارسي مُعرب، وَلَا أَدْرِي كَيفَ أَقُول، ولكنني أَقُول: مِثْقَال.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي المُرَاد بالذرة على خَمْسَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنَّهَا رَأس نملة حَمْرَاء، رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّانِي: ذرة يسيرَة من التُّرَاب، رَوَاهُ يزِيد بن الْأَصَم عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّالِث: أَصْغَر النَّمْل، قَالَه ابْن قُتَيْبَة.
وَالرَّابِع: الخردلة.
стр. 324
وَالْخَامِس: الْوَاحِدَة من الهباء الظَّاهِر فِي ضوء الشَّمْس إِذا طلعت من ثقب، ذكرهمَا أَبُو إِسْحَق الثَّعْلَبِيّ.
فَأَما الْكبر فَهُوَ العظمة، يُقَال: تكبر فلَان عَن كَذَا: إِذا تعظم عَنهُ، قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: من رأى أَنه خير من غَيره فقد استكبر.
فَإِن قيل: فالكبر لَا يُوجب الْكفْر، فَكيف يمْنَع دُخُول الْجنَّة؟
فَالْجَوَاب من سِتَّة أوجه:
أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِالْجنَّةِ بعض الْجنان، لِأَنَّهَا جنان فِي جنَّة، فَيكون الْمَعْنى: لَا يدْخل الْجنَّة الَّتِي هِيَ أشرف الْجنان وأنبلها، وَيشْهد لهَذَا مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ: لَا يدْخل حَظِيرَة الْقُدس سكير وَلَا عَاق وَلَا منان.
وَالثَّانِي: أَن تكون مَشِيئَة الله تَعَالَى مضمرة فِي هَذَا الْوَعيد، فَيكون الْمَعْنى: إِلَّا أَن يَشَاء الله، ذكر الْقَوْلَيْنِ ابْن خُزَيْمَة.
وَالثَّالِث: أَن يكون المُرَاد كبر الْكفْر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أَي يتعظمون عَن قَوْلهَا، فعلى هَذَا كبر الْكَافِر مَنعه من الْإِيمَان، فَلَا يدْخل الْجنَّة، يدل على صِحَة هَذَا الْوَجْه أَنه قَابل الْكبر بِالْإِيمَان، فَقَالَ: " وَلَا يدْخل النَّار أحد فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان ".
وَالرَّابِع: أَن يكون الْمَعْنى: حكم هَذَا أَلا يدْخل الْجنَّة، وَحكم هَذَا أَلا يدْخل النَّار، كَقَوْلِه تَعَالَى فِي قَاتل الْمُؤمن ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ [النِّسَاء: ٩٣] أَي: إِن جازاه فَهَذَا قدر اسْتِحْقَاقه. وَمثل هَذَا فِي الْكَلَام أَن
стр. 325
ترى دَارا صَغِيرَة فَتَقول: هَذِه الدَّار لَا ينزلها أَمِير، أَي حكمهَا هَذَا وَقد ينزلها.
وَالْخَامِس: أَن النَّاس إِذا وقفُوا فِي الْعرض ميز من يدْخل الْجنَّة مِمَّن يدْخل النَّار، فالعصاة يدْخلُونَ النَّار لَا الْجنَّة، فَأَما خُرُوجهمْ بعد احتراقهم فَذَاك حكم آخر، فَكَأَن المُرَاد: لَا يدْخل الْجنَّة ابْتِدَاء وَإِنَّمَا يدْخل النَّار، وعَلى هَذَا تَفْسِير قَوْله: " لَا يدْخل الْجنَّة قَتَّات "، وَيبقى على هَذَا الْوَجْه قَوْله: " وَلَا يدْخل النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان " فَيكون الْمَعْنى: لَا يدخلهَا دُخُول تخليد.
وَالسَّادِس: أَنه إِذا أذن لأهل الْجنَّة فِي الدُّخُول نزع كبر المتكبر وغل الحقود، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل﴾ [الْأَعْرَاف: ٤٣] وَهَذَا اخْتِيَار أبي بكر الْأَثْرَم، قَالَ ابْن عَبَّاس: أول مَا يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة تعرض لَهُم عينان، فيشربون من إِحْدَى الْعَينَيْنِ فَيذْهب الله مَا فِي قُلُوبهم من غل وَغَيره مِمَّا كَانَ فِي الدُّنْيَا، ثمَّ يدْخلُونَ إِلَى الْعين الْأُخْرَى فيغتسلون فِيهَا فتشرق ألوانهم، وتصفو وُجُوههم، وتجري عَلَيْهِم نَضرة النَّعيم.
وَقَوله: " الْكبر بطر الْحق " التكبر عَن الْإِقْرَار بِهِ، والطغيان فِي دَفعه.
قَالَ أَبُو عبيد: وغمط النَّاس: الاحتقار لَهُم والإزراء بهم، وَمثله غمص النَّاس بالصَّاد.
стр. 326
٢٦٦ - / ٣١٤ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: جَاءَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: لَو أَن رجلا وجد مَعَ امْرَأَته رجلا فَتكلم جلدتموه، أَو قتل قَتَلْتُمُوهُ، أَو سكت سكت على غيظ، وَالله لأسألن عَنهُ رَسُول الله، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ افْتَحْ " فَنزلت آيَة اللّعان.
وَهَذَا الحَدِيث سَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث سهل بن سعد: أَن رجلا من الْأَنْصَار جَاءَ فَقَالَ: فَتَلَاعَنا، وَقد سمي هَذَا الرجل فِي الحَدِيث عُوَيْمِر بن الْحَارِث الْعجْلَاني. وَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: أَتَى رَسُول الله رجل يَرْمِي امْرَأَته، فَنزلت آيَة التلاعن. وَهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس اسْمه هِلَال بن أُميَّة ابْن عَامر الوَاقِفِي. وَقد ذكر فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من مُسْند ابْن عَبَّاس باسمه هِلَال بن أُميَّة، وَأَنه قذف امْرَأَته بِشريك بن سَحْمَاء. وَلَا يمْتَنع اتِّفَاق هَاتين الْقصَّتَيْنِ فِي زمانين متقاربين، وَأَن الْآيَة نزلت فيهمَا. وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود هَذَا فَالظَّاهِر أَن الْإِشَارَة فِيهِ إِلَى عُوَيْمِر، لِأَن فِيهِ: " لَعَلَّهَا أَن تَجِيء بِهِ أسود جَعدًا " كَمَا رُوِيَ فِي حَدِيث عُوَيْمِر، وَفِي ذَلِك اتهام للمقذوف، لَا أَنه يعْمل بِهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ للْمَرْأَة حِين أَرَادَت أَن تلتعن: " مَه " وَلم يقل للرجل لِأَن الظَّاهِر صدق الرجل، إِذْ الْإِنْسَان لَا يُؤثر أَن يهتك زَوجته بالمحال، وَلِهَذَا جعلت اللَّعْنَة للرجل، وَالْغَضَب على الْمَرْأَة، وَالْغَضَب أَشد؛ لِأَن اللَّعْنَة بِمَعْنى الإبعاد، وَقد يبعد من لَا يغْضب عَلَيْهِ.
стр. 327
وَمعنى قَوْله: " افْتَحْ " اقْضِ، وَمِنْه سمي القَاضِي لِأَنَّهُ يفتح بَابا مغلقا.
وَالْقَذْف الْمُطلق عندنَا يُوجب اللّعان بَين الزَّوْجَيْنِ خلافًا لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك أَنه لَا يجب حَتَّى يضيف الْقَذْف إِلَى الْمُشَاهدَة. فَإِن نكل الزَّوْج عَن اللّعان حد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يحبس حَتَّى يُلَاعن أَو يقر، فَإِن نكلت الزَّوْجَة عَن اللّعان لم تحد، وَفِي حَبسهَا رِوَايَتَانِ. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تحد. وَلَا يَصح اللّعان عندنَا لنفي الْحمل قبل وَضعه، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يَصح.
٢٦٧ - / ٣١٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: لم أكن لَيْلَة الْجِنّ مَعَ رَسُول الله. هَذَا الحَدِيث يرد مَا يحْتَج بِهِ الحنفيون من حَدِيث ابْن مَسْعُود: كنت مَعَه لَيْلَة الْجِنّ، فَخط لي خطا، وَهُوَ حَدِيث النَّبِيذ؛ لِأَن هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَذَاكَ مَجْهُول الرِّوَايَة.
وَقَوله: التمسناه فِي الأودية: وَهِي جمع وَاد، وَهُوَ كل منفرج بَين
стр. 328
جبلين. والشعاب جمع شعب، وَقد سبق بَيَانه. واستطير: استطيل بالأذى عَلَيْهِ، وانتشر الْأَعْدَاء فِي طلبه. والاغتيال: الْوُثُوب بالمكروه على عقله.
وَقَوله: من قبل حراء: أَي من ناحيته. وحراء جبل مَعْرُوف أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أَنبأَنَا الْحسن بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي قَالَ: أخبرنَا عبد الغافر بن مُحَمَّد الْفَارِسِي قَالَ: حَدثنَا أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ قَالَ: سَمِعت أَبَا عمر الزَّاهِد يَقُول: حراء اسْم على ثَلَاثَة أحرف، وَأَصْحَاب الحَدِيث يغلطون مِنْهُ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: يفتحون الْحَاء وَهِي مَكْسُورَة، ويكسرون الرَّاء وَهِي مَفْتُوحَة، ويقصرون الْألف وَهِي ممدودة، وَإِنَّمَا هُوَ حراء. قَالَ الشَّاعِر:
(وراق لبر من حراء ونازل ... )
وَقَوله: " ذكر اسْم الله عَلَيْهِ " أَي: على ذبح الشَّاة.
فَإِن قيل: إِذا كَانَ قد جعل الْعِظَام قوتا لَهُم، فَمَا لنا نرَاهَا فِي الْمَزَابِل والتلال؟
فَالْجَوَاب: أَنه قَالَ: " يَقع فِي أَيْدِيكُم أَو فِيمَا يكون لَحْمًا "، فكأنهم إِذا تناولوا الْعظم صَار عَلَيْهِ لحم فيتزودون مِنْهُ ويلقونه. قَالَ ابْن عقيل: وَيجوز أَن يكون زادهم أَنهم يشمونها أَو يلحسون زهائمها ودسمها وَتبقى أجسامها.
٢٦٨ - / ٣١٨ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: سُئِلَ عَن الوسوسة فَقَالَ: " تِلْكَ مَحْض الْإِيمَان ".
стр. 329
الوسوسة حَدِيث الشَّيْطَان فِي بواطن الْقُلُوب، والمحض: الْخَالِص. وأصل هَذَا أَن اللَّبن إِذا لم يخلط بِالْمَاءِ قيل لَهُ مَحْض: أَي خَالص.
وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو هُرَيْرَة مكشوفا فَقَالَ: جَاءَ نَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نجد فِي أَنْفُسنَا مَا يتعاظم أَحَدنَا أَن يتَكَلَّم بِهِ. قَالَ: " وَقد وجدتموه؟ " قَالُوا: نعم، قَالَ: " ذَاك صَرِيح الْإِيمَان " وَالْمعْنَى: عَن الَّذِي يمنعكم من قبُول مَا يلقيه الشَّيْطَان إِلَيْكُم حَتَّى يصير ذَلِك وَسْوَسَة لَا يتَمَكَّن من الْقُلُوب وَلَا تطمئِن إِلَيْهَا النُّفُوس صَرِيح الْإِيمَان، لَا أَن الوسوسة نَفسهَا صَرِيح الْإِيمَان، لِأَنَّهَا من فعل الشَّيْطَان فَكيف تكون إِيمَانًا؟
٢٦٩ - / ٣١٩ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: " ليلني مِنْكُم أولو الأحلام والنهى، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ - ثَلَاثًا - وَإِيَّاكُم وهيشات الْأَسْوَاق "
كثير من المبتدئين فِي قِرَاءَة الحَدِيث يقرءُون: ليليني بِإِثْبَات الْيَاء، وَهُوَ غلط، إِنَّمَا هُوَ مجزوم بِالْأَمر: " ليلني ". والأحلام: الْعُقُول. والنهى: اسْم لِلْعَقْلِ أَيْضا، لِأَنَّهُ ينْهَى عَن الْقَبِيح. وَإِنَّمَا أَمر بِهَذَا لثَلَاثَة معَان: أَحدهَا: تَفْضِيلهمْ بالتقدم. الثَّانِي: ليعقلوا عَنهُ مَا ينْقل من فعله. وَالثَّالِث: لِأَنَّهُ رُبمَا احْتَاجَ إِلَيْهِم إِمَّا بتذكيره مَا أخل بِهِ أَو فِي استنابتهم إِن نابه أَمر. وَفِي تقديمهم تَعْلِيم للناقصين التأدب بالتأخر وَقَوله: " ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ " أَي فِي الْمنزلَة وَالْقدر.
وهيشات الْأَسْوَاق: اختلاطها وَمَا يكون فِيهَا من الجلبة وارتفاع
стр. 330
الْأَصْوَات والفتن، وَهُوَ مَأْخُوذ من هوشت الشَّيْء: إِذا خلطته، والعامة تَقول: شوشت، قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: يُقَال: هوشت الشَّيْء: إِذا خلطته، وَمِنْه أَخذ اسْم أبي المهوش الشَّاعِر، وَلَا تقل شوشته. وَقد أجمع أهل اللُّغَة أَن التشويش لَا أصل لَهُ فِي الْعَرَبيَّة، وَأَنه من كَلَام المولدين وخطئوا اللَّيْث فِيهِ.
وَالْمرَاد من الحَدِيث التحذير من التَّعَرُّض بالفتن، وَقد رووا فِي هَذَا الحَدِيث: " وَلَا تختلفوا " يُشِير إِلَى اخْتِلَاف الصُّفُوف.
٢٧٠ - / ٣٢٠ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: أَتَيْنَا ابْن مَسْعُود فِي دَاره فَقَالَ: أصلى هَؤُلَاءِ؟ يُشِير إِلَى الْأُمَرَاء، وَكَأَنَّهُ اقتنع بِأَذَان الْمَسْجِد وإقامته.
وَقَوله: جعل أَحَدنَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله، هَذَا رَأْي رَآهُ كَانَ مُسْتَنده أَن الِاثْنَيْنِ لَيْسُوا عِنْده جمَاعَة، وَلِهَذَا قَالَ: " وَإِذا كُنْتُم ثَلَاثَة فصلوا جَمِيعًا، وَإِذا كُنْتُم أَكثر من ذَلِك فليؤمكم أحدكُم "، وَرَأى أَن الْيَسَار موقف أَيْضا.
وَمَا أَمرهم بِهِ من التطبيق أَمر نسخ وَلم يثبت عِنْده ناسخه، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند سعد.
стр. 331
وَأما شَرق الْمَوْتَى فَذكر أَبُو عبيد فِيهِ قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه حِين تذْهب الشَّمْس عَن الْحِيطَان وَتبقى بَين الْقُبُور، فشروقها حِينَئِذٍ للموتى لَا للأحياء. وَالثَّانِي: أَن المُرَاد يؤخرونها إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت بِقدر مَا يبْقى من نفس الَّذِي يشرق بريقه عِنْد الْمَوْت.
والسبحة: النَّافِلَة.
٢٧١ - / ٣٢٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : " إذنك عَليّ أَن يرفع الْحجاب، وَأَن تستمع سوَادِي حَتَّى أَنهَاك ".
الْإِذْن فِي اللُّغَة: الْإِطْلَاق من غير حجز. والسواد بِكَسْر السِّين: السرَار. قَالَ أَبُو عبيد: وَيجوز ضمهَا، فَتكون مثل الحوار والحوار، قَالَ الْأَحْمَر: هُوَ من إدناء سوادك من سوَاده: أَي شخصه. والسرار لَا يكون إِلَّا بإدناء السوَاد من السوَاد، وَأنْشد:
(من يكن فِي السوَاد والدد والإعرام ... زيرا فإنني غير زير)
وسئلت ابْنة الخس: لم زَنَيْت بعبدك؟ فَقَالَت: قرب الوساد، وَطول السوَاد.
والدد: اللَّهْو، قَالَ الْأَعْشَى:
стр. 332
(أترحل عَن ليلى وَلما تزَود ... وَكنت كمن قضى اللبانة من دَد)
وَقَوله: " حَتَّى أَنهَاك " أَي: حَتَّى أَقُول لَك ارْجع.
وَمعنى الحَدِيث: إِذا رفع الْحجاب وَسمعت كَلَامي الْخَفي فَادْخُلْ إِلَّا أَن تسمع الْمَنْع.
٢٧٢ - / ٣٢٤ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: سَمِعت الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة يَقُول فِي هَذَا الْمقَام: " لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك ".
قد ذكرنَا فِي أَوَائِل هَذَا الْمسند وَجه تَخْصِيصه سُورَة الْبَقَرَة بِالذكر، وفسرنا فِي مُسْند عَليّ ﵇ معنى " لبيْك ".
٢٧٣ - / ٣٢٦ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: سَأَلنَا عبد الله عَن هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ [آل عمرَان: ١٦٩] .
إِن قيل: كَيفَ لَا يحْسب الْقَتْلَى أَمْوَاتًا، وَحَقِيقَة الْمَوْت عِنْدهم مَوْجُودَة؟
فَالْجَوَاب: أَنه لما ثَبت فِي النُّفُوس أَن تَعْطِيل الذوات بِالْمَوْتِ مخرج عَن التَّنْعِيم أعلمهم أَن الشُّهَدَاء فِي وُصُول النَّعيم إِلَيْهِم كالأحياء على مَا فِي الحَدِيث من " أَن أَرْوَاحهم فِي حواصل طير خضر ".
فَإِن قيل: فَجَمِيع الْمُؤمنِينَ ينعمون بعد الْمَوْت، وَفِي حَدِيث كَعْب ابْن مَالك عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق من شجر
стр. 333
الْجنَّة " أَي يَأْكُل.
فَالْجَوَاب: أَن الشُّهَدَاء ميزوا على غَيرهم من الْمُؤمنِينَ بِزِيَادَة نعيم وعلو قدر ورفعة ذكر، فهم أَحيَاء يصل إِلَيْهِم نعيم الْجنَّة، ويأوون إِلَى أشرف منزل، وهم بِالذكر الْجَمِيل فِي الدُّنْيَا كالأحياء، قَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ: الشُّهَدَاء مخصوصون، يرْزقُونَ من الْجنَّة قبل بَعثهمْ دون سَائِر الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله فِي الحَدِيث " هَل تشتهون شَيْئا؟ قَالُوا: أَن ترد أَرْوَاحنَا حَتَّى نقْتل فِي سَبِيلك ".
وَإِن قيل: مَا الْفَائِدَة من عرض التَّمَنِّي عَلَيْهِم، فَلَمَّا تمنوا شَيْئا لم يعطوه، وَالْحق قد علم قبل سُؤَالهمْ مَا يتمنون، وَعلم أَنه لَا يعطيهم ذَلِك، فَمَا الْفَائِدَة فِي استعراض حَاجَة لَا تقضى؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن الْقَوْم خَرجُوا من دَار التَّكْلِيف إِلَى دَار الْجَزَاء، وأحبوا الْعود لَا لِمَعْنى يرجع إِلَى أغراضهم، بل قَضَاء لشكر نعْمَة الْحق عَلَيْهِم، فَترك إجابتهم إِلَى مَا يوقعهم فِي النصب إِجَابَة، فَكَأَنَّهُ يَقُول: مرادكم من الْعود شكر النِّعْمَة أَو توفير الْأجر، وَقد رضيت شكركم، وسأنيلكم مَا تُرِيدُونَ من غير تَعب. وَمِثَال هَذَا أَن ينعم السُّلْطَان على شخص عَن خدمَة نصب فِيهَا ثمَّ يَقُول لَهُ: تمن، فَيَقُول: لَو أَن تعيدني إِلَى الْخدمَة، وَمرَاده أَن يزْدَاد عَنهُ رضى، فيمنعه النصب، ويخبره بِتمَام الرضى.
وَالثَّانِي: أَنهم لما سلمُوا إِلَى الشَّهَادَة نفوسا لَا تَخْلُو من تلويث
стр. 334
تَقْصِير، فَرَأَوْا ذَلِك الْجَزَاء الباهر أَحبُّوا أَن يعادوا فيسلموا نفوسا مطهرة بِالشَّهَادَةِ من كل دنس، ليتضاعف الْجَزَاء، فمنعوا ذَلِك؛ لِأَن التَّسْلِيم الأول كَانَ على وَجه الْإِيمَان بِالْغَيْبِ، وَالثَّانِي لَو كَانَ عَن عيان، وَالْعِبَادَة بِالْغَيْبِ هِيَ الْمَطْلُوبَة لامع العيان، فَكَانَت الْفَائِدَة لَهُم فِي جَرَيَان هَذِه الْحَال أَن يسْأَلُوا غير هَذَا الْفَنّ، وَكَانَت الْفَائِدَة لمن بلغته الْحَال أَن يجد ويجتهد فِي تَزْكِيَة نَفسه ليسلم نفسا زاكية إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْعود.
٢٧٤ - / ٣٢٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: أَن أَمِيرا كَانَ بِمَكَّة يسلم تسليمتين، فَقَالَ عبد الله: أَنى علقها؟ إِن رَسُول الله كَانَ يَفْعَله.
أَنى تكون بِمَعْنى من أَيْن، والمعنيان يتقاربان، يجوز أَن يتَأَوَّل فِي كل وَاحِد مِنْهَا الآخر، وَقد جمع الْكُمَيْت بَين اللفظتين فَقَالَ:
(أَنى وَمن أَيْن آبك الطَّرب ... من حَيْثُ لَا صبوة وَلَا ريب)
وَمعنى علقها: علق بهَا.
وَقد دلّ ظَاهر هَذَا الحَدِيث على وجوب التسليمتين، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ من مُسْند سعد.
٢٧٥ - / ٣٢٨ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: " وَمَا تَعدونَ الرقوب فِيكُم؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولد لَهُ. قَالَ: " لَيْسَ ذَاك بالرقوب، وَلكنه الرجل الَّذِي لم يقدم من وَلَده شَيْئا ". قَالَ: " فَمَا تَعدونَ الصرعة فِيكُم؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تصرعه الرِّجَال. قَالَ: " لَيْسَ بذلك، وَلكنه
стр. 335
الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب ".
دلهم بِهَذَا الحَدِيث على النّظر إِلَى الْمعَانِي دون الصُّور، لأَنهم ألفوا فِي كَلَامهم أَن الرقوب الَّذِي يفقد أَوْلَاده، فَأخْبرهُم أَنه الَّذِي يفقد ثَوَاب أَوْلَاده فِي الْآخِرَة. وَلما عرفُوا أَن الصرعة الَّذِي لَا يصرعه الرِّجَال أخْبرهُم أَن الشدَّة فِي ملكة النَّفس، كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث الآخر: " من الْمُفلس؟ " فَقَالُوا: من لَا دِينَار لَهُ وَلَا دِرْهَم. فَبين لَهُم أَن الْمُفلس من تفرق حَسَنَاته على أهل الْمَظَالِم، وكما قَالَ جُنْدُب ابْن عبد الله: المحروب من حَرْب دينه.
٢٧٦ - / ٣٣٠ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: غشي السِّدْرَة فرَاش من ذهب، وَغفر لمن لَا يُشْرك من أمته الْمُقْحمَات.
السِّدْرَة: شَجَرَة النبق. والفراش: ذُبَاب يقتحم ضوء السراج وَيَقَع فِي ناره، والمقحمات: الْكَبَائِر الَّتِي تقحم صَاحبهَا فِي النَّار: أَي تلقيه فِيهَا.
٢٧٧ - / ٣٣١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: " يُؤْتى بجهنم ".
قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن أبي بكر الْأَنْبَارِي قَالَ: فِي جَهَنَّم قَولَانِ: قَالَ يُونُس بن حبيب وَأكْثر النَّحْوِيين: جَهَنَّم اسْم للنار الَّتِي يعذب بهَا فِي الْآخِرَة، وَهِي أَعْجَمِيَّة لَا تجْرِي للتعريف
стр. 336
والعجمة، وَقيل: إِنَّه عَرَبِيّ، وَلم تجر للتأنيث والتعريف، وَحكي عَن رؤبة أَنه قَالَ: ركية جهنام بعيدَة القعر.
وَقَالَ الْأَعْشَى:
(دَعَوْت خليلي مسحلا ودعوا لَهُ ... جهنام جدعا للهجين المذمم)
فَترك صرفه يدل على أَنه أعجمي مُعرب.
٢٧٨ - / ٣٣٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: كُنَّا مَعَ رَسُول الله فمررنا بصبيان فيهم ابْن صياد.
أما ابْن صياد فاسمه عبد الله، وَيُقَال فِيهِ ابْن صياد وَابْن صائد وَابْن الصَّائِد، وَكَانَ أَبوهُ من الْيَهُود، ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ أَعور مختون مسرور، وَأَتَاهُ رَسُول الله وَهُوَ صبي فَسَأَلَهُ عَمَّا خبأ لَهُ، فَأَجَابَهُ، فَقَالُوا: هُوَ الدَّجَّال، وَكَانَ ابْن عمر وَجَابِر يحلفان بِاللَّه من غير شكّ أَنه الدَّجَّال، وَكَانَ يَقُول: أَنا مُؤمن والدجال كَافِر، وَقد ولد لي والوجال لَا يُولد لَهُ، وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه عمَارَة من خِيَار الْمُسلمين، روى عَنهُ مَالك بن أنس. وَاخْتلف النَّاس فِي آخر أمره، فَروِيَ عَن جَابر أَنه قَالَ: فقدناه يَوْم الْحرَّة. وَرُوِيَ أَنه تَابَ عَمَّا كَانَ يَدعِيهِ،
стр. 337
وَمَات بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ لما أَرَادوا الصَّلَاة عَلَيْهِ كشفوا عَن وَجهه حَتَّى رَآهُ النَّاس، وَقيل لَهُم: اشْهَدُوا.
وَقَوله: تربت يداك: أَي افْتَقَرت.
وَقَوله لعمر: " إِن يكن الَّذِي ترى - أَي تظن - فَلَنْ تَسْتَطِيع قَتله " لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الدَّجَّال فَلَا بُد من ظُهُوره، فَكيف يقتل وَلم يظْهر؟
قَوْله: إِنِّي خبأت لَك خبيئا فَقَالَ: دخ. يُرِيد الدُّخان.
وَفِي بعض أَلْفَاظ حَدِيث ابْن عمر الَّذِي ذكر فِي الصِّحَاح أَن رَسُول الله خبأ لَهُ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين.
فَقَالَ: " اخْسَأْ "، أَي أبعد " فَلَنْ تعدو "، أَي لن تتجاوز " قدرك ". وَفِي مَعْنَاهُ وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنه لَا يبلغ قدرك أَن تطالع الْغَيْب من قبل الْوَحْي الَّذِي يخْتَص الْأَنْبِيَاء، وَلَا من قبل الإلهام الَّذِي يُدْرِكهُ الْأَوْلِيَاء، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي قَالَه شَيْء أَلْقَاهُ إِلَيْهِ الشَّيْطَان، إِمَّا لكَون النَّبِي ﷺ تكلم بذلك بَينه وَبَين نَفسه فَسَمعهُ الشَّيْطَان، وَإِمَّا أَن يكون الشَّيْطَان سمع مَا سيجري بَينهمَا من السَّمَاء، لِأَنَّهُ إِذا قضى الْقَضَاء فِي السَّمَاء تَكَلَّمت بِهِ الْمَلَائِكَة فاسترق الشَّيْطَان السّمع فَأَلْقَاهُ إِلَى أذن الكاهن، وَسَيَأْتِي هَذَا مشروحا فِي مُسْند عَائِشَة. وَإِمَّا أَن يكون رَسُول الله حدث بعض أَصْحَابه بِمَا أضمر فاختلس الشَّيْطَان ذَلِك، وَيدل على هَذَا قَول ابْن عمر: وخبأ لَهُ رَسُول الله يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين. فَالظَّاهِر أَنه اعْلَم الصَّحَابَة مَا يخبأ لَهُ.
стр. 338
وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: لن تعدو قدر الله فِيك.
فَإِن قيل: فَمَا السِّرّ فِي أَنه أضمر لَهُ الدُّخان؟
فَجَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون أضمر مَا خطر لَهُ كَمَا اتّفق. وَالثَّانِي: أَن يكون اعْتمد ذَلِك، لِأَن الدُّخان يستر عَن النَّاظر عين الشَّمْس، وَكَذَلِكَ بَاطِل الدَّجَّال ثمَّ هُوَ ضَرَر لَا نفع فِيهِ.
فَإِن قيل: كَيفَ ترك الرَّسُول رجلا يَدعِي النُّبُوَّة كَاذِبًا؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذِه الْقِصَّة جرت لَهُ مَعَه أَيَّام مهادنة الْيَهُود وحلفائهم، وَذَلِكَ أَنه لما قدم الْمَدِينَة كتب بَينه وَبَين الْيَهُود كتابا صَالحهمْ فِيهِ، على أَن لَا يهاجوا، وَكَانَ ابْن صياد فِي جملَة الْقَوْم، فَلَمَّا بلغ رَسُول الله مَا يَدعِيهِ من علم الْغَيْب امتحنه فَرَآهُ مُبْطلًا، وَعلم أَنه لَا يعدو الكهانة وَالسحر. وَالثَّانِي: أَنه حِين جرت لَهُ مَعَه هَذِه الْقِصَّة كَانَ صَبيا غير بَالغ، وَلَا حكم لقَوْل الصَّبِي.
٢٧٩ - / ٣٣٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: " وَلَكِن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم ".
جُمْهُور الروَاة يَقُولُونَ: فَأسلم بِفَتْح الْمِيم، يُرِيدُونَ: الشَّيْطَان أسلم، وَكَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول: فَأسلم بضَمهَا، وَالْمعْنَى: فَأسلم من شَره. وَكَانَ يَقُول: الشَّيْطَان لَا يسلم. وَقَول ابْن عُيَيْنَة حسن يظْهر أثر المجاهدة بمخالفة الشَّيْطَان، غير أَن قَوْله: " فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير " دَلِيل على إِسْلَام الشَّيْطَان، لِأَن الَّذِي نفر مِنْهُ ابْن عُيَيْنَة وَقَالَ:
стр. 339
لَا يسلم، يَنْبَغِي أَن يَقع النفار مِنْهُ فِي قَوْله: " فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير " وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ آخر: " فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِحَق ".
٣٨٠ - / ٣٣٤ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: قَالَت أم حَبِيبَة: اللَّهُمَّ أمتعني بزوجي رَسُول الله، وبأبي أبي سُفْيَان، وبأخي مُعَاوِيَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " لقد سَأَلت الله لآجال مَضْرُوبَة، وَأَيَّام مَعْدُودَة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شَيْئا قبل حلّه، أَو يُؤَخر شَيْئا عَن حلّه، وَلَو كنت سَأَلت الله أَن يعيذك من عَذَاب النَّار أَو عَذَاب فِي الْقَبْر كَانَ خيرا ".
أم حَبِيبَة هِيَ زوج رَسُول الله ﷺ ، وَاسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان.
فَإِن قيل: كَيفَ ردهَا عَن سُؤال، وَعلل بِالْقدرِ، وأمرها بسؤال وَهُوَ دَاخل فِي بَاب الْقدر أَيْضا؟
فَالْجَوَاب: أَن سُؤال مَا يجلب نفعا فِي الْآخِرَة وَيظْهر عبودية من السَّائِل، أولى مِمَّا يجتلب بِهِ مُجَرّد النَّفْع فِي الدُّنْيَا، فَأَرَادَ مِنْهَا التشاغل بِأُمُور الْآخِرَة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: " إِن الله لم يَجْعَل لمسخ نَسْلًا وَلَا عقبا " وَفِي ذَلِك دَلِيل على أَن الَّذين مسخوا لم يبقوا وَلم ينسلوا، وَقد كَانَ ابْن قُتَيْبَة يَقُول: أَنا أَظن أَن هَذِه القردة والخنازير هِيَ المسوخ بِأَعْيَانِهَا توالدت. ثمَّ قَالَ: إِلَّا أَن يَصح حَدِيث أم حَبِيبَة. وَقد صَحَّ حَدِيثهَا،
стр. 340
فَلَا يلْتَفت إِلَى ظن ابْن قُتَيْبَة.
٢٨١ - / ٣٣٥ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لقوم يتخلفون عَن الْجُمُعَة: " لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثمَّ أحرق على رجال يتخلفون عَن الْجُمُعَة بُيُوتهم ".
إِن قَالَ قَائِل: لَو فعل هَذَا لفاتته الْجُمُعَة، فَمَا وَجه هَذَا القَوْل؟
فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن أَبَا هُرَيْرَة قد روى هَذَا الحَدِيث فِي الْجَمَاعَات لَا فِي الْجُمُعَة، فَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيثه، وَحَدِيث ابْن مَسْعُود من أَفْرَاد مُسلم، فَذَاك مقدم، وَيحْتَمل أَن يكون الرَّاوِي قد سَهَا من ذكر الْجَمَاعَة إِلَى الْجُمُعَة.
وَالثَّانِي: أَنه قَالَه على وَجه الْمُبَالغَة وَلم يَفْعَله، كَمَا قَالَ: " من قتل عَبده قَتَلْنَاهُ ".
وَالثَّالِث: أَنه يُمكن أَن يمْضِي فيأمر بتحريق بيُوت أَقوام سمعُوا التأذين، ثمَّ يعود فيدرك الصَّلَاة.
٢٨٢ - / ٣٣٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: وَلَقَد كَانَ الرجل يهادى بَين الرجلَيْن.
أَي يحمل بِرِفْق وَهُوَ يعْتَمد عَلَيْهِمَا من ضعفه وَقلة تماسكه، يُقَال:
стр. 341
تهادت الْمَرْأَة فِي مشيتهَا: أَي تمايلت.
٢٨٣ - / ٣٣٨ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: " لَو كنت متخذا خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا ".
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الْخَلِيل " فعيل " من الْخلَّة، والخلة: الْمَوَدَّة. قَالَ: وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: والخليل الْمُحب، والمحب الَّذِي لَيْسَ فِي محبته نقص وَلَا خلل، فإبراهيم ﵇ كَانَ يحب الله وَيُحِبهُ الله محبَّة لَا نقص فِيهَا وَلَا خلل. قَالَ: وَيُقَال: الْخَلِيل: الْفَقِير، من الْخلَّة، والخلة: الْفقر، قَالَ زُهَيْر:
(فَإِن أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مسغبة ... يَقُول لَا غَائِب مَالِي وَلَا حرم)
أَرَادَ: وَإِن أَتَاهُ فَقير. قَالَ: وَيُقَال: الْخَلِيل: الْفَقِير إِلَيْهِ، ينزل فقره وفاقته بِهِ وَلَا ينزل ذَلِك بِغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الْخَلِيل من: تخَلّل الْمَوَدَّة الْقلب وتمكنها مِنْهُ، قَالَ: وَقيل: إِنَّهَا من خلة الرَّعْي: وَهُوَ نَبَات تستحيله الْمَاشِيَة فتكثر مِنْهُ. وَالْمَقْصُود من الحَدِيث: أَن الْخلَّة تلْزم فضل مُرَاعَاة للخليل وَقيام بِحقِّهِ، واشتغال الْقلب بأَمْره، فَأخْبر ﷺ أَنه لَيْسَ عِنْدِي فضل - مَعَ خلة الْحق - لِلْخلقِ، لاشتغال قلبِي بمحبته سُبْحَانَهُ فَلَا يحْتَمل ميلًا إِلَى غَيره.
٢٨٤ - / ٣٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: " بِحَسب الْمَرْء من
стр. 342
الْكَذِب أَن يحدث بِكُل مَا سمع ".
فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحدهَا: أَن يروي مَا يُعلمهُ كذبا وَلَا يُبينهُ فَهُوَ أحد الْكَاذِبين. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: بِحَسب الْمَرْء أَن يكذب، لِأَنَّهُ لَيْسَ كل مسموع يصدق بِهِ، فَيَنْبَغِي تحديث النَّاس بِمَا تحتمله عُقُولهمْ.
٢٨٥ - / ٣٤٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: هَاجَتْ ريح حَمْرَاء بِالْكُوفَةِ، فجَاء رجل لَيْسَ لَهُ هجيري إِلَّا: يَا عبد الله بن مَسْعُود، جَاءَت السَّاعَة.
قَوْله: لَيْسَ لَهُ هجيري: أَي مَاله شَأْن وَلَا شغل إِلَّا هَذَا. قَالَ أَبُو عبيد: مثل الهجيري فِي الْوَزْن الخليفي: وَهِي الْخلَافَة، وَقَول عمر بن عبد الْعَزِيز لَا رديدي فِي الصَّدَقَة: أَي لَا ترد. وَيُقَال: كَانَت بَين الْقَوْم رميا، ثمَّ حجزت بَينهم حجيزي: أَي صَارُوا إِلَى المحاجزة بعد الرَّمْي، وَكَذَلِكَ الهزيمي من الْهَزِيمَة، والمنيني من الْمِنَّة، والدليلي من الدّلَالَة. وَأكْثر كَلَامهم فِي الدّلَالَة بِالْفَتْح. والخطيبي من الْخطْبَة.
وَقَوله: فَيشْتَرط الْمُسلم شَرطه. الشرطه: قوم يقدمُونَ إِلَى الْقِتَال يشترطون الثَّبَات ويتعاقدون على الْجد وَإِن آل بهم إِلَى الْمَوْت.
стр. 343
كشف الْمُشكل من مُسْند أبي الْيَقظَان عمار بن يَاسر
أسلم قَدِيما، وَكَانَ من الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذين يُعَذبُونَ بِمَكَّة ليرجعوا عَن دينهم، وَأحرقهُ الْمُشْركُونَ بالنَّار، فَكَانَ رَسُول الله يمر بِهِ فيمر يَده على رَأسه وَيَقُول: " يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على عمار كَمَا كنت على إِبْرَاهِيم " وَشهد بَدْرًا، وَلم يشهدها ابْن مُؤمنين غَيره، لِأَن أَبَاهُ ياسرا أسلم، وَأمه سميَّة بنت خباط، وَكَانُوا كلهم يُعَذبُونَ ليرجعوا عَن الْإِسْلَام، فَقَالَ النَّبِي ﷺ " صبرا يَا آل يَاسر، مَوْعدكُمْ الْجنَّة ". وَسَماهُ النَّبِي ﷺ الطّيب المطيب.
وروى عَن رَسُول الله اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة:
٢٨٦ - / ٣٤٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَن أَبَا مُوسَى قَالَ لِابْنِ مَسْعُود أَرَأَيْت لَو أَن رجلا أجنب فَلم يجد المَاء شهرا، كَيفَ يصنع بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عبد الله: لَا يتَيَمَّم وَإِن لم يجد المَاء شهرا.
стр. 344
فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكيف بِهَذِهِ الْآيَة: ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ [الْمَائِدَة: ٦] قَالَ عبد الله: لَو رخص لَهُم فِي هَذِه الْآيَة لَأَوْشَكَ إِذا برد عَلَيْهِم المَاء أَن يتيمموا بالصعيد، فَذكر لَهُ حَدِيث عمار فِي التَّيَمُّم.
وَفِي رِوَايَة: أَن رجلا أَتَى عمر فَقَالَ: أجنبت فَلم أجد مَاء. فَقَالَ: لَا تصل. فَقَالَ عمار: أَلا تذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ أَنا وَأَنت فِي سَرِيَّة فأجنبنا فَلم نجد مَاء، فَأَما أَنْت فَلم تصل، وَأما أَنا فتمعكت فِي التُّرَاب وَصليت، فَقَالَ رَسُول الله: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض ثمَّ تمسح بهما وَجهك وكفيك " فَقَالَ عمر: اتَّقِ الله يَا عمار. قَالَ: إِن شِئْت لَا أحدث بِهِ. فَقَالَ عمر: نوليك مَا توليت.
ظَاهر المناظرة بَين ابْن مَسْعُود وَأبي مُوسَى أَن ابْن مَسْعُود لم يلْتَفت إِلَى الْآيَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلَكِن ابْن مَسْعُود رأى أَن الْآيَة لَا تَتَضَمَّن التَّيَمُّم إِنَّمَا تخْتَص بِالْحَدَثِ الْأَصْغَر، فَلذَلِك لم ير جَوَاز التَّيَمُّم للْجنب. وَقد اخْتلف النَّاس فِي هَذِه الْآيَة: فَمنهمْ من قَالَ: إِنَّمَا دلّت على التَّيَمُّم عَن الْحَدث الْأَصْغَر فَقَط، وهم الْقَائِلُونَ بِأَن اللَّمْس لمس الْيَد. قَالُوا: وَإِنَّمَا استفدنا جَوَاز التَّيَمُّم للْجنب من حَدِيث عمار، وَيدل عَلَيْهِ أَنه لما تمعك عمار فِي التُّرَاب وَأخْبر رَسُول الله بِفِعْلِهِ قَالَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تَقول هَكَذَا " وَعلمه التَّيَمُّم وَلم يردهُ إِلَى بَيَان الْآيَة، وَلَو كَانَ فِيهَا بَيَان ذَلِك لقَالَ كَمَا قَالَ لعمر فِي شَأْن الْكَلَالَة: " يَكْفِيك آيَة الصَّيف ".
وَمِنْهُم من قَالَ: بل دلّت على التَّيَمُّم عَن الْجَنَابَة، وَاخْتلف هَؤُلَاءِ على أَي وَجه دلّت على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن المُرَاد باللمس فِيهَا
стр. 345
الْوَطْء، قَالَه عَليّ ﵇. وَالثَّانِي: أَن فِيهَا تَقْدِيمًا وتأخيرا، وتقديرها: إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة من النّوم، فَأفَاد ذَلِك النّوم وَمَا فِي مَعْنَاهُ من الْبَوْل والمذي وَالرِّيح. ﴿أَو لامستم﴾ أَي بِالْيَدِ ﴿فَاغْسِلُوا﴾ . ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا﴾ فأفادت الْآيَة ذكر الطهارتين عِنْد وجود المَاء مَعَ التَّنْبِيه على الْأَحْدَاث. ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ فَانْصَرف إِلَى الطهارتين جَمِيعًا، وَأفَاد جَوَاز التَّيَمُّم عَن الحدثين، وَهَذَا الْمَعْنى مَرْوِيّ عَن زيد بن أسلم وَابْنه. وَالثَّالِث: أَن الْآيَة لما جعلت التَّيَمُّم بَدَلا عَن الْوضُوء نبهت على أَنه بدل عَن الْغسْل لِأَن التُّرَاب لما جعل بَدَلا عَن المَاء وَجب أَن يَنُوب عَن طهارات المَاء.
وَأما التَّيَمُّم فَإِنَّهُ فِي اللُّغَة الْقَصْد، قَالَ الْأَعْشَى:
(تيممت قيسا وَكم دونه ... من الأَرْض من مهمه ذِي شزن)
وَقَوله: لَو رخص لَهُم فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذا برد عَلَيْهِم المَاء أَن يتيمموا للصَّلَاة.
وَعِنْدنَا أَنه إِذا خَافَ ضَرَر الْبرد تيَمّم وَصلى وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ إِن كَانَ مُسَافِرًا، وَإِن كَانَ مُقيما فعلى رِوَايَتَيْنِ. قَالَ الشَّافِعِي: يُعِيد الْمُقِيم، وَله فِي الْمُسَافِر قَولَانِ.
стр. 346
وَقَوله: فتمرغت فِي الصَّعِيد كَمَا تتمرغ الدَّابَّة. وَإِنَّمَا فعل هَذَا لِأَنَّهُ رأى التُّرَاب بَدَلا عَن المَاء فَاسْتَعْملهُ فِي جَمِيع الْبدن. فَأَما الصَّعِيد فَهُوَ التُّرَاب قَالَه عَليّ وَابْن مَسْعُود واللغويون، مِنْهُم الْفراء وَأَبُو عبيد والزجاج وَابْن قُتَيْبَة.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يَقع اسْم الصَّعِيد إِلَّا على تُرَاب ذِي غُبَار، فعلى هَذَا لَا يجوز التَّيَمُّم إِلَّا بِالتُّرَابِ، وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يجوز بِجَمِيعِ أَجزَاء الأَرْض كالنورة والجص والزرنيخ وَغَيره. وَزَاد مَالك فَقَالَ: وَيجوز بالحشيش وَالشَّجر، فعلى هَذَا يكون الصَّعِيد عِنْدهمَا مَا تصاعد على وَجه الأَرْض سَوَاء كَانَ تُرَابا أَو غَيره، وَلَا خلاف أَنه إِذا ضرب بِيَدِهِ على الطين أَنه لَا يجْزِيه. وَقد سلم خصمنا برادة الذَّهَب وَالْفِضَّة والصفر والنحاس والدقيق وسحيق الزّجاج والجوهر والصندل ونحاتة الْخشب وَنَحْو ذَلِك، فَأَما الرمل فلأبي حنيفَة وَأحمد فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَقد دلّ حَدِيث عمار هَذَا على أَنه يجوز الِاقْتِصَار فِي التَّيَمُّم على الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ بضربة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول مَالك وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد: لَا يجْزِيه إِلَّا أَن يمسح إِلَى الْمرْفقين. وَلَا
стр. 347
يخْتَلف أَصْحَابنَا فِي جَوَاز الْأَمريْنِ، إِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الْمسنون: فَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: الْمسنون أَن يضْرب ضربتين، يمسح بِوَاحِدَة وَجهه وبالأخرى يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين، فَإِن ضرب ضَرْبَة فَمسح بهَا وَجهه وكفيه جَازَ. وَقَالَ أَبُو الْخطاب الكلواذاني: بل الْمسنون عِنْد أَحْمد ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل: ظَاهر كَلَام أَحْمد يدل على أَن الْمسْح إِلَى الْمرْفقين جَائِز وَلَيْسَ بمستحب.
وَقَوله: ونفض يَدَيْهِ. وَفِي لفظ: " يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض ثمَّ تنفخ " يحْتَج بِهِ من يرى جَوَاز الضَّرْب على حجر لَا غُبَار لَهُ، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك. وَعند أَحْمد وَالشَّافِعِيّ: لَا بُد من غُبَار يعلق بِالْيَدِ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ و " من " للتَّبْعِيض. وَأما نفض الْيَد ونفخها فَالْمُرَاد بِهِ تَخْفيف مَا تعلق بِالْيَدِ. فَإِنَّهُ قد تعلق بهَا الْكثير، والنفخ لَا يدْفع الْخَفِيف، وَبِه تقع الْكِفَايَة.
وَقَوله: اتَّقِ الله يَا عمار. مَعْنَاهُ: احْتَرز فِيمَا تروي، وَلَيْسَ أَنه شكّ فِيهِ، وَلكنه تثقيف لَهُ وتأديب لغيره.
وَقَوله: نوليك مَا توليت: مَعْنَاهُ نَدعك وَمَا تتقلد.
стр. 348
٢٨٧ - / ٣٤٦ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
لما بعث عَليّ عمارا إِلَى الْكُوفَة ليستنفرهم.
الاستنفار: الدُّعَاء إِلَى النُّصْرَة. وَهَذَا كَانَ عِنْد خُرُوج عَائِشَة ﵍ إِلَى الْبَصْرَة.
٢٨٨ - / ٣٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: دخل أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُود على عمار حَيْثُ أَتَى إِلَى الْكُوفَة ليستنفر النَّاس، فَقَالَا: مَا رَأينَا مِنْك أمرا مُنْذُ أسلمت أكره عندنَا من إسراعك فِي هَذَا الْأَمر. فَقَالَ: مَا رَأَيْت مِنْكُمَا أمرا مُنْذُ أسلمتما أكره عِنْدِي من إبطائكما عَن هَذَا الْأَمر: قَالَ ثمَّ كساهما حلَّة.
أَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ، وَأَبُو مَسْعُود هُوَ البدري، واسْمه عقبَة ابْن عَمْرو.
وَالْإِشَارَة بقَوْلهمْ: هَذَا الْأَمر، إِلَى الْخُرُوج مَعَ عَليّ ﵇ وَمَعَ عَائِشَة ﵂. وَإِنَّمَا كرها لعمَّار الْخُرُوج فِيمَا ظَاهره الْقِتَال والفتن، وَكره لَهما عمار قعودهما عَن نصْرَة عَليّ ﵇، وَالْحق فِي ذَلِك مَعَ عمار؛ لِأَن عليا ﵇ كَانَ الإِمَام علما وَخِلَافَة، فَهُوَ أعلم بِالْحَقِّ من كل من خاصمه، وَإِنَّمَا خرجت عَائِشَة ﵍ لتصلح الْأَمر فانخرق.
٢٨٩ - / ٣٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: رَأَيْت رَسُول الله وَمَا مَعَه إِلَّا خَمْسَة أعبد وَامْرَأَتَانِ.
стр. 349
أما عمار فَإِنَّهُ أسلم قَدِيما، وَقد أسلم جمَاعَة قبله، وَإِنَّمَا حكى مَا رأى.
٢٩٠ - / ٣٤٩ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم:
خَطَبنَا عمار فأوجز وأبلغ، فَقُلْنَا: لَو كنت تنفست، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " إِن طول صَلَاة الرجل وَقصر خطبَته مئنة من فقهه، وَإِن من الْبَيَان سحرًا ".
تنفست بِمَعْنى مددت الْكَلَام قَلِيلا، وَهُوَ مشبه بِمد النَّفس.
ومئنة بِمَعْنى عَلامَة تدل على فقه الرجل. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ كَقَوْلِك: مخلقة، ومجدرة، ومحراة.
وَالْفِقْه: الْفَهم، قَالَ الْأَزْهَرِي: الْفِقْه أَن يعلم الرجل من بَاطِن مَا يسْأَل عَنهُ كَمَا يعلم من ظَاهره لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء. فَأَما الْبَيَان فَقَالَ أَبُو عبيد: الْبَيَان من الْفَهم وذكاء الْقلب مَعَ اللسن، فصاحبه يمدح فَيصدق، ويذم فَيصدق، وَكَأَنَّهُ قد سحر السامعين بذلك. وَقَالَ مَالك ابْن دِينَار: مَا رَأَيْت أبين من الْحجَّاج، إِن كَانَ ليرقى الْمِنْبَر فيذكر إحسانه إِلَى أهل الْعرَاق وصفحه عَنْهُم وإساءتهم إِلَيْهِ حَتَّى أَقُول فِي نَفسِي: وَالله إِنِّي لأحسبه صَادِقا، وَإِنِّي لأظنهم ظالمين لَهُ.
стр. 350
كشف الْمُشكل من مُسْند حَارِثَة بن وهب الْخُزَاعِيّ
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتَّة أَحَادِيث، وَقد غلط أَبُو بكر البرقي فَقَالَ فِي " تَارِيخه ": جملَة مَا روى حديثان، وَبَيَان غلطه أَنه قد أخرج لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة أَحَادِيث.
٢٩١ - / ٣٥٠ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: قَوْله صلى بِنَا رَسُول الله وَنحن أَكثر مَا كُنَّا قطّ وآمنه بمنى رَكْعَتَيْنِ.
يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن قصر الصَّلَاة لم يقف على الْخَوْف. وَقد شرحنا هَذَا فِي مُسْند عمر.
٢٩٢ - / ٣٥١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " حَوْضه مَا بَين صنعاء وَالْمَدينَة ".
الْإِشَارَة إِلَى أَن طول الْحَوْض بِقدر هَذِه الْمسَافَة.
٢٩٣ - / ٣٥٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " يمشي الرجل بِصَدَقَتِهِ فَيَقُول
стр. 351
الَّذِي أعطيها: لَو جئتنا بهَا بالْأَمْس قبلتها ".
وَالْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى كَثْرَة المَال فِي آخر الزَّمَان.
٢٩٤ - / ٣٥٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " أَلا أخْبركُم بِأَهْل الْجنَّة؟ كل ضَعِيف متضعف، لَو يقسم على الله لَأَبَره. أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار؟ كل عتل جواظ مستكبر ".
الضَّعِيف: الْفَقِير، والمتضعف بِفَتْح الْعين - ويغلط من يقْرؤهَا من الْمُحدثين بِالْكَسْرِ؛ لِأَن المُرَاد أَن النَّاس يستضعفونه ويقهرونه.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: العتل عِنْد الْعَرَب: الشَّديد. وَقَالَ غَيره: هُوَ الْفظ الغليظ الشَّديد الْخُصُومَة الَّذِي لَا ينقاد لخير.
فَأَما الجواظ فَفِيهِ خَمْسَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الجموع المنوع. وَالثَّانِي: الشَّديد الصَّوْت فِي الشَّرّ. وَالثَّالِث: الْقصير الْبَطن. وَالرَّابِع: المتكبر المختال فِي مَشْيه الفاخر. وَالْخَامِس: أَنه الْكثير اللَّحْم المختال فِي مَشْيه.
стр. 352
كشف الْمُشكل من مُسْند أبي ذَر
وَاخْتلفُوا فِي اسْمه وَاسم أَبِيه، فَقَالَ قوم: جُنْدُب بن جُنَادَة بن كَعْب. وَقَالَ آخَرُونَ: جُنْدُب بن السكن. وَقَالَ بَعضهم: يزِيد بن جُنَادَة. وَقيل: يزِيد بن أشعر، وَيُقَال: يزِيد بن عشرقة. وَيُقَال: اسْمه جُنَادَة.
وَكَانَ يتعبد قبل مبعث النَّبِي ﷺ قَدِيما، وَقَالَ: كنت خَامِسًا فِي الْإِسْلَام، وَرجع إِلَى بِلَاد قومه وَلم يقدم إِلَّا بعد الخَنْدَق.
روى عَن رَسُول الله مِائَتي حَدِيث، وأحدا وَثَمَانِينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ.
٢٩٥ - / ٣٥٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَنه تزَود وَحمل شنة فِيهَا مَاء حَتَّى قدم مَكَّة. الشنان: الأسقية الَّتِي قد أخلقت، وَاحِدهَا شن، وكل جلد بَال شن، وَيُقَال للقربة مِنْهَا شنة، وَهِي أَشد تبريدا للْمَاء من الجدد.
стр. 353
وَقَوله: مَا أَنى للرجل. أَي: مَا آن.
ويقفوه بِمَعْنى يتبعهُ.
وَقَوله: لأصرخن بهَا: أَي بِكَلِمَة التَّوْحِيد بَين ظهرانيهم، يَعْنِي الْمُشْركين بِمَكَّة.
وَقَوله: فَثنى علينا الَّذِي قيل لَهُ: أَي أظهره لنا. وَإِنَّمَا يُقَال النثا بِتَقْدِيم النُّون فِي الشَّيْء الْقَبِيح، فَإِذا قدمت الثَّاء فَهُوَ الْكَلَام الْجَمِيل.
وَقَوله: لَا جماع لَك: أَي لَا نَجْتَمِع مَعَك.
والصرمة: الْقطعَة من الْإِبِل نَحْو الثَّلَاثِينَ.
وَقَوله: فنافر أنيس عَن صِرْمَتنَا وَعَن مثلهَا: أَي من قضى لَهُ بالغلبة أَخذ ذَلِك. وَقَالَ أَبُو عبيد: المنافرة: أَن يفتخر الرّجلَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه ثمَّ يحكما رجلا بَينهمَا، والنافر: الْغَالِب، والمنفور: المغلوب. يُقَال: قد نفره ينفره وينفره نَفرا: إِذا غلب عَلَيْهِ.
وَقَوله: فَأتيَا الكاهن فَخير أنيسا عَلَيْهِ: أَي غَلبه وَقضى لَهُ.
وَقَوله: قد صليت قبل أَن ألْقى رَسُول الله. هَذَا إلهام الْقُلُوب الطاهرة، وَمُقْتَضى الْعُقُول السليمة، فَإِنَّهَا توفق للصَّوَاب وتلهم للرشد
وَقَوله: كَأَنِّي خَفَاء. قَالَ أَبُو عبيد: الخفاء مَمْدُود هُوَ الغطاء، وكل شَيْء غطيته بِشَيْء من كسَاء أَو ثوب فَذَلِك الغطاء خَفَاء، وَجمعه
стр. 354
أخفية. قَالَ ابْن دُرَيْد: الخفاء كسَاء يطْرَح على السقاء.
وَقَوله: فَرَاثَ عَليّ: أَي أَبْطَا.
وَقَوله: وضعت قَوْله على أَقراء الشّعْر، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُرِيد أَنْوَاعه وطرقه، وَاحِدهَا قري، يُقَال هَذَا الشّعْر على قري هَذَا.
وَقَوله: فَتَضَعَّفْت رجلا: أَي رَأَيْته ضَعِيفا، فَعلمت أَنه لَا ينالني بمكروه وَلَا يرتاب مقصدي.
وَقَوله: كَأَنِّي نصب أَحْمَر: أَي قُمْت بعد أَن وَقعت كَأَنِّي لجَرَيَان دمي أحد الأنصاب: وَهِي حِجَارَة يذبحون عَلَيْهَا فتحمر بالدماء.
فَأَما زَمْزَم فَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ من قَوْلك: زممت النَّاقة: إِذا جعلت لَهَا زماما تحبسها بِهِ، وَذَلِكَ أَن جِبْرِيل لما هزم الأَرْض بمقاديم جنَاحه فَفَاضَ المَاء زمتها هَاجر فسميت بذلك.
وَقَوله: فَمَا وجدت سخْفَة جوع. قَالَ الْأَصْمَعِي: السخفة: الخفة، وَلَا أَحسب قَوْلهم سخيف إِلَّا من هَذَا.
وَقَوله: فَبينا أهل مَكَّة. قَالَ الزّجاج: مَكَّة لَا تَنْصَرِف لِأَنَّهَا مُؤَنّثَة. وَهِي معرفَة، وَيصْلح أَن يكون اشتقاقها من قَوْلهم: امتك
стр. 355
الفصيل مَا فِي ضرع النَّاقة: إِذا مص مصا شَدِيدا حَتَّى لَا يبقي فِيهِ شَيْئا، فَتكون قد سميت بذلك لشدَّة الازدحام فِيهَا.
وللعلماء فِي تَسْمِيَة مَكَّة أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: لِأَنَّهَا مثابة يؤمها الْخلق من كل فج، فَكَأَنَّهَا الَّتِي تجلب الْخلق إِلَيْهَا، من قَوْلهم: امتلك الفصيل مَا فِي ضرع النَّاقة.
وَالثَّانِي: من قَوْلك: مككت الرجل: إِذا رددت نخوته، فَكَأَنَّهَا تمك من ظلم فِيهَا: أَي تهلكه وتنقصه، وأنشدوا:
(يَا مَكَّة الْفَاجِر مكي مكا ... وَلَا تمكي مذحجا وعكا)
وَالثَّالِث: سميت بذلك لجهد أَهلهَا.
وَالرَّابِع: لقلَّة المَاء بهَا.
وَقَوله: فِي لَيْلَة قَمْرَاء. القمراء منسوبة إِلَى الْقَمَر، وَالْمعْنَى: فِي لَيْلَة كَثِيرَة الضَّوْء. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: لَيْلَة إِضْحِيَان وإضحيانة وضحيانة: إِذا كَانَت مضيئة.
وَقَوله: ضرب على أصمختهم: الأصمخة جمع صماخ: وَهِي خرق الْأذن الْبَاطِن الَّذِي يُفْضِي إِلَى الرَّأْس، وَمِنْه يتَأَدَّى فهم المسموع إِلَى النَّفس، وَهَذَا كِنَايَة عَن النّوم المفرط، لِأَن الضَّرْب هَاهُنَا: الْمَنْع من الِاسْتِمَاع، يُقَال: ضرب فلَان على يَد فلَان: إِذا مَنعه من التَّصَرُّف فِي
следующие страницы →