← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5906

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ابن الجوزي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّا كاشفوا الْعَذَاب﴾ [الدُّخان: ١٥] وَقد ذهب إِلَى مَا أنكرهُ ابْن مَسْعُود جمَاعَة وَقَالُوا: إِنَّه دُخان يَأْتِي قبل قيام السَّاعَة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَالْحسن. وَقَالَ ابْن أبي مليكَة: غَدَوْت على ابْن عَبَّاس ذَات يَوْم فَقَالَ: مَا نمت اللَّيْلَة. قلت: وَلم؟ قَالَ: طلع الْكَوْكَب ذُو الذَّنب فَخَشِيت أَن يطْرق الدُّخان. وعَلى قَول هَؤُلَاءِ يكْشف هَذَا الْعَذَاب فِي الْقِيَامَة قَلِيلا ثمَّ يعودون إِلَى عَذَاب شَدِيد. وعَلى هَذَا تكون البطشة الْكُبْرَى فِي الْقِيَامَة. وعَلى قَول ابْن مَسْعُود كَانَت يَوْم بدر. وَقَوله: ﴿فَسَوف يكون لزاما﴾ [الْفرْقَان: ٧٧] أَي يكون تكذيبكم عذَابا لَازِما لكم. ٢١٢ - / ٢٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: " لَيْسَ منا من ضرب الخدود، وشق الْجُيُوب، ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة ". قَوْله: " لَيْسَ منا " أَي لَيْسَ على طريقتنا وسنتنا، وَإِنَّمَا نهى عَمَّا يدْخل تَحت الْكسْب من ضرب الخد وشق الجيب، وَلم ينْه عَن الْبكاء والحزن. وَأما دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَمَا كَانُوا يذكرُونَهُ عِنْد موت الْمَيِّت، تَارَة من تَعْظِيمه ومدحه، وَتارَة من النّدب عَلَيْهِ مثل قَوْلهم: واجبلاه. ٢١٣ - / ٢٤٤ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: " لَيْسَ من نفس تقتل ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا، لِأَنَّهُ سنّ الْقَتْل أَولا ".

стр. 282

ابْن آدم: هُوَ قابيل، وَهُوَ أول من قتل. وللمتقدم فِي الْخَيْر وَالشَّر أثر يزِيد بِهِ على غَيره، كَمَا قَالَ ﵇: " من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء، وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا بعده من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء ". ٢١٤ - / ٢٤٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: " إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون " وَرَوَاهُ البرقاني فَقَالَ فِيهِ: " إِن أَشد النَّاس عذَابا رجل قَتله نَبِي، أَو مُصَور ". أما المصورون فَإِنَّمَا اشْتَدَّ عَذَابهمْ لأَنهم ضاهوا فعل الله ، فَفَعَلُوا كَمَا فعل من تَصْوِير الصُّور، وَسَيَأْتِي شرح هَذَا بَالغا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما من قَتله نَبِي فالغالب أَنه لَا يقْتله النَّبِي حَتَّى يروم قتل النَّبِي، فَإِذا قَتله النَّبِي الَّذِي جَاءَ بالتلطف دلّ على أَنه قد بارز بعناد لَا يتلافى، فضوعف عَذَابه. ٢١٥ - / ٢٤٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: ذكر سلى الْجَزُور الَّذِي ألقِي على ظهر رَسُول الله. السلى: هُوَ الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ الْوَلَد إِذا وضع الْجَزُور من الْإِبِل، سمي بذلك للجزر، وَهُوَ الْقطع.

стр. 283

وَقَوله: فانبعث أشقي الْقَوْم وَهُوَ عقبَة بن أبي معيط. والمنعة: الْعِزّ والامتناع من الْعَدو. وَفِي هَذَا الحَدِيث ذكر الْوَلِيد بن عتبَة فِي الْجَمَاعَة الَّذين حَضَرُوا ذَلِك، وَهَذَا غلط فقد روى هَذَا الحَدِيث البرقاني فَقَالَ: السَّابِع عمَارَة ابْن الْوَلِيد، وَهُوَ الصَّحِيح. وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " فَقَالَ فِيهِ: ثمَّ سحبوا إِلَى القليب غير أبي بن خلف أَو أُميَّة، هَكَذَا على الشَّك، وَهُوَ من الرَّاوِي، وَإِنَّمَا هُوَ أُميَّة بِلَا شكّ، فَإِن أبي بن خلف لم يقتل يَوْم بدر، وَإِنَّمَا أسر ففدى نَفسه وَعَاد إِلَى مَكَّة، ثمَّ جَاءَ يَوْم أحد فَقتله رَسُول الله بِيَدِهِ يَوْمئِذٍ. والقليب: الْبِئْر الَّتِي لم تطو، فَإِذا طويت فَهِيَ الطوي. وانزعاج الْقَوْم من دُعَائِهِ عَلَيْهِم دَلِيل على علمهمْ بصدقه، وَإِنَّمَا غلبهم الْهوى والحسد. ٢١٦ - / ٢٤٩ - الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ: دخل النَّبِي يَوْم الْفَتْح وحول الْكَعْبَة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ نصبا، فَجعل يطعنها بِعُود كَانَ فِي يَده وَيَقُول: " جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل ". فِي تَسْمِيَة الْكَعْبَة كعبة قَولَانِ: أَحدهمَا: لِأَنَّهَا مربعة، يُقَال: برد مكعب: إِذا طوي مربعًا،

стр. 284

وَهَذَا مَذْهَب عِكْرِمَة وَمُجاهد. وَالثَّانِي: لعلوها ونتوءها. يُقَال: كعبت الْمَرْأَة كعابة فَهِيَ كاعب: إِذا نتأ ثديها. وَأما النصب فَهُوَ وَاحِد الأنصاب: وَهِي الْأَصْنَام الَّتِي كَانُوا ينصبونها ويعبدونها. وَقَوله: " جَاءَ الْحق " يَعْنِي الْإِسْلَام والتوحيد. " وزهق " أَي بَطل واضمحل " الْبَاطِل " وَهُوَ الشّرك. فَإِن قيل: الشّرك فِي اعْتِقَاد أَهله صَحِيح مَعْمُول عَلَيْهِ عِنْدهم، فَكيف يُقَال: بَطل؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لما أزيلت الْأَصْنَام وَمنع من عبادتها بِمَكَّة بطلت. وَالثَّانِي: أَنه لما وضح عيب الشّرك بِالدَّلِيلِ بَطل حكمه عِنْد المتدبر النَّاظر. وَقَوله: ﴿وَمَا يبدئ الْبَاطِل﴾ [سبأ: ٤٩] قَالَ قَتَادَة: الْبَاطِل: الشَّيْطَان، لَا يخلق خلقا وَلَا يَبْعَثهُ. وَقَالَ الضَّحَّاك: هِيَ الْأَصْنَام، لَا تبدئ خلقا وَلَا تحييه. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي: لَا يَبْتَدِئ الصَّنَم كلَاما وَلَا يرد. ٢١٧ - / ٢٥٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: قَوْله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٧] قَالَ: كَانَ نفر من الْإِنْس يعْبدُونَ نَفرا من الْجِنّ، فَأسلم النَّفر من الْجِنّ، فَاسْتَمْسك

стр. 285

الْآخرُونَ بعبادتهم، فَنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ . الْوَسِيلَة: الْقرْبَة، يُقَال: توسلت إِلَى فلَان: أَي تقربت، وأنشدوا: (إِذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وَعَاد التصافي بَيْننَا والوسائل) و (يدعونَ) بِمَعْنى يعْبدُونَ، وَالْمعْنَى: أَن الَّذين يعبدهم هَؤُلَاءِ يطْلبُونَ التَّقَرُّب إِلَى الله . ٢١٨ - / ٢٥١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: عَلمنِي رَسُول الله التَّشَهُّد: التَّحِيَّات لله، والصلوات والطيبات. فِي التَّحِيَّات ثَلَاثَة أَقْوَال ذكرهَا ابْن الْقَاسِم: أَحدهَا: أَنه السَّلَام، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة﴾ [النِّسَاء: ٨٦] أَي: إِذا سلم عَلَيْكُم. وَالثَّانِي: أَنه الْملك، وَذَلِكَ أَن الْملك كَانَ يحيا فَيُقَال لَهُ: أنعم صباحا أَيهَا الْملك، أَبيت اللَّعْن، قَالَ عَمْرو بن معد يكرب: (أَسِيرهَا إِلَى النُّعْمَان حَتَّى ... أُنِيخ على تحيته بجند)

стр. 286

أَي على ملكه. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا كَانَت التَّحِيَّة الْملك لِأَن الْملك كَانَ يحيا فَيُقَال لَهُ: أنعم صباحا، لَا يُقَال ذَلِك لغيره، ثمَّ سمي الْملك تَحِيَّة إِذْ كَانَت التَّحِيَّة لَا تكون إِلَّا للْملك. وَالثَّالِث: أَن التَّحِيَّات الْبَقَاء، قَالَ زُهَيْر بن جناب: (أبني إِن أهلك فإنني ... قد بنيت لكم بنيه) (وتركتكم أَو لَا سَادَات ... زنادكم وريه) (من كل مَا نَالَ الْفَتى ... قد نلته إِلَّا التحيه) أَي: إِلَّا الْبَقَاء، فَإِنَّهُ لَا ينَال. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا أَرَادَ بِالْبَيْتِ الْملك، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد نلْت كل شَيْء إِلَّا أَنِّي لم أصر ملكا. أما الصَّلَوَات فَهِيَ الرَّحْمَة. والطيبات أَي: والطيبات من الْكَلَام لله، أَي ذَلِك يَلِيق بمجده. وَقَوله: " السَّلَام عَلَيْك " فِي السَّلَام قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه اسْم لله . وَمَعْنَاهُ ذُو السَّلامَة: أَي صَاحبهَا، وَالْمعْنَى: عَلَيْك، أَي على حفظك. وَالثَّانِي: أَنه جمع سَلامَة. وَتشهد ابْن مَسْعُود هَذَا هُوَ اخْتِيَار أَحْمد بن حَنْبَل وَأبي حنيفَة

стр. 287

وَأَصْحَابه، وَأما مَالك فيختار تشهد عمر بن الْخطاب، وَفِيه: التَّحِيَّات لله، الزاكيات لله، الصَّلَوَات لله. وَأما الشَّافِعِي فيختار تشهد ابْن عَبَّاس: " التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات لله " وَسَيَأْتِي فِي أَفْرَاد مُسلم من مُسْند ابْن عَبَّاس. ثمَّ يَقع الِاتِّفَاق فِيمَا بعد هَذِه الْأَلْفَاظ. وَقَوله: ثمَّ يتَخَيَّر من الْمَسْأَلَة مَا شَاءَ. مَحْمُول عندنَا على التخير من الْأَدْعِيَة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن وَفِي الحَدِيث، وَمَتى دَعَا بِكَلَام من عِنْده مثل أَن يَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني جَارِيَة، أَو طَعَاما، فَسدتْ صلَاته، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز أَن يَدْعُو بِمَا شَاءَ. وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث من لَا يرى وجوب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي التَّشَهُّد، فَقَالَ: لما ذكر التَّشَهُّد قَالَ: " ثمَّ يتَخَيَّر من الْمَسْأَلَة " فَدلَّ على أَنه لَا يجب سوى مَا ذكر. وَالْجَوَاب أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي ذَلِك: فَقَالَ الشَّافِعِي: الصَّلَاة عَلَيْهِ بعد التَّشَهُّد وَاجِبَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: سنة. وَعَن أَحْمد كالمذهبين وَوجه الْإِيجَاب أَن الله تَعَالَى أَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَاب: ٥٦] وَلَا خلاف أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ لَا تجب فِي غير الصَّلَاة، وَقد وَقع الِاتِّفَاق على وجوب التَّسْلِيم عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة، فَكَانَت الصَّلَاة وَاجِبَة عَلَيْهِ.

стр. 288

٢١٩ - / ٢٥٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله بمنى انْفَلق الْقَمَر فلقَتَيْنِ. الفلقة: الْقطعَة من الشَّيْء المنشق. قَالَ ابْن عَبَّاس: اجْتمع الْمُشْركُونَ إِلَى رَسُول الله فَقَالُوا: إِن كنت صَادِقا فشق لنا الْقَمَر فلقَتَيْنِ. فَقَالَ: " إِن فعلت ذَلِك تؤمنون؟ " قَالُوا: نعم، فَسَأَلَ ربه، فانشق الْقَمَر فرْقَتَيْن، وَرَسُول الله يُنَادي: " يَا فلَان، يَا فلَان، اشْهَدْ " وَقَالَ مُجَاهِد: ثبتَتْ فرقة وَذَهَبت فرقة من وَرَاء الْجَبَل. وَقَالَ ابْن زيد: كَانَ يرى نصفه على قعيقعان وَالنّصف الآخر على أبي قبيس. قَالَ ابْن مَسْعُود: فَقَالَ قُرَيْش: سحركم ابْن أبي كَبْشَة. فاسألوا السفار فَسَأَلُوهُمْ، فَقَالُوا: نعم، قد رَأَيْنَاهُ، فَنزلت قَوْله: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ [فَاتِحَة الْقَمَر] . وَاعْلَم أَن انْشِقَاق الْقَمَر من الْآيَات الَّتِي فاق بهَا على الْأَنْبِيَاء، فَلَيْسَ لَهُم مثلهَا؛ لِأَنَّهُ أَمر خَارج عَن الْأُمُور الأرضية. وَقد اعْترض قوم فَقَالُوا: كَيفَ نقل هَذَا نقل آحَاد والخلق قد رَأَوْهُ؟ فَالْجَوَاب: إِن هَذَا أَمر طلبه قوم من أهل مَكَّة فَأَرَاهُم تِلْكَ الْآيَة لَيْلًا، وَأكْثر النَّاس نيام وَفِي أسمارهم وأشغالهم، وَإِنَّمَا رَآهُ الْقَلِيل مِمَّن لم يطْلب، وَلَو ظهر لجَمِيع الْخلق ثمَّ لم يُؤمنُوا لبغتوا بِالْعَذَابِ كَمَا جرى للأمم المكذبة بِالْآيَاتِ الحسية، قَالَ : ﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٩] الْمَعْنى: كذبُوا فأهلكوا، وَلَو أرسلناها فَكَذَّبْتُمْ لأهلكتكم.

стр. 289

والإشارات إِلَى الْآيَات الحسية، كناقة صَالح. وَقد روى حَدِيث انْشِقَاق الْقَمَر جمَاعَة من الصَّحَابَة، إِلَّا أَنه فِي الصِّحَاح من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأنس بن مَالك. ٢٢٠ - / ٢٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: إِنَّك لتوعك وعكا شَدِيدا. وَقد فسرناه فِي حَدِيث السَّقِيفَة. وَقد دلّ الحَدِيث على أَن الْقوي يحمل، والضعيف يرفق بِهِ، إِلَّا أَنه كلما قويت الْمعرفَة بالمبتلي هان الْبلَاء الشَّديد، وَمن أهل الْبلَاء من يرى الْأجر فيهون الْبلَاء عَلَيْهِ، وَأَعْلَى مِنْهُ من يرى تصرف المبتلي فِي ملكه، وَأَرْفَع مِنْهُ من تشغله محبَّة الْحق عَن وَقع الْبلَاء، وَنِهَايَة الْمَرَاتِب التَّلَذُّذ بِضَرْب الحبيب، لِأَنَّهُ عَن اخْتِيَاره نَشأ. ٢٢١ - / ٢٥٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: قَالَ ابْن مَسْعُود: إِن الْمُؤمن يرى ذنُوبه كَأَنَّهُ قَاعد تَحت جبل يخَاف أَن يَقع عَلَيْهِ. إِنَّمَا كَانَت هَذِه صفة الْمُؤمن لشدَّة خَوفه من الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ على يَقِين من الذَّنب، وَلَيْسَ على يَقِين من الْمَغْفِرَة، والفاجر قَلِيل الْمعرفَة بِاللَّه، فَلذَلِك قل خَوفه فاستهان بِالْمَعَاصِي. وَالْأَرْض الدوية منسوبة إِلَى الدو: وَهِي الْمَفَازَة القفر الَّتِي تبعد

стр. 290

عَن الْعمرَان، فيخاف على سالكها الْهَلَاك. وَمَا ضرب من الْمثل فِي هَذَا الحَدِيث لفرح الله بِالتَّوْبَةِ يبين أثر الْقبُول، وَلَا يجوز أَن يعْتَقد فِي الله تَعَالَى مَا يعْتَقد فِي المخلوقين من التأثر، فَإِن الله يُؤثر وَلَا يتأثر، وَصِفَاته قديمَة فَلَا تحدث لَهُ صفة. ٢٢٢ - / ٢٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: " لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجل آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق، وَرجل آتَاهُ الله حِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا ". الْحَسَد: هُوَ تمني زَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود وَإِن لم تصر للحاسد، وَسَببه أَنه قد وضع فِي الطباع كَرَاهَة الْمُمَاثلَة وَحب الرّفْعَة على الْجِنْس، فَإِذا رأى الْإِنْسَان من قد نَالَ مَا لم ينل أحب بالطبع أَن يَزُول ذَلِك ليَقَع التَّسَاوِي، أَو ليحصل لَهُ الِارْتفَاع على ذَلِك الشَّخْص. وَهَذَا أَمر مركوز فِي الطباع، وَلَا يسلم مِنْهُ أحد، وَإِنَّمَا المذموم الْعَمَل بِمُقْتَضى ذَلِك من سبّ الْمُنعم عَلَيْهِ، أَو السَّعْي فِي إِزَالَة نعْمَته. ثمَّ يَنْبَغِي للْإنْسَان إِذا وجد الْحَسَد من نَفسه أَن يكره كَون ذَلِك فِيهِ كَمَا يكره مَا وضع فِي طبعه من حب المنهيات، وَقد ذمّ الْحَسَد على الْإِطْلَاق لما ينتجه ويوجبه. فَأَما الحَدِيث فَلهُ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن المُرَاد بِالْحَسَدِ الْغِبْطَة، وَالْغِبْطَة: تمني مثل نعْمَة الْمَحْسُود من غير حب زَوَالهَا عَن المغبوط، وَهَذَا ممدوح. وَلما كَانَ كثير من النَّاس لَا يفرقون بَين الْحَسَد وَالْغِبْطَة سمي هَذَا باسم هَذَا تجوزا.

стр. 291

وَالثَّانِي: أَن المُرَاد بِالْحَسَدِ فِي هَذَا الحَدِيث شدَّة الْحِرْص وَالرَّغْبَة، فكنى بِالْحَسَدِ عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا سَبَب الْحَسَد والداعي إِلَيْهِ، هَذَا مَذْهَب أبي سُلَيْمَان الْخطابِيّ. وَالثَّالِث: أَن المُرَاد بِالْحَدِيثِ نفي الْحَسَد فَحسب، فَقَوله: " لَا حسد " كَلَام تَامّ، وَهُوَ نفي فِي معنى النَّهْي. وَقَوله: " إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ " اسْتثِْنَاء لَيْسَ من الْجِنْس، وَمثله: ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ [اللَّيْل: ١٩، ٢٠] . وَأما الْحِكْمَة فَإِنَّهَا علم مُحكم، وَسميت حِكْمَة من الحكم: وَهُوَ الْمَنْع، فالحكمة تمنع الْحَكِيم من الْجَهْل. وَسميت حِكْمَة الدَّابَّة لِأَنَّهَا تمنعها الْخلاف. وَمعنى: " يقْضِي بهَا " يعْمل وَيَقُول. ٢٢٣ - / ٢٥٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: رخص لنا أَن ننكح الْمَرْأَة بِالثَّوْبِ إِلَى أجل. هَذِه هِيَ الْمُتْعَة، وَقد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند عمر، وَبينا أَنَّهَا نسخت. ٢٢٤ - / ٢٥٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: " إِنَّهَا سَتَكُون بعدِي أَثَرَة ".

стр. 292

الأثرة: الاستئثار، وَهُوَ انْفِرَاد المستأثر بِمَا يستأثر بِهِ عَمَّن لَهُ فِيهِ حق. وَقَوله: " تؤدون الْحق الَّذِي عَلَيْكُم " أَي من طَاعَة الْأُمَرَاء، وَترك الْخُرُوج عَلَيْهِم. ٢٢٥ - / ٢٦٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: " إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك، ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك، ثمَّ يبْعَث الله ملكا بِأَرْبَع كَلِمَات: يكْتب رزقه، وأجله، وَعَمله، وشقي أَو سعيد، ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح. فو الَّذِي لَا إِلَه غَيره، إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع، فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها، وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع، فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها ". هَكَذَا أخرج الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَظَاهر سِيَاقه يدل على أَنه كُله من كَلَام النَّبِي ﷺ ، وَقد أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: من أول الحَدِيث إِلَى قَوْله: " وشقي أَو سعيد " من كَلَام النَّبِي ﷺ وَمَا بعده إِلَى آخر الحَدِيث من كَلَام ابْن مَسْعُود. وَقد رَوَاهُ بِطُولِهِ سَلمَة بن كهيل عَن زيد بن وهب ففصل كَلَام ابْن مَسْعُود من كَلَام النَّبِي ﷺ .

стр. 293

فَأَما تَفْسِيره: فالعلقة: دم عبيط جامد، وَسميت علقَة لرطوبتها وتعلقها بِمَا تمر بِهِ، والمضغة: لحْمَة صَغِيرَة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَسميت بذلك لِأَنَّهَا بِقدر مَا يمضغ، كَمَا يُقَال غرفَة لقدر مَا يغْرف. والْحَدِيث يدل على أَن الْأُمُور مقدرَة. وَقَوله: فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب: يَعْنِي مَا قضي لَهُ. ٢٢٦ - / ٢٦١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: " خير النَّاس قَرْني، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ يَجِيء قوم تسبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه، وَيَمِينه شَهَادَته ". الْقرن: مِقْدَار التَّوَسُّط فِي أَعمار أهل الزَّمَان، فَهُوَ فِي كل قوم على قدر أعمارهم. واشتقاقه من الاقتران، فَهُوَ الْمِقْدَار الَّذِي يقْتَرن فِيهِ بَقَاء أهل ذَلِك الزَّمَان فِي الْأَغْلَب. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَالْمعْنَى: خير النَّاس أهل قَرْني، فَحذف الْمُضَاف. وَقَالَ غَيره: قد يُسمى أهل الْعَصْر قرنا لاقترانهم فِي الْوُجُود. وَقَوله: " يسْبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه " يَعْنِي أَنهم لَا يتورعون فِي أَقْوَالهم، ويستهينون بِالشَّهَادَةِ وَالْيَمِين. ٢٢٧ - / ٢٦٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: قَالَ لي النَّبِي ﷺ : " اقْرَأ عَليّ ". هَذَا الحَدِيث يحث على اسْتِمَاع الْقَارئ الْقُرْآن من غَيره، والمذكر

стр. 294

التَّذْكِير من سواهُ، لِأَنَّهُ حَالَة تِلَاوَته وتذكيره يشْتَغل بإصلاح النُّطْق، فَإِذا سمع من غَيره جمع همه فِي الْإِنْصَات. وَقَوله: فَإِذا عَيناهُ تَذْرِفَانِ. يُقَال: ذرفت الْعين دمعها: إِذا أطلقته، وذرف الدمع يذرف ذروفا، والمذارف: المدامع. وَإِنَّمَا بَكَى ﵇ عِنْد هَذِه الْآيَة: ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا﴾ [النِّسَاء: ٤١] لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من الشَّهَادَة، وَالْحكم على الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِنَّمَا يكون بقول الشَّاهِد، فَلَمَّا كَانَ هُوَ الشَّاهِد، وَهُوَ الشافع بَكَى على المفرطين مِنْهُم. ٢٢٨ - / ٢٦٤ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: سَأَلت رَسُول الله: أَي الذَّنب أعظم؟ فَقَالَ: " أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك ". الند: الْمثل، يُقَال هَذَا ند هَذَا ونديده. وَقَوله: ثمَّ أَي؟ مشدد منون، كَذَلِك سمعته من أبي مُحَمَّد الخشاب، وَقَالَ: لَا يجوز إِلَّا تنوينه، لِأَنَّهُ اسْم مُعرب غير مُضَاف، وَقَالَ: وَمعنى غير مُضَاف: أَن يُقَال: أَي الرجلَيْن؟ وَقَوله: " أَن تقتل ولدك " إِشَارَة إِلَى الموءودة. وَقَوله: " أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك " تُزَانِي: تفَاعل، من الزِّنَا. والحليلة وَاحِدَة الحلائل: وَهن الْأزْوَاج. وَقَالَ الزّجاج: حَلِيلَة يَعْنِي محلّة، وَهِي مُشْتَقَّة من الْحَلَال. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الحليل: الزَّوْج، والحليلة: الْمَرْأَة، وسميا ذَلِك إِمَّا لِأَنَّهُمَا يحلان فِي مَوضِع وَاحِد، أَو لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُحَال صَاحبه:

стр. 295

أَي ينازله، أَو لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَحل إِزَار صَاحبه. قلت: فَلَمَّا كَانَ الشّرك أعظم الذُّنُوب بَدَأَ بِهِ لِأَنَّهُ جحد للتوحيد، ثمَّ ثناه بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ محو للموجد، وَلم يكف كَونه قتلا، حَتَّى جمع بَين وصف الْولادَة وظلم من لَا يعقل وَعلة الْبُخْل، فَلذَلِك خصّه بِالذكر من بَين أَنْوَاع الْقَتْل، ثمَّ ثلث بِالزِّنَا لِأَنَّهُ سَبَب لاختلاط الْفرش والأنساب، وَخص حَلِيلَة الْجَار لِأَن ذَنْب الزِّنَا بهَا يَتَفَاقَم بهتك حُرْمَة الْجَار، وَقد كَانَ الْعَرَب يتشددون فِي حفظ ذمَّة الْجَار، ويتمادحون بِحِفْظ امْرَأَة الْجَار، قَالَ عنترة: (يَا شَاة مَا قنص لمن حلت لَهُ ... حرمت عَليّ وليتها لم تحرم) قَالَ ابْن قُتَيْبَة: عرض بجارته، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَي صيد أَنْت لمن حل لَهُ أَن يصيدك، أما أَنا فَإِن حُرْمَة الْجوَار قد حرمتك عَليّ. وَقَالَ مِسْكين الدَّارمِيّ: (مَا ضرّ لي جَار أجاوره ... أَلا يكون لبابه ستر) (أعمى إِذا مَا جارتي خرجت ... حَتَّى يواري جارتي الْجدر) (وتصم عَمَّا بَينهم أُذُنِي ... حَتَّى يكون كَأَنَّهُ وقر) وَقد اخْتلفت أَحَادِيث الصَّحِيح فِي عدد الْكَبَائِر، فَهِيَ هَاهُنَا ثَلَاث، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي بكرَة ثَلَاث أَيْضا إِلَّا أَنَّهَا تخْتَلف، وَتَأْتِي فِي حَدِيث أنس أَربع، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو إِلَّا أَنَّهَا

стр. 296

تخْتَلف، وَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة سبع، وَوجه هَذَا الِاخْتِلَاف أَن يكون ذكر لكل قوم مَا يقرب من أفعالهم من الذُّنُوب، أَو أَن يكون ذكر الْأُصُول فِي مَوضِع وَزَاد تَفْرِيعا فِي مَوضِع. ٢٢٩ - / ٢٦٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ رجل: يَا رَسُول الله، إِنِّي عَالَجت امْرَأَة. يُشِير بذلك إِلَى اللَّمْس والتقبيل وَنَحْو ذَلِك. وَقَوله: مَا دون أَن أَمسهَا، يَعْنِي بالمس الْوَطْء، فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٧] . وَاخْتلفُوا فِي اسْم هَذَا الرجل على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: عَمْرو بن غزيَّة بن عَمْرو، أَبُو حَيَّة الْأنْصَارِيّ التمار، رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: وَكَانَ يَبِيع التَّمْر، فَأَتَتْهُ امْرَأَة تبْتَاع مِنْهُ فَأَعْجَبتهُ، فَقَالَ لَهَا: إِن فِي الْبَيْت تَمرا أَجود من هَذَا فانطلقي معي حَتَّى أُعْطِيك مِنْهُ، فَنزلت فِيهِ هَذِه الْآيَة. وَالثَّانِي: أَنه أَبُو مقبل عَامر بن قيس الْأنْصَارِيّ، قَالَه مقَاتل. وَالثَّالِث: أَنه أَبُو التيسر كَعْب بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، ذكره أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت. وَهَذَا الرجل لما غَلبه هَوَاهُ انتقم مِنْهُ بِتَسْلِيم نَفسه إِلَى الْعقُوبَة، فَقَالَ: أَنا هَذَا، فَاقْض فِي مَا شِئْت. وَقَول عمر: لقد سترك الله لَو سترت نَفسك، كَلَام عَالم حَازِم،

стр. 297

وَذَلِكَ أَن من أَتَى ذَنبا واستتر بِهِ وَتَابَ، كَانَ ذَلِك أولى من إِظْهَاره لإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يفضح نَفسه بِالْإِقْرَارِ. وَقد نَص على هَذَا أَحْمد ابْن حَنْبَل وَالشَّافِعِيّ، وَيدل على هَذَا تَنْبِيه الرَّسُول ماعزا على الرُّجُوع بقوله: " ارْجع " وَقَوله: " لَعَلَّك قبلت أَو غمزت " وَلَو كَانَ الْإِقْرَار مُسْتَحبا لما لقنه الرُّجُوع عَن الْمُسْتَحبّ. وأوضح من هَذَا فِي الدَّلِيل قَوْله ﵇: " من أَتَى شَيْئا من هَذِه القاذورات فليستتر بستر الله ". فَأَما إِذا كَانَت الجريمة قد شاعت فَفِيهِ وَجْهَان عَن أَصْحَابنَا: أَحدهمَا: أَنه يسْتَحبّ لَهُ أَن يَأْتِي الْحَاكِم ويقر لَهُ ليقيم عَلَيْهِ الْحَد، قَالَه القَاضِي أَبُو يعلى. وَالثَّانِي: أَنه لَا يسْتَحبّ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُسْتَحبا لما لقن النَّبِي ﷺ ماعزا أَن يرجع، قَالَه ابْن عقيل، وَهُوَ الصَّحِيح. وَقَوله: ﴿وأقم الصَّلَاة﴾ [هود: ١١٤] مَعْنَاهُ: أتم ركوعها وسجودها. والطرف: الْجَانِب. قَالَ ثَعْلَب: وَأول النَّهَار عِنْد الْعَرَب طُلُوع الشَّمْس. وَقَالَ ابْن فَارس: النَّهَار ضِيَاء مَا بَين طُلُوع الْفجْر إِلَى غرُوب الشَّمْس. وللمفسرين فِي المُرَاد بِصَلَاة الطّرف الأول قَولَانِ: أَحدهمَا: الْفجْر، قَالَه الْأَكْثَرُونَ. وَالثَّانِي: الظّهْر، حَكَاهُ ابْن جرير.

стр. 298

وَلَهُم فِي الطّرف الثَّانِي ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا صَلَاة الْمغرب، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: الْعَصْر: قَالَه قَتَادَة. وَالثَّالِث: الظّهْر وَالْعصر، قَالَه مُجَاهِد. قَوْله: ﴿وَزلفًا من اللَّيْل﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الزلف السَّاعَات، وَاحِدهَا زلفة: أَي سَاعَة ومنزلة وقربة، وَمِنْه سميت الْمزْدَلِفَة، قَالَ العجاج. (نَاجٍ طواه الأين مِمَّا أوجفا ... ) (طي اللَّيَالِي زلفا فزلفا ... ) (سماوة الْهلَال حَتَّى احقوقفا ... ) وللمفسرين فِي صَلَاة الزلف قَولَانِ: أَحدهمَا الْعشَاء، وَالثَّانِي الْمغرب وَالْعشَاء، وَالْقَوْلَان عَن ابْن عَبَّاس. وَقَوله: ﴿إِن الْحَسَنَات﴾ يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس ﴿يذْهبن السَّيِّئَات﴾ يَعْنِي صغائر الذُّنُوب، ﴿ذَلِك﴾ يَعْنِي إقَام الصَّلَاة. ﴿ذكرى﴾ أَي تَوْبَة لِلذَّاكِرِينَ. قَوْله: فَقَالَ رجل من الْقَوْم: هَذَا لَهُ خَاصَّة؟ اخْتلفُوا فِي هَذَا الرجل السَّائِل على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه عمر بن الْخطاب.

стр. 299

وَالثَّانِي: أَبُو الْيُسْر. وَالثَّالِث: معَاذ بن جبل، ذكر هَذِه الْأَقْوَال أَحْمد ابْن عَليّ بن ثَابت. ٢٣٠ - / ٢٦٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: " لَا يمنعن أحدكُم أَذَان بِلَال من سحوره، فَإِنَّهُ يُؤذن - أَو قَالَ: يُنَادي - بلَيْل، ليرْجع قائمكم، ويوقظ نائمكم ". هَذَا الحَدِيث يدل على جَوَاز الْأَذَان للفجر قبل طلوعه، لِأَن الرَّسُول ﵇ لم يُنكر على بِلَال فعل ذَلِك، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز. وَقَوله: " ليرْجع قائمكم " أَي ليعلمه بِقرب الْفجْر فيجلس للاستغفار، " ويوقظ نائمكم " ليتأهب للصَّلَاة. وَقَوله: " لَيْسَ الْفجْر أَن تَقول هَكَذَا " كَأَنَّهُ وصف الْفجْر الأول فِي قَوْله: " وَلَيْسَ الْفجْر " وَوصف الثَّانِي فِي الْوَصْف الآخر. وَالْفَجْر: انفجار الظلمَة عَن الضَّوْء. والمستطيل: هُوَ الْفجْر الأول يصعد طولا، ثمَّ تَأتي بعده الظلمَة، ثمَّ يظْهر الْفجْر الثَّانِي مُعْتَرضًا فِي ذيل السَّمَاء، فَهُوَ المستطير، والمستطير: الْمُنْتَشِر بِسُرْعَة، يُقَال: استطار الْفجْر: إِذا انْتَشَر وَاعْترض فِي الْأُفق، وَذَلِكَ الَّذِي يمْنَع السّحُور.

стр. 300

٢٣١ - / ٢٦٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ عبد الله: من اشْترى محفلة فَردهَا فليرد مَعهَا صَاعا. المحفلة: الْمُصراة، وَهِي الشَّاة وَالْبَقَرَة أَو النَّاقة يتْرك حلبها أَيَّامًا حَتَّى يجْتَمع اللَّبن فِي ضرْعهَا، فيغتر المُشْتَرِي بِمَا يرَاهُ ويظنه فِي كل يَوْم، فَإِذا اشْتَرَاهَا وحلبها بَان لَهُ التَّدْلِيس، وَسميت محفلة لِأَن اللَّبن حفل فِي ضرْعهَا وَاجْتمعَ، وكل شَيْء كثرته فقد حفلته. واحتفل الْقَوْم: اجْتَمعُوا، ومحفلهم: مجمعهم. وَذكر الصَّاع هَاهُنَا مُجمل. وَفِي رِوَايَة: " من تمر " وسنكشف هَذَا ونشبع الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ هَاهُنَا من قَول ابْن مَسْعُود، وَهُوَ هُنَاكَ مَرْفُوع. وَفِي هَذَا الحَدِيث: نهى رَسُول الله عَن تلقي الْبيُوع. وَهُوَ تلقي الركْبَان، فيشتري مِنْهُم وَلَا يعْرفُونَ سعر الْبَلَد، فيبيعون مغترين، وسنشرح هَذَا فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٢٣٢ - / ٢٦٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: " إِذا كُنْتُم ثَلَاثَة فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَان دون الآخر، فَإِن ذَلِك يحزنهُ ". التناجي: كَلَام فِي سر يكون بَين اثْنَيْنِ وَأكْثر، وَهُوَ من النجوة: وَهِي الْمَكَان الْمُرْتَفع، كَأَن المتناجيين بانفرادهما عَن الْجَمَاعَة البَاقِينَ

стр. 301

ارتفعا عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا يحزنهُ هَذَا لأحد ثَلَاثَة أَشْيَاء: إِمَّا لِأَنَّهُ يرى إكرام المناجى دونه، أَو يخَاف أَن يعاب بِبَعْض فعله، أَو يحذر دسيس غائلة فِي حَقه، وَقد كَانَ بعض عُلَمَاء السّلف يَقُول: هَذَا مَخْصُوص بِالسَّفرِ، والمواضع الَّتِي لَا يَأْمَن فِيهَا الْإِنْسَان على نَفسه، وَهَذَا التَّخْصِيص لَا وَجه لَهُ لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْكَلَام مُطلق. وَالثَّانِي: أَنه لَو كَانَ كَمَا قَالَ لقَالَ: فَإِن ذَلِك يخوفه. فَلَمَّا قَالَ: " يحزنهُ " كَانَ مَا ذكرنَا أليق. وَقَوله: " وَلَا تباشر الْمَرْأَة الْمَرْأَة " كَأَن الْمُبَاشرَة هَاهُنَا مستعارة من التقاء البشرتين للنَّظَر إِلَى الْبشرَة، فتقديره: تنظر إِلَى بَشرَتهَا، وَإِنَّمَا نهى عَن وصفهَا للزَّوْج لِأَن المحاسن إِذا ذكرت أمالت الْقلب إِلَى الْمَوْصُوف، وَكم مِمَّن قد عشق بِالْوَصْفِ. ٢٣٣ - / ٢٧٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: " سباب الْمُسلم فسوق، وقتاله كفر " السباب: السب والشتم، والفسوق: الْخُرُوج عَن طَاعَة الله . وَهَذَا مَحْمُول على من سبّ مُسلما أَو قَاتله من غير تَأْوِيل، فقد قَالَ عمر فِي حَاطِب: دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق، فَلم يُنكر عَلَيْهِ الرَّسُول لتأويله. وَإِذا قَاتل الْمُسلم الْمُسلم من غير تَأْوِيل كَانَ ظَاهر أمره أَنه رَآهُ كَافِرًا، أَو رأى دين الْإِسْلَام بَاطِلا، أَو لَا يرى أَن

стр. 302

الْإِسْلَام قد عصم دَمه، فيكفر باعتقاد ذَلِك. وَيحْتَمل هَذَا الحَدِيث وَمَا فِي مَعْنَاهُ مثل قَوْله: " فقد بَاء بهَا أَحدهمَا "، وَقَوله: " لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض " وَقَوله: " كفر بِاللَّه " انْتِفَاء من نسب، وَإِن دق أَن يكون إِنَّمَا نسب هَذِه الْأَشْيَاء إِلَى الْكفْر لِأَنَّهَا أَفعَال الْكفَّار، وَيكون ذكر ذَلِك على جِهَة التغليط، لَا أَن ذَلِك يخرج عَن الْملَّة. ٢٣٤ - / ٢٧١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: " لَا أحد أغير من الله وَلذَلِك حرم الْفَوَاحِش ". قَالَ الْعلمَاء: كل من غَار من شَيْء اشتدت كراهيته لَهُ، فَلَمَّا حرم الله الْفَوَاحِش وتواعد عَلَيْهَا وَصفه رَسُوله ﵇ بالغيرة. وَأما الْفَوَاحِش فَجمع فَاحِشَة: وَهِي مَا تفاقم قبحه. فَأَما مَا ظهر مِنْهَا: فَمَا أعلن بِهِ، وَمَا بطن: مَا استتر بِهِ. وَقَوله: " وَلَا أحد أحب إِلَيْهِ الْمَدْح من الله " قَالَ ابْن عقيل: قَالَ بعض الْعَامَّة: إِذا كَانَ الله يحب الْمَدْح فَكيف لَا نحبه نَحن؟ وَهَذَا غلط: لن حب الله للمدحة لَيْسَ من جنس مَا يعْمل من حبنا للمدح، وَإِنَّمَا الله سُبْحَانَهُ أحب الطَّاعَات، وَمن جُمْلَتهَا مدحه ليثيب على ذَلِك فينتفع الْمُكَلف، وَلَا ينْتَفع هُوَ بالمدح، وَنحن نحب الْمَدْح لننتفع بِهِ ويرتفع قَدرنَا فِي قَومنَا: قَالَ: " وَلَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله " تَفْسِيره على نَحْو حبه للمدح، لِأَنَّهُ يثب الْمُكَلف بِهِ إِذا اعتذر من الله وَقَامَ بِشَرْط الْعُبُودِيَّة فِي خضوعه.

стр. 303

٢٣٥ - / ٢٧٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ رجل لِابْنِ مَسْعُود: كَيفَ تقْرَأ: ﴿من مَاء غير آسن﴾ [مُحَمَّد: ١٥] . الآسن: الْمُتَغَيّر الرّيح والطعم. قَالَ الرجل: إِنِّي لأقرأ الْمفصل فِي رَكْعَة. اسْم هَذَا الرجل نهيك ابْن سِنَان. والمفصل: قصار السُّور. وَقد قَالُوا إِنَّه من أول الحجرات، غير أَن هَذَا لَا يَقع على مصحف ابْن مَسْعُود؛ فَإِنَّهُ قد ذكر " الدُّخان " فِي الْمفصل. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: سميت مفصلا لقصرها وَكَثْرَة الْفُصُول فِيهَا بسطر (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) . وَقَوله: هَذَا كهذ الشّعْر؟ الهذ: سرعَة الْقطع. يُقَال: سكين هذوذ: قطاع، شبه سرعَة التِّلَاوَة بِسُرْعَة الْقطع. وَقَوله: لَا يُجَاوز تراقيهم. الترقوة: الْعظم المشرف فِي أَعلَى الصَّدْر. وهما ترقوتان، وَالْجمع تراق. وَالْمرَاد: أَن تلاوتهم بِاللِّسَانِ دون اسْتِقْرَار الْإِيمَان والفهم فِي الْقلب. وَقَوله: إِن أفضل الصَّلَاة الرُّكُوع وَالسُّجُود. هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ، فَرَأى بعض الْعلمَاء هَذَا، وَرَأى بَعضهم طول الْقيام أفضل من كَثْرَة الرُّكُوع، وَالسُّجُود، لقَوْل النَّبِي ﷺ وَقد سُئِلَ: أَي الصَّلَاة أفضل؟ فَقَالَ: " أطولها قنوتا ". وَقَالَ بعض الْعلمَاء: طول الْقيام بِاللَّيْلِ أفضل؛ لِأَن الْقلب يَخْلُو للتلاوة، وَكَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود بِالنَّهَارِ أفضل، وَلم ينْقل عَن رَسُول الله فِي

стр. 304

اللَّيْل إِلَّا طول الْقيام. وَقَوله: إِنِّي لأعْلم النَّظَائِر الَّتِي كَانَ رَسُول الله يقرن بَينهُنَّ. النَّظَائِر: المتماثلة فِي الْعدَد، وَأَرَادَ هَاهُنَا المتقاربة، لِأَن (حم الدُّخان) سِتُّونَ إِلَّا آيَة، و (عَم يتساءلون) أَرْبَعُونَ. والسور الَّتِي لَهَا نَظَائِر فِي الْعدَد كَثِيرَة، إِلَّا أَن فِي الْمفصل " الحجرات " ثَمَانِي عشرَة آيَة، وَمثلهَا " التغابن " " الْحَدِيد " تسع وَعِشْرُونَ، وَمثلهَا " التكوير ". " المجادلة " اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ، وَمثلهَا " البروج ". " الْجُمُعَة " إِحْدَى عشرَة آيَة، وَمثلهَا " المُنَافِقُونَ "، " وَالضُّحَى ". " وَالْعَادِيات "، و " القارعة " و " الطَّلَاق " اثْنَتَا عشرَة آيَة، وَمثلهَا التَّحْرِيم. " الْملك " ثَلَاثُونَ آيَة، وَمثلهَا " الْفجْر ". " ن " خَمْسُونَ آيَة وآيتان، وَمثلهَا " الحاقة ". " نوح " عشرُون وثمان آيَات، وَمثلهَا " الْجِنّ ". " المزمل " عشرُون، وَمثلهَا " الْبَلَد ". " الْقِيَامَة " أَرْبَعُونَ، وَمثلهَا " التساؤل ". " الانفطار " تسع عشرَة، وَمثلهَا " الْأَعْلَى " و " العلق ". " الإنشراح " ثَمَانِي آيَات، وَمثلهَا " التِّين " و " لم يكن " و " الزلزلة " و " التكاثر ". " الْقدر " خمس آيَات، وَمثلهَا " الْفِيل " و " تبت " و " الفلق ". " الْعَصْر " ثَلَاث آيَات، وَمثلهَا " الْكَوْثَر " و " النَّصْر ". " قُرَيْش " أَربع آيَات، وَمثلهَا " الْإِخْلَاص ". " الْكَافِرُونَ " سِتّ آيَات، وَمثلهَا " النَّاس ". ٢٣٦ - / ٢٧٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: لَو أعلم أَن أحدا أعلم مني لرحلت إِلَيْهِ.

стр. 305

قد ذكرنَا فِي مُسْند سعد أَن الْإِنْسَان إِذا اضْطر إِظْهَار فَضله جَازَ لَهُ ذَلِك، وَلَوْلَا أَن ابْن مَسْعُود ألجئ إِلَى هَذَا بتركهم قِرَاءَته لما قَالَ ذَلِك. ٢٣٧ - / ٢٧٤ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: " بئْسَمَا لأَحَدهم أَن يَقُول: نسيت آيَة كَيْت وَكَيْت، بل هُوَ نسي ". قَوْله: " بئْسَمَا لأَحَدهم أَن يَقُول نسيت " فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا أَن يكون هَذَا خَاصّا فِي زمن النَّبِي ﷺ ، فَتكون الْإِشَارَة إِلَى مَا رفع لَفظه فينساه الْإِنْسَان، أَي يرفع من صَدره، فنهاهم عَن ذَلِك القَوْل لِئَلَّا يتوهمون فِي مُحكم الْقُرْآن أَنه قد ضَاعَ، وَأخْبرهمْ أَن مَا يكون من رَفعه لحكمة يعلمهَا الله تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَن يكون عَاما، وَيكون الْمَعْنى: إِنَّمَا نسي لذنب ارْتَكَبهُ، وَرُبمَا كَانَ ذَلِك الذَّنب ترك تعهده لِلْقُرْآنِ. وَقَوله: " كَيْت وَكَيْت " هِيَ كلمة يعبر بهَا عَن الْجمل الْكَثِيرَة والْحَدِيث الطَّوِيل، وَمثلهَا ذيت وذيت. وَقَالَ ثَعْلَب: كَانَ من الْأَمر كَيْت وَكَيْت، وَكَانَ من فلَان ذيت وذيت، فكيت كِنَايَة عَن الْأَفْعَال، وذيت إِخْبَار عَن الْأَسْمَاء وكناية عَنْهَا. وَقَوله: استذكروا الْقُرْآن تحريض على تِلَاوَته لِئَلَّا ينسى. والتفصي: الِانْفِصَال: يُقَال: تفصي فلَان من كَذَا: إِذا انْفَصل عَنهُ. وَالنعَم: الْإِبِل. وَقَوله: " من عقله " هَكَذَا ضَبطه لنا أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد بِضَم الْقَاف. وَالْعقل جمع عقال.

стр. 306

٢٣٨ - / ٢٧٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: ذكر عِنْد رَسُول الله رجل نَام لَيْلَة حَتَّى أصبح، فَقَالَ: " ذَلِك رجل بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنَيْهِ - أَو قَالَ: فِي أُذُنه ". فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يحمل على ظَاهره، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن أَن الشَّيْطَان ينْكح، قَالَ تَعَالَى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ [الرَّحْمَن: ٥٦] وَقَالَ: ﴿أفتتخذونه وَذريته﴾ [الْكَهْف: ٥٠] وَجَاء فِي الحَدِيث أَنه يَأْكُل وَيشْرب، فَلَا يمْتَنع أَن يكون لَهُ بَوْل وَإِن لم يكن على مَا يظْهر للحس. وَالثَّانِي: أَنه مثل مَضْرُوب، شبه هَذَا الغافل عَن الصَّلَاة لتثاقله فِي نَومه بِمن وَقع الْبَوْل فِي أُذُنه فثقل سَمعه وَفَسَد حسه، وَالْعرب تضرب الْمثل بِمثل هَذَا، قَالَ الراجز: (بَال سُهَيْل فِي الفضيخ ففسد ... ) (وطاب ألبان اللقَاح وَبرد ... ) وَأَرَادَ: طلع سُهَيْل، فَجعل طلوعه فِي إِفْسَاد الفضيخ بِمَنْزِلَة الْبَوْل فِيهِ. ٢٣٩ - / ٢٧٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين -: " أَنا فَرَطكُمْ على الْحَوْض ". الفرط والفارط: الْمُتَقَدّم فِي طلب المَاء، يُقَال: فرطت الْقَوْم

стр. 307

أفرطهم: إِذا تقدمتهم لترتاد المَاء. قَالَ الشَّاعِر: (فأثار فارطهم غطاطا جثما ... أصواته كتراطن الْفرس) وَالْمعْنَى إِنَّه لم يجد فِي الرَّكية مَاء. وَقَالَ الْقطَامِي: (فاستعجلونا وَكَانُوا من صحابتنا ... كَمَا تعجل فراط لوراد) وَقَوله: " اختلجوا دوني " أَي اجتذبوا واقتطعوا، يُقَال: خلجت الشَّيْء: إِذا نَزَعته. وَالظَّاهِر أَنه حدث بهؤلاء النِّفَاق فِي زَمَانه وَالْكفْر بعده. وَقَالَ أَبُو بكر بن مقسم. هَؤُلَاءِ - وَالله أعلم - الَّذِي وفدوا عَلَيْهِ من بني حنيفَة، ورآهم وعرفهم، ثمَّ ارْتَدُّوا مَعَ مُسَيْلمَة وماتوا كفَّارًا، فَأَما أَصْحَاب رَسُول الله فَإِنَّهُ لم يمت أحد مِنْهُم كَافِرًا. فَإِن قيل: السِّرّ فِي وجود الْحَوْض؟ فَالْجَوَاب: شدَّة الْعَطش والعرق يَوْمئِذٍ، لِأَن الشَّمْس تدنى من رُؤُوس الْخَلَائق، فيشتد الْعَطش والعرق، فَجعل لَهُ الْحَوْض على عَادَة الْعَرَب فِي جعل الأحواض للواردين عَلَيْهَا كالضيافة. ٢٤٠ - / ٢٧٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: أنؤاخذ بِمَا عَملنَا فِي الْجَاهِلِيَّة؟ فَقَالَ: " من أحسن فِي الْإِسْلَام لم يُؤَاخذ بِمَا عمل فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمن أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام أَخذ بِالْأولِ وَالْآخر ".

стр. 308

هَذَا الحَدِيث مَحْمُول على أحد وَجْهَيْن: إِمَّا أَن تحمل هَذِه الْأَشْيَاء على الشّرك فَإِنَّهُ إِذا أشرك بعد إِسْلَامه عَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الْإِسْلَام، فانخرط الحكم فِي سلك وَاحِد. وَالثَّانِي: أَنه إِذا جنى فِي الْإِسْلَام كَمَا كَانَ يجني فِي الْكفْر وبخ فِي الْإِسْلَام وعير بذلك، وَقيل لَهُ: هَذَا الَّذِي كنت تَفْعَلهُ فِي كفرك، فَهَلا مَنعك مِنْهُ الْإِسْلَام؟ فَيكون معنى الْمُؤَاخَذَة بِمَا سبق بالتعيير. ٢٤١ - / ٢٧٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله يَتَخَوَّلنَا بِالْمَوْعِظَةِ. قَالَ أَبُو عبيد: يَتَخَوَّلنَا: يتعهدنا، والخائل: المتعهد للشَّيْء والمصلح لَهُ والقائم بِهِ، والتخون مثل التخول. وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: إِنَّمَا هُوَ يتحولهم بِالْحَاء: أَي ينظر حالاتهم الَّتِي ينشطون فِيهَا للموعظة وَالذكر فيعظم فِيهَا، وَلَا يكثر عَلَيْهِم فيملوا. ٢٤٢ - / ٢٧٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: أَنه لما كَانَ يَوْم حنين آثر النَّبِي ﷺ نَاسا فِي الْقِسْمَة، فَقَالَ رجل: وَالله إِن هَذِه لقسمة مَا عدل فِيهَا. كَانَ رَسُول الله ﷺ قد آثر جمَاعَة من الْمُؤَلّفَة يَوْم حنين، وَمَا عرفنَا أَن أحدا قَالَ عَن رَسُول الله إِنَّه مَا عدل سوى ذِي الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي.

стр. 309

وَقَوله: فَتغير وَجهه حَتَّى كَانَ كالصرف. الصّرْف: صبغ يصْبغ بِهِ الْأَدِيم. فَأَما قَوْله لَا جرم، فَقَالَ الْفراء: هِيَ كلمة كَانَت فِي الأَصْل بِمَنْزِلَة لابد، وَلَا محَالة، فَكثر استعمالهم لَهَا حَتَّى صَارَت بِمَنْزِلَة حَقًا، وَأَصله من: جرمت: أَي كسبت. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَمن الْعَرَب من يُغير لفظ جرم مَعَ لَا خَاصَّة، فَيَقُول بَعضهم: لَا جرم، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الرَّاء، وَيَقُول آخَرُونَ: لَا جر بِحَذْف الْمِيم، وَيُقَال: لاذا جرم ولاذا جر بِغَيْر مِيم، وَلَا أَن ذَا جرم، وَلَا عَن ذَا جرم، وَمعنى اللُّغَات كلهَا: حَقًا. ٢٤٣ - / ٢٨٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: " الْمَرْء مَعَ من أحب ". هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ أَبُو وَائِل عَن ابْن مَسْعُود وَعَن أبي مُوسَى، وَيَقُول فِي الرِّوَايَتَيْنِ: حَدثنَا عبد الله، وَلَا يدْرِي من مِنْهُمَا. وَقد رُوِيَ مشروحا من حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال قَالَ: بَيْنَمَا نَحن فِي مسير، إِذْ نَادَى أَعْرَابِي رَسُول الله بِصَوْت لَهُ جَهورِي: يَا مُحَمَّد، فَأَجَابَهُ نَحْو ذَلِك: " هاؤم " قُلْنَا: وَيحك، أَو وَيلك، اغضض من صَوْتك؛ فَإنَّك قد نهيت عَن ذَلِك، فَقَالَ: وَالله لَا أغضض من صوتي، قَالَ: أَرَأَيْت رجلا أحب قوما وَلما يلْحق بهم. قَالَ: " الْمَرْء

стр. 310

مَعَ من أحب ". قَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون رفع النَّبِي ﷺ صَوته فِي جَوَاب الْأَعرَابِي، وَقَوله: " هاؤم " يمد بهَا صَوته من نَاحيَة الشَّفَقَة عَلَيْهِ لِئَلَّا يحبط عمله، لما جَاءَ من الْوَعيد فِي قَوْله: ﴿لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي﴾ [الحجرات: ٢] فعذره رَسُول الله لجهله، وَرفع صَوته حَتَّى كَانَ فَوق صَوته أَو مثله لشفقته على أمته. وَفِي هَذَا دلَالَة على احْتِمَال دَالَّة التلامذة، وَالصَّبْر على أذاهم، لما يُرْجَى من عاقبه النَّفْع لَهُم. فَإِن قَالَ قَائِل: فالرافضة يحبونَ عليا ﵇، فَهَل هم مَعَه؟ فَالْجَوَاب: لَا، لِأَن محبَّة الصَّحَابَة شَرْعِيَّة، فَيَنْبَغِي أَن تكون على وَجه يَأْذَن الشَّرْع فِيهِ، وَمن ضروراتها اتِّبَاع المحبوب، وَعلي ﵇ لَا يرضى بِالْبَرَاءَةِ من أبي بكر وَعمر ﵉. وَالْمعْنَى: هاؤم، خُذُوا جوابي. ٢٤٤ - / ٢٨٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: " لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة ". الْغدر: نقض الْعَهْد. وَالْمرَاد من الحَدِيث: أَنه يشهر أَمر الغادر لِلْخلقِ، وينادى عَلَيْهِ بغدره، فينصب لَهُ لِوَاء للتعريف. ٢٤٥ - / ٢٨٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: " إِن الصدْق يهدي إِلَى الْبر ".

стр. 311

الْبر: الطَّاعَة، والفجور: الْمعْصِيَة. وَالصديق: الْكثير الصدْق، وَهُوَ " فعيل " من أبنية الْمُبَالغَة، كَمَا يُقَال سكيت وسكير وشريب وخمير وضليل وظليم وفسيق وعشيق: إِذا كثر ذَلِك مِنْهُ، وَفِي هَذَا الحَدِيث: " أَلا أنبئكم مَا العضه " والعضه: النميمة. ٢٤٦ - / ٢٨٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ: " من حلف على مَال امْرِئ مُسلم بِغَيْر حَقه لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان " فَقَالَ الْأَشْعَث بَين قيس: كَانَ بيني وَبَين رجل خُصُومَة، فَقَالَ رَسُول الله: " من حلف على يَمِين صَبر يقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم، هُوَ فِيهَا فَاجر، لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان ". هَذَا الحَدِيث ذكره الْأَشْعَث تَصْدِيقًا لحَدِيث ابْن مَسْعُود، وَلَيْسَ للأشعث فِي الصَّحِيحَيْنِ سواهُ. وَاسم الرجل الَّذِي خَاصم الْأَشْعَث الجفشيش، يُقَال بِالْجِيم وَبِالْحَاءِ وبالخاء. وَقَوله: " على يَمِين صَبر " فِي مَعْنَاهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن يصبر نَفسه: أَي يحبسها على الْيَمين الكاذبة غير مبال بهَا. وَالثَّانِي: أَن يكون معنى الصَّبْر الجرأة، من قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا أصبرهم على النَّار﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٥] أَي يجترئ بِتِلْكَ الْيَمين على هتك دينه.

стр. 312

٢٤٧ - / ٢٨٩ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: سَمِعت رجلا يقْرَأ آيَة سَمِعت النَّبِي ﷺ يقْرَأ خلَافهَا، فَأخذت بِيَدِهِ فَانْطَلَقت بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: " كلاكما محسن، لَا تختلفوا، فَإِن من كَانَ قبلكُمْ اخْتلفُوا فهلكوا ". قد ذكرنَا فِي مُسْند عمر نَحْو هَذَا الحَدِيث وبيناه، وَوجه الْهَلَاك فِي الِاخْتِلَاف. أَن هَذَا يكفر بِمَا يقْرَأ هَذَا وَيَزْعُم أَنه لَيْسَ من كَلَام الله. فَأَما الِاخْتِلَاف فِي حركات الْحُرُوف المنقولة عَن الْقُرَّاء فَإِنَّهُ لَا يضرّهُ. ٢٤٨ - / ٢٩١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قَالَ عبد الله: وَأحسن الْهَدْي هدي مُحَمَّد. الْهَدْي: الطَّرِيقَة. والمحدث والمبتدع فِي الشَّرْع إِنَّمَا يَقع ذمهما إِذا صادما مَشْرُوعا يردهُ. وَقَوله: " وَمَا أَنْتُم بمعجزين ": أَي إِنَّكُم لَا تفوقونا إِذا أردنَا تعذيبكم. ٢٤٩ - / ٢٩٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: عَن عبد الله: ﴿لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ [النَّجْم: ١٨] قَالَ: رأى رفرفا أَخْضَر سد أفق السَّمَاء. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الرفرف: بِسَاط، وَيُقَال: فرَاش، وَبَعْضهمْ يَجعله جمعا، واحدته رفرفة، ويحتج بقوله: تَعَالَى: ﴿متكئين على رَفْرَف خضر﴾ [الرَّحْمَن: ٧٦] . وَيُقَال: الرفرف: ضرب من الثِّيَاب، قَالَ ابْن

стр. 313

مَسْعُود: رأى رَسُول الله جِبْرِيل فِي حلتي رَفْرَف. ٢٥٠ - / ٢٩٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " حَيّ على الطّهُور " أَي أَقبلُوا إِلَيْهِ. ٢٥١ - / ٢٩٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَتَى النَّبِي ﷺ الْغَائِط. الْغَائِط فِي اللُّغَة: الْمَكَان المطمئن من الأَرْض، فكنى عَن الْحَدث بمكانه، كَمَا سموا الْحَدث عذرة، وَإِنَّمَا الْعذرَة فنَاء الْبَيْت، فسموا مَا كَانُوا يلقونه بأفنية الْبيُوت باسم الْمَكَان، وَقَالُوا للمزادة راوية، وَإِنَّمَا الراوية الْبَعِير الَّذِي يَسْتَقِي عَلَيْهِ. وَقَالُوا للنِّسَاء ظعائن، وَإِنَّمَا الظعائن الهوادج وَكن يكن فِيهَا. وَقَوله فِي الروثة: " هَذِه ركس ": مَا كَانَ منقلبا على الْجِهَة المحمودة. والارتكاس: الانقلاب عَن الصَّوَاب، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله أركسهم بِمَا كسبوا﴾ [النِّسَاء: ٨٨] قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: ركست الشَّيْء وأركسته، لُغَتَانِ، وَالْمعْنَى نكسهم وردهم فِي كفرهم، وَكَأن الْمَعْنى: هَذِه رَاجِعَة عَن الْحَالة الأولى. ٢٥٢ - / ٢٩٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: قَالَ ابْن مَسْعُود فِي " بني إِسْرَائِيل " و " الْكَهْف " و " مَرْيَم " و " طه "، و " الْأَنْبِيَاء ": إنَّهُنَّ من الْعتاق الأول، وَهن من تلادي.

стр. 314

قَوْله من الْعتاق: يَعْنِي أَن نزولهن مُتَقَدم. وَهن من تلادي: أَي مِمَّا حفظته قَدِيما. والتليد والتالد ضد الطريف، فالتليد: الْقَدِيم، والطريف: المستحدث. ٢٥٣ - / ٣٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: قَالَ أَبُو جهل: هَل أعمد من رجل قَتَلْتُمُوهُ. قَالَ أَبُو عبيد: الْمَعْنى: هَل زَاد على سيد قَتله قومه، هَل كَانَ إِلَّا هَذَا؟ وَأَرَادَ أَن هَذَا لَيْسَ بِعَارٍ. فَكَأَنَّهُ يهون على نَفسه مَا جرى عَلَيْهِ. قَالَ الْخطابِيّ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد: هَل أبعد، وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب أعمد. ٢٥٤ - / ٣٠١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: " الْجنَّة أقرب إِلَى أحدكُم من شِرَاك نَعله، وَالنَّار مثل ذَلِك ". يَعْنِي أَن نيل الْجنَّة سهل، وَذَلِكَ بتصحيح العقد، وَتمكن الطَّاعَة، وَالنَّار قريبَة بموافقة الْهوى وعصيان الْخَالِق. ٢٥٥ - / ٣٠٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: " لَا يَقُولَن أحدكُم إِنِّي خير من يُونُس بن مَتى ". يُونُس: اسْم أعجمي، وَفِيه سِتّ لُغَات: يُونُس من غير همز مَعَ

стр. 315

كسر النُّون وَفتحهَا وَضمّهَا، ومهموز مَعَ الْكسر وَالْفَتْح وَالضَّم. وَقَوله: " لَا يَقُولَن أحدكُم إِنِّي خير " يَعْنِي نَفسه، وَتَقْدِيره: لَا تَقولُوا عني إِنِّي خير من يُونُس. وَقَوله: " مَا يَنْبَغِي لأحد أَن يكون خيرا " أَي مَا يَنْبَغِي لي أَن أَقُول إِنِّي خير، والخيرية هَاهُنَا الْقُوَّة فِي الصَّبْر على تَبْلِيغ الرسَالَة كَقَوْلِه: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ [الدُّخان: ٣٧] أَي: أقوى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لي أَن أَقُول إِنِّي أقوى من يُونُس فِي التَّبْلِيغ، فَرُبمَا يكون قد عانى من الشدائد مَا لم أَعَانَهُ، وفضيلتي الَّتِي نلتها كَرَامَة من الله لَا من قبل نَفسِي، وَلَا بلغتهَا بقوتي، فَلَيْسَ لي أَن أفتخر بهَا، وَإِنَّمَا يجب عَليّ أَن أشكر رَبِّي عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا خص يُونُس لما ذكر عَنهُ من قلَّة الصَّبْر. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا قَالَ هَذَا تواضعا، كَقَوْل أبي بكر: وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ. قَالَ: وَالْمعْنَى لَعَلَّ يُونُس كَانَ أَكثر عملا فِي الْبلوى وَالصَّبْر مني. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: يجوز أَن يُرِيد بِهِ من سواهُ من النَّاس دون نَفسه. قلت: وَهَذَا غلط، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ إِلَّا الْأَنْبِيَاء، لِأَنَّهُ لَيْسَ لغير الْأَنْبِيَاء أَن يَظُنُّوا قربهم من دَرَجَات الْأَنْبِيَاء، وعَلى هَذَا يحمل لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " قَالَ - يَعْنِي الله : لَا يَنْبَغِي لعبد لي أَن يَقُول: أَنا خير من يُونُس بن مَتى ". ٢٥٦ - / ٣٠٣ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: أَنه قَرَأَ (هئت لَك)

стр. 316

[يُوسُف: ٢٧] بِكَسْر الْهَاء، وَقَرَأَ (بل عجبت) بِفَتْح التَّاء [الصافات: ١٢] . أما هيت فَفِيهَا قراءات (هئت) بِكَسْر الْهَاء وَفتح التَّاء كَمَا ذكرنَا عَن ابْن مَسْعُود، وَهِي قِرَاءَة نَافِع، وَابْن عَامر و (هيت) بِفَتْح الْهَاء وتسكين الْيَاء وَضم التَّاء وَهِي قِرَاءَة ابْن كثير. (وهئت) بِكَسْر الْهَاء وَضم التَّاء من الْهَيْئَة، كَأَنَّهَا قَالَت: تهيأت لَك. و (هيت) بِفَتْح الْهَاء وَكسر التَّاء قَرَأَهَا ابْن مُحَيْصِن. و (هئت) بِكَسْر الْهَاء وَالتَّاء مَعَ الْهمزَة قَرَأَهَا أَبُو الْعَالِيَة، و (هيئت) قِرَاءَة أبي السميفع. و (هَا أَنا لَك) قَرَأَهَا أبي بن كَعْب، و (هيت) بِفَتْح الْهَاء وَالتَّاء من غير همز وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَهِي أَجود اللُّغَات، وَمَعْنَاهَا: هَلُمَّ لَك، أَي أقبل على مَا أَدْعُوك إِلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِر: (أبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ ... أَخا الْعرَاق إِذا أتيتا) (إِن الْعرَاق وَأَهله ... عنق إِلَيْك فهيت هيتا) أَي أقبل وتعال. فَأَما قَوْله: (بل عجبت) فَقَرَأَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود - بِفَتْح التَّاء، وَالْمعْنَى: بل عجبت يَا مُحَمَّد مِنْهُم إِذْ كفرُوا ويسخرون هم مِنْك.

стр. 317

وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِضَم التَّاء. وأنكرها شُرَيْح القَاضِي وَقَالَ: إِن الله لَا يعجب، إِنَّمَا يعجب من لَا يعلم. قَالَ الزّجاج: إنكارها خطأ، لِأَن الْعجب من الله تَعَالَى خلاف الْعجب من الْآدَمِيّين، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ويمكر الله﴾ [الْأَنْفَال: ٣٠] ﴿سخر الله مِنْهُم﴾ [التَّوْبَة: ٧٩] . وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهَا: جازيتهم على عجبهم من الْحق، فَسمى الْجَزَاء على الشَّيْء باسم الشَّيْء، وَالْعرب تسمى الْفِعْل باسم الْفِعْل إِذا داناه من بعض وجوهه. قَالَ عدي: (ثمَّ أضحوا لعب الدَّهْر بهم ... ٠٠٠٠٠٠٠٠٠) فَجعل إهلاك الدَّهْر لَهُم لعبا. ٢٥٧ - / ٣٠٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: لقد أَتَانِي الْيَوْم رجل فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا مُؤديا. يُقَال فِي الرجل إِذا كَانَ كَامِل الأداة: هَذَا مؤد بِالْهَمْز، وَلَا بُد من الْهَمْز، إِذْ لولاه لَكَانَ من أودى: إِذا هلك. وَقَوله: لَا نحصيها: أَي لَا نطيقها، من قَوْله تَعَالَى: ﴿علم أَن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠] أَي لن تُطِيقُوا قيام اللَّيْل. وغبر يصلح للماضي وَالْبَاقِي، وَهُوَ بالماضي هَاهُنَا أشبه،

стр. 318

لقَوْله: مَا أذكر. والثغب: المَاء المستنقع فِي الْموضع المطمئن، وَالْجمع ثغاب. ٢٥٨ - / ٣٠٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: خطّ رَسُول الله خطا مربعًا، وَخط خطا فِي الْوسط خَارِجا مِنْهُ، وَخط خططا صغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوسط من جَانِبه الَّذِي فِي الْوسط، فَقَالَ: " هَذَا الْإِنْسَان، وَهَذَا أَجله محيطا بِهِ - أَو قد أحَاط بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارج أمله، وَهَذِه الخطط الصغار الْأَعْرَاض، فَإِن أخطأه هَذَا نهشه هَذَا، وَإِن أخطأه هَذَا نهشه هَذَا " هَذَا تَمْثِيل مَا فِي الحَدِيث على هَذِه الْهَيْئَة: والأمثال حِكْمَة الْعَرَب، بهَا ينْكَشف الشَّيْء الْخَفي، فَأخْبر ﷺ أَن أمل الْآدَمِيّ بَين يَدَيْهِ، وعينه إِلَى الأمل، وَالْأَجَل مُحِيط بِهِ، وَقد ألهاه أمله عَن أَجله. ٢٥٩ - / ٣٠٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: أَن أَبَا مُوسَى قَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء مَا دَامَ هَذَا الحبر فِيكُم، يَعْنِي ابْن مَسْعُود. الحبر وَاحِد الْأَحْبَار، وهم الْعلمَاء، وَفِيه لُغَتَانِ: حبر وَحبر،

стр. 319

وَقَالَ الْفراء: أَكثر مَا سَمِعت الْعَرَب تَقوله بِالْكَسْرِ. وَفِي اشتقاق هَذَا الِاسْم ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه من الحبار وَهُوَ الْأَثر الْحسن، قَالَه الْخَلِيل. وَالثَّانِي: من الحبر الَّذِي يكْتب بِهِ، قَالَه الْكسَائي. وَالثَّالِث: من الحبر الَّذِي هُوَ الْجمال والبهاء، كَقَوْلِه ﵇: " يخرج من النَّار رجل قد ذهب حبره وسبره ". أَي جماله وبهاؤه، فالعالم بهي: بِجَمَال الْعلم، وَهَذَا قَول قطرب. ٢٦٠ - / ٣٠٨ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: إِن أهل الْإِسْلَام لَا يسيبون. هَذَا مَا ذكره البُخَارِيّ من هَذَا الحَدِيث، والْحَدِيث: أَن رجلا جَاءَ إِلَى ابْن مَسْعُود فَقَالَ: إِنِّي أعتقت عبدا لي وَجَعَلته سائبه، فَمَاتَ وَترك مَالا وَلم يتْرك وَارِثا. قَالَ عبد الله: إِن أهل الْإِسْلَام لَا يسيبون، وَأَنت ولي نعْمَته فلك مِيرَاثه، فَإِن تَأَثَّمت وتحرجت فَنحْن نقبله ونجعله فِي بَيت المَال. اعْلَم أَن الْعَرَب كَانَت تنذر فِي مرض أَو سفر: إِن شفيت، إِن قدمت فناقتي سائبة، فتسيب وَلَا تمنع من مرعى وَلَا تطرد عَن مَاء وَلَا ينْتَفع بهَا، وَكَذَلِكَ عتق العَبْد سائبة: أَي لَا ملك لي عَلَيْهِ وَلَا وَلَاء. وَأَصله من يسييب الدَّوَابّ: وَهُوَ إرسالها. وَكَانَ أول من سنّ لَهُم

стр. 320

هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة ابْن لحي، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فَأبْطل ذَلِك. فَبَان من هَذَا أَن السائبة العَبْد يعْتق وَلَا يكون وَلَاؤُه لمعتقه، وَيَضَع العَبْد مَاله حَيْثُ شَاءَ. وَمِمَّنْ أعتق سائبة أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي، وَأوصى بِمَالِه كُله، فَقيل لَهُ: فَأَيْنَ مواليك؟ فَقَالَ: كنت مَمْلُوكا لأعرابية، فَدخلت الْمَسْجِد مَعهَا، فَوَافَقنَا الإِمَام على الْمِنْبَر فقبضت على يَدي فَقَالَت: اللَّهُمَّ اذخره عنْدك ذخيرة، اشْهَدُوا يَا أهل الْمَسْجِد أَنه سائبة لله، ثمَّ ذهبت فَمَا تراءينا بعد. وَولي النِّعْمَة الْمُعْتق. وَقَوله: فَإِن تَأَثَّمت أَو تحرجت: أَي خفت الْإِثْم والحرج. وَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن مَسْعُود من إبِْطَال حكم السائبة الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة وَأَن الْوَلَاء لمن أعتق وَأَن الْمُعْتق سائبة يَرث مُعْتقه مَذْهَب الْأَكْثَرين، مِنْهُم، أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَيتَخَرَّج فِي مَذْهَبنَا رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَنه يَرِثهُ كَقَوْل الْجَمَاعَة، وَالثَّانيَِة: يصرف وَلَاؤُه فِي رِقَاب يشْتَرونَ فيعتقون. ٢٦١ - / ٣٠٩ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: اخْتلفُوا فِي شَأْن سبيعة بنت الْحَارِث. كَانَت سبيعة قد مَاتَ زَوجهَا وَهِي حَامِل، فَلَمَّا وضعت أَرَادَت أَن تتَزَوَّج، فَقَالَ لَهَا بعض الصَّحَابَة: امكثي أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، أخذا بقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٤] فَأَتَت رَسُول الله، فَأجَاز لَهَا النِّكَاح لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ [الطَّلَاق: ٤] فَهَذِهِ الْآيَة
следующие страницы →