Полный текст (2 175 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فَأَما المروحة الَّتِي يتروح بهَا فمكسورة الْمِيم.
وَقَوله: فاذروه فِي اليم. أَي انسفوه فِي الْبَحْر. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: واليم: الْبَحْر، بالسُّرْيَانيَّة.
٣٣٤ - / ٣٩٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: كَانَ النَّاس يسْأَلُون رَسُول الله عَن الْخَيْر وأسأله عَن الشَّرّ مَخَافَة أَن يدركني.
أما سُؤَاله عَن الشَّرّ فليجتنبه، قَالَ الشَّاعِر:
(عرفت الشَّرّ لَا للشر لَكِن لتوقيه ... )
(وَمن لَا يعرف الشَّرّ من النَّاس يَقع فِيهِ ... )
والدخن: الكدر وَالْمَكْرُوه. وأصل الدخن فِي الألوان كدورة إِلَى سَواد. قَالَ أَبُو عبيد: وَلَا أَحْسبهُ أَخذ إِلَّا من الدُّخان، وَهُوَ شَبيه بلون الْحَدِيد.
وَوجه الحَدِيث أَن الْقُلُوب لَا يصفو بَعْضهَا لبَعض.
وَقَوله: من جلدتنا أَي من أَنْفُسنَا وقومنا، يَعْنِي الْعَرَب.
فَأمره بالعزلة عِنْد ظُهُور الْآفَات. وَقَوله: " وَلَو أَن تعض بِأَصْل شَجَرَة " أَشَارَ إِلَى الْعُزْلَة، لِأَن الشّجر خَارج عَن المدن.
وَالشَّيَاطِين جمع شَيْطَان، قَالَ الْخَلِيل: كل متمرد عِنْد الْعَرَب شَيْطَان. وَفِي هَذَا الِاسْم قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه من شطن: أَي بعد عَن
стр. 387
الْخَيْر، فعلى هَذَا تكون النُّون أَصْلِيَّة، قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت فِي صفة سُلَيْمَان ﵇:
(أَيّمَا شاطن عَصَاهُ عكاه ... ثمَّ يلقى فِي السجْن والأغلال)
عكاه: أوثقه.
وَقَالَ النَّابِغَة:
(نأت بسعاد عَنْك نوى شطون ... فَبَانَت والفؤاد لَهَا رهين)
وَالثَّانِي: أَنه من شاط يشيط: إِذا التهب وَاحْتَرَقَ، فَتكون النُّون زَائِدَة. وأنشدوا:
( ... ... ... ... ... ... وَقد يشيط على ارماحنا البطل)
أَي يهْلك.
والجثمان: الشَّخْص.
وَالْإِنْس: النَّاس، سموا إنسا لظهورهم.
стр. 388
٣٣٥ - / ٣٩٩ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
عَن حُذَيْفَة: ﴿وأنفقوا فِي سَبِيل الله وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٥] قَالَ: نزلت فِي النَّفَقَة.
سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة أَن الْأَنْصَار كَانَت تنْفق وَتَتَصَدَّق، فَأَصَابَتْهُمْ سنة فأمسكوا، فَنزلت هَذِه الْآيَة؛ قَالَ الضَّحَّاك بن أبي جبيرَة: والسبيل فِي اللُّغَة: الطَّرِيق. وَإِنَّمَا اسْتعْملت هَذِه الْكَلِمَة فِي الْجِهَاد لِأَنَّهُ السَّبِيل الَّذِي يُقَاتل فِيهِ على عقد الدّين. قَالَ الْمبرد: وَأَرَادُوا بِالْأَيْدِي الْأَنْفس، فَعبر عَن الْكل. و (التَّهْلُكَة) بِمَعْنى الْهَلَاك، يُقَال: هلك االرجل يهْلك هَلَاكًا وهلكا وتهلكة، فعلى هَذَا يكون الْهَلَاك وَاقعا بالبخل، فَإِن كَانَ فِي الْوَاجِبَات فَهُوَ الْهَلَاك بالإثم، وَإِن كَانَ فِي المندوبات فَهُوَ فَوت الْفَضَائِل.
٣٣٦ - / ٤٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: إِنَّمَا النِّفَاق على عهد رَسُول الله ﷺ ، فَأَما الْيَوْم فَهُوَ الْكفْر أَو الْإِيمَان.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: معنى الحَدِيث أَن الْمُنَافِقين فِي زمَان رَسُول الله ﷺ لم يَكُونُوا قد أَسْلمُوا، وَإِنَّمَا كَانُوا يظهرون الْإِسْلَام رِيَاء ونفاقا، ويسرون الْكفْر عقدا، فَأَما الْيَوْم - وَقد شاع الْإِسْلَام واستفاض - فَمن نَافق بِأَن يظْهر الْإِسْلَام ويبطن خِلَافه فَهُوَ مُرْتَد، لِأَن نفَاقه كفر أحدثه بعد قبُول الدّين، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَافِق فِي زمَان رَسُول الله ﷺ مُقيما على كفره الأول، فَلم يتشابها.
стр. 389
٣٣٧ - / ٤٠١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَن حُذَيْفَة رأى رجلا لم يتم رُكُوعه وَلَا سُجُوده، فَقَالَ: مَا صليت.
الرُّكُوع من أَرْكَان الصَّلَاة، وَلَا يكون إِلَّا بإتمامه، وَكَذَلِكَ السُّجُود.
وَقَوله: مَا صليت، يَعْنِي الصَّلَاة الصَّحِيحَة.
والفطرة هَاهُنَا: الدّين وَالْملَّة.
٣٣٨ - / ٤٠٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: قَالَ حُذَيْفَة: مَا بَقِي من أَصْحَاب هَذِه الْآيَة إِلَّا ثَلَاثَة، وَلَا من الْمُنَافِقين إِلَّا أَرْبَعَة. يَعْنِي بِالْآيَةِ ﴿فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر﴾ [التَّوْبَة: ١٢] فَقَالَ أَعْرَابِي: مَا بَال هَؤُلَاءِ الَّذين يبقرون بُيُوتنَا، وَيَسْرِقُونَ أعلاقنا؟ فَقَالَ: أُولَئِكَ الْفُسَّاق.
يبقرون بِمَعْنى يفتحون. يُقَال: بقرت الشَّيْء: إِذا فَتحته. وَقد رَوَاهَا قوم: ينقبون، وَالْأول أصح.
والأعلاق: نفائس الْأَمْوَال، وكل شَيْء لَهُ قيمَة أَو قدر فِي نَفسه ومزية فَهُوَ علق.
٣٣٩ - / ٤٠٤ - الحَدِيث السَّادِس: قد تقدم فِي مُسْند أبي ذَر.
٣٤٠ - / ٤٠٥ - الحَدِيث السَّابِع: قَالَ حُذَيْفَة: لقد أنزل النِّفَاق على قوم خير مِنْكُم، ثمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم.
مَقْصُود حُذَيْفَة أَن جمَاعَة من الْمُنَافِقين صلحوا واستقاموا وَكَانُوا خيرا من أُولَئِكَ التَّابِعين بمَكَان الصُّحْبَة وَالصَّلَاح. وَمِمَّنْ كَانَ منافقا
стр. 390
فصلح أمره واستقام مجمع وَيزِيد ابْنا جَارِيَة بن عَامر، كَانَا وأبوهما منافقين، فصلحت حَال الْوَلَدَيْنِ واستقامت، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْحَدِيثِ إِلَى تقليب الْقُلُوب.
٣٤١ - / ٤٠٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: مَا نعلم أقرب سمتا ودلا وهديا برَسُول الله ﷺ من ابْن أم عبد.
قَالَ أَبُو عبيد: السمت: حسن الْهَيْئَة والمنظر فِي مَذْهَب الدّين وَلَيْسَ من الزِّينَة، وَلَكِن يكون لصَاحبه هَيْئَة أهل الْخَيْر ومنظرهم. وَالْهَدْي والدل من السكينَة. وَالْوَقار فِي الْهَيْئَة والمنظر وَالشَّمَائِل.
وَقَوله: حَتَّى يتَوَارَى، احْتِرَاز من الشَّهَادَة على الْبَاطِن المستور.
وَقَوله: لقد علم المحفوظون، يَعْنِي رُءُوس الْقَوْم الَّذين حفظهم الله من تَحْرِيف أَو تخريف فِي قَول أَو فعل.
والوسيلة: الْقرْبَة.
وَرُبمَا ظن من يسمع قَوْله ابْن أم عبد أَنه نَسَبهَا إِلَى ابْنهَا عبد الله بن مَسْعُود، وَلَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا هَذِه الْمَرْأَة يُقَال لَهَا أم عبد بنت عبد ود ابْن سوي بن قريم، أسلمت وبايعت رَسُول الله ﷺ ، وَلَا نعلمها رَوَت عَن رَسُول الله ﷺ شَيْئا.
стр. 391
٣٤٢ - / ٤٠٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
عَن قيس بن عباد: قَالَ: قلت لعمَّار: أَرَأَيْتُم صنيعكم هَذَا الَّذِي صَنَعْتُم فِي أَمر عَليّ، أرأيا رَأَيْتُمُوهُ، أَو شَيْئا عَهده إِلَيْكُم رَسُول الله ﷺ يُشِير إِلَى قِتَالهمْ مَعَه ونصرهم إِيَّاه. فَقَالُوا: مَا عهد إِلَيْنَا شَيْئا لم يعهده إِلَى النَّاس، وَلَكِن حُذَيْفَة أَخْبرنِي ... .
مَعْنَاهُ أَنه مَا عهد إِلَيْنَا شَيْئا، إِنَّمَا عهد إِلَى حُذَيْفَة فِي أَمر الْمُنَافِقين.
والجمل: الْحَيَوَان الْمَعْرُوف. والخياط: الإبرة. وسمها: ثقبها، وَفِيه لُغَتَانِ فتح السِّين وَضمّهَا.
والدبيلة: خراج عَظِيم.
وينجم: يظْهر.
٣٤٣ - / ٤٠٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: عَن جُنْدُب قَالَ: جِئْت يَوْم الجرعة فَإِذا رجل جَالس. فَقلت: ليهراقن الْيَوْم دِمَاء. فَقَالَ ذَاك الرجل: كلا وَالله، قلت: بلَى وَالله: قَالَ فَإِذا الرجل حُذَيْفَة.
الجرعة بِفَتْح الرَّاء: التل من الرمل لَا ينْبت شَيْئا، وَهَذَا مَكَان نزلوه ليتهيئوا لِلْقِتَالِ، وَذَلِكَ أَن عُثْمَان بعث سعيد بن الْعَاصِ أَمِيرا على الْكُوفَة، فَخَرجُوا فَردُّوهُ، فَرجع إِلَى عُثْمَان، فَقَالَ عُثْمَان: مَا تُرِيدُونَ؟
стр. 392
قَالُوا: الْبَدَل. قَالَ: فَمن تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: أَبَا مُوسَى. فَبَعثه إِلَيْهِم.
أخبرنَا الْمُبَارك بن عَليّ الصَّيْرَفِي قَالَ: أخبرنَا شُجَاع بن فَارس قَالَ: أخبرنَا أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن أَحْمد الْأُشْنَانِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن عَليّ ابْن أَحْمد بن عمر الحمامي قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي قيس قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن عبيد قَالَ: حَدثنِي يحيى بن عبد الله الْخَثْعَمِي عَن أبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: أَن عُثْمَان بن عَفَّان نزع سعد بن أبي وَقاص عَن الْكُوفَة وَاسْتعْمل الْوَلِيد بن عقبَة، ثمَّ نَزعه وَبعث سعيد بن الْعَاصِ، فَلم يَدعُوهُ يدخلهَا.
وَقَالَ الْقرشِي: وَحدثنَا أَبُو خَيْثَمَة قَالَ: حَدثنَا وهب بن جرير عَن أَبِيه أَن سعيد بن الْعَاصِ توجه إِلَى الْكُوفَة أَمِيرا، فَقَالَ أهل الْكُوفَة: لَا وَالله لَا يدخلهَا علينا سعيد وَلَا يَلِي أمرنَا، وبعثوا إِلَى الأشتر فَقدم عَلَيْهِم، وَخرج أهل الْكُوفَة حَتَّى نزلُوا الجرعة وَأمرهمْ إِلَى الأشتر، فَلَمَّا قدم سعيد ركبُوا خيولهم وَأخذُوا رماحهم وَقَالُوا: ارْجع وَرَاءَك، فَلَا وَالله لَا تلِي أمرنَا، فَرجع.
وَقَالَ جرير عَن الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب: لما خرج النَّاس إِلَى الجرعة قيل لِحُذَيْفَة: أَلا تخرج؟ قَالَ: لقد علمت أَنهم لن يهريقوا بَينهم محجمة من دم.
وَعَن الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي البخْترِي عَن أبي ثَوْر الحدائي قَالَ: دفعت إِلَى حُذَيْفَة وَأبي مَسْعُود يَوْم الجرعة وهما يتحدثان، وَأَبُو مَسْعُود يَقُول: وَالله مَا كنت أرى أَن ترتد على عقبيها وَلم يهريقوا
стр. 393
فِيهَا محجمة من دم.
وَفِي الحَدِيث من الْفِقْه: جَوَاز أَن يحلف الرجل على مَا يظنّ كَمَا حلف جُنْدُب، ثمَّ قَالَ لنَفسِهِ: مَا هَذَا الْغَضَب؟ وَذَلِكَ أَنه بَان لَهُ أَن الصَّوَاب لَيْسَ مَعَه فَرجع إِلَى الصَّوَاب.
٣٤٤ - / ٤١٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: مَا مَنَعَنِي أَن أشهد بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خرجت أَنا وَأبي الحسيل، فأخذنا كفار قُرَيْش، فَأخذُوا منا عهد الله وميثاقه أَلا نُقَاتِل مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فأتيناه فَأَخْبَرنَاهُ، فَقَالَ: " نفي لَهُم بعهدهم ".
فِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه حفظ الْوَفَاء بالعهد وَلَو للمشرك فِيمَا يُمكن الْوَفَاء بِهِ.
٣٤٥ - / ٤١١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: كَانَ بَين رجل من أهل الْعقبَة وَبَين حُذَيْفَة بعض مَا يكون بَين النَّاس، فَقَالَ: أنْشدك الله، كم كَانَ أَصْحَاب الْعقبَة؟ قَالَ: فَقَالَ الْقَوْم: أخبرهُ إِذْ سَأَلَك. فَقَالَ: كُنَّا نخبر أَنهم أَرْبَعَة عشر، فَإِن كنت مِنْهُم فقد كَانَ الْقَوْم خَمْسَة عشر، وَأشْهد أَن اثْنَي عشر مِنْهُم حَرْب لله وَلِرَسُولِهِ فِي الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد، وَعذر ثَلَاثَة قَالُوا: مَا سمعنَا مُنَادِي رَسُول الله ﷺ وَلَا علمنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْم، وَقد كَانَ فِي حرَّة فَمشى فَقَالَ: " إِن المَاء قَلِيل، فَلَا يسبقني إِلَيْهِ أحد " فَوجدَ قوما قد سَبَقُوهُ فلعنهم.
стр. 394
هَذَا الحَدِيث يشكل على المبتدئين؛ لِأَن أهل الْعقبَة إِذا أطْلقُوا فَإِنَّمَا يشار بهم إِلَى الْأَنْصَار الْمُبَايِعين لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا من ذَاك، وَإِنَّمَا هَذِه عقبَة فِي طَرِيق تَبُوك، وقف فِيهَا قوم من الْمُنَافِقين ليفتكوا بِهِ:
أخبرنَا هبة الله بن الْحصين قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ بن الْمَذْهَب قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنَا أبي قَالَ: حَدثنَا يزِيد قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْوَلِيد - يَعْنِي ابْن عبد الله بن جَمِيع عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ: لما أقبل رَسُول الله ﷺ من غَزْوَة تَبُوك أَمر مناديا فَنَادَى: إِن رَسُول الله ﷺ آخذ الْعقبَة فَلَا يَأْخُذهَا أحد. فَبَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يَقُودهُ حُذَيْفَة ويسوقه عمار إِذْ أقبل رَهْط مُتَلَثِّمُونَ على الرَّوَاحِل غشوا عمارا وَهُوَ يَسُوق برَسُول الله ﷺ ، وَأَقْبل عمار يضْرب وُجُوه الرَّوَاحِل، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِحُذَيْفَة: " قد، قد " حَتَّى هَبَط رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا هَبَط رَسُول الله ﷺ نزل، وَرجع عمار، فَقَالَ: " يَا عمار، هَل عرفت الْقَوْم " فَقَالَ: قد عرفت عَامَّة الرَّوَاحِل، وَالْقَوْم مُتَلَثِّمُونَ. قَالَ: " هَل تَدْرِي مَا أَرَادوا؟ " قَالَ: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: " أَرَادوا أَن ينفروا برَسُول الله فَيَطْرَحُوهُ ".
قَالَ أَبُو الْوَلِيد: وَذكر أَبُو الطُّفَيْل فِي تِلْكَ الْغَزْوَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ للنَّاس - وَذكر لَهُ أَن فِي المَاء قلَّة - فَأمر رَسُول الله ﷺ مناديا فَنَادَى أَن لَا يرد المَاء أحد قبل رَسُول الله ﷺ ، فورده النَّبِي ﷺ فَوجدَ قوما قد وردوه قبله، فلعنهم رَسُول الله ﷺ .
стр. 395
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي الْمُفَسّر: أَصْحَاب الْعقبَة خَمْسَة عشر من الْمُنَافِقين، تَابَ ثَلَاثَة وَمضى اثْنَا عشر على النِّفَاق، مِنْهُم معتب بن قُشَيْر، ووديعة بن ثَابت، وَرِفَاعَة بن التابوت، وسُويد، وداعس، وجد بن عبد الله بن نتيل، والْحَارث بن يزِيد الطَّائِي، وَأَوْس بن قيظي، وَسعد بن زُرَارَة، وَقيس بن عَمْرو بن سهل، وَهُوَ عَم قَتَادَة بن النُّعْمَان، وَقد ذكر عَنهُ قَتَادَة أَنه رأى مِنْهُ مَا يدل على صِحَة إِسْلَامه. وَزيد بن النَّصِيب، كَذَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَان. وَغَيره يَقُول: اللصيت وَكَانَ يَهُودِيّا منافقا، وسلالة بن الْحمام، والجلاس بن سُوَيْد، وَقيل: وَكَعب، وَأَبُو لبَابَة، وَتَابَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة.
٣٤٦ - / ٤١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَن رَسُول الله ﷺ لقِيه وَهُوَ جنب، فحاد عَنهُ فاغتسل، ثمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: كنت جنبا. فَقَالَ: " إِن الْمُسلم لَا ينجس ".
وَقد سبق بَيَان تَسْمِيَة الْجَنَابَة بِهَذَا الِاسْم. وَلَا خلاف فِي طَهَارَة الْآدَمِيّ فِي حَيَاته، فَأَما إِذا مَاتَ: فَهَل ينجس بِالْمَوْتِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وقولان عَن الشَّافِعِي، وَنَصّ أَبُو حنيفَة على نَجَاسَته.
стр. 396
٣٤٧ - / ٤١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: فِي الدَّجَّال: " إِنَّه جفال الشّعْر ".
الْفَاء خَفِيفَة، قَالَ أَبُو عبيد: الجفال: الْكثير الشّعْر، قَالَ ذُو الرمة:
(وأسود كالأساود مسبكرا ... على المتنين منسدرا جفالا)
المسبكر: المسترسل. والمنسدر: المنتصب، وَبَعْضهمْ يرويهِ منسدلا.
٣٤٨ - / ٤١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ فَافْتتحَ الْبَقَرَة فَقلت: يرْكَع عِنْد الْمِائَة، ثمَّ مضى فَقلت: يُصَلِّي بهَا فِي رَكْعَة، فَمضى.
هَذَا حَدِيث يدل على طول قيام رَسُول الله ﷺ فِي الصَّلَاة، وَقد كَانَ رُكُوعه نَحوا من قِيَامه. وَهَذَا إِنَّمَا يرْوى عَنهُ فِي صَلَاة اللَّيْل - أَعنِي طول الْقيام.
والترسل: التثبت.
وَقَوله: إِذا مر بسؤال سَأَلَ. اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد رَحْمَة الله عَلَيْهِ: هَل يجوز للْمُصَلِّي فِي صَلَاة الْفَرْض إِذا مرت بِهِ آيَة رَحْمَة أَن يسْأَلهَا، أَو آيَة عَذَاب أَن يستعيذ مِنْهُ، فَروِيَ عَنهُ جَوَاز ذَلِك، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه جَائِز فِي التَّطَوُّع دون الْفَرِيضَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَكَانَ شَيخنَا أَبُو بكر الدينَوَرِي يتَأَوَّل الحَدِيث فَيَقُول: معنى
стр. 397
يسْأَل ويستعيذ: أَنه يسْأَل بِإِعَادَة الْآيَة، مثل أَن يقْرَأ: ﴿رَبنَا فَاغْفِر لنا﴾ [آل عمرَان: ١٩٣] فيردد ذَلِك، لَا أَنه يتَكَلَّم بِكَلَام من عِنْده، وَهَذَا الْأَشْبَه بأصولنا، وَقد قَالَ ﵇: " إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام الْآدَمِيّين ".
٣٤٩ - / ٤١٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: " كل مَعْرُوف صَدَقَة ".
الْمَعْرُوف: فعل الْخَيْر وَالْبر، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَعْرُوف صَدَقَة لِأَنَّهُ لَا يجب.
٣٥٠ - / ٤١٦ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: " تعرض الْفِتَن على الْقُلُوب كالحصير عودا عودا، فَأَي قلب أشربها نكت فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء، وَأي قلب أنكرها نكت فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء حَتَّى تصير على قلبين: أَبيض مثل الصَّفَا، فَلَا تضره فتْنَة مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَالْآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا، إِلَّا مَا أشْرب من هَوَاهُ ... ".
قَوْله: كالحصير، يَعْنِي أَن الْفِتَن تحيط بالقلوب فَتَصِير الْقُلُوب كالمحصور الْمَحْبُوس. وَقَالَ اللَّيْث: حَصِير الْجنب: عرق يَمْتَد مُعْتَرضًا على الْجنب إِلَى نَاحيَة الْبَطن، فَشبه إحاطتها بِالْقَلْبِ بإحاطة هَذَا الْعرق بالبطن.
стр. 398
وَقَوله: عود عود: أَي مرّة بعد مرّة.
وَمعنى: أشربها: قبلهَا وَسكن إِلَيْهَا.
وَقَوله: نكت فِيهِ: أَي ظهر فِيهِ أثر.
وَقَوله: حَتَّى تصير على قلبين. يَعْنِي الْقُلُوب.
والصفا: الْحجر الأملس.
وَقَوله: مربادا: المرباد والمربد: الَّذِي فِي لَونه ربدة: وَهِي لون بَين السوَاد والغبرة كلون النعامة، وَلِهَذَا قيل للنعام ربد.
وَقَوله كالكوز مجخيا. المجخي: المائل، وَيُقَال مِنْهُ: جخى اللَّيْل: إِذا مَال ليذْهب. وَالْمعْنَى: مائلا عَن الاسْتقَامَة منكوسا.
وَقد تقدم شرح بعض هَذَا الحَدِيث فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من هَذَا الْمسند.
٣٥١ - / ٤١٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: " إِن حَوْضِي لأبعد من أَيْلَة من عدن، إِنِّي لأذود عَنهُ الرِّجَال كَمَا يذود الرجل الْإِبِل الغريبة عَن حَوْضه " قَالُوا: وتعرفنا؟ قَالَ: " نعم. تردون عَليّ غرا محجلين من آثَار الْوضُوء ".
أذود بِمَعْنى أطْرد، وَهَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: إِمَّا طرد من لَا يسْتَحق، وَإِمَّا طرد من يجب تَقْدِيم غَيره. وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث ثَوْبَان أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " إِنِّي لبعقر حَوْضِي أذود عَنهُ لأهل الْيمن ".
والغرة والتحجيل: نور يعْرفُونَ بِهِ، ثَوابًا للْوُضُوء.
стр. 399
٣٥٢ - / ٤١٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: " جعلت صُفُوفنَا كَصُفُوف الْمَلَائِكَة ".
صُفُوف الْمَلَائِكَة أَن كل وَاحِد بِجَانِب الآخر.
وَقَوله: " جعلت لنا الأَرْض كلهَا مَسْجِدا " أَي موضعا للسُّجُود، وَهَذَا خَارج مخرج الامتنان على هَذِه الْأمة؛ لِأَن الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة كَانُوا لَا يصلونَ إِلَّا فِي كنائسهم وبيعهم، وَهَذَا لفظ عَام خصت مِنْهُ الْبِقَاع الْمنْهِي عَن الصَّلَاة عَنْهَا بِدَلِيل، كَمَا خص نِكَاح الذميات فِي عُمُوم قَوْله: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢١] .
قَوْله: " وَجعلت تربَتهَا لنا طهُورا " فِيهِ دَلِيل على أَنه إِذا ضرب بِيَدِهِ على حجر لَا غُبَار عَلَيْهِ لم يجزه، لِأَن التربة التُّرَاب.
٣٥٣ - / ٤١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: " أضلّ الله عَن الْجُمُعَة من كَانَ قبلنَا ".
إِنَّمَا وَقع إضلال الْقَوْم بمخالفة نَبِيّهم. قَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: تفرغوا لله فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا، فاعبدوه يَوْم الْجُمُعَة. فَقَالُوا: لَا، إِلَّا يَوْم السبت. وَقيل: كَانَ سَبَب اختيارهم السبت أَنهم زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى فرغ يَوْم السبت من الْخلق، فَقَالُوا: فَنحْن نستريح فِيهِ من عمل الدُّنْيَا ونتشاغل بالتعبد وَالشُّكْر، فألزموه عُقُوبَة لَهُم. واختارت النَّصَارَى الْأَحَد وَقَالُوا: هُوَ أول يَوْم بَدَأَ الله فِيهِ الْخلق، فَهُوَ أولى بالتعظيم. فهدانا الله ليَوْم الْجُمُعَة، وَهُوَ الْيَوْم
стр. 400
الَّذِي خلق فِيهِ آدم، وَهُوَ سَابق السبت والأحد، فَنحْن السَّابِقُونَ لَهُم فِي التَّعَبُّد، وأمتنا - وَإِن تَأَخّر وجودهم - فهم السَّابِقُونَ إِلَى الْفضل وَإِلَى دُخُول الْجنَّة.
وَقَوله: " الْمقْضِي لَهُم " أَي على جَمِيع الْأُمَم؛ لِأَن حجتهم توجب على من سبقهمْ أَن يتبعهُم.
٣٥٤ - / ٤٢٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: " فَيقوم الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تزلف لَهُم الْجنَّة ".
تزلف بِمَعْنى تقرب.
وَقَول إِبْرَاهِيم: " إِنِّي كنت خَلِيلًا من وَرَاء وَرَاء " أَي من خلف حجاب.
وَقَوله: " وَترسل الْأَمَانَة وَالرحم " الْمَعْنى أَنَّهُمَا تخلصان القائمين بحقوقهما.
وَشد الرِّجَال: عدوهم.
وَقَوله: " إِلَّا زحفا " أَي أَنهم يعجزون عَن الْمَشْي فيزحفون كزحف الصَّبِي الصَّغِير.
والكلاليب جمع كَلوب: وَهُوَ مَعْرُوف.
والمخدوش من الخدش: وَهُوَ الْإِصَابَة بأثر قريب، ثمَّ ينجو على مَا بِهِ.
والمكدوس فِي النَّار: الْملقى فِيهَا.
والخريف: المُرَاد بِهِ هَاهُنَا السّنة.
٣٥٥ - / ٤٢١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: من الْفِتَن: " ثَلَاثَة لَا يكدن يذرن شَيْئا ". أَي لعظمهن.
стр. 401
وَقَوله: " ومنهن فتن كرياح الصَّيف ". أَي فِيهَا بعض الشدَّة، وَإِنَّمَا خص الصَّيف لِأَن ريَاح الشتَاء أقوى.
قَوْله: فَذهب أُولَئِكَ الرَّهْط كلهم غَيْرِي. يَعْنِي الَّذِي سمعُوا هَذَا. والرهط: الْعِصَابَة دون الْعشْرَة. وَيُقَال: بل إِلَى الْأَرْبَعين.
٣٥٦ - / ٤٢٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: قَالَ رجل: لَو أدْركْت رَسُول الله ﷺ قَاتَلت مَعَه فأبليت. فَقَالَ حُذَيْفَة: أَنْت كنت تفعل ذَلِك؟ .
فِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَنه لَا يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يَدعِي شَيْئا لَا يدْرِي كَيفَ يكون فِيهِ، فَإِن الصَّحَابَة مَعَ جدهم فِي طلب الشَّهَادَة توقفوا عَن إجابتهم يَوْم الخَنْدَق حَتَّى قَالَ: " من يأتيني بِخَبَر الْقَوْم " حَتَّى عين على حُذَيْفَة.
وَقَوله: " لَا تذعرهم " أَي لَا تظهر لَهُم، وَليكن ذهابك فِي سر. والذعر: الْخَوْف.
وَقَوله: كَأَنِّي أَمْشِي فِي حمام، يُشِير إِلَى حرارة الْخَوْف.
وَيُصلي ظَهره: يدفئه.
وَقَوله: قررت: أَي أصابني القر.
وَالْعِبَادَة والعباية من الأكسية، كَذَلِك قَالَ ابْن فَارس.
стр. 402
وَقَوله: " يَا نومان " أَي يَا كثير النّوم، لِأَن بِنَاء " فعلان " للْمُبَالَغَة كسكران.
стр. 403
كشف الْمُشكل من مُسْند أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ
أسلم بِمَكَّة، وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ قدم مَعَ أهل السفينتين وَرَسُول الله ﷺ بِخَيْبَر. وَبَعْضهمْ يُنكر هجرته إِلَى الْحَبَشَة.
وروى عَن رَسُول الله ﷺ ثلثمِائة وَسِتِّينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ.
٣٥٧ - / ٤٢٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الثَّانِي: " من صلى البردين دخل الْجنَّة ".
البردان: الْغَدَاة وَالْعصر، سميا بالبردين لِأَنَّهُمَا يصليان فِي بردي النَّهَار: وهما طرفاه حِين تذْهب سُورَة الْحر.
٣٥٨ - / ٤٢٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " وَمَا بَين الْقَوْم وَبَين أَن ينْظرُوا إِلَى رَبهم إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء على وَجهه فِي جنَّة عدن ".
هَذَا يرجع إِلَى الرَّائِي وَهُوَ كَونه فِي جنَّة عدن لَا إِلَى المرئي، لِأَن المرئي لَا تحيط بِهِ الْأَمْكِنَة. ورداء الْكِبْرِيَاء: مَا لَهُ من الْكبر وَالْعَظَمَة،
стр. 404
وَكَأَنَّهُ يَقُول: إِن مَنعهم فلعظمته وَإِن شَاءَ كشف لَهُم بجوده وَكَرمه.
٣٥٩ - / ٤٢٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: قَالَ معَاذ: يَا أَبَا مُوسَى، كَيفَ تقْرَأ الْقُرْآن؟ قَالَ: أتفوقه تفوقا على فِرَاشِي وَفِي صَلَاتي.
أتفوقه: أَي أفرق حزبي تَخْفِيفًا على نَفسِي فَأَقْرَأهُ فِي مَرَّات لَا فِي مرّة وَاحِدَة، مَأْخُوذ من فوَاق النَّاقة، فَإِنَّهَا تحلب ثمَّ تتْرك حَتَّى تدر، ثمَّ تحلب وقتا بعد وَقت ليَكُون أدر للبنها.
وَقَول معَاذ: أحتسب فِي نومتي مَا أحتسب فِي قومتي. كَلَام فَقِيه، فَإِن الْإِنْسَان إِذا نوى بنومه إِعْطَاء بدنه حَقه والتقوي بذلك على الْعَمَل صَار النّوم كَأَنَّهُ تعبد، وأثيب عَلَيْهِ.
وَقَوله: " لَا نولي هَذَا الْعَمَل أحدا سَأَلَهُ " وَهَذَا لِأَن الْحِرْص على الْولَايَة فِيهِ تُهْمَة وَدَلِيل على حب الدُّنْيَا، فَيَنْبَغِي أَن يحذر خَاطب الْولَايَة. وَمن هَذَا الْجِنْس قَول بعض الْحُكَمَاء: إِذا هرب الزَّاهِد من النَّاس فاطلبه، وَإِذا طَلَبهمْ فاهرب مِنْهُ.
وقلصت الشّفة: ارْتَفَعت.
والمخلاف لأهل الْيمن كالرستاق، والمخاليف: الرساتيق.
٣٦٠ - / ٤٣٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " على كل مُسلم صَدَقَة ".
وَقد سبق شرح هَذَا الْمَعْنى فِي مُسْند أبي ذَر.
стр. 405
٣٦١ - / ٤٣٣ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: برِئ رَسُول الله ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة.
الصلق: الصياح الشَّديد، وَكَذَلِكَ السلق، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾ [الْأَحْزَاب: ١٩] فالصالقة: الصائحة بالصوت الشَّديد. والحالقة: الَّتِي تحلق شعرهَا للمصيبة. والشاقة: الَّتِي تخرق الثِّيَاب للمصاب.
٣٦٢ - / ٤٣٤ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: أَمر لنا بِثَلَاث ذود غر الذرا.
حكى ابْن السّكيت عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: الذود: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر، وَلَا يُقَال ذود إِلَّا للنوق. وَقَالَ أَبُو زيد: بل يُقَال للذكور وَالْإِنَاث.
وَقَوله: غر الذرا. يُرِيد أَن ذرا الأسمنة مِنْهُنَّ بيض من سمنهن. والذرا جمع ذرْوَة، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ.
وَقَوله: أُتِي بِنَهْب إبل. يُرِيد بالنهب الْمغنم.
وَقَوله: أَغْفَلنَا رَسُول الله يَمِينه. أَي غفل عَن يَمِينه بِسَبَب سؤالنا.
قَوْله: " وَمَا أَنا حملتكم وَلَكِن الله حملكم " فِيهِ ثَلَاثَة أوجه:
стр. 406
أَحدهَا: أَن يكون نَاسِيا ليمينه لما أَمر لَهُم بِالْإِبِلِ فَيكون كَقَوْلِه للصَّائِم: " الله أطعمك وسقاك ".
وَالثَّانِي: أَن يقْصد إِفْرَاد الْحق بالمنن.
وَالثَّالِث: أَن الله تَعَالَى لما سَاق هَذِه الْإِبِل فِي وَقت حَاجتهم كَانَ هُوَ الْحَامِل.
٣٦٣ - / ٤٣٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: " اشفعوا تؤجروا ".
والشفاعة: سُؤال الشَّفِيع يشفع سُؤال الْمَشْفُوع فِيهِ، وَالْمرَاد من الحَدِيث أَنكُمْ تؤجرون فِي الشَّفَاعَة وَإِن لم تقض الْحَوَائِج.
٣٦٤ - / ٤٣٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: " من مر وَمَعَهُ نبل فليقبض على نصالها بكفه ".
النصال جمع نصل، والنصل: حَدِيدَة السهْم.
وَقَوله: فَمَا متْنا حَتَّى سددنا بَعْضهَا فِي وُجُوه بعض. يُقَال: سددت إِلَيْهِ السهْم: أَي قصدت بِهِ قَصده. وَالْمعْنَى: اقتتلنا بهَا، وَالْإِشَارَة إِلَى الْفِتَن الَّتِي جرت بَينهم.
٣٦٥ - / ٤٤٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: " من حمل علينا السِّلَاح فَلَيْسَ منا ".
من حمل السِّلَاح على الْمُسلمين لكَوْنهم مُسلمين فَلَيْسَ بِمُسلم، فَأَما إِذا لم يحمل السِّلَاح لأجل الْإِسْلَام فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي معنى
стр. 407
قَوْله: " فَلَيْسَ منا " فَقَالَ أَبُو عبيد لَيْسَ متخلقا بأخلاقنا وأفعالنا. وَقَالَ غَيره: لَيْسَ من أهل ديننَا. وَقَالَ قوم: لَيْسَ مثلنَا.
٣٦٦ - / ٤٤١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: " إِن هَذِه النَّار عَدو لكم فَإِذا نمتم فأطفئوها ".
لما كَانَ الْأَذَى يَقع من الْعَدو وَمن النَّار حسن التَّشْبِيه، وَإِن وَقع الْفرق بِالْقَصْدِ وَعَدَمه.
٤٦٧ - / ٤٤٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: " الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا " وَشَبك بَين أَصَابِعه.
ظَاهره الْإِخْبَار وَمَعْنَاهُ الْأَمر، وَهُوَ تحريض على التعاون.
٣٦٨ - / ٤٤٣ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: " فَذهب وهلي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَة ".
أَي وهمي، وَالْمعْنَى: ظَنَنْت.
٣٦٩ - / ٤٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: أعتم بِالصَّلَاةِ: أَي أَخّرهَا.
وابهار اللَّيْل: انتصف أَو قَارب.
وَالرسل: التمهل.
стр. 408
٣٧٠ - / ٤٤٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: " من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه، وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه ".
وَرُبمَا ظن ظان أَن كَرَاهِيَة الْمَوْت تُؤثر فِي لِقَاء الله، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَسَيَأْتِي مكشوفا فِي مُسْند عَائِشَة.
٣٧١ - / ٤٤٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: خسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " افزعوا إِلَى ذكر الله ".
معنى خسفت: انكسفت.
وَيُقَال: فزعت إِلَى كَذَا: إِذا لجأت إِلَيْهِ، وفزعت من كَذَا: إِذا خفته.
وَفِي قَوْله: " لَا يكون لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ " إبِْطَال لما كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة، فَإِنَّهُم كَانُوا يَزْعمُونَ أَن ذَلِك يُوجب حُدُوث حوادث كَمَا يَقُول المنجمون.
فَإِن قيل: مَا فَائِدَة حُدُوث الْكُسُوف؟
فَفِيهِ سبع فَوَائِد:
أَحدهَا: ظُهُور التَّصَرُّف فِي الشَّمْس وَالْقَمَر. وَالثَّانيَِة: أَن يتَبَيَّن عِنْد شينها قبح شَأْن من يَعْبُدهَا.
وَالثَّالِثَة: أَن تنزعج الْقُلُوب المساكنة للغفلة عَن مسكن الذهول؛ فَإِن المواعظ تزعج الْقلب الغافل.
وَالرَّابِعَة: ليرى النَّاس أنموذج مَا سيجري فِي الْقِيَامَة من قَوْله تَعَالَى:
стр. 409
﴿وَخسف الْقَمَر وَجمع الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ [الْقِيَامَة: ٨، ٩] .
وَالْخَامِسَة: أَنَّهُمَا يؤخذان على حَال التَّمام فيوكسان ثمَّ يلطف بهَا فيعادان إِلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ، فيشار بذلك إِلَى خوف الْمَكْر ورجاء الْعَفو.
وَالسَّادِسَة: أَن يفعل بهما صُورَة عِقَاب من لَا ذَنْب لَهُ ليحذر ذُو الذَّنب.
وَالسَّابِعَة: أَن الصَّلَوَات المفروضات عِنْد كثير من الْخلف عَادَة لَا انزعاج لَهُم فِيهَا وَلَا وجود هَيْبَة، فَأتى بِهَذِهِ الْآيَة وسنت لَهَا الصَّلَاة ليفعلوا صَلَاة على انزعاج وهيبة.
٣٧٢ - / ٤٤٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أَشْيَاء كرهها، فَلَمَّا أَكثر عَلَيْهِ غضب ثمَّ قَالَ: " سلوني عَمَّا شِئْتُم " فَقَالَ رجل: من أبي؟ فَقَالَ: " أَبوك حذافة ".
إِنَّمَا قَالَ: " سلوني عَمَّا شِئْتُم " غَضبا. فَإِن قيل: فَجَوَابه حكم وَقد قَالَ: " لَا يقْضِي القَاضِي بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان " فَالْجَوَاب أَنه لما كَانَ مَعْصُوما من الزلل تساوى غَضَبه وَرضَاهُ فِي أَنه لَا يَقُول إِلَّا الْحق، وَلِهَذَا قَالَ لعبد الله بن عَمْرو وَقد سَأَلَهُ: أكتب عَنْك مَا تَقول فِي السخط وَالرِّضَا؟ قَالَ: " نعم ".
٣٧٣ - / ٤٤٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: فنقبت أقدامنا، فَكُنَّا نلف على أَرْجُلنَا الْخرق، فسميت غَزْوَة ذَات الرّقاع، ثمَّ كره أَبُو
стр. 410
مُوسَى إِظْهَار هَذَا.
نقبت بِمَعْنى تقرحت وورمت. وَهَذِه الْغُزَاة كَانَت فِي السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة.
وَإِنَّمَا نَدم على إِظْهَار عمله لِأَن عمل السِّرّ يزِيد على عمل الْعَلَانِيَة سبعين ضعفا، وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول: إِن العَبْد ليعْمَل الْعَمَل سرا، وَلَا يزَال بِهِ الشَّيْطَان حَتَّى يتحدث بِهِ، فينقل من ديوَان السِّرّ إِلَى ديوَان الْعَلَانِيَة. إِلَّا أَن مَقْصُود أبي مُوسَى إِعْلَام النَّاس بصبر الصَّحَابَة ليقتدوا بهم، فيثاب على إِظْهَار هَذَا بِهَذِهِ النِّيَّة.
٣٧٤ - / ٤٥١ - أما الحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ: فقد فسرناه فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٣٧٥ - / ٤٥٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: " إِمَّا أَن يحذيك ".
أَي يهب لَك الشَّيْء من ذَلِك. يُقَال: أحذيت الرجل أحذيه: إِذا أَعْطيته الشَّيْء وأتحفته بِهِ.
٣٧٦ - / ٤٥٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: " وَأَنا النذير الْعُرْيَان ".
الرِّوَايَة بالراء من العري، وَذَلِكَ أَن الربيئة للْقَوْم إِذا كَانَ على مَكَان عَال فَبَصر بالعدو نزع ثَوْبه فألاح بِهِ ينذر، فَيبقى عُريَانا. وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: عري النذير أبلغ فِي الْإِنْذَار؛ لِأَن الْجَيْش إِذا رَأَوْهُ
стр. 411
عُريَانا علمُوا أَن الْأَمر عَظِيم، وأنشدوا:
(لَيْسَ النذير الَّذِي يَأْتِيك مؤتزرا ... مثل النذير الَّذِي يَأْتِيك عُريَانا)
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: وَقد رُوِيَ لنا: " وَأَنا النذير العربان " بِالْبَاء، فَإِن كَانَ ذَلِك مَحْفُوظًا فَمَعْنَاه المفصح بالإنذار لايكني وَلَا يوري. يُقَال رجل عربان: أَي فصيح اللِّسَان، وَيُقَال: أعرب الرجل بحاجته: إِذا أفْصح بهَا.
وَقَوله: فأدلجوا، إِذا خففت الدَّال كَانَ معنى الْكَلِمَة قطع اللَّيْل كُله بالسير، وَإِذا شددت الدَّال فَهُوَ السّير من آخر اللَّيْل.
وَمعنى اجتاحهم استأصلتهم، وَمِنْه الْجَائِحَة الَّتِي تفْسد الثِّمَار وتهلكها.
٣٧٧ - / ٤٥٤ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: " إِن مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كَمثل غيث أصَاب أَرضًا، فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة طيبَة قبلت المَاء فأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير، وَكَانَ مِنْهَا أجادب أَمْسَكت المَاء فنفع الله بهَا النَّاس، وَأصَاب طَائِفَة إِنَّمَا هِيَ قيعان ".
стр. 412
قَوْله: " فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة " هَذَا اللَّفْظ الَّذِي ذكره الْحميدِي، وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ بِلَفْظ آخر لم يذكرهُ الْحميدِي: " وَكَانَ مِنْهَا ثغبة " بالثاء والغين الْمُعْجَمَة، والثغبة مستنقع المَاء فِي الْجبَال والصخور، وَهُوَ الثغب أَيْضا. وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي " الْمسند ": " فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة نقية " بِالْقَافِ.
وَأما الأجادب فَهِيَ من الجدب واليبس، وَهَذَا الْمَحْفُوظ فِي الرِّوَايَة. والْحَدِيث يدل على أَن المُرَاد الأَرْض الصلبة الَّتِي تمسك المَاء، وَقَالَ قوم: إِنَّمَا هِيَ أجارد، وَهِي الْمَوَاضِع المتجردة من النَّبَات. وَقد رَوَاهُ أَبُو سُلَيْمَان البستي من طَرِيق أبي كريب فَقَالَ: أُحَارب بِالْحَاء وَالرَّاء، وَلَيْسَ بِشَيْء، قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا هِيَ إخاذات، سَقَطت مِنْهَا الْألف، واحدتها إخاذة: وَهِي الَّتِي تمسك المَاء، وَالرِّوَايَة هِيَ الأولى.
والقيعان جمع قاع.
وَهَذِه أَمْثَال ضربت، فَالْأول: لمن يقبل الْهدى وَيعلم غَيره فينتفع وينفع، وَالثَّانِي: لمن ينفع غَيره بِالْعلمِ وَلَا ينْتَفع. وَالثَّالِث: لمن لَا ينفع وَلَا ينْتَفع. وَيحْتَمل أَن يشار بالطائفة الأولى إِلَى الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْه، فَإِنَّهُم حفظوا الْمَنْقُول واستنبطوا، فَعم نفعهم. ويشار بالطائفة الْأُخْرَى إِلَى من نقل الحَدِيث وَلم يفهم مَعَانِيه وَلَا تفقه، فَهُوَ يحفظ الْأَلْفَاظ وينقلها إِلَى من ينْتَفع بهَا. ويشار بالقيعان إِلَى من لم يتَعَلَّق بِشَيْء من الْعلم.
٣٧٨ - / ٤٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: على سَرِير مرمل.
стр. 413
أَي منسوج بالسعف. وَقد شرحنا هَذَا فِي مُسْند عمر.
٣٧٩ - / ٤٥٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: ولد لي غُلَام فَأتيت بِهِ النَّبِي ﷺ فَسَماهُ إِبْرَاهِيم وحنكه بتمرة.
قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: حنكت الصَّبِي وحنكته بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، فَهُوَ محنوك ومحنك: إِذا مضغت التَّمْر ثمَّ دلكته بحنكه. قَالَ الزّجاج: والحنك سقف الْفَم الْأَعْلَى.
وَفِي هَذَا الحَدِيث تَسْمِيَة الْمَوْلُود قبل السَّابِع على خلاف حَدِيث سَمُرَة.
٣٨٠ - / ٤٥٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: وَافَقنَا رَسُول الله ﷺ حِين افْتتح خَيْبَر، فَأَسْهم لنا وَمَا أسْهم لأحد غَابَ عَن خَيْبَر مِنْهَا شَيْئا إِلَّا لأَصْحَاب سَفِينَتنَا.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون أَعْطَاهُم عَن رضى مِمَّن شهد الْوَقْعَة أَو من الْخمس الَّذِي هُوَ حَقه.
٣٨١ - / ٤٦٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: " وَمِنْهُم حَكِيم إِذا لَقِي الْخَيل قَالَ لَهُم: إِن أَصْحَابِي يأمرونكم أَن تنظروهم ".
стр. 414
أَي تنتظروهم، وَالْمعْنَى: لَا تَبْرَحُوا، وَالْمَقْصُود شجاعته.
٣٨٢ - / ٤٦١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: " إِن الْأَشْعَرِيين إِذا أرملوا فِي الْغَزْو أَو قل طَعَام عِيَالهمْ بِالْمَدِينَةِ جمعُوا مَا كَانَ عِنْدهم فِي ثوب ثمَّ اقتسموه بَينهم بِالسَّوِيَّةِ، فهم مني وَأَنا مِنْهُم ".
أرملوا: قلت أَزْوَادهم، فمدحهم بالإيثار والمواساة، وأضافهم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ غايه الْكَرم، فَقَالَ: " هم مني " يَعْنِي بأفعالهم وَإِن لم يَكُونُوا من أَقَاربه، قَالَ الشَّاعِر:
(وَقلت: أخي، قَالُوا: أَخ ذُو قرَابَة! " ... فَقلت: لَهُم: إِن الشكول أقَارِب)
(نسيبي فِي رَأْيِي وعزمي ومذهبي ... وَإِن خالفتنا فِي الْأُمُور الْمُنَاسب)
٣٨٣ - / ٤٦٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: سمع النَّبِي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه فِي الْمَدْح، فَقَالَ: " أهلكتم - أَو قطعْتُمْ - ظهر الرجل ".
الإطراء: الإفراط فِي الْمَدْح، وَلَا يَخْلُو من الْكَذِب. وَأَشَارَ بقوله: " قطعْتُمْ ظهر الرجل " إِلَى تأذيه فِي دينه، فَجعله كَقطع ظَهره.
وَاعْلَم أَن الْمَدْح يشْتَمل على آفتين: إِحْدَاهمَا تتَعَلَّق بالمادح وَهِي الْكَذِب الَّذِي لَا يكَاد يتَخَلَّص مِنْهُ. وَالثَّانيَِة تتَعَلَّق بالممدوح وَهِي تحريكه إِلَى التكبر بفضائله، والطبع كَاف فِي جلب الْكبر وَغَيره من الشَّرّ فَيحْتَاج إِلَى مقاومة تضاده، فَإِذا جَاءَ الْمَدْح أعَان الطَّبْع فَزَاد الْفساد.
стр. 415
٣٨٤ - / ٤٦٣ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: جلس على بِئْر أريس وتوسط قفها.
أريس: بِئْر مَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ. والقف مَا يبْنى حول الْبِئْر ليجلس عَلَيْهِ الْجَالِس.
والحائط: الْبُسْتَان.
٣٨٥ - / ٤٦٨ - وَفِي الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: " اربعوا على أَنفسكُم " أَي ارفقوا بهَا.
وَمعنى لَا حول: لَا حِيلَة، يُقَال: مَا لَهُ حِيلَة، وَمَاله حول، وَمَاله احتيال، وَمَاله محتال، وَمَاله محَالة.
٣٨٦ - / ٤٦٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: قدمت على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ منيخ بالبطحاء فَقَالَ لي: " بِمَ أَهلَلْت؟ " قلت: أَهلَلْت بإهلال رَسُول الله ﷺ . قَالَ: " هَل سقت من هدي؟ " قلت: لَا، قَالَ: " فَطُفْ بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة ثمَّ حل ".
كَانَ النَّبِي ﷺ قد أهل بِالْحَجِّ وسَاق الْهَدْي فَمَا أمكنه أَن يحل حَتَّى يتم الْحَج، فَأمر من لم يسق الْهَدْي من أَصْحَابه أَن يفْسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة وَيحل ثمَّ يهل بعد ذَلِك بِالْحَجِّ.
وَقَوله: أَهلَلْت بإهلال رَسُول الله ﷺ ، يدل على جَوَاز إرْسَال النِّيَّة من غير تعْيين النَّوْع الَّذِي يُريدهُ من أَنْوَاع الْحَج، ثمَّ لم تَعْيِينه عِنْد
стр. 416
إِرَادَة الشُّرُوع فِي الْأَعْمَال. وَيحْتَمل أَن يكون أَبُو مُوسَى سَأَلَ عَن حَال النَّبِي ﷺ فَأخْبر أَنه قَارن فَنوى الْقرَان، فَلَمَّا سَأَلَهُ قَالَ: أَهلَلْت بِمَا أَهلَلْت بِهِ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن النَّبِي ﷺ لم يكن مُفردا؛ لِأَن الْهَدْي إِنَّمَا يجب على الْمُتَمَتّع والقارن.
٣٨٧ - / ٤٧٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ يَوْم عَاشُورَاء يَوْمًا تعظمه الْيَهُود.
قَالَ شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: عَاشُورَاء مَمْدُود، وَلم يجِئ على " فاعولاء " فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا عَاشُورَاء، والضارواء: الضراء، والساروراء: السَّرَّاء، والدالولاء: الدَّالَّة، وخابوراء: مَوضِع. وَهِي القوباء، وكربلاء، وسلاء النّخل: شوكه، الْوَاحِدَة سلاءة، كل ذَلِك مَمْدُود.
وَقَوله: " شارتهم " الشارة: مَا يتجمل بِهِ من اللبَاس.
٣٨٨ - / ٤٧١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: " وَفضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد ".
стр. 417
الْعَرَب تفضل الثَّرِيد لِأَنَّهُ أسهل فِي التَّنَاوُل، وَلِأَنَّهُ يَأْخُذ جَوْهَر المرق.
٣٨٩ - / ٤٧٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: " لَا أحد أصبرعلى أَذَى سَمعه من الله ".
الصَّبْر: الْحَبْس، وَالْمعْنَى لَا أحد يحبس الْعقُوبَة عَن مخالفه مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ كالحق ، فَإِنَّهُ يُمْهل الْمُشرك والعاصي.
٣٩٠ - / ٤٧٣ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: " لقد أُوتيت مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد " وَفِي رِوَايَة: لَو علمت أَنَّك تسمع قراءتي لحبرته لَك تحبيرا.
المُرَاد بالمزمار طيب الصَّوْت، وَذكر الْآل صلَة، وَالْمعْنَى من مَزَامِير دَاوُد. ويروى أَنه كَانَ إِذا قَرَأَ دَاوُد وقف الطير.
والتحبير: التحسين والتزيين، والمحبر: الشَّيْء المزين، وَكَانَ يُقَال لطفيل المحبر، لِأَنَّهُ كَانَ يحبر الشّعْر.
وَفِي هَذَا جَوَاز تَحْسِين الصَّوْت وتجويد التِّلَاوَة لأجل انْتِفَاع السامعين، وَلَا يُقَال إِن زِيَادَة التجويد فِي ذَلِك رِيَاء لأجل الْخلق إِذا كَانَ الْمَقْصُود اجتذاب نفعهم: فَأَما الألحان الَّتِي يصنعها قراء هَذَا الزَّمَان فمكروهة عِنْد الْعلمَاء، لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة من طرائق الْغناء.
стр. 418
٣٩١ - / ٤٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ: " مثل الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى كَمثل رجل اسْتَأْجر قوما يعْملُونَ لَهُ عملا إِلَى اللَّيْل على أجر مَعْلُوم، فعملوا لَهُ إِلَى نصف النَّهَار، فَقَالُوا: لَا حَاجَة لنا إِلَى أجرك الَّذِي شرطت لنا، وَمَا عَملنَا بَاطِل، واستأجر آخَرين فَقَالَ: أكملوا بَقِيَّة يومكم هَذَا وَلكم الَّذِي شرطت لَهُم من الْأجر، فعملوا حَتَّى إِذا كَانَ حِين صَلَاة الْعَصْر قَالُوا: مَا عَملنَا بَاطِل وَلَك الْأجر الَّذِي جعلت لنا، فاستأجر قوما فعملوا بَقِيَّة يومهم حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس واستكملوا أُجْرَة الْفَرِيقَيْنِ، فَذَلِك مثلهم وَمثل مَا قبلوا من هَذَا النُّور ".
هَذَا مثل مَضْرُوب لعمل الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَإِن الْيَهُود طَال زمن عَمَلهم وَزَاد على مُدَّة النَّصَارَى، وَلِأَنَّهُ كَانَ بَين مُوسَى وَعِيسَى - فِي رِوَايَة أبي صَالح ابْن عَبَّاس - ألف سنة وسِتمِائَة سنة وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة، وَفِي قَول ابْن إِسْحَق ألف سنة وَتِسْعمِائَة وتسع عشرَة سنة، وَلَا يخْتَلف النَّاس أَنه كَانَ بَين عِيسَى وَنَبِينَا صلى الله عَلَيْهِمَا سِتّمائَة سنة، فَلهَذَا جعل عمل الْيَهُود من أول النَّهَار إِلَى وَقت الظّهْر، وَجعل عمل النَّصَارَى من الظّهْر إِلَى الْعَصْر. ثمَّ قد اتّفق أَيْضا تَقْدِيم الْيَهُود على النَّصَارَى فِي الزَّمَان مَعَ طول عمل أُولَئِكَ وَقصر عمل هَؤُلَاءِ. فَأَما عمل الْمُسلمين فَإِنَّهُ جعل مَا بَين الْعَصْر إِلَى الْمغرب، وَذَاكَ أقل الْكل فِي مُدَّة الزَّمَان.
فَرُبمَا قَالَ قَائِل: فَهَذِهِ الْأمة قد قاربت سِتّمائَة سنة من بعثة
стр. 419
رَسُول الله ﷺ فَكيف يكون زمانها أقل؟
فَالْجَوَاب: أَن عَملهَا أسهل، وأعمار الْمُكَلّفين أقصر، والساعة إِلَيْهِم أقرب، فَجَاز لذَلِك أَي يقلل زمَان عَمَلهم.
والنور: الْإِسْلَام وَالْقُرْآن.
٣٩٢ - / ٤٧٧ _ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " وفكوا العاني ".
يَعْنِي الْأَسير، وفكاكه: السَّعْي فِي إِطْلَاقه.
٣٩٣ - / ٤٧٨ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" إِن أَبْوَاب الْجنَّة تَحت ظلال السيوف ".
هَذَا مثل، وَالْمرَاد بِهِ أَن دُخُول الْجنَّة يكون بِالْجِهَادِ. والظلال جمع ظلّ، فَإِذا دنا الشَّخْص من الشَّخْص صَار تَحت ظلّ سَيْفه.
وَقَوله: فَقَامَ رجل فَكسر جفن سَيْفه - يَعْنِي الغمد. وَإِنَّمَا كسر الغمد على عزم أَلا يغمد السَّيْف، وَهَذَا الرجل كَانَ صَاحب همة عالية، فَلَمَّا صحت عِنْده الْفَضِيلَة جد نَحْوهَا.
٣٩٤ - / ٤٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كَانَ رَسُول الله ﷺ كثيرا مِمَّا يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء.
فِي هَذَا دَلِيل على اسْتِحْبَاب النّظر إِلَى السَّمَاء لمَكَان الِاعْتِبَار بهَا،
стр. 420
وَقد قَالَ : ﴿قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ [يُونُس: ١٠١] ﴿أفلم ينْظرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقهم كَيفَ بنيناها﴾ [ق: ٦] وَفِي هَذَا رد على جهلة المتعبدين الَّذين وصفوا بِأَن أحدهم بَقِي سِنِين لَا يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء حَيَاء من الله ، وَلَوْلَا جهل هَؤُلَاءِ لعلموا أَن إطراقهم إِلَى الأَرْض فِي بَاب الْحيَاء كرفع الْأَبْصَار إِلَى السَّمَاء، وَلَكِن الْجَهْل يتلاعب بالعباد والزهاد، فَلَا يخلص مِنْهُ إِلَّا علماؤهم.
وَقَوله: " أَنا أَمَنَة لِأَصْحَابِي " الأمنة: الْأَمْن.
وَقَوله: " أَتَى السَّمَاء مَا توعد " إِشَارَة إِلَى تشققها وذهابها.
وَقَوله: " أَتَى أَصْحَابِي مَا يوعدون " إِشَارَة إِلَى وُقُوع الْفِتَن، وَكَذَلِكَ عِنْد ذهَاب أَصْحَابه. وَالْإِشَارَة إِلَى مَجِيء الشَّرّ عِنْد ذهَاب أهل الْخَيْر، فَإِنَّهُ لما كَانَ ﵇ بَين أظهرهم كَانَ يبين مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَيَدْعُو إِلَى الصَّوَاب، فَلَمَّا عدم جالت الاراء وَاخْتلفت، إِلَّا أَن كل صَحَابِيّ يسند القَوْل إِلَى الرَّسُول فِي قَول أَو فعل أَو دلَالَة حَال، فَلَمَّا فقدت الصَّحَابَة قل النُّور وقويت الظُّلم.
٣٩٥ - / ٢٨١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة نَاس من الْمُسلمين بذنوب أَمْثَال الْجبَال يغفرها الله لَهُم ويضعها على الْيَهُود وَالنَّصَارَى ".
فَإِن قيل: كَيفَ يكون هَذَا وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] ٤١٧ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
стр. 421
احدهما: أَن يكون الْمَعْنى يعذب بِمِثْلِهَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَفعَال الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَكَأَنَّهُ سامح الْمُسلمين فِي شَيْء لم يسامح بِهِ غَيرهم.
وَالثَّانِي: أَن يُضَاعف عِقَاب الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَيكون بِقدر جرمهم وجرم غَيرهم، وَله أَن يُضَاعف ويخفف.
٣٩٦ - / ٤٨٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " الْمُؤمن يَأْكُل فِي معى وَاحِد، وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء ".
المعى مَقْصُورَة وَجَمعهَا أمعاء ممدودة. قَالَ الْفراء: جَاءَ فِي الحَدِيث معى وَاحِدَة، وَوَاحِد أعجب إِلَيّ، وَأكْثر كَلَام الْعَرَب تذكره، وَرُبمَا أنثوه كَأَنَّهُ وَاحِد دلّ على جمع، قَالَ الْقطَامِي:
(كَأَن نسوع رحلي حِين ضمت ... حوالب غزرا ومعى جياعا)
وَلِهَذَا الحَدِيث مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَن الْمُؤمن يُسَمِّي الله إِذا أكل، فَيحصل لَهُ شَيْئَانِ: الْبركَة فِي الطَّعَام، وَدفع الشَّيْطَان عَنهُ، فَيكون المتناول مِنْهُ قَلِيلا، فَكَأَن الْمُؤمن قد أكل فِي معى وَاحِد، وَالْكَافِر لَا يُبَارك لَهُ لعدم التَّسْمِيَة، ويتناول الشَّيْطَان مَعَه فَيذْهب من الطَّعَام كثير، فَكَأَنَّهُ قد أكل فِي سَبْعَة أمعاء.
وَالثَّانِي: أَن الْمُؤمن لاستشعاره الْخَوْف، وَنَظره فِي حل الْمطعم، وحذره من حِسَاب الْكسْب، يقل أكله، وَالْكَافِر لَا يهتم بِشَيْء من
стр. 422
ذَلِك فيكثر أكله، وَلِهَذَا الْمَعْنى ترى من قوي خَوفه وحزنه نحيلا، بِخِلَاف أهل الغفلات.
وَقَالَ أَبُو حَامِد الطوسي: معنى هَذَا الحَدِيث أَن الْكَافِر يَأْكُل سَبْعَة أَضْعَاف مَا يَأْكُلهُ الْمُؤمن، أَو تكون شَهْوَته سَبْعَة أَضْعَاف شَهْوَته، فَيكون المعى كِنَايَة عَن الشَّهْوَة، لِأَن الشَّهْوَة هِيَ الَّتِي تقبل الطَّعَام وتأخذه كَمَا تَأْخُذهُ المعى، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ زِيَادَة عدد معى الْكَافِر على معى الْمُؤمن.
وَقد ذهب أَبُو عبيد إِلَى أَن هَذَا الحَدِيث خَاص فِي رجل بِعَيْنِه كَانَ يكثر الْأكل قبل إِسْلَامه ثمَّ أسلم فنقص ذَلِك، فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ فِيهِ هَذَا. وَأهل مصر يروون أَنه أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ، قَالَ: وَلَا نعلم للْحَدِيث وَجها غير هَذَا، لِأَنَّك تَجِد من الْمُسلمين من يكثر أكله، وَمن الْكفَّار من يقل أكله. وَقد روى عَطاء بن يسَار عَن جَهْجَاه الْغِفَارِيّ أَنه قدم فِي نفر من قومه يُرِيدُونَ الْإِسْلَام، فَحَضَرُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ الْمغرب، فَلَمَّا سلم قَالَ: " ليَأْخُذ كل رجل مِنْكُم بيد جليسه " قَالَ: فَلم يبْق فِي الْمَسْجِد غير رَسُول الله ﷺ وغيري، فَذهب بِي رَسُول الله ﷺ إِلَى منزله، فَحلبَ لي عَنْزًا فَأتيت عَلَيْهَا، حَتَّى حلب لي سَبْعَة أعنز فَأتيت عَلَيْهَا، فَلَمَّا أسلمت دَعَاني إِلَى منزله فَحلبَ لي عَنْزًا فرويت وشبعت، فَقَالَت أم أَيمن: يَا رَسُول الله، أَلَيْسَ هَذَا ضيفنا؟ قَالَ: " بلَى، وَلكنه أكل فِي معى مُؤمن اللَّيْلَة وَأكل قبل ذَلِك فِي معى كَافِر، وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء " قلت: وَإِن كَانَ
стр. 423
هَذَا الحَدِيث ورد على سَبَب فلفظه عَام، ثمَّ إِذا حمل على كَافِر بِعَيْنِه فِي أَنه يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء فَكيف يصنع بِالْمُؤمنِ الْكثير الْأكل، وَإِنَّمَا الْكَلَام وَاقع على الْأَغْلَب، وَالسَّبَب مَا ذكرته لَك وَلَا اعْتِبَار بالنادر.
٣٩٧ - / ٤٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " فَجعله لَهَا فرطا ".
الفرط والفارط: الَّذِي يتَقَدَّم إِلَى المَاء لإِصْلَاح مَا يرد عَلَيْهِ أَصْحَابه.
٣٩٨ - / ٤٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " إِذا عطس أحدكُم فَحَمدَ الله فشمتوه، وَإِذا لم يحمد الله فَلَا تشمتوه ".
قَالَ أَبُو عبيد: التشميت: الدُّعَاء، كَقَوْلِك: يَرْحَمك الله، وكل دَاع بِخَير فَهُوَ مشمت ومسمت، بالشين وَالسِّين، والشين أَكثر. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: اشتقاق التشميت بالشين الْمُعْجَمَة كَأَنَّهُ الدُّعَاء بالتثبيت على طَاعَة الله، مَأْخُوذ من الشوامت وَهِي القوائم، واشتقاق التسميت بِالسِّين الْمُهْملَة من السمت وَهُوَ الْهَدْي، كَأَنَّهُ رده إِلَى سمته وهديه. وَحكى أَبُو عمر بن عبد الْبر قَالَ: قَالَ ثَعْلَب: معنى التشميت: أبعد الله عَنْك الشماته وجنبك مَا يشمت بِهِ عَلَيْك، وَمعنى التسميت: جعلك الله على سمت حسن.
٣٩٩ - / ٤٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَن أَبَا مُوسَى اسْتَأْذن على عمر ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ، فَذهب ثمَّ استدعاه عمر فَقَالَ: مَا ردك؟ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " الاسْتِئْذَان ثَلَاث " فَقَالَ عمر: لتَأْتِيني
стр. 424
بِبَيِّنَة وَإِلَّا فعلت وَفعلت، فجَاء أبي بن كَعْب فَشهد.
اعْلَم أَن عمر لم يشك فِي خبر أبي مُوسَى، وَإِنَّمَا خَافَ أَن يتهجم غَيره مِمَّن يشك فِيهِ على الرِّوَايَة، فأدب الْغَيْر بِطَلَب الْبَيِّنَة من أبي مُوسَى ليحذر من لَا يصلح للرواية كَمَا قيل للنَّبِي ﷺ : ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿فَإِن كنت فِي شكّ﴾ [يُونُس: ٩٤] وكما قَالَ ﵇: " لَو سرقت فَاطِمَة لقطعتها ".
٤٠٠ - / ٤٨٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: فِي شَأْن سَاعَة الْجُمُعَة: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " هِيَ مَا بَين أَن يجلس الإِمَام إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة ".
أما سَاعَة الْجُمُعَة فَسَيَأْتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " فِي الْجُمُعَة سَاعَة لَا يُوَافِقهَا مُسلم يسْأَل ربه شَيْئا إِلَّا أَتَاهُ " وَهَذَا الحَدِيث قد بَين وَقت تِلْكَ السَّاعَة. وَقد روى جَابر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " التموسها آخر السَّاعَات بعد الْعَصْر " وَمن حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ : " التمسوها فِيمَا بَين صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس " وَفِي حَدِيث كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: " مَا بَين فرَاغ الإِمَام من الْخطْبَة إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة ". وَهَذَا كثير هُوَ ابْن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف بن
стр. 425
زيد بن ملحة الْمُزنِيّ، ويكنى عَمْرو أَبَا عبد الله، وَله صُحْبَة، وَفِي حَدِيث فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ عَنْهَا فَقَالَ: " إِذا تدلى نصف عين الشَّمْس للغروب " قَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم: لَا تَخْلُو هَذِه الْأَحَادِيث من وَجْهَيْن: إِمَّا أَن بَعْضهَا أصح من بعض. وَإِمَّا أَن تكون هَذِه السَّاعَة تنْتَقل فِي الْأَوْقَات كانتقال لَيْلَة الْقدر فِي ليَالِي الْعشْر.
٤٠١ - / ٤٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُسَمِّي لنا نَفسه أَسمَاء فَقَالَ: " أَنا مُحَمَّد، وَأحمد، والمقفي، وَنَبِي التَّوْبَة، وَنَبِي المرحمة " وَفِي رِوَايَة: " الملحمة ".
اعْلَم أَن لنبينا ثَلَاثَة وَعشْرين اسْما: مُحَمَّد، وَأحمد، والماحي، والحاشر، وَالْعَاقِب، والمقفي، وَنَبِي الرَّحْمَة، وَنَبِي التَّوْبَة، وَنَبِي الملحمة، وَالشَّاهِد، والمبشر، والنذير، والضحوك، والقتال، والمتوكل، والفاتح، والأمين، والمصطفى، وَالرَّسُول، وَالنَّبِيّ، والأمي، والقثم. فقد جعلُوا هَذِه كلهَا أَسمَاء، وَمَعْلُوم أَن بَعْضهَا صِفَات.
وَمعنى الماحي: الَّذِي يمحى بِهِ الْكفْر. والحاشر: الَّذِي يحْشر النَّاس على قَدَمَيْهِ؛ أَي يقدمهم وهم خَلفه. وَالْعَاقِب: آخر الْأَنْبِيَاء. والمقفي فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ تبع الْأَنْبِيَاء، وكل من تبع شَيْئا فقد قَفاهُ. والمرحمة بِمَعْنى الرَّحْمَة. والملاحم: الحروب. والضحوك صفته فِي التَّوْرَاة، قَالَ ابْن فَارس: وَإِنَّمَا قيل لَهُ الضحوك، لِأَنَّهُ كَانَ طيب
следующие страницы →