Полный текст (2 175 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
احدهما: أَن يكون الْمَعْنى يعذب بِمِثْلِهَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَفعَال الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَكَأَنَّهُ سامح الْمُسلمين فِي شَيْء لم يسامح بِهِ غَيرهم.
وَالثَّانِي: أَن يُضَاعف عِقَاب الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَيكون بِقدر جرمهم وجرم غَيرهم، وَله أَن يُضَاعف ويخفف.
٣٩٦ - / ٤٨٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " الْمُؤمن يَأْكُل فِي معى وَاحِد، وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء ".
المعى مَقْصُورَة وَجَمعهَا أمعاء ممدودة. قَالَ الْفراء: جَاءَ فِي الحَدِيث معى وَاحِدَة، وَوَاحِد أعجب إِلَيّ، وَأكْثر كَلَام الْعَرَب تذكره، وَرُبمَا أنثوه كَأَنَّهُ وَاحِد دلّ على جمع، قَالَ الْقطَامِي:
(كَأَن نسوع رحلي حِين ضمت ... حوالب غزرا ومعى جياعا)
وَلِهَذَا الحَدِيث مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَن الْمُؤمن يُسَمِّي الله إِذا أكل، فَيحصل لَهُ شَيْئَانِ: الْبركَة فِي الطَّعَام، وَدفع الشَّيْطَان عَنهُ، فَيكون المتناول مِنْهُ قَلِيلا، فَكَأَن الْمُؤمن قد أكل فِي معى وَاحِد، وَالْكَافِر لَا يُبَارك لَهُ لعدم التَّسْمِيَة، ويتناول الشَّيْطَان مَعَه فَيذْهب من الطَّعَام كثير، فَكَأَنَّهُ قد أكل فِي سَبْعَة أمعاء.
وَالثَّانِي: أَن الْمُؤمن لاستشعاره الْخَوْف، وَنَظره فِي حل الْمطعم، وحذره من حِسَاب الْكسْب، يقل أكله، وَالْكَافِر لَا يهتم بِشَيْء من
стр. 422
ذَلِك فيكثر أكله، وَلِهَذَا الْمَعْنى ترى من قوي خَوفه وحزنه نحيلا، بِخِلَاف أهل الغفلات.
وَقَالَ أَبُو حَامِد الطوسي: معنى هَذَا الحَدِيث أَن الْكَافِر يَأْكُل سَبْعَة أَضْعَاف مَا يَأْكُلهُ الْمُؤمن، أَو تكون شَهْوَته سَبْعَة أَضْعَاف شَهْوَته، فَيكون المعى كِنَايَة عَن الشَّهْوَة، لِأَن الشَّهْوَة هِيَ الَّتِي تقبل الطَّعَام وتأخذه كَمَا تَأْخُذهُ المعى، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ زِيَادَة عدد معى الْكَافِر على معى الْمُؤمن.
وَقد ذهب أَبُو عبيد إِلَى أَن هَذَا الحَدِيث خَاص فِي رجل بِعَيْنِه كَانَ يكثر الْأكل قبل إِسْلَامه ثمَّ أسلم فنقص ذَلِك، فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ فِيهِ هَذَا. وَأهل مصر يروون أَنه أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ، قَالَ: وَلَا نعلم للْحَدِيث وَجها غير هَذَا، لِأَنَّك تَجِد من الْمُسلمين من يكثر أكله، وَمن الْكفَّار من يقل أكله. وَقد روى عَطاء بن يسَار عَن جَهْجَاه الْغِفَارِيّ أَنه قدم فِي نفر من قومه يُرِيدُونَ الْإِسْلَام، فَحَضَرُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ الْمغرب، فَلَمَّا سلم قَالَ: " ليَأْخُذ كل رجل مِنْكُم بيد جليسه " قَالَ: فَلم يبْق فِي الْمَسْجِد غير رَسُول الله ﷺ وغيري، فَذهب بِي رَسُول الله ﷺ إِلَى منزله، فَحلبَ لي عَنْزًا فَأتيت عَلَيْهَا، حَتَّى حلب لي سَبْعَة أعنز فَأتيت عَلَيْهَا، فَلَمَّا أسلمت دَعَاني إِلَى منزله فَحلبَ لي عَنْزًا فرويت وشبعت، فَقَالَت أم أَيمن: يَا رَسُول الله، أَلَيْسَ هَذَا ضيفنا؟ قَالَ: " بلَى، وَلكنه أكل فِي معى مُؤمن اللَّيْلَة وَأكل قبل ذَلِك فِي معى كَافِر، وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء " قلت: وَإِن كَانَ
стр. 423
هَذَا الحَدِيث ورد على سَبَب فلفظه عَام، ثمَّ إِذا حمل على كَافِر بِعَيْنِه فِي أَنه يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء فَكيف يصنع بِالْمُؤمنِ الْكثير الْأكل، وَإِنَّمَا الْكَلَام وَاقع على الْأَغْلَب، وَالسَّبَب مَا ذكرته لَك وَلَا اعْتِبَار بالنادر.
٣٩٧ - / ٤٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " فَجعله لَهَا فرطا ".
الفرط والفارط: الَّذِي يتَقَدَّم إِلَى المَاء لإِصْلَاح مَا يرد عَلَيْهِ أَصْحَابه.
٣٩٨ - / ٤٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " إِذا عطس أحدكُم فَحَمدَ الله فشمتوه، وَإِذا لم يحمد الله فَلَا تشمتوه ".
قَالَ أَبُو عبيد: التشميت: الدُّعَاء، كَقَوْلِك: يَرْحَمك الله، وكل دَاع بِخَير فَهُوَ مشمت ومسمت، بالشين وَالسِّين، والشين أَكثر. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: اشتقاق التشميت بالشين الْمُعْجَمَة كَأَنَّهُ الدُّعَاء بالتثبيت على طَاعَة الله، مَأْخُوذ من الشوامت وَهِي القوائم، واشتقاق التسميت بِالسِّين الْمُهْملَة من السمت وَهُوَ الْهَدْي، كَأَنَّهُ رده إِلَى سمته وهديه. وَحكى أَبُو عمر بن عبد الْبر قَالَ: قَالَ ثَعْلَب: معنى التشميت: أبعد الله عَنْك الشماته وجنبك مَا يشمت بِهِ عَلَيْك، وَمعنى التسميت: جعلك الله على سمت حسن.
٣٩٩ - / ٤٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَن أَبَا مُوسَى اسْتَأْذن على عمر ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ، فَذهب ثمَّ استدعاه عمر فَقَالَ: مَا ردك؟ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " الاسْتِئْذَان ثَلَاث " فَقَالَ عمر: لتَأْتِيني
стр. 424
بِبَيِّنَة وَإِلَّا فعلت وَفعلت، فجَاء أبي بن كَعْب فَشهد.
اعْلَم أَن عمر لم يشك فِي خبر أبي مُوسَى، وَإِنَّمَا خَافَ أَن يتهجم غَيره مِمَّن يشك فِيهِ على الرِّوَايَة، فأدب الْغَيْر بِطَلَب الْبَيِّنَة من أبي مُوسَى ليحذر من لَا يصلح للرواية كَمَا قيل للنَّبِي ﷺ : ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿فَإِن كنت فِي شكّ﴾ [يُونُس: ٩٤] وكما قَالَ ﵇: " لَو سرقت فَاطِمَة لقطعتها ".
٤٠٠ - / ٤٨٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: فِي شَأْن سَاعَة الْجُمُعَة: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " هِيَ مَا بَين أَن يجلس الإِمَام إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة ".
أما سَاعَة الْجُمُعَة فَسَيَأْتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " فِي الْجُمُعَة سَاعَة لَا يُوَافِقهَا مُسلم يسْأَل ربه شَيْئا إِلَّا أَتَاهُ " وَهَذَا الحَدِيث قد بَين وَقت تِلْكَ السَّاعَة. وَقد روى جَابر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " التموسها آخر السَّاعَات بعد الْعَصْر " وَمن حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ : " التمسوها فِيمَا بَين صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس " وَفِي حَدِيث كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: " مَا بَين فرَاغ الإِمَام من الْخطْبَة إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة ". وَهَذَا كثير هُوَ ابْن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف بن
стр. 425
زيد بن ملحة الْمُزنِيّ، ويكنى عَمْرو أَبَا عبد الله، وَله صُحْبَة، وَفِي حَدِيث فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ عَنْهَا فَقَالَ: " إِذا تدلى نصف عين الشَّمْس للغروب " قَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم: لَا تَخْلُو هَذِه الْأَحَادِيث من وَجْهَيْن: إِمَّا أَن بَعْضهَا أصح من بعض. وَإِمَّا أَن تكون هَذِه السَّاعَة تنْتَقل فِي الْأَوْقَات كانتقال لَيْلَة الْقدر فِي ليَالِي الْعشْر.
٤٠١ - / ٤٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُسَمِّي لنا نَفسه أَسمَاء فَقَالَ: " أَنا مُحَمَّد، وَأحمد، والمقفي، وَنَبِي التَّوْبَة، وَنَبِي المرحمة " وَفِي رِوَايَة: " الملحمة ".
اعْلَم أَن لنبينا ثَلَاثَة وَعشْرين اسْما: مُحَمَّد، وَأحمد، والماحي، والحاشر، وَالْعَاقِب، والمقفي، وَنَبِي الرَّحْمَة، وَنَبِي التَّوْبَة، وَنَبِي الملحمة، وَالشَّاهِد، والمبشر، والنذير، والضحوك، والقتال، والمتوكل، والفاتح، والأمين، والمصطفى، وَالرَّسُول، وَالنَّبِيّ، والأمي، والقثم. فقد جعلُوا هَذِه كلهَا أَسمَاء، وَمَعْلُوم أَن بَعْضهَا صِفَات.
وَمعنى الماحي: الَّذِي يمحى بِهِ الْكفْر. والحاشر: الَّذِي يحْشر النَّاس على قَدَمَيْهِ؛ أَي يقدمهم وهم خَلفه. وَالْعَاقِب: آخر الْأَنْبِيَاء. والمقفي فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ تبع الْأَنْبِيَاء، وكل من تبع شَيْئا فقد قَفاهُ. والمرحمة بِمَعْنى الرَّحْمَة. والملاحم: الحروب. والضحوك صفته فِي التَّوْرَاة، قَالَ ابْن فَارس: وَإِنَّمَا قيل لَهُ الضحوك، لِأَنَّهُ كَانَ طيب
стр. 426
النَّفس فكها، وَقَالَ: " إِنِّي لأمزح ". والقثم من مَعْنيين: أَحدهمَا: من القثم وَهُوَ الْإِعْطَاء، يُقَال: قثم لَهُ من الْعَطاء يقثم: إِذا أعطَاهُ، وَكَانَ ﵇ أَجود من الرّيح الهابة. وَالثَّانِي: من القثم وَهُوَ الْجمع، يُقَال للرجل الجموع للخير قثوم وَقثم.
٤٠٢ - / ٤٨٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: " إِن الله لَا ينَام، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام ".
أَي أَن النّوم يَسْتَحِيل عَلَيْهِ.
والقسط: الْعدْل، يُقَال: أقسط يقسط فَهُوَ مقسط: إِذا عدل، وقسط يقسط فَهُوَ قاسط: إِذا جَار. وَيحْتَمل الْكَلَام مَعْنيين: أَحدهمَا: أَن يشبه الْقسْط بميزان، وَالَّذِي يزن يخْفض وَيرْفَع. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: يخْفض بِالْعَدْلِ وَيرْفَع بِالْعَدْلِ.
وَأما الْحجاب فَيَنْبَغِي أَن يعلم أَنه حجاب الْمَخْلُوق عَنهُ، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون محجوبا، لِأَن الْحجاب يكون أكبر مِمَّا يستره ويستحيل عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو متناهيا محاذيا، إِذْ جَمِيع
стр. 427
ذَلِك من عَلَامَات الْحَدث.
وَقَوله " لأحرقت سبحات وَجهه " قَالَ أَبُو عبيد: وَيُقَال فِي السبحة إِنَّهَا جلال وَجهه ونوره، وَمِنْه قيل سُبْحَانَ الله، إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيم لَهُ وتنزيه. قَالَ: وَلم نسْمع هَذَا الْحَرْف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث.
٤٠٣ - / ٤٨٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: " إِن الله يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسيء النَّهَار، ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسيء اللَّيْل حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا ".
لما كَانَت التَّوْبَة كالمبايعة والمعاهدة حصل ضرب مثل هَذَا الْمثل لَهَا. فَأَما طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا فعلامة على امْتنَاع قبُول التَّوْبَة.
٤٠٤ - / ٤٩٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: قَالَ حطَّان: صليت خلف أبي مُوسَى، فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْقعدَة قَالَ رجل من الْقَوْم: أقرَّت الصَّلَاة بِالْبرِّ وَالزَّكَاة، فَلَمَّا سلم أَبُو مُوسَى قَالَ: أَيّكُم الْقَائِل؟ فأرم الْقَوْم. فَقَالَ: لَعَلَّك قلتهَا يَا حطَّان. قلت: مَا قلتهَا، وَلَقَد رهبت أَن تبكعني بهَا.
قَوْله: عِنْد الْقعدَة يَعْنِي حَالَة الْقعُود.
وَقَوله: أقرَّت الصَّلَاة بِالْبرِّ. هَذَا الرجل تكلم بِكَلَام من عِنْده فِي الصَّلَاة، فَلذَلِك أنكر أَبُو مُوسَى.
وأرم الْقَوْم: سكتوا مطرقين، قَالَ الشَّاعِر:
стр. 428
(يردن وَاللَّيْل مرم طَائِره ... )
ورهبت: خفت.
وَيُقَال: بكعت الرجل أبكعه بكعا: إِذا استقبلته بِمَا يكره.
والمغضوب عَلَيْهِم الْيَهُود. والضالون النَّصَارَى.
وَأما قَوْله آمين فَفِي مَعْنَاهَا ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنَّهَا بِمَعْنى: كَذَلِك يكون، حَكَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّانِي: أَن مَعْنَاهَا اللَّهُمَّ استجب، قَالَه الْحسن، وَاخْتَارَهُ الزّجاج.
وَالثَّالِث: أَنه اسْم من أَسمَاء الله ، قَالَه مُجَاهِد. وَقَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ: مَعْنَاهَا: يَا الله، ويضمر الدَّاعِي: استجب. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْمَعْنى: يَا أَمِين، أجب دعاءنا، فَسَقَطت " يَا " كَمَا سَقَطت فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوسُف أعرض عَن هَذَا﴾ [يُوسُف: ٢٩] وَمن طول الْألف فَقَالَ آمين أَدخل ألف النداء على ألف أَمِين، كَمَا يُقَال: آزيد، أقبل، وَمَعْنَاهُ: يَا زيد. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هَذَا القَوْل خطأ عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين؛ لِأَنَّهُ إِذا دخل " يَا " على " أَمِين " كَانَ منادى مُفردا، فَحكم آخِره الرّفْع، فَلَمَّا أَجمعت الْعَرَب على فتح نونه دلّ على أَنه غير منادى. وَإِنَّمَا فتحت نونه لسكونها وَسُكُون الْيَاء الَّتِي قبلهَا، كَمَا تَقول لَيْت وَلَعَلَّ.
стр. 429
وَفِي أَمِين لُغَتَانِ: الْقصر وَالْمدّ، وَالنُّون فيهمَا مَفْتُوحَة، قَالَ: وأنشدنا أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي:
(سقى الله حَيا بَين صارة والحمى ... حمى فيد صوب المدجنات المواطر)
(أَمِين وَأدّى الله ركبا إِلَيْهِم ... بِخَير ووقاهم حمام المقادر)
وأنشدنا أَبُو الْعَبَّاس:
(تبَاعد مني فطحل إِذْ سَأَلته ... أَمِين فَزَاد الله مَا بَيْننَا بعدا)
وأنشدنا أَبُو الْعَبَّاس:
(يَا رب لَا تسلبني حبها أبدا ... وَيرْحَم الله عبدا قَالَ آمينا)
وأنشدني أبي:
(أَمِين وَمن أَعْطَاك مني هوادة ... رمى الله فِي أَطْرَافه فاقفعلت)
وأنشدني أبي:
стр. 430
(فَقلت لَهُ قد هجت لي بارح الْهوى ... أصَاب حمام الْمَوْت أهوننا وجدا)
(أَمِين وأضناه الْهوى فَوق مَا بِهِ ... أَمِين ولاقى من تباريحه جهدا)
وَقَوله: " فَتلك بِتِلْكَ " فِيهِ وَجْهَان:
أَحدهمَا: فَتلك الدعْوَة مُتَعَلقَة بِتِلْكَ الْكَلِمَة. أَي أَن استجابة الدُّعَاء الْمَذْكُور فِي الْفَاتِحَة مُعَلّق بآمين، وَقَول: سمع الله لمن حَمده مُعَلّق بقوله: رَبنَا وَلَك الْحَمد.
وَالثَّانِي: أَن الْإِشَارَة إِلَى الصَّلَاة. وَالْمعْنَى أَن صَلَاتكُمْ معلقَة بِصَلَاة الإِمَام فَاتَّبعُوهُ وَلَا تخالفوه.
وَقَوله: سمع الله لمن حَمده: أَي أجَاب الله من حَمده، وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي:
(دَعَوْت الله حَتَّى خفت أَلا ... يكون الله يسمع مَا أَقُول)
وَقَوله: يسمع الله لكم: أَي يستجيب.
وَقد سبق تَفْسِير مَا أخللنا بِهِ من الحَدِيث.
стр. 431
كشف الْمُشكل من مُسْند جرير بن عبد الله البَجلِيّ
روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة عشر حَدِيثا.
٤٠٥ - / ٤٩٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الثَّالِث: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَة مَعَ النَّبِي ﷺ فَنظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة أَربع عشرَة فَقَالَ: " إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا، لَا تضَامون فِي رُؤْيَته ".
هَذَا تَشْبِيه بإيضاح الرُّؤْيَة لابالمرئي. وَقَوله: " لَا تضَامون " قد رويت على سِتَّة أوجه:
الرِّوَايَة الأولى: تضَامون بِضَم التَّاء وَالتَّخْفِيف الْمِيم وَعَلَيْهَا أَكثر الروَاة، وَالْمعْنَى: لَا ينالكم ضيم، والضيم: الظُّلم، وَرجل مضيم: مظلوم، وَهَذَا الضيم يلْحق الرَّائِي من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: من مزاحمة الناظرين لَهُ. وَالثَّانِي: من تَأَخره عَن مقَام النَّاظر الْمُحَقق
стр. 432
فَكَأَن الْمُتَقَدِّمين ضاموه، ورؤية الْحق يَسْتَوِي فِيهَا الْكل وَلَا ضيم. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الضيم: الذل وَالصغَار، فَكَأَنَّهُ يذل من سبق بِالرُّؤْيَةِ أَو حرم تحقيقها، وَالْأَصْل " يضيمون " فألقيت فَتْحة الْيَاء على الضَّاد فَصَارَت الْيَاء ألفا لانفتاح مَا قبلهَا.
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: تضَامون بِضَم التَّاء وَتَشْديد الْمِيم.
وَالثَّالِثَة: بِفَتْح التَّاء مَعَ تَشْدِيد الْمِيم. حَكَاهُمَا الزّجاج، وَقَالَ: الْمَعْنى فيهمَا: لَا تتضامون: أَي لَا يَنْضَم بَعْضكُم إِلَى بعض، فَيَقُول: هَذَا لهَذَا: أرأيته؟ كَمَا تَفْعَلُونَ عِنْد النّظر إِلَى الْهلَال.
وَالرِّوَايَة الرَّابِعَة: لَا تضَارونَ بِضَم التَّاء.
وَالْخَامِسَة: تضَارونَ بِفَتْح التَّاء وَالرَّاء مَكَان الْمِيم فِي الرِّوَايَتَيْنِ مُشَدّدَة، ذكرهمَا الزّجاج وَقَالَ: الْمَعْنى: لَا تتضارون، أَي لَا يضار بَعْضكُم بَعْضًا بالمخالفة فِي ذَلِك، يُقَال: ضاررت الرجل أضاره مضارة وضرارا: إِذا خالفته. وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: هُوَ " يتفاعلون " من الضرار: أَي لَا يتنازعون ويختلفون، قَالَ الشَّاعِر:
(فيلتئم الصدع صدع الإخاء ... وَيتْرك أهل الضرار الضرارا)
وَالرِّوَايَة السَّادِسَة: تضَارونَ بِضَم التَّاء وَتَخْفِيف الرَّاء. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تضَارونَ تَفْعَلُونَ من الضير، والضير والضر وَاحِد: أَي لَا يَقع لكم فِي رُؤْيَته ضرّ إِمَّا بالمخالفة والمنازعة، أَو لخفاء المرئي.
وَقَوله: " سَتَرَوْنَ ربكُم عيَانًا " ذكر العيان تَأْكِيد للرؤية وَتَحْقِيق لَهَا.
وَقَوله: " فَإِن اسْتَطَعْتُم أَلا تغلبُوا على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس " يَعْنِي الْفجْر، " وَقبل غُرُوبهَا " يَعْنِي: الْعَصْر. وَوجه الْمُنَاسبَة بَين ذكر الرُّؤْيَة والصلاتين أَنَّهُمَا من أفضل الْقرب، فَإِنَّهُ قَالَ فِي صَلَاة
стр. 433
الْفجْر: ﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٨] وَقَالَ فِي صَلَاة الْعَصْر: ﴿وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٨] فَكَأَنَّهُ يَقُول: دوموا على أفضل الْقرب لتنالوا أفضل العطايا.
٤٠٦ - / ٤٩٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ بَال ثمَّ تَوَضَّأ وَمسح على خفيه. قَالَ إِبْرَاهِيم - يَعْنِي النَّخعِيّ: كَانَ أَصْحَاب عبد الله يعجبهم هَذَا الحَدِيث؛ لِأَن إِسْلَام جرير كَانَ بعد نزُول " الْمَائِدَة ".
وَفَائِدَة هَذَا أَنه قد خص عُمُوم الْقُرْآن بِالْحَدِيثِ.
٤٠٧ - / ٤٩٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " استنصت لي النَّاس " ثمَّ قَالَ: " لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض ".
استنصت: أَي مرهم بالإنصات.
وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَنه من قَاتل مُسلما بِلَا تَأْوِيل فَإِنَّمَا قَاتله لإسلامه فيكفر بذلك.
٤٠٨ - / ٥٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: فِي إحراق بَيت كَانَ للجاهلية يُقَال لَهُ الْكَعْبَة اليمانية، قَالَ جرير: مَا جئْتُك حَتَّى تركناها كَأَنَّهَا جمل أجرب.
وَشبه مَا بهَا من آثَار الإحراق وَالنَّقْص بِمَا بالجمل الأجرب.
стр. 434
٤٠٩ - / ٥٠٢ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يلوي نَاصِيَة فرس بإصبعيه وَيَقُول: " الْخَيل مَعْقُود بنواصيها الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة: الْأجر وَالْغنيمَة ".
النواصي جمع نَاصِيَة، والناصية: مقدم شعر الرَّأْس من الْآدَمِيّ، وَهُوَ من الدَّابَّة شعر الْقَفَا، وَهَذَا مِمَّا ذكر مِنْهُ الْبَعْض وَالْمرَاد الْكل، وَقد يُقَال عَن العَبْد: نَاصِيَة مباركة.
وَقَوله: " الْأجر وَالْغنيمَة " جَامع لفوائد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
٤١٠ - / ٥٠٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن نظرة الْفجأَة فَأمرنِي أَن أصرف بَصرِي. نظرة الْفجأَة: هِيَ وُقُوع الْبَصَر على مَا لم يقْصد بِالنّظرِ، وَتلك حَالَة قد جمعت وصفين: أَحدهمَا: أَنَّهَا لم تقصد، فَلَا إِثْم. وَالثَّانِي: أَن الطَّبْع لَيْسَ بحاضر، لِأَنَّهُ مَتى وَقع الْبَصَر على شخص فصرف فِي الْحَال كَانَ كَأَن الْإِنْسَان لم ير، فَأَما إِذا استدام أَو كرر حضر الطَّبْع فَوَقع الْفساد.
٤١١ - / ٥٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " إِذا أَتَاكُم الْمُصدق فليصدر عَنْكُم وَهُوَ رَاض ".
الْمُصدق هَاهُنَا هُوَ السَّاعِي لجمع الزَّكَاة. ومصدقو رَسُول الله ﷺ كَانُوا من خِيَار مصدقيه، فَلَا غش فيهم وَلَا كدر، فَكَأَنَّهُ عرض للمعطين بأنكم أَنْتُم المقصرون فِي أَدَاء الْحق حِين قَالَ وَقد شكوا
стр. 435
مصدقيه: " أرضوا مصدقيكم ".
٤١٢ - / ٥٠٥ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " أَيّمَا عبد أبق فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة ".
ذمَّة الْإِسْلَام أوجبت على السَّيِّد مُرَاعَاة العَبْد وَألا يحْبسهُ وَلَا يُعَاقِبهُ فَإِذا أبق جَازَ لَهُ أَخذه وحبسه وعقوبته.
وَقَوله: " لم تقبل لَهُ صَلَاة " مَحْمُول على إِذا مَا اسْتحلَّ الْإِبَاق، وَبِذَلِك يكفر، فقد يمْتَنع قبُول الصَّلَاة بالمعصية، فَإِنَّهُ قد قَالَ ﵇: " من شرب الْخمر لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا " وَيجوز أَن يُرَاد بالْكفْر كفر النِّعْمَة، وَالله أعلم.
٤١٣ - / ٥٠٦ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: جَاءَهُ قوم عُرَاة مجتابي النمار أَو العباء، فتمعر وَجه رَسُول الله ﷺ .
النمار جمع نمرة: وَهِي كسَاء من صوف ملون مخطط. واجتابوها: قطعوها فَلَبِسُوهَا، وأصل الجوب الْقطع، وَمِنْه: ﴿جابوا الصخر بالواد﴾ [الْفجْر: ٩] .
والعباء جمع، واحده عباءة وعباية: وَهِي ضرب من الأكسية.
تمعر: تغير مِمَّا شقّ عَلَيْهِ من أَمرهم.
والفاقة: الْفقر.
стр. 436
وأصل الكوم مَا ارْتَفع وأشرف.
وَقَوله: كَأَنَّهُ مذهبَة؛ كَانَ شَيخنَا أَبُو الْفضل بن نَاصِر يَقُول بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْبَاء، يُشِير إِلَى لون الذَّهَب وإشراقه، كَأَن الْمَعْنى: كَأَنَّهُ مرْآة مذهبَة: أَي مطلية بِالذَّهَب. وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحميدِي: كَأَنَّهُ مدهنة، بِالدَّال غير الْمُعْجَمَة وَالنُّون، قَالَ: والمدهن نقرة فِي الْجَبَل يستنقع فِيهَا مَاء الْمَطَر. والمدهن أَيْضا: مَا جعل فِيهِ الدّهن، والمدهنة من ذَلِك، شبه صفاء وَجهه بإشراق السرُور بصفاء هَذَا المَاء المستنقع فِي الْحجر أَو بصفاء الدّهن.
وَقَوله: " من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة " أَي فعل فعلا جميلا فاقتدي بِهِ وَكَذَلِكَ إِذا فعل فعلا قبيحا فاقتدي بِهِ فليجتهد الْإِنْسَان فِي فعل خير يلْحقهُ ثَوَابه بعد مَوته، وليحذر من فعل شَرّ يُدْرِكهُ إثمه بعد تلفه.
٤١٤ - / ٥٠٧ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " من يحرم الرِّفْق يحرم الْخَيْر ".
وَهَذَا لِأَن عُمُوم الْأَشْيَاء لَا تتمّ إِلَّا بالرفق، فَإِذا حرمه الْإِنْسَان لم يكد غَرَضه يتم.
стр. 437
كشف الْمُشكل من مُسْند أبي جُحَيْفَة وهب بن عبد الله السوَائِي
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة أَحَادِيث.
٤١٥ - / ٥٠٨ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فَرَأَيْت بَيَاضًا تَحت شفته السُّفْلى - العنفقة.
العنفقة: الشّعْر الَّذِي تَحت الشّفة السُّفْلى، وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ شَاب يَسِيرا، وَقد ذكرنَا شَيْبه وَمَا روى من خضابه فِي كتاب " الشيب ".
وَقَوله: أبري النبل. النبل: السِّهَام، وبريها إصلاحها. وأريشها: أجعَل لَهَا الريش.
٤١٦ - / ٥٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أتيت النَّبِي ﷺ بِمَكَّة وَهُوَ بِالْأَبْطح، فَخرج بِلَال بوضوئه، فَمن نَاضِح ونائل.
الأبطح والبطحاء والبطيحة: كل مَكَان متسع من الأَرْض.
стр. 438
وَالْوُضُوء بِفَتْح الْوَاو: المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ.
والناضح: الَّذِي يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا يَسِيرا. والنائل ينَال أَكثر من ذَلِك.
والبلل: نداوة الْيَد.
وأتتبع فَاه: أميل مَعَه يَمِينا وَشمَالًا.
وَحي على الصَّلَاة مَعْنَاهُ: هلموا وَأَقْبلُوا. والفلاح: الْفَوْز، وَيُقَال: الْبَقَاء.
والعنزة: الحربة. وركزها: أثبتها فِي الأَرْض.
٤١٧ - / ٥١٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَمر لنا بِثَلَاثَة عشر قلوصا.
القلوص: النَّاقة الطَّوِيلَة القوائم، وَقيل: القوية على السّير من النوق.
وَقَوله: كَانَ قد شمط. الشمط: اخْتِلَاط الشيب بسواد الشّعْر، وَمِنْه سمي الصَّباح شميطا لاختلاطه بباقي ظلمَة اللَّيْل.
٤١٨ - / ٥١١ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
زار سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء، فَرَأى أم الدَّرْدَاء متبذلة.
أَي فِي ثِيَاب البذلة: وَهِي خلاف ثِيَاب التجمل والتزين، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاء من الزهاد، وَكَذَلِكَ كَانَ سلمَان لكنه كَانَ أفقه من أبي الدَّرْدَاء، وَلذَلِك جَاءَ فِي حَدِيث آخر: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: " يَا عُوَيْمِر،
стр. 439
سلمَان أفقه مِنْك ".
وَقد مضى خلق كثير من الزهاد وَقلت علومهم، فحملوا على النُّفُوس فَوق الطَّاقَة من التَّعَبُّد وهجر مَا يصلح النَّفس ويقيمها، ظنا مِنْهُم بِأَن المُرَاد من العَبْد ذَلِك، وَمَا أخوفني عَلَيْهِم من الْعقُوبَة بِمَا طلبُوا بِهِ المثوبة، فكم فيهم من سالك طَرِيق الرهبنة وَعِنْده أَنه على الشَّرْع، وَكم فيهم من تزوج وَترك الزَّوْجَة لَا أَيّمَا وَلَا ذَات بعل، وَكم فيهم من تبتل بترك النِّكَاح أصلا وَهَذِه رهبنة، وَكم فيهم من منع نَفسه مَا يصلحها حَتَّى خرج الْأَمر بِهِ إِلَى الْأَمْرَاض الشَّدِيدَة، وَإِنَّمَا الْبدن كالناقة، وَالنَّفس كالراكب، وَمَتى لم يرفق الرَّاكِب بالناقة لم تبلغه، فَعَلَيْك بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُول ﷺ ، وَلَا تقتد بمعظم فِي النُّفُوس مَذْكُور بالزهد إِذا كَانَ على خلاف السّنة.
٤١٩ - / ٥١٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: نهى عَن ثمن الدَّم، وَثمن الْكَلْب، وَكسب الْبَغي.
أما ثمن الدَّم فَالْمُرَاد بِهِ أجر الْحجام، وَهَذَا على وَجه الْكَرَاهَة، وَإِنَّمَا كره لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه لَا يعرف قدر مَا يخرج من الدَّم فيتهيأ قطع أُجْرَة لذَلِك. وَالثَّانِي: أَن هَذَا مِمَّا يعين فِيهِ الْمُسلمُونَ بَعضهم بَعْضًا، كَغسْل الْمَيِّت وَدَفنه، فَلَا يَنْبَغِي للْمُسلمِ إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمُسلم فِي هَذَا أَن يَأْخُذ عَنهُ أُجْرَة.
وَأما الْكَلْب فعندنا لَا يجوز بَيْعه وَإِن كَانَ معلما. وَقَالَ أَبُو حنيفَة:
стр. 440
يجوز. وَعَن الْمَالِكِيَّة كالمذهبين. والْحَدِيث دليلنا، وَقد روى النَّهْي عَن ثمن الْكَلْب أَبُو جُحَيْفَة، وَأَبُو مَسْعُود البدري، وَجَابِر بن عبد الله، وكل أَحَادِيثهم فِي الصَّحِيح. وَقد ثَبت أَن ظَاهر النَّهْي التَّحْرِيم إِلَّا أَن تظهر قرينَة أَنه نهي تَنْزِيه كَأُجْرَة الْحجام، فَإِنَّهُ لما أعْطى الْحجام أُجْرَة علمنَا أَنه نهي كَرَاهَة. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: نَهْيه ﷺ عَن ثمن الْكَلْب يدل على فَسَاد العقد؛ لِأَن العقد إِذا صَحَّ كَانَ دفع الثّمن مَأْمُورا بِهِ، فَدلَّ نَهْيه على سُقُوط وُجُوبه، وَإِذا بَطل الثّمن بَطل البيع؛ لِأَن البيع إِنَّمَا هُوَ عقد على شَيْء مَعْلُوم، وَإِذا بَطل الثّمن بَطل الْمُثمن، كَقَوْلِه ﵇: " فجملوها فَبَاعُوهَا وأكلوا أثمانها " فَجعل حكم الثّمن والمثمن سَوَاء.
وَأما الْبَغي فَهِيَ الزَّانِيَة، فَكَانُوا يضْربُونَ على الْإِمَاء الْخراج فيؤدين أُجْرَة أَعمال يعملنها، كالخبز وَغَيره، ويتعبن من خلال ذَلِك، فَيصير كَسْبهنَّ شُبْهَة، فَأَما إِذا لم يعلم لَهَا كسبا إِلَّا الْبَغي فَهُوَ حرَام بحت.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: لعن الواشمة والمستوشمة. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٤٢٠ - / ٥١٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " لَا آكل وَأَنا متكئ ".
стр. 441
الْمَشْهُور فِي معنى هَذَا الحَدِيث أَنه الاتكاء على أحد الْجَانِبَيْنِ، وَفِي ذَلِك شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَنه فعل المتجبرين والمتكبرين. وَالثَّانِي: أَنه يمْنَع من نزُول الطَّعَام كَمَا يَنْبَغِي إِلَى المعى، وَرُبمَا لم يسلم من ضغط يَنَالهُ الْأكل من مجاري طَعَامه. وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ يذهب إِلَى مَذْهَب فِيهِ بعد فَيَقُول: المتكئ هَاهُنَا هُوَ الْمُعْتَمد على الوكاء الَّذِي تَحْتَهُ، وكل من اسْتَوَى قَاعِدا على وطاء فَهُوَ متكئ، والاتكاء مَأْخُوذ من الوكاء، فالمتكئ هُوَ الَّذِي أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوكاء الَّذِي تَحْتَهُ، فَالْمَعْنى: أَنِّي إِذا أكلت لم أقعد مُتكئا على الأوطئة والوسائد فعل من يُرِيد أَن يستكثر من الْأَطْعِمَة، وَلَكِنِّي آكل علقَة فَيكون قعودي مستوفزا. ويروى أَنه كَانَ يَأْكُل مقعيا وَيَقُول: " أَنا عبد آكل مِمَّا يَأْكُل العَبْد ".
стр. 442
كشف الْمُشكل من حَدِيث عدي بن حَاتِم الطَّائِي
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتَّة وَسِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة.
٤٢١ - / ٥١٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " إِذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وَإِن أَصَابَهُ بِعرْض فَلَا تَأْكُله ".
المعراض: نصل عريض لَهُ ثقل ورزانة، فَإِذا أصَاب بحده قطع فذكى، وَإِذا أصَاب بعرضه وقذ فَكَانَت ميتَة. والخرق: الطعْن، والخارق من السِّهَام مَا أصَاب الْغَرَض وَأثر فِيهِ.
وَاعْلَم أَنه يشْتَرط فِي إِبَاحَة الصَّيْد ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَهْلِيَّة الصَّائِد، وصلاحية الْآلَة، وَكَيْفِيَّة الِاصْطِيَاد. فَأَما الْأَهْلِيَّة فَأن يكون الصَّائِد من أهل الذَّكَاة كَالْمُسلمِ والكتابي. فَأَما الْآلَة فنوعان: جوارح وَغير جوارح، فالجوارح نَوْعَانِ: حَيَوَان ومحدد، فالحيوان نَوْعَانِ: أَحدهمَا يصيد بنابه كَالْكَلْبِ والفهد والنمر، وَالثَّانِي بمخلابه كالبازي والصقر وَالْعِقَاب والشاهين. وَإِنَّمَا يُبَاح صيدهن بعد التَّعْلِيم، وَيعلم التَّعْلِيم بِأَن
стр. 443
يُرْسِلهُ فيسترسل، ويدعوه فَيرجع، وَيشْتَرط فِي تَعْلِيم ذِي الناب أَلا يَأْكُل مَا أمْسكهُ وَلَو مرّة. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: حد تَعْلِيم سِبَاع الْبَهَائِم أَن تصيد وَلَا تَأْكُل ثَلَاث مَرَّات. وَأما ذَوُو المخلاب فَلَا يشْتَرط فِي تعليمهن ترك الْأكل؛ لِأَنَّهُنَّ يعلمن بِالْأَكْلِ، وذوو الناب يعلمن بترك الْأكل، فَإِن أكل ذُو الناب من صَيْده بعد تعلمه لم يحرم مَا يقدم من صيوده خلافًا لأبي حنيفَة، وَهل يحرم مَا أكل مِنْهُ؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: فَإِذا أدْرك الصَّيْد وَفِيه حَيَاة فَمَاتَ قبل أَن يذكيه، فَإِن كَانَ ذَلِك قبل الْقُدْرَة على تذكيته أُبِيح، وَإِن أمكنه فَلم يذكه لم يبح، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُبَاح فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
فَأَما الْكَلْب الْأسود فعندنا أَنه لَا يُبَاح صَيْده وَإِن كَانَ معلما؛ لِأَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتْله، وَالْأَمر بِالْقَتْلِ يمْنَع ثُبُوت الند وَيبْطل حكم الْفِعْل، فَيصير وجوده كَالْعدمِ.
وَأما الْجَارِح من المحدد فَكل مَا رمي بِهِ الصَّيْد فجرحه وأنهر دَمه، إِلَّا السن وَالظفر فَإِنَّهُ لَا يُبَاح الصَّيْد بهما، فَإِن رمى الصَّيْد بمحدد فَقتله بثقله وَلم يجرحه لم يحل، وَهَذَا الْمشَار إِلَيْهِ فِي هَذَا الحَدِيث بقوله: " وَإِن أَصَابَهُ بِعرْض فَلَا تَأْكُله " لِأَنَّهُ إِذا أَصَابَهُ بعرضه فَإِنَّمَا أَصَابَته خَشَبَة السهْم لَا حديدها الَّذِي يسيل الدَّم. فَإِن نصب منجلا أَو سكينا فجرح
стр. 444
الصَّيْد فَقتله حل. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يحل.
وَأما غير الْجَوَارِح كالشبكة والفخ فَإِنَّهُ إِذا حصل فِيهَا الصَّيْد لم يبح أكله حَتَّى يدْرك وَبِه حَيَاة مُسْتَقِرَّة فيذكى.
وَأما كَيْفيَّة الِاصْطِيَاد فَيشْتَرط فِيهَا ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهمَا: التَّسْمِيَة، فَإِن أَتَى بغَيْرهَا من الْأَذْكَار لم يجز. وَأما إِن ترك التَّسْمِيَة فَعَن أَحْمد أَربع رِوَايَات. إِحْدَاهُنَّ: لَا يحل الْأكل سَوَاء نسي أَو تعمد، وَهَذَا قَول الشّعبِيّ وَأبي ثَوْر وَدَاوُد. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: إِن تَركهَا عَامِدًا لم يحل وَإِن نسي حل، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَمَالك. وَالثَّالِثَة: إِن نَسِيَهَا على السهْم حل الْأكل، فَأَما على الْكَلْب والفهد فَلَا. وَالرَّابِعَة: يحل الْأكل سَوَاء تَركهَا عَامِدًا أَو سَهوا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي.
وَقَوله: " فَإِن خالطها كلاب " وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أكلبه الَّذِي سمى عَلَيْهِ عقر هَذَا الصَّيْد أم غَيره، وَالْأَصْل الْحَظْر.
وَقَوله: " فَإِن أَخذ الْكَلْب ذَكَاة " أَي قَائِم مقَام الذَّكَاة.
وَقَوله: " فَإِن وجدته غريقا فِي المَاء فَلَا تَأْكُل، فَإنَّك لَا تَدْرِي المَاء قَتله أم سهمك " اعْلَم أَنه إِذا كَانَت الْجراحَة غير مُوجبَة ثمَّ وجد فِي المَاء فَإِنَّهُ لَا يحل أكله قولا وَاحِدًا، فَإِن كَانَت مُوجبَة قد وَقعت فِي مقتل، فَهَل يحل أم لَا؟ على رِوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، فَإِن قُلْنَا بِرِوَايَة الْمَنْع فَهِيَ على وفْق الحَدِيث، وَإِن قُلْنَا بِالْجَوَازِ كَانَ الْمَنْع من الحَدِيث
стр. 445
مَحْمُولا على أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا على مَا إِذا لم تكن الْجراحَة فِي مقتل، وَإِمَّا على الْوَرع وَإِن كَانَت فِي مقتل.
وَقد جَاءَ فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: " يَرْمِي الصَّيْد فيقتفر أَثَره الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة " أَي يتبع.
٤٢٢ - / ٥١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيكلمه ربه لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان ".
الترجمان: الْمعبر عَن الْإِنْسَان.
قَوْله: " فَينْظر أَيمن مِنْهُ وأشأم مِنْهُ " يَعْنِي: عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله. " وتلقاء وَجهه " بَين يَدَيْهِ وَهُوَ مَا يلاقي وَجهه.
والشق هَاهُنَا نصف الشَّيْء، وَقد يَقع على الْمَشَقَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِلَّا بشق الْأَنْفس﴾ [النَّحْل: ٧] .
وأشاح بِمَعْنى أعرض، وَقَالَ أَبُو عبيد: أشاح بِمَعْنى حذر من الشَّيْء وَعدل عَنهُ، وَأنْشد:
(إِذا سمعن الرز من رَبَاح ... شايحن مِنْهُ أَيّمَا شياح)
وأشاح: إِذا جد فِي قتال أَو غَيره، قَالَ عبيد:
(قطعته غدْوَة مشيحا ... وصاحبي بازل خبوب)
стр. 446
وَمعنى الحَدِيث: حذر كَأَنَّهُ ينظر إِلَى النَّار حِين ذكرهَا فَأَعْرض لذَلِك، وَيجوز أَن يكون أَرَادَ الْجد فِي كَلَامه، وَالْأول أشبه بِالْمَعْنَى.
والظعينة قد فسرناها فِي مُسْند عَليّ ﵇.
وَقَوله: فَأَيْنَ دعار طَيء. الدعار جمع داعر: وهم قطاع الطَّرِيق، وأصل الْكَلِمَة من الْفساد، لِأَن الدعارة والدعر الْفساد. قَالَ شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: والعامة تَقول: هم الذعار بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ بِالدَّال، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْعود الدعر، وَهُوَ الَّذِي يُؤْذِي بِكَثْرَة دخانه، قَالَ ابْن مقبل:
(باتت حواطب ليلى يلتمسن لَهَا ... جزل الجذا غير خوار وَلَا دعر)
فَإِن ذهب بهم إِلَى معنى الْفَزع جَازَ أَن يُقَال بِالذَّالِ.
وَقَوله: الَّذين سعروا الْبِلَاد: أَي ملئوها شرا وَفَسَادًا، وَهُوَ مستعار من اسْتعَار النَّار: وَهُوَ توقدها والتهابها.
وَقَوله: " لتفتحن كنوز كسْرَى " الْكُنُوز جمع كنز، قَالَ الزّجاج: هُوَ فِي اللُّغَة المَال المدفون المدخر.
وَأما كسْرَى فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ: هُوَ اسْم أعجمي، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ خسرو، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب، قَالَ عدي:
стр. 447
(أَيْن كسْرَى كسْرَى الْمُلُوك أَبُو ساسان ... أم أَيْن قبله سَابُور)
وَقَالَ عَمْرو بن حسان:
(وكسرى إِذْ تقسمه بنوه ... بأسياف كَمَا اقتسم اللحام)
وكسرى بِكَسْر الْكَاف أفْصح من كسْرَى بِفَتْحِهَا، وَالنّسب إِلَيْهِ كسروي بِفَتْح الْكَاف، وَيجمع كسورا وأكاسر وأكاسرة.
وهرمز: اسْم أعجمي.
وَأما كَثْرَة المَال فِي آخر الزَّمَان فلكثرة الْفتُوح وانتشار الْإِسْلَام.
٤٢٣ - / ٥١٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: لما نزلت: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٧] عَمَدت إِلَى عقال أسود وَإِلَى عقال أَبيض.
العقال هَاهُنَا الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير. وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة أُخْرَى وَفِيه: " إِن وِسَادك إِذن لَعَرِيض " وَظَاهر هَذَا اللَّفْظ عرض الوساد لما تَحْتَهُ. وَفِي لفظ: " إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا " لِأَن عرض الوساد على قدر عرض الْقَفَا، وَفِي هَذَا كِنَايَة عَن البلادة؛ فَإِن المستثقل فِي النّوم عِنْدهم بليد والمتيقظ خَفِيف النّوم. ومقصود الحَدِيث: أَنَّك مَا فهمت. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا القَوْل: إِن نومك إِذن لطويل، فكنى بالوساد عَن النّوم؛ لِأَن النَّائِم يتوسد، وَالْعرض فِي مثل هَذَا
стр. 448
يُرَاد بِهِ السعَة وَالْكَثْرَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَقد يتَأَوَّل هَذَا على أَن من يَأْكُل حَتَّى يسفر يَدُوم لَهُ عرض قَفاهُ وَلحم بدنه فَلَا ينهكه الصَّوْم. وَقد قيل: إِنَّمَا أشكل على عدي لِأَنَّهُ لم يكن نزل (من الْفجْر) قَالَ سهل بن سعد: نزلت هَذِه الْآيَة وَلم ينزل (من الْفجْر) فَكَانَ رجال إِذا أَرَادوا الصَّوْم ربط أحدهم فِي رجلَيْهِ الْخَيط الْأسود وَالْخَيْط الْأَبْيَض، وَلَا يزَال يَأْكُل حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ رئيهما، فَنزل قَوْله تَعَالَى: (من الْفجْر) فَعَلمُوا إِنَّمَا يَعْنِي بذلك اللَّيْل وَالنَّهَار.
٤٢٤ - / ٥١٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا دِرْعِي ومغفري "
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس: درع الْحَدِيد مُؤَنّثَة، وَدرع الْمَرْأَة قميصها مُذَكّر. وَأما المغفر فجنة للرأس فِي الْحَرْب من حَدِيد أَيْضا، وَسمي مغفرا لِأَنَّهُ يستر الرَّأْس.
وَقَوله فِي الْيَمين: فليكفرها وليأت الَّذِي هُوَ خير. ظَاهره يدل
стр. 449
على جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث، وَسَوَاء كفر بِالْمَالِ أَو بالصيام، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَمَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز تَقْدِيمهَا بالصيام وَيجوز بِغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز أصلا، وَإِن قدمهَا لم يجزه، وَمن حجَّة أبي حنيفَة أَن الْوَاو للْجمع لَا للتَّرْتِيب، وَأَن الْكَفَّارَة إِذا وَجَبت لأجل الْحِنْث.
٤٢٥ - / ٥١٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن رجلا خطب فَقَالَ: من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد، وَمن يعصهما فقد غوى، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " قل: وَمن يعْص الله وَرَسُوله ".
إِنَّمَا أنكر عَلَيْهِ لِأَن جمع الِاثْنَيْنِ بِلَفْظ وَاحِد يدل على التَّسَاوِي، فَأَرَادَ مِنْهُ الْفرق لتعظيم الْعَظِيم.
والغواية: الضلال.
стр. 450
كشف الْمُشكل من مُسْند جَابر بن سَمُرَة
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله مائَة حَدِيث وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة وَعِشْرُونَ.
٤٢٦ - / ٥١٩ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " إِذا هلك كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده، وَإِذا هلك قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده ".
وَأما كسْرَى فقد ذَكرْنَاهُ فِي الْمسند الَّذِي قبل هَذَا. وَأما قَيْصر فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: قَيْصر اسْم أعجمي، وَهُوَ اسْم لملك الرّوم، كَمَا أَن تبعا للْعَرَب، وكسرى للْفرس، وَالنَّجَاشِي للحبشة، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَدِيما، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقن أَنا لاحقان بقيصرا)
وَقَالَ جرير:
стр. 451
(إِذا افْتَخرُوا عدوا الصبهبذ مِنْهُم ... وكسرى وَآل الهرمزان وقيصرا)
وَهَذَا الحَدِيث يشكل على من سمع أَن كسْرَى لما قتل ملك وَلَده ثمَّ ملك بعده جمَاعَة، وَكَذَلِكَ قَيْصر، وَالَّذِي يزِيل الْإِشْكَال أَن كسْرَى وَقَيْصَر كَانَا فِي ملك ثَابت، فَلَمَّا زَالا تزلزل ملكهمَا وَمَا زَالَ إِلَى انمحاق وانقراض وَمَا خلفهمَا مثلهمَا، وَهَذَا كَمَا يُقَال للْمَرِيض: هَذَا ميت، وَالْمعْنَى أَنه قريب من الْمَوْت وَأَن أَحْوَاله تحمله إِلَيْهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: قدرُوا صِحَة هَذَا فِي كسْرَى، فَكيف بقيصر ومملكة الرّوم إِلَى الْيَوْم بَاقِيَة؟ فقد أجَاب عَن هَذَا أَبُو الْوَفَاء بن عقيل فَقَالَ: كَانَت الْعَرَب بَين هذَيْن الْملكَيْنِ كالكرة يلعبان بهم، ويحملون إِلَيْهِمَا الْهَدَايَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام صَارَت كلمة الْعَرَب الْعليا، فَلَا كسْرَى وَلَا قَيْصر من حَيْثُ الْمَعْنى، إِنَّمَا هُوَ اسْم فارغ من الْمَعْنى.
٤٢٧ - / ٥٢٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " يكون بعدِي اثْنَا عشر أَمِيرا كلهم من قُرَيْش " وَفِي رِوَايَة: " لَا يزَال أَمر النَّاس مَاضِيا مَا وليهم اثْنَا عشر رجلا كلهم من قُرَيْش ". وَفِي رِوَايَة: " لَا يزَال الدّين قَائِما حَتَّى تقوم السَّاعَة أَو يكون عَلَيْكُم اثْنَا عشر خَليفَة كلهم من قُرَيْش " وَفِي رِوَايَة: " لَا يزَال هَذَا الدّين عَزِيزًا منيعا إِلَى اثْنَي عشر خَليفَة كلهم من قُرَيْش ".
هَذَا الحَدِيث قد أطلت الْبَحْث عَنهُ، وطلبته مظانه، وَسَأَلت عَنهُ،
стр. 452
فَمَا رَأَيْت أحدا وَقع على الْمَقْصُود بِهِ، وَأَلْفَاظه مُخْتَلفَة لَا أَشك أَن التَّخْلِيط فِيهَا من الروَاة، وَبقيت مُدَّة لَا يَقع لي فِيهِ شَيْء، ثمَّ وَقع لي فِيهِ شَيْء فسطرته، ثمَّ رَأَيْت أَبَا سُلَيْمَان الْخطابِيّ قد أَشَارَ إِلَى مَا وَقع لي، ثمَّ وَقع إِلَيّ كَلَام لأبي الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي على هَذَا الحَدِيث على وَجه آخر، ثمَّ وَقع لي حَدِيث يدل على وَجه ثَالِث، وَهَاهُنَا أذكر الْوُجُوه الثَّلَاثَة:
أما الْوَجْه الأول الَّذِي وَقع لي ثمَّ رَأَيْت من كَلَام الْخطابِيّ مَا يُوَافقهُ: فَهُوَ أَن رَسُول الله ﷺ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا يكون بعده وَبعد أَصْحَابه، لِأَن حكم أَصْحَابه مُرْتَبِط بِحكمِهِ، فَأخْبر عَن الولايات الْوَاقِعَة بعد ذَلِك وَأَنَّهَا تتمّ لأربابها فِي هَذِه الْمدَّة ثمَّ تنْتَقل الْإِمَارَة، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مُدَّة ولَايَة بني أُميَّة فَيكون مُرَاده بقوله: " لَا يزَال الدّين " يَعْنِي الْولَايَة وَالْملك إِلَى أَن يذهب اثْنَا عشر خَليفَة ثمَّ تنْتَقل الْإِمَارَة، وَهَذَا على شرح الْحَال فِي استقامة السلطنة لَا على طَرِيق الْمَدْح لولاية بني أُميَّة. فَأول الْقَوْم يزِيد بن مُعَاوِيَة، ثمَّ ابْنه مُعَاوِيَة بن يزِيد - وَلَا يذكر ابْن الزبير لكَونه معدودا فِي الصَّحَابَة، وَلَا مَرْوَان بن الحكم لكَونه بُويِعَ لَهُ بعد بيعَة ابْن الزبير، وَكَانَ ابْن الزبير أولى مِنْهُ فَكَانَ هُوَ فِي مقَام غَاصِب - ثمَّ عبد الْملك، ثمَّ الْوَلِيد، ثمَّ سُلَيْمَان، ثمَّ عمر بن عبد الْعَزِيز، ثمَّ يزِيد بن عبد الْملك، ثمَّ هِشَام بن عبد الْملك، ثمَّ الْوَلِيد ابْن يزِيد، ثمَّ يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك، ثمَّ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد، ثمَّ مَرْوَان بن مُحَمَّد، فَهَؤُلَاءِ اثْنَا عشر. ثمَّ خرجت الْخلَافَة مِنْهُم وانتقلت إِلَى بني الْعَبَّاس صلوَات الله عَلَيْهِ. وَمِمَّا يُقَوي هَذَا القَوْل مَا
стр. 453
روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " تَدور رحى الْإِسْلَام لخمس وَثَلَاثِينَ، أَو سِتّ وَثَلَاثِينَ، أَو سبع وَثَلَاثِينَ، فَإِن يهْلكُوا فسبيل من هلك، وَإِن يقم لَهُم دينهم يقم لَهُم سبعين عَاما " وَرَوَاهُ الْخطابِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود أَيْضا، فَقَالَ فِيهِ: " يقم لَهُم سبعين عَاما " فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، سوى الثَّلَاث وَالثَّلَاثِينَ؟ قَالَ: " نعم ".
قلت: وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ - وَقيل سِتّ وَثَلَاثِينَ - قتل عُثْمَان، فَيمكن أَن يُرِيد بدوران الرَّحَى استقامة الْأَمر، وَيُمكن أَن يُرِيد بذلك زَوَال الاسْتقَامَة بِدَلِيل أَنه فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: " إِن رحى الْإِسْلَام ستزول بعد خمس وَثَلَاثِينَ سنة، أَو سِتّ وَثَلَاثِينَ، أَو سبع وَثَلَاثِينَ " وَذكر الزَّوَال أبين، وَالْمعْنَى: تَزُول الرَّحَى عَن استقرارها. فَإِن كَانَت الرِّوَايَة سنة خمس فَفِيهَا قدم أهل مصر وحصروا عُثْمَان، وَإِن كَانَت سنة سِتّ فَفِيهَا خرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر إِلَى الْجمل، وَإِن كَانَت سنة سبع فَفِيهَا كَانَت صفّين، فتغيرت الْأَحْوَال فِي هَذِه الْأَشْيَاء ثمَّ استقام الْملك إِلَى انْقِرَاض ملك بني أُميَّة وعادت الْفِتَن.
وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: " إِن رحى الْإِسْلَام ستزول بعد خمس وَثَلَاثِينَ سنة، فَإِن يصطلحوا فِيمَا بَينهم يَأْكُلُوا الدُّنْيَا سبعين عَاما رغدا، وَإِن يقتتلوا يركبُوا سنَن من كَانَ قبلهم " وَقَالَ الْخطابِيّ: قَوْله:
стр. 454
" تَدور رحى الْإِسْلَام " كِنَايَة عَن الْحَرْب، شبهها بالرحى الَّتِي تطحن الْحبّ لما يكون فِيهَا من تلف الْأَرْوَاح. قَالَ: وَقَوله: يقم لَهُم دينهم: أَرَادَ بِالدّينِ هَاهُنَا الْملك، قَالَ زُهَيْر:
(لَئِن حللت بجو فِي بني أَسد ... فِي دين عَمْرو وحالت بَيْننَا فدك)
يُرِيد فِي ملك عَمْرو وولايته. قَالَ الْخطابِيّ: وَيُشبه أَن يكون أَرَادَ بِهَذَا ملك بني أُميَّة وانتقاله عَنْهُم إِلَى بني الْعَبَّاس، فَكَانَ مَا بَين اسْتِقْرَار الْملك بيي أُميَّة وَظُهُور الوهن فِيهِ نَحوا من سبعين سنة.
قلت: وَيدل على هَذَا مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو سعيد الْمَالِينِي قَالَ: أخبرنَا عبد الله بن عدي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر المطيري قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن السكن قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن ذؤاد - بغدادي - قَالَ: حَدثنَا ذؤاد بن علبة عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم من أبي الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة عَن عبد الله ابْن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِذا ملك اثْنَا عشر من بني كَعْب ابْن لؤَي كَانَ النقف والنقاف إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ ذؤاد: قَالَ لي عبد الله بن عُثْمَان وَأَنا أَطُوف مَعَه: وَرب هَذِه البنية، لقد حدثتك كَمَا حَدثنِي أَبُو الطُّفَيْل.
وَأخْبرنَا عبد الْحق بن عبد الْخَالِق قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن مَرْزُوق
стр. 455
قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَخْبرنِي عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الرزاز قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان النجاد قَالَ: قرئَ على الْحسن بن مكرم وَأَنا أسمع قَالَ: قَرَأنَا على قيس بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن ربعي عَن الْبَراء بن نَاجِية عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " تَدور رحى الْإِسْلَام فِي خمس وَثَلَاثِينَ أَو سِتّ وَثَلَاثِينَ أَو سبع وَثَلَاثِينَ، فَإِن يهْلكُوا فسبيل من يهْلك، وَإِن يقم لَهُم دينهم يقم لَهُم سبعين عَاما " قلت: يَا رَسُول الله، مِمَّا مضى أَو مِمَّا بَقِي؟ قَالَ: مِمَّا بَقِي. قَالَ الْخَطِيب: قَوْله: " تَدور رحى الْإِسْلَام " مثل يُرِيد بِهِ أَن هَذِه الْمدَّة إِذا انْتَهَت حدث فِي الْإِسْلَام أَمر عَظِيم يخَاف لذَلِك على أَهله الْهَلَاك، يُقَال لِلْأَمْرِ إِذا تغير واستحال: قد دارت رحاه، وَهَذَا - وَالله أعلم - إِشَارَة إِلَى انْقِضَاء مُدَّة الْخلَافَة. وَقَوله: " يقم لَهُم دينهم " أَي ملكهم وسلطانهم، وَالدّين: الْملك وَالسُّلْطَان، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك﴾ [يُوسُف: ٧٦] وَكَانَ بَين مبايعة الْحسن بن عَليّ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان إِلَى انْقِضَاء ملك بني أُميَّة من الْمشرق نَحْو من سبعين سنة.
وَأما الْوَجْه الثَّانِي الَّذِي ذكره أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي فِي هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله: " يكون بعدِي اثْنَا عشر خَليفَة " قَالَ: هَذَا إِنَّمَا يكون بعد موت الْمهْدي الَّذِي يخرج فِي أَوَاخِر الزَّمَان. قَالَ: وَقد وجدنَا فِي كتاب " دانيال ": إِذا مَاتَ الْمهْدي ملك خَمْسَة رجال وهم من ولد
стр. 456
السبط الْأَكْبَر - يَعْنِي ابْن الْحسن بن عَليّ، ثمَّ يملك بعدهمْ خَمْسَة رجال من ولد السبط الْأَصْغَر، ثمَّ يُوصي آخِرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الْأَكْبَر فَيملك، ثمَّ يملك بعده وَلَده، فَيتم بذلك اثْنَا عشر ملكا كل وَاحِد مِنْهُم إِمَام مهْدي. قَالَ ابْن الْمُنَادِي: وَوجدنَا فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه ذكر الْمهْدي فَقَالَ: اسْمه مُحَمَّد بن عبد الله، وَهُوَ رجل ربعَة مشرب حمرَة، يفرج الله بِهِ عَن هَذِه الْأمة كل كرب، وَيصرف بعدله كل جور، ثمَّ يَلِي الْأَمر بعده اثْنَا عشر رجلا خمسين وَمِائَة، فستة من ولد الْحسن، وَوَاحِد من ولد عقيل بن أبي طَالب، وَخَمْسَة من ولد الْحُسَيْن، ثمَّ يَمُوت فَيفْسد الزَّمَان وَيعود الْمُنكر. قَالَ: وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: يكون اثْنَا عشر مهديا، ثمَّ ينزل روح الله فَيقْتل الدَّجَّال. قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بقوله " لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى " يَعْنِي لَا نَبِي يظْهر سواهُ.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَنه أَرَادَ وجود اثْنَي عشر خَليفَة فِي جَمِيع مُدَّة الْخلَافَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يعلمُونَ بِالصَّوَابِ وَإِن لم تتوال أيامهم، فقد يكون الرجل عادلا، وَيَأْتِي بعده من يجور، ثمَّ يَأْتِي بعد مُدَّة من يعدل، فَيتم عدل الاثْنَي عشر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَيدل على هَذَا الْوَجْه مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَزاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن عمر الْمُقْرِئ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الشَّافِعِي قَالَ: حَدثنَا معَاذ بن الْمثنى قَالَ:
стр. 457
حَدثنَا مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا يحيى بن أبي يُونُس قَالَ: حَدثنَا أَبُو بَحر أَن أَبَا المجلد حَدثهُ وَحلف عَلَيْهِ: أَنه لَا تهْلك هَذِه الْأمة حَتَّى يكون فِيهَا اثْنَا عشر خَليفَة كلهم يعْمل بِالْهدى وَدين الْحق، مِنْهُم رجلَانِ من أهل بَيت النَّبِي ﷺ ، يعِيش أحدهم أَرْبَعِينَ سنة والأخر ثَلَاثِينَ سنة.
وَأما الْأَسْلَمِيّ فَهُوَ مَاعِز.
والعصبة والعصابة: الْجَمَاعَة.
وَالْبَيْت الْأَبْيَض قصر كسْرَى، وَكَانَ مَبْنِيا بالجص، وَكَانَت فِيهِ أَمْوَال عَظِيمَة، فروينا فِي الْفتُوح أَن سعد بن أبي وَقاص خَاضَ بِأَصْحَابِهِ دفتيه وَهِي تطفح - إِلَى ولد كسْرَى، فَمَا بلغ المَاء إِلَى حزَام الْفرس، وَمَا ذهب للْمُسلمين شَيْء، إِلَّا أَن قدحا وَقع وَأَخذه رجل برمحه من المَاء، فَعرفهُ صَاحبه فَأَخذه، ووجدوا قبابا مَمْلُوءَة سلالا فِيهَا آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، ووجدوا كافورا فظنوه ملحا فعجنوا بِهِ فوجدوا مرارته فِي الْخبز، فَكَانَ فِي بيُوت أَمْوَال كسْرَى ثَلَاثَة آلَاف ألف ألف ثَلَاث مَرَّات.
٤٢٨ - / ٥٢١ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" لينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَو لَا يرجع إِلَيْهِم ".
لما كَانَ الْمَأْخُوذ على المتعبد فِي الصَّلَاة أَن يخشع، والخشوع: التذلل والتواضع، ناسب هَذَا الْوَعيد سوء الْأَدَب.
стр. 458
٤٢٩ - / ٥٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " مَالِي أَرَاكُم رافعي أَيْدِيكُم كَأَنَّهَا أَذْنَاب خيل شمس، اسكنوا فِي الصَّلَاة " ثمَّ خرج علينا فرآنا حلقا فَقَالَ: " مَالِي أَرَاكُم عزين؟ ".
الشَّمْس جمع شموس: وَهُوَ من الدَّوَابّ الَّذِي لَا يكَاد يسْتَقرّ. وَقد احْتج بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة بِهَذَا الحَدِيث فِي مَنعهم رفع الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوع وَعند الرّفْع مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهُم فِيهِ حجَّة؛ لِأَنَّهُ قد رُوِيَ مُفَسرًا بعد حديثين، قَالَ جَابر: صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فَكُنَّا إِذا سلمنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَام عَلَيْكُم، السَّلَام عَلَيْكُم، فَنظر إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " مَا شَأْنكُمْ تشيرون بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَاب خيل شمس؟ إِذا سلم أحدكُم فليلتفت إِلَى صَاحبه وَلَا يُومِئ بِيَدِهِ " فَبَان بِهَذَا أَنه لَيْسَ لرفع الْأَيْدِي للتكبير.
وَالْحلق جمع حَلقَة: وَهِي الْجَمَاعَة المستديرة.
قَالَ الْفراء: والعزون الْحلق، الْجَمَاعَات، وَاحِدهَا عزه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عزين جمع عزة، مثل ثبة وثبين، فَهِيَ جماعات فِي تَفْرِقَة. وَقيل: الأَصْل فِي الِاسْم أَن كل جمَاعَة كَانَ اعتزاؤها وَاحِدًا فَهِيَ عزة.
وَقَوله: " وتتراصون فِي الصَّفّ " أَي تتضامون فِيهِ.
стр. 459
٤٣٠ - / ٥٢٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أتوضأ من لُحُوم الْإِبِل؟ قَالَ: " نعم، فَتَوَضَّأ من لُحُوم الْإِبِل " قَالَ: أُصَلِّي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: " نعم ". قَالَ: أُصَلِّي فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: " لَا ".
فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على وجوب الْوضُوء على من أكل لحم الْجَزُور، وَبِه قَالَ من الصَّحَابَة جَابر بن سَمُرَة رَاوِي هَذَا الحَدِيث، وَمن الْفُقَهَاء يحيى بن يحيى، وَابْن رَاهَوَيْه، وَدَاوُد، وَهُوَ أظهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، خلافًا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. فَأَما إِذا شرب من لَبنهَا أَو أكل من كَبِدهَا أَو طحالها فَهَل ينْتَقض وضوءه؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد.
ومرابض الْغنم: مَوَاضِع ربوضها. ومبارك الْإِبِل: مَوضِع بروكها، والبرك فِي اللُّغَة الصَّدْر، وَإِنَّمَا قيل: برك الْبَعِير لوُقُوعه على صَدره، وَالْمرَاد بمباركها أَمَاكِن إِقَامَتهَا. وَظَاهر هَذَا أَن الصَّلَاة فِيهَا لَا تصح، وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: تكره وَتَصِح، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ.
٤٣١ - / ٥٢٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " ثمَّ يسلم على أَخِيه من على يَمِينه وشماله ".
عندنَا أَنه يَنْوِي بِالسَّلَامِ الْخُرُوج من الصَّلَاة، فَيحمل هَذَا الْكَلَام
стр. 460
على معنى: ثمَّ يسلم كَمَا يسلم على أَخِيه: وَعند أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يَنْوِي السَّلَام على الْمَلَائِكَة والمأمومين. وَنحن نقُول: مَتى نوى هَذَا وَلم ينْو الْخُرُوج من الصَّلَاة كره لَهُ، إِلَّا أَن أَحْمد نَص على أَنَّهَا لَا تبطل. وَقَالَ ابْن حَامِد: تبطل، وَاخْتلف أَصْحَابنَا: هَل تجب نِيَّة الْخُرُوج من الصَّلَاة؟ على وَجْهَيْن.
٤٣٢ - / ٥٢٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " إِن الله تَعَالَى سمى الْمَدِينَة طابة ".
قَالَ ابْن فَارس: طابة وطيبة من الطّيب، وَذَلِكَ أَنَّهَا طهرت من الشّرك، وكل طَاهِر طيب، وَلذَلِك يُسمى الِاسْتِنْجَاء استطابة، لِأَن الْإِنْسَان تطيب نَفسه من الْخبث.
٤٣٣ - / ٥٢٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: رَأَيْت ماعزا حِين جِيءَ بِهِ وَهُوَ أعضل.
الأعضل: الْكثير اللَّحْم، مَأْخُوذ من العضلة: وَهِي اللحمة الصلبة فِي العصب.
والأخر: على فعل الْمُدبر المتخلف، وَهَذَا يُقَال فِي السب والشتم: أبعد الله الْأُخَر.
فرجمه: أَي ضربه بِالرَّجمِ، وَالرَّجم: الْحِجَارَة، وَفِي الحَدِيث:
следующие страницы →