← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5906

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ابن الجوزي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومراعاة حُقُوقهم. قَالَ الزّجاج: وَأهل بَيته الرِّجَال الَّذين هم آله، ونساؤه. ٩ - / ٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قَالَ زيد بن ثَابت: أرسل أَبُو بكر مقتل أهل الْيَمَامَة ... يَوْم الْيَمَامَة: هُوَ الْيَوْم الَّذِي قتل فِيهِ مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَكَانَ قد ادّعى النُّبُوَّة، وَقَالَ أَنا أُؤْمِن بِمُحَمد، لكني قد اشتركت مَعَه فِي النُّبُوَّة. وَتُوفِّي رَسُول الله ﷺ ومسيلمة قد استفحل أمره، ثمَّ إِن الْمُسلمين حَارَبُوهُ، فَقتل مِنْهُم خلق كثير، وقتلوه يَوْمئِذٍ. وَقَوله: إِن الْقَتْل قد استحر. أَي: كثر وَاشْتَدَّ، وَالْمَكْرُوه أبدا يُضَاف إِلَى الْحر، والمحبوب إِلَى الْبرد. وَمِنْه قَوْلهم: " ول حارها من تولى قارها " وَقَول عمر لأبي بكر: إِنِّي أرى أَن تَأمر بِجمع الْقُرْآن - رَأْي حسن لَا يخفى وَجه الصَّوَاب فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذا جمع أَمن أَن يُزَاد فِيهِ أَو ينقص. وَقَوله: كَيفَ نَفْعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله ﷺ ؟ من يُؤثر الِاتِّبَاع، ويخشى الابتداع، وَإِنَّمَا لم يجمعه رَسُول الله لِأَنَّهُ كَانَ بِعرْض أَن ينْسَخ مِنْهُ وَأَن يُزَاد فِيهِ، فَلَو جمعه لكتب، فَكَانَ الَّذِي عِنْده نُقْصَان يُنكر على من عِنْده الزِّيَادَة. فَلَمَّا أَمن هَذَا الْأَمر بِمَوْت النَّبِي ﷺ جمعه أَبُو بكر، وَكَانَ مَكْتُوبًا فِي الرّقاع والعسب، والعسب: سعف النّخل. واللخاف، واحدتها لخفة: وَهِي حِجَارَة بيض رقاق.

стр. 37

وَقَوله: وجدت آخر " التَّوْبَة " مَعَ خُزَيْمَة أَو أبي خُزَيْمَة، وَالصَّوَاب خُزَيْمَة من غير شكّ، وَإِنَّمَا بعض الروَاة يشك. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يثبت الْقُرْآن بِخَبَر وَاحِد؟ فَالْجَوَاب: أَن خُزَيْمَة أذكرهم مَا نسوه، وَلِهَذَا قَالَ زيد: وَجدتهَا مَعَ خُزَيْمَة، وَلم يقل: عرفني أَنَّهَا من الْقُرْآن، وَقد صرح زيد بِهَذَا الْمَعْنى فَقَالَ فِي رِوَايَة: فقدت آيَة كنت أسمعها من رَسُول الله ﷺ : ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٨] فالتمستها فَوَجَدتهَا مَعَ خُزَيْمَة ابْن ثَابت. وَزيد من جملَة من حفظ الْقُرْآن قبل موت رَسُول الله، غير أَن الْحَافِظ قد يَسْتَعِين بِغَيْرِهِ، وبالمسطور. وَفِي هَذَا الحَدِيث: قدم حُذَيْفَة على عُثْمَان وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينية وأذربيجان، فأفزعه اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة، فَقَالَ لعُثْمَان: أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْكتاب اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى. فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة: أَن أرسلي إِلَيْنَا بالصحف ننسخها فِي الْمَصَاحِف ثمَّ نردها إِلَيْك، فَلَمَّا نسخهَا أرسل إِلَى كل أفق بمصحف، وَأمر بِمَا سوى ذَلِك من الْقُرْآن أَن يحرق. اعْلَم أَنهم لما نسخوا الْقُرْآن فِي زمن أبي بكر كَانَت تِلْكَ الصُّحُف عِنْده، فَلَمَّا مَاتَ أَخذهَا عمر، فَلَمَّا مَاتَ أَخَذتهَا حَفْصَة. وَكَانَ أَبُو بكر قد جمع الْقُرْآن وَلم يمْنَع من عِنْده مِنْهُ شَيْء من تِلَاوَة مَا عِنْده، وَكَانَ مُرَاد عُثْمَان أَن يجمع النَّاس على مصحف وَاحِد وَيمْنَع من تِلَاوَة غَيره، لِأَنَّهُ قد كَانَ الشَّيْء يُتْلَى ثمَّ ينْسَخ أَو يُزَاد فِيهِ وَينْقص مِنْهُ، حَتَّى اسْتَقر

стр. 38

الْأَمر على الْعرض الْأَخير الَّذِي عرضه رَسُول الله على جِبْرِيل. وَكَانَ الَّذِي تولى جمعه فِي زمن عُثْمَان زيد بن ثَابت أَيْضا فِي آخَرين. وَقَوله: يغازي أهل الشَّام: أَي يَغْزُو. وإرمينية مَكْسُورَة الْألف. وَفِي قرأة الحَدِيث من يضمها، وَهُوَ غلط. وأذربيجان مَقْصُورَة الْألف مسكنة الذَّال، وهما اسمان أعجميان. كَذَلِك قرأتهما على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ وَفِي قِرَاءَة الحَدِيث من يَقُول آذربيجان بِالْمدِّ، وَهُوَ غلط. وَفِي المبتدئين من يَقُول: أذريبجان بِتَقْدِيم الْيَاء على الْبَاء، وَهُوَ جهل. فَإِن قيل: كَيفَ حرقت الْمَصَاحِف وَهِي معظمة؟ فَالْجَوَاب: أَن ذَلِك لتعظيم الْقُرْآن وصيانته عَن التَّغْيِير، وَرب فَسَاد فِي الظَّاهِر تضمنه صَلَاح. وَبَعض النَّاس يَقُول: خرق الْمَصَاحِف بِالْخَاءِ، وَالصَّوَاب بِالْحَاء، لِأَنَّهُ لَيْسَ كل الْمَكْتُوب كَانَ فِي رق، وَلَا كَانَ لَهُم ورق. وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: قَالَ زيد: فقدت آيَة من " الْأَحْزَاب " كنت اسْمَع رَسُول الله ﷺ يقْرَأ بهَا، فالتمسناها فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَة - الَّذِي جعل رَسُول الله شَهَادَته شَهَادَة رجلَيْنِ: ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٣] . وَرُبمَا قَالَ قَائِل هَذَا خلاف مَا تقدم من أَنهم وجدوا مَعَ خُزَيْمَة آخر " التَّوْبَة "، فَأَيّهمَا أصح؟

стр. 39

فَالْجَوَاب: أَن كليهمَا صَحِيح، والآيتان وجدتا مَعَ خُزَيْمَة، فآخر " التَّوْبَة " وجدوها مَعَه. فِي زمن أبي بكر، وَالْآيَة من " الْأَحْزَاب " وجدوها مَعَه فِي زمن عُثْمَان. وَأما جعل شَهَادَته بِشَهَادَة رجلَيْنِ فلسبب أَنبأَنَا بِهِ هبة الله بن مُحَمَّد ابْن الْحصين قَالَ: أخبرنَا الْحسن بن عَليّ التَّمِيمِي قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ: أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: حَدثنِي عمَارَة ابْن خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ أَن عَمه حَدثهُ - وَهُوَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ : أَن النَّبِي ﷺ ابْتَاعَ فرسا من أَعْرَابِي فاستتبعه النَّبِي ﷺ ليقبضه ثمن فرسه، فأسرع النَّبِي ﷺ وَأَبْطَأ الْأَعرَابِي، فَطَفِقَ رجال يعترضون الْأَعرَابِي فيساومون بالفرس، لَا يَشْعُرُونَ أَن النَّبِي ﷺ ابتاعه، حَتَّى زَاد بَعضهم الْأَعرَابِي فِي السّوم على ثمن الْفرس الَّذِي ابتاعه النَّبِي ﷺ ، فَنَادَى الْأَعرَابِي النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِن كنت مبتاعا هَذَا الْفرس فابتعه وَإِلَّا بِعته، فَقَامَ النَّبِي ﷺ حِين سمع نِدَاء الْأَعرَابِي فَقَالَ: " أَو لَيْسَ قد ابتعته مِنْك؟ " قَالَ الْأَعرَابِي: لَا، وَالله مَا بِعْتُك. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " بلَى، قد ابتعته مِنْك " فَطَفِقَ النَّاس يلوذون بِالنَّبِيِّ ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان، فَطَفِقَ الْأَعرَابِي يَقُول: هَلُمَّ شَهِيدا يشْهد أَنِّي قد بَايَعْتُك. فَمن جَاءَ من الْمُسلمين قَالَ للأعرابي: وَيلك، إِن النَّبِي ﷺ لم يكن ليقول إِلَّا حَقًا، حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَة، فاستمع لمراجعة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 40

ومراجعة الْأَعرَابِي، فَطَفِقَ الْأَعرَابِي يَقُول: هَلُمَّ شَهِيدا يشْهد أَنِّي قد بَايَعْتُك. فَقَالَ خُزَيْمَة: أَنا أشهد أَنَّك قد بايعته. فَأقبل النَّبِي على خُزَيْمَة فَقَالَ: " بِمَ تشهد؟ " فَقَالَ: بتصديقك يَا رَسُول الله. فَجعل النَّبِي ﷺ شَهَادَة خُزَيْمَة شَهَادَة رجلَيْنِ. وَأما أَخُو خُزَيْمَة الَّذِي روى هَذَا الحَدِيث فَلم يذكر اسْمه، وَقد كَانَ لَهُ أَخَوان: وحوح، وَعبد الله. وَوجه هَذَا الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا حكم على الْأَعرَابِي بِعِلْمِهِ، وَجَرت شَهَادَة خُزَيْمَة مجْرى التوكيد لقَوْله. ١٠ - / ١٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عَن أنس: أَن أَبَا بكر كتب لَهُ حِين وَجهه إِلَى الْبَحْرين: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله على الْمُسلمين وَالَّتِي أَمر بهَا رَسُوله. وَمعنى الْفَرْض هَاهُنَا: بَيَان التَّقْدِير، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٦] أَي تقدروا مبلغ كميتها. فَأَما بنت مَخَاض: فَهِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حول وَدخلت فِي السّنة الثَّانِيَة، وحملت أمهَا فَصَارَت من الْمَخَاض: وَهن الْحَوَامِل. وَأما بنت اللَّبُون: فَهِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حولان وَدخلت فِي الثَّالِث،

стр. 41

فَصَارَت أمهَا لبونا بِوَضْع الْحمل. فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: بنت لبنون أُنْثَى، وَابْن لبون ذكر وَهُوَ مَعْلُوم؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون ذَلِك توكيدا للتعريف وَزِيَادَة فِي الْبَيَان، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٦] . وَالثَّانِي: أَن يكون تَنْبِيها لرب المَال ليطيب نفسا بِالزِّيَادَةِ الْمَأْخُوذَة مِنْهُ، وللمصدق ليعلم أَن سنّ الذُّكُورَة مَقْبُول من رب المَال فِي هَذِه الْمَوَاضِع، وَهُوَ أَمر نَادِر يخرج عَن الْعرف فِي بَاب الصَّدقَات. وَأما الحقة: فَهِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا ثَلَاث سِنِين وَدخلت فِي الرَّابِعَة، فَاسْتحقَّ عَلَيْهَا الْحمل والضراب. وَقَوله: طروقة الْجمل: هِيَ الَّتِي طرقها الْفَحْل، أَو بلغت أَن يطرقها. وَهِي فعولة بِمَعْنى مفعولة، كالحلوبة. وَأما الْجَذعَة من الْإِبِل فَهِيَ الَّتِي لَهَا أَربع سِنِين وَقد دخلت فِي الْخَامِسَة. وَقَوله: فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة فَفِي كل أَرْبَعِينَ ابْنة لبون. فِيهِ دَلِيل على أَن الْفَرِيضَة لَا تسْتَأْنف بعد الْعشْرين وَالْمِائَة، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي وَأحمد، خلافًا لأبي حنيفَة فِي قَوْله: إِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة استؤنفت الْفَرِيضَة، فَفِي خمس شَاة، وَفِي عشر شَاتَان. وَقَوله: فِي صَدَقَة الْغنم فِي سائمتها. قد دلّ على التَّقْيِيد بالسوم،

стр. 42

على أَنه لَا يجب الزَّكَاة فِي العوامل والمعلوفة، وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، خلافًا لمَالِك. وَقَوله: لَا يجمع بَين متفرق، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة. قَالَ الشَّافِعِي: الخشية خشيتان: خشيَة السَّاعِي أَن تقل الصَّدَقَة، وخشية رب المَال أَن تكْثر الصَّدَقَة. فَأمر كل وَاحِد مِنْهُمَا أَلا يحدث فِي المَال شَيْئا من الْجمع والتفريق. وَشرح هَذَا أَن يكون لِرجلَيْنِ ثَمَانُون شَاة، لكل وَاحِد مِنْهُمَا أَرْبَعُونَ، فَيجْمَعُونَ بَينهمَا عِنْد مَجِيء السَّاعِي ليَأْخُذ شَاة. أَو يكون لرجل وَاحِد أَرْبَعُونَ، فيفرقها فِي موضِعين لتسقط الصَّدَقَة. وَقَوله: وَمَا كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَهَذَا إِذا أَخذ الْمُصدق من نصيب أَحدهمَا شَاة فَإِنَّهُ يرجع بِقِيمَة نصفهَا على خليطه. وَقد اخْتلف الْعلمَاء: هَل للخلطة تَأْثِير فِي إِيجَاب الزَّكَاة؟ فعندنا لَهَا تَأْثِير، وَأَنَّهَا تجْعَل الْمَالَيْنِ كَالْمَالِ الْوَاحِد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تَأْثِير لَهَا. والْحَدِيث صَرِيح فِي الْحجَّة عَلَيْهِ. وَقَوله: لَا يخرج فِي الصَّدَقَة هرمة: وَهِي الْكَبِيرَة. وَلَا ذَات عوار، قَالَ لنا أَبُو مُحَمَّد بن الخشاب: الْعين مَفْتُوحَة فِي العوار: وَهُوَ الْعَيْب.

стр. 43

وَقَوله: وَلَا تَيْس: وَهُوَ فَحل الْغنم، وَإِنَّمَا لم يُؤْخَذ لنقصه ورداءة لَحْمه. وَقَوله: إِلَّا أَن يَشَاء الْمُصدق: يَعْنِي السَّاعِي؛ لِأَن لَهُ ولَايَة النّظر وَيَده كيد الْفُقَرَاء، إِذْ هُوَ وكيلهم، وَلِهَذَا يَأْخُذ أجرته من مَالهم. وَكَانَ أَبُو عبيد يرويهِ: الْمُصدق، بِفَتْح الدَّال، يُرِيد صَاحب الْمَاشِيَة. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: وَقد خَالفه الروَاة على ذَلِك وَرَوَوْهُ بِكَسْر الدَّال. وَالْمَقْصُود بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ أَن حق الْفُقَرَاء فِي وسط المَال لَا فِي خِيَاره وَلَا فِي رذالته، فَأَما إِذا كَانَ من النّصاب كُله معيبا، فَإِن السَّاعِي يَأْخُذ من عرضه. وَقَوله: وَفِي الرقة ربع الْعشْر. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الرقة: الْفضة، دَرَاهِم كَانَت أَو غَيرهَا. وَقَوله: وَمن بلغت عِنْده من الْإِبِل صَدَقَة الْجَذعَة وَلَيْسَت عِنْده وَعِنْده حَقه، فَإِنَّهُ يقبل مِنْهُ الحقة وَيجْعَل مَعَه شَاتين إِن استيسرتا لَهُ، أَو عشْرين درهما. فِيهِ من الْفِقْه أَن كل وَاحِد من الشاتين أَو الدَّرَاهِم أصل فِي نَفسه وَلَيْسَ بِبَدَل، لِأَنَّهُ خير بَينهمَا بِحرف " أَو "، فَعلم أَن ذَلِك لَا يجْرِي مجْرى تَعْدِيل الْقيمَة، لاخْتِلَاف ذَلِك فِي الْأَزْمِنَة والأمكنة، وَإِنَّمَا هُوَ تعويض شَرْعِي، كالغرة فِي الْجَنِين، والصاع فِي الْمُصراة. والسر فِي هَذَا التَّقْوِيم الشَّرْعِيّ أَن الصَّدَقَة كَانَت تُؤْخَذ فِي البراري وعَلى الْمِيَاه حَيْثُ لَا يُوجد سوق وَلَا مقوم يرجع إِلَيْهِ، فَحسن فِي الشَّرْع أَن يقدر شَيْئا يقطع التشاجر.

стр. 44

وَفِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث: أَن عُثْمَان جلس على بِئْر أريس، فَسقط فِيهَا خَاتمه، فَنُزِحَتْ فَلم يُوجد. بِئْر أريس بِالْمَدِينَةِ، والنزح: الِاسْتِقْصَاء فِي إِخْرَاج مَا فِي الْبِئْر من مَاء. ١١ - / ١١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: خرج أَبُو بكر يمشي وَمَعَهُ عَليّ، فَرَأى الْحسن يلْعَب، فَحَمله على عَاتِقه وَقَالَ: " بِأبي، شَبيه بِالنَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيها بعلي " وَعلي يضْحك. هَذَا الْكَلَام من جنس الرجز الَّذِي كَانَت الْعَرَب ترقص بِهِ أَوْلَادهَا. والترقيص للصَّغِير بالرجز وَنَحْوه من الْكَلَام الْمُرَتّب أسْرع لإيقاظ فطنته، وَقد كَانَت أم الْأَحْنَف ترقصه فَتَقول: (وَالله لَوْلَا حنف بِرجلِهِ ... ) (ودقة فِي سَاقه من هزله ... ) (مَا كَانَ فِي فتيانكم من مثله ... ) وَكَانَ الْحسن شَدِيد الشّبَه برَسُول الله ﷺ . قَالَ أنس: لم يكن فيهم أحد أشبه بِالنَّبِيِّ ﷺ من الْحسن. وَمِمَّنْ كَانَ يشبه برَسُول الله جَعْفَر بن أبي طَالب، وَقثم بن الْعَبَّاس، وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث، والسائب بن عُبَيْدَة، وَكَانَ من التَّابِعين رجل يُقَال لَهُ كابس بن ربيعَة السَّامِي، من بني سامة بن لؤَي، كَانَ يُشبههُ، فَبعث إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فَقبل

стр. 45

بَين عَيْنَيْهِ، وأقطعه قطيعة، وَكَانَ أنس بن مَالك إِذا رَآهُ بَكَى. ١٢ - / ١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: لما اسْتخْلف أَبُو بكر قَالَ: لقد علم قومِي أَن حرفتي لم تكن تعجز عَن مُؤنَة أَهلِي، وشغلت بِأَمْر الْمُسلمين، فيأكل آل أبي بكر من هَذَا المَال، ويحترف للْمُسلمين فِيهِ. الاحتراف: الِاكْتِسَاب، وَكَانَ أَبُو بكر تَاجِرًا، فَلَمَّا ولي الْخلَافَة رام التِّجَارَة، فَقَالَ الصَّحَابَة: افرضوا لخليفة رَسُول الله مَا يعنيه. قَالُوا: نعم، برْدَاهُ إِذا أخلقهما وضعهما وَأخذ مثلهمَا، وظهره إِذا سَافر، وَنَفَقَته على أَهله كَمَا كَانَ ينْفق قبل أَن يسْتَخْلف، فَقَالَ أَبُو بكر: رضيت. أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أَخْبرنِي ابْن حيويه قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن بن مَعْرُوف قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن الْفَهم قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أخبرنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدثنَا هِشَام الدستوَائي قَالَ: حَدثنَا عَطاء بن السَّائِب قَالَ: لما اسْتخْلف أَبُو بكر أصبح غاديا إِلَى السُّوق وعَلى رقبته أَثوَاب يتجر بهَا، فَلَقِيَهُ عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، فَقَالَا لَهُ: أَيْن تُرِيدُ يَا خَليفَة رَسُول الله؟ قَالَ: السُّوق، قَالَا: تصنع مَاذَا، قد وليت أَمر الْمُسلمين؟ قَالَ: فَمن أَيْن أطْعم عيالي؟ قَالَا لَهُ: انْطلق حَتَّى نفرض لَك شَيْئا. فَانْطَلق مَعَهُمَا، ففرضوا لَهُ كل يَوْم شطر شَاة، وماكسوه فِي الرَّأْس والبطن.

стр. 46

١٣ - / ١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: كَانَ لأبي بكر غُلَام يخرج لَهُ الْخراج، فجَاء يَوْمًا بِشَيْء فَأكل مِنْهُ أَبُو بكر. فَقَالَ: كنت تكهنت لإِنْسَان فِي الْجَاهِلِيَّة، فَهَذَا الَّذِي أكلت مِنْهُ. فَأدْخل أَبُو بكر يَده، فقاء كل شَيْء فِي بَطْنه. الْخراج: الضريبة الَّتِي يتَّفق العَبْد مَعَ سَيّده على إخْرَاجهَا لَهُ وأدائها إِلَيْهِ فِي كل يَوْم أَو كل شهر. والتكهن: تعَاطِي علم الْغَيْب. وَأَبُو بكر أول من قاء من الشُّبُهَات تحرجا. ١٤ - / ١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أقبل أَبُو بكر من مَسْكَنه بالسنح، فَدخل على عَائِشَة فَبَصر برَسُول الله مسجى بِبُرْدَةٍ، فكشف عَن وَجهه، وأكب عَلَيْهِ فَقبله، ثمَّ بَكَى وَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي، لَا يجمع الله عَلَيْك موتتين. السنح: نَاحيَة من نواحي الْمَدِينَة. والمسجى: المغطى. وأكب على الشَّيْء: مَال عَلَيْهِ يلْزمه. وَكَانَ النَّاس قد شكوا فِي موت رَسُول الله، وَكَانَ عمر يَقُول: لم يمت، حَتَّى جَاءَ أَبُو بكر ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد فَقَالَ: من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ، وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت.

стр. 47

١٥ - / ١٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: لم يكن أَبُو بكر يَحْنَث فِي يَمِين حَتَّى أنزل الله كَفَّارَة الْيَمين. إِنَّمَا كَانَ يتْرك الْحِنْث لموْضِع التَّعْظِيم، فَلَمَّا نزلت كَفَّارَة الْيَمين، ثمَّ سمع النَّبِي ﵇ يَقُول: " من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليكفر " صَار يفعل ذَلِك. ١٦ - / ١٦ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: دخل أَبُو بكر على امْرَأَة من أحمس، فرآها لَا تَتَكَلَّم، فَقَالَ: مَالهَا؟ قَالُوا: حجت مصمتة، فَقَالَ لَهَا: تكلمي؛ فَإِن هَذَا لَا يحل، فَقَالَت: مَا بقاؤنا على الْأَمر الصَّالح الَّذِي جَاءَ الله بِهِ بعد الْجَاهِلِيَّة؟ فَقَالَ: مَا استقامت بكم أئمتكم. المصمت: السَّاكِت، يُقَال: صمت وأصمت: إِذا سكت. وَهَذِه كَانَت عَادَة لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة يتعبدون بهَا. وأرادت بِالْأَمر الصَّالح دين الْإِسْلَام. وَمعنى قَوْله: مَا استقامت بكم أئمتكم: يَعْنِي أَنَّهَا إِذا حادت ملتم عَن الصَّوَاب. ١٧ - / ١٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: جَاءَ وَفد بزاخة من أَسد وغَطَفَان إِلَى أبي بكر يسْأَلُون الصُّلْح، فَخَيرهمْ بَين الْحَرْب المجلية وَالسّلم المخزية. فَقَالُوا: هَذِه المجلية قد عرفناها، فَمَا المخزية؟ قَالَ:

стр. 48

ننزع مِنْكُم الْحلقَة والكراع، ونغنم مَا أصبْنَا مِنْكُم، وتردون علينا مَا أصبْتُم منا، وتدون لنا قَتْلَانَا، وَتَكون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار، وتتركون أَقْوَامًا يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يري الله خَليفَة رَسُول الله والمهاجرين أمرا يعذرونكم بِهِ. فَقَالَ عمر: نعم مَا قلت، إِلَّا أَن قَتْلَانَا قتلت على أَمر الله، أجورها على الله، لَيْسَ لَهَا ديات. فتتابع الْقَوْم على مَا قَالَ عمر. أما الْحَرْب المجلية فَهِيَ المخرجة عَن المَال والوطن. وَالسّلم: الصُّلْح، وَيُقَال بِكَسْر السِّين وَفتحهَا، وتذكر وتؤنث. المخزية: المقرة على الذل وَالصغَار. وأصل الخزي الهوان. قَالَ الزّجاج: المخزي فِي اللُّغَة: المذل المحقور بِأَمْر قد لزمَه وبحجة. يُقَال: أخزيت فلَانا: أَي ألزمته حجَّة أذللته بهَا. وَالْحَلقَة بِسُكُون اللَّام حَلقَة الْحَدِيد، وَالْمرَاد بهَا السِّلَاح، وَقيل: هِيَ الدروع خَاصَّة. والكراع: اسْم لجَمِيع أَنْوَاع الْخَيل. وتدون قَتْلَانَا: أَي تؤدون دياتهم. وَقَوله: يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى نفيهم. وَأما قَول عمر: لَيْسَ لقتلانا ديات، فغاية فِي الْحسن؛ لِأَنَّهُ لم يرض أَن يكون عرض الدُّنْيَا عوضا لنفوس الشُّهَدَاء الَّتِي ثومنت بِالْجنَّةِ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ [التَّوْبَة: ١١١] .

стр. 49

وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم من هَذَا الْمسند ١٨ - / ١٨ - قَالَ أَبُو بكر لعمر بعد وَفَاة رَسُول الله: انْطلق بِنَا إِلَى أم أَيمن نزورها كَمَا كَانَ رَسُول الله يزورها. أم أَيمن اسْمهَا بركَة، وَهِي مولاة رَسُول الله وحاضنته، ورثهَا من أَبِيه وأعتقها حِين تزوج خَدِيجَة، فَتَزَوجهَا عبيد بن زيد، فَولدت لَهُ أَيمن، ثمَّ تزَوجهَا بعد النُّبُوَّة زيد بن حَارِثَة، فَولدت لَهُ أُسَامَة. وَكَانَت حِين هَاجَرت قد أَصَابَهَا عَطش فِي الطَّرِيق، فدلي عَلَيْهَا من السَّمَاء دلو برشا أَبيض، فَشَرِبت حَتَّى رويت، فَكَانَت تَقول: مَا أصابني عَطش بعد ذَلِك. وَقد تعرضت للعطش بِالصَّوْمِ فِي الهواجر فَمَا عطشت. وَحَضَرت أم أَيمن أحدا، فَكَانَت تَسْقِي المَاء، وتداوي الْجَرْحى. وَشهِدت خَيْبَر، وَتوفيت فِي خلَافَة عُثْمَان، وروت عَن النَّبِي ﷺ خَمْسَة أَحَادِيث، إِلَّا أَنه لم يخرج لَهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْء، فَلذَلِك ذكرت أَخْبَارهَا هَاهُنَا.

стр. 50

كشف الْمُشكل من مُسْند أبي حَفْص عمر بن الْخطاب أسلم فِي سنة سِتّ من النُّبُوَّة، وَقيل: فِي سنة خمس. قَالَ هِلَال ابْن يسَاف: أسلم بعد أَرْبَعِينَ رجلا وَإِحْدَى عشرَة امْرَأَة. وَقَالَ اللَّيْث: أسلم بعد ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ رجلا. وَيُقَال: إِنَّه أتم الْأَرْبَعين، فَنزل جِبْرِيل فَقَالَ: " يَا مُحَمَّد، استبشر أهل السَّمَاء بِإِسْلَام عمر " وَسمي الْفَارُوق؛ لِأَن الْإِسْلَام ظهر يَوْم أسلم. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسمِائَة وَسَبْعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أحد وَثَمَانُونَ. ١٩ - / ١٩ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: بَينا عمر يخْطب دخل عُثْمَان بن عَفَّان، فناداه عمر: أَيَّة سَاعَة هَذِه؟ قَالَ: إِنِّي شغلت الْيَوْم، فَلم أنقلب إِلَى أَهلِي حَتَّى سَمِعت التأذين، فَلم أَزْد على أَن تَوَضَّأت. فَقَالَ عمر: وَالْوُضُوء أَيْضا، وَقد علمت أَن رَسُول الله كَانَ يَأْمر بِالْغسْلِ! . قَوْله: أَيَّة سَاعَة هَذِه؟ لَيْسَ مُرَاده استعلام الْوَقْت، لِأَنَّهُ مَا خطب حَتَّى عرف الْوَقْت، وَإِنَّمَا هُوَ إِنْكَار على عُثْمَان، كَأَنَّهُ يَقُول: كَيفَ

стр. 51

تَأَخَّرت إِلَى هَذِه السَّاعَة، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَالْوُضُوء أَيْضا؟ أَي كَيفَ اقتصرت على الْوضُوء دون الْغسْل. وَأَرَادَ مِنْهُ اسْتِعْمَال الْفَضَائِل. وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه: أَن غسل الْجُمُعَة لَيْسَ بِوَاجِب؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لما تَركه عُثْمَان، ولأمره بِهِ عمر، فَلَمَّا سكت عَن أمره بذلك بِمحضر الصَّحَابَة دلّ على أَنه مسنون. وَفِيه أَن للْإِمَام أَن يتَكَلَّم فِي الْخطْبَة. ٢٠ - / ٢٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كَانَ رَسُول الله يعطيني الْعَطاء فَأَقُول: أعْطه من هُوَ أفقر إِلَيْهِ مني. فَقَالَ: " خُذْهُ، وَمَا جَاءَك من هَذَا المَال وَأَنت غير مشرف لَهُ وَلَا سَائل فَخذه، ومالا فَلَا تتبعه نَفسك ". المشرف والمستشرف على الشَّيْء: المتطلع إِلَيْهِ الطامع فِيهِ، وَمَتى طمعت النَّفس فِي شَيْء فَحصل لَهَا عَادَتْ فاستعملت آلَات الْفِكر فِي الطمع، فَإِذا وَقع عِنْدهَا الْيَأْس من ذَلِك بالعزم على التّرْك، رَأَتْ أَن الاستشراف لَا يفيدها صرفت الْفِكر إِلَى غير ذَلِك، وَإِذا جَاءَ الشَّيْء لَا عَن استشراف قل فِيهِ نصيب الْهوى، وتمحض تعلق الْقلب بالمسبب. وَقَالَ عَليّ بن عقيل: معنى الحَدِيث: مَا جَاءَ بمسألتك فَإنَّك اكْتسبت فِيهِ الطّلب وَالسُّؤَال، وَلَعَلَّ الْمَسْئُول استحيا أَو خَافَ ردك فأعطاك مصانعة، وَلَا خير فِي مَال خرج لَا عَن طيب نفس، وَمَا استشرفت إِلَيْهِ نَفسك فقد انتظرته وارتقبته، فلنفسك فِيهِ نوع استدعاء، وَمَا جَاءَ من غير ذَلِك فَإِنَّمَا كَانَ المزعج فِيهِ للقلوب نَحْوك، والمستسعي للإقدام

стр. 52

إِلَيْك الْخَالِق سُبْحَانَهُ، فَمَتَى رَددته رددت فِي الْحَقِيقَة على الْمُعْطِي، لِأَن الْمُعْطِي هُوَ الَّذِي أهاج نَحْوك الْقُلُوب. وحنن عَلَيْك النُّفُوس. فَلَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي تولى سوقه إِلَيْك كَانَ ردك لَهُ ردا عَلَيْهِ. وَقَوله: أَمر لي بعمالة. العمالة: أجر الْعَامِل. وَقد اشْتَمَل هَذَا الحَدِيث على ثَلَاث فَوَائِد: أَحدهَا: أَنه من نوى وَجه الله بِعَمَل وَلم يرد ثَوابًا عَاجلا فأثيب، جَازَ لَهُ أَن يَأْخُذ، وَلم يُؤثر أَخذه فِي قَصده الصافي. وَمثل هَذَا أَن مُوسَى ﵇ سقى لبنتي شُعَيْب [﵇] لله تَعَالَى، فَلَمَّا قَالَت لَهُ إِحْدَاهمَا: ﴿إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك﴾ لم يمْتَنع، لِأَنَّهُ مَا عمل ليجازى فَجعل ذكر الْجَزَاء لَغوا. وَالثَّانيَِة: تَعْلِيم الجري على اخْتِيَار الْحق ، فَإِذا بعث شَيْئا قبل، وَإِذا منع رَضِي بِالْمَنْعِ. وَالثَّالِثَة: أَن مثل هَذَا المستغنى عَنهُ الْآخِذ جعله مَالا، لقَوْله: " فتموله " وَهَذَا يدل على فضل الْغَنِيّ على الْفَقِير، أَو يتَصَدَّق بِهِ فَيكون الثَّوَاب لَهُ، وَلَو لم يَأْخُذهُ فَاتَهُ ذَلِك الْأجر. وَرُبمَا تعلق بِهَذَا الحَدِيث جهال المتزهدين فِي قعودهم على الْفتُوح. وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك؛ لِأَن قعُود أحدهم فِي رِبَاط مَعْرُوف تهيؤ للقبول، وَمد كف الطّلب، فَهُوَ كمن يفتح حانوتا يقْصد، ثمَّ كَونه يَنْوِي الْقبُول لما يزِيد على استشراف النَّفس؛ لِأَن الاستشراف تطلع مَا، وَهَذَا عازم على الْقبُول قطعا.

стр. 53

ثمَّ لابد من النّظر فِي حَال الْآخِذ والمأخوذ مِنْهُ، فَإِن كَانَ الْمَأْخُوذ زَكَاة أَو صَدَقَة والآخذ يَسْتَحِقهَا جَازَ لَهُ، وَإِن كَانَ غير مُسْتَحقّ، مثل أَن يكون قَادِرًا على الْكسْب، أَو عِنْده مَا يَكْفِيهِ، فقد قَالَ النَّبِي ﷺ : " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". وَإِن كَانَ هَدِيَّة نظر الْآخِذ فِي حَال نَفسه: هَل يخَاف أَن يكون قبُوله إِيَّاهَا سَببا لمداهنة الْمَأْخُوذ مِنْهُ، أَو لتَعلق قلبه بِهِ، واستشراف نَفسه طَمَعا فِي تكْرَار الْعَطاء أَو لمنته عَلَيْهِ، أَو كَسبه غير طيب. فَمن خَافَ شَيْئا من هَذِه الْأَشْيَاء لم يقبل، وَقد كَانَ السّلف ينظرُونَ فِي هَذِه الدقائق، فيقل قبولهم للعطايا، ثمَّ جَاءَ أَقوام يدعونَ التزهد، وَإِنَّمَا مُرَادهم الرَّاحَة وإيثار البطالة، وَلَا يبالون أخذُوا من ظَالِم أَو مكاس. وَيُمكن أَن تكون الْإِشَارَة بقوله: " وَمَا جَاءَك من هَذَا المَال " إِلَى بَيت المَال الَّذِي للْمُسلمِ فِيهِ حق، فَيُؤْمَر بِالْأَخْذِ مِنْهُ بِخِلَاف غَيره، وَيكون الاستشراف الْمَكْرُوه إِلَى مَا يزِيد على حق الْمُسلم فِيهِ. ٢١ - / ٢١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ " فَقَالَ عمر: فو الله مَا حَلَفت بهَا مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله ينْهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثرا. كَانَ من عَادَة الْعَرَب أَن يحلفوا بآبائهم. وَالْحلف بالشَّيْء تَعْظِيم لَهُ، فَنهى رَسُول الله عَن تَعْظِيم غير الله بالقسم بِهِ.

стр. 54

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ قَوْله ذَاكِرًا من الذّكر بعد النسْيَان، إِنَّمَا أَرَادَ: متكلما بذلك، كَقَوْلِك ذكرت لفُلَان حَدِيث كَذَا. وَقَوله: وَلَا آثرا: يُرِيد مخبرا عَن غَيْرِي أَنه حلف بِهِ. وَمِنْه: حَدِيث مأثور: أَي يخبر بِهِ النَّاس بَعضهم بَعْضًا. فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد فِي " سنَنه " من حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ عَمَّا افْترض الله عَلَيْهِ، فَلَمَّا أخبرهُ قَالَ: وَالله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص، فَقَالَ رَسُول الله: " أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق. دخل الْجنَّة وَأَبِيهِ إِن صدق ". فَكيف ينْهَى عَن شَيْء يَسْتَعْمِلهُ؟ فَالْجَوَاب من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَنه لَيْسَ فِي الْأَلْفَاظ المخرجة فِي الصَّحِيح، وَالصَّحِيح مقدم. وَالثَّانِي: أَن أَكثر الروَاة يروون بِالْمَعْنَى على مَا يَظُنُّونَهُ، فَيحمل على أَنه من قَول بَعضهم. وَالثَّالِث: أَنه يحمل على مَا قبل النَّهْي؛ لِأَن قَوْله: " إِن الله يَنْهَاكُم " يشْعر بإتيان وَحي فِي ذَلِك. وَالرَّابِع: أَن يكون هَذَا مِمَّا جرى على لِسَانه على سَبِيل الْعَادة، وَلم يقْصد بِهِ قصد الْقَوْم، لأَنهم كَانُوا يعظمون الْآبَاء ويفتخرون بهم، وَكَانُوا إِذا اجْتَمعُوا بِالْمَوْسِمِ ذكرُوا فعال آبَائِهِم وأيامهم فِي الْجَاهِلِيَّة

стр. 55

فافتخروا بذلك، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿فاذكروا الله كذكركم آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠٠] ٢٢ - / ٢٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: قَالَ ابْن عمر: دخلت على حَفْصَة ونوساتها تنظف، فَقَالَت: أعلمت أَن أَبَاك غير مستخلف؟ قلت: مَا كَانَ ليفعل. قَالَت: إِنَّه فَاعل ... فَذكر الحَدِيث. وَفِيه أَن عمر قَالَ: وددت أَن حظي مِنْهَا الكفاف لَا لي وَلَا عَليّ. فَقَالُوا: جَزَاك الله خيرا، رَاغِب وراهب. النوسات: مَا تحرّك من شعر أَو حلي متدليا. والنوس: تحرّك الشَّيْء متذبذبا. يُقَال: نَاس ينوس نوسا ونوسانا. وَكَانَ ملك يُقَال لَهُ ذُو نواس، سمي بذلك لذؤابة كَانَت تنوس على ظَهره. وَيُقَال: نطف الشّعْر وَغَيره ينطُف وينطِف: إِذا قطر. وَلَيْلَة نطوف: دائمة الْقطر. وَكَأَنَّهُ دخل عَلَيْهَا وَقد اغْتَسَلت. وَلما علم عمر أَن رَسُول الله ﷺ لم يسْتَخْلف، وَأَن أَبَا بكر اسْتخْلف، أَرَادَ الْجمع بَين الْحَالَتَيْنِ، فنص على سِتَّة وَلم يعين أحدا مِنْهُم. والكفاف: مَا لَا يقصر عَن المُرَاد وَلَا يفضل عَن الْحَاجة، وَأَصله الْمُسَاوَاة لما جعل بإزائه، فَكَأَنَّهُ يَقُول: لَيْتَني أسلم ولايتي لَا أكتسب أجرا وَلَا أحتقب وزرا. وَقَوله: رَاغِب وراهب: مَعْنَاهُ: إِنِّي أَرْجُو وأخاف. ٢٣ - / ٢٣ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي كنت

стр. 56

نذرت فِي الْجَاهِلِيَّة أَن أعتكف لَيْلَة - وَفِي لفظ: يَوْمًا - فِي الْمَسْجِد الْحَرَام. قَالَ: " فأوف بِنَذْرِك ". الِاعْتِكَاف: الْإِقَامَة واللبث. وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الِاعْتِكَاف يَصح بِلَا صَوْم، وَيصِح فِي اللَّيْل وَحده، وَهَذَا قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى: أَنه لَا يَصح، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَمَالك. فَإِن قَالَ قَائِل: نذر الْكَافِر مطرح، فَكيف أثبت لَهُ الرَّسُول حكما؟ فَالْجَوَاب: أَن أَصْحَابنَا اخْتلفُوا فِي هَذَا، فَمنهمْ من منع وَقَالَ: مَتى كَانَ نذر الْكَافِر على وفَاق حكم الْإِسْلَام فَهُوَ صَحِيح. وَمِنْهُم من تَأَول فَقَالَ: معنى قَوْله: فِي الْجَاهِلِيَّة، أَي وَنحن بِمَكَّة قبل فتحهَا وَأَهْلهَا جَاهِلِيَّة، فعلى هَذَا لَا يكون ناذرا فِي الْكفْر. ثمَّ إِن عندنَا وَعند الشَّافِعِي أَن يَمِين الْكَافِر صَحِيحَة، وَإِذا حنث وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، خلافًا لأبي حنيفَة. قَالَ الْخطابِيّ: إِذا جَازَ إِيلَاء الْكَافِر وَأخذ بِحكمِهِ فِي الْإِسْلَام جَازَت يَمِينه وظهاره. وَقد روى هَذَا الحَدِيث ابْن عمر فَقَالَ فِيهِ: إِنِّي نذرت أَن أعتكف. قَالَ: " اذْهَبْ فاعتكف " فعلى هَذَا اللَّفْظ إِنَّمَا أمره بالاعتكاف، لَا على أَن النّذر لَازم.

стр. 57

٢٤ - / ٢٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " الْمَيِّت يعذب فِي قَبره بِمَا نيح عَلَيْهِ " وَفِي لفظ: " مَا نيح عَلَيْهِ " وَفِي لفظ: " ببكاء الْحَيّ عَلَيْهِ ". وَفِي لفظ: أَن عمر قَالَ ذَلِك لما عولت حَفْصَة وصهيب عَلَيْهِ. أما قَوْله: بِمَ نيح عَلَيْهِ: فَمَعْنَاه. بالنياحة عَلَيْهِ. وَقَوله: مَا نيح عَلَيْهِ أَي مُدَّة النِّيَاحَة. وعولت بِمَعْنى أعولت. وَقَالَت الْخطابِيّ: عول لَيْسَ بجيد، وَإِنَّمَا الصَّوَاب أعول. فَإِن قيل: كَيفَ يعذب الْمَيِّت بِفعل غَيره وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ [الْأَنْعَام: ١٦٤] ؟ ثمَّ إِن الْإِنْسَان لَا يملك رد الْبكاء، وَقد بَكَى رَسُول الله على وَلَده، وَقَالَ: " إِن الْعين لتدمع "، فَإِذا جَازَ الْبكاء فِي حق الباكي وَمَا يُؤَاخذ بِهِ، فَكيف يُؤَاخذ بِهِ غَيره؟ فَالْجَوَاب: أما الْبكاء فِي قَوْله: " يعذب ببكاء الْحَيّ " فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ دمع الْعين فَحسب، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ الْبكاء الَّذِي يتبعهُ النّدب والنياحة، فَإِذا اجْتمع ذَلِك سمي بكاء؛ لِأَن النّدب على الْمَيِّت كالبكاء عَلَيْهِ، وَهَذَا مَعْرُوف فِي اللُّغَة، سَمِعت شَيخنَا أَبَا مَنْصُور اللّغَوِيّ يَقُول: يُقَال للبكاء إِذا تبعه الصَّوْت وَالنَّدْب بكاء، وَلَا يُقَال للنَّدْب إِذا خلا عَن بكاء بكاء. فَيكون المُرَاد بِالْحَدِيثِ الْبكاء الَّذِي يتبعهُ النّدب، لَا مُجَرّد الدمع، وَلَا إِشْكَال فِي مُؤَاخذَة الْحَيّ بالندب والنياحة؛ لِأَنَّهُ أَمر مَنْهِيّ عَنهُ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَال فِي مُؤَاخذَة الْمَيِّت بذلك. وَجَوَاب هَذَا الْإِشْكَال من خَمْسَة أوجه:

стр. 58

أَحدهَا: أَن حَدِيث عمر مُجمل، وَقد فسرته عَائِشَة، فجَاء فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيثهَا: أَنه ذكر لَهَا حَدِيث ابْن عمر: " إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء الْحَيّ " فَقَالَت: يغْفر الله لأبي عبد الرَّحْمَن، أما إِنَّه لم يكذب، وَلكنه نسي أَو أَخطَأ، إِنَّمَا مر رَسُول الله على يَهُودِيَّة يبكى عَلَيْهَا فَقَالَ " إِنَّه ليبكى عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لتعذب فِي قبرها ". وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: إِنَّمَا قَالَ رَسُول الله: " إِن أهل الْمَيِّت يَبْكُونَ عَلَيْهِ، وَإنَّهُ ليعذب بجرمه " فعلى هَذَا يكون التعذيب لَا لأجل النوح وَيكون الرَّاوِي: " بِمَا نيح عَلَيْهِ " غالطا فِي اللَّفْظ. وَقد كَانَت عَائِشَة تحفظ أَشْيَاء ترد بهَا على جمَاعَة من الصَّحَابَة، فيرجعون إِلَى قَوْلهَا. وَمن ذَلِك مَا سَيَأْتِي فِي مُسْند ابْن عمر: أَنه سُئِلَ: هَل اعْتَمر رَسُول الله فِي رَجَب؟ فَقَالَ نعم. فَقَالَت عَائِشَة: مَا اعْتَمر قطّ فِي رَجَب، وَابْن عمر يسمع، فَلم يُنكر مَا قَالَت، وَمَا ذَاك إِلَّا أَنه علم أَنه غلط، فَرجع إِلَى قَوْلهَا. وَهَذَا الْجَواب لَا أعْتَمد عَلَيْهِ لثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَن مَا روته عَائِشَة حَدِيث وَهَذَا حَدِيث، وَلَا تنَاقض بَينهمَا، بل لكل وَاحِد مِنْهُمَا حكمه. وَالثَّانِي: أَنَّهَا أنْكرت برأيها وَقَالَت بظنها، وَقَول الرَّسُول إِذا صَحَّ لَا يلْتَفت مَعَه إِلَى رَأْي، وَلَيْسَ هَذَا بِأَعْجَب من إنكارها الرُّؤْيَة لَيْلَة الْمِعْرَاج، وَإِنَّمَا يرجع إِلَى الروَاة المثبتين. وَالثَّالِث: أَن مَا ذكرته لم يحفظ إِلَّا عَنْهَا، وَذَلِكَ الحَدِيث مَحْفُوظ عَن عمر، وَابْن عمر،

стр. 59

والمغيرة، وهم أولى بالضبط مِنْهَا. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه مَحْمُول على من أوصى بذلك، وَهَذَا مَشْهُور من عادات الْعَرَب: أَنهم كَانُوا يوصون بالندب والنياحة، كَمَا قَالَ عبد الْمطلب لبنَاته عِنْد وَفَاته: ابكينني وَأَنا أسمع، فبكته كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِشعر، فَلَمَّا سمع أُمَيْمَة وَقد أمسك لِسَانه، جعل يُحَرك رَأسه: أَي قد صدقت، وَقد كنت كَذَلِك. وَكَانَ الَّذِي قَالَت: (أعيني جودا يدمع دُرَر ... على طيب الخيم والمعتصر) (على ماجد الْجد وارى الزِّنَاد ... جميل الْمحيا عَظِيم الْخطر) (على شيبَة الْحَمد ذِي المكرمات ... وَذي الْمجد والعز والمفتخر) (وَذي الْحلم وَالْفضل فِي النائبات ... كَبِير المكارم جم الْفَخر) (لَهُ فضل مجد على قومه ... مُبين يلوح كضوء الْقَمَر) (أَتَتْهُ المنايا فَلم تشوه ... بِصَرْف اللَّيَالِي وريب الْقدر) وَقَالَ لبيد يُخَاطب ابْنَتَيْهِ: (فقوما فقولا بِالَّذِي قد علمتما ... وَلَا تخمشا وَجها وَلَا تحلقا الشّعْر) (وقولا: هُوَ الْمَرْء الَّذِي لَا صديقه ... أضاع، وَلَا خَان الْأَمِير وَلَا غدر) (إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر) وَقَالَ آخر: (إِذا مت فانعيني بِمَا أَنا أَهله ... وشقي عَليّ الجيب يَا ابْنة معبد)

стр. 60

وَهَذَا كثير فِي أشعارهم. وعَلى هَذَا يلْزم الْمَيِّت الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ أوصى بذلك وَأمر بِهِ. وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن " الْبَاء " فِي قَوْله: ببكاء أَهله بِمَعْنى " عِنْد "، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ [آل عمرَان: ١٧] وَالْمعْنَى أَنه يعذب عِنْد وَقت النِّيَاحَة، وغالب النِّيَاحَة يَقع عِنْد قرب الْعَهْد، ومعظم عَذَاب المعذب فِي الْقَبْر يكون عِنْد نزُول اللَّحْد، ثمَّ يَدُوم مِنْهُ مَا يَدُوم، فَيكون الْعَذَاب وَاقعا حَال النوح لَا بِسَبَب النوح. حَكَاهُ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ عَن بعض أهل الْعلم. وَالْوَجْه الرَّابِع: أَن النوح يتَضَمَّن الثَّنَاء على الْمَيِّت بفضائله، وَكَانَ الْغَالِب على فَضَائِل الْجَاهِلِيَّة أَنهم يسْتَحقُّونَ التعذيب بهَا، فَإِنَّهُ قل أَن يرؤس مِنْهُم إِلَّا متجبر، وَكَانُوا يُغير بَعضهم على بعض، فَيصير لَهُم الْأَمْوَال من ذَلِك. فَإِذا قَالَت النائحة: يَا رئيساه، وَيَا جبلاه، عذب لكَونه رَأس بِغَيْر حق، وَعلا على وَجه التجبر، فيعذب بِمَا يمدح بِهِ، ويضاف الْعَذَاب إِلَى النوح لِأَنَّهُ السَّبَب فِي ظُهُور الْعَذَاب. وَنَحْو هَذَا قَوْله: ﴿ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ [الدُّخان: ٤٩] فَهَذَا مِمَّا يوبخ بِهِ أَبُو جهل فِي النَّار، لِأَنَّهُ عز بِغَيْر حق. وَرُبمَا وَقع تَعْذِيب الْمُسلم بقوله النائحة: واعضداه، من جِهَة أَنه كَانَ يظنّ أَنه عضد لأَهله فِي بَاب الرزق، وَأَنه ركنهم فِي النَّصْر، كَمَا قَالَ بَعضهم عِنْد الْمَوْت لأَهله: (إِلَى من ترجعون إِذا حثوتم ... بِأَيْدِيكُمْ عَليّ من التُّرَاب) وَيُؤَيّد هَذَا مَا أخبرنَا بِهِ هبة الله بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا الْحسن بن

стр. 61

عَليّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر بن مَالك قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَامر قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر عَن أسيد بن أبي أسيد عَن مُوسَى بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن أَبِيه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الْمَيِّت يعذب ببكاء الْحَيّ، إِذا قَالَت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه، جبذ الْمَيِّت وَقيل لَهُ: أَنْت عضدها؟ أَنْت كاسيها؟ " وَسَيَأْتِي فِي مُسْند النُّعْمَان بن بشير قَالَ: أُغمي على عبد الله بن رَوَاحَة فَجعلت أُخْته عمْرَة تبْكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، فَقَالَ حِين أَفَاق: مَا قلت شَيْئا إِلَّا قيل لي: أَنْت كَذَلِك؟ فَلَمَّا مَاتَ لم تبك عَلَيْهِ. فعلى هَذَا الْوَجْه إِذا كَانَ الْمَيِّت كَافِرًا أَو عَاصِيا عذب، وَكَانَ النوح سَببا فِي تعذيبه بذنوبه، وَإِن كَانَ صَالحا أخبر بِمَا تَقول النائحة فيزيده ذَلِك ألما، لِأَنَّهُ يَرْجُو الاسْتِغْفَار، فَإِذا بلغه مَا يكرههُ كَانَ غمه عذَابا؛ لعلمه أَن الله تَعَالَى يكره ذَلِك. وَقد أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ: أخبرنَا الْجَوْهَرِي قَالَ: أخبرنَا ابْن حيويه قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن مَعْرُوف قَالَ: أخبرنَا الْحُسَيْن ابْن الْفَهم قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أخبرنَا عُثْمَان بن عمر قَالَ: أخبرنَا يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: لما توفّي أَبُو بكر أَقَامَت عَائِشَة النوح، فَبلغ عمر، فجَاء فنهاهن عَن النوح على أبي بكر، فأبين أَن ينتهين، فَقَالَ لهشام بن الْوَلِيد: اخْرُج إِلَى ابْنة أبي قُحَافَة، فعلاها بِالدرةِ ضربات، فَتفرق النوائح حِين سمعن

стр. 62

ذَلِك، وَقَالَ: تردن أَن يعذب أَبُو بكر ببكائكن، إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ ". قلت: ابْنة أبي قُحَافَة هِيَ أم فَرْوَة أُخْت أبي بكر، فَلَمَّا لم يُمكنهُ أَن يكلم عَائِشَة هَيْبَة لَهَا واحتراما، أدب هَذِه. وَالْوَجْه الْخَامِس: أَنه يعذب بذنوبه، وَيذكر لَهُ النوح توبيخا، فَكَأَنَّهُ يُقَال لَهُ: أَيهَا الْمُسِيء الْمُسْتَحق للتعذيب، أمثلك ينْدب عَلَيْهِ؟ فَكلما ذكر لَهُ مَا نيح بِهِ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك عذَابا، وَرب توبيخ زَاد على التعذيب. ٢٥ - / ٢٥ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: قَالَ عمر على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ : نزل تَحْرِيم الْخمر، وَهِي من خَمْسَة: من الْعِنَب، وَالتَّمْر، وَالْعَسَل، وَالْحِنْطَة، وَالشعِير. وَالْخمر مَا خامر الْعقل. إِنَّمَا ذكر عمر هَذِه الْخَمْسَة لِأَن الْغَالِب عمل الْخمر مِنْهَا، وَقد تعْمل من غَيرهَا، وَقد اتّفق عُلَمَاء الْإِسْلَام على أَن الْخمر اسْم لعصير الْعِنَب المشتد الَّذِي يحصل بِهِ السكر، وَاخْتلفُوا فِي المشتد من غَيره مثل نَقِيع التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَنَحْو ذَلِك، فَذهب الْجُمْهُور مِنْهُم مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل إِلَى أَنه يَقع عَلَيْهِ اسْم الْخمر، ويشارك الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيم، وَخَالف فِي ذَلِك أَبُو حنيفَة. وَقَول عمر: الْخمر مَا خامر الْعقل، دَلِيل على مَا قُلْنَا. فَأَما تَسْمِيَة الْخمر خمرًا، فَذكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي فِي ذَلِك

стр. 63

ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا سميت خمرًا لِأَنَّهَا تخامر الْعقل: أَي تخالطه. وَالثَّانِي: لِأَنَّهَا تخمر الْعقل: أَي تستره، من قَوْلهم: خمرت الْمَرْأَة رَأسهَا بخمار: أَي غطته. وَالثَّالِث: لِأَنَّهَا تخمر: أَي تغطى لِئَلَّا يَقع فِيهَا شَيْء. وَجَمِيع الأنبذة قد سَاوَى عصير الْعِنَب فِي هَذَا الْمَعْنى فشملها اسْمه، وَهَذَا مَبْنِيّ على مَسْأَلَة أصولية وَهِي: هَل يجوز إِثْبَات الْأَسْمَاء بِالْقِيَاسِ أم لَا؟ فَعِنْدَ جُمْهُور الْعلمَاء يجوز ذَلِك، فيسمى النَّبِيذ خمرًا قِيَاسا على الْخمر، والنباش سَارِقا قِيَاسا على السَّارِق، واللوطي زَانيا قِيَاسا على الزَّانِي. وَيدل على هَذَا قَول عمر: الْخمر مَا خامر الْعقل. وَذهب الحنفيون وَجُمْهُور الْمُتَكَلِّمين إِلَى الْمَنْع من ذَلِك، وَقَالُوا: قد نراهم يسمون الزّجاج الَّذِي تقر فِيهِ الْمَائِعَات قَارُورَة، وَلَا يسمون الْكوز قَارُورَة، فَبَان بذلك أَن الْأَسْمَاء تثبت توقيفا. وَأجَاب الْأَولونَ فَقَالُوا: الْأَسْمَاء على ضَرْبَيْنِ: أَعْلَام، وَهِي الألقاب الْمَحْضَة الَّتِي يقْصد مِنْهَا تَعْرِيف الْأَعْيَان وتفريق مَا بَين الذوات لَا لِمَعْنى وَلَا لإِثْبَات صفة، كَقَوْلِنَا: زيد وَعمر، فَهَذَا من الِاصْطِلَاح وَالِاخْتِيَار، وَلَا مدْخل للْقِيَاس فِي ذَلِك. وَالثَّانِي: اسْم مُقَيّد بِصفة وضع لأَجلهَا، كَقَوْلِنَا: قَاتل؛ فَإِنَّهُ سمي بذلك لوُجُود الْقَتْل مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْخمر لمَكَان مخامرتها لِلْعَقْلِ. على أَن الصَّحَابَة الَّذين سموا هَذِه الْأَشْيَاء أفْصح الْعَرَب. وَأما تَسْمِيَة القارورة خَاصَّة فَإِنَّهُم خالفوا بَين الْأَسْمَاء لاخْتِلَاف الْأَنْوَاع، وَذَلِكَ لَا يرفع أصل الْقيَاس فِيمَا بَقِي.

стр. 64

وَفِي هَذَا الحَدِيث: ثَلَاث وددت أَن رَسُول الله عهد إِلَيْنَا فِيهَا: الْجد، والكلالة، وأبواب من الرِّبَا. أما ذكر الْجد فلموضع الِاخْتِلَاف فِيهِ، فَأحب عمر أَن ينص الرَّسُول على شَيْء يسْتَغْنى بِهِ عَن الِاخْتِلَاف فِي الْجد، وَفِي أَبْوَاب الرِّبَا. وَأما الْكَلَالَة فَفِيهَا أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا مَا دون وَالْوَالِد الْوَلَد. قَالَه أَبُو بكر الصّديق، وَعمر، وَعلي، وَابْن مَسْعُود، وَزيد بن ثَابت، وَابْن عَبَّاس فِي خلق. وَالثَّانِي: أَنه من لَا ولد لَهُ. رُوِيَ عَن عمر أَيْضا، وَهُوَ قَول طَاوس. وَالثَّالِث: أَنه مَا عدا الْوَالِد، قَالَه الحكم. وَالرَّابِع: أَن الْكَلَالَة بَنو الْعم الأباعد، قَالَه ابْن الْأَعرَابِي. وعَلى مَاذَا تقع الْكَلَالَة، فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: على الْحَيّ الْوَارِث. وَالثَّانِي: على الْمَيِّت الْمَوْرُوث. وَفِيمَا أخذت مِنْهُ الْكَلَالَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه اسْم مَأْخُوذ من الْإِحَاطَة، وَمِنْه الإكليل لإحاطته بِالرَّأْسِ. وَالثَّانِي من الكلال، كَأَنَّهُ يصل الْمِيرَاث من بعد وإعياء. قَالَ الْأَعْشَى: (فآليت لَا أرثي لَهَا من كَلَالَة ... وَلَا من حفى حَتَّى تزور مُحَمَّدًا) ٢٦ - / ٢٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت أَقْْرِئ

стр. 65

رجَالًا من الْمُهَاجِرين مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. أما إقراء ابْن عَبَّاس لمثل عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَفِيهِ تَنْبِيه على أَخذ الْعلم من أَهله وَإِن صغرت أسنانهم أَو قلت أقدارهم. وَقد كَانَ حَكِيم ابْن حزَام يقْرَأ على معَاذ بن جبل، فَقيل لَهُ: تقْرَأ على هَذَا الْغُلَام الخزرجي؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أهلكنا التكبر. وَفِي الحَدِيث: أَن الْمَوْسِم يجمع الرعاع والغوغاء، فأمهل حَتَّى تقدم الْمَدِينَة فتخلص بِأَهْل الْفِقْه. الرعاع: السفلة، والغوغاء نَحْو ذَلِك، وأصل الغوغاء صغَار الْجَرَاد. وَفِي هَذَا تَنْبِيه على أَلا يودع الْعلم عِنْد غير أَهله، وَلَا يحدث الْقَلِيل الْفَهم بِمَا لَا يحْتَملهُ فهمه، وَمن هَذَا الْمَعْنى قَالَ الشَّافِعِي: (أأنثر درا بَين سارحة النعم ... أأنظم منثورا لراعية الْغنم) (لَئِن سلم الله الْكَرِيم بفضله ... وصادفت أَهلا للعلوم وللحكم) (بثثت مُفِيدا واستفدت ودادهم ... وَإِلَّا فمخزون لدي ومكتتم) (وَمن منح الْجُهَّال علما أضاعه ... وَمن منع المستوجبين فقد ظلم) قَوْله: فقدمنا الْمَدِينَة، وَذَاكَ أَن عمر قبل مشورة ابْن عَبَّاس، فَلم يتَكَلَّم بذلك حَتَّى قدم الْمَدِينَة. وَفِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة لم تذكر فِي الصَّحِيحَيْنِ: قَالَ ابْن عَبَّاس: فعجلت الرواح صَكَّة عمي. قَالَ أَبُو هِلَال العسكري: عمي رجل

стр. 66

غزا قوما فِي قَائِم الظهيرة، فصكهم صَكَّة شَدِيدَة، فَصَارَ مثلا لكل من جَاءَ فِي ذَلِك الْوَقْت، لِأَنَّهُ كَانَ خلاف الْعَادة فِي الْغَارة؛ لِأَن وَقتهَا الْغَدَاة. قَالَ: وَقيل: عمي تَصْغِير أعمى، وَهُوَ تَصْغِير التَّرْخِيم، قَالَ: وَيَعْنِي بِهِ الظبي، وَيُرَاد أَنه يسدر فِي شدَّة الْحر والهواجر، فَكل مَا يستقبله يصكه. قَالَ: وَرُوِيَ: صَكَّة عمى على فعلى، مثل حُبْلَى: وَهُوَ اسْم رجل. وَفِي هَذَا الحَدِيث: أنزل الله آيَة الرَّجْم، فأخشى أَن يَقُول قَائِل: مَا نجد الرَّجْم فِي كتاب الله، فيضلوا. اعْلَم أَن الْمَنْسُوخ من الْقُرْآن على ثَلَاثَة أضْرب. أَحدهَا: مَا نسخ لَفظه وَحكمه. الثَّانِي: مَا نسخ حكمه وبقى لَفظه، وَهُوَ كثير، لأَجله وضعت كتب النَّاسِخ والمنسوخ. وَالثَّالِث: مَا نسخ لَفظه وَبَقِي حكمه، كآية الرَّجْم. فَمَعْنَى قَول عمر: فيضلوا: أَن الْإِجْمَاع انْعَقَد على بَقَاء حكم ذَلِك اللَّفْظ الْمَرْفُوع من آيَة الرَّجْم، وَترك الْإِجْمَاع ضلال. فَإِن قيل: فَمَا فَائِدَة نسخ رسم آيَة الرَّجْم من الْمُصحف مَعَ كَون حكمهَا بَاقِيا، وَلَو كَانَت فِي الْمُصحف لاجتمع الْعَمَل بحكمها وثواب تلاوتها؟ فقد أجَاب عَنهُ ابْن عقيل فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك ليظْهر بِهِ مِقْدَار طَاعَة

стр. 67

هَذِه الْأمة فِي المسارعة إِلَى بذل النُّفُوس بطرِيق الظَّن من غير استقصاء لطلب طَرِيق مَقْطُوع بِهِ فيسرعون قنوعا بأسرع شَيْء، كَمَا سارع الْخَلِيل إِلَى ذبح وَلَده بمنام، والمنام أدنى طرق الْوَحْي وأقلها. وَقَوله: أَو كَانَ الْحَبل. قَالَ ابْن جرير: يَعْنِي حَبل المحصنة الَّتِي لَا زوج لَهَا، وَلَا يُنكر الزَّانِي أَنه من زِنَاهُ. وَقَوله: " لَا تطروني " الإطراء: الإفراط فِي الْمَدْح. وَالْمرَاد بِهِ هَاهُنَا الْمَدْح الْبَاطِل. وَالَّذين أطروا عِيسَى ادعوا أَنه ولد الله، تَعَالَى الله عَن ذَلِك، واتخذوه إِلَهًا، وَلذَلِك قَالَ: " وَلَكِن قُولُوا: عبد الله وَرَسُوله ". فَإِن قَالَ قَائِل: وَمَا علمنَا أَن أحدا ادّعى فِي رَسُول الله مَا ادّعى فِي عِيسَى. فَالْجَوَاب أَنهم بالغوا فِي تَعْظِيمه، حَتَّى قَالَ معَاذ بن جبل: يَا رَسُول الله، رَأَيْت رجَالًا بِالْيمن يسْجد بَعضهم لبَعض، أَفلا نسجد لَك؟ فَقَالَ: " لَو كنت آمرا بشرا أَن يسْجد لبشر، لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا " فنهاهم عَمَّا عساه يبلغ بهم الْعِبَادَة. ثمَّ لَيْسَ من شَرط النَّهْي أَن يكون الْمنْهِي عَنهُ قد فعل، وَإِنَّمَا هُوَ منع من أَمر يجوز أَن يَقع. وَقَوله: كَانَت بيعَة أبي بكر فلتة. الفلتة: مَا وَقع عَاجلا من غير تمكث. وَرُبمَا توهم سامع هَذَا الْكَلَام أَن عمر كالنادم على بيعَة أبي بكر، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا استعجل عمر بالبيعة مَخَافَة الْفِتْنَة،

стр. 68

وَلَو وَقع توقف لم تؤمن. قَالَ أَبُو عبيد: عوجل ببيعة أبي بكر خوف انتشار الْأَمر، وَأَن يطْمع من لَيْسَ بِموضع لذَلِك، فَكَانَت تِلْكَ الفلتة هِيَ الَّتِي وقى الله بهَا الشَّرّ الْمخوف. وَقَالَ ثَعْلَب: فِي الْكَلَام إِضْمَار؛ تَقْدِيره: كَانَ فلتة من فتْنَة وقى الله شَرها. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: وَحدثنَا أَبُو عمر عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الفلتة: اللَّيْلَة يشك فِيهَا: هَل من رَجَب أَو شعْبَان، وَقد كَانَ الْعَرَب يعظمون الْأَشْهر الْحرم وَلَا يقتتلون فِيهَا، وَإِذا كَانَ آخر لَيْلَة من الْأَشْهر الْحرم فَرُبمَا شكّ فِيهَا قوم: هَل هِيَ من الْحرم أم من الْحَلَال؟ فيبادر الموتور الحنق فِي تِلْكَ اللَّيْلَة، فينتهز الفرصة فِي إِدْرَاك ثَأْره، فيكثر الْفساد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة، وَسَفك الدِّمَاء، وَشن الغارات. قَالَ الشَّاعِر يذكر ذَلِك: (سَائل لقيطا وأشياعها ... وَلَا تدعن وسل جعفرا) (غَدَاة الْعرُوبَة من فلتة ... لمن تركُوا الدَّار والمحضرا) فَشبه عمر أَيَّام حَيَاة رَسُول الله وَمَا كَانَ النَّاس عَلَيْهِ من الألفة وَوُقُوع الأمنة بالشهر الْحَرَام الَّذِي لَا قتال فِيهِ. وَكَانَ مَوته شبه الفلتة الَّتِي هِيَ خُرُوج من الْحرم، لما ظهر فِي ذَلِك من الْفساد، فوقى الله شَرها ببيعة أبي بكر. قلت: وَقد روينَا عَن سيف بن عمر عَن مُبشر عَن سَالم بن عبد الله قَالَ: قَالَ عمر: كَانَت بيعَة أبي بكر فلتة. قلت: مَا الفلتة؟ قَالَ: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يتحاجزون فِي الْحرم فَإِذا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي يشك فِيهَا

стр. 69

أدغلوا فَأَغَارُوا، وَكَذَلِكَ كَانَ يَوْم مَاتَ رَسُول الله أدغل النَّاس فِيهِ، من بَين مُدع إِمَارَة، أَو جَاحد زَكَاة، فولا اعْتِرَاض أبي بكر دونهَا لكَانَتْ الفضيحة. وَقَوله: لَيْسَ فِيكُم من تقطع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر. وَالْمعْنَى لَيْسَ فِيكُم سَابق إِلَى الْفَضَائِل يقطع أَعْنَاق مسابقيه فَلَا يلحقون لَهُ شأوا مثل أبي بكر. يُقَال للسابق من الْخَيل: تقطعت أَعْنَاق الْخَيل فِي مسابقته فَلم تطقه، وَهَذَا لِأَن المسابق يمد عُنُقه، فَإِذا لم ينل مُرَاده مَعَ تِلْكَ الْمَشَقَّة قيل: تقطعت عُنُقه. وَإِذا كَانَت هَذِه صفة أبي بكر فَلَا وَجه للتردد فِي ولَايَته، وَإِنَّمَا يَقع التَّرَدُّد فِيمَن لَهُ نظراء ليَقَع التخير. وَقَوله: لَقينَا رجلَانِ، وهما عويم بن سَاعِدَة، ومعن بن عدي. وَقَوله تمالأ عَلَيْهِ الْقَوْم: أَي اجْتمع رَأْيهمْ على ذَلِك الشَّيْء. وَقَوله: فَإِذا رجل مزمل بَين ظهرانيهم: المزمل: المغطى المدثر وَبَين ظهرانيهم: أَي فِيمَا بَينهم، يُقَال: نزلت بَين ظهرانيهم وظهريهم، وَلَا يُقَال بِكَسْر النُّون. وَقَوله: يوعك، أصل الوعك: ألم الْمَرَض. يُقَال وعك الرجل: إِذا أَخَذته الْحمى. والكتيبة: الْقطعَة المجتمعة من الْجَيْش. والرهط: الْعِصَابَة دون الْعشْرَة، وَيُقَال: بل إِلَى الْأَرْبَعين. فَإِن قيل: كَيفَ يُقَال هَذَا والمهاجرون خلق كثير؟ فَعَنْهُ جوابان:

стр. 70

أَحدهمَا: أَنه إِنَّمَا هَاجر إِلَيْهِم الْآحَاد بعد الْآحَاد، حَتَّى اجْتَمعُوا فنظروا إِلَى أَن نصْرَة الرَّسُول بِكَثْرَة جمع الْأَنْصَار وَقعت. وَالثَّانِي: إِن الْإِشَارَة بذلك إِلَى من تكلم بذلك الْأَمر، وَإِنَّمَا ذهب إِلَيْهِم أَبُو بكر وَعمر، وَتكلم فِي ذَلِك عدد يسير. وَقَوْلهمْ دفت دافة: أَي جَاءَت جمَاعَة. والدفيف: سير فِي لين. ويختزلونا: بِمَعْنى يقطعونا عَن مرادنا. وانخزل الرجل: ضعف. وَقَوْلهمْ: يحضنونا عَن الْأَمر: يُقَال: حضنت الرجل عَن الْأَمر حضنا وحضانة: إِذا نحيته عَنهُ وانفردت بِهِ دونه. وأصل الحضن الِانْفِرَاد بتدبير الْمَحْضُون. وَقَوله: زورت فِي نَفسِي مقَالَة: أَي هيأتها لأقولها. قَالَ أَبُو عبيد التزوير: إصْلَاح الْكَلَام وتهيئته قَالَ: وَقَالَ أَبُو زيد: المزور من الْكَلَام والمزوق وَاحِد وَهُوَ المصلح المحسن، وَكَذَلِكَ الْخط إِذا قوم. قَوْله: كنت أداري مِنْهُ بعض الْحَد. المداراة: الملاينه، قَالَ الزّجاج: يُقَال داريت الرجل: إِذا لاينته. ودارأته بِالْهَمْز: إِذا دَفعته. ودريته: إِذا اختلته. وَقد سوى أَبُو عبيد بَين داريت ودارأت فِي بَاب مَا يهمز وَمَا لَا يهمز. وَالْحَد: الحدة من الْغَضَب، يُقَال: حد الرجل: إِذا غضب. وَقَوله: على رسلك: أَي على مهلك. قَالَ ابْن السّكيت: الرُّسُل

стр. 71

بِكَسْر الرَّاء: اللين وَالسير اللين. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرُّسُل بِفَتْح الرَّاء: السّير الرفيق اللَّيْل، وبكسرها اللين. والبديهة: مَا قيل من غير تقدم فكر فِيهِ. وَقَوله: لن تعرف الْعَرَب هَذَا الْأَمر إِلَّا لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش. الْأَمر هَاهُنَا بِمَعْنى الْإِمَارَة. والحي أَصله من حَيّ الرجل: وهم رهطه الأدنون. وَأما قُرَيْش فهم ولد النَّضر بن كنَانَة، وَمن لم يلده النَّضر فَلَيْسَ بقرشي. وَقيل: هم ولد فهر بن مَالك بن النَّضر، فَمن لم يلده فَلَيْسَ بقرشي. وَإِنَّمَا سموا قُريْشًا لتجارتهم وجمعهم المَال. والقرش فِي اللُّغَة: الْكسْب، يُقَال: فلَان يقرش لِعِيَالِهِ ويقترش. أَي يكْتَسب. وَسَأَلَ مُعَاوِيَة عبد الله بن الْعَبَّاس: لم سميت قُرَيْش قُريْشًا؟ فَقَالَ: بِدَابَّة تكون فِي الْبَحْر يُقَال لَهَا القريش، لَا تمر بِشَيْء إِلَّا أَكلته، وَأنْشد: (وقريش هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر ... ، بهَا سميت قُرَيْش قُريْشًا) وَحكى ابْن الْأَنْبَارِي أَن قوما قَالُوا: سموا قُريْشًا بالاقتراش، وَهُوَ وُقُوع الرماح بَعْضهَا على بعض، وَأنْشد: (وَلما دنا الرَّايَات واقتراش القنا ... وطار مَعَ الْقَوْم الْقُلُوب الرواجف) وَقَوله: هم أَوسط الْعَرَب نسبا ودارا. الْأَوْسَط وَالْوسط: الْأَفْضَل

стр. 72

وَهَذَا إِن خير الْأَشْيَاء أوساطها، وَإِن الغلو وَالتَّقْصِير مذمومان. وَالْمرَاد بِالدَّار: الْقَبِيلَة. وَمِنْه قَوْله ﵇: " أَلا أنبئكم بِخَير دور الْأَنْصَار؟ " يَعْنِي الْقَبَائِل. وَإِنَّمَا أضَاف أَبُو بكر أَبَا عُبَيْدَة إِلَى عمر؛ لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي أبي عُبَيْدَة: " هُوَ أَمِين هَذِه الْأمة " فَرَأى أَن الأمارة تفْتَقر إِلَى الْأَمَانَة، وَقد وَصفه رَسُول الله ﷺ بهَا. وَقَوله: فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار: أَنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب. وَأما الْقَائِل فقد رُوِيَ أَن الْقَائِل الْحباب بن الْمُنْذر، وَقيل: هُوَ سعد بن عبَادَة قَالَ أَبُو عبيد: الجذيل تَصْغِير جذل أَو جذل: وَهُوَ عود ينصب لِلْإِبِلِ الجربى لتحتك بِهِ من الجرب، فَأَرَادَ أَنه يستشفى بِرَأْيهِ كَمَا تستشفى الْإِبِل بالاحتكاك بذلك الْعود. وَقَالَ غَيره: بل أَرَادَ: إِنِّي أثبت فِي الشدائد ثُبُوت الْعود الَّذِي يحتك بِهِ الْإِبِل مَعَ كَثْرَة ترددها عَلَيْهِ. والعذيق تَصْغِير عذق بِفَتْح الْعين: وَهُوَ النَّخْلَة. فَأَما العذق بِكَسْر الْعين فَهُوَ الكباسة. وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّخْلَة. والترجيب أَن يدعم النَّخْلَة إِذا كثر حملهَا إِمَّا بخشبة ذَات شعبتين أَو تبني بَيْتا حولهَا؛ شَفَقَة على حملهَا، وحبا لَهَا، وَأَرَادَ: أَنِّي مُعظم فِي

стр. 73

النُّفُوس، أصلح للائتمام بِي. واللغط: ارْتِفَاع الْأَصْوَات بِمَا لَا يُفِيد. وَقَوله: منا أَمِير ومنكم أَمِير. رُبمَا ظن ظان بالأنصار أَنهم شكوا فِي تَفْضِيل أبي بكر؛ وَلَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا جروا فِي هَذَا على عَادَة الْعَرَب: وَهِي أَن لَا يسود الْقَبِيلَة إِلَّا رجل مِنْهَا، وَلم يعلمُوا أَن حكم الْإِسْلَام على خلاف ذَلِك، فَلَمَّا ثَبت عِنْدهم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الْخلَافَة فِي قُرَيْش " أذعنوا لَهُ وَبَايَعُوهُ. وَقَوله: ونزونا: مَعْنَاهُ وثبنا، وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ للازدحام. وَقَوله: قتل الله سَعْدا: إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن سَعْدا أَرَادَ الْولَايَة وَمَا كَانَ يصلح أَن يتَقَدَّم أَبَا بكر. وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى قَوْله: قتل الله سَعْدا: أَي احسبوه فِي عداد من مَاتَ وَهلك، أَي لَا تَعْتَدوا بِحُضُورِهِ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يكون أَمِيرا، فَخَالف. وَقَوله: تغرة أَن يقتلا: أَي حذارا، وَهُوَ مَأْخُوذ من التَّغْرِير، كالتعلة من التَّعْلِيل. وَقَالَ أَبُو عبيد: أَرَادَ أَن فِي بيعتهما تغريرا بأنفسهما للْقَتْل، وتعرضا لذَلِك. ٢٧ - / ٢٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: قَالَ ابْن عَبَّاس: حججْت مَعَ عمر، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق عدل وَعدلت مَعَه بِالْإِدَاوَةِ فَتبرز.

стр. 74

أما الْإِدَاوَة فَهِيَ من جُلُود، كالركوة، يتَوَضَّأ فِيهَا. وتبرز بِمَعْنى خرج إِلَى البرَاز وَهُوَ الْمَكَان الفسيح لقَضَاء الْحَاجة. وَقَوله: من الْمَرْأَتَانِ اللَّتَان قَالَ الله : ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله﴾ ؟ [التَّحْرِيم: ٤] الْمَعْنى: إِن تَتُوبَا من التعاون على رَسُول الله بالإيذاء ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ أَي زاغت عَن الْحق وَعدلت. وَإِنَّمَا قَالَ ﴿قُلُوبكُمَا﴾ لِأَن كل اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: الْعَرَب تَقول: وضعا رحالهما، يُرِيدُونَ رحلي راحلتيهما. والمرأتان: عَائِشَة وَحَفْصَة، وتعاونهما أَنَّهُمَا أحبتا مَا كرهه رَسُول الله من اجْتِنَاب جَارِيَته مَارِيَة، وَذَلِكَ أَن حَفْصَة ذهبت يَوْمًا إِلَى بَيت أَبِيهَا، فَأرْسل النَّبِي ﷺ إِلَى جَارِيَته مَارِيَة، فظلت عِنْده فِي بَيت حَفْصَة، وَكَانَ الْيَوْم الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَائِشَة، فَرَجَعت حَفْصَة فَوَجَدتهَا فِي بَيتهَا، فَجعلت تنْتَظر خُرُوجهَا، فَلَمَّا دخلت حَفْصَة قَالَت: قد رَأَيْت من كَانَ عنْدك، وَالله لقد سؤتني، فَقَالَ: " وَالله لأرضينك، وَإِنِّي أسر إِلَيْك سرا فاحفظيه: إِنِّي أشهد أَنَّهَا عَليّ حرَام، فَلَا تذكري هَذَا لأحد " فَذَكرته لعَائِشَة، فَمَا زَالَت بِهِ عَائِشَة حَتَّى حلف أَلا يقربهَا فَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي هجره إياهن. قَالَ ابْن حبيب الْهَاشِمِي: يُقَال إِنَّه ذبح ذبحا، فقسمته عَائِشَة بَين أَزوَاجه، فَأرْسل إِلَى زَيْنَب بنت جحش نصِيبهَا، فَردته، فَقَالَ: " زيديها "، فزادتها ثَلَاثًا وَهِي ترده. فَقَالَ: " لَا أَدخل عليكن شهرا ". وَقَالَ غَيره: بل كن قد سألنه زِيَادَة فِي النَّفَقَة، وآذينه بالغيرة،

стр. 75

فآلى مِنْهُنَّ شهرا. وَقَوله: فَطَفِقَ نساؤنا - أَي أخذن فِي تعلم ذَلِك. وطفق مثل قَوْلك: أنشأ يَقُول، وَجعل يَقُول. وَأكْثر اللُّغَة على طفق يطفق، وَقد جَاءَ طفق بِفَتْح الْفَاء، يطفق بِكَسْرِهَا. وَقَوله: لَا يغرنك أَن كَانَت جارتك هِيَ أوسم. أَرَادَ بالجاره عَائِشَة، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا جَارة لِأَنَّهَا قد شاركتها فِي الزواج. وَأَرَادَ بقوله أوسم: الوسامة: وَهِي الْحسن. وَالْمعْنَى أَن عَائِشَة تدل بحسنها ومحبة الرَّسُول لَهَا، فَلَا تغتري أَنْت. ويوشك بِمَعْنى يقرب. يُقَال: أوشك الْأَمر يُوشك فَهُوَ وشيك: إِذا قرب. والمشربة بِضَم الرَّاء وَفتحهَا، وَجَمعهَا مشارب ومشربات: وَهِي الغرفة. وَقَوله: على رمال حَصِير. الرمال يُقَال بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا، وَمَعْنَاهُ مَا نسج من حَصِير أَو غَيره. قَالَ الزّجاج: يُقَال: رملت الْحَصِير رملا، وأرملته إرمالا: إِذا نسجته، وَمعنى الحَدِيث: أَنه لم يكن فَوق الْحَصِير فرَاش وَلَا غَيره. وَقَوله: استأنس: أَي أَجْلِس وأستقر. والأهبة جمع إهَاب: والإهاب اسْم الْجلد، وَيُقَال فِي جمعه أهب
следующие страницы →