← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5906

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ابن الجوزي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بِكَسْر الرَّاء: اللين وَالسير اللين. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرُّسُل بِفَتْح الرَّاء: السّير الرفيق اللَّيْل، وبكسرها اللين. والبديهة: مَا قيل من غير تقدم فكر فِيهِ. وَقَوله: لن تعرف الْعَرَب هَذَا الْأَمر إِلَّا لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش. الْأَمر هَاهُنَا بِمَعْنى الْإِمَارَة. والحي أَصله من حَيّ الرجل: وهم رهطه الأدنون. وَأما قُرَيْش فهم ولد النَّضر بن كنَانَة، وَمن لم يلده النَّضر فَلَيْسَ بقرشي. وَقيل: هم ولد فهر بن مَالك بن النَّضر، فَمن لم يلده فَلَيْسَ بقرشي. وَإِنَّمَا سموا قُريْشًا لتجارتهم وجمعهم المَال. والقرش فِي اللُّغَة: الْكسْب، يُقَال: فلَان يقرش لِعِيَالِهِ ويقترش. أَي يكْتَسب. وَسَأَلَ مُعَاوِيَة عبد الله بن الْعَبَّاس: لم سميت قُرَيْش قُريْشًا؟ فَقَالَ: بِدَابَّة تكون فِي الْبَحْر يُقَال لَهَا القريش، لَا تمر بِشَيْء إِلَّا أَكلته، وَأنْشد: (وقريش هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر ... ، بهَا سميت قُرَيْش قُريْشًا) وَحكى ابْن الْأَنْبَارِي أَن قوما قَالُوا: سموا قُريْشًا بالاقتراش، وَهُوَ وُقُوع الرماح بَعْضهَا على بعض، وَأنْشد: (وَلما دنا الرَّايَات واقتراش القنا ... وطار مَعَ الْقَوْم الْقُلُوب الرواجف) وَقَوله: هم أَوسط الْعَرَب نسبا ودارا. الْأَوْسَط وَالْوسط: الْأَفْضَل

стр. 72

وَهَذَا إِن خير الْأَشْيَاء أوساطها، وَإِن الغلو وَالتَّقْصِير مذمومان. وَالْمرَاد بِالدَّار: الْقَبِيلَة. وَمِنْه قَوْله ﵇: " أَلا أنبئكم بِخَير دور الْأَنْصَار؟ " يَعْنِي الْقَبَائِل. وَإِنَّمَا أضَاف أَبُو بكر أَبَا عُبَيْدَة إِلَى عمر؛ لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي أبي عُبَيْدَة: " هُوَ أَمِين هَذِه الْأمة " فَرَأى أَن الأمارة تفْتَقر إِلَى الْأَمَانَة، وَقد وَصفه رَسُول الله ﷺ بهَا. وَقَوله: فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار: أَنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب. وَأما الْقَائِل فقد رُوِيَ أَن الْقَائِل الْحباب بن الْمُنْذر، وَقيل: هُوَ سعد بن عبَادَة قَالَ أَبُو عبيد: الجذيل تَصْغِير جذل أَو جذل: وَهُوَ عود ينصب لِلْإِبِلِ الجربى لتحتك بِهِ من الجرب، فَأَرَادَ أَنه يستشفى بِرَأْيهِ كَمَا تستشفى الْإِبِل بالاحتكاك بذلك الْعود. وَقَالَ غَيره: بل أَرَادَ: إِنِّي أثبت فِي الشدائد ثُبُوت الْعود الَّذِي يحتك بِهِ الْإِبِل مَعَ كَثْرَة ترددها عَلَيْهِ. والعذيق تَصْغِير عذق بِفَتْح الْعين: وَهُوَ النَّخْلَة. فَأَما العذق بِكَسْر الْعين فَهُوَ الكباسة. وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّخْلَة. والترجيب أَن يدعم النَّخْلَة إِذا كثر حملهَا إِمَّا بخشبة ذَات شعبتين أَو تبني بَيْتا حولهَا؛ شَفَقَة على حملهَا، وحبا لَهَا، وَأَرَادَ: أَنِّي مُعظم فِي

стр. 73

النُّفُوس، أصلح للائتمام بِي. واللغط: ارْتِفَاع الْأَصْوَات بِمَا لَا يُفِيد. وَقَوله: منا أَمِير ومنكم أَمِير. رُبمَا ظن ظان بالأنصار أَنهم شكوا فِي تَفْضِيل أبي بكر؛ وَلَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا جروا فِي هَذَا على عَادَة الْعَرَب: وَهِي أَن لَا يسود الْقَبِيلَة إِلَّا رجل مِنْهَا، وَلم يعلمُوا أَن حكم الْإِسْلَام على خلاف ذَلِك، فَلَمَّا ثَبت عِنْدهم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الْخلَافَة فِي قُرَيْش " أذعنوا لَهُ وَبَايَعُوهُ. وَقَوله: ونزونا: مَعْنَاهُ وثبنا، وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ للازدحام. وَقَوله: قتل الله سَعْدا: إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن سَعْدا أَرَادَ الْولَايَة وَمَا كَانَ يصلح أَن يتَقَدَّم أَبَا بكر. وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى قَوْله: قتل الله سَعْدا: أَي احسبوه فِي عداد من مَاتَ وَهلك، أَي لَا تَعْتَدوا بِحُضُورِهِ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يكون أَمِيرا، فَخَالف. وَقَوله: تغرة أَن يقتلا: أَي حذارا، وَهُوَ مَأْخُوذ من التَّغْرِير، كالتعلة من التَّعْلِيل. وَقَالَ أَبُو عبيد: أَرَادَ أَن فِي بيعتهما تغريرا بأنفسهما للْقَتْل، وتعرضا لذَلِك. ٢٧ - / ٢٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: قَالَ ابْن عَبَّاس: حججْت مَعَ عمر، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق عدل وَعدلت مَعَه بِالْإِدَاوَةِ فَتبرز.

стр. 74

أما الْإِدَاوَة فَهِيَ من جُلُود، كالركوة، يتَوَضَّأ فِيهَا. وتبرز بِمَعْنى خرج إِلَى البرَاز وَهُوَ الْمَكَان الفسيح لقَضَاء الْحَاجة. وَقَوله: من الْمَرْأَتَانِ اللَّتَان قَالَ الله : ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله﴾ ؟ [التَّحْرِيم: ٤] الْمَعْنى: إِن تَتُوبَا من التعاون على رَسُول الله بالإيذاء ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ أَي زاغت عَن الْحق وَعدلت. وَإِنَّمَا قَالَ ﴿قُلُوبكُمَا﴾ لِأَن كل اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: الْعَرَب تَقول: وضعا رحالهما، يُرِيدُونَ رحلي راحلتيهما. والمرأتان: عَائِشَة وَحَفْصَة، وتعاونهما أَنَّهُمَا أحبتا مَا كرهه رَسُول الله من اجْتِنَاب جَارِيَته مَارِيَة، وَذَلِكَ أَن حَفْصَة ذهبت يَوْمًا إِلَى بَيت أَبِيهَا، فَأرْسل النَّبِي ﷺ إِلَى جَارِيَته مَارِيَة، فظلت عِنْده فِي بَيت حَفْصَة، وَكَانَ الْيَوْم الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَائِشَة، فَرَجَعت حَفْصَة فَوَجَدتهَا فِي بَيتهَا، فَجعلت تنْتَظر خُرُوجهَا، فَلَمَّا دخلت حَفْصَة قَالَت: قد رَأَيْت من كَانَ عنْدك، وَالله لقد سؤتني، فَقَالَ: " وَالله لأرضينك، وَإِنِّي أسر إِلَيْك سرا فاحفظيه: إِنِّي أشهد أَنَّهَا عَليّ حرَام، فَلَا تذكري هَذَا لأحد " فَذَكرته لعَائِشَة، فَمَا زَالَت بِهِ عَائِشَة حَتَّى حلف أَلا يقربهَا فَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي هجره إياهن. قَالَ ابْن حبيب الْهَاشِمِي: يُقَال إِنَّه ذبح ذبحا، فقسمته عَائِشَة بَين أَزوَاجه، فَأرْسل إِلَى زَيْنَب بنت جحش نصِيبهَا، فَردته، فَقَالَ: " زيديها "، فزادتها ثَلَاثًا وَهِي ترده. فَقَالَ: " لَا أَدخل عليكن شهرا ". وَقَالَ غَيره: بل كن قد سألنه زِيَادَة فِي النَّفَقَة، وآذينه بالغيرة،

стр. 75

فآلى مِنْهُنَّ شهرا. وَقَوله: فَطَفِقَ نساؤنا - أَي أخذن فِي تعلم ذَلِك. وطفق مثل قَوْلك: أنشأ يَقُول، وَجعل يَقُول. وَأكْثر اللُّغَة على طفق يطفق، وَقد جَاءَ طفق بِفَتْح الْفَاء، يطفق بِكَسْرِهَا. وَقَوله: لَا يغرنك أَن كَانَت جارتك هِيَ أوسم. أَرَادَ بالجاره عَائِشَة، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا جَارة لِأَنَّهَا قد شاركتها فِي الزواج. وَأَرَادَ بقوله أوسم: الوسامة: وَهِي الْحسن. وَالْمعْنَى أَن عَائِشَة تدل بحسنها ومحبة الرَّسُول لَهَا، فَلَا تغتري أَنْت. ويوشك بِمَعْنى يقرب. يُقَال: أوشك الْأَمر يُوشك فَهُوَ وشيك: إِذا قرب. والمشربة بِضَم الرَّاء وَفتحهَا، وَجَمعهَا مشارب ومشربات: وَهِي الغرفة. وَقَوله: على رمال حَصِير. الرمال يُقَال بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا، وَمَعْنَاهُ مَا نسج من حَصِير أَو غَيره. قَالَ الزّجاج: يُقَال: رملت الْحَصِير رملا، وأرملته إرمالا: إِذا نسجته، وَمعنى الحَدِيث: أَنه لم يكن فَوق الْحَصِير فرَاش وَلَا غَيره. وَقَوله: استأنس: أَي أَجْلِس وأستقر. والأهبة جمع إهَاب: والإهاب اسْم الْجلد، وَيُقَال فِي جمعه أهب

стр. 76

وَأهب وآهبه، قَالَ النَّضر بن شُمَيْل: إِنَّمَا يُقَال إهَاب لجلد مَا يُؤْكَل لَحْمه. وَقد جَاءَ فِي لفظ آخر: أَنه دخل عَلَيْهِ وَعِنْده أفِيق. والأفيق: الْجلد لم يتم دباغه، وَجمعه أفق. يُقَال: أفِيق وأفق، وأديم وأدم، وعمود وَعمد، وإهاب وَأهب. وَلم يجِئ " فعيل " وَلَا: " فعول " يجمع على " فعل ": إِلَّا هَذِه الأحرف، وَإِنَّمَا يجمع على فعل نَحْو صبور وصبر. وَقَوله: " الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ ". يُشِير إِلَى ذَلِك الشَّهْر الَّذِي حلف فِيهِ، فَإِنَّهُ طلع الْهلَال فَكَانَ الشَّهْر تسعا وَعشْرين، وَلَيْسَ كل الشُّهُور يكون كَذَلِك. وَقَوله: " حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك " الاستئمار: طلب أَمر المستأمر ليمتثله المستأمر. وَقَوله: ﴿إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ وَهَذَا لِأَن عملهن بِمُقْتَضى الْغيرَة وطلبهن زِيَادَة النَّفَقَة إِرَادَة مِنْهُنَّ للدنيا. وَقَوله: ﴿فتعالين أمتعكن﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٨] يعْنى مُتْعَة الطَّلَاق. وَالْمرَاد بالسراح: الطَّلَاق. وبالدار الْآخِرَة: الْجنَّة. والمحسنات: المؤثرات للآخرة. فَلَمَّا أخترنه أنبأهن الله ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: التَّفْضِيل على سَائِر النِّسَاء بقوله: ﴿لستن كَأحد من النِّسَاء﴾ [الْأَحْزَاب: ٣٢] . وَالثَّانِي: أَن جَعلهنَّ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. وَالثَّالِث: أَن حظر عَلَيْهِ طلاقهن والاستبدال بِهن، لقَوْله: ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد﴾ [الْأَحْزَاب: ٥٢] .

стр. 77

وَهل أُبِيح لَهُ بعد ذَلِك التَّزَوُّج عَلَيْهِنَّ؟ فِيهِ قَولَانِ. وَقَوله: وَلم يُرْسِلنِي مُتَعَنتًا. المتعنت: المشدد الَّذِي يُكَلف من يتعنته الْأَمر الصعب، وَرُبمَا قصد بذلك إِظْهَار عَجزه. وأصل الْعَنَت الْمَشَقَّة يُقَال: أكمة عنوت: إِذا كَانَ سلوكها شاقا. وَيُقَال: عنت الْبَعِير يعنت عنتا: إِذا حدث فِي رجله كسر لَا يُمكنهُ مَعَه تصريفها. وَقَوله: تحسر الْغَضَب عَن وَجهه: أَي انْكَشَفَ. وكشر بِمَعْنى تَبَسم. وَقَوله: ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف﴾ [النِّسَاء: ٨٣] الْإِشَارَة إِلَى الْمُنَافِقين، وَالْمعْنَى أَنهم إِذا سمعُوا خَبرا يحدث خيرا أَو يُوجب خوفًا أشاعوه من غير تثبت فِي مَعْرفَته، ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول﴾ حَتَّى يكون هُوَ الْمخبر بِهِ ﴿وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم﴾ كالأكابر من الصَّحَابَة ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ . وَفِي هَذَا الْعلم قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن رَاجع إِلَى المذيعين، فَلَو ردُّوهُ إِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم علمُوا حَقِيقَته وفهموا مَا يستنبطونه مِنْهُ بإعلام أُولَئِكَ. وَالثَّانِي: أَنه رَاجع إِلَى أولي الْأَمر، وَالْمعْنَى: لعلمه أولو الْأَمر عِنْد استنباطهم لَهُ. والاستنباط فِي اللُّغَة: الاستخراج. وَقَالَ الزّجاج: أَصله من النبط: وَهُوَ المَاء الَّذِي يخرج من الْبِئْر فِي أول مَا يحْفر. يُقَال من ذَلِك: قد أنبط فلَان فِي غضراء: أَي استنبط المَاء من طين حر. وَسمي النباط نباطا لاستنباطهم مَا يخرج من الأَرْض.

стр. 78

وعَلى مُقْتَضى حَدِيث عمر أَن هَذَا الَّذِي أذاعوه قَوْلهم " طلق رَسُول الله نِسَاءَهُ، فَإِنَّمَا أشاعوا مَا لم يتيقنوه حَتَّى استنبط ذَلِك عمر. وَقَوله: دخل عمر على أم سَلمَة لِقَرَابَتِهِ مِنْهَا. أم سَلمَة بنت عَم أم عمر؛ لِأَن أم عمر حنتمة بنت هَاشم بن الْمُغيرَة ابْن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم. وَأم سَلمَة بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة. وَقَوْلها لَهُ: قد دخلت فِي كل شَيْء حَتَّى تبتغي أَن تدخل بَين رَسُول الله وأزواجه. كَانَ عمر ﵁ ناصحا لِلْإِسْلَامِ، فَكَانَ ينبسط على رَسُول الله، فَيَقُول: افْعَل، وَلَا تفعل، فَيعلم رَسُول الله شدَّة شفقته وَمَوْضِع نصحه فَلَا يُنكر عَلَيْهِ، وَقد قَالَ لرَسُول الله: احجب نِسَاءَك، وَقَالَ: لَا تصل على ابْن أبي، إِلَى غير ذَلِك. ٢٨ - / ٢٨ - الحَدِيث الْعَاشِر: قَالَ ابْن عَبَّاس: شهد عِنْدِي رجال مرضيون، وأرضاهم عِنْدِي عمر: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تشرق الشَّمْس، وَبعد الْعَصْر حَتَّى تغرب. قلت: شهد عِنْدِي: مَعْنَاهُ بينوا لي هَذَا وأعلموني بِهِ، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ إِقَامَة الشَّهَادَة الَّتِي تكون عِنْد الْحُكَّام. وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمرَان: ١٨] قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: بَين. قَالَ: وأشرقت الشَّمْس: إِذا أَضَاءَت وصفت، وشرقت: إِذا طلعت، هَذَا أَكثر اللُّغَة، وَقَالَ بَعضهم: هما بِمَعْنى وَاحِد.

стр. 79

وَاعْلَم أَن هَذَا النَّهْي يخْتَص النَّوَافِل الَّتِي لَا سَبَب لَهَا، وَأما الَّتِي لَهَا سَبَب كتحية الْمَسْجِد، فَهَل يجوز فعلهَا؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا لَا يجوز، وَالْأُخْرَى يجوز كَقَوْل الشَّافِعِي. وَاعْلَم أَن كَرَاهِيَة التَّنَفُّل فِي أَوْقَات النَّهْي تعم جَمِيع الْمَسَاجِد جَمِيع الْأَيَّام. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يكره التَّنَفُّل فِي هَذِه الْأَوْقَات بِمَسْجِد مَكَّة خَاصَّة، وَلَا يكره التَّنَفُّل يَوْم الْجُمُعَة عِنْد الزَّوَال. وَأما قَضَاء الْفَوَائِت وَفعل المنذورات فِي أَوْقَات النَّهْي فَيجوز عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة. فَإِن قَالَ قَائِل: فقد صَحَّ عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ لم يكن يتْرك رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر. فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مسندها إِن شَاءَ الله. ٢٩ - / ٢٩ - الحَدِيث الْحَادِي عشر: بلغ عمر أَن فلَانا بَاعَ خمرًا، فَقَالَ: قَاتل الله فلَانا، ألم يعلم أَن رَسُول الله قَالَ: " لعن الله الْيَهُود؛ حرمت عَلَيْهِم الشحوم، فجملوها فَبَاعُوهَا ". الْكِنَايَة بفلان عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَكَانَ واليا على الْبَصْرَة من قبل عمر، وَفِي كَيْفيَّة بَيْعه للخمر ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ يَأْخُذهَا من أهل الْكتاب عَن قيمَة الْجِزْيَة فيبيعها مِنْهُم ظنا مِنْهُ أَن ذَلِك جَائِز، قَالَه لنا ابْن نَاصِر. وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يوليهم بيعهَا، قَالَ ابْن عقيل فهم إِذا باعوها أخذُوا ثمنهَا وَنحن نَأْخُذ مِنْهُم ذَلِك الثّمن عشرا، وَهَذَا الْقدر الْحَائِل بَين الأخذين يخرج اسْم

стр. 80

الْمَأْخُوذ مِنْهُم عَن اسْم الثمنية، كَمَا قَالَ البريرة: " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَلنَا هَدِيَّة ". وَالثَّانِي: أَن يكون سَمُرَة بَاعَ الْعصير مِمَّن يَتَّخِذهُ خمرًا، وَذَلِكَ مَكْرُوه، وَقد يُسمى الْعصير خمرًا لِأَنَّهُ يؤول إِلَى الْخمر، كَمَا قَالَ : ﴿أعصر خمرًا﴾ [يُوسُف: ٣٦] . وَالثَّالِث: أَن يكون خلل الْخمر وباعها، وَإِذا خللت لم تطهر وَلم تحل عندنَا. ذكر هذَيْن الْوَجْهَيْنِ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ. وَالصَّحِيح الأول. وَمعنى جملوها: أذابوها. والجميل: الشَّحْم الْمُذَاب. قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: جملت وأجملت واجتملت. قَالَ لبيد: (وَغُلَام أَرْسلتهُ أمه ... بألوك فبذلنا مَا سَأَلَ) (أَو نهته فَأَتَاهُ رزقه ... فاشتوى لَيْلَة ريح واجتمل) ٣٠ - / ٣٠ - الحَدِيث الثَّانِي عشر: قَالَ ابْن الزبير: لَا تلبسوا نساءكم الْحَرِير؛ فَإِنِّي سَمِعت عمر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: " لَا تلبسوا الْحَرِير؛ فَإِن من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة " وَفِي لفظ: " إِنَّمَا يلبس الْحَرِير من لَا خلاق لَهُ ".

стр. 81

وَأما قَول ابْن الزبير: لَا تلبسوا نساءكم الْحَرِير، فَإِنَّهُ قد حمل لفظ رَسُول الله فِي النَّهْي على الْعُمُوم فِي حق الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَهَذَا مُقْتَضى هَذَا اللَّفْظ، غير أَن هَذَا الْإِطْلَاق خص بقوله ﵇: " هَذَانِ حرَام على ذُكُور أمتِي، حل لإناثها ". والخلاق: النَّصِيب ٣١ - / ٣١ - الحَدِيث الثَّالِث عشر: عَن الْمسور وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي أَن عمر قَالَ: سَمِعت هِشَام بن حَكِيم بن حزَام يقْرَأ سُورَة الْفرْقَان على حُرُوف كَثِيرَة لم يقرئنيها رَسُول الله، فكدت أساوره فِي الصَّلَاة. أما عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي، فالياء مُشَدّدَة، وَهُوَ من القارة، وَله ولدان يذكران فِي الحَدِيث بذلك النّسَب، إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد، وَرُبمَا نسبه بعض قرأة الحَدِيث إِلَى الْقِرَاءَة فَلم يشدد الْيَاء، وَذَلِكَ غلط. وَقَوله: فكدت أساوره فِي الصَّلَاة: مَعْنَاهُ فاربت ذَلِك وَلم أفعل، وَكَاد كلمة إِذا أَثْبَتَت انْتَفَى الْفِعْل، وَإِذا نفيت ثَبت الْفِعْل. وَيشْهد للنَّفْي عِنْد الْإِثْبَات ﴿يكَاد الْبَرْق﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠] ﴿يكَاد سنا برقه﴾ [النُّور: ٤٣] ، ﴿يكَاد زيتها يضيء﴾ [النُّور: ٣٥] وَيشْهد للإثبات عِنْد النَّفْي: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٧١] ، ﴿لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا﴾ [النِّسَاء: ٧٨] ، ﴿لم يكد يَرَاهَا﴾ [النُّور: ٤٠] ، ﴿وَلَا يكَاد يبين﴾ [الزخرف: ٥٢] هَذَا هُوَ الأَصْل فِي كَاد، وَقد جَاءَت بِمَعْنى فعل، قَالَ ذُو الرمة:

стр. 82

(وَلَو أَن لُقْمَان الْحَكِيم تعرضت ... لعينيه مي سافرا كَاد يَبْرق) أَي: لَو تعرضت لبرق: أَي دهش وتحير. وَجَاءَت المنفية بِمَعْنى الْإِثْبَات، وَقَالَ ذُو الرمة أَيْضا: (إِذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الْهوى من حب مية يبرح) أَرَادَ: لم يبرح. وَمعنى أساوره: أواثبه، من سُورَة الْغَضَب. وَقَوله: فتربصت. التَّرَبُّص: الِانْتِظَار. وَقَوله: لببته بردائه: جررته. اللبب: مَوضِع النَّحْر. وَأَرَادَ: جررته بالرداء الْمُتَعَلّق بنحره. وَقَوله: " إِن هَذَا الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف ". وَاخْتلف الْعلمَاء فِي المُرَاد بِهَذَا على خَمْسَة وَثَلَاثِينَ قولا، حَكَاهَا أَبُو حَاتِم بن حبَان الْحَافِظ. غير أَن جمهورها لَا يخْتَار، وَالَّذِي نختاره أَن المُرَاد بالحرف اللُّغَة، فالقرآن أنزل على سبع لُغَات فصيحة من لُغَات الْعَرَب، فبعضه بلغَة هُذَيْل، وَبَعضه بلغَة هوَازن، وَغَيرهم من الفصحاء. وَقد يشكل على بعض النَّاس فَيَقُول: هَل كَانَ جِبْرِيل يلفظ بِاللَّفْظِ

стр. 83

الْوَاحِد سبع مَرَّات؟ فَيُقَال لَهُ: إِنَّمَا يلْزم هَذَا إِذا قُلْنَا إِن السَّبْعَة الأحرف تَجْتَمِع فِي حرف وَاحِد، وَنحن قُلْنَا: إِن السَّبْعَة الأحرف تَفَرَّقت فِي الْقُرْآن، فبعضه بلغَة قُرَيْش، وَبَعضه بلغَة غَيرهم. وَلَو قُلْنَا: إِنَّهَا اجْتمعت فِي الْحَرْف الْوَاحِد قُلْنَا: كَانَ جِبْرِيل يَأْتِي فِي كل عرضة بِحرف إِلَى أَن تمت سَبْعَة أحرف. ٣٢ - / ٣٢ - الحَدِيث الرَّابِع عشر: وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث: قلت: يَا رَسُول الله، لَو اتخذنا مقَام إِبْرَاهِيم مصلى، فَنزلت: ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ [الْبَقَرَة: ١٢٥] وَقلت: يَا رَسُول الله، يدْخل على نِسَائِك الْبر والفاجر، فَلَو أمرتهن يحتجبن فَنزلت آيَة الْحجاب. وَاجْتمعَ نسَاء النَّبِي ﷺ فِي الْغيرَة، فَقلت: ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن﴾ فَنزلت كَذَلِك. معنى وَافَقت رَبِّي: أَي وَافَقت حكمه. ومقام إِبْرَاهِيم: مَوضِع قِيَامه، وَهُوَ مَفْتُوح الْمِيم، فَإِذا ضمت فَالْمُرَاد الْإِقَامَة، ثمَّ قد يسْتَعْمل كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي مَوضِع الآخر. وَالْمرَاد بمقام إِبْرَاهِيم الْحجر الْمَعْرُوف. وَفِي سَبَب قِيَامه عَلَيْهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه جَاءَ من الشَّام إِلَى مَكَّة لزيارة ابْنه إِسْمَاعِيل فَلم يجده، فَقَالَت لَهُ زَوجته: انْزِلْ، فَأبى؛ لِأَن سارة اشْترطت عَلَيْهِ أَلا ينزل غيرَة عَلَيْهِ. فَقَالَت لَهُ: فَدَعْنِي أغسل رَأسك، فَأَتَتْهُ بِالْحجرِ فَوضع رجله عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكب، فغسلت شقَّه، ثمَّ رفعته وَقد غَابَتْ فِيهِ رجله، فَوَضَعته تَحت الشق الآخر وغسلته، فغابت فِيهِ رجله، فَجعله الله من الشعائر، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس.

стр. 84

وَالثَّانِي: أَنه قَامَ على الْحجر لبِنَاء الْبَيْت، وَإِسْمَاعِيل يناوله الْحِجَارَة، قَالَه سعيد بن جُبَير. فَإِن قيل: فَمَا السِّرّ فِي أَن عمر لم يقنع بِمَا فِي شريعتنا حَتَّى طلب الاستنان بِملَّة إِبْرَاهِيم، وَقد نَهَاهُ رَسُول الله عَن مثل هَذَا حِين أَتَى بأَشْيَاء من التَّوْرَاة، فَقَالَ. " أمطها عَنَّا يَا عمر "؟ فَالْجَوَاب: أَنه لما سمع قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا﴾ [الْبَقَرَة: ١٢٤] . ثمَّ سمع قَوْله: ﴿أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ [النَّحْل: ١٢٣] علم أَن الائتمام بِهِ مَشْرُوع فِي شرعنا دون الائتمام بِغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاء. ثمَّ رأى أَن الْبَيْت مُضَاف إِلَى إِبْرَاهِيم وَأَن أثر قدمه فِي الْمقَام كرقم اسْم الْبَانِي فِي الْبناء ليذكر بِهِ بعد مَوته، فَرَأى الصَّلَاة عِنْد الْمقَام كَقِرَاءَة الطَّائِف بِالْبَيْتِ اسْم من بناه، فَوَقَعت مُوَافَقَته فِي رَأْيه. فَأَما غير إِبْرَاهِيم من الْأَنْبِيَاء فَلَا يجرى مجْرَاه. على أَن هَذَا الْقدر من شرع إِبْرَاهِيم مَعْلُوم قطعا، وَمَا فِي أيدى الكتابيين من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل أَمر مغير مبدل، فَنَهَاهُ عَنهُ للعلتين جَمِيعًا. وَقد بَان هَذَا بِمَا أخبرنَا بِهِ أَبُو الْقَاسِم الْكَاتِب قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ ابْن الْمَذْهَب قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر بن مَالك. قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا شُرَيْح بن النُّعْمَان قَالَ: حَدثنَا هشيم قَالَ: أخبرنَا مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن جَابر بن عبد الله: أَن عمر ابْن الْخطاب أَتَى النَّبِي ﷺ بِكِتَاب أَصَابَهُ من بعض أهل الْكتاب، فقرأه

стр. 85

على النَّبِي ﷺ ، فَغَضب وَقَالَ: " أمتهوكون فِيهَا يَا ابْن الْخطاب؟ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لقد جِئتُكُمْ بهَا بَيْضَاء نقية. لَا تسألوهم عَن شَيْء فيخبركم بِحَق فتكذبوا بِهِ أَو بباطل فتصدقوا بِهِ. وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو أَن مُوسَى ﵇ كَانَ حَيا مَا وَسعه إِلَّا أَن يَتبعني ". وَأما آيَة الْحجاب فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ جَارِيا على عَادَة الْعَرَب فِي ترك الْحجاب، حَتَّى أَمر بذلك، وَالَّذِي أَشَارَ بِهِ عمر لم يكن يخفى على رَسُول الله، لكنه كَانَ ينْتَظر الْوَحْي فِي الْأَشْيَاء، وَكَانَ السَّبَب فِي نزُول الْحجاب أَن رَسُول الله ﷺ تزوج زَيْنَب، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا، فَأكل جمَاعَة من الصَّحَابَة عِنْده فِي الْبَيْت وَهِي مولية وَجههَا لحائط، فانتظر رَسُول الله خُرُوجهمْ فَلم يخرجُوا، وجلسوا يتحدثون، فَخرج رَسُول الله فَلم يخرجُوا، ثمَّ عَاد وَلم يخرجُوا، فَنزلت: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم﴾ [الْأَحْزَاب: ٥٣] . وَهَذَا يَأْتِي مشروحا فِي مُسْند أنس إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما أُسَارَى بدر فَإِن رَسُول الله كَانَ قد اسْتَشَارَ فيهم أَبَا بكر وَعمر، فَأَشَارَ أَبُو بكر بِالْفِدَاءِ، وَأَشَارَ عمر بِالْقَتْلِ، على مَا سَيَأْتِي عَن قريب، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض﴾ [الْأَنْفَال: ٦٧] فَكَانَ ذَلِك على مُوَافقَة عمر. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ خَفِي الصَّوَاب على رَسُول الله وَأبي بكر؟ فَالْجَوَاب لثَلَاثَة أوجه:

стр. 86

أَحدهَا: ليظْهر النَّقْص على التَّام. وَالثَّانِي: ليعلم أَن الْإِصَابَة بِتَوْفِيق الله ، لَا بِرَأْي الْإِنْسَان وترويه، وَلذَلِك اطلع سُلَيْمَان على مَا خَفِي عَن دَاوُد، وَالْخضر على مَا غَابَ عَن مُوسَى [﵈] . وَالثَّالِث: أَنه إِذا أصَاب عمر وَالرَّسُول حَيّ، لم يرتب باستحقاقه الْولَايَة بعد أبي بكر. ٣٣ - / ٣٣ - الحَدِيث الْخَامِس عشر: " إِذا أقبل اللَّيْل وَأدبر النَّهَار فقد أفطر الصَّائِم ". فِي معنى " فقد أفطر " قَولَانِ: أَحدهمَا: فقد دخل وَقت الْفطر. وَجَاز لَهُ. وَالثَّانِي: فقد صَار فِي حكم الْمُفطر وَإنَّهُ لم يَأْكُل. ٣٤ - / ٣٤ - الحَدِيث السَّادِس عشر: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى، فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله، وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو إِلَى امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ ". الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: من جِهَة الرِّوَايَة: فقد رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد نَحْو من مِائَتَيْنِ وَخمسين رجلا. وَقد رُوِيَ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ،

стр. 87

رَوَاهُ نوح بن حبيب البذشي، فرفعه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَانْقَلَبَ عَلَيْهِ إِسْنَاد حَدِيث بِحَدِيث. وَرُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَابْن عَبَّاس، وَابْن عمر، وَمُعَاوِيَة، وَغَيرهم، وَلَا يَصح مُسْندًا إِلَّا من حَدِيث عمر. وَالثَّانِي: بَيَان سَبَب هَذَا الحَدِيث: فَإِن كثيرا من الْأَحَادِيث جَاءَت على أَسبَاب، كَمَا أَن كثيرا من الْآيَات نزلت على أَسبَاب: وَذَلِكَ أَن رجلا خطب امْرَأَة بِمَكَّة، فهاجرت إِلَى الْمَدِينَة، فتبعها الرجل رَغْبَة فِي نِكَاحهَا، فَقَالَ رَسُول الله هَذَا الحَدِيث، فَكَانَ يُقَال للرجل: مهَاجر أم قيس. وَالثَّالِث: فضل هَذَا الحَدِيث وشرفه: فَإِن الْعلمَاء كَانُوا يستحبون تَقْدِيمه فِي التصانيف لعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهِ؛ إِذْ النِّيَّة أصل الْعَمَل، وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يَقُول: يَنْبَغِي لمن صنف كتابا أَن يَبْتَدِئ بِهَذَا الحَدِيث. وَلِهَذَا افْتتح البُخَارِيّ كِتَابه بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي سبعين بَابا من الْفِقْه. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: أصُول الْإِسْلَام على ثَلَاثَة أَحَادِيث: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ "، و " حَلَال بَين، وَحرَام بَين "، و " من أحدث فِي أمرنَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رد ". وَقَالَ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي: الْفِقْه يَدُور على خَمْسَة أَحَادِيث: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " و " حَلَال بَين " و " مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْكُم فَاجْتَنبُوهُ، وَمَا أَمرتكُم بِهِ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم " و: لَا ضَرَر وَلَا ضرار " و " الدّين النَّصِيحَة ". وَفِي رِوَايَة عَن أبي دَاوُد قَالَ: كتبت عَن رَسُول الله خَمْسمِائَة ألف

стр. 88

حَدِيث، انتخبت مِنْهَا مَا ضمنته كتاب " السّنَن "، فَذكرت الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ويقاربه، وَيَكْفِي الْإِنْسَان لدينِهِ من ذَلِك أَرْبَعَة أَحَادِيث: أَحدهمَا: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " وَالثَّانِي: " الْحَلَال بَين " وَالثَّالِث: " من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه "، وَالرَّابِع: " لَا يكون الْمُؤمن مُؤمنا حَتَّى يرضى لِأَخِيهِ مَا يرضاه لنَفسِهِ ". وَالْوَجْه الرَّابِع: تَفْسِير الحَدِيث: فَقَوله: " إِنَّمَا " كلمة ترَاد للحصر، تثبت الْمشَار إِلَيْهِ وتنفي مَا عداهُ، فَهِيَ تعْمل بركنيها إِثْبَاتًا ونفيا. وَمَعْلُوم أَن الرَّسُول لم يرد نفي الْأَعْمَال الحسية، لِأَنَّهَا قد تُوجد بِغَيْر نِيَّة، وَإِنَّمَا أَرَادَ صِحَة الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة، فَبين أَن النِّيَّة هِيَ الفاصلة بَين مَا يَصح وَمَا لَا يَصح. وَمعنى النِّيَّة: قصدك الشَّيْء، وتحريك طلبه. وَقَالَ بعض اللغويين: أصل النِّيَّة الطّلب، وَيُقَال: لي عِنْد فلَان نِيَّة: أَي طلبة وحاجة. وَأنْشد لكثير: (وَإِن الَّذِي يَنْوِي من المَال أَهلهَا ... أوارك لما تأتلف وعوادي) يُرِيد: مَا يطلبونه من الْمهْر. والأوراك: المقيمة فِي الْأَرَاك تَأْكُله.

стр. 89

يُقَال مِنْهُ: أركت تأرك أروكا: إِذا أَقَامَت فِي الْأَرَاك تَأْكُله، وَهِي إبل آركة مثل فاعلة. فَإِن اشتكت بطونها عَنهُ قيل: إبل أراكى، وَكَذَلِكَ رماثى وطلاحى، من الرمث والطلح. وَقد أَفَادَ هَذَا الحَدِيث أَن الشَّرْع إِنَّمَا يعْتد بِالْعَمَلِ الَّذِي فِيهِ النِّيَّة، فَلَو أَن إنْسَانا اغْتسل بِقصد التبرد لم يجزه عَن الْجَنَابَة، وَهَذَا قَول مَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد بن حَنْبَل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تجب النِّيَّة فِي طَهَارَة المَاء، وَتجب فِي التَّيَمُّم. وَقَالَ: الْأَوْزَاعِيّ: لَا تجب فيهمَا. وَقَوله: " وَإِنَّمَا لامرئ مَا نوى " تَأْكِيد للْكَلَام الأول. ويحتوي على فَائِدَة تخصه: وَهِي إِيجَاب تعْيين النِّيَّة للْعَمَل الْمُبَاشر، فَإِنَّهُ لَو صلى الْإِنْسَان أَربع رَكْعَات، فَقَالَ فِي نَفسه: هَذِه قَضَاء فَرِيضَة إِن كَانَت عَليّ، وَإِلَّا فَهِيَ نَافِلَة، لم يجزه عَن فَرْضه إِذا بَان أَن عَلَيْهِ فَرِيضَة، لِأَنَّهُ لم يمحض النِّيَّة للْفَرض. وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَيْلَة الْغَيْم: إِذا كَانَ غَدا من رَمَضَان فَهِيَ فَرضِي، وَإِن لم يكن فَهُوَ نفل، فَإِنَّهُ لَا يجْزِيه حَتَّى يقطع أَنه صَائِم غَدا من رَمَضَان، فِي الْمَنْصُور عِنْد أَصْحَابنَا. وَقَوله: فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله: أَي فَهجرَته مَقْبُولَة عِنْد الله وَرَسُوله. وَقَوله: " إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ " إِخْرَاج لما لم يقْصد بِالنِّيَّةِ، يُرِيد أَن حَظه من هجرته مَا قَصده من دُنْيَاهُ دون مَا لم يَقْصِدهُ من آخرته. فبعض الحَدِيث يُقَوي بَعْضًا ويؤكده.

стр. 90

٣٥ - / ٣٥ - الحَدِيث السَّابِع عشر: من رِوَايَة مَالك بن أَوْس النصري عَن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " الذَّهَب بِالذَّهَب رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء. وَالْوَرق بالورق رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء. وَالْبر بِالْبرِّ رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء. وَالشعِير بِالشَّعِيرِ رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء. وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء ". الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث فِي أَرْبَعَة مقامات: الأول: فِي نسب الرواي وَهُوَ النصري بالنُّون وَالصَّاد غير الْمُعْجَمَة، وَهُوَ أحد بني نصر بن مُعَاوِيَة، وَقد ذكره قوم فِي الصَّحَابَة، وَلَا يَصح ذَلِك، وَقد كَانَ يركب الْخَيل فِي الْجَاهِلِيَّة، إِلَّا أَنه تَأَخّر إِسْلَامه، فروى عَن بعض الصَّحَابَة، وَفِي الصَّحَابَة خلق كثير يشاركونه فِي النّسَب، وَأما النضري بالضاد فقليل. الْمقَام الثَّانِي: فِي تَصْحِيح اللَّفْظ: فالورق مَكْسُورَة الرَّاء. وهاء وهاء ممدودة، وَعَامة الْمُحدثين يقصرونها وَالصَّوَاب الْمَدّ: أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي قَالَ: أخبرنَا عبد الغافر بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ قَالَ: قَوْله: إِلَّا هَاء وهاء ممدودان، والعامة تقصرهما. وَمعنى هَاء: خُذ، يُقَال للرجل: هَاء. وللمرأة: هائي. وللاثنين من الرِّجَال وَالنِّسَاء: هاؤما، وللرجال هاؤم، وللنساء هاؤمن. وَإِذا قلت هاك قصرت، وَإِذا حذفت الْكَاف مددت، فَكَانَت الْمدَّة بَدَلا من كَاف المخاطبة.

стр. 91

الْمقَام الثَّالِث: فِي تَفْسِير اللَّفْظ: الْوَرق: الْفضة. وَالْبر: الْحِنْطَة. وهاء بِمَعْنى هاك: أَي خُذ. الْمقَام الرَّابِع: بَيَان الحكم: فَاعْلَم أَن الرِّبَا على ضَرْبَيْنِ: رَبًّا الْفضل، وَربا النَّسِيئَة. فربا الْفضل يحرم بعلة كَونه مَكِيل جنس أَو مَوْزُون جنس، على مَا سَيَأْتِي فِي شَرحه فِي مُسْند عبَادَة بن الصَّامِت إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فَإِن ذكره هُنَاكَ أليق. وَأما رَبًّا النَّسِيئَة: فَاعْلَم أَن كل شَيْئَيْنِ يتحد فيهمَا عِلّة رَبًّا الْفضل لَا يجوز بيع أَحدهمَا بِالْآخرِ نَسِيئَة، وَمَتى حصل التَّفَرُّق فِي بيعهمَا قبل الْقَبْض بَطل العقد، كالذهب بِالْفِضَّةِ، وَالْحِنْطَة بِالشَّعِيرِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنَّمَا ذَلِك فِي الصّرْف خَاصَّة. ٣٦ - / ٣٦ - الحَدِيث الثَّامِن عشر: قَالَ مَالك بن أَوْس: أرسل إِلَيّ عمر فَجِئْته، فَوَجَدته فِي بَيته جَالِسا على سَرِير، مفضيا إِلَى رماله ... الْإِفْضَاء إِلَى الشَّيْء: أَلا يكون بَيْنك وَبَينه حَائِل. وَالْمعْنَى أَنه لم يكن تَحْتَهُ فرَاش. وَقد شرحنا معنى الرمال فِي الحَدِيث التَّاسِع من هَذَا الْمسند. وَقَوله: يَا مَال: يُرِيد يَا مَالك: وَقد قَرَأَ عَليّ وَابْن مَسْعُود: (يَا مَال) ، بِغَيْر كَاف، وَالْعرب تَقول: يَا حَار: تُرِيدُ يَا حَارِث.

стр. 92

وَقَوله: قد دف أهل أَبْيَات: أَي وردوا مُتَتَابعين قوما بعد قوم، وَلَهُم دفيف وَهُوَ سير لين. وَالْمرَاد أَنهم وردوا لضر أَصَابَهُم فِي بِلَادهمْ. والرضح: عَطاء لَيْسَ بالكثير. ويرفا: حَاجِب عمر وآذنه. وَقَوله اتئد: أَي تثبت وَلَا تستعجل. وَقَوله: أنْشدكُمْ الله: أَي أَسأَلكُم وَأعْلمكُمْ مَا يجب عَلَيْكُم من الصدْق لله. وَقد كشفنا وَجه الْخُصُومَة الَّتِي كَانَت تجْرِي بَين عَليّ وَالْعَبَّاس فِي صدقَات رَسُول الله ﷺ فِي الحَدِيث السَّادِس من مُسْند أبي بكر. إِلَّا أَن فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث: فجئتما تطلب ميراثك من ابْن أَخِيك، وَيطْلب هَذَا مِيرَاث امْرَأَته من أَبِيهَا، فَقَالَ أَبُو بكر: قَالَ رَسُول الله: " لَا نورث ". وَقد أشكل هَذَا على بعض الْمُتَأَخِّرين فَقَالَ: كَيفَ قَالَ: أنشدكما الله، هَل تعلمان أَن رَسُول الله قَالَ: " لَا نورث؟ " ثمَّ قَالَ: فجئتما تطلبان الْمِيرَاث. وَجَوَاب هَذَا: أنكما طلبتما الْمِيرَاث فِي زمن أبي بكر، فَلَمَّا أخبركما أَن رَسُول الله قَالَ: " لَا نورث " علمتما ذَلِك. وَكَانَ عمر قد دفع صَدَقَة رَسُول الله بِالْمَدِينَةِ إِلَى عَليّ وَالْعَبَّاس، فغلبه عَلَيْهَا عَليّ، وَأما خَيْبَر وفدك فَأَمْسَكَهُمَا عمر. والإيجاف بِالْخَيْلِ: الإيضاع، وَهُوَ الْإِسْرَاع فِي السّير. والركاب: الْإِبِل. وَكَانَ مَا لم يوجف عَلَيْهِ ملكا لرَسُول الله خَاصَّة، هَذَا اخْتِيَار

стр. 93

أبي بكر من أَصْحَابنَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى أَن الْفَيْء لجَماعَة الْمُسلمين. وَإِنَّمَا كَانَ رَسُول الله يَأْخُذ من نصِيبه مَا يَأْخُذ وَيجْعَل الْبَاقِي فِي مصَالح الْمُسلمين. وَقَوله: كَانَ يَأْخُذ نَفَقَة سنته. فِيهِ جَوَاز ادخار قوت سنة، وَلَا يُقَال: هَذَا من طول الأمل؛ لِأَن الإعداد للْحَاجة مستحسن شرعا وعقلا، وَقد اسْتَأْجر شُعَيْب مُوسَى ﵉ عشر سِنِين. وَفِي هَذَا رد على جهلة المتزهدين فِي إخراجهم من يفعل هَذَا عَن التَّوَكُّل. فَإِن احْتَجُّوا بِأَن رَسُول الله كَانَ لَا يدّخر شَيْئا لغد فَالْجَوَاب: انه كَانَ عِنْده خلق من الْفُقَرَاء، فَكَانَ يؤثرهم. وَقَوله: مَا اسْتَأْثر عَلَيْكُم: أَي مَا أنفرد بذلك عَنْكُم حَتَّى يفِيء هَذَا المَال. يَعْنِي سَهْمه من أَمْوَال بني النَّضِير. وَقَوله: ثمَّ يَجْعَل مَا بَقِي أُسْوَة المَال: أَي تَابعا لَهُ فِي حكمه. ٣٧ - / ٣٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: كتب عمر إِلَى عتبَة بن فرقد: إيَّاكُمْ والتنعم. وزي أهل الشّرك، ولبوس الْحَرِير، فَإِن رَسُول الله نهى عَن لبوس الْحَرِير، قَالَ: " إِلَّا هَكَذَا " فَرفع لنا رَسُول الله إصبعيه الْوُسْطَى والسبابة وضمهما. وَفِي لفظ: نهى نَبِي الله عَن لبس الْحَرِير إِلَّا مَوضِع إِصْبَعَيْنِ، أَو ثَلَاث، أَو أَربع. قَوْله: إيَّاكُمْ والتنعم. اعْلَم أَن الآفة فِي التنعم من ثَلَاثَة أوجه:

стр. 94

أَحدهَا: أَن الدُّنْيَا دَار تَكْلِيف لَا دَار رَاحَة، فالمشتغل بالتنعم لَا يكَاد يُوفي التَّكْلِيف حَقه. أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا الْحسن بن عَليّ التَّمِيمِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر بن مَالك قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا هَارُون قَالَ: أَنبأَنَا ضَمرَة عَن ابْن شَوْذَب قَالَ: سَمِعت فرقدا يَقُول: إِنَّكُم لبستم ثِيَاب الْفَرَاغ قبل الْعَمَل، ألم تروا إِلَى الْفَاعِل إِذا عمل كَيفَ يلبس أدنى ثِيَابه، فَإِذا فرغ اغْتسل وَلبس ثَوْبَيْنِ نقيين، وَأَنْتُم لبستم ثِيَاب الْفَرَاغ قبل الْعَمَل. الآفة الثَّانِيَة: أَن التنعم من حَيْثُ الْأكل يُوجب كَثْرَة التَّنَاوُل، فَيَقَع التشبع فيورث الكسل والغفله، وَيحصل البطر والمرح. وَمن جِهَة اللبَاس يُوجب لين الْبدن فيضعف عَن الْأَعْمَال الشاقة، ويصعب عَلَيْهِ الْجِهَاد والتقلب فِي الِاكْتِسَاب، وَيضم ضمنه الْخُيَلَاء. وَمن جِهَة النِّكَاح فَإِنَّهُ يحمل على إِنْفَاق القوى فِي اللَّذَّات فيضعف عَن أَدَاء اللوازم. والآفة الثَّالِثَة: أَن من ألف ذَلِك صَعب عَلَيْهِ مُفَارقَة مَا ألف، فيفنى زَمَانه المحسوب عَلَيْهِ فِي اكْتِسَاب ذَلِك، خُصُوصا فِي بَاب التنوق فِي النِّكَاح، فَإِن المتنعمة تحْتَاج إِلَى أَضْعَاف مَا تحْتَاج إِلَيْهَا غَيرهَا، ولهذه الْمعَانِي قَالَ عمر: " اخْشَوْشِنُوا وتحفوا ". وَأما زِيّ أهل الشّرك وَالْإِشَارَة إِلَى مَا ينفردون بِهِ، فَنهى عَن التَّشَبُّه بهم.

стр. 95

ولبوس الْحَرِير: لبسه. وَقَوله: إِلَّا مَوضِع إِصْبَعَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَربع. الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى الْعلم الْحَرِير فِي الثَّوْب، وَقد أَفَادَ إِبَاحَة مَا هَذَا قدره، فَلَا يجوز أَكثر من أَربع أَصَابِع. وَقَالَ أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز من أَصْحَابنَا: يُبَاح ذَلِك، وَإِن كَانَ مذهبا، وَكَذَلِكَ يُبَاح الرقعة فِي الثَّوْب، ولبنة الجيب. ٣٨ - / ٣٨ - الحَدِيث الْعشْرُونَ: قَالَ عمر: حملت على فرس فِي سَبِيل الله، فأضاعه الَّذِي كَانَ عِنْده، فَأَرَدْت أَن أشتريه، وظننت أَنه يَبِيعهُ برخص، فَسَأَلت النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " لَا تشتره، وَلَا تعد فِي صدقتك، وَإِن أعطاكه بدرهم؛ فَإِن الْعَائِد فِي صدقته كالعائد فِي قيئه " وَفِي لفظ: " كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه ". قَوْله: حملت على فرس: أَي وهبته لمن يركبه فِي سَبِيل الله، وَهَذَا مُبين فِي أَلْفَاظ كَثِيرَة جَاءَت لهَذَا الحَدِيث، مِنْهَا: أَن عمر تصدق بفرس لَهُ، فَوَجَدَهَا تبَاع. فَيكون النَّهْي عَن شِرَائِهِ تَنْزِيها، لِأَنَّهُ قد أخرج محبوبا لَهُ عَن قلبه، فَلَا يَنْبَغِي أَن يستعيده. وَمثل هَذَا حَدِيث ابْن عمر أَنه أعتق جَارِيَته رميثة، ثمَّ قَالَ: لَوْلَا أَن أَعُود فِي شَيْء جعلته لله لنكحتها، فَأَنْكحهَا نَافِعًا. والقيء مَهْمُوز، والعامة تثقله وَلَا تهمزه. وَالْمعْنَى أَن الْعود فِي الْهِبَة حرَام، كتناول الْقَيْء، وَإِنَّمَا ضرب الْمثل بالكلب لِأَنَّهُ أخس مَا يضْرب بِهِ الْمثل.

стр. 96

٣٩ - / ٣٩ - الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: قدم على رَسُول الله سبي، فَإِذا امْرَأَة من السَّبي تسْعَى إِذا وجدت صَبيا فِي السَّبي أَخَذته فَأَلْصَقته بِبَطْنِهَا فأرضعته، فَقَالَ رَسُول الله: " أَتَرَوْنَ هَذِه الْمَرْأَة طارحة وَلَدهَا فِي النَّار؟ " قُلْنَا لَا، وَالله. قَالَ: " لله أرْحم بعباده من هَذِه بِوَلَدِهَا ". اعْلَم أَن هَذِه الْمَرْأَة سبيت دون وَلَدهَا، وَكَانَت تفعل هَذَا بالصبيان شوقا إِلَيْهِ، وَاعْلَم أَن رَحْمَة الله لَيست رقة، وَإِنَّمَا حَدثهمْ بِمَا يفهمون. فَمن عُمُوم رَحمته إرْسَال الرُّسُل، وإمهال المذنبين. فَإِذا جَحده الْكَافِر خرج إِلَى مقَام العناد فَلم يكن أَهلا للرحمة. وَأما خُصُوص رَحمته فلعباده الْمُؤمنِينَ، فَهُوَ يلطف بهم فِي الشدَّة والرخاء، يزِيد على لطف الوالدة بِوَلَدِهَا. ٤٠ - / ٤١ - الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: من رِوَايَة سعد بن عبيد الله: أَنه شهد الْعِيد مَعَ عمر، فصلى ثمَّ خطب فَقَالَ: إِن رَسُول الله نهاكم عَن صَوْم هذَيْن الْيَوْمَيْنِ: أما أَحدهمَا فصوم فطركم من صومكم، وَأما الآخر فَيوم تَأْكُلُونَ فِيهِ من نسككم. ثمَّ شهدته مَعَ عُثْمَان وَكَانَ يَوْم جُمُعَة، فَقَالَ لأهل العوالي: من أحب مِنْكُم أَن ينْتَظر الْجُمُعَة فَلْيفْعَل، وَمن أحب أَن يرجع إِلَى أَهله فقد أذنا لَهُ. ثمَّ شهدته مَعَ عَليّ، فَخَطب وَقَالَ: إِن رَسُول الله قد نهاكم أَن

стр. 97

تَأْكُلُوا من لُحُوم نسككم فَوق ثَلَاث. أما النَّهْي عَن صَوْم عيد الْفطر، فَإِنَّهُ إِذا تطوع فِيهِ بِالصَّوْمِ لم يبن الْمَفْرُوض من غَيره، وَلِهَذَا يسْتَحبّ أَن يَأْكُل قبل أَن يخرج إِلَى الصَّلَاة. وَأما عيد الْأَضْحَى فَأمر فِيهِ بالإفطار ليَأْكُل المضحي من أضحيته، ثمَّ النَّاس فِيهِ تبع لوفد الله عِنْد بَيته، وهم كالضيف وَلَا يحسن صَوْمه عِنْد مضيفه. فَإِن نذر إِنْسَان صَوْم يَوْم الْعِيد، فعندنا أَنه ينْعَقد نَذره، وَلَكِن لَا يَصُوم، بل يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ وَيكفر كَفَّارَة يَمِين. وَعَن أَحْمد: يكفر من غير قَضَاء. وَنقل عَنهُ مهنا. مَا يدل على أَنه إِذا صَامَهُ صَحَّ صَوْمه. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: قِيَاس الْمَذْهَب أَنه لَا يَصح صَوْمه لأجل النَّهْي. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يَصح نَذره وَيلْزمهُ الْقَضَاء بِلَا كَفَّارَة، فَإِن صَامَهُ أَجزَأَهُ. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا ينْعَقد نَذره وَلَا يلْزمه قَضَاء وَلَا كَفَّارَة. فَأَما النّسك فَهُوَ الذّبْح. وَأما إِذا اتّفق الْعِيد يَوْم الْجُمُعَة فعندنا أَنه يَجْزِي حُضُوره عَن حُضُور الْجُمُعَة، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ خلافًا لأكثرهم. وَيدل على

стр. 98

مَذْهَبنَا مَا روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث زيد بن أَرقم: أَن النَّبِي ﷺ صلى الْعِيد ثمَّ رخص فِي الْجُمُعَة. وَإِنَّمَا خص عُثْمَان أهل العوالي بِالْإِذْنِ لبعد مَنَازِلهمْ، وَعلم أَن من قرب منزله لم يُؤثر ترك الْفَضِيلَة فِي حُضُور الْجُمُعَة. وَأما النَّهْي عَن لُحُوم النّسك فَوق ثَلَاث فقد حمله عَليّ ﵇ على ظَاهر لَفظه. وَكَأَنَّهُ لم يبلغهُ سَبَب النَّهْي، وَلِأَن النَّبِي ﷺ أذن فِي ذَلِك بعد الْمَنْع. وَإِنَّمَا كَانَ سَبَب نَهْيه ﷺ أَن قوما من الْعَرَب أَصَابَتْهُم فاقة، فَدَخَلُوا الْمَدِينَة من الْجُوع، وَأحب أَن يواسوا، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مُسْند عَائِشَة مشروحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٤١ - / ٤٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: أَن عمر قبل الْحجر وَقَالَ: إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر مَا تَنْفَع وَلَا تضر، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله يقبلك مَا قبلتك وَفِي لفظ آخر: وَلَكِن رَأَيْت رَسُول الله بك حفيا. فِي هَذَا الحَدِيث فنان من الْعلم: أَحدهمَا: أَن عمر لما علم إلْف الْجَاهِلِيَّة للحجارة تكلم بِهَذَا كالمعتذر من مس الْحجر، وَبَين أَنه لَوْلَا الشَّرْع لم أفعل شَيْئا من جنس مَا كُنَّا فِيهِ. وَالثَّانِي: أَن السّنَن تتبع وَإِن لم يطلع على مَعَانِيهَا، على أَنه قد علم سَبَب تَعْظِيم الْحجر، وَذَلِكَ من وَجْهَيْن منقولين فِي الحَدِيث: أَحدهمَا: أَن الله لما أَخذ الْمِيثَاق من ذُرِّيَّة بني آدم أودعهُ

стр. 99

الْحجر. وَالثَّانِي: أَن الْحجر يَمِين الله فِي الأَرْض، وَقد جرت عَادَة من يُبَايع الْملك بتقبيل يَده، فَجعل الْحجر مَكَان الْيَد على جِهَة التَّمْثِيل، وَإِن كَانَ لَا مثل. وَأما الحفي فَهُوَ المواظب على الشَّيْء المعني بِهِ. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الحفي فِي كَلَام الْعَرَب: المعني بالشَّيْء. ٤٢ - / ٤٣ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: قَالَ عدي بن حَاتِم: ثمَّ أتيت عمر من حِيَال وَجهه: أَي من قبل وَجهه. وَقَوله: أول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله: أَي سر بهَا، فكنى بالتبيض عَن السرُور؛ لِأَن المسرور يشرق وَجهه، بِخِلَاف المغموم. وأجحفت بهم الْفَاقَة: بِمَعْنى ذهبت بِأَمْوَالِهِمْ فافتقروا. ٤٣ - / ٤٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: قَالَ عمر: إِن عجل بِي أَمر فالخلافة شُورَى بَين هَؤُلَاءِ السِّتَّة. أَي لَا ينْفَرد أحد مِنْهُم بالخلافة إِلَّا بعد تشَاور النَّاس واجتماعهم. والستة: عَليّ، وَعُثْمَان، وَطَلْحَة، وَالزُّبَيْر، وَعبد الرَّحْمَن، وَسعد. وَقَوله: قد علمت أَن أَقْوَامًا يطعنون فِي هَذَا الْأَمر: أَي لَا يرضون بالذين اخترتهم، وَلَا بالذين يرضى بهم الْمُسلمُونَ، إيثارا لأهوائهم فِيمَن يريدونه.

стр. 100

وَقَوله: أُولَئِكَ الْكَفَرَة. إِن قيل: وَكَيف سماهم بالكفرة؟ فَالْجَوَاب: أَنه إِن عَنى الْمُنَافِقين فهم كفار، ومرادهم الْهوى والعنت. وَإِن عَنى الْمُسلمين فَقَوله يحْتَمل وَجْهَيْن: الأول: أَن أفعالهم فِي ذَلِك أَفعَال الْكَفَرَة من الْخلاف ووفاق الْهوى. وَالثَّانِي: أَنهم قد كفرُوا نعْمَة الله بمخالفتهم الْمُسلمين. وَقَوله: لَا أدع شَيْئا أهم من الْكَلَالَة. وَقد تكلمنا فِي الْكَلَالَة فِي الحَدِيث السَّابِع من هَذَا الْمسند. وَقَوله: " يَكْفِيك آيَة الصَّيف " وَهِي آخر سُورَة النِّسَاء، وَإِنَّمَا نَسَبهَا إِلَى الصَّيف لِأَنَّهَا نزلت فِي الصَّيف. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون لم يفته، ووكل الْأَمر إِلَى بَيَان الْآيَة اعْتِمَادًا على علمه وفقهه ليتوصل إِلَى مَعْرفَتهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَو كَانَ السَّائِل مِمَّن لَا فهم لَهُ لبين لَهُ الْبَيَان الشافي. فَإِن الله أنزل فِي الْكَلَالَة آيَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا فِي الشتَاء، وَهِي الَّتِي فِي أول سُورَة النِّسَاء، وفيهَا إِجْمَال وإبهام لَا يكَاد يبين الْمَعْنى من ظَاهرهَا، ثمَّ أنزل الْآيَة الَّتِي فِي آخر النِّسَاء فِي الصَّيف، وفيهَا زِيَادَة بَيَان. وَقَوله: إِن أعش أقض فِيهَا. رُبمَا قَالَ قَائِل: فَهَلا قضى قبل مَوته؟ فَالْجَوَاب: أَن قَضَاءَهُ فِيهَا لَا يكون عَن بصر، وَإِنَّمَا يكون عَن اجْتِهَاد، وَالِاجْتِهَاد يحْتَاج إِلَى ترو لَا يحْتَملهُ مَرضه.

стр. 101

وَقَوله: أوصيكم بالأنصار. وَهَذَا اسْم لأهل الْمَدِينَة الَّذين نصروا رَسُول الله وآووه حِين هَاجر إِلَيْهِم. وَقَوله: إِنَّهُم شعب الْإِسْلَام: الشّعب: طَرِيق بَين جبلين، فشبههم بِالطَّرِيقِ الَّذِي يكتنفه الجبلان. وَقَوله: إِنَّه مادتكم. الْمَادَّة: أصل الشَّيْء الَّذِي يستمد مِنْهُ، ويستعين بِهِ. وعنى أَنكُمْ تستمدون مِنْهُم الْمَنَافِع، كَمَا يستمد أهل الْبَلَد من أهل الْقرى. وَقَوله: ورزق عيالكم: يَعْنِي مَا يُؤْخَذ مِنْهُم من الْجِزْيَة. ٤٤ - / ٤٥ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: قَالَ ابْن عمر: مَا سَمِعت عمر يَقُول لشَيْء قطّ: إِنِّي لأظنه كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يظنّ: بَينا عمر جَالس مر بِهِ رجل جميل، فَقَالَ: لقد أَخطَأ ظَنِّي أَو إِن هَذَا على دينه فِي الْجَاهِلِيَّة، أَو لقد كَانَ كاهنهم، عَليّ الرجل: فدعي لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: كنت كاهنهم. أما صِحَة الظَّن فَهُوَ من قُوَّة الذكاء والفطنة، فَإِن الفطن يرى من السمات والأمارات مَا يسْتَدلّ بِهِ على الْخَفي، ثمَّ لَا يستبعد هَذَا من مثل عمر الْمُحدث الملهم. وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء: ظن الْعَاقِل كهَانَة. وَقَالَ آخر: إِذا رَأَيْت الرجل موليا علمت حَاله. قيل: فَإِن رَأَيْت وَجهه؟ قَالَ: ذَاك حِين أَقرَأ مَا فِي قلبه كالخط. وَقد كَانُوا يعتبرون أَحْوَال الرجل بخلقه، قَالَ الشَّافِعِي: احذر

стр. 102

الْأَعْوَر، والأحول، والأعرج، والأحدب، والكوسج، وكل من بِهِ عاهة فِي بدنه، وكل نَاقص الْخلق، فَإِنَّهُم أَصْحَاب خب، وَقَالَ: مَرَرْت فِي طريقي بِفنَاء دَار رجل أَزْرَق الْعين، ناتئ الْجَبْهَة، سناط، فَقلت: هَل من منزل؟ قَالَ: نعم. قَالَ الشَّافِعِي: وَهَذَا النَّعْت أَخبث مَا يكون فِي الفراسة، فأنزلني وأكرمني، فَقلت: أغسل كتب الفراسة إِذْ رَأَيْت هَذَا، فَلَمَّا أَصبَحت قلت لَهُ: إِذا قدمت مَكَّة فسل عَن الشَّافِعِي. فَقَالَ: أمولى لأَبِيك كنت؟ فَقلت: لَا. قَالَ: أَيْن مَا تكلفت لَهُ البارحة؟ فوزنت مَا تكلّف، وَقلت: بَقِي شَيْء آخر؟ قَالَ: كِرَاء الدَّار، ضيقت عَليّ نَفسِي. فوزنت لَهُ، فَقَالَ: امْضِ، أخزاك الله، فَمَا رَأَيْت أشر مِنْك. قَوْله: ألم تَرَ الْجِنّ وإبلاسها. قَالَ الْفراء: المبلس: الآيس الْمُنْقَطع رجاؤه، وَلذَلِك قيل للَّذي يسكت عِنْد انْقِطَاع حجَّته: قد أبلس. قَالَ العجاج: (يَا صَاح هَل تعرف رسما مكرسا ... ) (قَالَ: نعم، أعرفهُ وأبلسا ... ) أَي: لم يحر جَوَابا. والمكرس: الَّذِي بعرت فِيهِ الْإِبِل وبولت،

стр. 103

فَركب بعضه بَعْضًا. وَقَوله: ويأسها من بعد إيناسها. أنست الشَّيْء: أبصرته وأدركته. فَكَأَن الْجِنّ يئست مِمَّا كَانَت تُدْرِكهُ ببعثة النَّبِي ﷺ . والقلاص جمع قلُوص: وَهِي النَّاقة الصابرة على السّير. وَقيل: هِيَ الطَّوِيلَة القوائم، والأحلاس جمع حلْس: وَهُوَ مَا يَجْعَل على ظهر الْبَعِير للتوطئة كالبرذعة. وَالْمرَاد بِهَذَا أَن الْجِنّ لما علمت بِظُهُور رَسُول الله تحيرت ويئست من نيل مرادها، فبعدت وَاسْتَوْحَشْت بعد انبساطها وأنسها. وَقَوله: يَا جليح: اسْم شخص. أَمر نجيح: أَي سريع، من النجاح: وَهُوَ الظفر بالمراد. وَهَذَا من الهواتف المنذرة ببعثة النَّبِي ﷺ . أخبرنَا هبة الله بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا الْحسن بن عَليّ قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر قَالَ: أخبرنَا عبد الله بن أبي زِيَاد قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن كثير عَن مُجَاهِد قَالَ: حَدثنَا شيخ أدْرك الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ ابْن عبس قَالَ: كنت أسوق بقرة لآل لنا، فَسمِعت من جوفها: يال ذريح، قَول فصيح، رجل يَصِيح: أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. قَالَ: فقدمنا مَكَّة، فَوَجَدنَا النَّبِي ﷺ قد خرج بِمَكَّة. وَقَوله: فَمَا نشبنا أَن قيل: هَذَا نَبِي. أَي: مَا تَأَخّر ذَلِك. وَالْمعْنَى: مَا نشبنا فِي أَمر سوى هَذَا الْأَمر، أَي إِنَّه كَانَ عَاجلا.

стр. 104

٤٥ - / ٤٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: لما فدع أهل خَيْبَر عبد الله بن عمر. الفدع: إِزَالَة المفاصل عَن أماكنها، وَذَلِكَ بِأَن تزِيغ الْيَد عَن عظم الزند، وَالرجل عَن عظم السَّاق. وَقَوله: عَامل رَسُول الله يهود خَيْبَر على أَمْوَالهم: أَي أَعْطَاهُم الشّجر وَالنَّخْل يعْملُونَ فِيهَا. وَقَوله: نقركم مَا أقركم الله: يُرِيد: إِن أمرنَا بحقكم بِغَيْر ذَلِك فعلنَا. وَقَوله: هم تهمتنا: أَي الَّذين نتهمهم بذلك. والإجلاء: الْإِخْرَاج عَن المَال والوطن على وَجه الإزعاج وَالْكَرَاهَة. والقلوص: قد ذَكرنَاهَا فِي الحَدِيث الَّذِي قبله. وَفِي لفظ: كَيفَ بك إِذا رقصت بك راحلتك: أَي خبت بك: وَهُوَ ضرب من الْعَدو. وأرقصها راكبها: إِذا حملهَا على ذَلِك. والهزيلة: تَصْغِير الْهزْل، وَهُوَ ضد الْجد. والصفراء: الذَّهَب. والبيضاء: الْفضة. وَالْحَلقَة: السِّلَاح. والمسك بِفَتْح الْمِيم وتسكين السِّين: الإهاب. والنكث: نقض الْعَهْد. والشطر: النّصْف. والرشوة: إِعْطَاء شَيْء لفعل شَيْء. والسحت: الْحَرَام، وَفِيه لُغَتَانِ سحت وسحت، كشغل وشغل،

стр. 105

وَعمر وَعمر. قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: هما جَمِيعًا اسْم للشَّيْء المسحوت وليسا بِالْمَصْدَرِ. وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز الْمُسَاقَاة فِي النّخل وَالْكَرم وَالشَّجر وكل أصل لَهُ ثَمَر، وَهُوَ أَن يدْفع الرجل نخله وَكَرمه إِلَى رجل يعْمل فِيهَا بِمَا يصلحها، وَيكون لَهُ الشّطْر من ثَمَرهَا. فَهَذَا جَائِز عِنْد أَحْمد. وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز الْمُسَاقَاة فِي النّخل وَالْكَرم، وَله فِي بَقِيَّة الشّجر قَولَانِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز بِحَال. وَقَالَ دَاوُد: لَا يجوز إِلَّا فِي النّخل. وَقَوله: وَكَانَ ابْن رَوَاحَة يخرصها عَلَيْهِم: أَي يحزر ثَمَرهَا. والوسق: سِتُّونَ صَاعا، والصاع: خَمْسَة أَرْطَال وَثلث. وَقَوله: فَقَسمهَا عمر بَين من كَانَ شهد خَيْبَر من أهل الْحُدَيْبِيَة: وَذَلِكَ لِأَن أهل الْحُدَيْبِيَة لما انصرفوا عَن الْحُدَيْبِيَة بِالصُّلْحِ وعدهم الله تَعَالَى فتح خَيْبَر. وَخص بهَا من شهد الْحُدَيْبِيَة، فَقَالَ من تخلف عَن الْحُدَيْبِيَة ﴿ذرونا نتبعكم﴾ إِلَى خَيْبَر، فَقَالَ الله : ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ﴾ الَّذين تخلفوا عَن الْحُدَيْبِيَة ﴿إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم﴾ وَهِي خَيْبَر ﴿ذرونا نتبعكم يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ أَي مواعيده بغنيمة خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة خَاصَّة ﴿كذلكم قَالَ الله من قبل﴾ إِن غَنَائِم خَيْبَر لمن شهد الْحُدَيْبِيَة.

стр. 106

٤٦ - / ٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَن غُلَاما قتل غيلَة، فَقَالَ عمر: لَو اشْترك فِيهَا أهل صنعاء لقتلتهم. قَالَ أَبُو عبيد: الغيلة: أَن يخدع الْإِنْسَان بالشَّيْء حَتَّى يصير إِلَى مَوضِع يخفى، فَإِذا صَار إِلَيْهِ قتل. وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الْجَمَاعَة يقتلُون بِالْوَاحِدِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل. وَعَن أَحْمد رِوَايَة: لَا يقتلُون، بل يجب عَلَيْهِم الدِّيَة، وَهُوَ قَول دَاوُد. ٤٧ - / ٤٨ - الحَدِيث الرَّابِع: قَالَ ابْن عمر: لما فتح هَذَانِ المصران أَتَوا عمر فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَسُول الله حد لأهل نجد قرنا، وَإنَّهُ جور عَن طريقنا، وَإِنَّا إِن أردنَا أَن نأتي قرنا شقّ علينا. قَالَ: فانظروا حذوها من طريقكم. قَالَ: فحد لَهُم ذَات عرق. الْمصر: الْبَلَد. قَالَ ابْن فَارس: إِن الْمصر الْحَد. وَأهل هجر يَكْتُبُونَ فِي شروطهم: اشْترى فلَان الدَّار بمصورها: أَي بحدودها. قَالَ عدي: (وجاعل الشَّمْس مصرا لاخفاء بِهِ ... بَين النَّهَار وَبَين اللَّيْل قد فصلا) قَالَ الْمفضل الضَّبِّيّ: وَسميت مصر الْمَعْرُوفَة مصر؛ لِأَنَّهَا آخر

стр. 107

حُدُود الْمشرق وَأول حُدُود الْمغرب، فَهِيَ حد بَينهمَا. وَالْمرَاد بالمصرين: الْكُوفَة وَالْبَصْرَة. وَلما افْتتح سعد بن أبي وَقاص الْقَادِسِيَّة نزل الْكُوفَة، وخطها لقبائل الْعَرَب، وابتنى بهَا دَارا، ووليها لعمر وَعُثْمَان. وَكَانَ سلمَان الْفَارِسِي يَقُول: الْكُوفَة قبَّة الْإِسْلَام. وَفِي تَسْمِيَتهَا بِالْكُوفَةِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا من قَوْلهم: تكوف الرمل: إِذا ركب بعضه بَعْضًا. وَالثَّانِي: استدارة النّخل بهَا. وَالثَّالِث: انها من الكوفان، يُقَال: للشر كوفان، وكوفان، ذكرهن ابْن فَارس. فَأَما الْبَصْرَة فَقَالَ مُصعب بن مُحَمَّد: إِنَّمَا سميت بصرة لِأَنَّهَا كَانَت فِيهَا حِجَارَة سود. وَالَّذِي فتحهَا عتبَة بن غَزوَان، وَهُوَ الَّذِي اختطها. فَلَمَّا شكا أهل هَاتين البلدتين إِلَى عمر مَا يصعب عَلَيْهِم من قصد قرن حد لَهُم ذَات عرق، وَإِنَّمَا حَدهَا لَهُم لِأَنَّهَا حَذْو قرن: أَي محاذيتها، تَقول: هَذَا حَذْو هَذَا، ووازن هَذَا. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه حد ذَات عرق، وَلَكِن الصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ، وَقد تبع النَّاس رَأْي عمر فِي ذَلِك إِلَى زَمَاننَا هَذَا، وَسَيَأْتِي ذكر الْمَوَاقِيت فِي مُسْند ابْن عَبَّاس إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 108

وَأما نجد فَالْأَصْل فِيهَا الِارْتفَاع، يُقَال للْأَرْض المرتفعة نجد، وخلافها الْغَوْر، لِأَنَّهُ من الهبوط. والجور. الْميل عَن الْقَصْد. ٤٨ - / ٤٩ - الحَدِيث الْخَامِس: أَن عمر قَرَأَ السَّجْدَة فَلم يسْجد، وَقَالَ: لم يفْرض علينا السُّجُود. وَهَذَا دَلِيل على أَن سُجُود التِّلَاوَة لَا يجب، وَإِنَّمَا هُوَ سنة، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ وَاجِب. فَأَما إِذا ركع بَدَلا من السُّجُود فَإِنَّهُ لَا يَجْزِي، وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ركع وَإِن شَاءَ سجد. وَأما إِذا قَرَأَ الْإِنْسَان سَجْدَة فَسجدَ ثمَّ أعَاد، فعندنا أَنه يسن أَن يُعِيد السُّجُود. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُعِيد. وَعِنْدنَا أَنه لَا يَصح سُجُود التِّلَاوَة إِلَّا بتكبيرة الْإِحْرَام وَالسَّلَام، خلافًا لأَصْحَاب أبي حنيفَة وَبَعض الشَّافِعِيَّة. ٤٩ - / ٥٠ - الحَدِيث السَّادِس: قَالَ ابْن عمر: بَينا عمر فِي الدَّار خَائفًا، إِذْ جَاءَهُ الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي وَعَلِيهِ حلَّة حبر وقميص مكفوف بحرير، وَهُوَ من بني سهم، وهم حلفاؤنا فِي الْجَاهِلِيَّة،

стр. 109

فَقَالَ لَهُ: مَا مَالك؟ قَالَ: زعم قَوْمك أَنهم سيقتلونني أَن أسلمت. قَالَ: لَا سَبِيل إِلَيْك، أمنت، فَخرج الْعَاصِ، فلقي النَّاس قد سَالَ بهم الْوَادي، فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيد ابْن الْخطاب الَّذِي صَبأ قَالَ: لَا سَبِيل إِلَيْهِ. فكر النَّاس. أما خوف عمر؛ فَلِأَنَّهُ أسلم، وَفعل يَوْم إِسْلَامه مَا كَاد بِهِ الْمُشْركين وغاظهم، فَلذَلِك تواعدوه بِالْقَتْلِ. أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة قَالَ: حَدثنَا عبد الحميد بن صَالح قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبان عَن إِسْحَق بن عبد الله عَن أبان بن صَالح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سَأَلت عمر: لأي شَيْء سميت الْفَارُوق؟ قَالَ: أسلم حَمْزَة قبلي بِثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ شرح الله صَدْرِي لِلْإِسْلَامِ، فَقلت: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ فَمَا فِي الأَرْض نسمَة أحب إِلَيّ من نسمَة رَسُول الله. فَقلت أَيْن رَسُول الله؟ قَالَت أُخْتِي: هُوَ فِي دَار الأرقم بن الأرقم عِنْد الصَّفَا، فَأتيت الدَّار وَحَمْزَة فِي أَصْحَابه جُلُوس فِي الدَّار، وَرَسُول الله فِي الْبَيْت، فَضربت الْبَاب، فَاسْتَجْمَعَ الْقَوْم، فَقَالَ لَهُم حَمْزَة: مالكم؟ قَالُوا: عمر بن الْخطاب. قَالَ فَخرج رَسُول الله، فَأخذ بِمَجَامِع ثِيَابه ثمَّ نثره نثرة، فَمَا تمالك أَن وَقع على رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: " مَا أَنْت بمنته يَا عمر " قَالَ: قلت: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. قَالَ: فَكبر أهل الدَّار تَكْبِيرَة سَمعهَا أهل الْمَسْجِد. قَالَ: فَقلت: يَا رَسُول الله، أَلسنا على الْحق إِن متْنا وَإِن

стр. 110

حيينا؟ قَالَ: " بلَى، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم على الْحق إِن متم وَإِن حييتُمْ " قَالَ: فَقلت: فَفِيمَ الاختفاء وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ؟ فأخرجناه فِي صفّين، حَمْزَة فِي أَحدهمَا وَأَنا فِي الآخر، لَهُ كديد ككديد الطحين حَتَّى دَخَلنَا الْمَسْجِد، فَنَظَرت إِلَيّ قُرَيْش وَإِلَى حَمْزَة، فَأَصَابَتْهُمْ كآبة لم يصبهم مثلهَا، فسماني رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ الْفَارُوق، وَفرق الله بِي بَين الْحق وَالْبَاطِل. أما الْعَاصِ بن وَائِل فَهُوَ أَبُو عَمْرو. والحلة: لَا تكون إِلَّا ثَوْبَيْنِ، قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الْحلَّة ثَوْبَان: إِزَار ورداء، وَلَا تسمى حلَّة حَتَّى تكون جَدِيدَة تحل عَن طيها. فَأَما الحبر فَهُوَ نوع من البرود مخطط. والحلفاء جَمِيع حَلِيف، وَكَانُوا يتحالفون فِي الْجَاهِلِيَّة على الْمُوَالَاة والنصرة، ويتوارثون بذلك. وسال بهم الْوَادي: سالوا فِيهِ، وَهَذَا تجوز، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لكثرتهم وإسراعهم، فشبههم بالسيل. وصبأ بِمَعْنى خرج من دين إِلَى دين، يُقَال: صَبأ نَاب الْبَعِير: أَي طلع، وَهُوَ مَهْمُوز. وَقَوله: فكر النَّاس: أَي رجعُوا. ٥٠ - / ٥١ - الحَدِيث السَّابِع: أَن عمر قَالَ لأبي مُوسَى: هَل يَسُرك أَن إسْلَامنَا مَعَ رَسُول الله، وهجرتنا مَعَه، وجهادنا مَعَه، وعملنا كُله
следующие страницы →