Полный текст (2 175 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
(٢٩) كشف الْمُشكل من مُسْند سَمُرَة بن جُنْدُب [
١٥ -] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة.
٥٠٣ - / ٦٠٨ - فِي الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَوْله: لقد كنت على عهد رَسُول الله ﷺ غُلَاما، فَكنت أحفظ عَنهُ فَمَا يَمْنعنِي من القَوْل إِلَّا أَن هَاهُنَا رجَالًا هم أسن مني. [١٥] هَذَا الحَدِيث يُنَبه الْأَحْدَاث على التأدب للأشياخ. [١٥] وَقَوله: صلى على نفسَاء. قد بَينا معنى النّفاس فِي مُسْند عَليّ ﵇. [١٥] فَأَما قيام الرَّسُول ﵇ وسط الْمَرْأَة فَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. فَأَما إِذا كَانَ الْمَيِّت رجلا فعندنا يقف بحذاء صَدره. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يقف بحذاء صدر الْمَيِّت رجلا كَانَ أَو امْرَأَة. وَقَالَ مَالك: يقف عِنْد وسط الرجل، وَمن الْمَرْأَة عِنْد منكبيها. وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْموقف من الرجل: فَمنهمْ من ذهب إِلَى مَذْهَبنَا، وَمِنْهُم
стр. 527
من قَالَ: بحذاء رَأسه. [١٥] فَإِن قيل: فالرسول ﵇ لَا يفعل شَيْئا إِلَّا لحكمة، فَمَا حِكْمَة الْفرق بَين الرجل وَالْمَرْأَة؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَنه لَا يفعل شَيْئا إِلَّا لحكمة، وَقد يخفى علينا وَجه الْحِكْمَة، وَقد لَا تبلغه أفهامنا، وَقد يكون المُرَاد نفس الِابْتِلَاء بِالتَّسْلِيمِ. على أَن الْحِكْمَة ظَاهِرَة هَاهُنَا: وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ الْمَيِّت رجلا فللقيام عِنْد صَدره وَجْهَان: أَحدهمَا أَنه كالمواجهة لَهُ بِالدُّعَاءِ. وَالثَّانِي: أَن صَدره وعَاء لِلْقُرْآنِ وَالْعلم. فَأَما الْمَرْأَة فالحكمة فِي الْوُقُوف عِنْد وَسطهَا من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَن الْقرب من وَجههَا يُوجب فكر الْإِنْسَان فِي محَاسِن الْوَجْه، وَكَذَلِكَ فِيمَا سفل، فَكَانَ التَّوَسُّط أولى. وَالثَّانِي: أَن قيام الْإِنْسَان فِي وَسطهَا فِيهِ نوع ستر للْمَرْأَة عَن الْمَأْمُومين؛ لِأَن الْقيام عِنْد وَجههَا يرى مَعَه معظمها، وَكَذَلِكَ عِنْد مؤخرها، وَمَا كَانُوا يحملون إِلَّا على النعش. وَالثَّالِث: أَن الَّذِي تمت بِهِ الْمَرْأَة حملهَا للأولاد، فالوقوف فِي وَسطهَا إِشَارَة بِلِسَان الْحَال إِلَى السُّؤَال بِمحل حمل الْمُؤمنِينَ.
٥٠٤ - / ٦٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى الصُّبْح أقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " هَل رأى أحد مِنْكُم البارحة رُؤْيا؟ ". [١٥] ذكر " البارحة " تجوز من بعض الروَاة، لأَنهم كَانُوا يروون بِالْمَعْنَى،
стр. 528
وَهَذَا غلط مِمَّن ظن اسْتِوَاء اللَّفْظَيْنِ، وَالصَّحِيح أَنه قَالَ: اللَّيْلَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمد فِي " الْمسند ": " هَل رأى أحد مِنْكُم اللَّيْلَة رُؤْيا؟ " وَيدل على صِحَة مَا قُلْنَا قَوْله بعد ذَلِك: " أَتَانِي اللَّيْلَة آتيان " وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: من الْغَلَط أَن تَقول فِيمَا بَين صَلَاة الْفجْر إِلَى الظّهْر: فعلت البارحة كَذَا، وَالصَّوَاب أَن تَقول: فعلت اللَّيْلَة كَذَا إِلَى الظّهْر، وَتقول بعد ذَلِك: فعلت البارحة، إِلَى آخر الْيَوْم. [١٥] وَأما الرُّؤْيَا فَيُقَال لما كَانَ فِي النّوم، وَهِي فِي الْيَقَظَة رُؤْيَة. [١٥] وَقَوله: فيقص عَلَيْهِ: أَي يذكر مَا رأى، يَقُول: قصصت الحَدِيث أقصه قصا وقصصا: وَهُوَ الْكَلَام يتَّصل بعضه بِبَعْض، وَالْأَصْل فِيهِ الِاتِّبَاع، وَهُوَ أَن الْمُتَكَلّم يتبع مَا قد كَانَ بالْخبر عَنهُ. [١٥] وَقَوله: " ابتعثاني " أصل الْبَعْث إثارة الشَّيْء عَن مَكَانَهُ. [١٥] وَقَوله: " فيثلغ رَأسه ": أَي يشدخه. والشدخ: فضخ الشَّيْء الرطب بالشَّيْء الْيَابِس. [١٥] وَقَوله: " فيتدهدأ هَذَا الْحجر " قد روى " فيتدهده " قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: تدهدى الْحجر وَغَيره تدهديا، ودهديته أَنا، أدهديه دهداة ودهداء، وَيُقَال تدهدأ تدهدأ، ودهدأته أَنا أدهدئه دهدأة ودهداء: إِذا دحرجته.
стр. 529
[١٥] والكلوب بِفَتْح الْكَاف وَهُوَ الْكلاب، وَالْجمع فيهمَا كلاليب. [١٥] وَقَوله فيشر شَرّ شدقه، قَالَ أَبُو عبيد: أَي يقطعهُ ويشققه، قَالَ أَبُو زبيد الطَّائِي يصف الْأسد:
(يظل مغبا عِنْده من فرائس ... رفات عِظَام أَو غريض مشرشر)
[١٥] والشدق: جَانب الْفَم. [١٥] قَوْله: " على مثل التَّنور " التَّنور مَعْرُوف، قَالَ ابْن عَبَّاس: التَّنور بِكُل لِسَان عَرَبِيّ وأعجمي. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن ابْن دُرَيْد قَالَ: التَّنور فَارسي مُعرب، لَا تعرف لَهُ الْعَرَب اسْما غير هَذَا. [١٥] وَقَوله: " فَإِذا فِيهِ لغط " اللَّغط أصوات مختلطة لَا تفهم. [١٥] واللهب: مَا يرْتَفع من حر النَّار عِنْد اشتعالها. [١٥] وَقَوله: ضوضوا: أَي ضجوا وصاحوا بِمَا لَا يفهم مِنْهُ إِلَّا الاستغاثة مِمَّا هم فِيهِ. والضوضاة بِغَيْر همز: وَهِي أصوات النَّاس وضجيجهم. [١٥] وَقَوله: " على شط النَّهر " الشط جَانب الْوَادي، وَمثله الشاطىء. [١٥] وَقَوله: " فيفغر لَهُ فَاه " أَي يَفْتَحهُ، وَيُقَال: انفغر النُّور: إِذا تفتح. [١٥] " وألقمه حجرا " أَي جعله كاللقمة فِي فِيهِ.
стр. 530
[١٥] وَقَوله: " كريه الْمرْآة " المرآه والمرأي: المنظر. [١٥] ويحشها: يوقدها.: وَالرَّوْضَة: الْمَكَان المخضر من الأَرْض، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ شَيْء عِنْد الْعَرَب أحسن من الرياض المعشبة وَلَا أطيب مِنْهَا ريحًا، قَالَ الْأَعْشَى:
(مَا رَوْضَة من رياض الْحزن معشبة ... خضراء جاد عَلَيْهَا مُسبل هطل)
(يَوْمًا بأطيب مِنْهَا نشر رَائِحَة ... وَلَا بِأَحْسَن مِنْهَا إِذْ دنا الأَصْل)
[١٥] والمعتمة: الوافية النَّبَات، والعميم: الطَّوِيل من النَّبَات، قَالَ الْأَعْشَى:
(٠٠٠٠٠٠٠ ... مؤزر بعميم النبت مكتهل ... )
[١٥] وَنور الرّبيع: ألوان نَبَاته. [١٥] والدوحة: الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي شجر كَانَ، وَالْجمع دوح. [١٥] والمحض: اللَّبن الْخَالِص، سمي بِصفتِهِ، ثمَّ يستعار فِي مَوَاضِع فَيُقَال: هَذَا الْكَلَام صدق مَحْض، وَكذب مَحْض، وأمحضتك النَّصِيحَة: أَي لَا شوب فِي هَذِه الأِشياء من غير جِنْسهَا. [١٥] وَقَوله: " فسما بَصرِي صعدا " أَي ارْتَفع نَاحيَة الْعُلُوّ. [١٥] وَالْقصر: الْمنزل الْمَبْنِيّ. [١٥] وَأما الربابة فَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ السحابة قد ركب بَعْضهَا بَعْضًا،
стр. 531
وَجَمعهَا ربَاب. والربابة بِكَسْر الرَّاء شَبيهَة بالكنانة تكون فِيهَا السِّهَام. [١٥] وَقَوله: " يَأْخُذ الْقُرْآن فيرفضه " يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: يرفض تِلَاوَته حَتَّى ينساه. وَالثَّانِي: يرفض الْعَمَل لَهُ. [١٥] وَقَوله: " يبلغ الْآفَاق " الْآفَاق: النواحي. [١٥] وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: والفطرة: الْإِقْرَار بِاللَّه والمعرفة بِهِ لَا الْإِسْلَام. وَمعنى الْفطْرَة ابْتِدَاء الْخلقَة، وَالْكل أقرُّوا حِين قَالَ: ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] وَلست واجدا أحدا إِلَّا وَهُوَ مقرّ بِأَن لَهُ صانعا ومدبرا وَإِن سَمَّاهُ بِغَيْر اسْمه. وَيدل على قَوْله ابْن قُتَيْبَة قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث: " وَأَوْلَاد الْمُشْركين ". [١٥] وَالْأَرْض المقدسة: المطهرة. [١٥] وَقَوله: " يحدث بالكذبة فَتحمل عَنهُ فيصنع بهَا " أَي يعْمل بهَا وَهَذَا تحذير من الْكَذِب إِلَّا أَنه هُنَا بِأُمُور الشَّرِيعَة أخص.
٥٠٥ - / ٦١١ وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " من روى عني حَدِيثا يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين ". [١٥] يرى بِمَعْنى يعلم، وَمن علم أَن الحَدِيث كذب لم يجز لَهُ أَن يحدث بِهِ إِلَّا على سَبِيل الْقدح فِي رَاوِيه وتبيين الْكَذِب.
стр. 532
٥٠٦ - / ٦١٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " لَا يَغُرنكُمْ من سحوركم أَذَان بِلَال ". [١٥] قد سبق شَرحه وتبيين الفجرين فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٥٠٧ - / ٦١٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " لَا تسمين غلامك يسارا، وَلَا رباحا ". [١٥] وَقد بيّنت عِلّة هَذَا النَّهْي فِي الحَدِيث، وَكَأَنَّهُ اشتقاق من اسْتِعْمَال التطير.
٥٠٨ - / ٦١٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " مِنْهُم من تَأْخُذهُ النَّار إِلَى حجزته، وَمِنْهُم إِلَى ترقوته ". حجزة الْإِزَار: معقده عِنْد السره. والترقوة قد سبق بَيَانهَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
стр. 533
(٣٠) كشف الْمُشكل من مُسْند معقل بن يسَار الْمُزنِيّ
[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة.
٥٠٩ - / ٦١٥ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " مَا من عبد يستر عيه الله رعية يَمُوت وَهُوَ غاش لرعيته إِلَّا حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ". [١٥] أَن لَا يمحض النَّصِيحَة. [١٥] وَقَوله: " حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة " مَحْمُول على أحد أَمريْن: إِمَّا على جنَّة مَخْصُوصَة من أشرف الْجنان، وَإِمَّا على الدُّخُول مَعَهم عِنْد ابْتِدَاء دُخُولهمْ، فَكَأَنَّهُ يُؤَخر لِلْحسابِ وَالْعَذَاب، وَقد سبق شرح هَذَا الْمَعْنى فِيمَا تقدم.
٥١٠ - / ٦١٦ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] عَن معقل: كَانَت لي أُخْت تخْطب. [١٥] اسْم هَذِه الْأُخْت جميل بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم، ذكره عبد الْغَنِيّ
стр. 534
الْحَافِظ عَن الْكَلْبِيّ أَنه سمى هَذِه الْمَرْأَة فَقَالَ: جميل بنت يسَار. [١٥] وَقَوله: ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٢] الطَّلَاق: التَّخْلِيَة، قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ من قَول الْعَرَب: أطلقت النَّاقة فَطلقت: إِذا كَانَت مشدودة فأزلت الشد عَنْهَا وخليتها، فَشبه مَا يَقع بِالْمَرْأَةِ بذلك، لِأَنَّهَا كَانَت مُتَّصِلَة الْأَسْبَاب بِالرجلِ، وَكَانَت الْأَسْبَاب كالشد لَهَا، فَلَمَّا طَلقهَا قطع الْأَسْبَاب. وَيُقَال: طلقت الْمَرْأَة وَطلقت بِفَتْح اللَّام وَضمّهَا. وَقَالَ غَيره: هُوَ من أطلقت الشَّيْء، إِلَّا أَنهم لِكَثْرَة استعمالهم اللفظتين فرقوا بَينهمَا ليَكُون التَّطْلِيق مَقْصُورا على الزَّوْجَات. [١٥] وَقَوله: ﴿فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن﴾ يُرِيد بِهِ انْقِضَاء الْعدة، بِخِلَاف قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا: ﴿فبلغن أَجلهنَّ فأمسكوهن﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣١] قَالَ الشَّافِعِي ﵁: دلّ اخْتِلَاف الْكَلَامَيْنِ على افْتِرَاق البلوغين. [١٥] وَقَوله: ﴿فَلَا تعضلوهن﴾ خطاب للأولياء، الْمَعْنى: فَلَا تحبسوهن، يُقَال: عضلت النَّاقة: إِذا احْتبسَ وَلَدهَا، وعضلت الدَّجَاجَة: إِذا احْتبسَ بيضها، وَيُقَال للشدائد معضلات وداء عضال: إِذا أعيا. [١٥] وَقَالَ الشَّافِعِي: وَهَذِه الْآيَة أبين آيَة فِي أَنه لَيْسَ للْمَرْأَة أَن تتَزَوَّج إِلَّا بولِي. وَقد اتّفق أَحْمد وَالشَّافِعِيّ على أَن النِّكَاح بِغَيْر ولي بَاطِل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا زوجت نَفسهَا بِشَاهِدين من كفؤ جَازَ. وَقَالَ أَبُو
стр. 535
يُوسُف وَمُحَمّد: النِّكَاح مَوْقُوف حَتَّى يُجِيزهُ الْوَلِيّ أَو الْحَاكِم.
٥١١ - / ٦١٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " الْعِبَادَة فِي الْهَرج كهجرة إِلَيّ ". [١٥] الْهَرج: الْقِتَال والاختلاط. وَإِذا عَمت الْفِتَن اشتغلت الْقُلُوب، وَإِذا تعبد حِينَئِذٍ متعبد دلّ على قُوَّة اشْتِغَال قلبه بِاللَّه فيكثر أجره.
٥١٢ - / ٦١٨ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: لقد رَأَيْتنِي يَوْم الشَّجَرَة وَالنَّبِيّ ﷺ يُبَايع النَّاس. [١٥] هَذِه الْبيعَة كَانَت فِي غزَاة الْحُدَيْبِيَة لسنة سِتّ من الْهِجْرَة، وسببها أَن النَّبِي ﷺ كَانَ قد خرج يقْصد الْعمرَة، فَلَمَّا بلغ الْمُشْركين خُرُوجه أجمع رَأْيهمْ على صده عَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَخَرجُوا بعسكرهم، فَسَار رَسُول الله ﷺ حَتَّى دنا من الْحُدَيْبِيَة، وَهِي طرف الْحرم على تِسْعَة أَمْيَال من مَكَّة، فوقفت يدا رَاحِلَته، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: حل حل، يزجرونها، فَأَبت، فَقَالُوا: خلأت الْقَصْوَاء، فَقَالَ: " مَا خلأت، وَلَكِن حَبسهَا حَابِس الْفِيل. أما وَالله لَا يَسْأَلُونِي الْيَوْم خطة فِيهَا تَعْظِيم حُرْمَة الله إِلَّا أَعطيتهم إِيَّاهَا " ثمَّ جرها فَقَامَتْ، فولى رَاجعا حَتَّى نزل بِالنَّاسِ على ثَمد من أثماد الْحُدَيْبِيَة قَلِيل المَاء، فَانْتزع سَهْما من كِنَانَته فغرزه فِيهَا، فَجَاشَتْ لَهُم بِالرَّوَاءِ، وجاءه بديل بن وَرْقَاء فِي ركب
стр. 536
فَقَالُوا: جئْنَاك من عِنْد قَوْمك يقسمون بِاللَّه لَا يخلون بَيْنك وَبَين الْبَيْت حَتَّى تبيد خضراؤهم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِنَّا لم نأت لقِتَال أحد، إِنَّمَا جِئْنَا لنطوف بِهَذَا الْبَيْت، فَمن صدنَا عَنهُ قَاتَلْنَاهُ " فَرجع بديل فَأخْبرهُم. وَأرْسل رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِم عُثْمَان بن عَفَّان فَقَالَ لَهُ: " أخْبرهُم أَنا لم نأت لقِتَال أحد، وَإِنَّمَا جِئْنَا زوارا لهَذَا الْبَيْت معظمين لِحُرْمَتِهِ، مَعنا الْهَدْي ننحره وننصرف " فَأَتَاهُم فَأخْبرهُم، فَقَالُوا: لَا كَانَ هَذَا أبدا، وَلَا يدخلهَا الْعَام. وَبلغ رَسُول الله ﷺ أَن عُثْمَان قد قتل، فَحِينَئِذٍ دَعَا الْمُسلمين إِلَى الْبيعَة وَهِي بيعَة الرضْوَان فبايعهم تَحت الشَّجَرَة، قَالَ سَلمَة بن الْأَكْوَع: بَينا نَحن قَائِلُونَ زمن الْحُدَيْبِيَة نَادَى مُنَادِي رَسُول الله ﷺ : أَيهَا النَّاس، الْبيعَة، الْبيعَة، نزل روح الْقُدس. فثرنا إِلَى رَسُول الله ﷺ تَحت الشَّجَرَة فَبَايَعْنَاهُ. وَإِنَّمَا سميت بيعَة لأَنهم باعوا أنفسهم من الله بِالْجنَّةِ، وَكَانَت الشَّجَرَة سَمُرَة، والسمرة وَاحِدَة السمر، وَهُوَ شجر الطلح. ثمَّ آل الْأَمر إِلَى أَن جرى بَين رَسُول الله ﷺ وَبَين قُرَيْش الصُّلْح، على أَن يرجع وَيعود فِي الْعَام الْمقبل. [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث: وَنحن أَرْبَعَة عشرَة مائَة. وَمثله يَقُول جَابر، والبراء، وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع. وَفِي رِوَايَة عَن جَابر: كُنَّا ألفا وَخَمْسمِائة. وَعَن عبد الله بن أبي أوفى كُنَّا ألفا وثلاثمائة.
стр. 537
(٣١) كشف الْمُشكل من مُسْند مَالك بن الْحُوَيْرِث
[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة.
٥١٣ - / ٦١٩ فَفِي الحَدِيث الأول: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا كبر رفع يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي بهما أُذُنَيْهِ، وَإِذا ركع وَإِذا رفع. وَفِي رِوَايَة: فروع أُذُنَيْهِ. [١٥] الْفُرُوع: الأعالي. وَقد وَقع الِاتِّفَاق على أَن رفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام مسنون وَإِنَّمَا الْخلاف فِي رَفعهَا عِنْد الرُّكُوع وَعند الرّفْع مِنْهُ، فَعِنْدَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ يسن ذَلِك، وَعند أبي حنيفَة لَا يسن، وَعَن مَالك كالمذهبين. وَهَذَا الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ لَا ينْدَفع، وَهُوَ فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ ، وَقد روى هَذِه السّنة عَن رَسُول الله ﷺ عمر، وَعلي وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو قَتَادَة، وَسَهل ابْن سعد، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَأنس، فِي نَحْو ثَلَاثِينَ من الصَّحَابَة، وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَلَيْسَ للخصم حَدِيث صَحِيح.
стр. 538
٥١٤ - / ٦٢٠ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ وَنحن شببة متقاربون. [١٥] الشببة: الشَّبَاب. والمتقاربون يَعْنِي فِي السن. [١٥] وَإِنَّمَا قَالَ: " وليؤمكم أكبركم " لأَنهم كَانُوا متقاربين فِي الْقِرَاءَة. [١٥] وَقَوله: اسْتَوَى قَاعِدا ثمَّ نَهَضَ. هَذِه تسمى جلْسَة الاسْتِرَاحَة، وَهِي مسنونة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد.
стр. 539
(٣٢ كشف الْمُشكل من مُسْند جُنْدُب بن عبد الله
[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ اثْنَا عشر.
٥١٥ - / ٦٢٢ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " كَانَ فِيمَن قبلكُمْ رجل بِهِ جرح، فجزع وَأخذ سكينا فجز بهَا يَده، فَمَا رقأ الدَّم حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ الله : بادرني عَبدِي بِنَفسِهِ فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة ". [١٥] الجز: قطع بعض الْعُضْو دون إبانته. [١٥] ورقأ بِمَعْنى انْقَطع. [١٥] وَأما تَحْرِيم الْجنَّة عَلَيْهِ فَيحْتَمل أَن يكون مُشْركًا قد ضم إِلَى شركه هَذَا الْفِعْل، أَو مستحلا لذَلِك. فَإِن لم يكن كَانَ تَحْرِيم الْجنَّة المرتفعة الْقدر من بَين الْجنان، أَو الْمَنْع من دُخُول الْجنَّة فِي أول الْعرض إِلَى أَن يعذب بالنَّار، لِأَنَّهُ إِذا وَقع الْعرض دخل قوم إِلَى الْجنَّة وَقوم إِلَى النَّار.
стр. 540
٥١٦ - / ٦٢٣ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " من سمع سمع الله بِهِ، وَمن يراءي يراءي الله بِهِ ". [١٥] وَالْمعْنَى: من عمل لغير الله يراءي بِهِ النَّاس جازاه الله تَعَالَى على ذَلِك بِأَن يَفْضَحهُ وَيظْهر مَا يبطنه ويستره.
٥١٧ - / ٦٢٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: اقْرَءُوا الْقُرْآن مَا ائتلفت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ، فَإِذا اختلفتم فَقومُوا ". [١٥] كَانَ اخْتِلَاف الصَّحَابَة يَقع فِي الْقرَاءَات واللغات، فَأمروا بِالْقيامِ عِنْد الِاخْتِلَاف لِئَلَّا يجْحَد أحدهم مَا يقْرَأ الآخر فَيكون جاحدا لما أنزلهُ الله .
٥١٨ - / ٦٢٥ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " أَنا فَرَطكُمْ ". [١٥] وَقد تقدم فِي مُسْند ابْن مَسْعُود وَغَيره.
٥١٩ - / ٦٢٦ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي بعض الْمشَاهد وَقد دميت إصبعه: " هَل أَنْت إِلَّا إِصْبَع دميت. وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت ". [١٥] هَذَا شعر تمثل بِهِ ﵇ وَلَيْسَ لَهُ، وَلم يكن يَقُول الشّعْر، وَلم يكن الشّعْر يتزن لَهُ، حَتَّى إِنَّه قَالَ يَوْمًا للْعَبَّاس بن مرداس: " أَنْت
стр. 541
الْقَائِل: أصبح نَهْبي وَنهب العبيد بَين الْأَقْرَع وعيينة؟ " فَقَالَ أَبُو بكر: وَالله مَا أَنْت بشاعر وَلَا يَنْبَغِي لَك الشّعْر، إِنَّمَا قَالَ كَذَا وَكَذَا. [١٥] وَإِنَّمَا منع من قَول الشّعْر لِئَلَّا تدخل الشُّبْهَة على قوم فِيمَا أَتَى بِهِ من الْقُرْآن، فَيَقُولُونَ: قوي على ذَلِك بِمَا فِي طبعه من الفطنة للشعر، وَإِنَّمَا كَانَ يتَمَثَّل بِهِ، وَقد قَالَ يَوْمًا:
( ... ... . . ... ويأتيك بالأنباء من لم تزَود ... )
وَقَالَ:
(أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... ... ... )
٥٢٠ - / ٦٢٧ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ فَلم يقم لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت: يَا مُحَمَّد، إِنِّي لأرجو أَن يكون شَيْطَانك قد تَركك، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْل إِذا سجى، مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ [الضُّحَى: ١ - ٣] . [١٥] هَذِه الْمَرْأَة قد قيل إِنَّهَا أم جميل بنت حَرْب أُخْت أبي سُفْيَان،
стр. 542
وَهِي امْرَأَة أبي لَهب، وَكَانَت تنْسب مَا يذكرهُ من الْوَحْي إِلَى أَن شَيْطَانا يَأْتِي بِهِ. و (سجى) بِمَعْنى أظلم. و (قلى) أَي أبْغض.
٥٢١ - / ٦٢٨ وَفِي الحَدِيث السَّابِع: صلى رَسُول الله ﷺ يَوْم النَّحْر، ثمَّ خطب، ثمَّ ذبح وَقَالَ: " من ذبح قبل أَن يُصَلِّي فليذبح أُخْرَى ". [١٥] عندنَا أَنه لَا يجوز ذبح الْأُضْحِية قبل صَلَاة الإِمَام، وَيجوز بعْدهَا وَإِن لم يكن قد ذبح الإِمَام، وَهَذَا فِي جَمِيع الْأَمَاكِن. وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي أهل الْأَمْصَار كَقَوْلِنَا، وَفِي أهل الْقرى يجوز أَن يذبحوا بعد طُلُوع الْفجْر من يَوْم النَّحْر. وَقَالَ مَالك: وَقت الذّبْح أَن يمْضِي بعد دُخُول وَقت الصَّلَاة زمَان يُمكن فِيهِ صَلَاة رَكْعَتَيْنِ وخطبتان، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْخرقِيّ من أَصْحَابنَا.
٥٢٢ - / ٦٢٩ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله، فَلَا يطلبنكم الله من ذمَّته بِشَيْء ". [١٥] معنى الحَدِيث: أَن من صلى الْفجْر فقد أَخذ من الله ذماما فَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُؤْذِيه بظُلْم، فَمن ظلمه فَإِن الله يُطَالِبهُ بِذِمَّتِهِ.
стр. 543
[١٥] وَقَوله: يكبه. رُبمَا قَرَأَهُ بعض قرأة الحَدِيث بِضَم الْيَاء يَظُنّهُ أَنه من أكببت وَلَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا هُوَ من قَوْلك: كببت فلَانا على وَجهه. فَأَما أكب فلَان على عمله فبالألف.
٥٢٣ - / ٦٣٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " قَالَ رجل: وَالله لَا يغْفر الله لفُلَان، فَقَالَ الله : من ذَا الَّذِي يتألى عَليّ أَن أَلا أَغفر لفُلَان؟ إِنِّي قد غفرت لَهُ وأحبطت عَمَلك ". [١٥] يتألى بِمَعْنى يحلف. والألية: الْيَمين. والإحباط: الْإِبْطَال. وَهَذَا المتألي جهل سَعَة الْكَرم فَعُوقِبَ بإحباط الْعَمَل.
٥٢٤ - / ٦٣١ و - فِي الحَدِيث الثَّالِث: " إِنِّي أَبْرَأ إِلَى الله أَن يكون لي مِنْكُم خَلِيل، فَإِن الله قد اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، وَلَو كنت متخذا من أمتِي خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا ". [١٥] قد بَينا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود معنى الْخَلِيل، واعتذاره عَن اتِّخَاذ أبي بكر خَلِيلًا. [١٥] وَأما نَهْيه عَن اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد فلئلا تعظم، لِأَن الصَّلَاة عِنْد الشَّيْء تَعْظِيم لَهُ، وَقد أغرب أهل زَمَاننَا بالصلوات عِنْد قبر مَعْرُوف وَغَيره، وَذَلِكَ لغَلَبَة الجهلة وملكة الْعَادَات.
стр. 544
٥٢٥ - / ٦٣٢ الحَدِيث الرَّابِع: " من قتل تَحت راية عمية يَدْعُو عصبية أَو ينصر عصبية فقتلة جَاهِلِيَّة ". [١٥] العمية: الْأَمر الملبس لَا يدرى مَا وَجهه، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هُوَ الْأَمر الْأَعْمَى، كالعصبية الَّتِي لَا يستبان مَا وَجههَا وَالْمَقْصُود أَنه يُقَاتل لهواه لَا على مُقْتَضى الشَّرْع.
٥٢٦ - / ٦٢٣ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أَن رجلا قتل رجلا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " كَيفَ تصنع بِلَا إِلَه إِلَّا الله؟ ". [١٥] وَالْمعْنَى إِنَّمَا أمرنَا بِقبُول الظَّوَاهِر، وَلَيْسَ علينا تفتيش البواطن.
стр. 545
(٣٣) كشف الْمُشكل من مُسْند معيقيب
[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سَبْعَة أَحَادِيث، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث وَاحِد.
٥٢٧ - / ٦٣٤ - وَفِيه من الْإِشْكَال: أَن الرَّسُول ﷺ قَالَ فِي الرجل يُسَوِّي التُّرَاب حَيْثُ يسْجد: " إِن كنت فَاعِلا فَوَاحِدَة ". [١٥] اعْلَم أَن الْقَوْم كَانُوا يصلونَ على الأَرْض، فَرُبمَا كَانَ مَوضِع السُّجُود غير معتدل، أَو يكون حر الشَّمْس قد أثر فِي الْمَكَان، فيطلب الساجد بمسحه تعديله أَو كشف الْحَار ليسجد على مَا هُوَ أبرد مِنْهُ، فأجيزت لَهُ الْمرة، لِأَن الْمَقْصُود يحصل بهَا، وَلِئَلَّا يتَكَرَّر الْعَمَل فَيخرج إِلَى شبه الْعَبَث.
стр. 546
٣٤ - كشف الْمُشكل من مُسْند مجاشع ومجالد ابْني مَسْعُود
لَيْسَ لَهما فِي الصَّحِيحَيْنِ سوى حَدِيث وَاحِد.
٥٢٨ - / ٦٣٥ - وَفِيه: " لَا هِجْرَة بعد فتح مَكَّة ". [١٥] أما الْهِجْرَة فَهِيَ مُفَارقَة الْكفَّار إِلَى الْمُسلمين، وَلما فتحت مَكَّة صَارَت كالمدينة فِي كَونهَا وطنا للْمُسلمين، وَبِفَتْحِهَا هان أَمر سَائِر الْبلدَانِ؛ لِأَنَّهَا أم الْقرى. [١٥] وَقَوله: فَلَقِيت معبدًا. كَذَا وَقع فِي أصل الْحميدِي وَهُوَ غلط، وَإِنَّمَا هُوَ: فَلَقِيت أَبَا معبد، وَهِي كنية مجَالد، وَقد ذكره بعد أسطر على الصِّحَّة.
стр. 547
(٣٥) كشف الْمُشكل من مُسْند يعلى بن أُميَّة
[١٥] وَيُقَال لَهُ يعلى بن منية. فأمية أَبوهُ ومنية أمه، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من الصَّحَابَة من اسْمه على حرف الْيَاء سواهُ. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة أَحَادِيث.
٥٢٩ - / ٦٣٦ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: غزوت مَعَ رَسُول الله ﷺ جَيش الْعسرَة، وَكَانَ لَهُ أجِير فقاتل إنْسَانا، فعض أَحدهمَا صَاحبه فَانْتزع إصبعه، فأندر ثنيته فَسَقَطت، فَانْطَلق إِلَى النَّبِي ﷺ فأهدر ثنيته وَقَالَ: " أيدع إصبعه فِي فِيك تقضمها كَمَا يقضم الْفَحْل ". [١٥] جَيش الْعسرَة يُرَاد بِهِ غَزْوَة تَبُوك. وَكَانَ الْأَمر قد اشْتَدَّ عَلَيْهِم فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَقَوي الْحر. [١٥] وأندر ثنيته: أَي أسقطها، وندر الشَّيْء بِمَعْنى سقط. والهدر: مَالا مُطَالبَة عَنهُ وَلَا غَرَامَة فِيهِ.
стр. 548
[١٥] والقضم بِأَدْنَى الأضراس. والخضم بأقصاها، وَالْمعْنَى: كَمَا يعَض الْفَحْل.
٥٣٠ - / ٦٣٧ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كَيفَ ترى فِي رجل أحرم فِي جُبَّة بَعْدَمَا تضمخ بِطيب؟ فَقَالَ: " أما الطّيب الَّذِي بك فاغسله، وَأما الْجُبَّة فانزعها ". وَفِي رِوَايَة: جَاءَهُ رجل وَهُوَ مصفر لحيته وَرَأسه، فَقَالَ: " انْزعْ عَنْك الْجُبَّة، واغسل عَنْك الصُّفْرَة ". [١٥] هَذَا الحَدِيث يدل على أَن من أحرم وَعَلِيهِ مخيط لم يلْزمه تخريقه بل نَزعه، وَقد رُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: يمزقه. وَعَن النَّخعِيّ أَنه قَالَ: يشقه. والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِمَا مَعَ كَون الشَّارِع نهى عَن إِضَاعَة المَال. قَالَ الْخطابِيّ: وَإِنَّمَا أمره بِغسْل الصُّفْرَة لِأَنَّهَا كَانَت زعفرانا، وَقد نهى الرجل أَن يتزعفر، فعلى هَذَا لَا حجَّة فِيهِ لمن قَالَ: لَا يجوز للْمحرمِ أَن يتطيب قبل الْإِحْرَام بِمَا يبْقى أَثَره بعد الْإِحْرَام. وَفِي هَذَا الحَدِيث حجَّة لمن قَالَ: إِذا لبس وتطيب نَاسِيا فَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَقَول الشَّافِعِي؛ لِأَن النَّاسِي فِي مقَام الْجَاهِل، وَذَلِكَ الرجل كَانَ قريب عهد بِالْإِسْلَامِ، جَاهِلا بأحكامه، فعزره رَسُول الله ﷺ وَلم يلْزمه فديَة.
стр. 549
(٣٦) كشف الْمُشكل من مُسْند معَاذ بن جبل
[١٥] شهد جَمِيع الْمشَاهد، وشيعه رَسُول الله ﷺ فِي خُرُوجه إِلَى الْيمن مَاشِيا وَهُوَ رَاكب. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث وَسَبْعَة وَخَمْسُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة أَحَادِيث.
٥٣١ - / ٦٣٩ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: كنت ردف النَّبِي ﷺ لَيْسَ بيني وَبَينه إِلَّا مؤخرة الرحل ... . [١٥] الردف: الرَّاكِب خلف الرَّاكِب. والرحل للبعير كالسرج للْفرس. ومؤخرة الْخَشَبَة: الَّتِي فِي آخِره. [١٥] وعفير تَصْغِير أعفر: وَهُوَ الَّذِي يَحْكِي لَونه عفرَة الأَرْض، والعفرة بَيَاض لَيْسَ بالناصع، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال أعيفر، إِلَّا أَنهم أَخْرجُوهُ عَن بِنَاء الأَصْل، كَمَا قَالُوا فِي تَصْغِير أسود سُوَيْد. وَالْمَشْهُور فِي اسْم الْحمار الَّذِي كَانَ لرَسُول الله ﷺ يَعْفُور.
стр. 550
[١٥] وَأما نداؤه باسمه " يَا معَاذ " ثَلَاث مَرَّات فليتكامل حُضُور قلبه لما يُخَاطب بِهِ. [١٥] وَقد بَينا معنى لبيْك وَسَعْديك فِي مُسْند عَليّ ﵇. [١٥] وَقَوله: " مَا حق الْعباد على الله ؟ " هَذَا يشكل؛ لِأَنَّهُ لَا يجب على الله شَيْء، غير أَنه قد وعد بأَشْيَاء، فَلَا بُد أَن تكون كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ [الْأَنْعَام: ٥٤] فالوفاء بالوعد صِيَانة لَهُ من الْخلف لَازم. [١٥] وَمعنى: " فيتكلوا " أَي يعتمدوا على هَذَا ويتركوا الْجد فِي الْأَعْمَال. [١٥] وَأما قَوْله: " وَمَا من عبد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا حرمه الله على النَّار " فَإِنَّهُ يشكل، فَيُقَال: فَأَيْنَ دُخُول العصاة النَّار؟ [١٥] فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون هَذَا قبل نزُول الْفَرَائِض. وَالثَّانِي: أَنه خرج مخرج الْغَالِب، وَالْغَالِب على الموحد أَن يعْمل بِمَا شهد بِهِ، فَلَا يدْخل النَّار، لتصديق قَوْله بِفِعْلِهِ. وَالثَّالِث: أَن يكون الْمَعْنى: حرمه الله على النَّار أَن يخلد فِيهَا. [١٥] وَقَوله: فَأخْبر بهَا تأثما. أَي خوفًا من إِثْم الكتمان.
٥٣٢ - / ٦٤٠ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " أعلمهم أَن الله افْترض عَلَيْهِم صَدَقَة تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد على فقرائهم ".
стр. 551
فِيهِ دَلِيل على أَن الزَّكَاة لَا تنقل، وَعِنْدنَا أَنه يجوز نقل الزَّكَاة إِلَى بلد تقصر فِيهِ الصَّلَاة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَعند أَحْمد الْجَوَاز، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك. وَعَن الشَّافِعِي كالروايتين. [١٥] وكرائم الْأَمْوَال: نفائسها.
٥٣٣ - / ٦٤٤ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم: [١٥] خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَكَانَ يُصَلِّي الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا، وَالْمغْرب وَالْعشَاء جَمِيعًا. [١٥] هَذَا الحَدِيث صَرِيح فِي جَوَاز الْجمع فِي السّفر، وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز الْجمع فِي السّفر إِلَّا بِعَرَفَة والمزدلفة، وَإِنَّمَا يجوز عندنَا الْجمع فِي السّفر الطَّوِيل خلافًا لمَالِك وَأحد قولي الشَّافِعِي أَنه يجوز فِي السّفر الْقصير أَيْضا.
стр. 552
(٣٧) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي بن كَعْب
[١٥] شهد مَعَ رَسُول الله ﷺ جَمِيع الْمشَاهد، وَهُوَ أول من كتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ ، وَأحد الَّذين حفظوا الْقُرْآن على عهد رَسُول الله ﷺ ، وَأمر النَّبِي ﷺ أَن يقْرَأ عَلَيْهِ، وَكَانَ عمر يَقُول لَهُ: هَذَا سيد الْمُسلمين. [١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة عشر.
٥٣٤ - / ٦٤٥ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: قَالَ ابْن عَبَّاس: تماريت أَنا وصاحبي فِي صَاحب مُوسَى. [١٥] صَاحبه هُوَ الْحر بن قيس الْفَزارِيّ. والمراء: المجادلة على طَرِيق الشَّك. [١٥] وَالْمَلَأ: الْأَشْرَاف الَّذين هم الْوُجُوه، وَقيل لَهُم مَلأ لأَنهم مليئون بِمَا يُرَاد مِنْهُم، وَقيل: لأَنهم تملأ الصُّدُور هيبتهم. [١٥] فَأَما نوف الْبكالِي فَهُوَ من أهل الشَّام. وبكالة من حمير.
стр. 553
[١٥] قَالَ الْخطابِيّ: وَمعنى كذب: أَخطَأ، وَالْعرب تضع الْكَذِب مَوضِع الْخَطَأ فَتَقول: كذب سَمْعِي، وَكذب بَصرِي، قَالَ الأخطل:
(كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسط ... غلس الظلام من الربَاب خيالا)
[١٥] وَإِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب، وَقد تقدم الْكَلَام فِي هَذَا الِاسْم. [١٥] و " الْخضر " لقب، وَفِي اسْمه ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: اليسع، قَالَه وهب وَمُقَاتِل. وَالثَّانِي: أرميا بن حلفيا، ذكره ابْن الْمُنَادِي. وَالثَّالِث: إيليا بن ملكان، حَكَاهُ عَليّ بن أَحْمد النَّيْسَابُورِي. [١٥] وَفِي سَبَب تَسْمِيَته بالخضر قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه جلس على فَرْوَة بَيْضَاء فاهتزت خضراء، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ . والفروة: الأَرْض الْيَابِسَة، وَقيل: الفروة: جلد وَجه الأَرْض. وَالثَّانِي: أَنه كَانَ إِذا جلس اخضر مَا حوله، قَالَه عِكْرِمَهْ. وَقَالَ مُجَاهِد: وَكَانَ إِذا صلى اخضر مَا حوله. [١٥] وَإِنَّمَا عوتب مُوسَى على قَوْله: أَنا أعلم، لِأَنَّهُ أطلق، فَلَو قَالَ: أَنا أعلم بِالتَّوْرَاةِ لم يلم. [١٥] وَمجمع الْبَحْرين: ملتقاهما، وهما بَحر فَارس وبحر الرّوم، فبحر فَارس نَحْو الْمشرق، وبحر الرّوم نَحْو الْمغرب. [١٥] وَفِي تَسْمِيَة الْبَلَد الَّذِي يجمعهما قَولَانِ: أَحدهمَا أفريقية، قَالَه
стр. 554
أبي بن كَعْب. وَالثَّانِي: طنجة، قَالَه مُحَمَّد بن كَعْب. وَسمي الْبَحْر بحراً لسعته. والمكتل: الزبيل. وَقَوله: فَحَيْثُ تفتقد الْحُوت: أَي تفقده. والنول: الْعَطاء. [١٥] وَقَوله فِي الْغُلَام: فَأخذ الْخضر بِرَأْسِهِ فاقتلعه. وَقد روى أَنه أضجعه فذبحه، فَقَالَ مُوسَى (أقتلت نفسا زاكية) وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس (زكية) ، قَالَ الْكسَائي: هما لُغَتَانِ كالقاسية والقسية. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الزاكية فِي الْبدن، والزكية فِي الدّين. [١٥] وَقَوله: " صَار المَاء مثل الكوة " يَعْنِي الفتحة. [١٥] وَالنّصب: التَّعَب. [١٥] والمسجى: المغطى بِثَوْب. [١٥] وَقَوله: على حلاوة الْقَفَا إِشَارَة إِلَى الاستلقاء على الظّهْر. [١٥] وَقَوله: أَخَذته من صَاحبه ذمَامَة أَي حَيَاء وإشفاق، من الذَّم. والتذمم للصاحب: حفظ ذمَامَة خوفًا من الذَّم إِن لم يفعل. [١٥] وَقَوله: كَانَ إِذا ذكر أحدا من الْأَنْبِيَاء بَدَأَ بِنَفسِهِ. وَذَاكَ لِأَن الْحق قدمه عَلَيْهِم، فَقدم مَا قدم. [١٥] فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: " لَا تفضلُونِي على يُونُس "؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَنه إِذا قَالَ عَن وَحي أَو بِمُقْتَضى وَحي فضل نَفسه،
стр. 555
وَإِذا تواضع حطها. [١٥] وَأما " عين الحيا " فَكَذَا رُوِيَ لنا بِغَيْر هَاء، وَالْحيَاء مَا يحيا النَّاس بِهِ. وَالْمَشْهُور فِي التعارف عين الْحَيَاة. [١٥] وَقَوله: كَانَ أَثَره فِي حجر: أَي ثقب. [١٥] والطنفسة بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْفَاء وَهِي: بِسَاط صَغِير لَهُ خمل. وكبد الْبَحْر: متن المَاء. [١٥] وَقَوله: اسْم الْغُلَام حبشون. كَذَا فِي أصل الْحميدِي بِالْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا بَاء وشين مُعْجمَة وَنون. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: جيشور. [١٥] فَإِن قيل: هلا صَبر الْخضر مَعَ مُوسَى وَلَو مُدَّة أُخْرَى. [١٥] فَالْجَوَاب من خَمْسَة أوجه: [١٥] أَحدهَا: أَنه لما شَرط مُوسَى قطع الصُّحْبَة بقوله: ﴿قَالَ إِن سَأَلتك عَن شَيْء بعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي﴾ [الْكَهْف: ٧٦] عَامله الْخضر بِاخْتِيَارِهِ. [١٥] وَالثَّانِي: أَن طول الصُّحْبَة على ذَلِك الْوَجْه لَا يُفِيد؛ لِأَنَّهُ كلما رأى شَيْئا أنكرهُ وَلم يصبر. [١٥] وَالثَّالِث: أَن الْخضر علم أَن مُوسَى أَعلَى مِنْهُ منزلَة، وَإِنَّمَا بعث لَهُ لتأديبه، والتأديب يَكْفِي مِنْهُ الْيَسِير. [١٥] وَالرَّابِع: أَن الأولى كَانَت نِسْيَانا، وَالثَّانيَِة جبر عمدها بالمشارطة، وَأما الثَّالِثَة فَلم يكن لَهَا عذر. [١٥] وَالْخَامِس أَنه لما كَانَ إِنْكَار مُوسَى فِي السَّفِينَة والغلام لله تَعَالَى صَبر عَلَيْهِ الْخضر، فَلَمَّا صَار إِنْكَاره فِي الْجِدَار لحظ نَفسه وَمَكَان جوعه أوقع الْفرْقَة.
стр. 556
٥٣٥ - / ٦٤٦ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: عَن أبي أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله، إِذا جَامع الرجل الْمَرْأَة وَلم ينزل. قَالَ: يغسل مَا مس الْمَرْأَة مِنْهُ ثمَّ يتَوَضَّأ وَيُصلي. [١٥] هَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ على مَا بَينا فِي مُسْند عُثْمَان بن عَفَّان. ٥٣٦ / ٦٤٧ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: ذكر اللّقطَة. [١٥] اعْلَم أَن اللّقطَة على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا الْإِبِل وَالْبَقر وَالْبِغَال وَالْحمير والظباء، فَهَذِهِ عندنَا لَا يجوز التقاطها، بل يجب تَركهَا إِلَّا أَن يَأْخُذهَا الإِمَام لحفظها، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز التقاطها. فَأَما الشَّاة فَفِيهَا عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: لَا يجوز التقاطها أَيْضا، وَالثَّانِي: يجوز كَقَوْل بَاقِي الْفُقَهَاء. [١٥] وَأما غير هَذَا من اللّقطَة مثل الْأَثْمَان وَالْعرُوض، فَيَنْبَغِي لمن يلتقطها أَن ينظر فِي حَال نَفسه: فَإِن علم من نَفسه قلَّة الْأَمَانَة: لم يجز لَهُ أَخذهَا، وَإِن علم من نَفسه الْأَمَانَة وَالْقُوَّة على تَعْرِيفهَا فقد نَص أَحْمد على أَن الْأَفْضَل تَركهَا لَا أَخذهَا، وَفِي قَوْله زيد وسلمان لسويد: دع السَّوْط، دَلِيل على أَن ترك اللّقطَة أفضل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْأَفْضَل أَخذهَا. وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: أَحدهمَا: مثل هَذَا، وَالثَّانِي: يجب عَلَيْهِ أَخذهَا. وَسُئِلَ ابْن عقيل فَقيل لَهُ: أجد صرة من الذَّهَب
стр. 557
أَو دملجا أَو سوارا، فَهَل آخذه أم أتركه؟ فَقَالَ: إِن وجدت فِي نَفسك مَسَرَّة ببادرة الوجدان ففتش عَن سَبَب المسرة، فَإِن كَانَت مسرتك لحفظ ذَلِك على صَاحبه، وَكَيف وَقعت بِيَدِك دون غَيْرك فَخذهَا، فقد لَا يحظى صَاحبهَا بمثلك، وَإِن كَانَت مسرتك لوجدانك، وَكنت بإخفائها وَترك تَعْرِيفهَا أسر فَلَا تأخذها، كَمَا إِذا اتّفقت مَعَ امْرَأَة أَجْنَبِيَّة فِي رفْقَة، فَوجدت المسرة بخلو تِلْكَ الرّفْقَة فاهرب، فَمَا تِلْكَ المسرة إِلَّا لما بعْدهَا من الانبساط، هَذَا الله فقه النُّفُوس الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُول ﵇: " استفت نَفسك " قَالَ: وَكَذَلِكَ استفت نَفسك فِي مِقْدَار مَا تعرفه فَكلما علمت أَنَّك تتطلبه وتتوق إِلَيْهِ إِذا سقط مِنْك فَعرفهُ. [١٥] وَأما أمره فِي هَذَا الحَدِيث بالتعريف ثَلَاثَة أَحْوَال فَلَا نعلم خلافًا فِي أَنه لَا يجب التَّعْرِيف أَكثر من حول وَاحِد، فَلَا تَخْلُو هَذِه الرِّوَايَة من ثَلَاثَة أَشْيَاء. أما أَن تكون غَلطا من الرَّاوِي؛ فقد دلّ على هَذَا الْوَجْه مَا فِي تَمام الحَدِيث من قَول شُعْبَة: فَسمِعت سَلمَة بن كهيل بعد عشر سِنِين يَقُول: عرفهَا عَاما وَاحِدًا. وَالثَّانِي: أَن يكون علم ﵇ أَنه لم يَقع تَعْرِيفهَا كَمَا يَنْبَغِي فَلم يحْتَسب لَهُ بالتعريف الأول، كَمَا قَالَ للَّذي صلى وَلم يُحَقّق الصَّلَاة: " ارْجع فصل، فَإنَّك لم تصل " وَالثَّالِث: أَن يكون قد دله على الْوَرع، وَهُوَ اسْتِعْمَال مَا لَا يلْزم. [١٥] وَأما الْوِعَاء فالظرف الَّذِي هِيَ فِيهِ، والوكاء: الْخَيط الَّذِي يشد بِهِ رَأس الصرة أَو الْقرْبَة
стр. 558
[١٥] وَقَوله: " فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فاستمتع بهَا " وَفِي رِوَايَة: " وَإِلَّا فَهِيَ كسبيل مَالك " وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه يملكهَا بعد التَّعْرِيف. وَعِنْدنَا أَن اللّقطَة إِذا كَانَت أثمانا وَعرفهَا حولا ملكهَا، فَأَما إِذا كَانَت عرُوضا أَو حليا أَو ضَالَّة فَإِنَّهُ لَا يملكهَا وَلَا ينْتَفع بهَا، سَوَاء كَانَ غَنِيا أَو فَقِيرا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يملك شَيْئا من اللقطات بِحَال وَلَا ينْتَفع بهَا إِذا كَانَ غَنِيا، فَإِن كَانَ فَقِيرا جَازَ لَهُ الِانْتِفَاع بهَا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد: يملك جَمِيع اللقطات غَنِيا كَانَ أَو فَقِيرا، وَيتَخَرَّج لنا مثله. وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يملكهَا: هَل تدخل فِي ملكه بِاخْتِيَارِهِ أَو بِغَيْر اخْتِيَاره، فعندنا أَنه إِذا عرف الْأَثْمَان حولا دخلت فِي ملكه بِغَيْر اخْتِيَاره. وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي: فَمنهمْ من قَالَ كَقَوْلِنَا، وَمِنْهُم من قَالَ: لَا يملكهَا إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ، ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ، فَقَالَ قوم مِنْهُم: يفْتَقر إِلَى نِيَّته وَلَفظه واختياره وتصرفه. وَقَالَ آخَرُونَ: يفْتَقر إِلَى نِيَّته وتصرفه، وَقَالَ آخَرُونَ يفْتَقر إِلَى نِيَّته فَقَط. فَأَما إِذا جَاءَ صَاحبهَا بعد الْحول فَإِنَّهُ يغرمها لَهُ، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ابْن حَنْبَل، وَقَالَ دَاوُد: لَا يغرم. [١٥] وَقَوله فِي الحَدِيث: " فَإِن جَاءَ أحد يخبر بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إِيَّاه " فَهَذَا دَلِيل على أَن من أخبر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء من غير بَيِّنَة دفعت إِلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأحمد وَدَاوُد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا تدفع إِلَّا بِبَيِّنَة.
стр. 559
٥٣٧ - / ٦٤٨ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] قَالَ عمر: اقرؤنا أبي، وأقضانا عَليّ، وَإِنَّا لندع من قَول أبي؟ وَذَلِكَ أَن أَبَيَا يَقُول: لَا أدع شَيْئا سمعته من رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننساها﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٦] . [١٥] وَأما قَول: أقرؤنا أبي وأقضانا عَليّ، فَإِنَّهُ قد يغلب على الْإِنْسَان من فنون الْعلم فن يفوق بِهِ، وَقد يرْزق فِي ذَلِك الْفَنّ من التَّصَرُّف مَا لَا يرزقه غَيره وَإِن شَاركهُ فِي الْعلم. [١٥] وَقَوله: وَإِنَّا لندع من قَول أبي. يَعْنِي: من قِرَاءَته، وَقد بَين السَّبَب فِي ذَلِك وَهُوَ أَن الْعَمَل على الْعرض الْأَخير، وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يعرض الْقُرْآن على جِبْرِيل، وَعرضه عَلَيْهِ قبل مَوته مرَّتَيْنِ.
٥٣٨ - / ٦٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " لَو أَن لِابْنِ آدم وَاديا من ذهب لأحب أَن يكون لَهُ واديان، وَلنْ يمْلَأ فَاه إِلَّا التُّرَاب "، وَكُنَّا نرى هَذَا من الْقُرْآن حَتَّى نزل قَوْله ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ . [١٥] اعْلَم أَن آثر الْأَشْيَاء عِنْد الْإِنْسَان نَفسه، فَأحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ بَقَاؤُهَا، ولشدة حبه الْبَقَاء لَا يَنْقَطِع أمله من الْحَيَاة وَلَو عاين الْمَوْت، فَلَمَّا كَانَ المَال سَببا للحياة أحب سَبَب الْبَقَاء والاستكثار مِنْهُ لحبه الْبَقَاء. وَقَوله: " وَلنْ يمْلَأ فَاه إِلَّا التُّرَاب " الْإِشَارَة بِالْمَعْنَى إِلَى حرصه، وبالصورة إِلَى دَفنه فِي الْقَبْر.
стр. 560
[١٥] وَهَذَا الحَدِيث: مِمَّا كَانَ يُتْلَى فِي الْقُرْآن، ثمَّ نسخ لَفظه وَبَقِي حكمه، وَهَذَا معنى قَول أبي: كُنَّا نرى هَذَا من الْقُرْآن. وَقَوله حَتَّى نزلت: ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ أَي أَنَّهَا أَثْبَتَت هَذَا الْمَعْنى.
٥٣٩ - / ٦٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: سَأَلت أبي بن كَعْب عَن المعوذتين، قلت: إِن أَخَاك ابْن مَسْعُود يَقُول كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: " قيل لي فَقلت " فَنحْن نقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ . [١٥] الَّذِي كنى عَنهُ من قَول ابْن مَسْعُود كَأَنَّهُ الْإِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ لَا يثبتها فِي مصحفه وَلَا يَرَاهَا من الْقُرْآن. وَقَوله: " قيل لي فَقلت " دَلِيل على أَنَّهَا من الْوَحْي، وَقد كَانَ الْأَمر فِي زمن ابْن مَسْعُود مُحْتملا للتأويلات، فَأَما الْآن فانعقد الْإِجْمَاع.
٥٤٠ - / ٦٥١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع " إِن من الشّعْر حِكْمَة ". الْحِكْمَة: الْكَلَام الْمُحكم لَفظه، الْوَاقِع مَعْنَاهُ، وَكَانَ ﷺ يُعجبهُ ذَلِك الْفَنّ من الشّعْر.
أخبرنَا عمر بن أبي الْحسن البسطامي قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أبي أَحْمد الْخُزَاعِيّ قَالَ: أخبرنَا الْهَيْثَم بن كُلَيْب قَالَ: أخبرنَا التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدثنَا أَحْمد ابْن منيع قَالَ: حَدثنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّائِفِي عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه قَالَ: كنت ردف النَّبِي ﷺ فَأَنْشَدته مائَة قافية من قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت، كلما أنشدته بَيْتا قَالَ
стр. 561
لي النَّبِي ﷺ : " هيه " حَتَّى أنشدته مائَة - يَعْنِي مائَة بَيت، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " إِن كَاد ليسلم ".
٥٤١ - / ٦٥٢ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: قيل لأبي: إِن ابْن مَسْعُود يَقُول: من قَامَ السّنة أصَاب لَيْلَة الْقدر. فَقَالَ أبي: وَالله إِنَّهَا لفي رَمَضَان، وَإِنَّهَا لَيْلَة سبع وَعشْرين. وَأما تَسْمِيَتهَا بليلة الْقدر فَفِيهَا خَمْسَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْقدر: العظمة، من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ [الْأَنْعَام: ٩١] وَهَذَا قَول الزُّهْرِيّ. [١٥] وَالثَّانِي: أَن من التَّضْيِيق، من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه﴾ [الطَّلَاق: ٧] فَهِيَ لَيْلَة تضيق فِيهَا الأَرْض عَن الْمَلَائِكَة، وَهَذَا قَول الْخَلِيل بن أَحْمد. وَالثَّالِث: أَن الْقدر: الحكم، كَأَن الْأَشْيَاء تقدر فِيهَا، قَالَه ابْن قُتَيْبَة. وَالرَّابِع: لِأَن من لم يكن لَهُ قدر صَار بمراعاتها ذَا قدر، قَالَه أَبُو بكر الْوراق. وَالْخَامِس: لِأَنَّهُ أنزل فِيهَا كتاب ذُو قدر، وتنزل فِيهَا رَحْمَة ذَات قدر، وملائكة ذَوُو قدر، ذكره شَيخنَا عَليّ بن عبيد الله.
стр. 562
وَاخْتلف النَّاس: هَل هِيَ بَاقِيَة أم كَانَت فِي زمن النَّبِي ﷺ خَاصَّة؟ وَالصَّحِيح بَقَاؤُهَا. [١٥] وَاخْتلفُوا فِي أخص اللَّيَالِي بهَا على سِتَّة أَقْوَال: [١٥] أَحدهَا: أول لَيْلَة من رَمَضَان، قَالَه أَبُو رزين الْعقيلِيّ. [١٥] وَالثَّانِي: لَيْلَة ثَمَانِي عشرَة، قَالَه الْحسن. [١٥] وَالثَّالِث: لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين، وَهُوَ اخْتِيَار الشَّافِعِي. [١٥] وَالرَّابِع: لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين، وَهُوَ مَذْهَب عبد الله بن أنيس. [١٥] وَالْخَامِس: لَيْلَة خمس وَعشْرين، وَهُوَ مَذْهَب أبي بكرَة. [١٥] وَالسَّادِس: لَيْلَة سبع وَعشْرين، وَهُوَ مَذْهَب عَليّ وَأبي بن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة وَعَائِشَة وَأحمد بن حَنْبَل.
٥٤٢ - / ٦٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كنت فِي الْمَسْجِد، فَدخل رجل يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَة أنكرتها، ثمَّ دخل آخر فَقَرَأَ قِرَاءَة سوى قِرَاءَة صَاحبه، فَلَمَّا قضينا الصَّلَاة. دَخَلنَا جَمِيعًا على رَسُول الله ﷺ ، فَقَرَأَ فَحسن النَّبِي ﷺ شَأْنهمَا، فَسقط فِي نَفسِي من التَّكْذِيب وَلَا إِذْ كنت فِي الْجَاهِلِيَّة. [١٥] الْمَعْنى: وسوس لي الشَّيْطَان، وَلَو اعْتقد ذَلِك لخرج من الْإِسْلَام، وحوشي. [١٥] وَقَوله: فَضرب رَسُول الله ﷺ فِي صَدْرِي، وَذَلِكَ إزعاج لَهُ عَن
стр. 563
محادثة الوسوسة. [١٥] وَقَوله: " هون عَليّ أمتِي " أَي خفف. [١٥] وَلما جعلت للرسول ﵇ مسَائِل يُجَاب فِيهَا، جعلهَا كلهَا لأمته، وَهَذَا غَايَة الْكَرم، لِأَنَّهُ علم مَا تفعل بهم الْخَطَايَا. [١٥] وَقد سبق الْكَلَام فِي معنى سَبْعَة أحرف فِي مُسْند عمر. [١٥] وَقَوله: " يرغب إِلَيّ الْخلق كلهم حَتَّى إِبْرَاهِيم " وَهَذَا لِأَن النَّاس إِذا خَرجُوا من الْقُبُور أَقَامُوا مُدَّة لَا يفصل بَينهم، فيستشفعون بِآدَم، ثمَّ بِنوح، ثمَّ بإبراهيم، ثمَّ بمُوسَى، ثمَّ بِعِيسَى، ليراحوا بِالْفَصْلِ بَينهم، فَلَا يتَقَدَّم أحد فِي تِلْكَ الشَّفَاعَة على نَبينَا ﷺ ، فَإِذا لم يَقع الْفَصْل إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ فقد احْتَاجَ الْأَنْبِيَاء أَيْضا إِلَيْهِ. [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث: كَانَ رَسُول الله ﷺ عِنْد أضاة بني غفار. قَالَ الْأَصْمَعِي. الأضاة: المَاء المستنقع من مسيل أَو غَيره، وَجمعه أضا مَقْصُورَة، مثل قطاة وقطا، فَإِن كسرت أَوله قلت إضاء فمددت، تَقْدِيره ثَمَرَة وثمار. وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: يُقَال: أضاة وَجَمعهَا أضا، وَيجمع أضا إضاء، فَهُوَ جمع الْجمع. ٥٤٣ / ٦٥٥ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: لَو اشْتريت حمارا تركبه فِي الرمضاء. يَعْنِي الْحر.
стр. 564
٥٤٤ - / ٦٥٧ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " أعظم آيَة فِي الْقُرْآن: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ " [الْبَقَرَة: ٢٥٥] . [١٥] فِي اسْم الله الَّذِي هُوَ (الله) عَن الْخَلِيل رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَنه اسْم علم لَيْسَ بمشتق، وَالْأُخْرَى: أَنه مُشْتَقّ. وَاخْتلف من قَالَ باشتقاقه: فَقَالَ قوم: إِنَّه مُشْتَقّ من الوله، لِأَن قُلُوب الْعباد توله نَحوه، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال مولوه كَمَا يُقَال معبود، إِلَّا أَنهم خالفوا بِهِ الْبناء ليَكُون علما فَقَالُوا: إِلَه: كَمَا قَالُوا للمكتوب كتاب، وللمحسوب حِسَاب. وَقَالَ آخَرُونَ: أَصله من أَله الرجل يأله: إِذا تحير، لِأَن الْقُلُوب تتحير عِنْد التفكر فِي عَظمته، وَقد قيل إِنَّه الِاسْم الْأَعْظَم، وَكَذَلِكَ قيل فِي قَوْله: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ . [١٥] قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: والقيوم: الَّذِي لَا يَزُول لَا ستقامة وَصفه بالوجود، إِذا لَا يجوز عَلَيْهِ التَّغَيُّر بِوَجْه من الْوُجُوه. قَالَ الزّجاج: القيوم: الْقَائِم بِأَمْر الْخلق. [١٥] وَفِي (القيوم) ثَلَاث لُغَات: (القيوم) وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور. و (الْقيام) وَهِي قِرَاءَة عمر وَابْن مَسْعُود. و (الْقيم) وَهِي قِرَاءَة عَلْقَمَة. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وأصل القيوم: القيووم، فَلَمَّا اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو
стр. 565
وَالسَّابِق سَاكن جعلتا يَاء مُشَدّدَة. وأصل الْقيام: القيوام. قَالَ الْفراء: وَأهل الْحجاز يصرفون الفعال إِلَى الفيعال، يَقُولُونَ للصواغ صياغ. [١٥] وَقَوله: " إِن لهَذِهِ الْآيَة لِسَانا " مجازه أَن الْحق يقدس: أَي يعظم وينزه عَن السوء عِنْد الْعَرْش بِهَذِهِ الْآيَة، أَو لِأَنَّهُ مَوْصُوف بِمَا فِيهَا.
следующие страницы →