Полный текст (2 175 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة.
٤٦٥ - / ٥٦٨ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَوْله: " لَا تسْأَل الْإِمَارَة، فَإنَّك إِن أعطيتهَا من غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا، وَإِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا ".
أما نَهْيه عَن سُؤال الْإِمَارَة، فَإِن الْإِمَارَة أَمَانَة، والإمارة بلَاء، فَنَهَاهُ عَن سُؤال الْبلَاء.
وَقَوله: " وكلت إِلَيْهَا " أَي أسلمت إِلَيْهَا فضعفت عَنْهَا وَظهر عجزك.
وَقد أَفَادَ هَذَا الحَدِيث تَعْلِيم التَّسْلِيم إِلَى اخْتِيَار الله ؛ فَإِنَّهُ من رَضِي بِالْقضَاءِ أعين على الْمقْضِي، وَمن مَال إِلَى اخْتِيَار نَفسه وكل إِلَى تَدْبيره كَمَا قَالَ فِي حق هَاجر: " لَو تركت زَمْزَم لكَانَتْ عينا معينا ".
стр. 492
٤٦٦ - / ٥٦٩ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" لَا تحلفُوا بالطواغي وَلَا بِآبَائِكُمْ ".
الطواغي جمع طاغية، وَهِي الطواغيت، وَهِي الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت تعبد فِي الْجَاهِلِيَّة. والطغيان فِي الْحَقِيقَة مُضَاف إِلَى عابديها، لَكِنَّهَا لما كَانَت السَّبَب أضيف إِلَيْهَا فَقيل طواغي: أَي مطغي فِيهَا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٦] وأصل الطغيان مُجَاوزَة الْحَد فِي الْمعْصِيَة، وَيُقَال: طَغى الْبَحْر: إِذا هَاجَتْ أمواجه، وطغى السَّيْل: جَاءَ بِمَاء كثير. وطغى الدَّم: تتيع. قَالَ الْخَلِيل: والطغوان لُغَة فِي الطغيان، وَالْفِعْل طغيت وطغوت.
وَأما الْحلف بِالْآبَاءِ فقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عمر.
٤٦٧ - / ٥٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: حسر عَنْهَا: أَي كشف.
стр. 493
كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الله بن مُغفل
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة.
٤٦٨ - / ٥٧١ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَوْله: " بَين كل أذانين صَلَاة لمن شَاءَ ".
المُرَاد بالأذانين الْأَذَان وَالْإِقَامَة، فَلَمَّا أضيفت الْإِقَامَة إِلَى الْأَذَان سميت باسمه، كَمَا قيل الْعمرَان وَالْمرَاد أَبُو بكر وَعمر، وَمعنى الحَدِيث: من شَاءَ تطوع حِينَئِذٍ.
فَإِن قيل: فَلم خص التَّطَوُّع بِهَذَا الْوَقْت وَقد علم أَنه يجوز فِي غَيره؟
فَالْجَوَاب أَنه قد يجوز أَن يتَوَهَّم أَن الْأَذَان للصَّلَاة يمْنَع أَن يفعل سوى الصَّلَاة الَّتِي أذن لَهَا، فَبين جَوَاز التَّطَوُّع.
٤٦٩ - / ٥٧٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: فنزوت.
стр. 494
وَالْمعْنَى: وَثَبت مسرعا.
٤٧٠ - / ٥٧٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: نهى عَن الْخذف وَقَالَ: " إِنَّه لَا ينْكَأ بِهِ عَدو ".
الْخذف فِي الْأَغْلَب: الرَّمْي بالشَّيْء الْيَسِير كالحصاة والنواة، وأغلب مَا يكون بأطراف الْأَصَابِع.
والنكاية فِي الْعَدو: التَّأْثِير فِيهِ ببلوغ الْأَذَى مِنْهُ.
ويفقأ الْعين: يشقها.
٤٧١ - / ٥٧٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: فَرجع فِي قِرَاءَته.
أَي: ردد وَتثبت.
٤٧٢ - / ٥٧٥ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ:
" لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْمغرب، والأعراب تَقول هِيَ الْعشَاء ".
الْمَعْنى: سَموهَا أَنْتُم بالمغرب لَا بالعشاء، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند ابْن عمر: " لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب، أَلا إِنَّهَا الْعشَاء، وهم يعتمون بحلاب الْإِبِل ". وَهَذِه إِشَارَة إِلَى الْعَتَمَة.
стр. 495
٤٧٣ - / ٥٧٦ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم:
أَمر بقتل الْكلاب ثمَّ قَالَ: " مَا بالهم وبال الْكلاب " ثمَّ أرخص فِي كلب الصَّيْد وكلب الْغنم.
أما أمره بقتل الْكلاب فقد بَقِي هَذَا مُدَّة ثمَّ نهى عَن ذَلِك بقوله: " مَا بالهم وبال الْكلاب " وَسَيَأْتِي فِي مُسْند جَابر قَالَ: أمرنَا رَسُول الله بقتل الْكلاب ثمَّ نهى عَن قَتلهَا. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: اقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود بهيم. وَيَجِيء فِي حَدِيث: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمة لأمرت بقتلها " أَي لاستدمت الْأَمر بذلك. وَلَو أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ إبِْطَال أمة لما أَمر نوحًا أَن يحمل مَعَه فِي سفينته من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، فَلَمَّا حفظ الحمائر للتناسل علم أَنه أَرَادَ حفظ كل الْأُمَم. وَيحْتَمل قَوْله: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمة " أَي خلق كثير يشق استيعابها فِي كل الْأَمَاكِن، فَلَا يحصل استئصالها، وَإِنَّمَا أَمر بقتلها لِأَن الْقَوْم ألفوها، وَكَانَت تخالطهم فِي أوانيهم، فَأَرَادَ فطامهم عَن ذَلِك فَأمر بِالْقَتْلِ، فَلَمَّا اسْتَقر فِي نُفُوسهم تنجيسها وإبعادها نهى عَن ذَلِك، فَصَارَ النَّهْي نَاسِخا لذَلِك الْأَمر.
وَمعنى: رخص فِي كلب الصَّيْد وَالْغنم: أَي فِي اقتنائهما.
وَقَوله: " إِذا ولغَ الْكَلْب ... " ولوغ الْكَلْب: تنَاوله المَاء بِطرف لِسَانه، يُقَال: ولغَ يلغ.
стр. 496
وتعفير الْإِنَاء: غسله بِمَاء مَعَه تُرَاب. والعفر: التُّرَاب.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على نَجَاسَة الْكَلْب، لِأَنَّهُ أَمر بِغسْل الْإِنَاء، وَقد كشف هَذَا قَوْله فِي حَدِيث آخر: " طهُور إِنَاء أحدكُم " وَالطَّهَارَة تضَاد النَّجَاسَة، وَزَاد هَذَا كشفا أمره بالتعفير، فَلَا يخفى أَن ضم التُّرَاب إِلَى المَاء لزِيَادَة الِاحْتِيَاط فِي التَّطْهِير وَرفع النَّجَاسَة. وَمِمَّنْ ذهب إِلَى أَن الْكَلْب نجس أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَقَالَ مَالك وَدَاوُد: إِنَّه طَاهِر، وَإِنَّمَا يغسل ولوغه تعبدا.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على وجوب الْعدَد، وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد، فَروِيَ عَنهُ سبع مَرَّات إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ على حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَوَافَقَ مَالك دَاوُد على وجوب هَذَا الْعدَد، إِلَّا أَن عِنْدهمَا لَا للنَّجَاسَة. وَرُوِيَ عَن أَحْمد ثَمَان مَرَّات إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ على هَذَا الحَدِيث. وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة، فَروِيَ عَنهُ: يغسل ثَلَاثًا، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه لَا يشْتَرط الْعدَد، بل يغسل حَتَّى يغلب على الظَّن الطَّهَارَة.
فَإِن أَدخل الْكَلْب يَده أَو رجله غسل الْإِنَاء كَمَا لَو ولغَ فِيهِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَقَالَ مَالك وَدَاوُد: لَا يجب غسله.
وَالْخِنْزِير كَالْكَلْبِ فِيمَا ذكرنَا خلافًا لمَالِك وَدَاوُد.
وَقد نبه هَذَا الحَدِيث على وجوب الْعدَد فِي غسل النَّجَاسَات، لِأَنَّهُ لما نَص فِي الولوغ على سبع نبه على سَائِر النَّجَاسَات، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُور من مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل، وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى: يجب غسل
стр. 497
الأنجاس ثَلَاث مَرَّات، وَهُوَ قَول لأبي حنيفَة، وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة: لَا يجب الْعدَد، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْمَشْهُور عَن أبي حنيفَة.
стр. 498
(٢٦) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي بكرَة
[١٥] واسْمه نفيع، وَإِنَّمَا كني بِأبي بكرَة لِأَن رَسُول الله لما حاصر أهل الطَّائِف نَادَى مناديه: " أَيّمَا عبد نزل من الْحصن إِلَيْنَا فَهُوَ حر. . فَنزل أَبُو بكرَة فِي بكرَة، فكنى بذلك. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة عشر حَدِيثا.
٤٧٤ - / ٥٧٧ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: [١٥] " إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض ". إِنَّمَا قَالَ هَذَا لأجل النسيء الَّذِي كَانَت الْعَرَب تَفْعَلهُ، وَفِيه نزل: ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ [التَّوْبَة: ٣٧] والنسيء؛ تَأْخِير الشَّيْء، وَكَانَت الْعَرَب قد تمسكت من مِلَّة إِبْرَاهِيم ﵇ بِتَحْرِيم الشُّهُور الْأَرْبَعَة، فَرُبمَا احتاجوا إِلَى تَحْلِيل الْمحرم لِحَرْب تكون بَينهم فيؤخرون تَحْرِيم الْمحرم إِلَى صفر، ثمَّ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَأْخِير تَحْرِيم صفر، ثمَّ كَذَلِك حَتَّى تتدافع الشُّهُور فيستدير التَّحْرِيم على السّنة كلهَا، فكأنهم يستنسئون الشَّهْر الْحَرَام ويستقرضونه. قَالَ الْفراء: كَانَت
стр. 499
الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادوا الصَّدْر عَن منى قَامَ رجل من بني كنَانَة يُقَال لَهُ نعيم بن ثَعْلَبَة. وَكَانَ رَئِيس الْمَوْسِم، يَقُول: أَنا الَّذِي لَا أعاب وَلَا أخاب وَلَا يرد لي قَضَاء، فَيَقُولُونَ: أنسئنا شهرا، يُرِيدُونَ: أخر عَنَّا حُرْمَة الْمحرم وَاجْعَلْهَا فِي صفر، فيفعل ذَلِك. وَقَالَ مُجَاهِد: أول من أظهر النسيء جُنَادَة بن عَوْف الْكِنَانِي، فَوَافَقت حجَّة أبي بكر ذَا الْقعدَة، ثمَّ حج النَّبِي ﷺ فِي الْعَام الْقَابِل فِي ذِي الْحجَّة، فَذَلِك حِين قَالَ: " إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيئَةِ ". وَقَوله: " اسْتَدَارَ " من الدّور. والهيئة: الْحَالة. وَسمي الشَّهْر شهرا لشهرته. [١٥] وَقَوله:: " مِنْهَا أَرْبَعَة حرم إِنَّمَا سَمَّاهَا حرما لمعنيين: أَحدهمَا: لتَحْرِيم الْقِتَال فِيهَا، وَكَانَت الْعَرَب تعتقد ذَلِك. وَالثَّانِي: لِأَن تَعْظِيم انتهاك الْمَحَارِم فِيهَا أَشد من تَعْظِيمه فِي غَيرهَا. [١٥] قَوْله: " ذُو الْقعدَة " قَالَ ثَعْلَب: إِنَّمَا سموهُ ذَا الْقعدَة لأَنهم كَانُوا يَقْعُدُونَ فِيهِ؛ وسموه ذَا الْحجَّة لأَنهم كَانُوا يحجون فِيهِ. وَأما الْمحرم فلتحريمه، وَأما صفر فلأنهم كَانُوا يطْلبُونَ الْميرَة فِيهِ، يُقَال: صفر السقاء: إِذا لم يكن فِيهِ شَيْء. وربيع لأَنهم يربعون فِيهَا. وجمادى لِأَن المَاء يجمد فيهمَا. وَرَجَب من التَّعْظِيم، يُقَال: رجبه يرجبه: إِذا عظمه. [١٥] أما إِضَافَته إِلَى مُضر فلأنهم كَانُوا يعظمونه أَشد من بَقِيَّة الْعَرَب. [١٥] وَقَوله: " بَين جُمَادَى وَشَعْبَان " يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: التَّأْكِيد كَمَا قَالَ: " ابْن لبون ذكر ". وَالثَّانِي: لمَكَان مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من النسيء؛ فَإِن الْأَشْهر كَانَت تنْقَلب بالنسيء.
стр. 500
[١٥] قَالَ ثَعْلَب: وَسمي شعْبَان لأَنهم كَانُوا يتفرقون فِيهِ ويتشعبون. [١٥] قَوْله: وَأَعْرَاضكُمْ " أَي نفوسكم، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: عرض الرجل نَفسه، وَمن شتم عرض رجل فَإِنَّمَا ذكره فِي نَفسه بالسوء، وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ فِي أهل الْجنَّة: " لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَإِنَّمَا هُوَ عرق يجْرِي من أعراضهم مثل الْمسك " وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْعرض مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان، ذهب بِهِ أَبُو الْعَبَّاس إِلَّا أَن الْقَائِل إِذا ذكر عرض فلَان فَمَعْنَاه أُمُوره الَّتِي يرْتَفع أَو يسْقط بذكرها، وَمن جِهَتهَا يحمد أَو يذم، فَيجوز أَن تكون أموراً يذكر بهَا دون أسلافه، وَيجوز أَن يذكر أسلافه ليلحقه النَّقْص بعيبهم، لَا يعلم بَين أهل اللُّغَة خِلَافه إِلَّا مَا قَالَه ابْن قُتَيْبَة، فَإِنَّهُ أنكر أَن يكون الْعرض الأسلاف، وَزعم أَن عرض الرجل نَفسه، وَاحْتج بقوله ﵇: " وَإِنَّمَا هُوَ عرق يجْرِي من أعراضهم " قَالَ: مَعْنَاهُ من أبدانهم، وَاحْتج بقول أبي الدَّرْدَاء: أقْرض من عرضك ليَوْم فقرك. قَالَ مَعْنَاهُ: من نَفسك بِأَن لَا تذكر من ذكرك. وَاحْتج بِحَدِيث أبي ضَمْضَم: اللَّهُمَّ إِنِّي قد تَصَدَّقت بعرضي، قَالَ: مَعْنَاهُ: بنفسي وأحللت من اغتابني. قَالَ: فَلَو كَانَ الْعرض الأسلاف مَا جَازَ لَهُ أَن يحل من سبّ الْمَوْتَى، لِأَن ذَلِك إِلَيْهِم لَا إِلَيْهِ. وَمِمَّا يدل على ذَلِك قَول حسان:
стр. 501
(فَإِن أبي ووالده وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء)
[١٥] قَالَ أَبُو بكر: فَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة وَاضح الْخَطَأ؛ أَلا ترى قَول مِسْكين الدَّارمِيّ:
(رب مهزول سمين عرضه ... وسمين الْجِسْم مهزول الْحسب)
[١٥] فَلَو كَانَ الْعرض الْبدن والجسم على مَا ادّعى لم يكن مِسْكين ليقول: " رب سمين عرضه " إِذْ كَانَ مستحيلاً أَن يَقُول الْقَائِل: رب مهزول سمين جِسْمه، لِأَنَّهُ متناقض، وَإِنَّمَا أَرَادَ: رب مهزول جِسْمه كَرِيمَة أَفعاله. فَأَما الحَدِيث الَّذِي احْتج بِهِ فِي صفة أهل الْجنَّة فَقَالَ الْأمَوِي: الْأَعْرَاض: المغابن، وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي تعرق من الْجَسَد وَقَول أبي الدَّرْدَاء: أقْرض من عرضك، مَعْنَاهُ: من عابك وَذكر أسلافك فَلَا تجاره. وَكَذَلِكَ قَول أبي ضَمْضَم مَعْنَاهُ: قد تَصَدَّقت على من ذَكرنِي أَو ذكر أسلافي بِمَا يرجع إِلَيّ عَيبه، وَلم يرد أَنه أحله من أسلافه، لكنه إِذا ذكر آباءه لحقه بذكرهم نقيصة فأحله مِمَّا أوصل إِلَيْهِ من الْأَذَى، فَأَما حسان فَإِنَّهُ أَرَادَ بقوله: وعرضي: جَمِيع أسلافي الَّذين أمدح وأذم من جهتهم؛ يدل عَلَيْهِ قَول النَّبِي ﷺ : " فَإِن دماءكم وَأَعْرَاضكُمْ " فَلَو كَانَ الْعرض هُوَ النَّفس كَانَ ذكر الدَّم كَافِيا. وَقَوله: " أَلا هَل بلغت؟ " أَلا كلمة يُنَبه بهَا الْمُخَاطب. وَهل بِمَعْنى قد، كَقَوْلِه: ﴿هَل أَتَاك حَدِيث مُوسَى﴾ [النازعات: ١٥] .
стр. 502
[١٥] وَقَوله: " يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض " قَالَ لنا ابْن الخشاب: قد قَالَه قوم يضْرب بجزم الْبَاء، وَالصَّحِيح يضْرب بِالرَّفْع. [١٥] وَقَوله: انكفأ إِلَى كبشين. أَي رَجَعَ. والأملح: الَّذِي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد، غير أَن الْبيَاض فِيهِ أَكثر، قَالَ الشَّاعِر:
(لكل دهر قد لبست أثوابا ... )
(حَتَّى اكتسى الرَّأْس قناعا أشيبا ... )
(أَمْلَح لَا لذا وَلَا محببا ... )
والجزيعة: الْقطعَة من الْغنم. [١٥] قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذِه الزِّيَادَة - يَعْنِي ذكر الكبشين والجزيعة من الْغنم - وهم من ابْن عون فِيمَا يُقَال، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْن سِيرِين عَن أنس، وَلم يخرج البُخَارِيّ هَذِه الزِّيَادَة لذَلِك. وَالله أعلم. [١٥] وَقَوله: مَا بهشت لَهُم. أَي مَا دافعتهم وَلَا قاتلتهم. وأصل البهش من الْحَرَكَة والانزعاج. وَهَذَا قَالَه أَبُو بكرَة يَوْم حرق ابْن الْحَضْرَمِيّ، وَهَذَا هُوَ عبد الله بن عَامر بن الْحَضْرَمِيّ، وَقيل: عبد الله بن عَمْرو. وَقَالَ أَبُو عبيد: وَجه مُعَاوِيَة عبد الله بن عَامر الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْبَصْرَة يَدْعُو أَهلهَا إِلَى بيعَته، فَنزل مربعة
стр. 503
الْأَحْنَف، فَبعث إِلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ جَارِيَة بن قدامَة، فَسَار إِلَيْهِ فِي خيله، فالتجأ ابْن عَامر إِلَى دَار وَمَعَهُ سَبْعُونَ رجلا، فَأمر جَارِيَة، فأشعلت النَّار فِي الدَّار، فَاحْتَرَقَ ابْن عَامر وَمن مَعَه، وَكَانَ مَعَ ابْن الْحَضْرَمِيّ فِي الدَّار عبد الله ابْن خازم السّلمِيّ، فَأَتَتْهُ أمه عجلى فَقَالَت: لتنزلن أَو لألقين رِدَائي، فَلم يفعل، فَأَلْقَت رداءها، ثمَّ قَالَت: لتنزلن أَو لألقين خماري، فَلم يفعل، فألقته ثمَّ قَالَت: لتنزلن أَو لألقين إزَارِي فَنزل، فَأخذت بناصيته تجره وَهِي تَقول:
(الله نجاك فشكرا شكرا ... )
(من حر نَار سعروها سعرا ... )
(طُوبَى لأم زفرتك زفرا ... )
(لَو كنت تجزيها بشفع وترا ... )
(مَا نلْت من دنياك عَيْشًا مرا ... )
[١٥] فلقيها رجل وَهِي تسوقه فَقَالَ: أتفعلين هَذَا بِسَيِّد الْعَرَب؛ فَقَالَ: دعها، فَإِنَّهَا وَالِدَة.
٤٧٥ - / ٥٧٨ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " شهرا عيد لَا ينقصان: رَمَضَان وَذُو الْحجَّة ". [١٥] أما الْعِيد فَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد الْعِيد كل يَوْم يجمع، كَأَنَّهُمْ عَادوا إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: سمي عيدا لِأَنَّهُ عود من
стр. 504
التَّرَحِ إِلَى الْفَرح. [١٥] وَأما رَمَضَان فَقَالَ ابْن فَارس: الرمض: حر الْحِجَارَة من شدَّة حر الشَّمْس. وَلما نقلوا أَسمَاء الشُّهُور من اللُّغَة الْقَدِيمَة سَموهَا بالأزمنة الَّتِي وَقعت فِيهَا، فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْر أَيَّام رمض الْحر، وَيجمع على رمضانات وأرمضاء. [١٥] فَإِن قيل: كَيفَ سمي رَمَضَان شهر عيد، وَإِنَّمَا الْعِيد فِي شَوَّال؟ [١٥] فقد أجَاب عَنهُ الْأَثْرَم بجوابين: أَحدهمَا: أَنه قد يرى هِلَال شَوَّال بعد الزَّوَال فِي آخر يَوْم من شهر رَمَضَان. وَالثَّانِي: أَنه لما قرب الْعِيد من الصَّوْم أَضَافَهُ إِلَيْهِ، وَالْعرب تسمي الشَّيْء باسم الشَّيْء إِذا قرب مِنْهُ. [١٥] وَفِي معنى قَوْله: " لَا ينقصان " أَرْبَعَة أَقْوَال: [١٥] أَحدهَا: أَن الْكَلَام خرج على الْغَالِب، وَالْغَالِب أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّقْص إِن كَانَ أَحدهمَا تسعا وَعشْرين كَانَ الآخر ثَلَاثِينَ. قَالَ الْأَثْرَم: كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يذهب إِلَى هَذَا. [١٥] وَالثَّانِي: أَن المُرَاد تَفْضِيل الْعَمَل فِي عشر ذِي الْحجَّة وَأَنه لَا ينقص من الْأجر عَن شهر رَمَضَان. وَالثَّالِث: أَن النَّاس لما كَانَ يكثر اخْتلَافهمْ فِي هذَيْن الشَّهْرَيْنِ لأجل عيدهم وحجهم، أعلمهم ﷺ أَن الشَّهْرَيْنِ - وَإِن نقصت أعدادهما فحكمهما على التَّمام والكمال فِي حكم الْعِبَادَة، لِئَلَّا يَقع فِي الْقُلُوب شكّ إِذا صَامُوا تِسْعَة وَعشْرين، أَو وَقع وقوفهم خطأ فِي
стр. 505
الْحَج فَبين أَن الثَّوَاب تَامّ وَإِن نقص الْعدَد، وَالْمعْنَى: لَا ينقص أجر من صامهما، ذكرهن أَبُو سُلَيْمَان البستي. [١٥] وَالرَّابِع: أَن الْإِشَارَة بِهَذَا كَانَت إِلَى سنة مَعْلُومَة، ذكره أَبُو بكر بن فورك.
٤٧٦ - / ٥٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أمرنَا أَن نشتري الْفضة بِالذَّهَب كَيفَ شِئْنَا، ونشتري الذَّهَب بِالْفِضَّةِ كَيفَ شِئْنَا، فَسَأَلَهُ رجل فَقَالَ: يدا بيد؟ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعت. [١٥] اعْلَم أَن الرِّبَا على ضَرْبَيْنِ: رَبًّا الْفضل، وَربا النَّسِيئَة. وَقد سبق الْكَلَام فِي رَبًّا النَّسِيئَة فِي مُسْند عمر ﵇، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي رَبًّا الْفضل فِي مُسْند عبَادَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، لِأَن هُنَاكَ أليق بِهِ.
٤٧٧ - / ٥٨٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر؟ الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين " وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ فَقَالَ: " أَلا وَقَول الزُّور، وَشَهَادَة الزُّور " فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا: ليته سكت. [١٥] إِن قَالَ قَائِل: كَيفَ بَدَأَ بالشرك فِي هَذَا الحَدِيث وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُتَقَدّم ثمَّ ثنى هُنَاكَ بقتل الْوَلَد، فثلث بِالزِّنَا، وثنى هُنَا بعقوق الْوَالِدين وَثلث بِشَهَادَة الزُّور، وسمى هَذِه أكبر الْكَبَائِر، وَمَعْلُوم أَن الْقَتْل وَالزِّنَا أعظم من العقوق وَشَهَادَة الزُّور؟
стр. 506
[١٥] فَالْجَوَاب: أَنه كَأَنَّهُ ﵇ ذكر لكل قوم مَا يخَاف أَن يصدر مِنْهُم أَكثر من غَيره، كَمَا قَالَ لبَعْضهِم: " لَا تغْضب " كَأَنَّهُ أحس مِنْهُ بِشدَّة الْغَضَب. وَيحْتَمل أَن يكون اقْتصر فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود على الذُّنُوب الَّتِي بَين العَبْد وَبَين ربه، وَذكر هَاهُنَا بعد الشّرك مَا يتَعَلَّق بالآدمي وجنسه. [١٥] فَإِن قيل: فَكيف عظم شَهَادَة الزُّور بتفخيم أمرهَا وتكرار ذكرهَا والشرك أعظم؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَن تَعْظِيم أَمر الشّرك قد عرف، فَأَرَادَ تَعْظِيم مَا لَا يعرف قدر وقعه، فكرر، كَمَا أَكثر ذكر عيب قوم لوط بالفاحشة، وَقوم شُعَيْب بالتطفيف، وَإِن كَانَ الشّرك أعظم. [١٥] وَاعْلَم أَن قبُول قَول الشَّاهِد إِنَّمَا كَانَ لما يظْهر من دينه وصلاحه، وَذَاكَ من ستر الله عَلَيْهِ وإنعامه، فَإِذا شهد بالزور قَابل النِّعْمَة بالكفران وبارز السَّاتِر، ثمَّ ضم إِلَى هَذَا اقتطاع المَال الْحَرَام، فَصَارَ قَوْله سَببا لنقض حكم الشَّرِيعَة من اخْتِصَاص صَاحب المَال بِمَالِه، فَلذَلِك عظم الْأَمر. [١٥] وَأما قَوْله: " حَتَّى قُلْنَا ليته سكت "، فلأنهم علمُوا أَن تكراره لذَلِك يُوجب تَعْظِيم هَذَا الذَّنب، وَقد عرفُوا أَن هَذِه الذلة تقع بِبَعْض الْمُسلمين، فأحبوا تيسير الْأَمر.
٤٧٨ - / ٥٨١ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أثنى رجل عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " وَيلك، قطعت عنق صَاحبك " ثمَّ قَالَ: " من كَانَ مادحا أَخَاهُ لَا
стр. 507
محَالة فَلْيقل: أَحسب فلَانا، وَالله حسيبه، وَلَا أزكي على الله أحدا ". [١٥] معنى الحَدِيث: أَنَّك عرضت صَاحبك للهلاك بمدحك إِيَّاه، لِأَن الْمَدْح يُحَرك إِلَى الْإِعْجَاب بِالنَّفسِ، وَالْكبر. [١٥] وَقَوله: " وَالله حسيبه " أَي محاسبه على أَعماله، فَإِن شَاءَ عاقبه بذنوبه. وَقد سبق الْكَلَام فِي الْمَدْح فِي مُسْند أبي مُوسَى.
٤٧٩ - / ٥٨٢ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " لَا يحكم أحد بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان ". [١٥] الْغَضَب: غليان دم الْقلب طلبا للانتقام، وَذَلِكَ يخرج الطَّبْع عَن حد الِاعْتِدَال، وَمن قد عجز عَن الحكم لعقله على هَوَاهُ عجز عَن الحكم لغيره، وَقد كَانَت الْعَرَب تَقول: الْغَضَب غول الْعقل. يعنون أَنه يغوله وَيذْهب بِهِ. وَفِي معنى الْغَضَب الْجُوع وَالْمَرَض وكل مَا يخرج عَن الِاعْتِدَال.
٤٨٠ - / ٥٨٣ وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " أَرَأَيْتُم إِن كَانَ جُهَيْنَة وَمُزَيْنَة وَأسلم وغفار خيرا من بني تَمِيم وَبني أَسد وَبني غطفان " قَالُوا: خابوا وخسروا. قَالَ: " فَإِنَّهُم خير مِنْهُم ". [١٥] هَذِه الْقَبَائِل المفضولة كَانَت نَاقِصَة الْقدر عِنْد الْعَرَب، ففضلت بِالْإِسْلَامِ على من كَانَ أفضل مِنْهَا
٤٨١ - / ٥٨٤ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: " إِذا التقى المسلمان بسيفيهما
стр. 508
فالقاتل والمقتول فِي النَّار ". [١٥] قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: هَذَا إِنَّمَا يكون فِي اللَّذين يقتتلان على غير تَأْوِيل، بل على عَدَاوَة أَو عصبية أَو طلب دنيا، فَأَما من قَاتل أهل الْبَغي فَقتل أَو دفع عَن نَفسه فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد؛ لِأَنَّهُ مَأْمُور بالذب عَن نَفسه غير قَاصد قتل صَاحبه، أَلا ترَاهُ يَقُول: " إِنَّه كَانَ حَرِيصًا على قتل صَاحبه ". [١٥] وَقَوله: " فهما فِي جرف جَهَنَّم " الجرف جَانب الْوَادي الَّذِي يتجرف بالسيل، أَي يتهدم أَو يخَاف عَلَيْهِ ذَلِك.
٤٨٢ - / ٥٨٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] إِن أَبَا بكرَة انْتهى إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ رَاكِع فَرَكَعَ قبل أَن يصل إِلَى الصَّفّ، فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ: " زادك الله حرصا، وَلَا تعد ". [١٥] ظَاهر هَذَا الحَدِيث النَّهْي عَن صَلَاة الْفَذ، وَمن صلى وَلم يعلم بِالنَّهْي أعلم وَصحت صلَاته، فَإِن علم وَصلى فَذا لم تصح، وَهَذَا قَول سعيد بن جُبَير، وَالنَّخَعِيّ، وَالْحسن بن صَالح، وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه، وَأحمد بن حَنْبَل، خلافًا للأكثرين.
стр. 509
٤٨٣ - / ٥٨٧ وَقد ذكرنَا الحَدِيث الثَّالِث فِي مُسْند أبي مُوسَى، إِلَّا أَن صفة صَلَاة الْكُسُوف تَأتي فِي مُسْند ابْن عَبَّاس إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٤٨٤ - / ٥٨٨ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " لَا يفلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة ". [١٥] سَبَب قَول رَسُول الله هَذَا أَنه لما قتل شيرويه أَبَاهُ كسْرَى لم يملك سوى ثَمَانِيَة أشهر، وَيُقَال سِتَّة أشهر، ثمَّ هلك فَملك بعده ابْنه أردشير، وَكَانَ لَهُ سبع سِنِين فَقتل، فملكت بعده بوران بنت كسْرَى، فَبلغ هَذَا رَسُول الله، فَقَالَ: " لن يفلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة ". وَكَذَلِكَ كَانَ، فَإِنَّهُم لم يستقم لَهُم أَمر. [١٥] والفلاح: الْفَوْز بالمطلوب، وَالتَّدْبِير يحْتَاج إِلَى كَمَال الرَّأْي، وَنقص الْمَرْأَة مَانع. [١٥] وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن الْمَرْأَة لَا تلِي الْإِمَارَة وَلَا الْقَضَاء وَلَا عقد النِّكَاح.
٤٨٥ - / ٥٨٩ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: اسْتقْبل الْحسن بن عَليّ مُعَاوِيَة بكتائب أَمْثَال الْجبَال. [١٥] الْكَتَائِب جمع كَتِيبَة: وَهِي الْقطعَة المجتمعة من الْجَيْش.
стр. 510
والأقران جمع قرن. [١٥] وَقَوله: قد عاثت فِي دمائها. أَي أفسدت وتجاوزت. والعيث: الْفساد. [١٥] وَقَوله: " إِن ابْني هَذَا سيد " السَّيِّد الرئيس الَّذِي يفوق قومه. قَالَ الْخطابِيّ: اشتقاقه من السوَاد: أَي هُوَ الَّذِي يَلِي السوَاد الْعَظِيم وَيقوم بشأنهم. [١٥] والفئة: الْجَمَاعَة. قَالَ الزّجاج: هُوَ من فأوت رَأسه بالعصا، وفأيت: إِذا شققته. [١٥] وَقد بَان صدق رَسُول الله ﷺ فِي مصالحة الْحسن مُعَاوِيَة.
٤٨٦ - / ٥٩٠ وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم: " تكون فتْنَة الْقَاعِد خير من الْمَاشِي فِيهَا، والماشي فِيهَا خير من السَّاعِي ". [١٥] الْمَشْي دون السَّعْي. [١٥] وَقَوله: " يعمد إِلَى سَيْفه فَيدق على حَده " كِنَايَة عَن ترك الْقِتَال، لِأَنَّهُ إِذا فعل هَذَا بِسَيْفِهِ لم يُقَاتل. [١٥] وَقَوله: " يبوء بإثمه ": أَي يرجع بإثمه فِيمَا اجترأ عَلَيْك، " وبإثمك " فِيمَا ارْتَكَبهُ فِي قَتلك.
стр. 511
(٢٧) كشف الْمُشكل من مُسْند بُرَيْدَة بن الْحصيب
[١٥] لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه بُرَيْدَة سوى هَذَا. وَفِي الصحابيات امْرَأَة اسْمهَا بُرَيْدَة بنت بشر بن الْحَارِث، لَيْسَ فِي الصحابيات من اسْمهَا بُرَيْدَة سواهَا. [١٥] وَجُمْلَة مَا روى بُرَيْدَة عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَسَبْعَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة عشر حَدِيثا.
٤٨٧ - / ٥٩١ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَوْله: غزا رَسُول الله ﷺ سِتّ عشرَة غَزْوَة. وَفِي رِوَايَة: تسع عشرَة غَزْوَة، قَاتل مِنْهُنَّ فِي ثَمَان. [١٥] كَانَ بُرَيْدَة يُشِير إِلَى مَا شَاهد من الْغَزَوَات؛ لِأَنَّهُ لَقِي رَسُول الله فِي طَرِيق الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة فَأسلم، وَلم يقدم عَلَيْهِ حَتَّى مَضَت بدر وَأحد. وعَلى مَا سَاقه مُحَمَّد بن سعد فِي " الطَّبَقَات ": غزوات رَسُول الله سبع وَعِشْرُونَ، وسراياه سِتّ وَخَمْسُونَ. وَفِي رِوَايَة أَن السَّرَايَا سبع وَأَرْبَعُونَ، وَالَّذِي قَاتل فِيهِ رَسُول الله من الْغَزَوَات: بدر، وَأحد، والمريسيع،
стр. 512
وَالْخَنْدَق، وَقُرَيْظَة، وخيبر، وَالْفَتْح، وحنين، والطائف. قَالَ ابْن سعد: هَذَا الَّذِي اجْتمع لنا عَلَيْهِ، وَفِي بعض الرِّوَايَات أَنه قَاتل فِي بني النَّضِير، وَفِي غزَاة وَادي الْقرى مُنْصَرفه من خَيْبَر، وَفِي الغابة.
٤٨٨ - / ٥٩٢ وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] أَن رَسُول الله بعث عليا إِلَى خَالِد يَعْنِي إِلَى الْيمن ليقْبض الْخمس، فاصطفى عَليّ مِنْهَا سبية، فَأصْبح وَقد اغْتسل، فَقلت لخَالِد: أَلا ترى إِلَى هَذَا؟ . وَتَمام هَذَا الحَدِيث فِي غير هَذِه الرِّوَايَة: وَكنت أبْغض عليا، فَلَمَّا قدمنَا على النَّبِي ﷺ ذكرت لَهُ ذَلِك فَقَالَ: " يَا بُرَيْدَة أتبغض عليا؟ " فَقلت: نعم. فَقَالَ: " لَا تبْغضهُ، فَإِن لَهُ فِي الْخمس أَكثر من ذَلِك ". [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث إِشْكَال من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: كَيفَ جَازَ لعَلي ﵇ أَن يصطفي لنَفسِهِ مِمَّا لم يقسم؟ وَالثَّانِي: كَيفَ جَازَ لَهُ أَن يطَأ من غير اسْتِبْرَاء؟ . وَالثَّالِث: كَيفَ فعل هَذَا وَقد علم غضب النَّبِي ﷺ لما خطب على فَاطِمَة؟ وَالرَّابِع: كَيفَ يجوز لبريدة أَن يبغض عليا، وَمَا وَجه هَذَا البغض؟ [١٥] وَالْجَوَاب: أما الأول فَاعْلَم أَن كثيرا من الْأَحَادِيث تروى مبتورة
стр. 513
فَيَقَع الْإِشْكَال لذَلِك، وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث مُبينًا من طَرِيق آخر: قَالَ بُرَيْدَة: كنت فِي جَيش فغنموا، فَبعث أَمِير الْجَيْش إِلَى رَسُول الله أَن ابْعَثْ من يخمسها، فَبعث عليا وَفِي السَّبي وصيفة من أفضل السَّبي وَقعت فِي الْخمس، ثمَّ خمس فَصَارَت فِي أهل بَيت النَّبِي ﷺ ، ثمَّ خمس فَصَارَت فِي آل عَليّ ﵇. فقد كشف هَذَا الحَدِيث الْحَال، وَأَنه أَمر عليا بِقَبض الْخمس وقسمته وَقبض حَقه مِنْهُ، فعلى هَذَا مَا تصرف إِلَّا بعد الْقِسْمَة. [١٥] وَأما الْإِشْكَال الثَّانِي: فَجَوَابه من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن عليا ﵇ اصْطفى تِلْكَ السبية وَأصْبح يَوْمًا من الْأَيَّام وَقد اغْتسل لَا من وَطئهَا، فظنوا أَنه من وَطئهَا. وَالثَّانِي: أَن يكون من وَطئهَا وَلَا يكون ذَلِك الإصباح عقيب سبيهَا. بل لما استبرأها. [١٥] وَالثَّالِث أَن تكون غير بَالِغَة، وَقد ذهب جمَاعَة من الْعلمَاء إِلَى أَن غير البوالغ لَا يستبرأن، مِنْهُم الْقَاسِم بن مُحَمَّد، وَمِنْهُم اللَّيْث بن سعد، وَأَبُو يُوسُف، وَكَانَ أَبُو يُوسُف لَا يرى اسْتِبْرَاء الْعَذْرَاء وَإِن كَانَت بَالِغَة، فَيحْتَمل أَن تكون تِلْكَ الوصيفة عذراء. [١٥] وَأما الْإِشْكَال الثَّالِث: فَجَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون هَذَا قبل مَا جرى من خطبَته جوَيْرِية بنت أبي جهل وإنكار رَسُول الله تِلْكَ الْحَالة. وَالثَّانِي: أَن وَطْء سبية لموْضِع الْحَاجة فِي السّفر لَا يكون كاتخاذ زَوْجَة. [١٥] وَأما الْإِشْكَال الرَّابِع: فَإِن الْإِنْسَان إِذا رأى من يفعل شَيْئا لَا يفهمهُ
стр. 514
أبغضه لذَلِك، وَهَذَا مَنْسُوب إِلَى سوء الْفَهم أَيْضا، فَكَأَنَّهُ كَانَ يرى من أَفعاله مَالا يعلم مَعْنَاهُ فَيبْغضهُ لذَلِك:
(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم)
[١٥] وَقد بلغنَا أَن رجلا من كبار الْعلمَاء تزوج امْرَأَة ثمَّ طَلقهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي بَقِيَّة تِلْكَ اللَّيْلَة دخل عَلَيْهَا فَوَطِئَهَا، وَكَانَ يرى أَن وَطْء الرَّجْعِيَّة مُبَاح، وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْعلمَاء، على أَنه يُمكن أَن يكون أشهد على ارتجاعها حِينَئِذٍ وَهِي لَا تعلم، فَأخْبرت تِلْكَ الْمَرْأَة ولدا لَهَا وَقَالَت: مَا هَذَا بِمُسلم؛ لِأَنَّهُ طَلقنِي ثمَّ وطئني. فَقَالَ الْوَلَد: أَنا أحتال فِي قَتله، فَقدر الله أَن علم بِالْحَال فَقِيه، فَأَخْبرهُمَا بِجَوَاز ذَلِك، فَهَذَا مِمَّا يلاقي أهل الْعلم مِمَّن لَا يعرفهُ.
٤٨٩ - / ٥٩٣ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: بَكرُوا بِصَلَاة الْعَصْر. أَي قدموها فِي أول الْوَقْت.
٤٩٠ - / ٥٩٤ وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها ". [١٥] إِنَّمَا نَهَاهُم لأَنهم كَانُوا إِذا زاروا الْقُبُور رُبمَا ذكرُوا محَاسِن الْآبَاء على عَادَة الْجَاهِلِيَّة، وَكن النِّسَاء يندبن ويبكين، فَنهى الْكل، ثمَّ أطلق الرِّجَال بعد معرفتهم بآداب الْإِسْلَام وَبقيت الْكَرَاهِيَة للنِّسَاء لضعفهن عَن التماسك.
стр. 515
[١٥] وَقَوله: " نَهَيْتُكُمْ عَن لُحُوم الْأَضَاحِي " فَإِن ذَلِك ذَلِك كَانَ لسَبَب سَيَأْتِي ذكره فِي مُسْند عَائِشَة ﵍. [١٥] وَقَوله: " فَاشْرَبُوا فِي الأسقية " الأسقية: الأوعية الَّتِي يَجْعَل فِيهَا المَاء، وَلَا تكون إِلَّا من جُلُود، والظروف أَعم لِأَنَّهَا تكون للْمَاء وللنبيذ وَغَيرهمَا، وكل شَيْء جعلت فِيهِ شَيْئا فَهُوَ ظرف لَهُ ووعاء. [١٥] وَفِي قَوْله: " كل مُسكر حرَام " دَلِيل على تَحْرِيم النَّبِيذ.
٤٩١ - / ٥٩٦ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَن ماعزا أقرّ بِالزِّنَا، فَأرْسل إِلَى قومه: " أتعلمون بعقله بَأْسا؟ أتنكرون مِنْهُ شَيْئا؟ " فَقَالُوا: مَا نعلمهُ إِلَّا وَفِي الْعقل. فَلَمَّا أقرّ أَرْبعا حفروا لَهُ حُفْرَة، ثمَّ أَمر بِهِ فرجم، فَجَاءَت الغامدية فَردهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَت فَقَالَ: لَعَلَّك أَن تردني كَمَا رددت ماعزا، فو الله إِنِّي لحبلى. فَقَالَ: " إِمَّا لَا فاذهبي حَتَّى تلدي ". [١٥] قد سبق الْخلاف فِي عدد الْإِقْرَار فِي مُسْند جَابر بن سَمُرَة. [١٥] والوفي الْعقل: الْكَامِل. [١٥] وَقَوله: " إِمَّا لَا " قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الْعَوام يَقُولُونَ أما لي بِفَتْح الْألف وَاللَّام وتسكين الْيَاء، وَالصَّوَاب إِمَّا لَا بِكَسْر الْألف وَبعدهَا لَا، وَأَصله: إِلَّا يكن ذَلِك الْأَمر فافعل هَذَا، وَمَا زَائِدَة وأنشدني أَبُو زَكَرِيَّا
(أمرعت الأَرْض لَو أَن مَالا ... )
стр. 516
(لَو أَن نوقا لَك أَو جمالا ... )
(أَو ثلة من غنم إِمَّا لَا ... )
[١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث أَنه حفر لماعز. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي سعيد أَنه قَالَ فِي مَاعِز: مَا أوثقناه وَلَا حفرنا لَهُ، وَظَاهر كَلَام أَحْمد يدل على أَنه لَا يحْفر فِي حد الرَّجْم لَا للرجل وَلَا للْمَرْأَة، وَقد اخْتلف كَلَام القَاضِي أبي يعلى، فَذكر فِي كِتَابه " الْمُجَرّد " إِن ثَبت الْحَد على الْمَرْأَة بِالْإِقْرَارِ لم يحْفر لَهَا، وَإِن ثَبت بِالْبَيِّنَةِ حفر لَهَا إِلَى الصَّدْر، وَهُوَ اخْتِيَار صَاحِبيهِ أبي الْوَفَاء بن عقيل وَأبي الْخطاب. وَقَالَ فِي كِتَابه " الْخلاف ": لَا يحْفر لَهَا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يحْفر للْمَرْأَة، وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَنَّهَا عَورَة. وَالْوَجْه فِي ترك الْحفر أَنه كالربط والشد، وَلَا يُمكن مَعَه الْهَرَب. قَالَ ابْن عقيل: فَإِذا شرعنا فِي إِقَامَة الْحَد على الزَّانِي فهرب من ألم الْحِجَارَة، فَهَل يتبع بِالرَّجمِ أَو يتْرك؟ ينظر، فَإِن كَانَ حَده ثَبت بِإِقْرَارِهِ ترك، لِأَن الْهَرَب نوع رُجُوع، وَإِن كَانَ ثَبت بِالْبَيِّنَةِ أتبع فرجم إِلَى أَن تزهق نَفسه. [١٥] والغامدية كَانَت من غامد. [١٥] وَصَاحب المكس: العشار الَّذِي كَانَ يَأْخُذ من الْمُسلمين عشر أَمْوَالهم لَا على وَجه الزَّكَاة، بل على وَجه التَّعَدِّي. والمكس: الانتقاص، وَمِنْه المماكسة، فَكَأَن العشار ينتقص الْأَمْوَال
стр. 517
[١٥] وَمعنى فاستنكهه: شم ريح فَمه، والنكهة: ريح الْفَم، وَكَأَنَّهُ ظن أَنه سَكرَان لأجل إِقْرَاره بِمَا يُوجب الْحَد. [١٥] وَقَوله: " أحاطت بِهِ خطيئته " ذكر فِيهِ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أحاطت بحسناته: أَي أحبطتها، لِأَن الْمُحِيط أَكثر من المحاط بِهِ، فَيكون كَقَوْلِه: ﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ [التَّوْبَة: ٤٩] وَقَوله: ﴿أحَاط بهم سرادقها﴾ [الْكَهْف: ٢٩] وَالثَّانِي: أحاطت بِهِ: أهلكته، كَقَوْلِه: ﴿إِلَّا أَن يحاط بكم﴾ [يُوسُف: ٦٦] . [١٥] وَقد ذكرنَا فِيمَا تقدم أَن كتمان الْمعاصِي أفضل من إظهارها، غير أَن ماعزا والغامدية لم يعلمَا بذلك، وَغلب عَلَيْهِمَا خوف الله وَالْغَضَب على النَّفس فِي إقدامها على الْمنْهِي، فَأَسْلمَا أَنفسهمَا إِلَى الْحَد، وَذَلِكَ من أحسن التَّوْبَة وأصحها.
٤٩٢ - / ٥٩٧ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن امْرَأَة قَالَت: كَانَ على أُمِّي صَوْم شهر، قَالَ: " صومي عَنْهَا ". [١٥] ظَاهر هَذَا أَنه كَانَ عَلَيْهَا نذر، وَعِنْدنَا أَن الْوَلِيّ يَصُوم عَن النَّاذِر، فَأَما إِذا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاء رَمَضَان واتسع الْوَقْت لقضائه فَلم يقضه فعندنا يطعم عَنهُ وَلَا يصام. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَدَاوُد: لَا يصام وَلَا يطعم عَنهُ لَا فِي النذور وَلَا فِي قَضَاء رَمَضَان إِلَّا أَن يُوصي بذلك. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد: يطعم عَنهُ فيهمَا. وَفِي الْقَدِيم: يصام فيهمَا.
стр. 518
[١٥] وَقَوله: " حجي عَنْهَا " دَلِيل على أَن الْحَج لَا يسْقط بِالْمَوْتِ، وَالْمعْنَى: افعلي مَا لَزِمَهَا، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يسْقط إِلَّا أَن يُوصي بِهِ الْمَيِّت. وَعِنْدنَا أَنه إِذا مَاتَ من عَلَيْهِ فرض الْحَج لزم الْوَرَثَة أَن يحجوا عَنهُ من صلب مَاله، من دويرة أَهله، سَوَاء أوصى بذلك أم لم يوص. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يلْزمهُم إِلَّا أَن يُوصي. قَالَ الشَّافِعِي: يحجّ عَنهُ من الْمِيقَات، وَهَذَا الْحَج على مَا وَصفنَا بقع عَن المحجوج عَنهُ فِي مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يَقع عَن الْحَاج، وللمحجوج عَنهُ ثَوَاب النَّفَقَة.
٤٩٣ - / ٥٩٨ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أَن النَّبِي ﷺ صلى الصَّلَوَات يَوْم الْفَتْح بِوضُوء وَاحِد، وَقَالَ: " عمدا صَنعته ". [١٥] كَانَ من عَادَته ﵇ الْوضُوء لكل صَلَاة إيثاراً للمستحب، فَفعل هَذَا ليبين أَنه جَائِر.
٤٩٤ - / ٥٩٩ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَن رجلا نَشد فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: من دَعَا إِلَى الْجمل الْأَحْمَر: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " لَا وجدت ". [١٥] نَشد الرجل الضَّالة بِمَعْنى طلبَهَا: وأنشدها بِمَعْنى عرفهَا، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: " وَلَا وجدت " لترك احترامه الْمَسْجِد، وَالْمَسْجِد إِنَّمَا بني لذكر الله وَطلب الْآخِرَة لَا لأمور الدُّنْيَا، وَقد كَانَ يَنْبَغِي لهَذَا أَن ينشد ضالته على بَاب الْمَسْجِد لَا فِيهِ.
стр. 519
٤٩٥ - / ٦٠٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: أبرد بِالظّهْرِ، وَصلى الْمغرب قبل أَن يغيب الشَّفق، وأسفر بِالْفَجْرِ. [١٥] أبرد بِالظّهْرِ: أَخّرهَا حَتَّى خف الْحر. والشفق: الْحمرَة. وأسفر: أخر الصَّلَاة حَتَّى أَضَاء الصُّبْح.
٤٩٦ - / ٦٠١ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: " السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين ". [١٥] كَانَ شَيخنَا أَبُو الْفضل بن نَاصِر يَقُول إِذا دخل الْمَقَابِر: عَلَيْكُم السَّلَام أهل دَار قوم مُؤمنين، وَلَا يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم، لحَدِيث رَوَاهُ جَابر بن سليم الهُجَيْمِي: أتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت: عَلَيْك السَّلَام يَا رَسُول الله. فَقَالَ: " لَا تقل عَلَيْك السَّلَام، فَإِنَّهَا تَحِيَّة الْمَيِّت " فَتوهم الشَّيْخ لأجل هَذَا الحَدِيث أَن السّنة فِي تَحِيَّة الْمَيِّت أَن يُقَال عَلَيْك السَّلَام، وَترك الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ بُرَيْدَة وَأَبُو هُرَيْرَة، وَفِيه دَلِيل على أَن سنة السَّلَام لَا تخْتَلف فِي تَحِيَّة الْأَحْيَاء والأموات، وَإِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ للهجيمي إِشَارَة إِلَى مَا جرت بِهِ الْعَادة مِنْهُم فِي تَحِيَّة الْأَمْوَات، فَإِنَّهُم كَانُوا يقدمُونَ اسْم الْمَيِّت على الدُّعَاء وَهُوَ مَذْكُور فِي أشعارهم، قَالَ الشماخ:
(عَلَيْك سَلام من أَمِير وباركت ... يَد الله فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق)
стр. 520
وَقَالَ آخر:
(عَلَيْك سَلام الله قيس بن عَاصِم ... وَرَحمته مَا شَاءَ أَن يترحما)
[١٥] فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّمَا يُقَال إِن شَاءَ الله فِي الْأَمر المظنون، وَقد وَقع الْيَقِين بِالْمَوْتِ، فَمَا وَجه قَوْله: " وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ". [١٥] فَالْجَوَاب: من أَرْبَعَة أوجه: [١٥] أَحدهمَا: أَن استثناءه وَقع على الْبِقَاع، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن يَمُوت، فِي هَذِه الْبقْعَة أَو فِي غَيرهَا، رَوَاهُ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن هَانِئ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. [١٥] وَالثَّانِي: أَنه لما قيل لَهُ: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ [الْكَهْف: ٢٣، ٢٤] صَارَت هَذِه الْكَلِمَة هجيراه فِي الْمُتَيَقن والمظنون، وَهَذِه الْكَلِمَة لما أهمل ذكرهَا سُلَيْمَان ﵇ فِي قَوْله: " لأطوفن اللَّيْلَة على مائَة امْرَأَة تَلد كل امْرَأَة غُلَاما " لم يحصل لَهُ مَقْصُوده. وَإِذا أطلقت على لِسَان رجل من يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَقَالَ: غَدا يحْفر السد إِن شَاءَ الله نفعتهم. فَقدر على الْحفر، فَإِذا فَاتَ مَقْصُود نَبِي بِتَرْكِهَا، وَحصل مُرَاد كَافِر بقولِهَا، فليعرف قدرهَا، وَكَيف لَا وَهِي تَتَضَمَّن إِظْهَار عجز البشرية وَتَسْلِيم الْأَمر إِلَى قدرَة الربوبية. [١٥] وَالثَّالِث: أَن الِاسْتِثْنَاء وَاقع على اسْتِصْحَاب الْأَيْمَان إِلَى الْمَوْت لَا إِلَى نفس الْمَوْت، فَيكون ذَلِك صادرا من رَسُول الله ﷺ على جِهَة التَّعْلِيم، أَو لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه غَيره مِمَّن لَا يدْرِي مآله.
стр. 521
[١٥] الرَّابِع: أَن يكون مَعَه من ينافق، فَيَنْصَرِف اسْتِثْنَاؤُهُ إِلَيْهِم، وَيكون الْمَعْنى: إِن شَاءَ الله لُحُوق هَؤُلَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ قبل الْمَوْت وَقع اللحوق بِالْمُؤْمِنِينَ من الْمَوْتَى للْكُلّ. [١٥] فَإِن قيل: إِنَّمَا تسْأَل الْعَافِيَة للحي، فَمَا معنى سؤالها للْمَيت؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَنه يتَعَيَّن الْإِيمَان بتعذيب الْمَوْتَى وببعثهم، فَسَأَلَ للمعذبين مِنْهُم الْعَافِيَة من بلَاء الْعَذَاب.
٤٩٧ - / ٦٠٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: " لَا تغلوا، وَلَا تغدروا، وَلَا تمثلوا ". [١٥] الْغلُول أَخذ شَيْء من الْمغنم قبل قسمته فِي خُفْيَة، والغدر: نقض الْعَهْد. والمثلة: تَشْوِيه الْخلقَة. [١٥] وَقَوله: " وَلَا تقتلُوا وليدا " الْوَلِيد: الصَّغِير، وَذَلِكَ لِأَن الصّبيان وَالنِّسَاء يصيرون رَقِيقا بِنَفس السَّبي، وَلَا يجوز إِضَاعَة المَال. [١٥] والذمة: الْعَهْد، وأخفرت الذِّمَّة: نقضتها. [١٥] وَقَوله: " فَإنَّك لَا تَدْرِي أتصيب حكم الله " فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: حكم الله الظَّاهِر فِي شَرعه، فَرُبمَا خَفِي عَنْك وَأَنت باجتهادك فِي تِلْكَ الْحَال مَعْذُور. وَالثَّانِي: حكم الله الَّذِي عِنْده.
٤٩٨ - / ٦٠٣ وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: " حُرْمَة نسَاء الْمُجَاهدين على القاعدين كَحُرْمَةِ أمهاتهم ".
стр. 522
[١٥] إِنَّمَا عظم الْخطب فِي هَذَا لأجل الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، فَإِن الْمُجَاهدين يجمعُونَ بَين نصر دين الله، وطاعته، وَحفظ حوزة القاعدين، وَترك شهوات النَّفس فِي الْإِقَامَة، فَتعين حفظهم على القاعدين من هَذِه الْجِهَات، كَمَا عظم الزِّنَا بحليلة الْجَار لحق الْجوَار، وَالْجهَاد أعظم. [١٥] وَمعنى قَوْله: " يخلف رجلا " يقوم مقَامه فِي النّظر إِلَى أَهله. [١٥] وَقَوله: رَسُول الله: " فَمَا ظنكم؟ " يحْتَمل ثَلَاثَة أوجه: [١٥] أَحدهمَا: مَا ظنكم أَن الله يفعل بِهَذَا الخائن، فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَا ظن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب يَوْم الْقِيَامَة﴾ [يُونُس: ٦٠] تَقْدِيره: مَا ظنهم أَن الله فَاعل بهم؟ [١٥] وَالثَّانِي: مَا ظنكم بِهَذَا الَّذِي قد حكم فِي أَعمال هَذَا الخائن، هَل يدع مِنْهَا شَيْئا؟ [١٥] وَالثَّالِث: مَا ظنكم بِهَذَا الْمَظْلُوم فِي أَهله، هَل يتْرك حَقه يَوْم الْحَاجة إِلَى الْأَخْذ مَعَ هَذَا الانبساط الشنيع فِي أَهله؟
٤٩٩ - / ٦٠٤ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: " من لعب بالنرد شير فَكَأَنَّمَا صبغ يَده فِي لحم الْخِنْزِير وَدَمه ". [١٥] النَّرْد أعجمي مُعرب؟ وشير: حُلْو. وَالْخِنْزِير اسْم يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى. وَالْمرَاد بصبغ يَده فِي لحم الْخِنْزِير وَدَمه أَن لحم الْخِنْزِير وَدَمه حرَام التَّنَاوُل، فقد مس بِيَدِهِ مَا يحرم تنَاوله، فَكَذَلِك اللاعب بالنرد يلْعَب بِمَا يحرم عَلَيْهِ اللّعب بِهِ.
стр. 523
(٢٨) كشف الْمُشكل من مُسْند عَائِذ بن عَمْرو الْمُزنِيّ
[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَمَانِيَة أَحَادِيث، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة.
٥٠٠ - / ٦٠٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: سَأَلت عَائِذ بن عَمْرو: هَل ينْقض الْوتر؟ فَقَالَ: إِذا أوترت من أَوله فَلَا توتر من آخِره. [١٥] اعْلَم أَن من لَهُ عَادَة بِقِيَام اللَّيْل فَالْأَفْضَل لَهُ أَن يُؤَخر الْوتر، فَإِن أوتر أول اللَّيْل ثمَّ أَرَادَ التَّطَوُّع بعد ذَلِك فَهَل ينْقض وتره؟ كره أَحْمد ذَلِك، وَقَالَ أَبُو بكر من أَصْحَابنَا: ينْقض وتره. قَالَ ابْن عقيل: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَة وَوجه، والتطوع بعد الْوتر - وَإِن كَانَ تَركه أولى - جَائِز.
٥٠١ - / ٦٠٦ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " إِن شَرّ الرعاء الحطمة ". [١٥] الرعاء: جمع رَاع، كَمَا يُقَال صَاحب وصحاب. والحطمة:
стр. 524
الْمُفْسد من الْوُلَاة الَّذِي لَا يرفق برعيته. والحطم: السواق بعنف كَأَنَّهُ يحطم بعض الْإِبِل بِبَعْض، قَالَ الشَّاعِر:
(قد لفها اللَّيْل بسواق حطم ... )
[[١٥] وأصل الحطم كسر الشَّيْء الْيَابِس، وَسميت جَهَنَّم الحطمة لحطمها مَا يلقى فِيهَا، فَإِنَّهَا تكسر الْعظم بعد أكل اللَّحْم. [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث: قَالَ عبيد الله بن زِيَاد لعائذ: أَنْت من نخالة أَصْحَاب مُحَمَّد، أَي من رذالتهم. وَهَذِه جرْأَة قبيحة من ذَلِك الْفَاسِق على أَقوام قد عمهم الله بِالشَّهَادَةِ لَهُم بِالْخَيرِ، فَقَالَ: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ [الْفَتْح: ٢٩] وَقَالَ النَّبِي ﷺ : " لَا تسبوا أَصْحَابِي، فَلَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه ".
٥٠٢ - / ٦٠٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن أَبَا سُفْيَان أَتَى على سلمَان وصهيب وبلال فِي نفر فَقَالُوا: مَا أخذت سيوف الْمُسلمين من عنق عَدو الله مأخذها. فَقَالَ أَبُو بكر: أتقولون هَذَا لشيخ قُرَيْش وسيدهم! فَأتى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ، فَقَالَ: " يَا أَبَا بكر، لَعَلَّك أغضبتهم، لَئِن كنت أغضبتهم لقد أغضبت رَبك ". [١٥] قَوْله: مَا أخذت مأخذها: أَي مَا استوفت حَقّهَا من الْمُكَافَأَة لَهُ
стр. 525
على صَنِيعه بِالْمُسْلِمين. [١٥] وَقَوله: " لَعَلَّك أغضبتهم " تَعْظِيم لَهُم، لِأَن الْحق أوصاه بهم وبأمثالهم من الْفُقَرَاء والموالي بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم﴾ [الْأَنْعَام: ٥٢] وَقَوله ﴿وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم﴾ [الْأَنْعَام ٥٤] قَالَ الْحسن: كَانَ إِذا رَآهُمْ بدأهم بِالسَّلَامِ، وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿واصبر نَفسك مَعَ الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ [الْكَهْف: ٢٨] .
стр. 526
(٢٩) كشف الْمُشكل من مُسْند سَمُرَة بن جُنْدُب [
١٥ -] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة.
٥٠٣ - / ٦٠٨ - فِي الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَوْله: لقد كنت على عهد رَسُول الله ﷺ غُلَاما، فَكنت أحفظ عَنهُ فَمَا يَمْنعنِي من القَوْل إِلَّا أَن هَاهُنَا رجَالًا هم أسن مني. [١٥] هَذَا الحَدِيث يُنَبه الْأَحْدَاث على التأدب للأشياخ. [١٥] وَقَوله: صلى على نفسَاء. قد بَينا معنى النّفاس فِي مُسْند عَليّ ﵇. [١٥] فَأَما قيام الرَّسُول ﵇ وسط الْمَرْأَة فَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. فَأَما إِذا كَانَ الْمَيِّت رجلا فعندنا يقف بحذاء صَدره. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يقف بحذاء صدر الْمَيِّت رجلا كَانَ أَو امْرَأَة. وَقَالَ مَالك: يقف عِنْد وسط الرجل، وَمن الْمَرْأَة عِنْد منكبيها. وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْموقف من الرجل: فَمنهمْ من ذهب إِلَى مَذْهَبنَا، وَمِنْهُم
стр. 527
من قَالَ: بحذاء رَأسه. [١٥] فَإِن قيل: فالرسول ﵇ لَا يفعل شَيْئا إِلَّا لحكمة، فَمَا حِكْمَة الْفرق بَين الرجل وَالْمَرْأَة؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَنه لَا يفعل شَيْئا إِلَّا لحكمة، وَقد يخفى علينا وَجه الْحِكْمَة، وَقد لَا تبلغه أفهامنا، وَقد يكون المُرَاد نفس الِابْتِلَاء بِالتَّسْلِيمِ. على أَن الْحِكْمَة ظَاهِرَة هَاهُنَا: وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ الْمَيِّت رجلا فللقيام عِنْد صَدره وَجْهَان: أَحدهمَا أَنه كالمواجهة لَهُ بِالدُّعَاءِ. وَالثَّانِي: أَن صَدره وعَاء لِلْقُرْآنِ وَالْعلم. فَأَما الْمَرْأَة فالحكمة فِي الْوُقُوف عِنْد وَسطهَا من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَن الْقرب من وَجههَا يُوجب فكر الْإِنْسَان فِي محَاسِن الْوَجْه، وَكَذَلِكَ فِيمَا سفل، فَكَانَ التَّوَسُّط أولى. وَالثَّانِي: أَن قيام الْإِنْسَان فِي وَسطهَا فِيهِ نوع ستر للْمَرْأَة عَن الْمَأْمُومين؛ لِأَن الْقيام عِنْد وَجههَا يرى مَعَه معظمها، وَكَذَلِكَ عِنْد مؤخرها، وَمَا كَانُوا يحملون إِلَّا على النعش. وَالثَّالِث: أَن الَّذِي تمت بِهِ الْمَرْأَة حملهَا للأولاد، فالوقوف فِي وَسطهَا إِشَارَة بِلِسَان الْحَال إِلَى السُّؤَال بِمحل حمل الْمُؤمنِينَ.
٥٠٤ - / ٦٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى الصُّبْح أقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " هَل رأى أحد مِنْكُم البارحة رُؤْيا؟ ". [١٥] ذكر " البارحة " تجوز من بعض الروَاة، لأَنهم كَانُوا يروون بِالْمَعْنَى،
стр. 528
وَهَذَا غلط مِمَّن ظن اسْتِوَاء اللَّفْظَيْنِ، وَالصَّحِيح أَنه قَالَ: اللَّيْلَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمد فِي " الْمسند ": " هَل رأى أحد مِنْكُم اللَّيْلَة رُؤْيا؟ " وَيدل على صِحَة مَا قُلْنَا قَوْله بعد ذَلِك: " أَتَانِي اللَّيْلَة آتيان " وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: من الْغَلَط أَن تَقول فِيمَا بَين صَلَاة الْفجْر إِلَى الظّهْر: فعلت البارحة كَذَا، وَالصَّوَاب أَن تَقول: فعلت اللَّيْلَة كَذَا إِلَى الظّهْر، وَتقول بعد ذَلِك: فعلت البارحة، إِلَى آخر الْيَوْم. [١٥] وَأما الرُّؤْيَا فَيُقَال لما كَانَ فِي النّوم، وَهِي فِي الْيَقَظَة رُؤْيَة. [١٥] وَقَوله: فيقص عَلَيْهِ: أَي يذكر مَا رأى، يَقُول: قصصت الحَدِيث أقصه قصا وقصصا: وَهُوَ الْكَلَام يتَّصل بعضه بِبَعْض، وَالْأَصْل فِيهِ الِاتِّبَاع، وَهُوَ أَن الْمُتَكَلّم يتبع مَا قد كَانَ بالْخبر عَنهُ. [١٥] وَقَوله: " ابتعثاني " أصل الْبَعْث إثارة الشَّيْء عَن مَكَانَهُ. [١٥] وَقَوله: " فيثلغ رَأسه ": أَي يشدخه. والشدخ: فضخ الشَّيْء الرطب بالشَّيْء الْيَابِس. [١٥] وَقَوله: " فيتدهدأ هَذَا الْحجر " قد روى " فيتدهده " قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: تدهدى الْحجر وَغَيره تدهديا، ودهديته أَنا، أدهديه دهداة ودهداء، وَيُقَال تدهدأ تدهدأ، ودهدأته أَنا أدهدئه دهدأة ودهداء: إِذا دحرجته.
стр. 529
[١٥] والكلوب بِفَتْح الْكَاف وَهُوَ الْكلاب، وَالْجمع فيهمَا كلاليب. [١٥] وَقَوله فيشر شَرّ شدقه، قَالَ أَبُو عبيد: أَي يقطعهُ ويشققه، قَالَ أَبُو زبيد الطَّائِي يصف الْأسد:
(يظل مغبا عِنْده من فرائس ... رفات عِظَام أَو غريض مشرشر)
[١٥] والشدق: جَانب الْفَم. [١٥] قَوْله: " على مثل التَّنور " التَّنور مَعْرُوف، قَالَ ابْن عَبَّاس: التَّنور بِكُل لِسَان عَرَبِيّ وأعجمي. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن ابْن دُرَيْد قَالَ: التَّنور فَارسي مُعرب، لَا تعرف لَهُ الْعَرَب اسْما غير هَذَا. [١٥] وَقَوله: " فَإِذا فِيهِ لغط " اللَّغط أصوات مختلطة لَا تفهم. [١٥] واللهب: مَا يرْتَفع من حر النَّار عِنْد اشتعالها. [١٥] وَقَوله: ضوضوا: أَي ضجوا وصاحوا بِمَا لَا يفهم مِنْهُ إِلَّا الاستغاثة مِمَّا هم فِيهِ. والضوضاة بِغَيْر همز: وَهِي أصوات النَّاس وضجيجهم. [١٥] وَقَوله: " على شط النَّهر " الشط جَانب الْوَادي، وَمثله الشاطىء. [١٥] وَقَوله: " فيفغر لَهُ فَاه " أَي يَفْتَحهُ، وَيُقَال: انفغر النُّور: إِذا تفتح. [١٥] " وألقمه حجرا " أَي جعله كاللقمة فِي فِيهِ.
стр. 530
[١٥] وَقَوله: " كريه الْمرْآة " المرآه والمرأي: المنظر. [١٥] ويحشها: يوقدها.: وَالرَّوْضَة: الْمَكَان المخضر من الأَرْض، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ شَيْء عِنْد الْعَرَب أحسن من الرياض المعشبة وَلَا أطيب مِنْهَا ريحًا، قَالَ الْأَعْشَى:
(مَا رَوْضَة من رياض الْحزن معشبة ... خضراء جاد عَلَيْهَا مُسبل هطل)
(يَوْمًا بأطيب مِنْهَا نشر رَائِحَة ... وَلَا بِأَحْسَن مِنْهَا إِذْ دنا الأَصْل)
[١٥] والمعتمة: الوافية النَّبَات، والعميم: الطَّوِيل من النَّبَات، قَالَ الْأَعْشَى:
(٠٠٠٠٠٠٠ ... مؤزر بعميم النبت مكتهل ... )
[١٥] وَنور الرّبيع: ألوان نَبَاته. [١٥] والدوحة: الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي شجر كَانَ، وَالْجمع دوح. [١٥] والمحض: اللَّبن الْخَالِص، سمي بِصفتِهِ، ثمَّ يستعار فِي مَوَاضِع فَيُقَال: هَذَا الْكَلَام صدق مَحْض، وَكذب مَحْض، وأمحضتك النَّصِيحَة: أَي لَا شوب فِي هَذِه الأِشياء من غير جِنْسهَا. [١٥] وَقَوله: " فسما بَصرِي صعدا " أَي ارْتَفع نَاحيَة الْعُلُوّ. [١٥] وَالْقصر: الْمنزل الْمَبْنِيّ. [١٥] وَأما الربابة فَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ السحابة قد ركب بَعْضهَا بَعْضًا،
следующие страницы →