Полный текст (2 175 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
٥٨٠ - / ٦٩٥ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن رَسُول الله ﷺ أمْلى عَلَيْهِ: " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله " فَجَاءَهُ ابْن أم مَكْتُوم وَهُوَ يملها فَقَالَ: وَالله لَو أَسْتَطِيع لَجَاهَدْت - وَكَانَ أعمى. فَأنْزل الله على رَسُوله وَفَخذه على فَخذي. فَثقلَتْ عَليّ خفت أَن ترض فَخذي، ثمَّ سري عَنهُ، فَأنْزل الله ﴿غير أولي الضَّرَر﴾ . [١٥] كَانَ ابْن أم مَكْتُوم مِمَّن أسلم بِمَكَّة وَهَاجَر، روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة أَحَادِيث، وَلم يخرج لَهَا مِنْهَا شَيْء فِي الصَّحِيح. وَاخْتلفُوا فِي اسْمه: فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: عَمْرو بن قيس بن زَائِدَة. وَقَالَ بَعضهم: عبد الله بن عَمْرو. وَاسم أمه عَاتِكَة، وَكَانَ لَا يعرف إِلَّا بِأُمِّهِ. [١٥] وَفِي الصَّحَابَة أَرْبَعَة عشر رجلا اشتهروا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أمهاتهم: بِلَال ابْن حمامة، وَاسم أَبِيه رَبَاح. معَاذ ومعوذ ابْنا عفراء، وَهِي أمهما، وَاسم أَبِيهِمَا الْحَارِث بن رِفَاعَة. مَالك بن نميلَة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه ثَابت الْمُزنِيّ. شُرَحْبِيل بن حَسَنَة، وَهِي أمه وَأَبوهُ عبد الله بن المطاع. بشير بن الخصاصية، وَهِي أمه، وَيُقَال: هِيَ امْرَأَة من جداته، وَأَبوهُ معبد بن شرَاحِيل. عبد الله بن بُحَيْنَة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه مَالك الْأَزْدِيّ. الْحَارِث بن البرصاء، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه مَالك بن قيس اللَّيْثِيّ. يعلى بن منية، ومنية أمه، وَقيل: جدته أم أَبِيه، وَاسم أَبِيه أُميَّة. يعلى بن سيابة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه مرّة الثَّقَفِيّ.
стр. 597
سعد بن حبتة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه بجير بن مُعَاوِيَة، وَمن وَلَده أَبُو يُوسُف القَاضِي. بديل بن أم أَصْرَم، وَاسم أَبِيه سَلمَة الْخُزَاعِيّ، خفاف بن ندبة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه عُمَيْر بن الْحَارِث. وَقد اشتهرمن كبار الْعلمَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى أمهاتهم خَمْسَة: إِسْمَاعِيل ابْن علية، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه إِبْرَاهِيم. مُحَمَّد بن عَثْمَة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه خَالِد، وَهُوَ يروي عَن مَالك الْفَقِيه. مَنْصُور بن صَفِيَّة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه عبد الرَّحْمَن بن طَلْحَة. مُحَمَّد بن عَائِشَة، وَهِي أمه، وَيُقَال جدة لَهُ، وَاسم أَبِيه حَفْص بن عمر. إِبْرَاهِيم هراسة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه سَلمَة.
стр. 598
(٤٣) كشف الْمُشكل من مُسْند عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ [
١٥ -] وَجُمْلَة مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ اثْنَان وَسِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث وَاحِد.
٥٨١ - / ٦٩٧ - وَفِيه: " أخْشَى أَن تبسط الدُّنْيَا فتنافسوها ". [١٥] المنافسة فِي الشَّيْء: المشاحة عَلَيْهِ والتنازع فِيهِ. وَفِي هَذَا الحَدِيث تحذير من فتْنَة الدُّنْيَا، فَإِن من طلب مِنْهَا فَوق الْحَاجة لم يجد لمراده مردا، وَمن قنع بالبلاغ بلغ الْمنزل سليما من الشَّرّ، فَمَا الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا قيل:
(إِن السَّلامَة من سلمى وجارتها ... أَلا تمر على حَال بواديها)
стр. 599
(٤٤) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي لبَابَة الْأنْصَارِيّ
[١٥] واسْمه رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر، وَقيل: ابْن الْمُنْذر. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث وَاحِد.
٥٨٢ - / ٦٨٩ - فأوله من حَدِيث ابْن عمر: " اقْتُلُوا الْحَيَّات واقتلوا ذَا الطفيتين والأبتر، فَإِنَّهُمَا يطمسان الْبَصَر ويستسقطان الْحَبل ". [١٥] قَالَ أَبُو عبيد: الطفية: خوصَة الْمقل، وَجَمعهَا طفي، قَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
(عفاغير نؤي الدَّار مَا إِن تبينه ... وأقطاع طفي قد عفت فِي المعاقل)
[١٥] وَإِنَّمَا شبه الخطين اللَّذين على ظَهره بخوصتين من خوص الْمقل. [١٥] والأبتر: الْقصير الذَّنب، وروى النَّضر بن شُمَيْل عَن أبي خيرة أَنه قَالَ: الأبتر من الْحَيَّات أَزْرَق مَقْطُوع الذَّنب، يفر من كل أحد، لَا يرَاهُ أحد إِلَّا مَاتَ، وَلَا تنظر إِلَيْهِ حَامِل إِلَّا أَلْقَت مَا فِي بَطنهَا.
стр. 600
[١٥] وَاعْلَم أَن الْحَيَّات أَنْوَاع: فَمِنْهَا مكللة الرَّأْس، طولهَا شبران إِلَى ثَلَاثَة، ورأسها حاد، وعيناها حمراوان، ولونها إِلَى سَواد وصفرة، تحرق كل مَا تنساب عَلَيْهِ، وَلَا يبيت حول حجرها شَيْء، وَإِذا حَاذَى مَسْكَنهَا طَائِر سقط، وَلَا يحس بهَا حَيَوَان إِلَّا هرب، فَإِذا قرب مِنْهَا خدر فَلم يَتَحَرَّك، وَتقتل بصفيرها، وَمن وَقع عَلَيْهِ بصرها مَاتَ، وَمن نهشته ذاب بدنه وانتفخ، وسال صديدا وَمَات فِي الْحَال، وَمَات كل من يقرب من ذَلِك الْمَيِّت من الْحَيَوَانَات، وَمن مَسهَا بعصا هلك بِوَاسِطَة الْعَصَا، وَقد مَسهَا مرّة فَارس برمحه فَمَاتَ الْفَارِس ودابته، ولسعت جحفلة فرس فَمَاتَ الْفرس والفارس، وَهَذَا الْجِنْس يكثر بِبِلَاد التّرْك. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَإِنَّمَا تقتل الْحَيَّة من بعد بِسم ينْفَصل من عينهَا فِي الْهَوَاء حَتَّى يُصِيب. وَكَذَلِكَ القاتلة بصوتها ينْفَصل من صَوتهَا سم فَيدْخل السّمع فَيقْتل. [١٥] وَأما الْجنان فَهِيَ الْحَيَّات. [١٥] فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِذا رَأَيْت فِي الْبَيْت حَيَّة لَيست بالأبتر وَلَا بِذِي الطفيتين فقتلتها، وَقد جَاءَ النَّهْي عَن قتل حيات الْبيُوت، أفآثم؟ فَالْجَوَاب: أَنه لَا يجوز قتل حيات الْبيُوت إِلَّا بعد الإيذان بِالْقَتْلِ مَا عدا الأبتر وَذَا الطفيتين، فَإِنَّهُمَا يقتلان من غير إيذان. وَقد دلّ على إيذان بَاقِي الْحَيَّات حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَسَيَأْتِي فِي مُسْنده إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَفِيه أَن الإيذان ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن بدا بعد ذَلِك قتل. فَأَما فِي الصَّحَارِي والأودية فَلَا بَأْس بِالْقَتْلِ من غير إيذان، لعُمُوم قَوْله:
стр. 601
" خمس فواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم " فَذكر مِنْهُنَّ الْحَيَّة، وَقَالَ: " من تركهن مَخَافَة شرهن فَلَيْسَ منا ".
стр. 602
(٤٥) كشف الْمُشكل من مُسْند عتْبَان بن مَالك
[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ عشرَة أَحَادِيث، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث وَاحِد.
٥٨٣ - / ٦٩٩ - فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ دخل إِلَى بَيته، قَالَ: فحبسته على خريز يصنع لَهُ. [١٥] والخريز والخريزة: دَقِيق يخلط بشحم ويطبخ. [١٥] وَالدَّار: الْقَبِيلَة، والدور: الْقَبَائِل. [١٥] وَقَوله: فَثَابَ رجال: أَي جَاءُوا. [١٥] وَقَوله: مَا فعل مَالك؟ قد ذكر اسْم أَبِيه فِي الحَدِيث، وَأَنه مَالك ابْن الدخشن، أَو الدخيشن. وَقيل: ابْن الدخشم، وَالْمَشْهُور الدخشم بن مرضخة، وَهُوَ عَقبي بَدْرِي. [١٥] وَإِنَّمَا كرهت الصَّحَابَة مِنْهُ مجالسة الْمُنَافِقين ومودتهم. وَشَهَادَة الرَّسُول ﵇ أَنه قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يَبْتَغِي بذلك وَجه الله، يَنْفِي عَنهُ هَذِه الظنة. [١٥] وَقَوله: أقفل من غزوتي: أَي أرجع. والقفول: الرُّجُوع من
стр. 603
السّفر، وَمِنْه الْقَافِلَة. [١٥] فَإِن قيل: كَيفَ الْجمع بَين قَوْله: " إِن الله حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله " وَبَين تَعْذِيب الْمُوَحِّدين؟ فَالْجَوَاب: أَنه ذكر فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي نَحن فِيهِ عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: نزلت بعد ذَلِك فَرَائض نرى أَن الْأَمر انْتهى إِلَيْهَا، وَهُوَ جَوَاب لَا يشفي، لِأَن الصَّلَوَات الْخمس فرضت بِمَكَّة قبل هَذِه الْقِصَّة بِمدَّة. وَظَاهر الحَدِيث أَن مُجَرّد القَوْل يدْفع عَذَاب النَّار وَلَو ترك الصَّلَاة، وَإِنَّمَا الْجَواب مَا ذكرنَا فِيمَا تقدم. وَقد ذكرنَا عَن هَذَا جوابين: أَحدهمَا: أَن من قَالَهَا مخلصا فَإِنَّهُ لَا يتْرك الْعلم بالفرائض، إِذْ إخلاص القَوْل حَامِل على أَدَاء اللَّازِم. وَالثَّانِي: أَنه يحرم على النَّار خلوده فِيهَا.
стр. 604
(٤٦) كشف الْمُشكل من مُسْند سهل بن حنيف [
١٥ -] وَلم يفته مشْهد مَعَ رَسُول الله ﷺ . وَجُمْلَة مَا روى عَنهُ أَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة.
٥٨٤ - / ٧٠٠ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " لَا يَقُولَن أحدكُم خبثت نَفسِي، وَلَكِن ليقل لقست ". [١٥] خبثت ولقست ومقست بِمَعْنى وَاحِد، وَمَعْنَاهُ غثت وَهُوَ الَّذِي يُريدهُ الْقَائِل: خبثت، لَكِن النَّبِي ﷺ كره اسْم الْخبث، وَاخْتَارَ لَفْظَة لَا تستبشع، فَكَانَ النَّبِي ﷺ يكره الْأَلْفَاظ المستبشعة والدالة على الْمَكْرُوه، وَكم غير اسْم شخص لذَلِك الْمَعْنى، كَمَا غير اسْم عاصية بجميلة، وَكَانَ يكره لفظ الْخبث لِأَنَّهُ مُسْتَعْمل فِي الْكفْر وَالشَّر.
٥٨٥ - / ٧٠١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: قَامَ سهل يَوْم صفّين فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس اتهموا أَنفسكُم. وَفِي لفظ: اتهموا رَأْيكُمْ. [١٥] يَعْنِي أَن الْإِنْسَان قد يرى رَأيا وَالصَّوَاب غَيره، كَمَا رأى عمر يَوْم الْحُدَيْبِيَة خلاف مَا رأى رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ بَان لَهُ أَن مَا رَآهُ رَسُول الله
стр. 605
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّوَاب، فَالْمَعْنى: لَا تعملوا بآرائكم وتثبتوا. [١٥] فَأَما الصُّلْح فَإِن رَسُول الله ﷺ لما قصد الْعمرَة ورده الْمُشْركُونَ واصطلح هُوَ وهم فِي غزَاة الْحُدَيْبِيَة على أَن يرجع عَنْهُم تِلْكَ السّنة وَيعود فِي الْعَام الْقَابِل، وَكَتَبُوا بَينهم كتابا، وَكَانَ فِيهِ: أَن من أَتَى مُحَمَّدًا مِنْهُم بِغَيْر إِذن وليه رده إِلَيْهِ، وَمن أَتَى قُريْشًا من أَصْحَاب مُحَمَّد لم يردوه، وَهَذَا الَّذِي أزعج عمر؛ لِأَنَّهُ رأى أَن فِي هَذَا نوع ذل، وَلِهَذَا قَالَ: فَفِيمَ نعطى الدنية؟ يَعْنِي النقيصة. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ أعلم بِالْمَصْلَحَةِ. وَكَانَ الَّذِي تولى مصالحة رَسُول الله ﷺ من الْمُشْركين سُهَيْل بن عَمْرو، فَخرج ابْنه أَبُو جندل من مَكَّة فِي قيوده، فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ سُهَيْل: هَذَا أول مَا أقاضيك عَلَيْهِ، فَرده النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ: " يَا أَبَا جندل، قد تمّ الصُّلْح بَيْننَا فاصبر حَتَّى يَجْعَل الله لَك فرجا ومخرجا " وَإِلَى هَذَا أَشَارَ سهل بن حنيف بقوله: لَو أَسْتَطِيع رد أَمر رَسُول الله ﷺ لرددته. [١٥] وَقد كَانَ لسهيل بن عَمْرو ولد يُقَال لَهُ عبد الله شهد بَدْرًا، وأخباره مَشْهُورَة، فَرُبمَا ظن بعض طلاب الحَدِيث أَنه أَبُو جندل، وَلَيْسَ كَذَلِك، ذَاك يكنى أَبَا سُهَيْل، وَأَبُو جندل لَا يعرف لَهُ اسْم، وأمهما فَاخِتَة بنت عَامر بن نَوْفَل بن عبد منَاف، وكلا الْوَلَدَيْنِ أسلم بِمَكَّة قَدِيما، وَأما عبد الله فَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة ثمَّ قدم فأوثقه أَبوهُ وفتنه، فَلَمَّا ظن أَنه قد رَجَعَ عَن دينه خرج مَعَه بِهِ يَوْم بدر، فَلَمَّا الْتَقَوْا انحاز عبد الله إِلَى الْمُسلمين، فَشهد بَدْرًا مُسلما، وَقتل بِالْيَمَامَةِ شَهِيدا.
стр. 606
وَأما أَبُو جندل فحبسه أَبوهُ فِي الْحَدِيد وَمنعه الْهِجْرَة، فَلَمَّا خرج يَوْم الْحُدَيْبِيَة رد إِلَى أَبِيه، فَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين، أرد إِلَى الْمُشْركين ليفتنوني عَن ديني؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " يَا أَبَا جندل، لَا بُد من الْوَفَاء، فاصبر " وَإِنَّمَا رده ليتَحَقَّق الْوَفَاء بِالشّرطِ، وَلما رأى فِي ذَلِك من الْمصلحَة للْمُسلمين. ثمَّ إِنَّه إِنَّمَا سَلمَة إِلَى أَبِيه وَالْأَب لَا يقتل ابْنه، وَغَايَة مَا يصنع بِهِ أَنه يحملهُ على كلمة الْكفْر، وَهِي على وَجه التقية مُبَاحَة، ثمَّ إِن أَبَا جندل أفلت من أَيْديهم بعد ذَلِك وَجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَلم يزل يَغْزُو مَعَه حَتَّى مَاتَ رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ خرج إِلَى الشَّام مُجَاهدًا. [١٥] ثمَّ إِن سُهَيْل بن عَمْرو بعث يَوْم الْفَتْح إِلَى ابْنه عبد الله: اطلب لي جوارا من مُحَمَّد. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " هُوَ آمن بِأَمَان الله فليظهر " ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ لمن حوله: " من لَقِي سُهَيْل بن عَمْرو فَلَا يشد النّظر إِلَيْهِ. فلعمري، إِن سهيلا لَهُ عقل وَشرف، وَمَا مثل سُهَيْل من جهل الْإِسْلَام " فَخرج سُهَيْل مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَى حنين وَهُوَ على شركه حَتَّى أسلم بالجعرانة، فَأعْطَاهُ رَسُول الله ﷺ من غَنَائِم حنين مائَة من الْإِبِل، وَلم يكن أحد من كبراء قُرَيْش الَّذين أَسْلمُوا يَوْم الْفَتْح أَكثر صَلَاة وَلَا صوما وَلَا صَدَقَة مِنْهُ، وَكَانَ رَقِيق الْقلب، كثير الْبكاء عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن. وَدخل معَاذ إِلَى مَكَّة فَجعل يخْتَلف إِلَى معَاذ يقْرَأ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رجل: تخْتَلف إِلَى هَذَا الخزرجي، أَلا اخْتلفت إِلَى رجل من قَوْمك، من قُرَيْش، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي صنع بِنَا مَا صنع حَتَّى سبقنَا كل السَّبق، لقد رفع الله بِالْإِسْلَامِ أَقْوَامًا لَا يذكرُونَ، فليتنا كُنَّا مَعَهم فتقدمنا، وَلَقَد شهِدت مَوَاطِن أَنا فِيهَا معاند للحق، وَأَنا وليت الْكتاب
стр. 607
يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَلَقَد فر مني ابْني عبد الله ومولاي عُمَيْر، فصارا فِي حزب مُحَمَّد لما أرادهما الله بِهِ من الْخَيْر، ثمَّ قتل ابْني عبد الله شَهِيدا فعزاني بِهِ أَبُو بكر وَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِن الشَّهِيد ليشفع لسَبْعين من أهل بَيته " فَأَنا أَرْجُو أَلا يبْدَأ ابْني بِأحد قبلي. قَالَ الزُّهْرِيّ: وَلم يزل سُهَيْل وَابْنه أَبُو جندل مجاهدين بِالشَّام حَتَّى مَاتَا. [١٥] وَقَوله: " إِنِّي رَسُول الله، وَلنْ يضيعني " الْمَعْنى أَنه يدبر لي حَالي ويحفظني فِي التَّدْبِير. [١٥] وَقَوله: فَنزل الْقُرْآن بِالْفَتْح. يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ وَهَذَا الْفَتْح عِنْد جُمْهُور الْمُفَسّرين هُوَ مَا جرى فِي الْحُدَيْبِيَة من نحر الْهَدْي، وَحلق الرُّءُوس، وَالصُّلْح. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لم يكن فتح أعظم من صلح الْحُدَيْبِيَة، لِأَن الْمُشْركين اختلطوا بِالْمُسْلِمين، فَسَمِعُوا كَلَامهم فَتمكن الْإِسْلَام فِي قُلُوبهم، أسلم فِي ثَلَاث سِنِين مِنْهُم خلق كثير. [١٥] وَقَوله: مَا وَضعنَا سُيُوفنَا على عواتقنا. الْعَوَاتِق جمع عاتق. قَالَ الزّجاج: العاتق: صفحة الْعُنُق من مَوضِع الرِّدَاء من الْجَانِبَيْنِ. [١٥] وأفظع الْأَمر: اشْتَدَّ، وَهَذَا أَمر مفظع وفظيع. [١٥] وأسهلن بِنَا يَعْنِي السيوف، أَي حملتنا إِلَى الْمَكَان السهل، وَهُوَ ضد الْحزن. وَهَذَا ضرب مثلا يُرِيد بِهِ أَنا عرفنَا وَجه الصَّوَاب فِي قتالنا.
стр. 608
وَإِنَّمَا بَان لَهُم الصَّوَاب لِأَن الْأَمر كَانَ مكشوفا فِي قتال الْكفَّار بِخِلَاف قتال المتأولين. [١٥] وَقَوله: مَا نسد مِنْهُ خصما. كثير من الْمُحدثين يَقُولُونَ نَشد بالشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب بِالسِّين الْمُهْملَة، لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الانفجار، وَكَذَلِكَ قَالَ لنا عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ. والخصم: جَانب الْعَدو، وخصم كل شَيْء طرفه وجانبه. وَهَذَا كِنَايَة عَن انتشار الْأَمر وصعوبة تلافيه والتأتي للشَّيْء وَحسن تَدْبيره.
٥٨٦ - / ٧٠٢ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: عَن يسير بن عَمْرو قَالَ: قلت لسهيل بن حنيف: هَل سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي الْخَوَارِج شَيْئا؟ . [١٥] الْخَوَارِج: قوم يخرجُون على الْأَئِمَّة، وَأول مَا عرفُوا بِالْخرُوجِ على عَليّ ﵇ وَقد ذكرنَا بعض أَحْوَالهم فِي مُسْنده. [١٥] وَقَوله: وأهوى بِيَدِهِ قبل الْعرَاق: أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مَنْدَه عَن أبي الْحُسَيْن بن فَارس قَالَ: الْعرَاق مَا سفل من أَرض نجد مستطيلا فَسُمي بذلك تَشْبِيها لَهُ بعراق الْقرْبَة، وَهُوَ الخرز فِي أَسْفَلهَا. قَالَا: وَقَالَ قوم: سمي الْعرَاق من جمع عرقة: وَهِي الزبيل، يُقَال: عرقة وعراق، كَمَا يُقَال أكمة وإكام. والعرقة: السَّقِيفَة من الخوص قبل أَن يَجْعَل مِنْهَا زبيل، وَيُقَال: أعرق الرجل
стр. 609
واستعرق أَتَى الْعرَاق. [١٥] والتراقي جمع ترقوة وللإنسان ترقوتان: وهما العظمان المشرفان فِي أَعلَى الصَّدْر. [١٥] وَقَوله: يتيه قوم. فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا يضلون فِي الدّين. الثَّانِي: يعْجبُونَ بأعمالهم. [١٥] وَقَوله: يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام. قد فسرناه فِي مُسْند عَليّ ﵇. [١٥] وَقَوله: محلقة رؤوسهم. هَذَا كَانَ من سِيمَاهُمْ، كَأَنَّهُمْ رَغِبُوا عَن الشّعْر، إِمَّا للزهد فِي الزِّينَة، أَو للتورع على زعمهم فِي الْغسْل، خوفًا أَن يمْنَع وُصُول المَاء. وَقد كَانُوا يدققون فِي الْوَرع ويكثرون تِلَاوَة الْقُرْآن، غير أَن الْعُقُول ضعفت حَتَّى حسن لَهُم الشَّيْطَان تخطئة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇. وأكبر محن الْجَاهِل اعْتِقَاده أَنه أعرف من الْعَالم. وَأما حلق الرَّأْس فَإِن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ كَانُوا لَا يحلقون رؤوسهم إِلَّا فِي الْحَج وَالْعمْرَة، فَلَمَّا وَقع خلاف هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي العقائد وَقع فِي السيماء.
وَاخْتلف الْعلمَاء: هَل يكره حلق الرَّأْس؟ وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ.
٥٨٧ - / ٧٠٣ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن رَسُول الله ﷺ مرت بِهِ جَنَازَة فَقَامَ.
стр. 610
قد بَينا نسخ ذَلِك فِي مُسْند عَليّ ﵇.
٥٨٨ - / ٧٠٤ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " من سَأَلَ الله الشَّهَادَة فَصدق بلغه الله منَازِل الشُّهَدَاء وَإِن مَاتَ على فرَاشه ". [١٥] اعْلَم أَن النِّيَّة قطب الْعَمَل عَلَيْهَا يَدُور، وَقد يُفِيد مُجَرّد النِّيَّة من غير عمل، وَلَا يُفِيد عمل من غير نِيَّة. وَمن صدقت نِيَّته فِي طلب الشَّهَادَة فَكَأَنَّهُ استسلم للْقَتْل، فَلَا يضرّهُ بعد بدنه عَن الْجِهَاد لعذر مَعَ صدق نِيَّته، كَمَا قَالَ الله : ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ [النِّسَاء: ١٠٠] وَكَذَلِكَ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا، وَكَذَلِكَ لَو نوى قيام اللَّيْل فغلبه النعاس كتب لَهُ ثَوَاب نِيَّته. وَمن هَذَا الْجِنْس: ﴿يَا إِبْرَاهِيم. قد صدقت الرءيا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] لِأَن الْخَلِيل اجْتهد فِي أَن يذبح بإمرار المدية، والذبيح استسلم، وَلم يبْق للْفِعْل مَانع سوى جَرَيَان الْقدر، فَكَانَا كَأَنَّمَا فعلا.
٥٨٩ - / ٧٠٥ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَهْوى رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: " إِنَّهَا حرم آمن ". [١٥] وَظَاهر الْخَبَر الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الْأَمر، كَقَوْلِه تَعَالَى: (وَمن دخله كَانَ
стр. 611
آمنا﴾ [آل عمرَان: ٩٧] وَالْمعْنَى: أمنوه. وَقد ذكرنَا حد حرم الْمَدِينَة فِي مُسْند عَليّ ﵇.
стр. 612
(٤٧) كشف الْمُشكل من مُسْند قيس [بن سعدٍ بن عبَادَة [
١٥ -] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتَّة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٥٩٠ - / ٧٠٦ - فَالْأول: قد تقدم فِي مُسْند سهل بن حنيف.
٥٩١ - / ٧٠٧ - وَالثَّانِي: إِنَّمَا أخرج مِنْهُ البُخَارِيّ طرفا: أَن قيس بن سعد - وَكَانَ صَاحب لِوَاء رَسُول الله ﷺ أَرَادَ الْحَج فَرجل. [١٥] هَذَا قدر مَا أخرج. وَالْمعْنَى: رجل رَأسه: أَي سرحه، وَكَانَ قد سرح شقّ رَأسه فَقَامَ غُلَام فقلد هَدْيه، فَلَمَّا رَآهُ قد قَلّدهُ أهل بِالْحَجِّ وَلم يرجل شقّ رَأسه الآخر، لِئَلَّا يكون مُسْتَعْملا للرفاهية. وَالْمرَاد من الْمحرم الشعث، وَإِن كَانَ فعل عَبده لَا يكسبه فعلا، لكنه يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون أمره بالتقليد. وَالثَّانِي: سلوك طَرِيق الْوَرع.
стр. 613
(٤٨) كشف الْمُشكل من مُسْند أسيد بن الْحضير [
١٥ -] شهد الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ سوى بدر، فَإِنَّهُ تخلف لِأَنَّهُ مَا ظن وُقُوع قتال، وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَمَانِيَة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٥٩٢ - / ٧٠٨ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " إِنَّكُم سَتَلْقَوْنَ بعدِي أَثَرَة " [١٥] وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود، وَأَن الأثرة استئثار الْوُلَاة، إِمَّا بِفضل من الْقِسْمَة، أَو بِالْجُمْلَةِ.
٥٩٣ - / ٧٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: عَن أسيد، بَيْنَمَا هُوَ يقْرَأ من اللَّيْل رفع رَأسه، فَإِذا مثل الظلة. الظلة هَاهُنَا السَّحَاب، وكل شَيْء أظلك فَهُوَ ظلة. وَقَول النَّبِي ﷺ لأسيد لما أخبرهُ: " اقْرَأ يَا ابْن حضير " مَعْنَاهُ: كَانَ يَنْبَغِي أَن تقْرَأ. أَو أَظن أَنَّك قَرَأت وَلم تسكت لأجل ذَلِك.
стр. 614
(٤٩) كشف الْمُشكل من مُسْند كَعْب بن مَالك [
١٥ -] شهد الْمشَاهد كلهَا سوى بدر، لأَنهم مَا ظنُّوا وُقُوع الْقِتَال، وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَمَانُون حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة أَحَادِيث.
٥٩٤ - / ٧١٠ - فَمن الْمُشكل فِي حَدِيث الأول: أَنه تقاضى ابْن أبي حَدْرَد دينا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد، فارتفعت أصواتهما، فكشف رَسُول الله ﷺ سجف حجرته وَقَالَ: " يَا كَعْب ضع من دينك هَذَا " وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: الشّطْر، قَالَ: قد فعلت، قَالَ: " قُم فاقضه " [١٥] اسْم أبي حَدْرَد عبد الله، ويكنى أَبَا مُحَمَّد، وَفِي اسْم أَبِيه ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا عبد الله، وَالثَّانِي أسيد، وَالثَّالِث: سَلامَة. [١٥] والسجف: السّتْر [١٥] وَالَّذِي أمره بِهِ رَسُول الله ﷺ على سَبِيل المشورة، وَهَذَا يدل على أَن للْحَاكِم أَن يُرَاوِد الْخَصْمَيْنِ على الصُّلْح إِذا رأى وَجه
стр. 615
الْمصلحَة، كَمَا يفصل الحكم بَينهمَا.
٥٩٥ - / ٧١١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " مثل الْمُؤمنِينَ مثل الخامة من الزَّرْع تفيئها الرّيح ". [١٥] قَالَ أَبُو عبيد: الخامة: الغضة الرّطبَة، وَأنْشد:
(إِنَّمَا نَحن مثل خامة زرع ... فَمَتَى يَأن يَأْتِ محتصده)
[١٥] وَقَوله: " تفيئها " أَي تميلها. [١٥] وَقَوله: " تصرعها " أَي تلقيها. و " تعدلها ": تقيمها. [١٥] وتهيج: تيبس، يُقَال: هاج النَّبَات: إِذا يبس، وهاج: إِذا أصفر أَيْضا. [١٥] والأرزة وَاحِدَة الْأرز، قَالَ أَبُو عبيد: وَهِي شَجَرَة الصنوبر، والصنوبر ثَمَر الْأرز، يُسمى الشّجر صنوبرا. [١٥] والمجذية: الثَّابِتَة، يُقَال: أجذت تجذي، وجذت تجذو. [١٥] وانجعافها: انقلاعها. [١٥] فَشبه الْمُؤمن بالخامة من الزَّرْع الَّتِي تميلها الرّيح، لِأَنَّهُ مرزأ فِي نَفسه وَأَهله وَمَاله، وَشبه الْمُنَافِق بالأرزة الَّتِي لَا تميلها الرّيح، لِأَنَّهُ لَا يرزأ شَيْئا حَتَّى يَمُوت، وَإِن رزئ لم يُؤجر عَلَيْهِ.
стр. 616
[١٥] وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ الأرزة من الشّجر الْأرز، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ الآرزة على مِثَال فاعلة، وَهِي الثَّابِتَة فِي الأَرْض، يُقَال: أرزت تأرز، وأرزت تأرز.
٥٩٦ - / ٧١٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: فِي تَوْبَة كَعْب: إِنَّمَا خرج رَسُول الله ﷺ والمسلمون فِي بدر يُرِيدُونَ عير قُرَيْش. [١٥] قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: العير: الْإِبِل المرحولة المركوبة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: العير: الْقَوْم على الْإِبِل. وَقَالَ الْفراء: لَا يُقَال عير إِلَّا لأَصْحَاب الْإِبِل. [١٥] قَوْله: وَلَقَد شهِدت لَيْلَة الْعقبَة. لما أرسل رَسُول الله ﷺ استخفى بأَمْره ثَلَاث سِنِين، ثمَّ نزل عَلَيْهِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ [الْحجر: ٩٤] فَكَانَ يعرض نَفسه فِي كل موسم على الْقَبَائِل وَيَقُول: " أَلا رجل يحملني إِلَى قومه، فَإِن قُريْشًا قد مَنَعُونِي أَن أبلغ كَلَام رَبِّي " فلقي فِي بعض السنين رهطا من الْخَزْرَج، فَدَعَاهُمْ إِلَى الله تَعَالَى وَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام، فَأَجَابُوهُ، وَكَانُوا سِتَّة: أسعد بن زُرَارَة، وعَوْف بن عفراء، وَرَافِع بن مَالك، وَقُطْبَة بن عَامر بن حَدِيدَة، وَعقبَة بن عَامر بن نابي، وَجَابِر بن عبد الله، فَلَمَّا انصرفوا إِلَى قَومهمْ أخبروهم، فَفَشَا
стр. 617
الْإِسْلَام فيهم، فَلَمَّا جَاءَ الْمَوْسِم حَضَره اثْنَا عشر رجلا من الْأَنْصَار فيهم من أُولَئِكَ السِّتَّة خَمْسَة، فَإِنَّهُ مَا تخلف مِنْهُم إِلَّا جَابر، فَلَقوهُ بِالْعقبَةِ فَبَايعُوهُ، وَهِي الْعقبَة الأولى، فَلَمَّا انصرفوا بعث مَعَهم مُصعب ابْن عُمَيْر يفقه أهل الْمَدِينَة ويقرئهم الْقُرْآن، وَخرج إِلَيْهِ فِي الْمَوْسِم الثَّالِث مِنْهُم سَبْعُونَ رجلا وَامْرَأَتَانِ، فَوَعَدَهُمْ فِي اللَّيْل عِنْد الْعقبَة، وَخرج وَمَعَهُ عَمه الْعَبَّاس، وَوَقعت الْبيعَة، وَعلمت قُرَيْش، فَلَمَّا اجْتمع رَأْيهمْ على الفتك بِهِ أَمر بِالْخرُوجِ إِلَى الْغَار. [١٥] وَإِنَّمَا قَالَ كَعْب بن مَالك: مَا أحب أَن لي بِالْعقبَةِ مشْهد بدر، لِأَنَّهُ رأى بيعَة الْعقبَة كالأساس لِلْإِسْلَامِ. [١٥] وَقَوله: أيسر مني: أَي أغْنى. [١٥] وَقَوله: لم يكن يُرِيد غزَاة إِلَى ورى بغَيْرهَا: أَي أوهم قصد سواهَا، والتورية فِي الشَّيْء: أَن يستر الَّذِي يُريدهُ وَيظْهر غَيره، أخذت من: وَرَاء الشَّيْء، كَأَنَّك تركت الشَّيْء الَّذِي يليك وتجاوزته إِلَى مَا وَرَاءه، أَو كَأَنَّك ألقيت التَّبْيِين وَرَاء ظهرك. وَهَذَا من حزم الرَّأْي لِئَلَّا يبلغ الْخَبَر الْعَدو فيستعد. [١٥] وَقَوله: واستقبل مفازا: المفاز والمفازة اسْم للقفز، وَسميت مفازة للتفاؤل بالفوز، كَمَا يُسمى اللديغ سليما. وَيُقَال: هُوَ من فوز: إِذا مَاتَ، وَالْمعْنَى: إِن الْمَوْت يخَاف فِيهَا. [١٥] وَقَوله فجلا للنَّاس أَمرهم: أَي كشفه وَأخْبرهمْ توجههم: أَي بجهتهم الَّتِي يستقبلونها ومقصدهم الَّذِي يقصدونه. [١٥] لَا يجمعهُمْ كتاب حَافظ. يُرِيد الدِّيوَان. قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور
стр. 618
اللّغَوِيّ قَالَ: الدِّيوَان بِالْكَسْرِ، وَالْجمع دواوين، قَالَ الْأَصْمَعِي: أَصله فَارسي، والديو هُوَ الشَّيْطَان، فَأَرَادَ أَنهم كتاب يشبهون الشَّيَاطِين فِي نفاذهم. [١٥] وَقَوله: وَأَنا إِلَيْهَا أصعر: أَي أميل، والصعر: الْميل. [١٥] وطفقت: ابتدأت فِي الْفِعْل. [١٥] وَقَوله: حَتَّى اسْتمرّ بِالنَّاسِ الْجد: أَي تتَابع بهم الِاجْتِهَاد فِي السّير وَالْمُبَالغَة فِيهِ. [١٥] وتفارط الْغَزْو: أَي تقدم وتباعد. وَرُبمَا قَرَأَهُ من لَا معرفَة لَهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: وتفارط الْعَدو بِالدَّال. [١٥] وَقَوله: يحزنني. فِي يحزن لُغَتَانِ: فتح الْيَاء وَضمّهَا، يُقَال: حزنني وأحزنني، وَأمر محزن وحازن. [١٥] والأسوة: الْقدْوَة.: والمغموص عَلَيْهِ: الْمَعِيب الْمشَار إِلَيْهِ بذلك. [١٥] وَقَوله: وَالنَّظَر فِي عطفه: الْعَطف: الْجَانِب، وَالْمعْنَى مَشْغُول بلذاته وعجبه فِي نَفسه عَن الْجِهَاد. [١٥] وَأما رد معَاذ على من اغتاب كَعْبًا فَفِيهِ تَنْبِيه على الرَّد على كل من يغتاب الْمُسلمين. [١٥] وَقَوله: رأى رجلا مبيضا: أَي عَلَيْهِ ثِيَاب بيض. [١٥] والسراب: هُوَ الَّذِي ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء. واللمز: الْعَيْب.
стр. 619
[١٥] وَفِي اسْم أبي خَيْثَمَة ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا عبد الرَّحْمَن بن بيحان، وَيُقَال: بيجان وَيُقَال سيجان. وَالثَّانِي: الْحجاب، وَالثَّالِث: الْحباب. [١٥] قَوْله: قَافِلًا: أَي رَاجعا. [١٥] والبث: أَشد الْحزن، سمي بذلك لِأَن صَاحبه لَا يصبر حَتَّى يبثه. وأظل قادما: قرب، تَقول: أظلني الشَّيْء: إِذا دنا مِنْك، وَقد سَمِعت من يصحف هَذَا وَيَقُول: أطل بِالطَّاءِ الْمُهْملَة. وَقَوله: زاح عني الْبَاطِل: أَي ذهب عني مَا كنت أَزورهُ فِي نَفسِي من الْعذر الْبَاطِل، فأجمعت صدقه: أَي أحكمت هَذَا وعزمت عَلَيْهِ. قَالَ المؤرج: أَجمعت الْأَمر، أفْصح من: أَجمعت عَلَيْهِ، وَأنْشد:
(يَا لَيْت شعري والمنى لَا تَنْفَع ... )
(هَل أغدون يَوْمًا وأمري مجمع ... ) [١٥] وَأما بداية النَّبِي ﷺ بِالْمَسْجِدِ إِذا قدم من سَفَره فَمن أحسن الْأَدَب، فَإِن الْأَدَب فِي تحايا الْمُلُوك تَقْدِيم الأهم على غَيره، فَبَدَأَ بِخِدْمَة الله وشكره على السَّلامَة. [١٥] والمخلفون: المتخلفون عَن الْغَزْوَة.
стр. 620
[١٥] وَقَوله: ووكل سرائرهم إِلَى الله. الْمَعْنى أَنه قبل عذرهمْ الظَّاهِر، وَترك علم الْبَاطِن إِلَى الْمُنْفَرد بِالْغَيْبِ ليجازيهم عَلَيْهِ. [١٥] " ألم تكن ابتعت ظهرك؟ " أَي مَا تركب عَلَيْهِ. [١٥] والجدل: الْمعرفَة بِإِقَامَة الْحجَج ورد كَلَام الْخصم. [١٥] وَقَوله: ليوشكن: أَي ليسرعن. قَالَ ثَعْلَب: أوشك يُوشك لَا غير. [١٥] قَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: عجبت من سرعَة ذَلِك الْأَمر وسرعه وَمن وَشك ذَلِك ووشكه ووشكانه ووشكانه ووشكانه. [١٥] وَقَوله: أَرْجُو فِيهِ عُقبى الله: أَي مَا يعقبني بصدقي من الْعَفو. وَهَذَا رجل صَادِق الْإِيمَان كَامِل الْعقل، علم أَنه لَا ينْتَفع بِالْكَذِبِ عِنْد من يطلع على الْغَيْب. [١٥] وَقَوله: يؤنبونني من التأنيب: اللوم والتوبيخ، يُقَال: أنبه يؤنبه تأنيبا. [١٥] وَقَوله: فَذكرُوا لي رجلَيْنِ شَهدا بَدْرًا. هَذَا مِمَّا قرأته على الْمَشَايِخ سِنِين، وَمَا نبهني عَلَيْهِ أحد، وَلَا رَأَيْت من نظر فِيهِ مَعَ تتبع بَعضهم أغلاط بعض، فَلَمَّا جمعت أَسمَاء أهل بدر، وَذكرت من اتّفق على حُضُوره وَمن اخْتلف فِيهِ لم أر لهذين الرجلَيْن ذكرا، فَمَا زلت أبحث وأسأل فَلَا يدلني أحد على محجة، وَإِذا الحَدِيث مخرجا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي المسانيد، وَلَا يُنَبه أحد عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِي مَا وَجهه، إِلَى أَن رَأَيْت فِي كتاب " نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه " لأبي بكر الْأَثْرَم،
стр. 621
وَقَالَ فِيهِ: كَانَ الزُّهْرِيّ أوحد أهل زَمَانه فِي حفظ الحَدِيث، وَلم يحفظ عَلَيْهِ من الْوَهم إِلَّا الْيَسِير، من ذَلِك قَوْله فِي هذَيْن الرجلَيْن: شهد بَدْرًا. [١٥] وَأما تَخْصِيص هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة بنهي النَّاس عَن كَلَامهم فَإِنَّهُ دَلِيل على صدق إِيمَانهم، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا من الْمُنَافِقين الَّذين قنع مِنْهُم بالعذر، وَهَذَا كَمَا يُقَال: عَاتب صديقك ودع عَدوك. [١٥] وَقَوله: وَأما صَاحِبَايَ فاستكانا: أَي ضعفا وذلا من الْحزن. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " فَقَالَ: فاستكنا: أَي مَرضا. [١٥] وَقَوله: وَكنت أَطُوف فِي الْأَسْوَاق فَلَا يكلمني أحد. وَذَاكَ لِأَن النَّبِي ﷺ نهى النَّاس عَن كَلَامهم عُقُوبَة لَهُم على تخلفهم. [١٥] وَقَوله: تسورت جِدَار حَائِط أبي قَتَادَة: أَي نزلت من سور الْجِدَار. والجدار: الْحَائِط، والحائط هَاهُنَا: الْبُسْتَان. [١٥] قَالَ الزّجاج: وَسمي النبط نبطا لاستنباطهم مَا يخرج من الأَرْض. [١٥] وَقَوله: ضَاقَتْ عَليّ نَفسِي. ضيق النَّفس: غمها بانحصارها عَن الانبساط الَّذِي ألفته، وَكَانَ حزنه على فعل الْمُوجب لذَلِك. [١٥] وَأما ضيق الأَرْض عَلَيْهِ فلمنع النَّاس من مكالمته ومعاملته، وَأمره
стр. 622
[١٥] باعتزال زَوجته. فضاقت عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ: أَي ضَاقَتْ مَعَ سعتها. وَسُئِلَ بعض القدماء عَن التَّوْبَة النصوح، فَقَالَ: أَن تضيق على التائب أرضه وَنَفسه كَمَا ضَاقَتْ على كَعْب وصاحبيه. وَهَذَا لِأَن المذنب إِذا لاحظ آثَار الطَّرْد، وَخَافَ وُقُوع الْعقُوبَة، وَنَدم على مَا فَاتَ، ضَاقَتْ عَلَيْهِ النَّفس وَالْأَرْض، فَقبلت تَوْبَته لصدق حزنه وندمه. [١٥] وَقَوله: أوفى على سلع: أَي صعد على ذَلِك الْجَبَل. [١٥] وَقَوله: أتأمم رَسُول الله ﷺ : أَي أقصده. [١٥] وَقَوله: إِن من تَوْبَتِي أَن انخلع من مَالِي. هَذَا نظر بِعَين الْعقل أثمر قطع الْقَاطِع، لِأَنَّهُ لَوْلَا مَاله مَا قعد، فَلَمَّا صدقت تَوْبَته رأى أَن من عَلامَة ندمه قطع الْقَاطِع، فَلم يمنعهُ الرَّسُول من ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: " أمسك بعض مَالك فَهُوَ خير لَك ". لعلمه أَن الْقَاطِع إِنَّمَا هُوَ الْفَاضِل عَن الْحَاجة. [١٥] وَقَوله: أبلاه الله: أَي أنعم عَلَيْهِ. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال من الْخَيْر: أبليته، وَمن الشَّرّ: بلاه الله. [١٥] والرجس: المستقذر من كل شَيْء. [١٥] وَقَوله: " يحطمكم النَّاس " أصل الحطم الْكسر، فاستعير هَاهُنَا لِكَثْرَة النَّاس وازدحامهم على أهل الْبَيْت.
стр. 623
٥٩٧ - / ٧١٣ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ: [١٥] عَن كَعْب: أَنهم كَانَت لَهُم غنم ترعى بسلع، فَأَبْصَرت جَارِيَة لَهُم بِشَاة لَهُم موتا، فَكسرت حجرا فذبحتها بِهِ، فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ ، فَأمره بأكلها. [١٥] فِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن ذَبِيحَة النِّسَاء حَلَال، والحرة الْأمة فِي ذَلِك سَوَاء. وَفِيه جوَار الذّبْح بِالْحجرِ الَّذِي لَهُ حد. والْحَدِيث مَحْمُول على أَن هَذِه الذَّبِيحَة كَانَت بهَا حَيَاة مُسْتَقِرَّة فذبحتها، وَلَوْلَا ذَلِك مَا حلت.
٥٩٨ - / ٧١٤ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: [١٥] أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْكُل بِثَلَاث أَصَابِع، فَإِذا فرغ لعقها. [١٥] الْأكل بإصبع وَاحِد لَا يتم بِهِ التَّنَاوُل، وَلَا بِاثْنَيْنِ، وَالْأكل بِأَرْبَع أَو خمس يرفع فَوق مَا يطيقه الْفَم، وَيدل على الشره، وَالْعدْل الْأكل بِثَلَاث. [١٥] وَفِي لعق الْأَصَابِع ثَلَاثَة معَان: أَحدهَا أَنه رُبمَا كَانَت الْبركَة فِي ذَلِك الْقدر الْبَاقِي على الْيَد وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مُسْند جَابر. وَالثَّانِي: أَنه دفع للكبر. وَالثَّالِث: أَنه منع التبذير والتفريط فِيمَا خلق قواما للآدمي. وَقد كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى مص النواة لشدَّة فَقرهمْ.
стр. 624
٥٩٩ - / ٧١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن رَسُول الله ﷺ بَعثه وَأَوْس بن الْحدثَان أَيَّام التَّشْرِيق فناديا: إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن، وَأَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب. [١٥] فَأَما أَيَّام التَّشْرِيق فَهِيَ أَيَّام منى، وَهِي ثَلَاثَة أَيَّام بعد عيد الْأَضْحَى. وَفِي تَسْمِيَتهَا بأيام التَّشْرِيق قَولَانِ ذكرهمَا ثَعْلَب، أَحدهمَا: لِأَن الذّبْح فِيهَا بعد شروق الشَّمْس. وَالثَّانِي: لأَنهم كَانُوا يشرقون فِيهَا اللَّحْم من لُحُوم الْأَضَاحِي، وَهَذَا أصح. وَهِي أَيَّام منى لإقامتهم فِيهَا، وَسميت منى من قَوْلهم: منى الشَّيْء وَقدر كَأَنَّهُ فِيهَا النَّحْر. [١٥] وَقَوله: أَيَّام أكل وَشرب. أَي لَا يجوز فِيهَا الصَّوْم، وَذَلِكَ لِأَن الْقَوْم كالضيف، والضيف لَا يَصُوم عِنْد مضيفه. وَاتفقَ الْعلمَاء على أَنه لَا يجوز أَن يتَطَوَّع بصومها، فَأَما من صامها عَن فرض فَيجوز عندنَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يجوز، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك: لَا يَصح فِيهَا إِلَّا صَوْم الْمُتَمَتّع هُوَ القَوْل الثَّانِي للشَّافِعِيّ. [١٥] فَإِن قيل: مَا الْمُنَاسبَة بَين ذكر الْإِيمَان وَذكر الْأكل وَالشرب؟ فَالْجَوَاب: أَن رَسُول الله ﷺ بَدَأَ بالأهم من ذكر الْإِيمَان، وَفِيه معنى يمس الْحَج، وَهُوَ أَن الْكفَّار قد كَانُوا يحجون، فَأخْبر أَن التَّعَبُّد إِنَّمَا ينفع الْمُؤمنِينَ دون غَيرهم.
стр. 625
(٥٠) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي أسيد مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ [
١٥ -] شهد الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وروى عَنهُ ثَمَانِيَة وَعشْرين حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة أَحَادِيث.
٦٠٠ - / ٧١٦ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " خير دور الْأَنْصَار بَنو النجار، ثمَّ بَنو عبد الْأَشْهَل، ثمَّ بَنو الْحَارِث بن الْخَزْرَج، ثمَّ بَنو سَاعِدَة " وَفِي رِوَايَة: لَو كنت كَاذِبًا لبدأت بقومي وَفِي لفظ: عشيرتي. [١٥] والدور هَاهُنَا الْقَبَائِل. وَالْقَوْم: الرِّجَال دون النِّسَاء، وَسموا قوما لأَنهم يقومُونَ بالأمور. وَالْعشيرَة: الْأَقَارِب الأدنون.
٦٠١ - / ٧١٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] قَالَ النَّبِي ﷺ حِين صففنا لقريش: " إِذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا النبل ". [١٥] صففنا من الصَّفّ، وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: حَيْثُ استففنا لقريش، وَمَعْنَاهُ الْقرب مِنْهُم والتدلي عَلَيْهِم، كَأَن مكانهم كَانَ أهبط
стр. 626
من مَكَان الصَّحَابَة، وَمِنْه قَوْلهم: أَسف الطَّائِر فِي طيرانه: إِذا انحط إِلَى تقَارب الأَرْض. [١٥] وَقَوله: " اكثبوكم " الكثب: الْقرب، وَالْمعْنَى: إِذا قربوا مِنْكُم وغشوكم فارموهم ليتباعدوا. [١٥] وَمعنى " واستبقوا نبلكم " لَا ترموهم إِذا بعدوا، فَإِنَّهُ يضيع النبل.
٦٠٢ - / ٧١٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ حَتَّى انطلقنا إِلَى حَائِط، وَقد أَتَى بالجونية، فَلَمَّا دخل عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ قَالَ: " هبي نَفسك لي " قَالَت: وَهل تهب الملكة نَفسهَا لسوقة. [١٥] الْحَائِط المُرَاد بِهِ الْبُسْتَان. [١٥] وَقد اخْتلفُوا فِي اسْم الْجَوْنِية، فَفِي هَذَا الحَدِيث أُمَيْمَة بنت شرَاحِيل، وَقيل: أَسمَاء بنت النُّعْمَان بن أبي الجون. [١٥] والسوقة: من لَيْسَ بِملك. قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: يذهب عوام النَّاس إِلَى أَن السوقة أهل السُّوق، وَذَلِكَ خطأ، إِنَّمَا السوقة عِنْد الْعَرَب من لَيْسَ بِملك، تَاجِرًا كَانَ أَو غير تَاجر، بِمَنْزِلَة الرّعية الَّتِي تسوسها الْمُلُوك، وَسموا سوقة لِأَن الْملك يسوقهم فينساقون لَهُ، ويصرفهم على مُرَاده، يُقَال للْوَاحِد سوقة، وللاثنين سوقة، وَرُبمَا جمع سوقا، قَالَ زُهَيْر:
(أحار لَا أرمين مِنْكُم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي وَلَا ملك)
стр. 627
وَقَالَت حرقة بنت النُّعْمَان:
(بَينا نسوس النَّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذا نَحن فيهم سوقة نتنصف)
[١٥] فَأَما أهل السُّوق فالواحد مِنْهُم سوقي، وَالْجَمَاعَة سوقيون. [١٥] وَقَوْلها: أعوذ بِاللَّه مِنْك: أَي ألجأ إِلَيْهِ وألوذ بِهِ. وَقَوله: " لقد عذت بمعاذ " أَي: بِمَا يستعاذ بِهِ. [١٥] وَقَوله: " اكسها رازقيين " الرازقية: ثِيَاب من كتَّان. [١٥] وَهَذِه الْجَوْنِية من جملَة من تزوجهن رَسُول الله ﷺ وَلم يدْخل بهَا، وَكَذَلِكَ الْكلابِيَّة، وَاخْتلفُوا فِي اسْمهَا، فَقيل: فَاطِمَة بنت الضَّحَّاك، وَقيل عمْرَة بنت يزِيد، وَقيل: الْعَالِيَة بنت ظبْيَان، وَقيل سبأ بنت سُفْيَان، وَيُقَال: هَذِه الْأَسْمَاء المسميات كُلهنَّ عقد عَلَيْهِنَّ. ومنهن قتيلة أُخْت الْأَشْعَث بن قيس، زوجه إِيَّاهَا الْأَشْعَث، ثمَّ ذهب ليَأْتِيه بهَا فبلغته وَفَاة رَسُول الله ﷺ ، فَردهَا، وارتدا، ثمَّ وَتَزَوجهَا بعد عِكْرِمَة بن أبي جهل، فَوجدَ أَبُو بكر من ذَلِك، فَقَالَ لَهُ عمر: وَالله مَا هِيَ من أَزوَاجه، مَا خَيرهَا وَلَا حجبها، وَقد برأها الله مِنْهُ بالارتداد، وَكَانَ عُرْوَة يُنكر أَن يكون تزَوجهَا. ومليكة بنت كَعْب اللَّيْثِيّ، وَبَعْضهمْ يُنكر تَزْوِيجهَا أصلا. وسبأ بنت أَسمَاء، تزَوجهَا فَمَاتَتْ قبل أَن يدْخل بهَا، ذكره أَبُو نصر بن مَاكُولَا. أم شريك الْأَزْدِيَّة،
стр. 628
وَاسْمهَا غزيَّة بنت جَابر، وَهِي الَّتِي وهبت نَفسهَا للنَّبِي فقبلها ثمَّ طَلقهَا وَلم يدْخل بهَا، وَقيل: لم يقبلهَا. وَقيل: بل الَّتِي وهبت نَفسهَا لَهُ خَوْلَة بنت حَكِيم، فأرجأها فَتَزَوجهَا عُثْمَان بن مَظْعُون. وَخَوْلَة بنت الْهُذيْل، تزَوجهَا فَمَاتَ قبل أَن تصل إِلَيْهِ. وشراف بنت خَليفَة، أُخْت دحْيَة الْكَلْبِيّ، تزَوجهَا وَلم يدْخل بهَا. وليلى بنت الخطيم، أُخْت قيس، تزَوجهَا وَكَانَت غيورا، فاستقالته فأقالها، وَقيل: بل وهبت نَفسهَا لَهُ فَلم يقبلهَا. وَعمرَة بنت مُعَاوِيَة الكندية، جِيءَ بهَا بَعْدَمَا مَاتَ. وَابْنَة جُنْدُب الجندعية، تزَوجهَا، وَأنكر بَعضهم صِحَة ذَلِك. والغفارية تزَوجهَا، فَلَمَّا نزعت ثِيَابهَا رأى بَيَاضًا فَقَالَ: " الحقي بأهلك " وَقد قيل: إِنَّمَا رَأْي الْبيَاض بالكلابية. فَهَذَا عدد اللواتي تزوجهن وَلم يدْخل بِهن، على الْخلاف الْمَذْكُور فِيهِنَّ. [١٥] فَأَما اللواتي خطبهن وَلم يتم نِكَاحه إياهن فَأم هانىء بنت عَمه أبي طَالب خطبهَا فَقَالَت: إِنِّي مصبية، فعذرها. وضباعة بنت عَامر بن قرط، خطبهَا إِلَى ابْنهَا سَلمَة بن هَاشم فَقَالَ: حَتَّى أستأمرها، وَقيل للنَّبِي ﷺ : إِنَّهَا قد كَبرت، فَلَمَّا أَذِنت لابنها رَجَعَ، فَسكت عَنْهَا النَّبِي ﷺ . وَصفِيَّة بنت بشامة، أَصَابَهَا سبيا، فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ : " إِن شِئْت أَنا وَإِن شِئْت زَوجك " قَالَت: زَوجي، فأرسلها، فلعنتها بَنو تَمِيم. وجمرة بنت الْحَارِث الْمُزنِيّ، خطبهَا فَقَالَ أَبوهَا: إِن بهَا سوءا، وَلم يكن بهَا، فَرجع وَقد برصت، وَهِي أم شبيب بن
стр. 629
البرصاء الشَّاعِر. وَسَوْدَة القرشية، خطبهَا فَقَالَت: أكره أَن يضغو صبيتي عِنْد رَأسك، فَدَعَا لَهَا. امْرَأَة لم يذكر اسْمهَا، خطبهَا فَقَالَت استأمر أبي: فَلَمَّا أذن لَهَا أَبوهَا لقِيت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " قد التحفنا لحافا غَيْرك ". [١٥] فَأَما اللواتي وهبْنَ أَنْفسهنَّ لَهُ فقد ذكرنَا أم شريك، وليلى بنت الخطيم، وَخَوْلَة بنت حَكِيم، على الْخلاف الْمُتَقَدّم.
٦٠٣ - / ٧١٩ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم من هَذَا الْمسند: " إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فَلْيقل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك، وَإِذا خرج فَلْيقل: الله إمني أَسأَلك من فضلك ". [١٥] إِنَّمَا خصت الرَّحْمَة بِالدُّخُولِ لِأَن الدَّاخِل طَالب للآخرة، وَالرَّحْمَة أخص مَطْلُوب، وَخص الْفضل بِالْخرُوجِ، لِأَن الْإِنْسَان يخرج من الْمَسْجِد لطلب المعاش فِي الدُّنْيَا وَهُوَ المُرَاد بِالْفَضْلِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ [الْجُمُعَة: ١٠] .
стр. 630
(٥١) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ
[١٥] واسْمه عَمْرو بن ربعي، شهد أحدا وَالْخَنْدَق وَمَا بعدهمَا من الْمشَاهد. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أحد وَعِشْرُونَ.
٦٠٤ - / ٧٢٠ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " إِذا شرب أحدكُم فَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء ". [١٥] هَذَا على وَجه التَّعْلِيم للنظافة، لِأَنَّهُ رُبمَا خرج مَعَ النَّفس شَيْء من الْأنف فَوَقع فِي الْإِنَاء، وَذَلِكَ فَمَا تعافه نفس الشَّارِب فضلا عَن نفس المنتظر لفراغه ليشْرب، وَرُبمَا غير النَّفس ريح المشروب فتعافه النَّفس، وَرب نفس فَاسد يفْسد مَا يلقاه، وَالْمَاء من ألطف الْجَوَاهِر وأقبلها للتغير بِالرِّيحِ. [١٥] فَإِن قيل: فقد صَحَّ من حَدِيث أنس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتنفس فِي الْإِنَاء ثَلَاثًا. [١٥] فَالْجَوَاب: أَن الْمَعْنى يتنفس فِي مُدَّة شربه من الْإِنَاء ثَلَاثًا، وَمعنى
стр. 631
هَذَا التنفس عِنْد إبانة المَاء عَن الْفَم، وَالنَّهْي فِي حديثنا هَذَا أَن يَجْعَل النَّفس فِي الْإِنَاء. [١٥] والخلاء: الْمَكَان الْخَالِي. [١٥] والتمسح والاستنجاء بِمَعْنى: وَهِي الاستطابة. قَالَ أَبُو عبيد: الاستطابة: الِاسْتِنْجَاء وَهُوَ من الطّيب، يَقُول: يطيب جسده مِمَّا عَلَيْهِ من الْخبث بالاستنجاء، يُقَال: استطاب فَهُوَ مستطيب، وأطاب فَهُوَ مُطيب. [١٥] وَإِنَّمَا وَقع النَّهْي عَن مس الذّكر والاستنجاء بِالْيَمِينِ لمعنيين: أَحدهمَا: لرفع قدر الْيَمين عَن الِاسْتِعْمَال فِي خساس الْأَحْوَال، وَلِهَذَا تجْعَل فِي آخر دُخُول الْخَلَاء وَأول دُخُول الْمَسْجِد، وَتجْعَل الْيَمين للْأَكْل وَالشرب والتناول، وتمتهن الْيُسْرَى فِي الأقذار. وَالثَّانِي: أَنه لَو باشرت الْيُمْنَى النَّجَاسَة لَكَانَ الْإِنْسَان يتَذَكَّر عِنْد تنَاول طَعَامه بِيَمِينِهِ مَا باشرت ومست، فينفر بالطبع ويستوحش، ويخيل إِلَيْهِ بَقَاء ذَلِك الْأَثر فِيهَا، فنزهت عَن هَذَا ليطيب عيشه فِي التَّنَاوُل. [١٥] فَإِن قيل: إِذا كَانَ قد نهى عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ، وَعَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ، وَإِن أمْسكهُ باليمنى فقد نهي. فَالْجَوَاب: أَنه يمسح ذكره بِالْأَرْضِ أَو بالجدار أَو بِالْحجرِ الْكَبِير الَّذِي لَا يَتَحَرَّك بِالْمَسْحِ، أَو يضع رجله على طرف الْحجر ثمَّ يتمسح بِهِ، أَو يمسِكهُ بعقبيه، وَأما مسح الدبر فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف.
стр. 632
٦٠٥ - / ٧٢١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كنت جَالِسا مَعَ رجال من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَالْقَوْم محرمون وَأَنا غير محرم عَام الْحُدَيْبِيَة، فَأَبْصرُوا حمارا وحشيا وَأَنا مَشْغُول أخصف نَعْلي ثمَّ أبصرته، فَقُمْت إِلَى الْفرس فركبت، فنسيت السَّوْط وَالرمْح، فَقلت لَهُم: ناولوني السَّوْط وَالرمْح قَالُوا: لَا وَالله، لَا نعينك عَلَيْهِ، فَغضِبت، فَنزلت فأخذتهما، وشددت على الْحمار فعقرته، فوقعوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثمَّ شكوا فِي أكلهم وهم حرم، فرحنا وخبأت الْعَضُد معي، فسألنا رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ: " هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء؟ " فناولته الْعَضُد فَأكلهَا وَهُوَ محرم. [١٥] خصف النَّعْل: خرزها. والمخصف: الإشفى لِأَنَّهُ يخرز بِهِ. [١٥] وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق آخر، وَفِيه فَانْطَلَقت أطلب رَسُول الله ﷺ أرفع فرسي شأوا وأسير شأوا - أَي طلقا - ثمَّ سَأَلت عَنهُ رجلا فَقَالَ: تركته بتعهن وَهُوَ اسْم مَوضِع. [١٥] وَهَذَا الصَّيْد إِنَّمَا صَاده أَبُو قَتَادَة لنَفسِهِ لَا لرَسُول الله ﷺ وَلَا للْقَوْم، فَلهَذَا استجازوا الْأكل مِنْهُ، وَلما كَانُوا حرما لم يعاونوه لِئَلَّا تكون معاونة على الصَّيْد. [١٥] وَقَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم: وَكنت أسمع أَصْحَاب الحَدِيث يتعجبون من هَذَا الحَدِيث وَيَقُولُونَ، كَيفَ جَازَ لأبي قَتَادَة أَن يُجَاوز الْمِيقَات غير محرم؟ وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجهه، حَتَّى رَأَيْته مُفَسرًا، رَوَاهُ عِيَاض بن عبد الله عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ فأحرمنا، فَلَمَّا كُنَّا
стр. 633
بمَكَان كَذَا وَكَذَا إِذا نَحن بِأبي قَتَادَة، كَانَ النَّبِي ﷺ قد بَعثه فِي كَذَا وَكَذَا - فِي شَيْء قد سَمَّاهُ -، فَذكر قصَّة الْحمار الوحشي فَإِذا أَبُو قَتَادَة إِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يخرج يُرِيد مَكَّة.
٦٠٦ - / ٧٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: بَيْنَمَا نَحن نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ سمع جلبة رجال، فَلَمَّا صلى قَالَ: " مَا شَأْنكُمْ؟ " قَالُوا: استعجلنا إِلَى الصَّلَاة. قَالَ: " فَلَا تَفعلُوا، إِذا أتيتم الصَّلَاة فَعَلَيْكُم السكينَة، فَمَا أدركتم فصلوا، وَمَا فاتكم فَأتمُّوا ". [١٥] السكينَة " فعيلة " من السّكُون، وَإِنَّمَا أَمر قَاصد الصَّلَاة بِالسَّكِينَةِ لاستعمال الْأَدَب فِي السَّعْي إِلَى الْعِبَادَة. [١٥] وَقَوله: " فَأتمُّوا " أَكثر الروَاة هَكَذَا رووا " فَأتمُّوا " مِنْهُم ابْن مَسْعُود وَأَبُو قَتَادَة وَأنس، وَأكْثر طرق أبي هُرَيْرَة " فَأتمُّوا " فَإِن الزبيدِيّ وَابْن أبي ذِئْب وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَمعمر، كلهم رَوَوْهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة فَقَالُوا: " فَأتمُّوا " وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ: فَفِي رِوَايَة عَنهُ كَمَا ذكرنَا، وَفِي رِوَايَة أبي الْيَمَان عَنهُ " فاقضوا " وَفِي رِوَايَة عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: " فاقضوا " وَكَذَلِكَ روى ابْن سِيرِين وَأَبُو رَافع عَن أبي هُرَيْرَة
стр. 634
[١٥] وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا يُدْرِكهُ الْمَأْمُوم من صَلَاة الإِمَام، فَقَالَ قوم: هُوَ أول صلَاته، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ آخر صلَاته، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَابْن سِيرِين وَالثَّوْري وَأَصْحَاب الرَّأْي وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَالَّذِي نختاره أَنه آخر صلَاته، وَهُوَ الْأَشْبَه بمذهبنا وَمذهب أبي حنيفَة، لِأَن صَلَاة الْمَأْمُوم مرتبطة بِصَلَاة الإِمَام، فَيحمل قَوْله: " فَأتمُّوا " على أَن من قضى مَا فَاتَهُ فقد أتم، لِأَن الصَّلَاة تنقص بِمَا فَاتَ، فقضاؤه إتْمَام لما نقص.
٦٠٧ - / ٧٢٣ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تروني ". [١٥] إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَلم يكن الإِمَام حَاضرا لم يسن قيام الْمَأْمُوم، لِأَن الْقيام لَا يُرَاد لنَفسِهِ بل للشروع فِي الصَّلَاة فَإِذا قَامَ وَلم يشرع صَار فعله عَبَثا، فَأَما إِذا كَانَ الإِمَام حَاضرا فَأَي وَقت يسن قيام الْمَأْمُومين؟ عندنَا أَنهم يقومُونَ عِنْد قَوْله: قد قَامَت الصَّلَاة، وَيُكَبِّرُونَ للصَّلَاة إِذا فرغ من الْإِقَامَة، وَعند أبي حنيفَة يقومُونَ عِنْد الحيعلة وَيُكَبِّرُونَ عِنْد ذكر الْإِقَامَة، وَعند الشَّافِعِي لَا يقومُونَ إِلَّا عِنْد الْفَرَاغ من الْإِقَامَة
٦٠٨ - / ٧٢٤ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: كَانَ يقْرَأ فِي الظّهْر فِي
стр. 635
الْأَوليين بِأم الْكتاب وسورتين وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأم الْكتاب، ويسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا، وَيطول فِي الرَّكْعَة الأولى مَا لَا يُطِيل فِي الثَّانِيَة. [١٥] ظَاهر هَذَا الحَدِيث يدل على وجوب الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجب فِي الرَّكْعَتَيْنِ من الصَّلَاة، وَقَالَ أَصْحَابه: وُجُوبهَا فِي الْأَوليين، فَإِن قَرَأَ فِي غير الْأَوليين صحت صلَاته. [١٥] وَقَوله: ويسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا. أَي: فِي وَقت، وَذَلِكَ لَا يخرج الصَّلَاة عَن كَونهَا صَلَاة إخفاء. [١٥] وَقَوله: وَيطول فِي الرَّكْعَة الأولى دَلِيل على اسْتِحْبَاب تَطْوِيل الأولى من كل صَلَاة، كَيفَ وَقد قَالَ: كَانَ، وَهِي إِخْبَار عَن دوَام الْفِعْل، وَالْعلَّة فِيهِ أَن يلْحق من سمع الْإِقَامَة وَلم يتأهب، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يُطِيل الإِمَام الأولى فِي الْفجْر فَحسب، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ذكر التَّطْوِيل فِي الظّهْر ثمَّ قَالَ: وَهَكَذَا فِي الْعَصْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: يُسَوِّي بَين جَمِيع الرَّكْعَات.
٦٠٩ - / ٧٢٥ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " الرُّؤْيَا من الله والحلم من الشَّيْطَان، فَإِذا حلم أحدكُم الْحلم يكرههُ فليبصق عَن يسَاره وليستعذ بِاللَّه مِنْهُ، فَلَنْ يضرّهُ ".
следующие страницы →