Полный текст (2 175 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
هَذَا التنفس عِنْد إبانة المَاء عَن الْفَم، وَالنَّهْي فِي حديثنا هَذَا أَن يَجْعَل النَّفس فِي الْإِنَاء. [١٥] والخلاء: الْمَكَان الْخَالِي. [١٥] والتمسح والاستنجاء بِمَعْنى: وَهِي الاستطابة. قَالَ أَبُو عبيد: الاستطابة: الِاسْتِنْجَاء وَهُوَ من الطّيب، يَقُول: يطيب جسده مِمَّا عَلَيْهِ من الْخبث بالاستنجاء، يُقَال: استطاب فَهُوَ مستطيب، وأطاب فَهُوَ مُطيب. [١٥] وَإِنَّمَا وَقع النَّهْي عَن مس الذّكر والاستنجاء بِالْيَمِينِ لمعنيين: أَحدهمَا: لرفع قدر الْيَمين عَن الِاسْتِعْمَال فِي خساس الْأَحْوَال، وَلِهَذَا تجْعَل فِي آخر دُخُول الْخَلَاء وَأول دُخُول الْمَسْجِد، وَتجْعَل الْيَمين للْأَكْل وَالشرب والتناول، وتمتهن الْيُسْرَى فِي الأقذار. وَالثَّانِي: أَنه لَو باشرت الْيُمْنَى النَّجَاسَة لَكَانَ الْإِنْسَان يتَذَكَّر عِنْد تنَاول طَعَامه بِيَمِينِهِ مَا باشرت ومست، فينفر بالطبع ويستوحش، ويخيل إِلَيْهِ بَقَاء ذَلِك الْأَثر فِيهَا، فنزهت عَن هَذَا ليطيب عيشه فِي التَّنَاوُل. [١٥] فَإِن قيل: إِذا كَانَ قد نهى عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ، وَعَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ، وَإِن أمْسكهُ باليمنى فقد نهي. فَالْجَوَاب: أَنه يمسح ذكره بِالْأَرْضِ أَو بالجدار أَو بِالْحجرِ الْكَبِير الَّذِي لَا يَتَحَرَّك بِالْمَسْحِ، أَو يضع رجله على طرف الْحجر ثمَّ يتمسح بِهِ، أَو يمسِكهُ بعقبيه، وَأما مسح الدبر فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف.
стр. 632
٦٠٥ - / ٧٢١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كنت جَالِسا مَعَ رجال من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَالْقَوْم محرمون وَأَنا غير محرم عَام الْحُدَيْبِيَة، فَأَبْصرُوا حمارا وحشيا وَأَنا مَشْغُول أخصف نَعْلي ثمَّ أبصرته، فَقُمْت إِلَى الْفرس فركبت، فنسيت السَّوْط وَالرمْح، فَقلت لَهُم: ناولوني السَّوْط وَالرمْح قَالُوا: لَا وَالله، لَا نعينك عَلَيْهِ، فَغضِبت، فَنزلت فأخذتهما، وشددت على الْحمار فعقرته، فوقعوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثمَّ شكوا فِي أكلهم وهم حرم، فرحنا وخبأت الْعَضُد معي، فسألنا رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ: " هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء؟ " فناولته الْعَضُد فَأكلهَا وَهُوَ محرم. [١٥] خصف النَّعْل: خرزها. والمخصف: الإشفى لِأَنَّهُ يخرز بِهِ. [١٥] وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق آخر، وَفِيه فَانْطَلَقت أطلب رَسُول الله ﷺ أرفع فرسي شأوا وأسير شأوا - أَي طلقا - ثمَّ سَأَلت عَنهُ رجلا فَقَالَ: تركته بتعهن وَهُوَ اسْم مَوضِع. [١٥] وَهَذَا الصَّيْد إِنَّمَا صَاده أَبُو قَتَادَة لنَفسِهِ لَا لرَسُول الله ﷺ وَلَا للْقَوْم، فَلهَذَا استجازوا الْأكل مِنْهُ، وَلما كَانُوا حرما لم يعاونوه لِئَلَّا تكون معاونة على الصَّيْد. [١٥] وَقَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم: وَكنت أسمع أَصْحَاب الحَدِيث يتعجبون من هَذَا الحَدِيث وَيَقُولُونَ، كَيفَ جَازَ لأبي قَتَادَة أَن يُجَاوز الْمِيقَات غير محرم؟ وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجهه، حَتَّى رَأَيْته مُفَسرًا، رَوَاهُ عِيَاض بن عبد الله عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ فأحرمنا، فَلَمَّا كُنَّا
стр. 633
بمَكَان كَذَا وَكَذَا إِذا نَحن بِأبي قَتَادَة، كَانَ النَّبِي ﷺ قد بَعثه فِي كَذَا وَكَذَا - فِي شَيْء قد سَمَّاهُ -، فَذكر قصَّة الْحمار الوحشي فَإِذا أَبُو قَتَادَة إِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يخرج يُرِيد مَكَّة.
٦٠٦ - / ٧٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: بَيْنَمَا نَحن نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ سمع جلبة رجال، فَلَمَّا صلى قَالَ: " مَا شَأْنكُمْ؟ " قَالُوا: استعجلنا إِلَى الصَّلَاة. قَالَ: " فَلَا تَفعلُوا، إِذا أتيتم الصَّلَاة فَعَلَيْكُم السكينَة، فَمَا أدركتم فصلوا، وَمَا فاتكم فَأتمُّوا ". [١٥] السكينَة " فعيلة " من السّكُون، وَإِنَّمَا أَمر قَاصد الصَّلَاة بِالسَّكِينَةِ لاستعمال الْأَدَب فِي السَّعْي إِلَى الْعِبَادَة. [١٥] وَقَوله: " فَأتمُّوا " أَكثر الروَاة هَكَذَا رووا " فَأتمُّوا " مِنْهُم ابْن مَسْعُود وَأَبُو قَتَادَة وَأنس، وَأكْثر طرق أبي هُرَيْرَة " فَأتمُّوا " فَإِن الزبيدِيّ وَابْن أبي ذِئْب وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَمعمر، كلهم رَوَوْهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة فَقَالُوا: " فَأتمُّوا " وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ: فَفِي رِوَايَة عَنهُ كَمَا ذكرنَا، وَفِي رِوَايَة أبي الْيَمَان عَنهُ " فاقضوا " وَفِي رِوَايَة عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: " فاقضوا " وَكَذَلِكَ روى ابْن سِيرِين وَأَبُو رَافع عَن أبي هُرَيْرَة
стр. 634
[١٥] وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا يُدْرِكهُ الْمَأْمُوم من صَلَاة الإِمَام، فَقَالَ قوم: هُوَ أول صلَاته، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ آخر صلَاته، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَابْن سِيرِين وَالثَّوْري وَأَصْحَاب الرَّأْي وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَالَّذِي نختاره أَنه آخر صلَاته، وَهُوَ الْأَشْبَه بمذهبنا وَمذهب أبي حنيفَة، لِأَن صَلَاة الْمَأْمُوم مرتبطة بِصَلَاة الإِمَام، فَيحمل قَوْله: " فَأتمُّوا " على أَن من قضى مَا فَاتَهُ فقد أتم، لِأَن الصَّلَاة تنقص بِمَا فَاتَ، فقضاؤه إتْمَام لما نقص.
٦٠٧ - / ٧٢٣ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تروني ". [١٥] إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَلم يكن الإِمَام حَاضرا لم يسن قيام الْمَأْمُوم، لِأَن الْقيام لَا يُرَاد لنَفسِهِ بل للشروع فِي الصَّلَاة فَإِذا قَامَ وَلم يشرع صَار فعله عَبَثا، فَأَما إِذا كَانَ الإِمَام حَاضرا فَأَي وَقت يسن قيام الْمَأْمُومين؟ عندنَا أَنهم يقومُونَ عِنْد قَوْله: قد قَامَت الصَّلَاة، وَيُكَبِّرُونَ للصَّلَاة إِذا فرغ من الْإِقَامَة، وَعند أبي حنيفَة يقومُونَ عِنْد الحيعلة وَيُكَبِّرُونَ عِنْد ذكر الْإِقَامَة، وَعند الشَّافِعِي لَا يقومُونَ إِلَّا عِنْد الْفَرَاغ من الْإِقَامَة
٦٠٨ - / ٧٢٤ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: كَانَ يقْرَأ فِي الظّهْر فِي
стр. 635
الْأَوليين بِأم الْكتاب وسورتين وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأم الْكتاب، ويسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا، وَيطول فِي الرَّكْعَة الأولى مَا لَا يُطِيل فِي الثَّانِيَة. [١٥] ظَاهر هَذَا الحَدِيث يدل على وجوب الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجب فِي الرَّكْعَتَيْنِ من الصَّلَاة، وَقَالَ أَصْحَابه: وُجُوبهَا فِي الْأَوليين، فَإِن قَرَأَ فِي غير الْأَوليين صحت صلَاته. [١٥] وَقَوله: ويسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا. أَي: فِي وَقت، وَذَلِكَ لَا يخرج الصَّلَاة عَن كَونهَا صَلَاة إخفاء. [١٥] وَقَوله: وَيطول فِي الرَّكْعَة الأولى دَلِيل على اسْتِحْبَاب تَطْوِيل الأولى من كل صَلَاة، كَيفَ وَقد قَالَ: كَانَ، وَهِي إِخْبَار عَن دوَام الْفِعْل، وَالْعلَّة فِيهِ أَن يلْحق من سمع الْإِقَامَة وَلم يتأهب، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يُطِيل الإِمَام الأولى فِي الْفجْر فَحسب، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ذكر التَّطْوِيل فِي الظّهْر ثمَّ قَالَ: وَهَكَذَا فِي الْعَصْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: يُسَوِّي بَين جَمِيع الرَّكْعَات.
٦٠٩ - / ٧٢٥ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " الرُّؤْيَا من الله والحلم من الشَّيْطَان، فَإِذا حلم أحدكُم الْحلم يكرههُ فليبصق عَن يسَاره وليستعذ بِاللَّه مِنْهُ، فَلَنْ يضرّهُ ".
стр. 636
[١٥] الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا، وَالشَّر باسم الْحلم. [١٥] وَقَوله: " فَإِذا حلم أحدكُم " مَفْتُوحَة اللَّام، يُقَال: حلم: إِذا رأى مناما وحلم بِالضَّمِّ من الْحلم الَّذِي هُوَ الْعَفو. [١٥] وَقَوله: " فليبصق عَن يسَاره " هَذَا دحر للشَّيْطَان، فَهُوَ من جنس رمي الْجمار. [١٥] وَقَوله: " وَلَا يحدث بِهِ أحدا " لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَن يذكر مَا يسوء. [١٥] وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " الرُّؤْيَا على رجل طَائِر مَا لم تعبر، فَإذْ عبرت وَقعت ". قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَرَادَ أَنَّهَا غير مُسْتَقِرَّة، تَقول الْعَرَب للشَّيْء إِذا لم يسْتَقرّ: هُوَ على رجل طَائِر، وَبَين مخالب طَائِر، وعَلى قرن ظَبْي، قَالَ رجل فِي الْحجَّاج:
(كَأَن فُؤَادِي بني أظفار طَائِر ... من الْخَوْف فِي جو السَّمَاء محلق)
(حذار امرىء قد كنت أعلم أَنه ... مَتى مَا يعد من نَفسه الشَّرّ يصدق)
[١٥] قَالَ المرار يذكر فلاة:
(كَأَن قُلُوب أدلائها ... معلقَة بقرون الظباء)
[١٥] قَالَ: وَلم يرد بقوله: فَإِذا عبرت وَقعت: أَن كل من عبرها وَقعت، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك الْعَالم بهَا الْمُصِيب الْمُوفق، لَا الْجَاهِل، وَلَا أَرَادَ أَن كل رُؤْيا تعبر، لِأَن أَكْثَرهَا أضغاث.
стр. 637
[١٥] وَاعْلَم أَن الرُّؤْيَا على ثَلَاثَة أضْرب: أَحدهَا: مَا يَقع من حَدِيث النَّفس وَغَلَبَة الطَّبْع. وَالثَّانِي: من إِلْقَاء الشَّيْطَان. وَالثَّالِث: أَن يَأْتِي بهَا ملك الرُّؤْيَا عَن نُسْخَة أم الْكتاب، فَهَذِهِ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَة، وَكَانَ ابْن سِيرِين رُبمَا عبر من كل أَرْبَعِينَ رُؤْيا وَاحِدَة.
٦١٠ - / ٧٢٦ وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " من رَآنِي فقد رأى الْحق ". [١٥] الْمَعْنى: فقد رَآنِي حَقًا، يدل عَلَيْهِ فِي اللَّفْظ الَّذِي قبله، " فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَرَاءَى بِي " أَي لَا يتَمَثَّل بِصُورَتي.
٦١١ - / ٧٢٨ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: " إِذْ دخل أحدكُم الْمَسْجِد فَلَا يجلس حَتَّى يرْكَع رَكْعَتَيْنِ ". [١٥] لَا خلاف فِي اسْتِحْبَاب هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ فِي غير أَوْقَات النَّهْي عَن الصَّلَاة، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي جَوَاز فعلهَا فِي أَوْقَات النَّهْي، وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ: أحداهما: الْجَوَاز كَقَوْل الشَّافِعِي.
٦١٢ - / ٧٢٩ وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِل أُمَامَة بنت زَيْنَب بنت رَسُول الله، فَإِذا سجد وَضعهَا، وَإِذا قَامَ حملهَا. [١٥] كَانَ رَسُول الله ﷺ قد زوج زَيْنَب وَهِي أكبر بَنَاته بِابْن خَالَتهَا أبي الْعَاصِ بن الرّبيع، وَكَانَت أم أبي الْعَاصِ هَالة بنت خويلد أُخْت خَدِيجَة
стр. 638
فَولدت لأبي الْعَاصِ عليا فَتوفي وَقد ناهز الْحلم، وَقد كَانَ رَدِيف رَسُول الله ﷺ على نَاقَته يَوْم الْفَتْح، وَولدت لَهُ أُمَامَة وَهِي الْمَذْكُورَة هَاهُنَا. وَتَزَوجهَا عَليّ بن أبي طَالب بعد موت فَاطِمَة فَولدت لَهُ ولدا سَمَّاهُ مُحَمَّد. [١٥] وَقَوله: فَإِذا سجد وَضعهَا وَإِذا قَامَ حملهَا. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون هَذَا لَا عَن قصد من النَّبِي ﷺ وتعمد، وَلَعَلَّ الصبية لطول مَا ألفته واعتادته فِي غير الصَّلَاة كَانَت تقصده حَتَّى تلابسه فِي الصَّلَاة فَلَا يَدْفَعهَا عَن نَفسه، فَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد أرسلها إِلَى الأَرْض، وَإِذا أَرَادَ الْقيام عَادَتْ الصبية إِلَى ملابسته فَصَارَت مَحْمُولَة، وَأما تعمد حملهَا وحطها فَعمل يكثر، فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَوَهَّم فِيهِ ﷺ أَنه فعل ذَلِك لأجل قَضَاء الصبية وطرا من اللّعب، وَإِذا علم خميصة شغله فِي صلَاته، فَكيف لَا يشْغلهُ هَذَا الْفِعْل؟ . وَفِي الحَدِيث دلَالَة على أَن الْأَطْفَال وأبدانهم طَاهِرَة مَا لم تعلم نجاستها، وَفِيه أَن الْعَمَل الْيَسِير لَا يبطل. وَفِيه أَن الرجل إِذا صلى وَفِي كمه مَتَاع أَو على رقبته كارة وَنَحْوهَا فَإِن صلَاته مجزيه.
٦١٣ - / ٧٣٠ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: كَانَ للْمُسلمين عَام حنين جَوْلَة. [١٥] سَبَب هَذِه الجولة أَن هوَازن اسْتقْبلت رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه
стр. 639
بِجمع كثير، ورشقوا بِالنَّبلِ، فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ، وَثَبت مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ جمَاعَة من أَصْحَابه وَأهل بَيته، مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق وَعمر وَعلي وَالْعَبَّاس، فَقَالَ للْعَبَّاس: " نَاد: يَا معشر الْأَنْصَار، يَا أَصْحَاب السمرَة، يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة " فَنَادَى - وَكَانَ صيتًا - فَأَقْبَلُوا كَأَنَّهُمْ الْإِبِل إِذا حنت إِلَى أَوْلَادهَا، يَقُولُونَ يَا لبيْك، يَا لبيْك، فحملوا على الْمُشْركين فَنظر النَّبِي ﷺ إِلَى قِتَالهمْ فَقَالَ " الْآن حمي الْوَطِيس ". [١٥] وَقَوله فِي هَذَا الحَدِيث: ضَربته على حَبل عَاتِقه. حَبل العاتق: مَا بَين الْعُنُق والكاهل. [١٥] وَقَوله: لَاها الله إِذن. قَالَ الْخطابِيّ: كَذَا يرْوى، وَالصَّوَاب لَاها الله ذَا بِغَيْر ألف قبل الذَّال، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامهم: لَا وَالله، يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو، وَالْمعْنَى لَا وَالله لَا يكون ذَا. [١٥] والمخرف: الْبُسْتَان الَّذِي تخترف ثماره: أَي تجتنى، مَفْتُوح الْمِيم. فَأَما المخرف بِكَسْر الْمِيم فَهُوَ الْوِعَاء الَّذِي يجمع فِيهِ مَا يخْتَرف. وتأثلت المَال: تملكته فَجَعَلته أصل مَال. وأثلة كل شَيْء أَصله. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن السَّلب للْقَاتِل وَإِن لم يشْتَرط لَهُ الْأَمِير، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن شَرطه لَهُ الْأَمِير اسْتَحَقَّه. وَعِنْدنَا أَنه لَا تدخل الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فِي السَّلب خلافًا
стр. 640
لأكثرهم، وَإِنَّمَا يسْتَحق الْقَاتِل السَّلب بأَرْبعَة شَرَائِط: أَن يقْتله حَال قيام الْحَرْب. وَأَن يغرر بِنَفسِهِ، مثل أَن يقْتله مبارزة أَو ينغمس فِي صف الْمُشْركين، وَأَن يكون الْمَقْتُول صَحِيحا سليما، وَأَن يَكْفِي الْمُسلمين شَره، وَهُوَ أَن يكون مُقبلا على قتال الْمُسلمين، فَأَما إِذا كَانَ مُنْهَزِمًا مجروحا فَلَا. وَقَالَ أَبُو ثَوْر وَدَاوُد: كَيفَ قَتله اسْتحق السَّلب. وَاعْلَم أَن بدار أبي بكر بالزجر والردع وَالْفَتْوَى وَالْيَمِين على ذَلِك فِي حَضْرَة رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ يصدقهُ الرَّسُول على مَا قَالَه وَيحكم بقوله شرف لم يكن لأحد من صحابته، فَإِنَّهُ قد كَانَ يُفْتِي فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة عشر من أَصْحَابه: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَابْن مَسْعُود وعمار بن يَاسر وَأبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل وَحُذَيْفَة وَزيد بن ثَابت وَأَبُو الدَّرْدَاء وسلمان وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَلِهَذَا لما قَالَ ذَلِك الرجل لرَسُول الله ﷺ : وَسَأَلت رجَالًا من أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَن على ابْني جلد مائَة، لم يُنكر عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَتْوَى غَيره فِي زَمَانه، لِأَنَّهَا عَن الرَّسُول صدرت، وَعَن تَعْلِيمه أخذت. وَأما الْفَتْوَى فِي حَضرته على مَا وَصفنَا فَلم تكن لأحد سوى أبي بكر، ويكفيه هَذِه فَضِيلَة على مَا وَصفنَا. [١٥] وَقد جَاءَ فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث فِي رِوَايَة أُخْرَى: قَالَ أَبُو بكر: كلا، لَا يُعْطِيهِ أصيبغ من قُرَيْش ويدع أسداً من أَسد الله. قَالَ
стр. 641
أَبُو سُلَيْمَان: يصفه بالمهانة والضعف، والأصبغ نوع من الطير، وَيجوز أَن يكون شبهه بنبات ضَعِيف يُقَال لَهُ الصبغاء.
٦١٤ - / ٧٣١ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: " إِنِّي أقوم إِلَى الصَّلَاة وَأَنا أُرِيد أَن أطول فِيهَا، فَأَسْمع بكاء الصَّبِي، فأتجوز فِي صَلَاتي كَرَاهِيَة أَن أشق على أمه ". [١٥] هَذَا الحَدِيث يدل على شفقته ﷺ ولطفه بأمته، وَقد نبه بِهَذَا على أَن الأولى بالأئمة التَّخْفِيف، وَأَنه لَا يكَاد يَخْلُو بعض المأمونين من أَمر يشغل قلبه، وَإِن لم يكن التشاغل مَعَه. ويستدل بِهَذَا الحَدِيث على جَوَاز انْتِظَار الإِمَام فِي رُكُوعه للداخل إِذا أحس بِهِ من جِهَة أَنه إِذا كَانَ للْإنْسَان أَن يحذف من طول صلَاته لأجل خَارج إِلَى أُمُور الدُّنْيَا، جَازَ أَن يزِيد فِيهَا من عبَادَة الله وتسبيحه لأجل دَاخل فِي الْعِبَادَة. وَقد حكى أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ أَن بعض الْعلمَاء كره ذَلِك، وَقَالَ: أَخَاف أَن يكون شركا. وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْحسن.
٦١٥ - / ٧٣٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: سرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ بَعضهم: لَو عرست بِنَا. التَّعْرِيس: النُّزُول فِي السّفر من آخر اللَّيْل.
стр. 642
[١٥] وحاجب الشَّمْس: جُزْء مِنْهَا مثل الْحَاجِب. [١٥] وَلَعَلَّ بِلَالًا حِين قَالَ: أَنا أوقظكم، لم يقل: إِن شَاءَ الله. [١٥] وَقَوله: فَلَمَّا ارْتَفَعت وابياضت صلى بهم. لَيْسَ المُرَاد أَنهم أخروا الصَّلَاة، وَلَكنهُمْ انتبهوا وَقد طلعت، فتشاغلوا بِالْوضُوءِ، فَلَمَّا تمت طَهَارَته واجتماعهم وَافق ذَلِك ارتفاعها.
٦١٦ - / ٧٣٣ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: أَنه قَالَ لعمَّار: " بؤس ابْن سميَّة، تقتلك فِئَة باغية " [١٥] الْبُؤْس والبأساء: الْفقر، وَهَذَا مِمَّا لَا يُرَاد وُقُوعه، كَمَا يَقُولُونَ: ثكلتك أمك، وتربت يَمِينك. [١٥] وَسُميَّة أم عمار، وَهِي سميَّة بن خباط - بِالْبَاء الْمُعْجَمَة بِوَاحِدَة - مَوْلَاهُ أبي حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، أسلمت قَدِيما بِمَكَّة، وَكَانَت مِمَّن يعذب فِي الله لترجع عَن دينهَا فَلم تفعل، وَصَبَرت، فَمر عَلَيْهَا يَوْمًا أَبُو جهل فَطَعَنَهَا بِحَرْبَة فِي قبلهَا فَمَاتَتْ، وَكَانَت عجوزا كَبِيرا، فَهِيَ أول شَهِيد فِي الْإِسْلَام. [١٥] فَأَما الفئة فَهِيَ الْجَمَاعَة. والباغي من قَوْلك: بغى فلَان على فلَان، يَبْغِي: إِذا طلب مَا لَيْسَ لَهُ.
٦١٧ - / ٧٣٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن رجلا قَالَ: أَرَأَيْت إِن قتلت فِي سَبِيل الله، يكفر عني خطاياي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : " نعم،
стр. 643
إِذا قتلت فِي سَبِيل الله وَأَنت صابر محتسب، مقبل غير مُدبر " ثمَّ أعَاد عَلَيْهِ، فَقَالَ: " إِلَّا الدّين، فَإِن جِبْرِيل قَالَ لي ذَلِك ". وَهَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن التحذير من الدّين، لِأَن حُقُوق المخلوقين صعبة شَدِيدَة الْأَمر تمنع دُخُول الْجنَّة حَتَّى تُؤَدّى، وَقد كَانَ ﵇ يمْتَنع فِي أول الْإِسْلَام من الصَّلَاة على ذِي الدّين، كل ذَلِك للتحذير من حُقُوق المخلوقين، فَكيف بالظلم؟ [١٥] فَإِن قيل: فقد كَانَت عَائِشَة تدان وَتقول: لَا يزَال لذِي الدّين عون من الله تَعَالَى. [١٥] وَالْجَوَاب: أَنه كَانَ لَهَا مَا تُؤدِّي. وَمن الْجَائِز أَن يكون قد كَانَت تضطر إِلَى الدّين. وَالْأولَى الحذر من الدّين، والأغلب أَنه لَا يكَاد يُؤْخَذ إِلَّا بِفُضُول الْعَيْش. أنشدنا أَبُو نصر أَحْمد بن مُحَمَّد الطوسي قَالَ أَنْشدني أَبُو يُوسُف الْقزْوِينِي قَالَ: أَنْشدني أبي قَالَ: أنشدنا القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ لنَفسِهِ:
(إِذا شِئْت أَن تستقرض المَال منفقا ... على شهوات النَّفس فِي زمن الْعسر)
(فسل نَفسك الْإِقْرَاض من كيس صبرها ... عَلَيْك وإنظارا إِلَى زمن الْيُسْر)
(فَإِن فعلت كنت الْغَنِيّ وَإِن أَبَت ... فَكل منوع بعده وَاسع الْعذر)
٦١٨ - / ٧٣٥ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " من سره أَن ينجيه الله من
стр. 644
كرب يَوْم الْقِيَامَة فليتنفس عَن مُعسر، أَو يضع عَنهُ ". [١٥] الْمُعسر: الْمضيق لشدَّة الْفقر. والتنفيس: تَأْخِير أجل الدّين عَن وَقت حُلُوله. والوضع: إِسْقَاط بعض الدّين أَو كُله.
٦١٩ - / ٧٣٦ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " لَا تنتبذوا الزهو وَالرّطب جَمِيعًا، وَلَا الرطب وَالزَّبِيب جَمِيعًا، وَلَكِن انتبذوا كل وَاحِد على حِدته ". [١٥] قَالَ أَبُو عبيد: زهو النّخل: أَن يحمر أَو يصفر. وَإِنَّمَا نهى عَن الْجمع بَينهمَا لِأَنَّهُمَا يتعاونان على الاشتداد، والتعرض بِمَا يُثمر الاشتداد مَكْرُوه، فَإِن حدثت الشدَّة حرمت.
٦٢٠ - / ٧٣٧ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " إيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْحلف فِي البيع، فَإِنَّهُ ينْفق ثمَّ يمحق ". [١٥] الْحلف: الْيَمين. والنفاق: خُرُوج الشَّيْء. ونفقت الدَّابَّة: خرج روحها. والمحق: النُّقْصَان. [١٥] وَالْمعْنَى: أَن السّلْعَة تخرج بِكَثْرَة الْحلف، وَإِنَّمَا تكون هَذِه الْأَيْمَان على جودتها، ثمَّ يَقع فِيمَا حصل بِالْكَذِبِ من الْأَيْمَان النَّقْص والتمحيق.
٦٢١ - / ٧٣٨ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ : " إِنَّكُم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون المَاء - إِن شَاءَ الله - غَدا "
стр. 645
فَانْطَلق النَّاس لَا يلوي أحد على أحد: أَي لَا يلْتَفت من سرعَة السّير لأجل بعد المَاء. [١٥] وابهار اللَّيْل: انتصف. وَقد بَينا هَذَا فِي مُسْند عمر. [١٥] وَقَوله: فدعمته: أَي أمسكته فَكنت لَهُ كالدعامة. [١٥] وَقَوله: من غير أَن أوقظه يُنَبه على التلطف وَحسن الْأَدَب. وتهور اللَّيْل: أَي ذهب أَكْثَره. [١٥] وينجفل: يَنْقَلِب وَيسْقط. [١٥] وَأما سيره بعد طُلُوع الشَّمْس فقد ذكرنَا فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن أَنه قَالَ: " إِن بِهَذَا الْوَادي شَيْطَانا " وَذَلِكَ لَا يُعلمهُ إِلَّا نَبِي، وَلَا يجوز لغيره تَأْخِير الصَّلَاة إِذا انتبه. [١٥] والميضأة: مَا يتَوَضَّأ مِنْهُ. والمطهرة: مَا يتَطَهَّر مِنْهُ من الْأَوَانِي. [١٥] وَقَوله: وضُوءًا دون وضوء. كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى الْوضُوء المجزي دون الْكَامِل. [١٥] والنبأ: الْخَبَر. [١٥] وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَلْفَاظ من غير هَذِه الرِّوَايَة قَالَ لَهُ: " ازدهر بِهَذَا الْإِنَاء " بِمَعْنى احتفظ بِهِ وَلَا تضيعه، وأنشدوا:
(كَمَا ازدهرت قينة بالشراع ... لأسوارها عل مِنْهَا اصطباحا)
стр. 646
[١٥] أَي كَمَا احتفظت بالأوتار الْمُغنيَة. والشراع: الأوتار، والواحدة شرعة، وَجَمعهَا شرع وَشرع، ثمَّ الشراع جمع الْجمع. والأسوار يُقَال بِضَم الْألف وَكسرهَا: وَهُوَ الْوَاحِد من أساورة فَارس، وهم الفرسان، وَقد قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الأسوار من أساورة الْفرس أعجمي مُعرب، وَهُوَ الرَّامِي، وَقيل: الْفَارِس، والأسوار لُغَة فِيهِ، يجمع على الأساور والأساورة، قَالَ الشَّاعِر:
(ووتر الأساور القياسا ... )
(صغدية تنتزع الأنفاسا ... )
[١٥] قَالَ أَبُو سُلَيْمَان البستي: وأظن أَن قَوْله ازدهر كلمة لَيست بعربية، كَأَنَّهَا قبطية أَو سريانية فعربت. وَحكى أَبُو الْحسن الْهنائِي اللّغَوِيّ عَن بَعضهم أَنه قَالَ: إِنَّمَا هِيَ ازتهر بِالتَّاءِ " افتعل " من. الزهرة وَهِي الزِّينَة: أَي تزين بِهِ. [١٥] وَقَوله: فَجعل بَعْضنَا يهمس إِلَى بعض. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الهمس: الصَّوْت الْخَفي. [١٥] وَقَوله: " فَإِن كَانَ الْغَد فليصلها عِنْد وَقتهَا " ظَاهر هَذَا أَن يكون المُرَاد بِهِ صَلَاة الْيَوْم الثَّانِي يُصليهَا عِنْد وَقتهَا، وَحمله الْخطابِيّ على إِعَادَتهَا فِي الْيَوْم الثَّانِي، ثمَّ قَالَ: وَيُشبه أَن يكون ذَلِك اسْتِحْبَابا.
стр. 647
[١٥] وَقَوله: " أطْلقُوا لي غمري " الْغمر: قدح صَغِير، أَو قَعْب صَغِير. وَالْمعْنَى: جيئوني بِهِ. [١٥] وَقَوله تكابوا عَلَيْهِ: أَي وَقع بَعضهم على بعض. [١٥] وَقَوله: " أَحْسنُوا الْمَلأ " كثير من طلاب الحَدِيث يَقُولُونَ الملء، وَسمعت أَبَا مُحَمَّد الخشاب يَقْرَأها كَذَلِك، وفسرها فَقَالَ: ملْء الْقرب، وَهَذَا غلط فَاحش، لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدهم قَعْب صَغِير، وَإِنَّمَا كَانُوا يسقون مِنْهُ لشفاههم وَلم يملأوا مِنْهُ قربَة وَلَا وعَاء، وَلِهَذَا قَالَ: " كلكُمْ سيروى " وَإِنَّمَا هُوَ: أَحْسنُوا الْمَلأ: يَعْنِي الْخلق. قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: أحسن ملأك: أَي خلقك. قَالَ الْمفضل بن سَلمَة: الْمَلأ: الْخلق، وَجمعه أملاء، وَمِنْه الحَدِيث: " أَحْسنُوا أملاءكم " أَي أخلاقكم، وَكَذَلِكَ قَالَ الزّجاج: الْمَلأ: الْخلق، أَحْسنُوا ملأكم: أَي أخلاقكم، قَالَ الشَّاعِر:
(تنادوا يال بهشة إِذْ رأونا ... فَقُلْنَا: أحسني مَلأ جهينا)
[١٥] أَي خلقا. وَقَالَ ابْن السّكيت: أَي أَحْسنُوا أخلاقكم فِي الْحَرْب فافعلوا مَا يجب عَلَيْكُم فِيهَا كَمَا يفعل صَاحب الْخلق الْحسن. قَالَ: وَالْمَلَأ: الْخلق، قَالَ النَّبِي: " أَحْسنُوا ملأكم وأملاءكم " قَالَ ابْن قُتَيْبَة: بَال أَعْرَابِي فِي الْمَسْجِد فَضَربهُ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُم: أَحْسنُوا ملأكم ".
стр. 648
[١٥] وَقَوله: " ساقي الْقَوْم آخِرهم " إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لمعنيين: أَحدهمَا: أَنه قد تفضل بإيثارهم على نَفسه، فَيَنْبَغِي أَن يتمم. وَالثَّانِي: أَنه إِذا شرب وَقد بَقِي أحد اتهمَ بتناول الصافي وَترك الكدر. [١٥] وَقَوله: جامين: أَي مستريحين.
٦٢٢ - / ٧٣٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا عرس بلَيْل اضْطجع على يَمِينه، وَإِذا عرس قبيل الصُّبْح نصب ذراعه وَوضع رَأسه على كَفه. [١٥] قد ذكرنَا أَن التَّعْرِيس نزُول آخر اللَّيْل. وَإِنَّمَا كَانَ يفعل فِي آخر اللَّيْل مَا ذكر لأجل الصَّلَاة، خوفًا أَن يغلبه النّوم.
٦٢٣ - / ٧٤٠ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، كَيفَ تَصُوم؟ فَغَضب. [١٥] أما غَضَبه عِنْد هَذَا السُّؤَال فَلهُ خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: أَنه قد خص بفضائل أوجبت عَلَيْهِ من الشُّكْر مَا لم يجب على غَيره، وَلِهَذَا كَانَ يقف حَتَّى ورمت قدماه، فَكَأَنَّهُ غضب من سُؤال من لم يُشَارِكهُ فِيمَا أنعم بِهِ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنه كَانَ يقوى من التَّعَبُّد على مَالا لَا يقوى غَيره. وَالثَّالِث: أَنه لَو وصف ذَلِك لاعتقد النَّاس وُجُوبه عَلَيْهِم. وَالرَّابِع: أَنه رُبمَا تكلفه السَّائِل ثمَّ عجز عَنهُ ومله فَتَركه. وَالْخَامِس: أَنه تَنْبِيه على كتمان النَّوَافِل. [١٥] وَقَوله: " لَا صَامَ وَلَا أفطر " يشبه أَن يكون كالدعاء عَلَيْهِ،
стр. 649
وَيحْتَمل أَن يكون كالإخبار عَنهُ، فَيكون الْمَعْنى أَنه قد اعْتَادَ إدامة الصَّوْم فارتفعت مشتقه عَنهُ، فَكَأَنَّهُ مَا صَامَ، وَلَا هُوَ فِي عدد المفطرين لصورة الصَّوْم. و " لَا " تكون بِمَعْنى مَا. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَلَا صدق وَلَا صلى﴾ [الْقِيَامَة: ٣١] وَهَذَا فِي حق من صَامَ الدَّهْر كُله. فَأَما إِذا أفطر الْأَيَّام الْمُحرمَة فَلَا بَأْس. [١٥] وَقَوله: " ويطيق ذَاك أحد؟ " هَذَا تَعْظِيم لهَذَا الْأَمر وَبَيَان لصعوبته. [١٥] وَقَوله: " وددت أَنِّي طوقت ذَاك " أَي أطقت ذَلِك. [١٥] فَإِن قيل: من يقدر على الْوِصَال كَيفَ يصعب عَلَيْهِ هَذَا؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَنه كَانَ يواصل فِي بعض الْأَوْقَات، وَرُبمَا عجز لطبع البشرية عَن ذَلِك، وَقد كَانَ يُصَلِّي فِي بعض الْأَوْقَات قَاعِدا، وَيحْتَمل أَن يُشِير بِالْعَجزِ إِلَى أَن ذَلِك يمنعهُ من إِيفَاء أَزوَاجه حقوقهن، لِأَن الصَّوْم يعجزه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَعَ مَا يجب عَليّ من ذَلِك لَا أُطِيق هَذَا. [١٥] وَقَوله: " ثَلَاث من كل شهر، ورمضان صَوْم الدَّهْر " لما كَانَت الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا كَانَت الثَّلَاث قَائِمَة مقَام الشَّهْر، فَهَذِهِ تشْتَمل النَّفْل، ورمضان هُوَ الْفَرْض. [١٥] وَأما صِيَام يَوْم عرفه فَفِي تَسْمِيَة عَرَفَة بِهَذَا الِاسْم قَولَانِ: أَحدهمَا: بِأَن جِبْرِيل كَانَ يري إِبْرَاهِيم الْمَنَاسِك، فَيَقُول: عرفت. وَالثَّانِي: لِأَن آدم وحواء تعارفا هُنَالك.
стр. 650
[١٥] وَقَوله: " أحتسب على الله " أَي أَحسب ذَلِك فِيمَا أدخره عِنْد الله . [١٥] وَقَوله: " يكفر السّنة الَّتِي قبلهَا وَالسّنة الَّتِي بعْدهَا " الَّتِي تَأتي. وعاشوراء يكفر الَّذِي قبله لِأَنَّهُ فِي بداية السّنة، فَكفر الْمَاضِيَة،
стр. 651
(٥٢) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي جهيم الْأنْصَارِيّ
[١٥] واسْمه عبد الله بن الْحَارِث بن الصمَّة. أخرجَا لَهُ حديثين.
٦٢٤ - / ٧٤١ فَالْحَدِيث الأول: " لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ عَلَيْهِ أَن يقف أَرْبَعِينَ خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ " قَالَ الرَّاوِي: لَا أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَو شهرا، أَو سنة. [١٥] إِنَّمَا كره الْمَمَر بَين يَدي الْمُصَلِّي لِأَن الْمَار كالحائل بَينه وَبَين مَقْصُوده، وَيصير كَأَنَّهُ فِي حَال مَمَره مَقْصُود بالتعبد، وَيفرق اجْتِمَاع هم الْمُصَلِّي، فكره لهَذِهِ الْأَشْيَاء.
٦٢٥ - / ٧٤٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أقبل النَّبِي ﷺ من نَحْو بِئْر جمل، فَلَقِيَهُ رجل فَسلم عَلَيْهِ، فَلم يرد عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ حَتَّى أقبل على الْجِدَار، فَمسح بِوَجْهِهِ وَيَديه، ثمَّ رد ﵇. [١٥] بِئْر جمل: اسْم مَوضِع. وَكَأَنَّهُ كره أَن يرد عَلَيْهِ وَهُوَ غير طَاهِر، لِأَن السَّلَام اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى. يبْقى أَن يُقَال: كَيفَ يَصح التَّيَمُّم فِي الْحَضَر؟ [١٥] فَجَوَابه من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون هَذَا فِي أول الْأَمر، ثمَّ
стр. 652
اسْتَقر الْأَمر على غير ذَلِك. وَالثَّانِي: أَنه نوع تشبه بالطاهرين وَإِن لم يكن لَهُ صِحَة، كَمَا أَمر من أكل يَوْم عَاشُورَاء أَن يمسك بَاقِي النَّهَار، وَكَذَلِكَ تُؤمر الْحَائِض إِذا طهرت فِي أثْنَاء النَّهَار بالإمساك. وَالثَّالِث: قد ذهب الْأَوْزَاعِيّ فِي الْجنب يخَاف إِن اغْتسل أَن تطلع الشَّمْس أَنه يتَيَمَّم وَيُصلي قبل فَوَات الْوَقْت. وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: إِذا خَافَ فَوَات صَلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ تيَمّم.
стр. 653
(٥٣) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي الدَّرْدَاء الْأنْصَارِيّ
[١٥] واسْمه عُوَيْمِر. وَيُقَال: عَامر، وعويمر. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث وَتِسْعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة عشر.
٦٢٦ - / ٧٤٣ - والْحَدِيث الأول: خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي شهر رَمَضَان فِي حر شَدِيد، وَمَا فِينَا صَائِم إِلَّا رَسُول الله ﷺ وَعبد الله بن رَوَاحَة. [١٥] اتّفق جُمْهُور الْعلمَاء على جَوَاز الْإِفْطَار فِي السّفر، وَالصَّوْم، وَقَالَ دَاوُد: إِذا صَامَ فِي السّفر لم يَصح، وَهَذَا الحَدِيث يرد عَلَيْهِ. وَاخْتلف الْعلمَاء أَيهمَا أفضل؟ فَذهب ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأَبُو بصرة الْغِفَارِيّ إِلَى أَن الْفطر فِي السّفر أفضل، وَوَافَقَهُمْ من التَّابِعين عَطاء وَعِكْرِمَة وَالزهْرِيّ، وَمن الْفُقَهَاء الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: الصَّوْم أفضل. وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث. وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذَا كَانَ فِي أول الْأَمر ثمَّ نسخ بِأَحَادِيث فِي الصِّحَاح، مِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ لما خرج
стр. 654
إِلَى مَكَّة أفطر. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: إِنَّمَا يُؤْخَذ من أَمر رَسُول الله ﷺ بِالْآخرِ فالآخر. وَقَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم: وَكَانَ أول الْأَمريْنِ اخْتِيَار الصَّوْم فِي السّفر، فَكَانَ النَّبِي ﷺ يَصُوم فِي السّفر ثمَّ أفطر، فاختير الْفطر. وَالثَّانِي: أَنه خرج صَائِما ثمَّ أفطر، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند جَابر أَن النَّبِي ﷺ خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فصَام ثمَّ دَعَا بقدح من مَاء بعد الْعَصْر فَشرب.
٦٢٧ - / ٧٤٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " أَلَيْسَ فِيكُم ابْن أم عبد صَاحب النَّعْلَيْنِ والوسادة والمطهرة؟ يَعْنِي ابْن مَسْعُود. وَفِيكُمْ الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان على لِسَان نبيه؟ يَعْنِي عمارا. وَفِيكُمْ صَاحب سر رَسُول الله ﷺ ؟ يَعْنِي حُذَيْفَة ". [١٥] وَقد ذكرنَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ يَلِي هَذِه الْأَشْيَاء من رَسُول الله ﷺ فِي السّفر. وَقد ذكرنَا فِي مُسْند حُذَيْفَة أَن اسْم أمه أم عبد. [١٥] وَأما كَون عمار أجِير من الشَّيْطَان فشهادة من رَسُول الله ﷺ لَهُ بذلك. وَأما حُذَيْفَة فَإِنَّهُ لما أطلعه رَسُول الله ﷺ على أَسمَاء الْمُنَافِقين دون غَيره قيل لَهُ صَاحب السِّرّ.
стр. 655
٦٢٨ - / ٧٤٥ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: مَا أعرف من أَمر مُحَمَّد شَيْئا إِلَّا أَنهم يصلونَ جَمِيعًا. [١٥] أَشَارَ أَبُو الدَّرْدَاء إِلَى تغير أَحْوَال كَانَ يعرفهَا فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وَقد عَاشَ أَبُو الدَّرْدَاء قَرِيبا من أَوَاخِر ولَايَة عُثْمَان، لِأَن عُثْمَان قتل فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَبُو الدَّرْدَاء توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، فقد رأى فِي تِلْكَ الْأَيَّام مَا لم يكن يألف من تغير النَّاس.
٦٢٩ - / ٧٤٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أقبل أَبُو بكر آخِذا بِطرف ثَوْبه حَتَّى أبدى عَن رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ النَّبِي: " أما صَاحبكُم فقد غامر ". [١٥] لما رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر يمشي مشْيَة خَارِجَة عَن القانون الصَّالح لَهُ علم أَنه قد خَاصم. وغامر بِمَعْنى غاضب، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْغمر: وَهُوَ الحقد. [١٥] وَقَوله: فأسرعت إِلَيْهِ: أَي كَلمته بِمَا لَا يحسن. [١٥] ويتمعر: يتَغَيَّر. وَالْأَصْل فِي التمعر قلَّة النضارة وَعدم إشراق اللَّوْن. يُقَال: مَكَان أمعر: إِذا كَانَ مجدبا.
٦٣٠ - / ٧٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ ". وَقد سبق فِي مُسْند أبي ذَر.
стр. 656
٦٣١ - / ٧٤٨ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم. " لَا يكون اللعانون شُفَعَاء وَلَا شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة " [١٥] اللَّعْن فِي اللُّغَة الْبعد، وَاللّعان: الَّذِي يتَكَرَّر مِنْهُ اللَّعْن، كالمداح، وَلَا يتَكَرَّر هَذَا إِلَّا مِمَّن لَا يُرَاعِي كَلَامه، وَلَا ينظر فِيمَا يَقُول، وَالشَّهَادَة تَقْتَضِي الْعَدَالَة، وَهَذَا مِمَّا ينافيها. وَكَذَلِكَ الشَّفَاعَة تَقْتَضِي منزلَة، وَهَذَا اللاعن نَازل عَن الْمنزلَة، كَيفَ وَقد بولغ فِي الزّجر عَن اللَّعْن حَتَّى أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بِنَاقَة لعنت أَن تسيب على مَا ذكرنَا فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن، كل ذَلِك زجر للاعن.
٦٣٢ - / ٧٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: دَعْوَة الْمَرْء الْمُسلم لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب مستجابة، عِنْد رَأسه ملك مُوكل، كلما دَعَا لِأَخِيهِ بِخَير قَالَ الْملك الْمُوكل بِهِ: آمين، وَلَك بِمثل " [١٥] قَوْله: " يظْهر الْغَيْب " أَي وَهُوَ غَائِب، وَذكر الظّهْر تَأْكِيد للغيبة وَنفي للحضور. وَإِنَّمَا كَانَت دَعْوَة الْمُسلم لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب مستجابة لِأَنَّهُ لم يثرها سوى الدّين، فَكَانَت لذَلِك خَالِصَة، إِذْ لَيْسَ عِنْده بحاضر فَيُقَال: تملقه، والخالص لَا يرد. وَلما وَقعت الْمُنَاسبَة بَين الْملك وَالْمُسلم فِي التدين والتعبد أوجبت نِيَابَة الْملك عَن الْمُسلم، فَهُوَ يَقُول: " وَلَك بِمثل " أَي بِمثل مَا دَعَوْت.
стр. 657
[١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث ترغيب فِي الدُّعَاء للْمُسلمِ بِظهْر الْغَيْب، لِأَنَّهُ يُثَاب عَلَيْهِ بِدُعَاء الْملك، وَدُعَاء الْملك مستجاب. وَفِيه تَنْبِيه على التحذير من غيبَة الْمُسلم، لِأَن الْملك كَمَا يَدْعُو فِي الْخَيْر لَا يسكت عَن جَوَاب الشَّرّ.
٦٣٣ - / ٧٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قَامَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي فسمعناه يَقُول: " أعوذ بِاللَّه مِنْك ألعنك بلعنة الله " فَلَمَّا فرغ قُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: " إِن عَدو الله إِبْلِيس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي " [١٥] اعْلَم أَن إِبْلِيس لما غاظه علو الْإِسْلَام، ونكا فِيهِ اشتهاره وارتفاع قدر نَبينَا ﷺ جَاءَ مُسْتَقْبلا ليؤذيه. [١٥] فَإِن قيل: فَكيف دنا مِنْهُ وَهُوَ يفر من ظلّ عمر؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَنه كَانَ يعلم من رَسُول الله ﷺ الْحلم والصفح، وَمن عمر الغلظة والشدة، فطمع فِي جَانب الْحَلِيم. ثمَّ إِنَّه استقتل فِي أَذَى الرئيس وَلم ير أَن يستقتل فِي أَذَى غَيره. [١٥] وَالْإِشَارَة بدعوة سُلَيْمَان إِلَى قَوْله: ﴿وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ [ص: ٣٥] وَالْمعْنَى: لَو تصرفت فِي الشَّيْطَان بحبسه ضاهيته فِيمَا سخر لَهُ من حبس الشَّيَاطِين، وَقد سَأَلَ أَلا يُشَارك، فَتركت لَهُ هَذِه الْحَالة. [١٥] وَقَوله: " بلعنة الله التَّامَّة " كَأَنَّهُ الْإِشَارَة بِتَمَامِهَا إِلَى دوامها.
٦٣٤ - / ٧٥٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أَنه أَتَى على امْرَأَة محج على بَاب فسطاط فَقَالَ: " لَعَلَّه يُرِيد أَن يلم بهَا؟ " قَالُوا: نعم. قَالَ:
стр. 658
" لقد هَمَمْت أَن ألعنه لعنا يدْخل مَعَه قَبره. كَيفَ يورثه وَهُوَ لَا يحل لَهُ؟ كَيفَ يستخدمه وَهُوَ لَا يحل لَهُ؟ ". [١٥] وَقَالَ أَبُو عبيد: المحج: الْحَامِل المقرب. وَوجه الحَدِيث أَن يكون الْحمل قد ظهر بهَا قبل أَن تسبى فَنَقُول: إِن جَاءَت بِولد وَقد وَطئهَا بعد ظُهُور الْحمل لم يحل لَهُ أَن يَجعله مَمْلُوكا، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي لَعَلَّ الَّذِي ظهر لم يكن حملا، وَإِنَّمَا حدث الْحمل من وَطئه، فَإِن الْمَرْأَة رُبمَا ظن بهَا الْحمل ثمَّ لم يكن شَيْئا، وَالْمعْنَى: لَعَلَّه وَلَده. وَقَوله: كَيفَ يورثه؟ وَالْمرَاد من الحَدِيث النَّهْي عَن وَطْء الْحَوَامِل من السَّبي حَتَّى يَضعن. [١٥] والفسطاط: بِنَاء مَعْرُوف من الخيم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: فِيهِ سِتّ لُغَات: فسطاط، وفسطاط، وفستاط، وفستاط، وفساط، وفساط.
٦٣٥ - / ٧٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " من حفظ عشر آيَات من أول سُورَة الْكَهْف عصم من الدَّجَّال " وَفِي رِوَايَة: " من آخر الْكَهْف ". [١٥] الْكَهْف: المغار فِيهِ الْجَبَل، فَإِن صغر فَهُوَ غَار. [١٥] والدجال: الْكذَّاب، وَقد اشْتهر عِنْد الْإِطْلَاق بِالَّذِي يخرج فِي آخر الزَّمَان. والعصمة: الْمَنْع. [١٥] وَأما تَخْصِيص ذَلِك بِعشر آيَات من أول الْكَهْف فَالَّذِي يظْهر لنا فِيهَا من الْحِكْمَة أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿لينذر بَأْسا شَدِيدا من لَدنه﴾ [الْكَهْف: ٢] يهون
стр. 659
بَأْس الدَّجَّال، وَقَوله: ﴿ويبشر الْمُؤمنِينَ الَّذين يعْملُونَ الصَّالِحَات أَن لَهُم أجرا حسنا ماكثين فِيهِ أبدا﴾ [الْكَهْف: ٢، ٣] يهون الصَّبْر على فتن الدَّجَّال بِمَا يظْهر من نعيمه وعذابه، وَقَوله: ﴿وينذر الَّذين قَالُوا اتخذ الله ولدا﴾ [الْكَهْف: ٤] وَقَوله: ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم﴾ [الْكَهْف: ٥] فذم من يَدعِي لَهُ ولدا، وَلَا مثل لَهُ، فَكيف يَدعِي الإلهية من هُوَ مثل لِلْخلقِ. فقد تَضَمَّنت الْآيَات مَا يصرف فتْنَة الدَّجَّال. إِلَى قَوْله: ﴿إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف فَقَالُوا رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة وهيئ لنا من أمرنَا رشدا﴾ [الْكَهْف: ١٠] فَهَؤُلَاءِ قوم ابتلوا فصبروا وسألوا صَلَاح أُمُورهم فأصلحت، وَهَذَا تَعْلِيم لكل مدعُو إِلَى الشّرك. [١٥] وَمن روى " من آخر الْكَهْف " فَإِن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وعرضنا جَهَنَّم﴾ [الْكَهْف: ١٠٠] مَا يهون مَا يظهره من ناره. وَقَوله: ﴿الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكري﴾ [الْكَهْف: ١٠١] يُنَبه على التغطية على قُلُوب تَابِعِيّ الدَّجَّال، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي تَكْذِيبه أَنه جسم مؤلف يقبل التجزؤ، وَفِي الْآيَات: ﴿أَنما إِلَهكُم إِلَه وَاحِد﴾ [الْكَهْف: ١١٠] والمؤلف للأشياء لَا يكون مؤلفا، ثمَّ هُوَ مَحْمُول على حمَار، وخالق الْأَشْيَاء يكون حَامِلا لَهَا لَا مَحْمُولا، ثمَّ هُوَ معيب بالعور، والصانع لَا يطرقه عيب، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تتضمنه تِلْكَ الْآيَات مِمَّا يدل على كذب الدَّجَّال والكشف عَن فتنته.
٦٣٦ - / ٧٥٤ وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " أَيعْجزُ أحدكُم أَن يقْرَأ فِي لَيْلَة ثلث الْقُرْآن؟ " قَالُوا: كَيفَ يقْرَأ ثلث الْقُرْآن؟ قَالَ: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ [الْإِخْلَاص: ١] تعدل ثلث الْقُرْآن.
стр. 660
[١٥] الْأَحَد عِنْد الْأَكْثَرين بِمَعْنى الْوَاحِد، وَفرق قوم فَقَالُوا: الْوَاحِد فِي الذَّات والأحد فِي الْمَعْنى. [١٥] وَفِي معنى كَونهَا ثلث الْقُرْآن ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا مَا أَنبأَنَا بِهِ زَاهِر ابْن طَاهِر قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ قَالَا: أَنبأَنَا الْحَاكِم أَبُو عبد الله النَّيْسَابُورِي قَالَ: سَمِعت أَبَا الْوَلِيد حسان بن أَحْمد الْفَقِيه يَقُول: سَأَلت أَبَا الْعَبَّاس بن شُرَيْح، قلت: مَا معنى قَول رَسُول الله ﷺ : ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن "؟ قَالَ: إِن الْقُرْآن أنزل أَثلَاثًا: فثلث أَحْكَام، وَثلث وعد ووعيد، وَثلث أَسمَاء وصفات، وَقد جمع فِي ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ أحد الأثلاث وَهُوَ الصِّفَات، فَقيل: إِنَّهَا ثلث الْقُرْآن. [١٥] وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معرفَة الله هِيَ معرفَة ذَاته، وَمَعْرِفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته، وَمَعْرِفَة أَفعاله، فَهَذِهِ السُّورَة تشْتَمل على معرفَة ذَاته، إِذْ لَا يُوجد مِنْهُ مثل وَلَا وجد من شَيْء، وَلَا لَهُ مثل، ذكره بعض فُقَهَاء السّلف. [١٥] وَالثَّالِث: أَن الْمَعْنى: من عمل بِمَا تضمنته من الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ، والإذعان للخالق، كَانَ كمن قَرَأَ ثلث الْقُرْآن وَلم يعْمل بِمَا تضمنه، ذكره ابْن عقيل، قَالَ: وَلَا يجوز أَن يكون الْمَعْنى: من قَرَأَهَا فَلهُ أجر قِرَاءَة ثلث الْقُرْآن، لقَوْل رَسُول ﷺ : " من قَرَأَ الْقُرْآن فَلهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات ".
стр. 661
(٥٣) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي حميد عبد الرَّحْمَن بن سعد السَّاعِدِيّ
[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتَّة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة.
٦٣٧ - / ٧٥٦ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: اسْتعْمل رَسُول الله ﷺ رجلا من الأزد يُقَال لَهُ ابْن اللتبية على الصَّدَقَة، فَلَمَّا قدم قَالَ: هَذَا لكم وَهَذَا أهدي إِلَيّ. [١٥] اسْم ابْن اللتيبة عبد الله، وَيُقَال فِيهِ: ابْن الأتبية. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن هَدَايَا الْعمَّال لَيست كالهدايا الْمُبَاحَة، لِأَن الْعَامِل إِنَّمَا يهدي لَهُ مُحَابَاة ليفعل فِي حق الْمهْدي مَا لَيْسَ لَهُ أَن يفعل، وَتلك خِيَانَة مِنْهُ. [١٥] وَقَوله: " أَفلا جلس فِي بَيت أمه " يَعْنِي إِنَّمَا أهدي إِلَيْهِ لكَونه عَاملا. [١٥] وَقَوله: " يحملهُ يَوْم الْقِيَامَة " فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: يحملهُ بصورته. وَالثَّانِي: يحمل إثمه. [١٥] والرغاء: صَوت الْإِبِل. والخوار: صَوت الْبَقر. واليعار: صَوت الشياه. وَقد صحف بَعضهم فَقَالَ: تنعر بالنُّون. أَنبأَنَا مُحَمَّد بن
стр. 662
الْحسن الحاجي قَالَ: أَنبأَنَا عبد الْبَاقِي بن أَحْمد الْوَاعِظ قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَهْوَازِي قَالَ: حَدثنَا أَبُو أَحْمد العسكري قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عبيد الله بن عمار قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد ابْن أبي سعد عَن الْعَبَّاس بن مَيْمُون قَالَ: صحف أَبُو مُوسَى الزَّمن فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ : سخلة تَيْعر، قَالَ أَبُو مُوسَى: تنعر. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن كل مَا ينْسب بِهِ إِلَى الْحَرَام حرَام، كالقرض الَّذِي يجر مَنْفَعَة، وَكَذَلِكَ من بَاعَ درهما ورغيفا بِدِرْهَمَيْنِ أَو دِينَار، أَو صنجة الْمِيزَان بِدِينَار، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا قد جعل ذَرِيعَة إِلَى الْمَحْظُور.
٦٣٨ - / ٧٥٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فأتينا على حديفة لامْرَأَة، فَقَالَ رَسُول الله: " اخرصوها ". [١٥] الحديقة: الْبُسْتَان. والخرص: الحزر. وَالْمعْنَى: احزروا قدر مَا يحصل من ثَمَرهَا. والوسق: سِتُّونَ صَاعا. [١٥] وَأهْدى صَاحب أَيْلَة لرَسُول الله ﷺ بغلة. لما أهْدى إِلَى رَسُول الله ﷺ مَا يَعْلُو عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أهْدى لَهُ رَسُول الله ﷺ بردا يَعْلُو عَلَيْهِ، ليَكُون الْعُلُوّ فِي الطَّرفَيْنِ لرَسُول الله ﷺ . وَقَوله: " هَذِه طابة " يُرِيد الْمَدِينَة. وَالْمعْنَى طيبَة، يُقَال: طيب وطاب، قَالَ الشَّاعِر يمدح عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁:
(مبارك الأعراق فِي الطاب الطاب ... )
стр. 663
(بَين أبي العَاصِي وَآل الْخطاب ... ) [١٥] وَقَوله: " أحد يحبنا ونحبه " يُرِيد أَن أهل أحد - وهم الْأَنْصَار سكان الْمَدِينَة يحبوننا ونحبهم، فأضاف ذَلِك إِلَى الْجَبَل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ [يُوسُف: ٨٢] [١٥] والدور: الْقَبَائِل، وَقد سبق بَيَانه.
٦٣٩ - / ٧٥٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كَيفَ نصلي عَلَيْك؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى أَزوَاجه وَذريته، كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم ". [١٥] الصَّلَاة من الله: الرَّحْمَة. [١٥] والأزواج جمع زوج، والفصيح من الْكَلَام أَن يُقَال لامْرَأَة الرجل زوج بِغَيْر هَاء، ويذلك جَاءَ الْقُرْآن. [١٥] والذرية فِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا " فعلية " من الذَّر، لِأَن الله أخرج الْخلق من صلب آدم كالذر. وَالثَّانِي: أَن أَصْلهَا ذرورة على وزن " فعلولة "، وَلَكِن لما كثر أبدل من الرَّاء الْأَخِيرَة يَاء فَصَارَت ذروية، ثمَّ أدغمت الْوَاو فِي الْيَاء فَصَارَ ذُرِّيَّة، ذكر الْوَجْهَيْنِ الزّجاج وَصوب الأول.
стр. 664
[١٥] وَأما آل إِبْرَاهِيم، فالآل اسْم لكل من رَجَعَ إِلَى مُعْتَمد عَلَيْهِ، فَتَارَة يكون بِالنّسَبِ، وَتارَة يكون بِالسَّبَبِ، وَتارَة يكون الْآل بِمَعْنى الْأَهْل، وَيَقَع صلَة. [١٥] وَإِبْرَاهِيم اسْم أعجمي، اخْتلفت أَلْفَاظ الْعَرَب بِهِ على حسب مَا رأى كل قوم مِنْهُم أَنه يُقَارب أبنية لغتهم، وَفِيه سِتّ لُغَات: إِحْدَاهُنَّ: إِبْرَاهِيم وَهِي اللُّغَة الفاشية. وَالثَّانيَِة: إبراهام، وَبِه قَرَأَ ابْن عَبَّاس. وَالثَّالِثَة: إبراهم بِكَسْر الْهَاء، قَالَ عبد الْمطلب:
(عذت بِمَا عاذ بِهِ إبراهم ... )
(مُسْتَقْبل الْكَعْبَة وَهُوَ قَائِم ... ) [١٥] وَالرَّابِعَة: إبراهم بِفَتْح الْهَاء. وَالْخَامِسَة: إبراهم بِضَم الْهَاء. وَالسَّادِسَة إبرهم، قَالَ عبد الْمطلب:
(نَحن آل الله فِي كعبته ... لم يزل ذَاك على عهد ابرهم)
[١٥] والحميد بِمَعْنى الْمَحْمُود. والمجيد بِمَعْنى الْمَاجِد. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ الشريف. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: هُوَ الْوَاسِع الْكَرم. وأصل الْمجد فِي كَلَام الْعَرَب السعَة، والماجد: السخي الْوَاسِع الْعَطاء. وَفِي مثل: " فِي كل شجر نَار، واستمجد المرخ والعفار " أَي: استكثر مِنْهُمَا.
стр. 665
٦٤٠ - / ٧٥٩ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ: [١٥] رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِذا كبر جعل يَدَيْهِ حذاء مَنْكِبَيْه. الْمنْكب: رَأس الْكَتف المشرف مِنْهُ. [١٥] وهصر ظَهره: أَي مده وسواه. وَقَالَ الْخطابِيّ: ثناه وخفضه. [١٥] والفقار: خرز الظّهْر، يُقَال: فقرة وفقرة، وَبَعْضهمْ يضم الْفَاء. [١٥] وَقَوله: غير مفترش: أَي لَا يفترش ذِرَاعَيْهِ. وافتراشهما: إلصاقهما بِالْأَرْضِ، وقبضهما يمْنَع التَّمَكُّن من بسط الْكَعْبَيْنِ على الأَرْض. [١٥] وَقَوله فَإِذا جلس فِي الرَّكْعَتَيْنِ - يَعْنِي: التَّشَهُّد الأول - جلس على رجله الْيُسْرَى، وَهُوَ الَّذِي يُسمى الافتراش. [١٥] وَقَوله: فَإِذا جلس فِي الرَّكْعَة الْأَخِيرَة - يَعْنِي التَّشَهُّد الْأَخير، فوصف فِيهِ التورك، وَهُوَ أَن يحني رجلَيْهِ وَيقْعد على الأَرْض.
٦٤١ - / ٧٦٠ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم: [١٥] أتيت النَّبِي ﷺ بقدح لبن من النقيع، لَيْسَ مخمرا، فَقَالَ: " أَلا خمرته وَلَو تعرض عَلَيْهِ عودا ". [١٥] المخمر: المغطى. [١٥] وَقَوله: " تعرض ": أَي وَلَو أَن تعرض، وَالرَّاء مَضْمُومَة، وَبَعض الْعلمَاء يكسرها، وَالْمعْنَى أَن تجْعَل الْعود على عرضه، وَذَلِكَ
стр. 666
يستر بعضه. [١٥] والأسقية جمع سقاء، وَهُوَ الْجلد المدبوغ الْمُتَّخذ للْمَاء كالقربة وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لمسك السخلة مَا دَامَت ترْضع شكوة، فَإِذا فطم فمسكة البدرة، فَإِذا أجذع فمسكة السقاء. [١٥] وتوكى: تشد أفواهها. قَالَ أَبُو حميد: إِنَّمَا أَمر أَن توكى لَيْلًا. وَقد بيّنت عِلّة تَخْصِيص اللَّيْل بذلك على مَا سَيَأْتِي فِي مُسْند جَابر إِن شَاءَ الله.
стр. 667
(٥٥) كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الله بن سَلام
[١٥] وَهُوَ من ولد يُوسُف بن يَعْقُوب ﵉، أسلم فِي أول سنة من سني الْهِجْرَة. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا: أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٦٤٢ - / ٧٦١ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: فِي ذكر مَنَام لَهُ: فَجَاءَنِي منصف: الْمنصف بِكَسْر الْمِيم: الوصيف وَالْخَادِم. [١٥] وَقَوله: فرقيت: الْقَاف مَكْسُورَة، يُقَال: رقيت: إِذا صعدت، ورقيت، بِفَتْح الْقَاف من الرّقية. وَبَعض الْمُحدثين يفتح الْقَاف فِي الصعُود وَلَا يدْرِي. [١٥] وَقَوله: وَتلك العروة، عُرْوَة الوثقى. إِنَّمَا لم يقل العروة الوثقى لِأَنَّهُ يجوز نِسْبَة الشَّيْء إِلَى نَفسه، كَقَوْلِه: ﴿ولدار الْآخِرَة﴾ [النَّحْل: ٣٠] . [١٥] والجواد: الطّرق، واحدتها جادة. [١٥] والمنهج: الْمُسْتَقيم. [١٥] وَقَوله: فزجل بِي: أَي رمى بِي.
стр. 668
٦٤٣ - / ٧٦٢ وَفِيمَا انْفَرد البُخَارِيّ عَن ابْن سَلام: [١٥] قَالَ: إِذا كَانَ لَك على رجل حق وَأهْدى إِلَيْك حمل تبن أَو حمل قت فَلَا تَأْخُذهُ؛ فَإِنَّهُ رَبًّا. [١٥] القت مَعْرُوف من علف الْبَهَائِم. وَإِنَّمَا نَهَاهُ عَن قبُول الْهَدِيَّة من الْمَدِين لِأَنَّهُ فِي معنى الرِّبَا، من جِهَة أَنه يطْلب بذلك مسامحته وَتَأْخِير دينه.
стр. 669
(٥٦) كشف الْمُشكل من مُسْند سهل بن أبي حثْمَة
[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة. ٦٤٤ / ٧٦٣ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: انْطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مَسْعُود إِلَى خَيْبَر وَهِي يَوْمئِذٍ صلح، فتفرقا، فَأتى محيصة إِلَى عبد الله بن سهل وَهُوَ يَتَشَحَّط فِي دَمه قَتِيلا. أَي يضطرب فِيهِ. [١٥] وَقَوله: " كبر " أَي ليَتَكَلَّم الْأَكْبَر. [١٥] وَقَوله: " فتبرئكم يهود " أَي تحلف بِالْبَرَاءَةِ من قَتله. [١٥] وَقَوله: فعقله النَّبِي ﷺ : أَي أعْطى دِيَته. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: عقلت الْمَقْتُول: أَعْطَيْت دِيَته. وعقلت عَن فلَان: إِذا لَزِمته دِيَة فأعطيتها عَنهُ. قَالَ الْأَصْمَعِي: كلمت القَاضِي أَبَا يُوسُف عِنْد الرشيد فِي هَذَا فَلم يفرق بَين عقلته وعقلت عَنهُ حَتَّى فهمته. قَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون النَّبِي ﷺ إِنَّمَا أعطَاهُ من سهم الغارمين على معنى الْحمالَة فِي إصْلَاح ذَات الْبَين، إِذْ لَا مصرف لمَال الصَّدقَات فِي الدِّيات.
стр. 670
[١٥] وَقَوله: برمتِهِ. أَي يسلم إِلَى أَوْلِيَاء الْقَتِيل. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الرمة: الْحَبل الْبَالِي، وأصل هَذَا أَن رجلا دفع إِلَى رجل بَعِيرًا بِحَبل فِي عُنُقه، فَقيل ذَلِك لكل من دفع شَيْئا بجملته. [١٥] وَقَوله: فوداه: أَي أدّى دِيَته. [١٥] والمربد: موقف الأبل، واشتقاقه من ربد: أَي أَقَامَ، والمربد أَيْضا: مَوضِع يلقى فِيهِ التَّمْر كالجرين. [١٥] وَاعْلَم أَن الْقسَامَة مِمَّا حكم بِهِ الْجَاهِلِيَّة، وَأول من قضى بهَا الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، فأقرها الْإِسْلَام. وَأول قسَامَة كَانَت فِي الْإِسْلَام فِي بني هَاشم، ثمَّ ثنت هَذِه الْقِصَّة والقسامة مَعْمُول بهَا. [١٥] وَعِنْدنَا أَنه يبْدَأ فِيهَا بأيمان المدعين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يبْدَأ بأيمان الْمُدعى عَلَيْهِم. وَإِذا حلف الْوَلِيّ فِي الْقسَامَة وَجب الْقصاص عندنَا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي " الْجَدِيد ": لَا يجب عَلَيْهِ الْقصاص بِحَال. وَعِنْدنَا أَنه لَيْسَ للْوَلِيّ أَن يقسم على أَكثر من وَاحِد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يجوز أَن يَدعِي على جمَاعَة. وَعِنْدنَا أَن الْقسَامَة تجب وَإِن لم يكن بالقتيل أثر. وَعَن أَحْمد: لَا يجب حَتَّى يكون بِهِ أثر كَقَوْل أبي حنيفَة. واللوث الَّذِي تجب مَعَه الْقسَامَة هُوَ الْعَدَاوَة الظَّاهِرَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الِاعْتِبَار بِوُجُود الْقَتِيل فِي مَحَله وَبِه أثر. وَإِذا كَانَ المدعون جمَاعَة قسمت الْأَيْمَان عَلَيْهِم بِالْحِسَابِ وجبر
следующие страницы →