← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5906

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ابن الجوزي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

١٠٥٢ - / ١٢٦٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: أَن عمر حمل على فرس، ثمَّ رَآهَا تبَاع. [١٥] وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عمر. ١٠٥٣ - / ١٢٦٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: وجد عمر حلَّة من إستبرق تبَاع، فَأَخذهَا. [١٥] قد فسرنا فِي مُسْند عمر الْحلَّة، والسيراء، وَفِي مُسْند حُذَيْفَة الديباج. وَفِي مُسْند الْبَراء الإستبرق. [١٥] وَعُطَارِد: هُوَ ابْن حَاجِب بن زُرَارَة التَّمِيمِي، وَكَانَ فِي وَفد تَمِيم الَّذين قدمُوا على رَسُول الله ﷺ ، فَخَطب وفخر، فَأمر رَسُول الله ﷺ ثَابت بن قيس بن شماس فَأَجَابَهُ، وَأسلم وَصَحب رَسُول الله ﷺ [١٥] وَأما القباء فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور قَالَ: قيل: هُوَ فَارسي مُعرب، وَقيل: هُوَ عَرَبِيّ، وإشتقاقه من القبو: وَهُوَ الضَّم وَالْجمع. وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن التجمل بالثياب غير مُنكر فِي الشَّرِيعَة، وَأَن التهيؤ للقاء النَّاس بالتجمل الْمُبَاح لَا يُنكر، لِأَن عمر قَالَ لَهُ: تجمل بِهَذِهِ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ امْتنع مِنْهَا لكَونهَا حَرِيرًا. وَهَذَا على خلاف مَذْهَب المتقشفين من جهال المتزهدين.

стр. 982

وَقد روينَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه خرج يَوْمًا وَعَلِيهِ حلَّة يمَان، وعَلى فرقد جُبَّة صوف، فَجعل فرقد يمس حلَّة الْحسن ويسبح، فَقَالَ لَهُ: يَا فرقد، ثِيَابِي ثِيَاب أهل الْجنَّة، وثيابك ثِيَاب أهل النَّار - يَعْنِي القسيسين والرهبان. وَقَالَ لَهُ: يَا فرقد، إِن التَّقْوَى لَيست فِي لبس هَذَا الكساء، وَإِنَّمَا التَّقْوَى مَا وقر فِي الصَّدْر وَصدقه الْعَمَل. ١٠٥٤ - / ١٢٦٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: " لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ " وَقد فسرناه فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. ١٠٥٥ - / ١٢٦٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: أَن عمر انْطلق مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي رَهْط من أَصْحَابه قبل ابْن صياد حَتَّى وجدوه يلْعَب مَعَ الصّبيان عِنْد أَطَم بني مغالة. [١٥] الأطم: الْحصن. وَقد شرحنا هَذِه الْكَلِمَة فِي مُسْند الزبير. [١٥] وَقَوله: " رَسُول الْأُمِّيين " وهم جمع أُمِّي: وَهُوَ الَّذِي لَا يحسن الْكِتَابَة، وَفِي تَسْمِيَته بذلك ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: لِأَنَّهُ على خلقَة الْأمة الَّتِي لم تتعلم الْكتاب، فَهُوَ على جبلته، قَالَه الزّجاج، وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ على مَا وَلدته أمه. وَالثَّالِث: للنسبة إِلَى أمه فِي الْجَهْل بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَن الْكِتَابَة كَانَت فِي الرِّجَال دون النِّسَاء.

стр. 983

[١٥] وَقَوله: فرفصه: أَي أعرض عَنهُ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا هُوَ فرصه بالصَّاد الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة، وَمِنْه: رص الْبناء، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ [الصَّفّ: ٤] وَالْمعْنَى أَنه ضغطه حَتَّى ضم بعضه إِلَى بعض. [١٥] وَقَوله: يأتيني صَادِق وكاذب، فَقَالَ " خلط عَلَيْك الْأَمر ". وَقد ذكرنَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود قِطْعَة من أخباره، وَذكرنَا أَن اسْمه عبد الله. وَقد روينَا هَاهُنَا أَن اسْمه صَاف، فَلَعَلَّهُ كَانَ سمي بالاسمين. وَبينا هُنَاكَ معنى قَوْله: " اخْسَأْ، فَلَنْ تعدو قدرك ". [١٥] وَقَوله: طفق: أَي أَخذ فِي الْفِعْل. [١٥] وَقَوله: يَتَّقِي بجذوع النّخل، أَي يَتَّقِي أَن يرى، لَا ستتاره بهَا. [١٥] ويختل: الختل: الخديعة فِي استتار، وَطلب نيل الْغَرَض من غير علم الْمَطْلُوب مِنْهُ. [١٥] والقطيفة وَاحِدَة القطائف: وَهُوَ ضرب من الأكسية. [١٥] والزمزمة: صَوت مردد دَاخل الْفَم لَا يكَاد يفهم. [١٥] وَقَوله: " تعلمُوا أَنه أَعور " أَي اعلموا. وَالْمرَاد بِذكر العور النَّقْص، وَالنَّقْص لَا يجوز على الْإِلَه. قَالَ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل: يحْسب بعض الْجُهَّال أَنه لما نفي العور عَن الله تَعَالَى أثبت من الْخطاب أَنه ذُو عينين، وَهَذَا بعيد من الْفَهم، إِنَّمَا نفي عَن الله تَعَالَى العور من حَيْثُ نفي النقائض، وَهَذَا مثل مَا نفي الْوَلَد عَنهُ، لَا يُرِيد بِهِ

стр. 984

(لم يلد) لِأَنَّهُ ذكر وَلَيْسَ بأنثى، وَلَا أَنه يَتَأَتَّى مِنْهُ، لَكِن لم يلد لِأَنَّهُ مُسْتَحِيل عَلَيْهِ التجزؤ والانقسام. وَلَو كَانَت الْإِشَارَة بِالْحَدِيثِ إِلَى صُورَة كَامِلَة لم يكن فِي ذَلِك دَلِيل على الإلهية وَلَا الْقدَم؛ فَإِن الْكَامِل فِي الصُّورَة كثير، وَمَا يُشَارك فِيهِ الْمُحدث لَا يكون خصيصة الْقدَم والإلهية، وَلَو كَانَ العور دلَالَة على نفس الإلهية لَكَانَ الْكَمَال فِي الصُّورَة دلَالَة على إِثْبَاتهَا. أتراه لم يجد فِي الدَّجَّال مَا يسْتَدلّ بِهِ على نفي الإلهية إِلَّا العور، حاشاه أَن يقْصد ذَلِك، وَفِي الدَّجَّال من النقلَة والتحرك وركوب الْحمار وَأكل الطَّعَام وَغير ذَلِك مَا يدل على الْحَدث، فَلَمَّا عدل إِلَى ذكر العور دلّ على أَنه أَرَادَ أَن الْإِلَه لَا تلْحقهُ النقائض. وَأما الْمَكْتُوب بَين عَيْني الدَّجَّال فلزيادة فضيحته، وتسليط الْمُؤمن على الْقِرَاءَة لذَلِك الْمَكْتُوب وَإِن لم يكن قَارِئًا أكْرم لَهُ بكشف الشُّبُهَات عَن وَجهه. ١٠٥٦ - / ١٢٦٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: بَينا أَنا قَائِم أَطُوف بِالْبَيْتِ، فَإِذا رجل آدم. [١٥] هَذَا كَانَ فِي الْمَنَام، وَقد صرح بذلك فِي لفظ آخر. [١٥] والآدم: الأسمر. [١٥] وَالشعر السبط: المنبسط، على ضد الْجَعْد. [١٥] ويهادى بَين رجلَيْنِ: يمشي بَينهمَا فيعتمد عَلَيْهِمَا. [١٥] وينطف رَأسه: يقطر من شعر رَأسه المَاء. [١٥] والطافية من الْعِنَب: الْحبَّة الَّتِي خرجت عَن حد نبت أخواتها

стр. 985

فنتأت وعلت، وَمِنْه الطافي من السّمك، سمي بذلك لِأَنَّهُ علا على ظهر المَاء. [١٥] وَأما تَسْمِيَة عِيسَى بالمسيح فَفِيهِ سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: لِأَنَّهُ أَمسَح الرجل لَا أَخْمص لَهَا، رَوَاهُ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يسمح بِيَدِهِ ذَا عاهة إِلَّا برِئ، رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّالِث: أَن معنى الْمَسِيح: الصّديق، رَوَاهُ النَّخعِيّ. وَالرَّابِع: لِأَنَّهُ مسح بِالْبركَةِ، قَالَه الْحسن. وَالْخَامِس: لِأَنَّهُ كَانَ يمسح الأَرْض. أَي يقطعهَا، قَالَه ثَعْلَب. وَالسَّادِس: لِأَنَّهُ مسح عُمُوم الْكفْر الَّذِي كَانَ قبله، ذكره ابْن مقسم. وَالسَّابِع: لِأَنَّهُ خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، حَكَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي. [١٥] وَأما ابْن قطن فَقَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ رجل من خُزَاعَة هلك فِي الْجَاهِلِيَّة. [١٥] وَقَوله: بَين ظهراني النَّاس، النُّون مَفْتُوحَة لَا غير. يُقَال: بَين ظهرانهم وظهريهم: أَي بَينهم وَفِي جَمَاعَتهمْ. [١٥] والدجال: الْكذَّاب. وَقد أشبعنا الْكَلَام فِي معنى الدَّجَّال فِي مُسْند حُذَيْفَة. وَأما تَسْمِيَته بالمسيح فَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: سمي مسيحا لِأَن إِحْدَى عَيْنَيْهِ ممسوحة عَن أَن ينظر بهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عبيد: لِأَنَّهُ مَمْسُوح إِحْدَى الْعَينَيْنِ.

стр. 986

[١٥] واللمة: شعر الرَّأْس إِذا جَاوز الْأُذُنَيْنِ وحاذاهما، كَأَنَّهُ ألم بهما، سمي بإلمامه بهما لمة. فَإِذا بغلت اللمة الْمَنْكِبَيْنِ فَهِيَ جمه. [١٥] وَقَوله: رجل الشّعْر. قَالَ الزّجاج: شعر رجل وَرجل: وَهُوَ المسترسل. فَإِن كَانَ مسترسلا وَفِي أَطْرَافه شَيْء من الجعودة قيل شعر أحجن. [١٥] وَقد ذكرنَا مَا وصف بِهِ مُوسَى ﵇ هَاهُنَا فِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ من مُسْند ابْن عَبَّاس. ١٠٥٧ - / ١٢٧٠ وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: " أَلا إِن الْفِتْنَة هَاهُنَا - يُشِير إِلَى الْمشرق - من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان ". [١٥] أما تَخْصِيص الْفِتَن بالمشرق فَلِأَن الدَّجَّال يخرج من تِلْكَ النَّاحِيَة، وَكَذَلِكَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج. وَأما ذكر قرن الشَّيْطَان فعلى سَبِيل الْمثل، كَأَن إِبْلِيس يطلع رَأسه بالفتن من تِلْكَ النواحي. [١٥] فَأَما الشَّام فمأخوذ من الْيَد الشؤمى: وَهِي الْيُسْرَى، وَيُقَال: أَخذ شأمه: أَي على يسَاره، فَهِيَ عَن يسَار الْكَعْبَة. واليمن مَأْخُوذ من الْيَد الْيُمْنَى لِأَنَّهَا عَن يَمِين الْكَعْبَة. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: نجد نَاحيَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أَهلهَا، وأصل النجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وَقَالَ ابْن فَارس:

стр. 987

الأَصْل فِي نجد الِارْتفَاع، يُقَال للْأَرْض المرتفعة نجد، وخلافه الْغَوْر. [١٥] والزلزلة: قُوَّة التحريك وترديده. [١٥] فَأَما الْعرَاق فقد سبق بَيَانه فِي مُسْند سهل بن حنيف. [١٥] وَقَوله: ﴿وَفَتَنَّاك فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] فَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْفُتُون: وُقُوعه فِي محنة بعد محنة، ثمَّ خلصه الله مِنْهَا، كولادته فِي وَقت ذبح الْأَطْفَال، وَمنعه الرَّضَاع، ومده لحية فِرْعَوْن وتناوله الْجَمْرَة، وَقَتله القبطي. فعلى هَذَا يكون الْمَعْنى: خلصناك من تِلْكَ المحن كَمَا يفتن الذَّهَب بالنَّار فيخلص من كل خبث. ١٠٥٨ - / ١٢٧١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: فِي لَيْلَة الْقدر: " التمسوها فِي الْعشْر الغوابر ". [١٥] الغوابر: الْبَوَاقِي. [١٥] وَقَوله: " أرى رؤياكم قد تواطأت " أَي توافقت. وَأخْبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أخبرنَا أَبُو زَكَرِيَّا قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري: تواطأت فِي الْعَرَبيَّة أقوى من تواطت. [١٥] وَقَوله: تَحَيَّنُوا. التحين طلب الشَّيْء فِي حِين مُخْتَصّ بِهِ.

стр. 988

١٠٥٩ - / ١٢٧٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: " فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ ". [١٥] غم بِمَعْنى ستر بغيم أَو غَيره. [١٥] وللعلماء فِي معنى " فاقدروا لَهُ " قَولَانِ: أَحدهمَا: قدرُوا لَهُ شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأَن فِي أَكثر أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث مَا يدل على هَذَا، فَمِنْهَا لفظ أخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جبلة بن سحيم عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ لَيْلَة، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تروه، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ " وَفِي لفظ أخرجه مُسلم: " صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا ثَلَاثِينَ " وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو هُرَيْرَة مُفَسرًا، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيثه عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " كَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ. وَفِي لفظ مُتَّفق عَلَيْهِ: " فعدوا ثَلَاثِينَ ". ويوضح هَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة كِلَاهُمَا عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " فَإِن غم عَلَيْكُم فعدوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ صُومُوا ".

стр. 989

[١٥] وَالْقَوْل الثَّانِي: ضيفوا لَهُ عددا يطلع فِي مثله، وَذَلِكَ باحتساب شعْبَان تسعا وَعشْرين، وعَلى هَذَا مَا يذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا. [١٥] وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا إِذا حَال دون مطلع الْهلَال غيم أَو قتر فِي لَيْلَة الثَّلَاثِينَ. وَعَن أَحْمد ثَلَاث رِوَايَات: إِحْدَاهُنَّ: يلْزم الصَّوْم، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عمر وَأنس وَعَائِشَة وَأَسْمَاء. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: لَا يجوز صَوْمه من رَمَضَان وَلَا نفلا، إِلَّا أَن يكون نفلا يُوَافق عَادَة، وَيجوز صَوْمه قَضَاء وَكَفَّارَة ونذرا، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي. وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة: أَن الْمرجع إِلَى رَأْي الإِمَام فِي الصَّوْم وَالْفطر، وَهُوَ قَول الْحسن وَابْن سِيرِين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يجوز صَوْمه من رَمَضَان، وَيجوز صِيَامه مَا سوى ذَلِك. وَالرِّوَايَة الأولى هِيَ المنصورة عِنْد أَكثر أَصْحَابنَا، ويستدلون على صِحَة تفسيرهم الحَدِيث بِفعل ابْن عمر؛ فَإِنَّهُ قد روى الجوزقي فِي كِتَابه الْمخْرج على الصَّحِيحَيْنِ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ: فَكَانَ ابْن عمر إِذا كَانَ تسع وَعِشْرُونَ إِن رأى فِي السَّمَاء قترة أَو غمامة اصبح صَائِما. وَمَعْلُوم أَن الصَّحَابَة أعلم بمعاني كَلَام رَسُول الله ﷺ وَمرَاده، فَوَجَبَ الرُّجُوع إِلَى تَفْسِير ابْن عمر لهَذَا، كَمَا رَجعْنَا إِلَيْهِ فِي خِيَار الْمجْلس؛ فَإِنَّهُ كَانَ يمشي ليلزم البيع. وحملوا قَوْله: " فاقدروا ثَلَاثِينَ " على مَا إِذا غم هِلَال شَوَّال، فَإنَّا نقدر ثَلَاثِينَ احْتِيَاطًا للصَّوْم كَمَا قَدرنَا فِي أَوله للصَّوْم. وَسَيَأْتِي الْكَلَام على حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي مُسْنده إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 990

١٠٦٠ - / ١٢٧٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: أَن رَسُول الله ﷺ مر على رجل وَهُوَ يعظ أَخَاهُ فِي الْحيَاء، فَقَالَ: " دَعه؛ فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان ". [١٥] اعْلَم أَن من أَخْلَاق الْمُؤمن الْحيَاء، وَالْحيَاء انقباض، وَالْمُؤمن منقبض حَيَاء من خالقه، وإجلالا لهيبته، وحذرا من عِقَابه، فَصَارَ الانقباض خلقا لِلْمُؤمنِ، فاستحيا من أَبنَاء جنسه. [١٥] فَإِن قيل: كَيفَ جعل الْحيَاء - وَهُوَ غريزة - من الْإِيمَان الَّذِي هُوَ اكْتِسَاب؟ فقد أجَاب عَن هَذَا ابْن قُتَيْبَة فَقَالَ: لِأَن المستحيي يَنْقَطِع بِالْحَيَاءِ عَن الْمعاصِي وَإِن لم يكن لَهُ تقى، فَصَارَ كالإيمان الَّذِي يقطع عَنْهَا. ١٠٦١ - / ١٢٧٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: " اقْتُلُوا الْحَيَّات، واقتلوا ذَا الطفيتين ". [١٥] هَذَا الحَدِيث قد تقدم هُوَ وَشَرحه فِي مُسْند أبي لبَابَة. إِلَّا أَنه فِي بعض أَلْفَاظه: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَأْمر بقتل الْكلاب. وَقد بَينا فِي مُسْند عبد الله بن مُغفل أَنه نسخ ذَلِك. ١٠٦٢ - / ١٢٧٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: " لَا تَبِيعُوا الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه ".

стр. 991

[١٥] هَذَا الحَدِيث بِأَلْفَاظ قد سبق فِي مُسْند زيد بن ثَابت. وَقد شرحناه ثمَّ. وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: نهى عَن بيع النّخل حَتَّى يزهو، وَعَن السنبل حَتَّى يبيض ويأمن العاهة. [١٥] قَالَ أَبُو عبيد: زهو النّخل: أَن يحمر أَو يصفر. والعاهة: الآفة تصيبه. [١٥] وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: نهى النَّبِي ﷺ عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا. وَكَانَ إِذا سُئِلَ عَن صَلَاحهَا قَالَ: حَتَّى تذْهب عاهته. وَظَاهر هَذَا أَن الْمَسْئُول عَن ذَلِك والمجيب رَسُول الله ﷺ ، وَلَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا الْمَسْئُول والمجيب عَن ذَلِك ابْن عمر، وَقد درج كَلَامه فِي كَلَام رَسُول الله ﷺ فَاشْتَبَهَ. أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن السراح قَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: الْمَسْئُول عَن صَلَاح الثَّمَرَة والمجيب بقوله: حَتَّى تذْهب عاهته، لَيْسَ هُوَ رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ عبد الله بن عمر. وَقد بَين ذَلِك مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ وَمُحَمّد بن جَعْفَر غنْدر فِي روايتهما هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر. ١٠٦٣ - / ١٢٧٦ وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: " من اشْترى طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه " وَكُنَّا نشتري الطَّعَام من الركْبَان جزَافا، فنهانا رَسُول الله ﷺ أَن نبيعه حَتَّى ننقله من مَكَانَهُ.

стр. 992

[١٥] اسْتِيفَاء الطَّعَام إِذا كَانَ قد اشْترى صبرَة بنقله، وَإِن كَانَ بِالْكَيْلِ فَلَا يجوز بَيْعه حَتَّى يُعَاد عَلَيْهِ الْكَيْل على مَا بَيناهُ فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. [١٥] والجزاف: مَا أَخذ على حَاله دون معرفَة قدره من الْكَيْل وَالْوَزْن. وَعِنْدنَا أَنه من بَاعَ صبرَة مجازفة وَانْفَرَدَ البَائِع بِمَعْرِِفَة قدرهَا لم يجز لَهُ ذَلِك، إِلَّا أَن البيع صَحِيح، وَللْمُشْتَرِي الْخِيَار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: البيع لَازم وَلَا خِيَار للْمُشْتَرِي. ١٠٦٤ - / ١٢٧٧ وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: " من ابْتَاعَ نخلا بعد أَن يؤبر فثمرها للَّذي بَاعهَا إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع ". [١٥] هَكَذَا أخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعا إِلَى رَسُول الله ﷺ . وَقد أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: اتّفق إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا الخلفاني وَأَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير والهيثم بن عدي الطَّائِي على رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ هَكَذَا. ووهموا فِي ذَلِك؛ لِأَن نَافِعًا إِنَّمَا كَانَ يروي الْفَصْل الَّذِي فِي بيع النّخل خَاصَّة عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، ويروي الْفَصْل الْأَخير الَّذِي فِي بيع العَبْد عَن ابْن عمر عَن عمر بن الْخطاب قَوْله، بَين ذَلِك يحيى بن سعيد الْقطَّان وَبشر بن الْمفضل فِي روايتهما عَن عبيد بن عمر هَذَا الحَدِيث فِي سِيَاقَة وَاحِدَة، وميزا أحد الْفَصْلَيْنِ من الآخر، وضبطا إِسْنَاده، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سعيد بن أبي عروية عَن

стр. 993

أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع. وروى مَالك عَن نَافِع الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، إِلَّا أَنه أفرد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِإِسْنَادِهِ، وَجعل فصل النّخل عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَفصل العَبْد عَن ابْن عمر عَن عمر قَوْله. وَكَذَلِكَ روى مُحَمَّد بن بشر الْعَبْدي وَمُحَمّد بن عبيد الله الطنافسي عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع الْفَصْلَيْنِ بِإِسْنَادَيْنِ مفردين. [١٥] فَأَما تَفْسِير الحَدِيث: فأبرت النّخل: بِمَعْنى لقحت، ونخلة مؤبرة. وتأبير النَّخْلَة أَن يتشقق طلعها فَيُوضَع فِي أَثْنَائِهِ من طلع فَحل النّخل، فَيكون ذَلِك لقاحا، فَجعل رَسُول الله ﷺ الثَّمر المستكن فِي الطّلع كَالْوَلَدِ المستجن فِي بطن الْحَامِل، فَإِنَّهَا إِذا بِيعَتْ تبعها الْحمل فِي البيع، فَإِذا ظهر تميز حكمه عَن حكم أمه، فَكَذَلِك ثَمَر النّخل إِذا تشقق وَظهر فَإِنَّهُ ينْفَرد حكمه عَن حكم أَصله. [١٥] وَقَوله: " فَمَاله للْبَائِع " دَلِيل على أَن العَبْد لَا يملك بِحَال جعله فِي أقوى الْحَالَات - وَهِي إِضَافَة الْملك إِلَيْهِ - غير ملك. ١٠٦٥ - / ١٢٧٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: أَن النَّبِي ﷺ صلى الْمغرب وَالْعشَاء بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا. زَاد البُخَارِيّ: كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بِإِقَامَة، وَلم يسبح بَينهمَا وَلَا على إِثْر وَاحِدَة مِنْهُمَا. [١٥] وَأما الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ هُنَا. فمجمع عَلَيْهِ. [١٥] والمزدلفة اسْم مَأْخُوذ من الْقرب، وَقد بَيناهُ فِيمَا مضى. [١٥] وَمعنى لم يسبح: لم يتَنَفَّل. وَقَوله: لَيْسَ بَينهمَا سَجْدَة: أَي رَكْعَة.

стр. 994

[١٥] وَقَوله: وَصلى الْمغرب ثَلَاثًا، هَذَا لِأَن الْمغرب لَا يقصر. [١٥] وَقَوله: كل وَاحِدَة بِإِقَامَة. هَذَا هُوَ الْمَنْصُور عندنَا. وَعند أَحْمد أَنه مُخَيّر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجمع بِأَذَان وَإِقَامَة بِمُزْدَلِفَة على مَا فِي لفظ الحَدِيث الآخر. ١٠٦٦ - / ١٢٧٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: " لَا تتركوا النَّار فِي بُيُوتكُمْ حِين تنامون ". [١٥] هَذَا تَأْدِيب يتَضَمَّن التحذير مِمَّا يُمكن وُقُوعه، فَإِنَّهُ رُبمَا هبت الرّيح بِثَوْب أَو غَيره إِلَى النَّار، وَرُبمَا وَقع على النَّار شَيْء فاشتعل واشتعل بِهِ الْبَيْت. وَرُبمَا جرت الْفَأْرَة الفتيلة فأحرقت. ثمَّ إِنَّمَا يُرَاد الضَّوْء للمنتبه، فإيقاد النَّار بعد النّوم من غير حَاجَة تَفْرِيط. ١٠٦٧ - / ١٢٨٠ وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِذا أعجله السّير فِي السّفر يُؤَخر الْمغرب حَتَّى يجمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء. [١٥] قد سبق الْكَلَام فِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. [١٥] وَقَوله: وَلَا يسبح: أَي لَا يتَنَفَّل. [١٥] واستصرخ: استغيث بِهِ ليَكُون غوثا على مَا استغيث بِهِ فِيهِ. [١٥] والشفق: الْحمرَة الَّتِي ترى فِي الْمغرب عِنْد غرُوب الشَّمْس.

стр. 995

١٠٦٨ - / ١٢٨١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ ينفل بعض من يبْعَث من السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّة سوى قسم عَامَّة الْجَيْش، وَالْخمس فِي ذَلِك كُله وَاجِب. [١٥] قد بَينا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس كَيفَ تقسم الْغَنِيمَة، وَذكرنَا أَن النَّفْل يَقع من الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس الَّتِي هِيَ سِهَام أهل الْوَقْعَة، وَهُوَ معنى قَوْله: وَالْخمس فِي ذَلِك كُله وَاجِب. يَعْنِي أَن الْخمس على حَاله لأربابه، وَالنَّفْل خَارج عَنهُ. وَكَانَ النَّبِي ﷺ ينفل من الجيوش والسرايا ذَوي الْقُوَّة فِي الْحَرْب تحريضا لَهُم على الْقِتَال، وتعويضا عَمَّا يصيبهم من الْمَشَقَّة، فَيكون ذَلِك كالصلة، ثمَّ يجعلهم بعد ذَلِك أُسْوَة الْجَمَاعَة فِي سَهْمَان الْغَنِيمَة، هَذَا مَذْهَبنَا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يكون النَّفْل من خمس الْخمس الَّذِي للْمصَالح. وَإِنَّمَا سمي ذَلِك نفلا لِأَنَّهُ زِيَادَة على الأَصْل، وَسميت الْغَنَائِم بالأنفال لِأَنَّهَا مِمَّا زَاد الله هَذِه الْأمة فِي الْحَلَال، وَقد كَانَت مُحرمَة على من قبلهم. [١٥] والشارف: النَّاقة المسنة. ١٠٦٩ - / ١٢٨٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: أَن ابْن عمر طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض، فَذكر ذَلِك عمر لرَسُول الله ﷺ ، فتغيظ وَقَالَ: " ليراجعها ". [١٥] اعْلَم أَنه إِنَّمَا أمره بالمراجعة لِأَن الطَّلَاق حَال الْحيض محرم، إِلَّا

стр. 996

أَنه يَقع، وَكَذَلِكَ إِذا طَلقهَا فِي طهر قد وَطئهَا فِيهِ. وَعِنْدنَا أَنه يسْتَحبّ ارتجاعها إِن كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ مَالك: تجب عَلَيْهِ الرّجْعَة. وَعَن أَحْمد نَحْو ذَلِك. [١٥] وَقَوله: " إِن عجز واستحمق " التَّاء فِي استحمق مَفْتُوحَة، كَذَا قَالَ لنا عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ، وَقَالَ: الْمَعْنى: فعل فعلا يصير بِهِ أَحمَق، أسقط عَنهُ حكم الطَّلَاق عَجزه وحمقه، وَهَذَا من الْجَواب الْمَحْذُوف الْمَدْلُول عَلَيْهِ بفحوى الْكَلَام. [١٥] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن سِيرِين قَالَ: مكثت عشْرين سنة يحدثني من لَا أتهم: أَن ابْن عمر طلق امْرَأَته ثَلَاثًا وَهِي حَائِض فَأمر أَن يُرَاجِعهَا، فَجعلت لَا أتهمهم وَلَا أعرف الحَدِيث، حَتَّى لقِيت يُونُس بن جُبَير، وَكَانَ ذَا ثَبت فَحَدثني عَن ابْن عمر: أَنه طلق امْرَأَته تَطْلِيقَة. قلت: فَبَان بِهَذَا أَن الَّذِي يتهمه ابْن سِيرِين غلط، وَقد يكون الْإِنْسَان ثِقَة لكنه يغلط. وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو الزبير فَقَالَ فِيهِ: فَردهَا عَليّ رَسُول الله ﷺ وَلم يره شَيْئا. أَشَارَ إِلَى هَذَا مُسلم، وأفصح أَبُو مَسْعُود فِي " التعليقة ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " السّنَن " وَقَالَ: كل الْأَحَادِيث يُخَالف مَا رَوَاهُ أَبُو الزبير. وَقَالَ غَيره من عُلَمَاء الْمُحدثين: لم يرو أَبُو الزبير حَدِيثا أنكر من هَذَا. على أَنه يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: لم يره شَيْئا باتا تحرم مَعَه الرّجْعَة. وَالثَّانِي: لم يره شَيْئا

стр. 997

جَائِزا فِي السّنة. ١٠٧٠ - / ١٢٨٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: " إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ " قد سبق فِي مُسْند عمر. ١٠٧١ - / ١٢٨٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: " أريت كَأَنِّي أنزع بِدَلْو بكرَة على قليب ". [١٥] النزع بِمَعْنى الاستقاء. وَالْمعْنَى: استقي بيَدي على البكرة. [١٥] والقليب: الْبِئْر قبل أَن تطوى، فَإِذا طويت فَهِيَ طوي، والقليب مُذَكّر، والبئر مُؤَنّثَة. والذنُوب: الدَّلْو الْعَظِيمَة. [١٥] وَقَوله: " فاستحالت غربا " أَي تحولت وَرجعت إِلَى الْكبر. والغرب بِإِسْكَان الرَّاء: الدَّلْو الْعَظِيمَة. وَالْمعْنَى: أَن عمر لما أَخذ الدَّلْو عظمت فِي يَده، وَكَذَا كَانَ تَأْوِيلهَا: أَن الْفتُوح فِي أَيَّامه كَانَت أَكثر من الْفتُوح فِي أَيَّام أبي بكر. [١٥] وَقَوله: " فَلم أر عبقريا " العبقري: سيد الْقَوْم وَكَبِيرهمْ وقويهم، قَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي: عبقر قَرْيَة تسكنها الْجِنّ، وكل فائق جليل ينْسب إِلَيْهَا. [١٥] قَالَ الزّجاج: عبقر: بلد كَانَ يوشى فِيهِ الْبسط وَغَيرهَا، فنسب

стр. 998

كل جيد إِلَيْهِ، قَالَ زُهَيْر: (يخيل عَلَيْهَا جنَّة عبقرية ... جديرون يَوْمًا أَن ينالوا فيستعلموا) [١٥] وَقَوله: " يفري فريه " أَي يقطع قطعه. الْمَعْنى: يعْمل عمله. وَالْعرب تَقول: تركت فلَانا يفري الفري: أَي يعْمل الْعَمَل الْجيد، وَأنْشد الْأَحْمَر: (قد أطعمتني دقلا حوليا ... ) (مسوسا مدودا حجريا ... ) (قد كنت تفرين بِهِ الفريا ... ) [١٥] أَي كنت تكثرين فِيهِ القَوْل وتعظيمنه. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد جِئْت شَيْئا فريا﴾ [مَرْيَم: ٢٧] . قَالَ ابْن السّكيت: الفري: الْعَمَل الْجيد الصَّحِيح. قَالَ: وَيُقَال: هُوَ يفري الفري: إِذا جَاءَ بالعجب فِي عمل عمله. وَقَالَ اللَّيْث: يفري فريه خَفِيفَة، وَمن ثقل فقد غلط. قَالَ الشَّاعِر: (فَلَا شَيْء يفري فِي الْيَدَيْنِ كَمَا يفري ... ) [١٥] وَقَوله: " حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن " قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ: حَتَّى رووا وأرووا إبلهم وأبركوها وضربوا لَهَا عطنا، يُقَال: عطنت الْإِبِل وأعطنتها.

стр. 999

١٠٧٢ - / ١٢٨٦ وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: أَن ابْن عمر كَانَ يَحْكِي عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: " يَأْخُذ الله سماواته وأرضيه بِيَدِهِ وَيَقُول: أَنا الله، وَيقبض أُصْبُعه ويبسط: أَنا الْملك " حَتَّى نظرت إِلَى الْمِنْبَر يَتَحَرَّك. [١٥] قد ثَبت بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع أَن يَد الْحق لَيست جارحة، وَأَن قَبضه للأشياء لَيست مُبَاشرَة، وَلَا لي كف، وَإِنَّمَا قرب الرَّسُول ﵇ إِلَى الأفهام مَا يُدْرِكهُ الْحس، فَقبض رَسُول الله ﷺ أَصَابِعه وبسطها. فوقوع الشّبَه بَين القبضتين من حَيْثُ ملكه الْمَقْبُوض لَا من حَيْثُ التَّشْبِيه بآلات الْقَبْض، كَمَا وَقع تَشْبِيه رؤيه الْحق بِرُؤْيَة الْقَمَر فِي اتضاح الرُّؤْيَة لَا فِي تَشْبِيه المرئي. [١٥] وَفِي لفظ: " يَأْخُذ الْجَبَّار سماواته " وَفِي معنى الْجَبَّار أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الْعَظِيم، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: أَنه الَّذِي يقهر الْخلق ويجبرهم على مَا يُرِيد، قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَالسُّديّ. وَالثَّالِث: الَّذِي جبر مفاقر خلقه وكفاهم أَسبَاب المعاش والرزق. وَالرَّابِع: أَنه العالي فَوق خلقه، من قَوْلهم: تجبر النَّبَات: إِذا طَال وَعلا، ذكر الْقَوْلَيْنِ الْخطابِيّ. ١٠٧٣ - / ١٢٨٧ وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: " من أعتق عبدا بَينه وَبَين آخر قوم عَلَيْهِ من مَاله قيمَة عدل، لَا وكس وَلَا شطط، ثمَّ عتق

стр. 1000

عَلَيْهِ فِي مَاله إِن كَانَ مُوسِرًا ". وَفِي رِوَايَة: " من أعتق شركا لَهُ فِي عبد فَكَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمن العَبْد قوم عَلَيْهِ العَبْد قيمَة عدل، فَأعْطى شركاؤه حصصهم وَعتق عَلَيْهِ العَبْد، وَإِلَّا فقد عتق عَلَيْهِ مَا عتق. " وَفِي رِوَايَة عَن يحيى بن سعيد وَأَيوب قَالَا: لَا نَدْرِي قَوْله: " وَإِلَّا فقد عتق مِنْهُ مَا عتق " أَشَيْء قَالَه نَافِع أَو فِي الحَدِيث. [١٥] وَقَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت: وَقَوله: " وَإِذا كَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمن العَبْد " يُقَال: إِنَّه من كَلَام الزُّهْرِيّ. [١٥] الوكس: النُّقْصَان. والشطط: مُجَاوزَة الْقدر. وشططت وأشططت: إِذا جرت فِي الحكم. [١٥] وَحكم الحَدِيث أَنه إِذا أعتق الْمُوسر شِقْصا لَهُ فِي عبد عتق كُله وَضمن قيمَة نصيب شَرِيكه، فَإِن كَانَ الْمُعْتق مُعسرا عتق نصِيبه خَاصَّة وَلم يكن لشَرِيكه تضمين الْمُعْتق نصِيبه، وَلَا استسعاء العَبْد، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنَّمَا يعْتق حِصَّة الْمُعْتق خَاصَّة، وَالشَّرِيك مُخَيّر بَين أَن يعْتق نصِيبه أَو يضمن قيمَة نصيب الْمُعْتق، وَبَين أَن يستسعى العَبْد، سَوَاء كَانَ الْمُعْتق مُوسِرًا أَو مُعسرا، وَعَن أَحْمد نَحْو قَول أبي حنيفَة. وَالْكَلَام مَعَ أبي حنيفَة فِي فصلين: أَحدهمَا فِي سرَايَة الْعتْق إِلَى نصيب الشَّرِيك إِذا كَانَ الْمُعْتق مُوسِرًا. وَالثَّانِي: فِي إبِْطَال الْقبُول بالاستسعاء إِذا كَانَ مُعسرا. [١٥] وَأما الْوَقْت الَّذِي يعْتق فِيهِ نصيب شَرِيكه فَذَلِك عقيب الْإِيقَاع، وَلَا يقف عتقه على أَدَاء قِيمَته، خلافًا لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك، وَأحد

стр. 1001

أَقْوَال الشَّافِعِي، ولداود، فِي قَوْلهم: لَا يعْتق إِلَّا بِدفع الْقيمَة. ١٠٧٤ - / ١٢٨٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: مَا كُنَّا نَدْعُو زيد بن حَارِثَة إِلَّا زيد بن مُحَمَّد حَتَّى نزل فِي الْقُرْآن: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الْأَحْزَاب: ٥] . [١٥] كَانَ زيد بن حَارِثَة قد خرجت بِهِ أمه سعدى بنت ثَعْلَبَة إِلَى زِيَارَة قَومهَا، فأغارت خيل لبني الْقَيْن، فَمروا بزيد فاحتملوه، فوافوا بِهِ سوق عكاظ فَعَرَضُوهُ للْبيع، فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة، فَلَمَّا تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ وهبته لَهُ، فَلَمَّا علم أَبوهُ وَعَمه قدما بفدائه إِلَى مَكَّة، فدخلا على النَّبِي ﷺ فَقَالَا: يَا ابْن هَاشم، يَا ابْن سيد قومه، أَنْتُم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني، وتطعمون الْأَسير، وَقد جئْنَاك فِي ابننا عنْدك، فَامْنُنْ علينا وَأحسن إِلَيْنَا فِي فدائه. قَالَ: " فَهَلا غير ذَلِك؟ " قَالَا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: " ادعواه فخيراه، فَإِن اختاركما فَهُوَ لَكمَا بِغَيْر فدَاء، وَإِن اختارني فوَاللَّه مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار على من اختارني أحدا " قَالَ: نعم هَذَا أبي، وه عمي. قَالَ: فَأَنا من قد علمت وَرَأَيْت صحبتي لَك، فاخترني أَو اخترهما. فَقَالَ زيد: مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْك أحدا، أَنْت مني بمَكَان الْأَب وَالْعم، فَقَالَا: وَيحك يَا زيد، أتختار الْعُبُودِيَّة على الْحُرِّيَّة وعَلى أَبِيك وعمك وَأهل بَيْتك! قَالَ: نعم، إِنِّي قد رَأَيْت من هَذَا الرجل شَيْئا مَا أَنا

стр. 1002

بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْهِ أحدا أبدا، فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ ذَلِك أخرجه إِلَى الْحجر فَقَالَ: " يَا من حضر، اشْهَدُوا أَن زيدا ابْني، أرثه ويرثني " فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبوهُ وَعَمه طابت أَنفسهمَا وانصرفا، إِلَى أَن نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فَحِينَئِذٍ دعِي زيد بن حَارِثَة. ١٠٧٥ - / ١٢٨٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا وضع رجله فِي الغرز واستوت بِهِ رَاحِلَته أهل. [١٥] الغرز للجمل كالركاب للْفرس. [١٥] وَقَوله: أهل: أَي لبّى. وَقد سبق الْكَلَام فِي هَذَا، وَفِي أَن النَّبِي ﷺ لم يمس من الْأَركان سوى اليمانيين. وَبينا أَنه لَو مس الرُّكْنَيْنِ الآخرين خرج الْحجر أَن يكون من الْبَيْت. [١٥] قَوْله: ورأيتك تلبس النِّعَال السبتية. هِيَ منسوبة إِلَى السبت. والسبت: جُلُود الْبَقر المدبوغة بالقرظ، يتَّخذ مِنْهَا النِّعَال. وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن السبت مَا لَا شعر فِيهِ من الْجلد؛ لِأَنَّهُ قَالَ: رَأَيْته يلبس النِّعَال الَّتِي لبس فِيهَا شعر، فَكَأَنَّهَا سميت سبتية لِأَن شعرهَا قد سبت عَنْهَا: أَي حلق وأزيل. يُقَال: سبت رَأسه يسبته: إِذا حلقه. وَيُقَال: سميت سبتيه لِأَنَّهَا انسبتت بالدباغ: أَي لانت، يُقَال: رطبَة منسبتة: أَي لينَة. وَالَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عبيد أَن السبتية هِيَ المدبوغة بالقرظ، وَلم ير قَول من قَالَ: إِنَّهَا المحلوقة الشّعْر.

стр. 1003

[١٥] وَقَوله: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصْبغ بالصفرة. يَعْنِي بِهِ خضاب الشّعْر. أخبرنَا عَليّ بن عبد الله وَأحمد بن الْحُسَيْن وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد قَالُوا: حَدثنَا عبد الصَّمد بن الْمَأْمُون قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن عمر الْخُتلِي قَالَ: حَدثنَا عِيسَى بن سُلَيْمَان الْقرشِي قَالَ: حَدثنَا دَاوُد بن رشيد قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن سُلَيْمَان ابْن مُوسَى عَن عبيد بن جريج: أَنه رأى ابْن عمر يخضب بالصفرة ويخبر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخضب بهَا. وَقد رَوَاهُ زيد بن أسلم عَن عبيد قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يصفر لحيته، فَقلت لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصفر لحيته. وَقد كَانَ جمَاعَة من الصَّحَابَة يخضبون بالصفرة، مِنْهُم عُثْمَان وَابْن عمر وَمُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس والمقداد وَعبد الله بن بسر والمقدام بن معد يكرب وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ وَعتبَة بن عبد السّلمِيّ وَالْحجاج بن علاط، وَكَانَ بعدهمْ من التَّابِعين خلق يطول ذكرهم يخضبون بالصفرة، قد ذكرتهم فِي كتاب " الشيب والخضاب ". ١٠٧٦ - / ١٢٩٠ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: أَن رَسُول الله ﷺ أُتِي وَهُوَ فِي معرسة من ذِي الحليفة فِي بطن الْوَادي فَقيل لَهُ: إِنَّك ببطحاء مباركة. [١٥] المعرس: مَوضِع نزُول الْقَوْم فِي سفرهم من آخر اللَّيْل للراحة وَالنَّوْم.

стр. 1004

[١٥] والبطحاء: كل متسع. [١٥] ويتحرى بِمَعْنى يتوخى ويقصد. ١٠٧٧ - / ١٢٩١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: " من اقتنى كَلْبا إِلَّا كلب صيد أَو مَاشِيَة فَإِنَّهُ ينقص من أجره كل يَوْم قيراطان " وقِي لفظ: " إِلَّا كلب ضارية " [١٥] يُقَال: ضري الْكَلْب يضرى ضراوة: إِذا حرص على الصَّيْد واعتاده، وَفهم الزّجر والإرسال. وأضريته أَنا: أَي عَلمته ذَلِك وعودته إِيَّاه ودربته عَلَيْهِ. [١٥] والحرث: الزَّرْع. [١٥] وَقَول سَالم: كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: " أَو كلب حرث " وَكَانَ صَاحب حرث. هَذَا مَذْكُور فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقد رُوِيَ فِي مَوضِع آخر ذكر أَنه لِابْنِ عمر أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: " إِلَّا كلب صيد أَو زرع أَو مَاشِيَة " فَقَالَ: إِن لأبي هُرَيْرَة زرعا. فتأول بعض من لم يوفق للصَّوَاب أَن ابْن عمر قد اتهمَ أَبَا هُرَيْرَة. وَهَذَا محَال، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَصْدِيق أبي هُرَيْرَة، فَجعل حَاجته إِلَى ذَلِك شَاهدا لَهُ على علمه ومعرفته، لِأَن من كثرت حَاجته إِلَى شَيْء كثرت مَسْأَلته عَنهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جدير بِأبي هُرَيْرَة أَن يكون علم هَذَا عِنْده، وَأَن يكون قد سَأَلَ عَنهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ. وَقد روى عبد الله بن مُغفل وسُفْيَان بن أبي زُهَيْر عَن النَّبِي ﷺ مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَكيف يتهم، وَقد ذكرنَا أَن فِي

стр. 1005

[١٥] الصَّحِيح عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: " إِلَّا كلب زرع " وَهَذَا فِي رِوَايَة عمرَان بن الْحَارِث عَنهُ، فَلَعَلَّ ابْن عمر سمع ذَلِك من رَسُول الله ﷺ ونسيه ثمَّ عَاد فَذكره، وَلَعَلَّه أرسل الحَدِيث بذلك عَن رَسُول الله ﷺ اعْتِمَادًا على رِوَايَة أبي هُرَيْرَة. [١٥] وَعَامة أَصْحَاب ابْن عمر رووا عَنهُ " قيراطين ". وروى عمرَان وَسَالم فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي بكر " قيراطا وَاحِدًا " وروى عَنهُ سعيد بن الْمسيب قيراطين. وكل هَذِه الْأَطْرَاف فِي الصَّحِيح. [١٥] وَإِنَّمَا نهى عَن اقتناء الْكَلْب لمعنيين: أَحدهمَا: النَّجَاسَة، وَكَانَت الْعَرَب قد ألفت اقتناءها، وَكَانَت تخالطهم فِي أوانيهم. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يروع الضَّيْف ويؤذي الطارق والسائل، فَلَمَّا كَانَ الْمَسْئُول والمطروق والمضيف لَا يَخْلُو من أجر فِي بذل مَا يبذله لهَؤُلَاء وَلَو طيب الْكَلَام، وَكَانَ الْكَلْب سَببا لمنع ذَلِك، نقص أجره لفقد مَا كَانَ الْكَلْب سَببا فِي مَنعه، وَلم يقل أَنه يَأْثَم، وَلكنه أخبر بِنَقص الْأجر من هَذِه الْوُجُوه الَّتِي منعهَا اقتناء الْكَلْب. ١٠٧٨ - / ١٢٩٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: " إِذا أنزل الله بِقوم عذَابا أصَاب الْعَذَاب من كَانَ فيهم ثمَّ بعثوا على أَعْمَالهم ". [١٥] قد يشكل هَذَا فَيُقَال: كَيفَ يُصِيب الْعَذَاب من لم يفعل أفعالهم؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون فيهم رَاضِيا بأفعالهم، أَو غير مُنكر لَهَا، فيعذب بِرِضَاهُ الْمعْصِيَة، وسكوته عَن الْإِنْكَار، فَإِن

стр. 1006

الصَّالِحين من بني إِسْرَائِيل لما أَنْكَرُوا على المفسدين ثمَّ واكلوهم وصافوهم عَم الْعَذَاب الْكل. وَالثَّانِي: أَن يكون إِصَابَة الْعَذَاب لَهُم لَا على وَجه التعذيب، وَلَكِن يكون إماتة لَهُم عِنْد انْتِهَاء آجالهم، كَمَا هَلَكت الْبَهَائِم والمواشي فِي الطوفان بآجالها لَا بالتعذيب. ١٠٧٩ - / ١٢٩٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: " لَا تزَال الْمَسْأَلَة بأحدكم حَتَّى يلقى الله وَلَيْسَ فِي وَجهه مزعة لحم ". [١٥] هَذِه مَسْأَلَة الْغَنِيّ عَن السُّؤَال. والمزعة: الْقطعَة من اللَّحْم. وَالْمرَاد أَنه يَقع عِقَابه بشين وَجهه لِأَنَّهُ المبذول للسؤال، كَمَا وَقع عِقَاب الْبَخِيل فِي إعراضه عَن الْفَقِير بكي الْجَبْهَة وَالْجنب وَالظّهْر، لِأَنَّهُ إِذا رأى الْفَقِير قبض وَجهه ثمَّ لوى جنبه ثمَّ أعطَاهُ ظَهره. وَقد تَأَوَّلَه قوم على أَنه يَأْتِي لَا جاه لَهُ وَلَا قدر، يُقَال: لفُلَان وَجه: أَي جاه، وَهَذَا لِأَن السُّؤَال أسقط جاهه فِي الدُّنْيَا فَأتى على ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة. [١٥] وَإِنَّمَا كره السُّؤَال لثَلَاثَة معَان: أَحدهَا: أَنه ذل، وذل يَنْبَغِي أَن يكون لمَالِكه فَحسب. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يتَضَمَّن نوع شكوى من الْقدر. وَالثَّالِث: أَن سُؤال الْغَنِيّ عَن الشَّيْء مزاحمة لمن أعد لَهُ من الْفُقَرَاء وتضييق عَلَيْهِم، وَقد كَانَ السّلف يحترزون من السُّؤَال الْجَائِز. أخبرنَا هبة الله بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ التَّمِيمِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر ابْن مَالك قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا

стр. 1007

مُوسَى بن دَاوُد قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن المؤمل عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ: رُبمَا سقط الخطام من يَد أبي بكر الصّديق فَيضْرب بِذِرَاع نَاقَته فينيخها فَيَأْخذهُ، فَقَالُوا لَهُ: أَفلا أمرتنا نناولكه. فَقَالَ: إِن حَبِيبِي رَسُول الله ﷺ ، أَمرنِي أَن لَا أسأَل النَّاس شَيْئا. قَالَ أَحْمد: وَحدثنَا وَكِيع قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن قيس عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن ثَوْبَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " من يتَقَبَّل لي بِوَاحِدَة وأتقبل لَهُ بِالْجنَّةِ؟ " قَالَ: قلت أَنا. قَالَ: " لَا تسْأَل النَّاس شَيْئا " فَكَانَ ثَوْبَان يَقع سَوْطه وَهُوَ رَاكب فَلَا يَقُول لأحد: ناولنيه، حَتَّى ينزل فيتناوله. ١٠٨ - / ١٢٩٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: أَنه أطنب فِي ذكر الدَّجَّال. [١٥] أَي بَالغ فِي أَوْصَافه وَالْبَيَان عَنهُ وَبَاقِي الحَدِيث مُفَسّر فِيمَا تقدم. ١٠٨١ - ١٢٩٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا، لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، ويقيموا الصَّلَاة، ويؤتوا الزَّكَاة ". [١٥] وَقد تقدم الْكَلَام فِي هَذَا. [١٥] وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْكفَّار مخاطبون بالفروع، لأَنهم يُقَاتلُون على ذَلِك. [١٥] فَإِن قيل: قد علق ترك الْقِتَال فِي مُسْند عمر بن الْخطاب بالْقَوْل، وعلقه هَاهُنَا بأَشْيَاء مَعَ القَوْل. فَالْجَوَاب: أَن حَدِيث عمر كَانَ فِي

стр. 1008

مبدأ الْإِسْلَام، وَحَدِيث ابْن عمر وَأنس متأخران بعد نزُول الْفَرَائِض. ١٠٨٢ - / ١٢٩٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: " إِذا صَار أهل الْجنَّة إِلَى الْجنَّة وَأهل النَّار إِلَى النَّار جِيءَ بِالْمَوْتِ فَيذْبَح ". [١٥] هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ أبسط مِنْهُ هَاهُنَا وأوضح، فسنذكر تَفْسِيره هُنَاكَ إِذا وصلنا إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٠٨٣ - / ١٢٩٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: صَحِبت النَّبِي فَلم أره يسبح فِي السّفر. [١٥] قد بَينا فِيمَا تقدم أَنه المُرَاد بالتسبيح التَّنَفُّل. [١٥] والأسوة: الْقدْوَة. ١٠٨٤ - / ١٣٠٠ وَفِي الحَدِيث السِّتين: " إِن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا يخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ ". [١٥] وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أبي مُوسَى. وَذكرنَا صَلَاة الْكُسُوف فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. [١٥] ١٠٨٥ - / ١٣٠١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: " إِذا بدا حَاجِب الشَّمْس فدعوا الصَّلَاة حَتَّى تبرز، وَلَا تَحَيَّنُوا بصلاتكم طُلُوع الشَّمْس وَلَا غُرُوبهَا ".

стр. 1009

[١٥] حَاجِب الشَّمْس: أول مَا يَبْدُو مِنْهَا كالحاجب. وَهَذَا من أَوْقَات النهى عَن التَّنَفُّل. [١٥] وَقد ذكرنَا معنى التحين فِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ من هَذَا الْمسند. [١٥] وَأما قَوْله: " بَين قَرْني الشَّيْطَان " فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن الْمَعْنى: تطلع والشيطان يقارنها. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: لم يرد مَا يتخيل كقرن الشَّاة، وَإِنَّمَا الْقرن حرف الرَّأْس، وللرأس قرنان: أَي حرفان، فالشيطان ماثل مَعَ الشَّمْس حِين تطلع، لِأَنَّهُ وَقت كَانَ عباد الشَّمْس يَسْجُدُونَ لَهَا، فإبليس حِينَئِذٍ فِي جِهَة مطْلعهَا. وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: أَن الشَّيْطَان يَتَحَرَّك عِنْد طُلُوعهَا ويتسلط، قَالَه إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ. وَالثَّالِث: أَن معنى قرن الشَّيْطَان: قوته، تَقول: أَنا مقرن لهَذَا الْأَمر: أَي مطيق، فالشيطان يقوى أمره فِي حَال طُلُوعهَا وغروبها لمَكَان تسويله لعبدتها السُّجُود لَهَا، ذكره أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ. ١٠٨٦ - / ١٣٠٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: نهى عَن أكل الثوم، وَعَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة. [١٥] اعْلَم أَن مُطلق النَّهْي عَن الشَّيْء يدل على تَحْرِيمه إِلَّا أَن يدل دَلِيل على أَنه نهي كَرَاهَة، ثمَّ اتِّفَاق الشَّيْئَيْنِ فِي النَّهْي دَلِيل على استوائهما إِلَّا أَن يدل دَلِيل على أَنه نهي كَرَاهَة أَو نهي تَحْرِيم. وَقد دلّ الدَّلِيل على أَن النَّهْي عَن أكل الثوم نهي كَرَاهَة؛ لِأَنَّهُ مُعَلل بالتأذي بِالرِّيحِ،

стр. 1010

ودلت قرينَة قَوْله فِي لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة: " اكفئوا الْقُدُور، فَإِنَّهَا رِجْس " على أَنه نهي تَحْرِيم. لِأَن تَضْييع المَال لَا يجوز. والرجس: النَّجس. ١٠٨٧ - / ١٣٠٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ: أَنهم نزلُوا أَرض ثَمُود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا بِهِ الْعَجِين، فَأَمرهمْ رَسُول الله ﷺ أَن يهريقوا مَا استقوا، ويعلفوا الْإِبِل الْعَجِين. [١٥] لما لعن قوم ثَمُود أثرت لعنتهم فِي مِيَاههمْ وأماكنهم، كَمَا تُؤثر الْبركَة فِي الْمِيَاه والأماكن. وَقد شرحنا هَذَا فِي الحَدِيث التَّاسِع عشر من هَذَا الْمسند. ١٠٨٨ - / ١٣٠٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: أعْطى رَسُول الله ﷺ خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا. وَقد سبق بَيَان هَذَا فِي مُسْند عمر. [١٥] وَقَوله: كَانَ يُعْطي أَزوَاجه مائَة وسق، الوسق: سِتُّونَ صَاعا، والصاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي. [١٥] وَقَوله: نهى عَن كِرَاء الْمزَارِع. إِنَّمَا نهى ليرفق الْقَوْم بَعضهم بَعْضًا. ثمَّ قد كَانُوا يكرونها بِشَيْء مَجْهُول وَذَلِكَ أَمر مَنْهِيّ عَنهُ، وَقد بَينا هَذَا فِي مُسْند رَافع بن خديج. [١٥] وَقَوله: إِن عمر أجلى الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْحجاز. إجلاء الْقَوْم: إخراجهم عَن مَنَازِلهمْ وطردهم عَنْهَا. فَأَما الْحجاز فَقَالَ ابْن

стр. 1011

فَارس: قَالَ قوم: سمي حجازا من قَوْلهم: حجز الرجل الْبَعِير يحجزه: إِذا شده إِلَى رسغه، فَكَأَن ذَلِك قيد لَهُ، والجبل حجاز، وَقيل: سمي حجازا لِأَنَّهُ احتجز بالجبال، يُقَال: احتجزت الْمَرْأَة: إِذا شدت ثِيَابهَا على وَسطهَا وائتزرت، وَتلك هِيَ الحجزة، وَزعم نَاس أَن الحزة خطأ، والحجزة والحزة سَوَاء، وَلَكِن الحزة لُغَة لبني الْحَارِث بن كَعْب. قَالَ الْحَارِثِيّ: (يرقون فِي النّخل حَتَّى ينزلُوا أصلا ... فِي كل حزة سيح مِنْهُم بسر) [١٥] وَالْأَصْل عندنَا فِي الْحجاز أَنه حاجز بَين أَرضين. وَقِيَاس الْمَنْع على مَا قُلْنَاهُ. وكل مَوضِع يمْتَنع بِهِ الْإِنْسَان فَهُوَ حجاز، وَقَالَ النَّابِغَة فِي الحجزة، وكنى بهَا عَن الْبدن: (رقاق النِّعَال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يَوْم السباسب) وتيماء أَرض مَعْرُوفَة. وأريحاء: هِيَ أَرض بَيت الْمُقَدّس كَذَلِك. [١٥] قَالَ السّديّ: وَقَوله: وَكَانَ التَّمْر يقسم على السهْمَان من نصف. الْمَعْنى أَن الْقَوْم كَانُوا يعْملُونَ فِيهَا على وَجه الْمُسَاقَاة كَمَا ذكرنَا فِي

стр. 1012

مُسْند عمر، فَيَأْخُذُونَ النّصْف، ثمَّ يقسم النّصْف الْبَاقِي على السهْمَان كَمَا تقسم الْغَنِيمَة. [١٥] وَقَوله: فَيَأْخُذ رَسُول الله ﷺ الْخمس. وَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: يَأْخُذ الْخمس من النّصْف فيفرقه على خَمْسَة أسْهم وَالْبَاقِي لمن شهد الْوَقْعَة. وَالثَّانِي: يَأْخُذ الْخمس لنَفسِهِ، فَيكون المُرَاد خمس الْخمس. ثمَّ إِن عمر قسم خَيْبَر على من شَهِدَهَا. [١٥] وَقَوله: ولرسول الله شطر ثَمَرهَا. قد بَيناهُ فِي أول الْكَلَام. ١٠٨٩ - / ١٣٠٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ: " انهكوا الشَّوَارِب وَاعْفُوا اللحى " وَفِي لفظ آخر: " اُحْفُوا الشَّوَارِب ". النهك: النُّقْصَان، يُقَال: نهكته الْحمى: إِذا بالغت فِي نُقْصَان قوته. وَالْمعْنَى: بالغوا فِي الْأَخْذ مِنْهَا. [١٥] وَقَوله: " أحفوا الشَّوَارِب " قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: أحفيت الشَّارِب إحفاء: إِذا أخذت مِنْهُ. والحفي: المستقصي فِي السُّؤَال. [١٥] وَأما إعفاء اللِّحْيَة فَهُوَ توفيرها وتكبيرها. قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: عَفا الشّعْر وَغَيره: إِذا كثر، يعْفُو؛ فَهُوَ عاف، وَقد عفوته وأعفيته، لُغَتَانِ. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى عفوا﴾ [الْأَعْرَاف: ٩٥] أَي كَثُرُوا وَكَثُرت أَمْوَالهم. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة " جزوا الشَّوَارِب وأرخوا اللحى، وخالفوا الْمَجُوس " وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ من زِيّ آل كسْرَى قصّ اللحى

стр. 1013

وتوفير الشَّارِب، فَأمر النَّبِي ﷺ أمته بمخالفتهم فِي الْهَيْئَة، وَفِي ذَلِك أَرْبَعَة معَان: أَحدهَا: مُخَالفَة الْكفَّار. وَفِي الثَّانِي: أَنه أجمل وَأحسن. وَالثَّالِث: أَنه أطيب وأنظف، فَإِن الْإِنْسَان إِذا أكل أَو شرب أَو قبل مَنعه طول الشَّارِب من كَمَال الالتذاذ، وَرُبمَا دخل الشّعْر فِي الْفَم مَعَ المتناول، ثمَّ يحصل فِيهِ من الزهم والوسخ، واللحية بعيدَة عَن ذَلِك. وَالرَّابِع: أَن الله تَعَالَى خلق اللِّحْيَة على صفة تقبل الطول بِخِلَاف الشَّارِب، فَإِنَّهُ لَا يطول كطولها، فَكَانَ المُرَاد مُوَافقَة الْحق فِيمَا رتب. [١٥] فَأَما الْفطْرَة فَإِنَّهَا كلمة تقال على أوجه قد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند الْبَراء. وَالْمرَاد بهَا هَاهُنَا السّنة. ١٠٩٠ - / ١٣٠٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر يصلونَ الْعِيدَيْنِ قبل الْخطْبَة. [١٥] قد بَينا عِلّة تَأْخِير الْخطْبَة فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. ١٠٩١ - / ١٣٠٨ - وَفِي الْحَادِث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة قَائِما ثمَّ يجلس ثمَّ يقوم. [١٥] قد بَينا أَن الْقيام والقعدة بَين الْخطْبَتَيْنِ عندنَا سنة، وَأَن الشَّافِعِي يرى ذَلِك وَاجِبا.

стр. 1014

١٠٩٢ - / ١٣٠٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يعرض رَاحِلَته فَيصَلي إِلَيْهَا. [١٥] وَالْمعْنَى: ينحيها فِي عرض الْقبْلَة، وَفِيه لُغَتَانِ: يعرض ويعرض. ١٠٩٣ - / ١٣١٠ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين والعنزة بَين يَدَيْهِ. العنزة: عَصا شَبيهَة بالعكاز، وَهِي الحربة. ١٠٩٤ - / ١٣١٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين: " اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ ". الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى السّنَن والنوافل. ١٠٩٥ - / ١٣١٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين: " إِذا وضع عشَاء أحدكُم وأقيمت الصَّلَاة فابدءوا بالعشاء ". [١٥] اعْلَم أَن هَذَا ورد فِي حق الجائع الَّذِي قد تاقت نَفسه إِلَى الطَّعَام، أَمر بذلك لِئَلَّا يشْتَغل قلبه فِي الصَّلَاة بِذكر الطَّعَام عَن الْخُشُوع والفكر. وَقد ظن قوم أَن هَذَا من بَاب تَقْدِيم حَظّ العَبْد على حق الْحق، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانة لحق الْحق، ليدخلوا فِي الْعِبَادَة بقلوب مقبلة غير مَشْغُولَة بِذكر الطَّعَام. وَإِنَّمَا كَانَ عشَاء الْقَوْم يَسِيرا لَا يقطع عَن لحاق الْجَمَاعَة، يدل على مَا قُلْنَاهُ مَا سَيَأْتِي من حَدِيث عَمْرو بن أُميَّة

стр. 1015

الضمرِي قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَأْكُل ذِرَاعا يحتز مِنْهَا، فدعي إِلَى الصَّلَاة، فَقَامَ وَطرح السكين، فصلى وَلم يتَوَضَّأ. ١٠٩٦ - / ١٣١٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: فرض رَسُول الله ﷺ زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير. [١٥] الصَّاع مكيال مَعْرُوف قدره خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي، وَهَذَا قدر صَاع رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال. وَقد سبق بَيَان هَذَا. [١٥] وَأما ذكر التَّمْر وَالشعِير خَاصَّة فَلِأَنَّهُ كَانَ أَكثر قوت الْقَوْم. وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي سعيد ذكر الْبر وَالزَّبِيب والأقط. [١٥] وَلَا يَجْزِي عندنَا أقل من صَاع من أَي الْأَجْنَاس الْمَنْصُوص عَلَيْهَا كَانَ، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يَجْزِي نصف صَاع بر، وَهُوَ المُرَاد بقول ابْن عمر: فَعدل النَّاس بِهِ نصف صَاع بر. وَعِنْدنَا أَنه يجوز إِخْرَاج الصَّاع من جِنْسَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يَجْزِي على وَجه الْقيمَة. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يَجْزِي بِحَال. [١٥] وَقَوله: على كل حر وَعبد، ذكر وَأُنْثَى من الْمُسلمين. هَذَا دَلِيل على أَن الْإِنْسَان لَا تلْزمهُ فطْرَة عَن عَبده الْكَافِر، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تلْزمهُ. وَعِنْدنَا أَن الْفطْرَة تجب على العَبْد الْمُشرك، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا

стр. 1016

تجب. وَاخْتلف الرِّوَايَة عَن أَحْمد: كم يخرج كل مَالك، فروى عَنهُ نصف صَاع، وَهُوَ اخْتِيَار الْخرقِيّ. [١٥] وَقَوله: وَأَن تُؤَدّى قبل خُرُوج النَّاس للصَّلَاة، عندنَا أَن صَدَقَة الْفطر تجب بغروب الشَّمْس من لَيْلَة الْفطر، وَهُوَ قَول مَالك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجب بِطُلُوع الْفجْر من يَوْم الْفطر، وَهِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن مَالك، وَالْقَوْل الْقَدِيم للشَّافِعِيّ. فَأَما وَقت إخْرَاجهَا فَالْأَفْضَل أَن يُخرجهَا قبل صَلَاة الْعِيد، فَإِن قدمهَا قبل الْفطر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ جَازَ كَمَا ذكر فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَا تجوز الزِّيَادَة على ذَلِك. وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز إخْرَاجهَا من أول رَمَضَان، وَلَا يجوز قبله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز تَقْدِيمهَا على رَمَضَان. ١٠٩٧ - / ١٣١٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسبْعين: لَا تُسَافِر الْمَرْأَة ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم. [١٥] إِنَّمَا ذكرت الثَّلَاث لِأَنَّهَا مِقْدَار السّفر الشَّرْعِيّ الَّذِي تقصر فِيهِ الصَّلَاة. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي سعيد: " لَا تُسَافِر الْمَرْأَة يَوْمَيْنِ " وَفِي مُسْند أبي هُرَيْرَة: " مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة " وَقد ذكرنَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: " لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إِلَّا مَعَ ذِي محرم " وَلم تذكرة مُدَّة، وَهَذَا لِأَن بعْدهَا عَن الْمنَازل غير مَأْمُون. وَقد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.

стр. 1017

١٠٩٨ - / ١٣١٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين: أَن ابْن عمر أحرم بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة، فَانْطَلق يهل بهما حَتَّى قدم مَكَّة، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة، وَلم يحلل حَتَّى كَانَ يَوْم النَّحْر فَنحر، وَرَأى أَن قد قضى طواف الْحَج وَالْعمْرَة بطوافه الأول، وَقَالَ: كَذَلِك فعل رَسُول الله ﷺ . [١٥] هَذَا يدل على أَن قَارن تدخل أَفعَال عمرته فِي حجه عِنْد نِيَّة الْقرَان، فيجتزي لَهما بِإِحْرَام وَاحِد وَطواف وَاحِد وسعي وَاحِد وحلاق وَاحِد، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَهل تجزيه هَذِه الْعمرَة عَن عمْرَة الْإِسْلَام؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يَجْزِي الْقَارِن إِلَّا طوافان وسعيان. فَأَما الْإِحْرَام والحلاق الْوَاحِد فيجزيه، لِأَن الْإِحْرَام عِنْده شَرط، وَلَيْسَ من الْحَج، والحلاق لَيْسَ بنسك، إِنَّمَا هُوَ مُحَلل كالسلام من الصَّلَاة. ١٠٩٩ - / ١٣١٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين: أَن الْعَبَّاس اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ أَن يبيت بِمَكَّة ليَالِي منى من أجل سقايته، فَأذن لَهُ. [١٥] اعْلَم أَن الْمبيت بمنى ليَالِي منى من وَاجِبَات الْحَج، وَإِنَّمَا رخص لأجل السِّقَايَة والرعاء فَإِذا ترك غَيرهم الْمبيت فِي منى فَمَا الَّذِي يلْزمه؟ فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات عَن أَحْمد: إِحْدَاهُنَّ: يلْزمه دم. وَالثَّانيَِة:

стр. 1018

تلْزمهُ صَدَقَة. وَالثَّالِثَة: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. ١١٠٠ - / ١٣٢٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخرج من طَرِيق الشَّجَرَة وَيدخل من طَرِيق المعرس. وَفِي رِوَايَة: أَنه دخل مَكَّة من كداء من الثَّنية الَّتِي عِنْد الْبَطْحَاء وَخرج من الثَّنية السُّفْلى. [١٥] هَذِه كلهَا أَسمَاء مَوَاضِع. وكداء هَاهُنَا مَفْتُوح الْكَاف مَمْدُود، وَهُوَ الَّذِي يسْتَحبّ الدُّخُول مِنْهُ، وبمكة ثَلَاث مَوَاضِع تشتبه بِكدَاء قد بيناها فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. ١١٠١ - / ١٣٢١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين: لما خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد بن مُعَاوِيَة جمع ابْن عمر حشمه وَولده. الحشم: خدم الرجل وَأَتْبَاعه. [١٥] وَقَوله: كَانَ الفيصل بيني وَبَينه. و " الفيصل " " فيعل " من الْفَصْل، وَأَرَادَ بهَا القطيعة التَّامَّة. وَهَذَا يدل على الصَّبْر على الإِمَام وَإِن جَار. [١٥] وَقد تكلمنا على قَوْله: " لكل غادر لِوَاء " فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. ١١٠٢ - / ١٣٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي والثمانين: عرضت على النَّبِي

стр. 1019

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد وَأَنا ابْن أَربع عشرَة فَلم يجزني، وَعرضت عَلَيْهِ عَام الْفَتْح وَأَنا ابْن خمس عشرَة فأجازني. [١٥] هَكَذَا ذكره الْحميدِي، وَهُوَ سَهْو، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ هَكَذَا، وَإِنَّمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ جَمِيعًا: وَعرضت عَلَيْهِ يَوْم الخَنْدَق فأجازني. وَأول من سَهَا فِي هَذَا أَبُو مَسْعُود صَاحب " التعليقة "، ثمَّ تبعه خلف صَاحب " التعليقة " الْأُخْرَى، ثمَّ تبعهما أَبُو عبد الله الْحميدِي، وَلم ينْظرُوا فِي هَذَا. وَالْعجب من صَاحب حَدِيث يتَكَرَّر هَذَا على سَمعه وَلَا يتدبره، فَإِن غزَاة أحد كَانَت فِي سنة ثَلَاث وغزاة الْفَتْح كَانَت فِي سنة ثَمَان. فَمن يكون فِي غزَاة أحد ابْن أَربع عشر كَيفَ يكون بعد خمس سِنِين ابْن خمس عشرَة؟ ١١٠٣ - / ١٣٢٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين: " الْخَيل فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". [١٥] قد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند جرير بن عبد الله. ١١٠٤ - / ١٣٢٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين: " إِن العَبْد إِذا نصح لسَيِّده وَأحسن عبَادَة الله فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ ". [١٥] وَإِنَّمَا ضوعف أجر العَبْد لِأَن خدمَة السَّيِّد تشغل عَن عبَادَة الله عز

стр. 1020

وَجل، فَإِن تحمل الْمَشَقَّة فِي الْجمع بَين الْحَقَّيْنِ ضوعف لَهُ أجره، فَلهُ أجر بِعبَادة ربه، وَأجر بِخِدْمَة سَيّده، وَكلما كثرت المشاق زَاد الْأجر. ١١٠٥ - / ١٣٢٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: " على الْمَرْء الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِيمَا أحب أَو كره إِلَّا أَن يُؤمر بِمَعْصِيَة ". [١٥] الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى طَاعَة الْأُمَرَاء، فَهِيَ لَازِمَة فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة لله . ١١٠٦ - / ١٣٢٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: أجْرى رَسُول الله ﷺ مَا ضمر من الْخَيل من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع. وَأما تضمير الْخَيل فقد فسرناه فِي مُسْند سهل بن سعد. [١٥] والحفياء: اسْم مَوضِع. وَاخْتلفُوا كم بَينه وَبَين ثنية الْوَدَاع؟ فَقَالَ: مُوسَى بن عقبَة: سِتَّة أَمْيَال أَو سَبْعَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: قَالَ سُفْيَان: من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع خَمْسَة أَمْيَال أَو سِتَّة. وَمن ثنية الْوَدَاع إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق ميل. [١٥] والأمد: الْغَايَة. وَالْمرَاد أَنه جعل غَايَة المضامير أبعد من غَايَة مَا لم يضمر. [١٥] وَقَوله: فطفف بِي الْفرس الْمَسْجِد. قَالَ أَبُو عبيد: يَعْنِي أَن الْفرس وثب حَتَّى كَاد يُسَاوِي مَسْجِد بني زُرَيْق. وَمن هَذَا قيل: إِنَاء طفان:
следующие страницы →