← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفِقهُ الميَسَّر قِسْمِ العِبَادَات الطَّهَارة - الأذَان - الصَّلاة - الجنَائز مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم تَأليف أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى عضو مجلس الشورى سابقًا - المجلس الأعلى للأوقاف الجزء الأوَّل مدار الوطن للنشر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الفِقهُ الميَسَّر قِسمُ العِبَادات الطَّهارة - الأذَان - الصّلاة - الجنَائز

стр. 4

حقُوق الطَّبع محفُوظَة الطَّبعَة الثانيَة ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م مَدَارُ الوَطن للنَّشر المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١ البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦ الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨ الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨ الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨ التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩ التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤ التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧ مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩

стр. 5

المقدمة الحمد لله جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وأرسل إلينا أفضل رسله، وشرع لنا أكمل شرائع دينه عقيدةً ومنهاجَ حياةٍ بما أودع فيها من حكم وأسرار تضمن للبشرية سعادتها وفلاحها، وبما أقامها عليه من أسس وقواعد ومبادئ تكفل العدل والخير والمساواة. ولقد شمل الفقه الإسلامي كل نواحي الحياة الفردية والجماعية من شؤون اقتصادية واجتماعية وسياسية وغيرها إبان عز الدولة الإسلامية، حيث قام الفقهاء المجتهدون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بدراسة كل ما يعترض حياة الناس من مسائل وقضايا، على ضوء أصول الشريعة وقواعدها، وبينوا أحكامها، وتم تدوين ذلك والعمل به، بل إن بعض الفقهاء قد تناول بحث بعض القضايا التي لم تقع بعدُ، وإنما بناء على افتراضات، وقد عده بعض الناس ترفًا فقهيًا. وذلك يرجع إلى أنهم قد قاموا ببيان الأحكام في النوازل والوقائع في عصرهم، وتجاوزوها إلى غيرها، وقد تم الاستفادة منها في العصور التالية لعصرهم عندما ضعفت الدولة الإسلامية وشمل الضعف جميع الأمور بما في ذلك جوانب الفقه. إن طلب العلم الشرعي من أشرف المطالب وأسمى الغايات، والمشتغل به مع إخلاص النية في أعلى درجات العبادة، عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد يخرج يطلب علمًا إلا وضعت له الملائكة أجنحتها، وسُلِكَ به طريقٌ إلى الجنة، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا

стр. 6

ولا درهمًا، ولكنهم ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (١). والفقه الإسلامي من أهم ميادين العلوم الشرعية، وقد جاءت الأدلة متضافرة في الحث على التفقه في دين الله ومعرفة أحكام الشريعة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢). وقال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقِّهْهُ في الدين" (٣). وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قليل العلم خير من كثير العبادة" (٤). وجاء في الحديث عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير العبادة الفقه" (٥). وإن الفقه ثمرة العلوم كلها، قال ابن الجوزي (٦): "أعظمُ دليل على فضيلة الشيء النظرُ إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه علم أنه أفضل العلوم، فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه الخلائق أبدًا، وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه

стр. 7

بالقرآن أو الحديث أو باللغة" ثم قال: "على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبيًّا عن باقي العلوم، فإنه لا يكون فقيهًا، بل يأخذ من كل علم بحظ، ثم يتوفر على الفقه؛ فإنه عز الدنيا والآخرة". وانطلاقا من هذه المكانة للفقه حرص العلماء على دراسة الفقه وتدوين فروعه، ووضعوا قواعد وضوابط تجمع فروعه المتناثرة مما سهل دراسة هذا الفن وضبط فروعه، والفقه كغيره من العلوم ينمو باستعماله ويضمر بإهماله، فقد مرت به أطوار نما فيها وترعرع وتناول كل مناحي الحياة، ثم عَدَتْ عليه العوادي من المتآمرين على شرع الله فتوقف ذلك النمو فترات، وكاد أن يقف في أخرى. والفقه الإسلامي تبع لشريعة الله التي أُبعدت عمدًا عن تنظيم حياة الناس وحل مشاكلهم، واستبدلت بنظم وطرائق جاءت من الأعداء وقد لبست أثوابًا مختلفة وتشكلت بأنماط متباينة حسب مصالحهم، وهذا الإقصاء عن مناحي الحياة أَثَّر كثيرًا على نمو الفقه وإبداع الفقهاء، وعلى الرغم من الضعف الذي تعيشه الأمة في مناحي الحياة إلا أنه توجد مؤشرات ومبشرات هنا وهناك من حيث تنامي البحوث والدراسات للوقائع والنوازل (١) والحوادث التي تنزل بالأمة الإسلامية، وتطبيق الأصول والقواعد الشرعية عليها، وبيان الحكم الشرعي فيها، واستبعاد ما يخالف الشريعة الإسلامية وإيجاد البدائل لما يتعارض منها مع ذلك، سواء كان ذلك من قبل المجامع الفقهية أو الجهود المتمثلة في الرسائل والبحوث العلمية في الجامعات ومراكز البحوث. إن الفقه الإسلامي ثروة فكرية هائلة وتراث ضخم لم يستفد منه الكثيرون، وإن كل طالب علم لديه القدرة على توسيع دائرة الاستفادة من الفقه الإسلامي

стр. 8

مسؤول عن هذا الأمر، وإن هذا المشروع المبارك لبنة في هذا الباب. أسباب القيام بهذا المشروع وأهدافه: ١ - إن كتب الفقه الإسلامي قد بلغت من الكثرة وقوة الأسلوب ما يجعل كثيرًا من المتخصصين يصعب عليه الرجوع إليها واستيعابها؛ لأن ذلك يحتاج إلى ممارسة عملية وفهم دقيق وتمييز صائب بينها، وإن في هذا الكتاب -بعون الله- ما ييسر الفهم والاستيعاب للأحكام الشرعية؛ لما يتميز به من وضوح في الأسلوب وحسن في الترتيب بعيدًا عن الغموض. ٢ - شدة الحاجة إلى تيسير الفقه الإسلامي، وقد أشير إلى ذلك في كثير من المؤتمرات التي تناولت أمور الفقه، وكذلك بيان أحكام بعض الوقائع والحوادث المستجدة مع ربطها بما يشبهها من أبواب الفقه. ٣ - انتشار التعليم والثقافة بين المجتمع رجالًا ونساء كما لم يكن من قبل، وهؤلاء يحتاجون معرفة ما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم، ومن هنا رأينا أن هذا المؤلف سيقدم لهم ما يكفيهم في ذلك -بتوفيق الله-. ٤ - أنه من خلال معرفة وخبرة كل مِنا -سواء في مجال التأليف والتعليم والحياة العملية- فقد تم الاجتماع بيننا (المؤلفون)، وتم تدارس الوضع، وتحققت القناعة من الجميع بضرورة إيجاد كتاب شامل لأبواب الفقه (العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجنايات والقضاء وغيرها)، يتم فيه تيسير أبوابه للمختصين وغيرهم، وكل منا يعرف صاحبه، فنحن زملاء دراسة، وقد عقدنا العزم -بحول الله وقوته- على تقديم هذا المشروع على غيره من الأعمال العلمية الأخرى؛ لعموم الفائدة المتوخاة منه -بإذن الله- وقد أسميناه: (الفقه الميسر: موسوعة فقهية حديثة تتناول أحكام الفقه الإسلامي بأسلوب واضح للمختصين وغيرهم).

стр. 9

٥ - إن في الكتابة بهذا الأسلوب السهل الممتنع مع ذكر آراء المذاهب الفقهية المشهورة ما أمكن ذلك وبيان الراجح منها -إثراءً للجوانب الفقهية وشمولًا لمختلف القضايا الهامة؛ إذ أن الأحكام لبعض المسائل قد ترد في مذهب دون غيره، إما بحكم المصلحة أو العرف أو غيرها، وفي ذلك استفادة أشمل وأعم؛ لأن الاقتصار على مذهب معين دون غيره لا يتسع لكل الأمور والمسائل التي تواجه المسلم في شؤون حياته. ٦ - أنه يمكن الاستعانة بهذه الموسوعة في الدول الإسلامية وغيرها عند وضع أنظمةٍ وقوانينَ في مختلف جوانب حياة البشرية. ٧ - أنه بتطور الحياة حدثت وقائع ونوازل وكثرت المعاملات المختلفة، مما يتطلب معه بيان الأحكام الشرعية لها؛ ليكون المسلم على دراية من موقف الإسلام منها وما يجوز وما لا يجوز، وكيفية تطبيق القواعد والمبادئ الشرعية عليها، وما تلحق به من أبواب الفقه المسماة الوارد ذكرها في الكتب الفقهية، أو لم تكن مندرجة تحت أسماء أبواب الفقه المعروفة، بل هي عقود جديدة (عقود غير مسماة) لا تندرج تحت مسميات أبواب الفقه المذكورة، ولكنها لا تخرج عن الأصول والقواعد الشرعية، فيحكم بجوازها؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "المسلمون عند شروطهم" (٢) أو كانت مخالفة فيقال بمنعها مع محاولة إيجاد البديل الذي يتفق والقواعدَ الشرعيةَ. ٨ - أنه يمكن الاستفادة منها كمقرر لطلاب الدراسات الشرعية المتخصصة، ويمكن ترجمتها ونشر الاستفادة منها بين أبناء المسلمين من غير الناطقين باللغة العربية، كما أنه يمكن نشرها عن طريق الوسائل الحديثة كالإنترنت وغيرها.

стр. 10

منهجنا في هذا البحث: ١ - حرصنا على ذكر آراء المذاهب وخاصة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) بإيجاز شديد، بعيدًا عن المناقشات والاستطراد في ذكر الأدلة إلا عند الحاجة لذلك. ٢ - اقتصرنا على المسائل الهامة في كل باب دون جزئيات الفروع التي يكفي عنها غيرها من المسائل المشهورة. ٣ - حرصنا على ذكر آراء المجامع الفقهية وما عليه الفتوى ما أمكن ذلك؛ ليكون معينًا للقارئ في هذا الباب. ٤ - ذكرنا الراجح فيما نرى الحاجة إلى ذكره؛ ليكون القارئ على بينة من أقوال أهل العلم، وما يترجح لنا قد يترجح لغيرنا خلافه، وكل يَدِينُ اللهَ بما يتبين له من خلال الأدلة الشرعية. ٥ - رجعنا إلى المصادر المعتمدة في كل مذهب مع الاستفادة من الكتب العلمية المتميزة مما كتب في العصور المتأخرة، ولا سيما الرسائل العلمية والبحوث الجادة الأصيلة. ٦ - لم نعتمد ترتيبًا معينًا لكتاب معين، ولم نأخذ بمسائل كتاب معين، وإنما أخذنا رؤوس مسائل كل باب وما نرى أنه مهم في نفس الباب والحاجة داعية إليه، بعيدًا عن المسائل التي قد لا تدعو الحاجة العملية لها، مع أهمية هذه المسائل وضرورة وجودها في مختلف كتب الفقه، لكن مشروعنا يختلف كثيرًا عن الكتب العلمية التي يتناولها الباحثون والدارسون على مختلف مستوياتهم.

стр. 11

٧ - وحيث إن الهدف من هذا المؤلَّف هو فائدة المسلمين جميعًا أينما كانوا وفي أي وقت وجدوا، فإنا نأمل التعاون معنا بالاقتراحات البناءة المفيدة؛ ليعم النفع وتكثر الفائدة، وهو ما نسعى إليه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 12

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الطهارة

стр. 13

كتاب الطهارة أولًا: تعريف الطهارة: الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار والأوساخ، سواء كانت هذه الأقذار والأوساخ حسية أو معنوية (١). فالحسية كطهارة الثوب والبدن مما يصاب به من الأقذار والأوساخ. أما الطهارة المعنوية فهي طهارة القلب مما يعلق به من شرك بالله والغل والبغضاء للمؤمنين (٢). والواجب على كل مسلم أن يهتم بالطهارة المعنوية؛ لأنها أعظم من الطهارة الحسية، فطهارة القلب من الشرك في عبادة الله أو طهارته من الغل والحسد والبغضاء للمؤمنين، أهم من طهارة البدن، بل لا يمكن أن تنفع الطهارة الحسية مع وجود نجس الشرك. وإذا نظرت إلى حال الكثير من الناس رأيتهم يهتمون بطهارة الظاهر ولا يبالون بطهارة الباطن، مع أن طهارة الباطن هي الأصل، وطهارة الظاهر فرع عليها. الطهارة في الاصطلاح: قيل في تعريفها: هي عبارة عن غسل لأعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة (٣). وقيل: هي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث. وقيل كذلك: الطهارة هي: إزالة الحدث وإزالة النجس أو ما في معناها أو صورتها (٤). فقولهم: "ارتفاع الحدث" المراد به زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها.

стр. 14

وقولهم: "وما في معناه" أي: ما كان في معنى ارتفاع الحدث، كغسل اليدين بعد القيام من النوم ليلًا، فهذه طهارة واجبة وليست بحدث. وقولهم: "وزوال الخبث" فالمراد بالخبث النجاسة، وسيأتي الكلام عنها -إن شاء الله-. ثانيًا: أقسام الطهارة: تنقسم الطهارة الحسية قسمين: طهارة حكمية، وطهارة حقيقية. ١ - فالطهارة الحكمية: المراد بها الطهارة من الحدث بنوعيه الحدث الأكبر والحدث الأصغر: فالحدث الأكبر المراد به حدث الجنابة والحيض والنفاس، أما الأصغر فيقصد به حدث البول والغائط والريح والمذي والودي. ٢ - أما الطهارة الحقيقية: فالمراد بها الطهارة من النجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو المكان. ثالثا: أدلة مشروعية الطهارة: دل على مشروعية الطهارة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١).

стр. 15

وأما السنة: فقوله ﷺ : "لا تقبل صلاة بغير طهور" (١). وقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٢). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة (٣). رابعًا: ما تشترط له الطهاوة: ١ - الصلاة: يشترط لصحة الصلاة طهارة بدن المصلى وثوبه ومكانه من النجاسة؛ لما ذكرناه من الأدلة السابقة، ولقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٤)، ولقوله ﷺ في حديث الأعرابي: "أريقوا عليه ذنوبًا من ماء" (٥). ٢ - سجود التلاوة: اختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة في سجود التلاوة، وذلك مبني على سجود التلاوة: هل هو صلاة، أم هو جزء من الصلاة فيشترط لصحته الطهارة، أو هو في معنى الصلاة فلا يشترط له الطهارة. فمن قال بأنه صلاة أو جزء من الصلاة اشترط له الطهارة، وبهذا قال

стр. 16

الشافعية (١) والحنابلة (٢). أما المالكية (٣) فإنهم يرون عدم اشتراط الطهارة له، وهذا هو المختار عند شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) ﵀ ورجحه الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٥)، وهو الراجح؛ لأنه ليس صلاة ولا جزءًا منها. ٣ - الطواف: اختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة للطواف: ١ - فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراط الطهارة للطواف، واحتجوا على اشتراطها بقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل الكلام فيه، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير" (٦)، (٧). ٢ - وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط الطهارة في الطواف. وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن صالح العثيمين. والراجح: أنه لا بد من الطهارة للطواف، للحديث المذكور. خامسًا: ما تحصل به الطهارة: تحصل الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر بالماء أو ما يقوم مقامه وهو التراب. أما إزالة الخبث فاشترط الفقهاء له الماء، لقوله ﷺ في دم الحيض يصيب

стр. 17

الثوب: "تحتّه ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه (١)، ثم تصلي فيه" (٢)؛ والشاهد هنا هو قوله: "بالماء" فهذا دليل على تعيين الماء لإزالة النجاسة، وهذا هو قول الشافعية (٣) والمالكية (٤) والحنابلة (٥). وذهب الحنفية (٦) -وبه قال شيخ الإسلام (٧) وشيخنا (٨) - إلى عدم اشتراط الماء لإزالة النجاسة، بل متى أزيلت النجاسة بأي مزيل آخر زالت وطهر المحل كالخل وماء الورد ونحوه مما إذا عصر انعصر. وكون النبي ﷺ ذكر الماء في التطهير؛ لكونه أسرع وأيسر على المكلف. وهذا هو الراجح. سادسًا: اشتراط النية في طهارة الأحداث وطهارة النجاسات: اتفق الفقهاء على عدم اشتراط النية في تطهير النجاسة، ولكن اختلفوا في اشتراطها في طهارة الحدث:

стр. 18

١ - فذهب المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى شرطيتها في طهارة الحدث. ٢ - وخالف الحنفية (٤) فقالوا بأن طهارة الحدث لا يشترط لها النية؛ لأنها ليست عبادة مقصودة لذاتها، وإنما هي مقصودة لتصحيح العبادة. والراجح: اشتراط النية عند الطهارة من الأحداث، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٥). وأما قول الحنفية أن طهارة الأحداث ليست عبادة مستقلة فنقول: بل هي عبادة مستقلة، فالوضوء والغسل والتيمم عبادات مستقلة بدليل أن الله تعالى رتب عليها الفضل والثواب والأجر، وإذا كانت عبادة مستقلة صارت النية شرطًا لها.

стр. 19

باب المياه أولًا: أقسام المياه: قسم الفقهاء المياه التي يصح التطهر بها أو لا يصح التطهر بها إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس. والطهور: هو الماء الباقي على أصل خلقته كماء البحر، والخارج من الأرض وماء المطر وغير ذلك. وهذا النوع من الماء أجمع الفقهاء على أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره (١). والطاهر: هو الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه بغير نجاسة. أما في حكم استعمال هذا النوع من المياه فقالوا: إنه طاهر في نفسه غير مطهر لغيره. فيصح استعماله في العادات من شرب وطبخ ونحو ذلك، ولا يصح استعماله في العبادات من وضوء وغسل. والماء النجس: هو الماء الذي تغيرت أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة وقعت فيه، سواء كان هذا الماء قليلًا أو كثيرًا. وهذا النوع من المياه لا يجوز استعماله. فهذه هي أقسام المياه الثلاثة عند الحنابلة. وزاد بعض أهل العلم قسمًا رابعًا قالوا: الماء المشكوك فيه. وذهب الحنفية (٢) وأحمدُ (٣) في إحدى الروايتين عنه إلى أن أقسام المياه اثنان؛

стр. 20

طهور، ونجس، أما الطاهر فهو قسم لا وجود له في الشريعة، والدليل على ذلك عدم الدليل، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، واختاره أيضا الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٢)، وهو الراجح. ثانيًا: ذكر بعض أحكام المياه: إذا تغير الماء بطاهر غير ممازج: إذا تغير الماء بطاهر غير ممازج كقطع الكافور ورواسب الدهن فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من المياه: ١ - فذهب الجمهور إلى أنه يكون طهورًا لا يكره استعماله، وعللوا ذلك بأن هذا المتغير تغير عن مجاورة لا عن ممازجة، فلا يُسْلَبُ الماءُ صفتَه. ٢ - وذهب الحنابلة -وهو المذهب عندهم- إلى أن هذا النوع من المياه طهور لكن يكره استعماله، وعللوا ذلك بأن هذا النوع من المياه وقع فيه الخلاف بين الفقهاء فيكره استعماله خروجًا من الخلاف (٣). والصحيح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم كراهية استعمال هذا الماء، والتعليل بالخلاف لا يصح بل ليس الخلاف دليلًا شرعيًا تثبت به الأحكام، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (٤).

стр. 21

حكم استعمال الماء المسخن بشيء نجس: اختلف الفقهاء (١) في الماء المسخن بنجس إذا كان الإناء محكمًا: ١ - فذهب الجمهور إلى عدم كراهة استعماله إذا كان الإناء له غطاء محكم؛ وذلك لأن الغالب على الظن عدم وصول النجاسة إليه، والعمل بغلبة الظن معمول به في الشريعة، ولذا لا يكره استعماله، وهذا هو إحدى الروايتين عن أحمد (٢). ٢ - وذهب أحمد في إحدى الروايتين -وهو المذهب- إلى كراهية استعمال المسخن بنجس؛ وذلك لاحتمال وصول النجاسة إليه، وعللوا ذلك أيضًا بأن استعمال النجاسة مكروه، والحاصل بالمكروه مكروه. الراجح: الصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم كراهية استعمال المسخن بالنجاسة؛ لما احتجوا به، وهو اختيار الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٣). حكم الماء إذا لاقته نجاسة فلم تغير أوصافه: اتفق الفقهاء على أن الماء إذا خالطته نجاسة وغيرت أحد أوصافه أنه ينجس، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (٤). لكنهم اختلفوا في الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه على قولين: القول الأول: أن الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه فهو طاهر،

стр. 22

سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وهذه رواية عن مالك (١) وإحدى الروايتين عن أحمد (٢)، وبه قال بعض الشافعية (٣)، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) والشيخ محمد ابن صالح العثيمين (٥). القول الثاني: أن الماء إذا خالطته النجاسة فلم تغير أحد أوصافه فإنه ينظر إلى الماء من حيث القلة والكثرة، فإن كان الماء قليلًا فإنه ينجس، وإن كان كثيرًا فإنه لا ينجس، وهذا مذهب الحنفية (٦) ورواية عن مالك (٧)، والمذهب عند الشافعية (٨)، والمشهور عند الحنابلة (٩). الراجح: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ وذلك لقوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء" (١٠)، وهذا يشمل القليل والكثير، ولكن يستثنى من ذلك ما تغير بالنجاسة، فقد انعقد الإجماع على نجاسته، ولأن الأصل في المياه الطهارة ولا يعدل عنها إلا بدليل، ولا دليل على ذلك.

стр. 23

أما حديث القلتين (١) فيجاب عنه بما يلي: أولًا: أنه حديث ضعفه كثير من أهل العلم؛ وذلك لاضطرابه. ثانيًا: على اعتبار صحته فإن لحديث القلتين مفهومًا ومنطوقًا؛ فمنطوقه: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، ومفهومه: أن ما دون القلتين ينجس، وهذا ليس على عمومه؛ لأنه يستثنى من ذلك: إذا كان الماء كثيرًا فتغيرت أوصافه بالنجاسة فإنه ينجس. ومن هنا يمكن الجمع بين الحديثين بأن يقال: ينجس إذا تغير ولا ينجس إذا لم يتغير؛ لأن منطوق حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" مقدم على مفهوم حديث القلتين. بيان حد القليل والكثير في المياه: اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال: الأول: ذهب الحنفية (٢) إلى أن الماء القليل هو الذي إذا حُرِّك طرفه تحرك الطرف الآخر، سواء كان التحريك بالاغتسال أو باليد من غير اغتسال، ولا وضوء، وما لم يتحرك بتحريك طرفه فهو الكثير، ويعبرون عنه بأنه لا يخلص بعضه إلى بعض.

стр. 24

الثاني: وذهب المالكية (١) إلى أنه إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل، وإن لم يتغير فهو كثير، مستدلين بحديث: "إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه" (٢). الثالث: وذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) إلى أن الماء إذا بلغ قلتين فهو كثير، أما إن كان دون القلتين فهو قليل، مستدلين بحديث: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" (٥)، وفي رواية: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء" (٦). وقد رجحنا سابقًا أن الماء لا ينجس، قليلًا كان أوكثيرًا، إلا إذا تغير بالنجاسة. كيفية تطهير المياه النجسة: اختلف الفقهاء في كيفية تطهير المياه النجسة: ١ - فذهب المالكية (٧) إلى أن الماء النجس يطهر بصب الماء عليه ومكاثرته حتى تزول النجاسة، ولو زال تغيره بنفسه أو بنزح بعضه ففيه قولان عندهم. ٢ - وذهب الشافعية (٨) والحنابلة (٩) إلى التفريق بين ما إذا كان الماء قلتين

стр. 25

فأكثر، أو هو دون القلتين. فإن كان دون القلتين فتطهيره يكون بالمكاثرة، وهل يشترط في المكاثرة كون الماء المتكاثر به طاهرًا؟ على قولين؛ فالشافعية يرون أنه لا يشترط كونه طاهرًا، بل تحصل المكاثرة بالماء النجس؛ لقوله ﷺ : "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١). ويرى الحنابلة اشتراط الطهارة للماء المتكاثر به. أما إذا كان الماء قلتين أو أكثر، فإن كان قدر القلتين فإنه إما أن يكون متغيرًا بالنجاسة أو غير متغير بها، فإن كان متغيرًا بالنجاسة فيطهر بالمكاثرة أو تركه حتى يزول تغيره. وإن كان غير متغير بالنجاسة فإنه يطهر بالمكاثرة فقط. أما إذا كان الماء يزيد عن القلتين فإن كان غير متغير فإنه يطهر بالمكاثرة، وإن كان متغيرًا بالنجاسة فيكون تطهيره بأحد ثلاثة أمور؛ إما بالمكاثرة، أو تركه حتى يزول تغيره بمكثه، أو بالأخذ منه حتى يزول به التغير ويبقى بعد ذلك قلتان فصاعدًا. ونرى أن تطهير الماء النجس بأي طريقة يحصل بها طهارته، سواء كان بالإضافة أو زوال تغيره بنفسه، أو ينزح منه ويبقى بعده كثير غير متغير، أو بغير ذلك من الوسائل التي تحصل بها طهارة الماء النجس؛ وذلك لأن الحكم متى ثبت بعلة زال بزوالها، فمتى زالت النجاسة فإنه يكون طاهرًا (٢).

стр. 26

حكم الماء المستعمل: الماء المستعمل في طهارةٍ من الحدث أو إزالة نجس ولم تتغير أوصافه، اختلف فيه الفقهاء؛ فمذهب الحنفية (١) أنه يصلح لطهارة من خبث من حدث، وهذا هو المعتمد عندهم، فإنه يجوز إزالة النجاسة الحقيقية به. أما المالكية (٢) فيرون أنه طاهر مطهر لكن يكره استعماله في رفع حدث أو اغتسالات مندوبة مع وجود غيره إن كان يسيرًا، ولا يكره استعماله في إزالة نجاسة ونحوه. أما الحنابلة (٣) فعندهم روايتان: الأولى أنه طاهر غير مطهر لا يرفع حدثًا ولا يزيل خبثًا، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة، والرواية الأخرى أنه طاهر مطهر وهذه اختارها شيخ الإسلام (٤) ﵀، وشيخنا (٥) ﵀، وهذا هو الراجح لأن الأصل بقاء الطهارة ولا يعدل عنها إلا بدليل شرعي، ولأنه ماء طاهر غسل به عضو طاهر، ولقوله ﷺ : "الماء لا يجنب" (٦) حكم الماء إذا خالطه طاهر: اتفق الفقهاء على أن الماء إذا خالطه طاهر ولم يتغير فيه شيء مع قلة الماء لم

стр. 27

يمنع من الطهارة به، وكذا إذا خالطه طاهر ويمكن الاحتراز منه كالطحلب وأدران الشجر الذي سقط في الماء. لكنهم اختلفوا في حكم الماء الذي خالطه طاهر يمكن الاحتراز منه كالصابون والزعفران ونحوه فغير هذا الماء، فهنا اختلف في طهارة هذا الماء أهل العلم: ١ - الحنفية (١) والحنابلة (٢) يرون أنه طاهر مطهر. ٢ - وذهب المالكية (٣) والشافعية (٤) وأحمدُ في رواية عنه أنه طاهر غير مطهر، أي يستعمل في العادات كالطبخ والشرب، ولا يستعمل في العبادات كالوضوء والغسل. الراجح: هو القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٥). فقد أمر الله تعالى باستعمال الماء عند إرادة الصلاة، ولم يبح التيمم إلا عند عدم وجوده والقدرة على استعماله، وقد جاء في سنن النسائي وغيره أن أم هانئ ﵂ ذكرت: "أن النبي ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين" (٦)، فهذا حديث واضح الدلالة في جواز التطهر بالماء إذا خالطه شيء طاهر يمكن الاحتراز منه.

стр. 28

الفرق بين الطهور والطاهر عند من قال بهما: الفرق بين الماء الطهور والطاهر هو أن الماء الطهور يستعمل في العبادات وفي العادات، فيجوز الوضوء به والاغتسال من الجنابة والحيض، كما يجوز تطهير النجاسة به واستعماله في نظافة البدن والثوب من الأوساخ الظاهرة وغير ذلك. أما الماء الطاهر فإنه لا يصلح استعماله في العبادات من وضوء وغسل جنابة ونحوها، كما لا يصح تطهير النجاسة به، وإنما يصح استعماله في الأمور العادية من شرب وتنظيف بدن وثياب وعجن ونحو ذلك. هذه هي جملة فروق من يفرقون بين الطاهر والطهور، أما عند من قال بأن الطاهر لا وجود له في الشريعة فلا اعتبار عنده بهذه الفروق. حكم تطهر الرجل بفضل طهور المرأة: ١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز استعمال الرجل فضل طهور المرأة. ٢ - وذهب الحنابلة (١) إلى أن الماء إذا خلت به المرأة فهو طهور لكن لا يرفع حدث الرجل، واستدلوا على ذلك بحديث الحكم بن عمرو الغفاري قال: "نهى النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" (٢)، وبما جاء عنه أيضًا ﷺ : من نهيه أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعًا (٣). الراجح: هو ما ذهب إليه الجمهور، ودليل ذلك ما يأتي:

стр. 29

١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة فجاء النبي ﷺ ليغتسل منها، فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: "إن الماء لا يجنب" (١). ٢ - اغتساله ﷺ بفضل ميمونة (٢). ٣ - ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا" (٣). حكم الماء إذا غمس فيه يد قائم من نوم ليل: اختلف العلماء في الماء القليل الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل قبل غسله ثلاثًا: ١ - فذهب جمهور العلماء من الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) وهي رواية عن أحمد (٧) واختارها شيخ الإسلام (٨) ﵀ وشيخنا (٩)، إلى أنه طهور يرتفع به الحدث. ٢ - وذهب الحنابلة (١٠) -وهو المذهب عندهم- إلى أن الماء طاهر غير مطهر،

стр. 30

واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده" (١). الراجح: هو ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الحديث لا يدل على أن الماء سلبت طهوريته عند وضعِ القائم من نوم يدَه فيه، بل فيه النهي عن غمس اليد، ولم يتعرض للماء بذكر. حكم مياه الصرف الصحي والمجاري بعد تنقيتها: من الوسائل الحديثة ما تقوم به بعض المؤسسات من تنقية مياه الصرف الصحي والمجاري؛ بغرض التخلص من نجاستها بعدة وسائل فنية حديثة. وهذا الماء بعد تنقيته من العذرة والبول وكل أنواع النجاسة يصير طهورًا يجوز استعماله في إزالة الأحداث والأخباث وتحصل الطهارة به. جاء ذلك بقرار مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، والمنعقدة بمكة المكرمة في ١٣/ ٧ / ١٤٠٩ هـ. أما إذا كانت هناك أضرارٌ صحية تنشأ عن استعمالها في الأكل والشرب فالواجب الامتناع عن استعماله محافظة على النفس وتفاديًا للأضرار التي تترتب على استعمالها في ذلك، لا لنجاستها. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بذلك في فتواها رقم (٢٤٦٨) (٢).

стр. 31

الماء المسخن عن طريق الشمس: اختلف الفقهاء في حكم استعمال الماء المشمَّس على قولين: الأول: جواز استعماله مطلقًا من غير كراهية، وهو قول الحنابلة (١) وجمهور الحنفية (٢)، وهو قول لبعض المالكية (٣) والشافعية (٤) كالنووي. القول الثاني: كراهة استعماله، وإلى هذا ذهب المالكية (٥) وهو المعتمد عندهم، والشافعية (٦) في المذهب، وبعض الحنفية (٧). الراجح: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ لضعف أدلة أصحاب القول الثاني؛ ولأن الكراهة تحتاج إلى دليل ولا دليل هنا على الكراهة، أما إذا كانت هناك أضرارٌ صحية تحصل باستعماله فهنا تكون الكراهية كراهة طبية لا شرعية؛ لأنها لا تمنع من إكمال الوضوء أو الغسل لشدة حرارتها، فهنا نقول بكراهته؛ لعدم حصول الإسباغ الذي جاءت السنة بالحث عليه والأمر به. ماء زمزم وحكم استعماله للطهارة: اختلف أهل العلم في حكم استعمال ماء زمزم في الطهارة وإزالة النجاسة على ثلاثة أقوال:

стр. 32

الأول: ذهب الحنفية (١) والشافعية وأحمدُ في رواية إلى جواز استعمال ماء زمزم في إزالة الأحداث، أما في إزالة النجاسات فيكره؛ تشريفًا وتكريمًا له. الثاني: ذهب المالكية (٢) إلى جواز استعمال ماء زمزم من غير كراهية للطهارة من الأحداث وإزالة النجاسات. الثالث: ذهب الإمام أحمد (٣) في رواية إلى كراهية استعمال ماء زمزم مطلقًا في إزالة الحدث والنجاسة، لقول العباس ﵁: "لا أحلها لمغتسل يغتسل في المسجد، وهي لشارب ومتوضئ حل وبل" (٤). والذي يظهر رجحان رأي المالكية؛ لعمومات النصوص.

стр. 33

باب في النجاسات تعريف النجاسة: النجاسة في اللغة القذارة، يقال: "تنجس الشيء" أي: تلطخ بالقذر وصار نجسًا (١). أما في الشرع: فقد عرفها الفقهاء بأنها: "مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص" (٢)، أو هي: "صفة حكمية توجب لموضوعها منع استباحة الصلاة به أو فيه" (٣). أقسام النجاسة: تنقسم النجاسة إلى قسمين: حكمية، وعينية. أ- فالنجاسة الحكمية: هي التي تقع على الشيء الطاهر فيتنجس بها، كالبول يصيب الثوب. ب- أما النجاسة العينية: فهي التي لا يمكن تطهيرها أبدًا؛ لأن عينها نجسة، كالكلب عند من يقول بنجاسة عينه. طهارة بعض الحيوانات ونجاستها: أولًا: الكلب . اختلف الفقهاء في نجاسة الكلب وطهارته:

стр. 34

١ - فذهب الشافعية والحنابلة إلى القول بأن الكلب نجس العين، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب" (١). ٢ - وذهب الحنفية (٢) إلى أن الكلب ليس بنجس العين، وإنما سؤره ورطوبته نجسة؛ لأن الحديث إنما ورد في ولوغ الكلب لا في عينه، فتحمل النجاسة على سؤره ولعابه. ٣ - وذهب المالكية في المشهور عندهم (٣) إلى أن الكلب طاهر العين، وكذا عرقه ومخاطه ولعابه؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة. الراجح: هو مذهب الحنفية أن الكلب ريقه وبوله وروثه كل ذلك نجس. أما شعره فإنه طاهر، فمتى أصابت رطوبة شعره الثوب أو البدن لم ينجس بذلك؛ لأن الحديث إنما ورد في ولوغه، أما كونه نجس العين فلا يصح القول به؛ لأن الأصل في الأعيان الطهارة، ولا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلا بدليل شرعي، وهذا القول هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀. أيُّ الغسلات التي تغسل بالتراب عند ولوغ الكلب في الإناء ؟ جاءت روايات في هذا الحكم متعددة: فإحدى الروايات جاء فيها: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب" (٤) وفي

стр. 35

رواية أخرى: "إحداهن بالتراب" (١) وفي رواية: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب" (٢). ومن هنا اختلفت أقوال أهل العلم في ذلك: قال ابن حجر ﵀: "فطريق الجمع أن يقال: إحداهن مبهمة، وأولاهن والسابعة معينة، و (أو) إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير، فمقتضى حمل المطلق على المقيد أن يحمل على إحداهما؛ لأن فيه زيادة على الرواية المعينة ... ، وإن كانت شكًا من الراوي فرواية من عين ولم يشك أولى من رواية من أبهم أو شك، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية أولاهن، ورواية الثامنة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأحفظية والأكثرية ومن حيث المعنى؛ لأن ترتيب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى تنظيفية" (٣). هل يشمل هذا الحكمُ الكلبَ المعلَّمَ ؟ الجواب: نعم يشمله، فلا بد من غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب المعلم، فإن قال قائل: أليس في ذلك مشقة بالنسبة لما يباح اقتناؤه؟ قلنا: نعم، لكن تزول هذه المشقة بحماية الكلب من الأواني المستعملة بأن يخصص له أوانٍ لطعامه وشرابه. فإن قال قائل بأنه يلزم ما أمسكه كلب الصيد بفمه غسله سبعًا إحداهن بالتراب؟ قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأن هذا مما عفى عنه الشارع، ثم إن النبي ﷺ ذكر الولوغ ولم يذكر العض أو الإمساك بالفم، ولأن الصحابة أيضًا لم يثبت عنهم أنهم كانوا يغسلون ما أمسكه الكلب سبعًا.

стр. 36

هل يقاس الخنزير على الكلب فيأخذ نفس الأحكام السابقة ؟ ١ - ذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى أن الخنزير نجس نجاسة عينية، وكذلك جميع أجزائه وما ينفصل عنه كعرقه ولعابه، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤)، فالضمير في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ يعود على عين الخنزير وجميع أجزائه. ٢ - أما المالكية (٥) فقالوا بأنه طاهر العين حال حياته، لأن الأصل في كل حي الطهارة والنجاسة عارضة، فطهارة عينه بسبب الحياة. الراجح: أن الخنزير نجس العين وكذا ما ينفصل منه من عرقه ولعابه وروثه وغير ذلك. هل القول بنجاسة عين الخنزير يلزم منه غسل الإناء سبعًا إذا ولغ فيه ؟ الجواب: نقول بأن الصحيح من مذهب الحنابلة (٦) وغيرهم أن نجاسة الخنزير كنجاسة الكلب تغسل سبعًا إحداهن بالتراب، لكن أكثر العلماء على أن الخنزير لا يغسل ما ولغ فيه سبعًا بل يكفي في غسله واحدة، وتذهب بذلك عين النجاسة لأن الحديث إنما ورد في الكلب، ولذلك جاء القرآن بذكر الخنزير فدل

стр. 37

على وجوده في حياة النبي ﷺ ولم يرد عن النبي ﷺ أنه ألحقه بالكلب، ومن هنا كان الصحيح أن نجاسة الخنزير كسائر النجاسات لا تغسل سبع مرات. ثانيًا: ميتة ما ليس له نفس سائلة . تعريف ما ليس له نفس سائلة: هو ما ليس له دم يسيل منه إذا جرح أو قتل. حكم نجاسته: ١ - أكثر الفقهاء على أن ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض والصرصور والخنفساء ونحو ذلك، إذا وقعت في ماء يسير أو مائع فماتت فيه فإنه لا ينجس ما وقع فيه. استدلوا على ذلك بقوله ﷺ : "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داءً وفي الأخرى شفاء" (١)، ومعلوم أنه قد يفضي غمسه إلى موته، فلو كان ينجس بالموت لما أمر النبي ﷺ بغمسه إذا سقط في الماء. ٢ - وفرق الحنابلة (٢) في ذلك فقالوا: ما ليس له نفس سائلة نوعان؛ النوع الأول: ما يتولد من الطاهرات فهو طاهر حيًا وميتًا، والنوع الثاني: ما يتولد من النجاسات فهو نجس حيًا وميتا. وهذا التفريق عندهم مبني على مسألة وهي: هل النجاسة تطهر بالاستحالة أم لا؟ على خلاف بين الفقهاء:

стр. 38

١ - فذهب الشافعي (١) إلى أنها لا تطهر بالاستحالة، وهي إحدى الروايتين عن أحمد (٢). ٢ - وذهب أبو حنيفة (٣) إلى أنها تطهر بالاستحالة، وهذه إحدى روايتين عن أحمد (٤) ومالك (٥)، واختارها شيخ الإسلام (٦) ﵀. الراجح: هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وشيخ الإسلام، فمتى سقط كلب أو خنزير أو سقطت ميتة وغير ذلك من الأعيان النجسة في ملاحة فصارت بعد ذلك ملحًا، فإنه يصير بتحلله طاهرًا. ومن هنا كان المتولد من النجاسات على الصحيح من قولي العلماء طاهرًا، فما ليس له نفس سائلة طاهر مطلقًا. ثالثًا: ميتة الحيوان . تعريف الميتة: الميتة هي: ما مات حتف أنفه -أي: بغير تذكية شرعية- وقد حرّم الله تعالى لحم الميتة فقال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ...﴾ (٧). ولما كانت الضرورة شيئًا خارجًا عن إرادة العبد واختياره أباح الله تعالى للإنسان حال اضطراره أكل من الميتة، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا

стр. 39

إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١)، وهذا من رحمة الله تعالى بخلقه. حكم ميتة الحيوان: ميتة الحيوان نجسة، لكن هل يجوز الانتفاع ببعض أجزائها كعظمها وريشها وقرنها وظفرها وجلدها وشعرها؟ نقول -وبالله التوفيق-: اختلف الفقهاء في حكم هذه الأشياء المذكورة في نجاستها وطهارتها: ١ - فذهب الحنفية (٢) إلى أن شعر الميتة وعظمها وعصبها -على المشهور- وحافرها وقرنها الخالية من الدسومة، وكذا كل ما لا تحله الحياة وهو ما يتألم الحيوان بقطعه كالريش والمنقار -كل هذا طاهر-. ٢ - أما المالكية (٣) فقالوا: أجزاء الميتة نجسة إلا الشعر وما يشابهه من الريش. ٣ - أما الشافعية (٤) فقالوا بنجاسة هذه الأشياء المذكورة، وقالوا بأن إباحة هذه الأشياء في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٥)، محمول على ما إذا أخذ بعد التذكية أو في الحياة على ما هو المعهود. ٤ - أما الحنابلة (٦) فقالوا بنجاسة العظم والقرن والظفر وأصول الشعر والريش إذا نتف وهو رطب أو يابس؛ لأن هذه الأشياء من جملة أجزاء الميتة. أما الشعر والصوف والوبر والريش فهي طاهرة في الحياة وبعد الممات، ولو

стр. 40

كانت لحيوان غير مأكول كالهرة وما دونها في الخلقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (١)، فالآية سيقت للامتنان، والظاهر شمول الآية لحالتي الحياة والموت، وهذا هو الراجح. في طهارة جلد الميتة بالدباغ: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: ١ - فذهب الحنابلة (٢) إلى أن جلد الميتة النجسة لا يطهر بالدباغ، ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس لا مائع، بشرط أن يكون الجلد لحيوان طاهر في الحياة، سواء كان مأكول اللحم كالشاة، أو لَا كالهرة. وقد استدل الحنابلة بما رواه أحمد وغيره عن عبد الله بن حكيم قال: "أتانا كتاب النبي ﷺ وأنا غلام ألا تنتفعوا بإهاب ميتة ولا عصب" (٣). وجه الدلالة عندهم من الحديث ما يلي: ١ - أن النهي يدل على التحريم. ٢ - ولأن الميتة نجسة العين، ونجس العين لا يمكن تطهيره. ٣ - ولأن الجلد جزء من الميتة فكان حرامًا، ولقد قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤)، فلم يطهر بالدبغ كاللحم (٥).
следующие страницы →