← Сира

Сира · id 592

صحيح السيرة النبوية - الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (232 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

صحيح السيرة النبوية ما صح من "سيرة رسول اللَّه ﷺ وذكرُ أيامِهِ وغزواته وسراياه والوفود إليه" للحافظ ابن كثير بقلم محمد ناصر الدين الألباني (رحمه اللَّه تعالى) المكتبة الإسلامية عمان - الأردن

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقدِّمَةُ النَّاشر إن الحمدَ للَّهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللَّه مِنْ شُرورِ أنفسِنا، ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولُهُ. أمّا بعدُ؛ فإن موضوعَ سِيَرِ الأنبياءِ والصالحينَ شيءٌ مُحَبَّبٌ إلى النفوسِ، قريبٌ من القلوبِ؛ لِمَا فيها مِنْ مواعظَ وحِكَمٍ وعِبَرٍ يستفيدُ منها الصالحونَ والعقلاءُ، ويَسْتَمِدُّونَ منها قوة تُعِينُهم، ونِبْراسًا يُنِيرُ لهم، وزادًا يَتَزَوَّدونَ بهِ في طريقِهِم إلى اللَّه ﵎؛ قال اللَّهُ : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. وأَحَبُّ السِّيَرِ إلى القلوبِ وأعظمُها سِيرةُ رسولِ اللَّهِ محمدٍ ﷺ ، فهو أعظمُ خَلْقِ اللَّهِ وأَحَبُّهم إليه؛ بل هو سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ أجمعين. ولأجلِ هذا؛ فقد حازتِ السيرةُ النبويةُ على اهتمامِ كثيرٍ مِنَ العلماءِ؛ فَكَتَبُوا فيها، ولكنَّ كُتُبَهُمْ هذهِ امتلأتْ بالغَثِّ والسَّمِينِ مِنَ الضعيفِ والصحيحِ، ولم تَحْظَ بالقَدْرِ الكافي مِن العنايةِ بها. حَتَى قَيَّضَ اللَّهُ العليُّ القَدِيرُ لها عَلَمًا مِنَ الأَعْلامِ، وفارسًا لا يُشَقُّ له غُبَارٌ في علوم السنة؛ وهو فَضيلةُ شيخِنا الوالدِ والمُرَبِّي الزاهِدِ محمد ناصر الدين الألباني رحمه اللَّه تعالى، فَشَمَّرَ عن ساقِ الجِدِّ والاجتهادِ في تمييز صحيح السيرة النبوية

стр. 3

من ضعيفها، وكان السببُ في ذلكَ؛ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ عليهِ أنْ يُسافرَ إلى (الشارقةِ) بدولةِ الإماراتِ، فَوَقَعَ بين يَديهِ كتابُ "خاتمُ النبيين ﷺ " للشيخ (محمد أبو زهرة)، ورأى ما فيه من الطامّاتِ، فعزمَ على خِدمةِ سِيرَةِ رسول اللَّه ﷺ ، وشَرَحَ اللَّهُ صدرَهُ لتمييزِ الصحيحِ من الضعيفِ مِنْ كتابِ "السيرةُ النبويةُ" للحافظِ ابنِ كَثير رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، وبدأَ تَحقيقَهُ لهذا الكتابِ في (الشارقة)، وسَمَّى مَشْرُوعَهُ هذا: "صَحيحُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ مَا صَحَّ مِنْ "سِيرَةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَذِكْرُ أَيَّامِهِ وَغَزَوَاتِهِ وَسَرَايَاهُ وَالوُفُودِ إِلَيْهِ" لِلْحَافِظِ ابْنِ كَثِير". واستدركَ فيهِ على ابنِ كثيرٍ العديدَ مِنَ الاستدراكاتِ المهمةِ، ولكنَّ اللَّهَ تَوَفَّى الشيخَ قبلَ أنْ يُكْمِلَ مشروعهُ، وتَوَقَّفَ عملُهُ فيهِ عندَ (فصل الإسراء والمعراج)، رَحِمَ اللَّهُ الشيِخَ الألبانيَّ رحمةً واسعةً، وجَزَاهُ عن الإسلامِ والمسلمينَ خيرَ الجزاء، وحَشَرَهُ في زُمْرَةِ الأنبياءِ والصِّدِّيقين والشهداءِ والصالحين، وحَسُنَ أولئكَ رَفيقًا. ولقدْ رأتِ المكتبةُ الإسلاميةُ في (عَمَّانَ) أنْ تنشرَ هذا المُصَنَّفَ على هذه الصورةِ؛ لتقدمَ للعالمِ الإسلاميِّ علمَ الشيخ؛ لئلا يكونَ حبيسَ الخزائن، وليستفيدَ منه العلماءُ وطلبةُ العلمِ، ويُؤْجَرَ عليهِ الشيخُ ﵀ في قبرِه؛ مستعينةً على إخراجِهِ -في أحسنِ صورةٍ ممكنةٍ - ببعضِ طلبةِ العلمِ، فجزاهُمُ اللَّهُ خيرًا. وصَلَّى اللَّهُ وسلَّمَ على نَبِينا محمدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، والحمدُ للَّه رب العالمين. عَمَّان - الشام الجمعة ١٥ صفر ١٤٢١ هـ الناشر

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة "صحيح السيرة النبوية" إن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ و ٧١]. أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

стр. 5

أما بعد؛ فقد كتب اللَّه لي -لأسباب شرحتها في مقدمة "كشف الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار"- أن أسافر من بيروت إلى الشارقة صحبة أحد إخواننا فيها، وأنزلني جزاه اللَّه خيرًا في منزله، فوجدت في مكتبته كتابًا للشيخ محمد أبو زهرة بعنوان: "خاتم النبيين ﷺ " في مجلدين، فقلبت فيه بعض الأوراق، وتصفحت فيه كثيرًا من الصفحات، فرأيته قد. . . (١) _________ (١) [لم يكمل شيخنا الألباني -رحمة اللَّه عليه- مقدمته هذه لـ "صحيح السيرة النبوية"]. الناشر.

стр. 6

منهجي في الكتاب ١ - حذفت الطرق والشواهد التي يسوقها لتقوية الحديث، واعتمدت على الرواية التي هي أكمل معنى إذا ثبتت. ٢ - حذفت السند الذي يسوقه كاملًا أو ناقصًا، واكتفيت منه بذكر اسم الصحابي فقط؛ إلا لفائدة أو ضرورة. ٣ - حذفت ما لا سند له أو كان مرسلًا أو معضلًا؛ إلا ما صرح بأنه مجمع عليه أو نحوه. ٤ - قد ألخص أحيانًا كلامه ليتناسب مع الاختصار الذي يقتضيه اقتصارنا على ما صح مما ذكره. ٥ - قد أستبدل بسياقه سياق المصدر الذي عزاه إليه؛ لأنه في كثير من الأحيان يسوقه بمعناه أو قريبًا منه؛ الأمر الذي حمل محققه على أن يقول (ص ٢٢٦) (١): ٦ - استدركت بعض ما فاته تحت عنوان: [المستدرك] (٢). _________ (١) [لم ينقل شيخنا الألباني رحمه اللَّه تعالى قول محقق "السيرة النبوية" لابن كثير، وهو مصطفى عبد الواحد؛ قال (١/ ٢٢٦): "العجيب أن ابن كثير ﵀ يعدل عن لفظ ابن إسحاق، ويخلطه بما يفسد المعنى، ولو أنه أثبته بنصه لكفى وأغنى. . . ولو ذهبنا نتتبع مفارقات المؤلف في نقله عن ابن إسحاق؛ لطال بنا الأمر، ويكفي أن نعلم أن ابن كثير يلخص المعنى بعبارته، ويزيد، ويحذف، ولا يلتزم النص؛ إلا قليلًا"]. الناشر. (٢) [في نهاية كل مستدرك وضعنا عبارة: [انتهى المستدرك]؛ لئلا يختلط كلام شيخنا الألباني بكلام ابن كثير رحمهما اللَّه تعالى]. الناشر.

стр. 7

باب ذكر نسبه الشريف وطيب أصله المنيف قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ولما سأل هِرَقْلُ مَلِكُ الروم أبا سفيان تلك الأسئلة عن صفاته ﵊ قال: كيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب. قال: كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها. يعني: في أكرمها أحسابًا، وأكثرها قبيلة، صلوات اللَّه عليهم أجمعين. فهو سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة. أبو القاسم، وأبو إبراهيم، محمد، وأحمد، والماحي الذي يُمْحَى به الكفر، والعاقب الذي ما بعده نبي، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه (١)، والمقفِّي، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، وخاتم النبيين، وعبد اللَّه (٢). قال البيهقي: وزاد بعض العلماء فقال: سماه اللَّه في القرآن رسولًا، نبيًّا، أميًّا، شاهدًا، مبشرًا، نذيرًا، وداعيًا إلى اللَّه بإذنه، وسراجًا منيرًا، ورؤوفًا رحيمًا، ومذكرًا، وجعله رحمة ونعمة وهاديًا. وهو ابن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب

стр. 8

ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو من ولد إسماعيل لا محالة؛ على اختلاف كم أب بينهما. وهذا النسب بهذه الصفة لا خلاف فيه بين العلماء (١)، فجميع قبائل عرب الحجاز ينتمون إلى هذا النسب، ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]: لم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول اللَّه ﷺ نسب يتصل بهم (٢). وقد روي من طرق مرسلًا وموصولًا: أن النبي ﷺ قال: "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح؛ من لدن آدم بلى أن ولدني أبي وأمي، ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء" (٣). وهذا رواه ابن عدي عن علي ابن أبي طالب، وسند المرسل جيد.

стр. 9

وثبت في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بعثت من خير قرون بني آدم؛ قرنًا فقرنًا؛ حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه" (١). وفي "صحيح مسلم" من حديث واثلة بن الأسقع أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٢). وروى الإمام أحمد عن المطلب بن أبي وداعة قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس؛ قال: فصعد المنبر، فقال: "من أنا؟ ". قالوا: أنت رسول اللَّه. قال: "أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إن اللَّه خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتي فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا وخيركم نفسًا" (٣). صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا أبدًا إلى يوم الدين.

стр. 10

وثبت في "الصحيح" أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر" (١).

стр. 11

باب مولد رسول اللَّه ﷺ - ولد صلوات اللَّه عليه وسلامه يوم الاثنين؛ لما رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي قتادة أن أعرابيًا قال: يا رسول اللَّه! ما تقول في صوم يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه" (١). وكان مولده ﵊ عام الفيل. وقد رواه البيهقي عن ابن عباس (٢). وهو المجمع عليه؛ كما قال خليفة بن خياط، توفي أبوه عبد اللَّه وهو حَمْل في بطن أمه على المشهور. وفي الحديث الآتي (ص ١٦): ". . . ورؤيا أمي الذي رأت حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام" (٣).

стр. 12

فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده ﵊ وروى محمد بن إسحاق عن حسان بن ثابت قال: واللَّه؛ إني لغلام يَفَعَة (١)؛ ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديًا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بـ (يثرب): يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك مالك؟! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به (٢). وروى أبو نعيم ومحمد بن حيان عن أسامة بن زيد قال: قال زيد بن عمرو ابن نفيل: قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه (٣). ذكر ارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران ورؤيا الموبذان وغير ذلك من الدلالات (ليس فيه شيء)

стр. 13

ذكر حواضنه ومراضعه ﵊ أخرج البخاري ومسلم عن أم حبيبة بنت أبي سفيان [أنها] قالت: يا رسول اللَّه! انْكِحْ أختي بنت أبي سفيان (ولمسلم: عزة بنت أبي سفيان)، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أَوَ تُحِبِّين ذلك؟ ". قلت: نعم، لست لك بمُخْلِيَة (١)، وأَحَبُّ مَنْ شارَكَني في خيرٍ أختي. فقال النبي ﷺ : "فإن ذلك لا يحل لي". قالت: فإنّا نُحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة (وفي رواية: دُرَّة بنت أبي سلمة). قال: "بنت أم سلمة؟! ". قلت: نعم. قال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حَجْري (٢) ما حلت لي، إنها لابْنَةُ أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثُويبة، فلا تعرضنَّ عليَّ بناتكن ولا أخواتكن". زاد البخاري: قال عروة: وثويبة مولاة. لأبي لهب أعتقها، فأرضعت رسول اللَّه ﷺ (٣).

стр. 14

وروى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا له: يا رسول اللَّه! أخبرنا عن نفسك. قال: "نعم؛ أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام. واسترضعتُ في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بَهمًا لنا؛ إذ أتاني رجلان -عليهما ثياب بيض- بطست من ذهب مملوء ثلجًا، ثم أخذاني فشقّا بطني، واستخرجا قلبي فشقّاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زِنْهُ بعشرة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زِنْهُ بمئة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زِنْهُ بألف من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، فقال:

стр. 15

دعه عنك، فواللَّه لو وزنته بأمته لوزنها". وإسناده جيد قوي (١). وقد روى أحمد وأبو نعيم في "الدلائل" عن عتبة بن عبد: أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول اللَّه؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا. فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فقال: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقّاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء وثلج. فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة. فذرها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطه. فخاطه، وختم على قلبي بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفًا من أمته في كفة. فإذا أنا أنظر إلى الألف فوق؛ أشفق أن يخر عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم. ثم انطلقا فتركاني، وفَرَقْتُ فَرَقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبس بي، فقالت: أعيذك باللَّه. فرحلت بعيرًا لها، وحملتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي. وحدثتها بالذي لقيتُ، فلم يَرُعها، وقالت: إني رأيت

стр. 16

خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام" (١). وثبت في "صحيح مسلم" عن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج معه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني: ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره (٢).

стр. 17

وفي "الصحيحين" عن أنس، وعن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ في حديث الإسراء -كما سيأتي- قصة شرح الصدر ليلتئذٍ، وأنه غسل بماء زمزم. ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين: مرة وهو صغير؛ ومرة ليلة الإسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى، ولمناجاة الرب ، والمثول بين يديه . والمقصود أن بركته ﵊ حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير، ثم عادت على هوازن -بكمالهم- فَوَاضِلُهُ حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر، فَمَتُّوا (١) إليه برضاعه فأعتقهم، تحنن عليهم، وأحسن إليهم؛ كما سيأتي مفصلًا في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. قال محمد بن إسحاق في وقعة (هوازن): عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بـ (حُنين)، فلما أصاب من أموالهم وسباياهم؛ أدركه

стр. 18

وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول اللَّه! إنا أهل (١) وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا مَنَّ اللَّه عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول اللَّه! إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كنَّ يكفلنك، فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك؛ رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشد: امنن علينا رسول اللَّه في كرم … فإنك المرء نرجوه وندخر امنن على بيضة قد عاقها قدر … ممزق شملها في دهرها غِيَر أبقت لنا الدهر هَتَافًا على حَزَن … على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركها نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلمًا حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذْ فوك يملؤه من محضها درر امنن على نسوة قد كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتي وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر (٢)

стр. 19

وقد رويت هذه القصة عن أبي صرد زهير بن جرول -وكان رئيس قومه- قال: لما أسرَنا رسول اللَّه ﷺ يوم حنين؛ فبينا هو يميز بين الرجال والنساء، وَثَبْتُ حتى قعدت بين يديه، وأسمعته شعرًا أُذكِّرُهُ حين شب ونشأ في (هوازن) حين أرضعوه: امنن علينا رسول اللَّه في دعة … فإنك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضة قد عاقها قدر … ممزق شملها في دهرها غِيَر أبقت لنا الحرب هَتَّافًا على حزن … على قلوبهم الغمّاء والغمر إن لم تداركها نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلمًا حين يختبر امنن على نسوة قد كنت تَرضعها … إذْ فوك تملؤه من محضها الدرر إذْ أنت طفلٌ صغير كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتي وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منا فإنا معشر زُهُرُ إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه … من أمهاتك إن العفوَ مشتهر إنا نؤمل عفوًا منك تلبسه … هذي البرية إذ تعفو وتنتصر فاغفر عفا اللَّه عما أنت راهبه … يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر

стр. 20

قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "أمَّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو للَّه ولكم". فقالت الأنصار: وما كان لنا فهو للَّه ولرسوله ﷺ (١). وسيأتي أنه ﵊ أطلق لهم الذرية، وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة، وأعطاهم أنعامًا وأناسي كثيرًا. فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة؟!

стр. 21

فصل روى الإمام أحمد عن بريدة قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، حتى إذا كنا بـ (وَدّان) قال: "مكانكم حتى آتيكم". فانطلق، ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال: "إني أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة -يعني: لها- فمنعنيها (١)، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". ورواه البيهقي من طريق أخرى عنه بلفظ. انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبرٍ فجلس، وجلس الناس حوله، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، ثم بكى، فاستقبله عمر، فقال: ما يبكيك يا رسول اللَّه؟ قال: "هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليَّ، وأدركتني رقتها فبكيت" (٢). قال: فما رأيت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة. ورواه البيهقي من طريق أخرى نحوه. وهو والحاكم من حديث عبد اللَّه بن مسعود.

стр. 22

وروى مسلم عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: "استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت" (١). وروى مسلم أيضًا عن أنس: أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه! أين أبي؟ قال: "في النار". فلما قفَّى دعاه، فقال: "إن أبي وأباك في النار" (٢).

стр. 23

وقد روى البيهقي عن عامر بن سعد عن أبيه قال:

стр. 24

جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل وكان وكان، فأين هو؟

стр. 25

قال: "في النار". قال: فكأن الأعرابي وجد من ذلك، فقال: يا رسول اللَّه! أين أبوك؟ قال: "حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار". قال: فأسلم الأعرابي بعد ذلك فقال: لقد كلفني رسول اللَّه ﷺ تعبًا؛ ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار (١). والمقصود أن عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية؛ خلافًا لفرقة الشيعة فيه، وفي ابنه أبي طالب؛ على ما سيأتي في (وفاة أبي طالب) (٢).

стр. 26

وقد قال البيهقي بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه "دلائل النبوة": "وكيف لا يكون أبواه وجده ﵊ بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا بدين عيسى ابن مريم ﵇، وكفرهم لا يقدح في نسبه ﵊ (١)؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة، ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم؛ فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن، إذ كان مثله يجوز في الإسلام. وباللَّه التوفيق". قلت: وإخباره ﷺ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار؛ لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة؛ كما بسطناه سندًا ومتنًا في "تفسيرنا" عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة (٢)، وللَّه الحمد والمنة.

стр. 27

خروجه ﵊ مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بَحيرى الراهب روى الحافظ أبو بكر الخرائطي من طريق يونس بن أبي إسحاق (١) عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول اللَّه ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب -يعني: بَحيرى- هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال: فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ ، فقال: هذا سيد العالمين (وفي رواية البيهقي زيادة: هذا رسول رب العالمين؛ يبعثه اللَّه (٢) رحمة للعالمين). فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه. ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به -وكان هو في رعية الإبل- فقال:

стр. 28

أرسلوا إليه. فأقبل وغمامة تظله، فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت، فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: فهل خَلْفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: لا؛ إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمرًا أراد اللَّه أن يقضيه؛ هل يستطيع أحد من الناس رده؟ فقالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه عنده، قال: فقال الراهب: أنشدكم اللَّه أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر بلالًا، وزوده الراهب من الكعك والزيت. وهكذا رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن عساكر وغير واحد من الحفاظ، وقال الترمذي: "حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". قلت: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة؛ فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة، فهو مرسل، فإن هذه القصة كانت

стр. 29

ولرسول اللَّه ﷺ من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي ﷺ فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة ﵃، أو كان هذا مشهورًا مذكورًا أخذه من طريق الاستفاضة (١). [المستدرك] عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "ما زالت قريش كاعَّةً (٢) حتى توفي أبو طالب" أخرجه الحاكم (٢/ ٦٢٢) وقال: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: فيه عقبة المُجَدَّر، ولم يخرج له الشيخان، وهو صدوق، فالإسناد جيد. وسيذكره المؤلف ﵀ بلفظ آخر من رواية ابن إسحاق في (وفاة أبي طالب) مع روايات أخرى تناسب هذا الفصل. [انتهى المستدرك].

стр. 30

فصل في منشئه ﵊ ومرباه وكفاية اللَّه له وحياطته وكيف كان يتيمًا فآواه وعائلًا فأغناه قال جابر بن عبد اللَّه: لما بنيت الكعبة ذهب رسول اللَّه ﷺ ينقل الحجارة، فقال العباس لرسول اللَّه ﷺ : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل، فخرَّ بلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: "إزاري". فشد عليه إزاره. أخرجاه في "الصحيحين" (١). وروى البيهقي عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس -يقال له: (إساف) و (نائلة) - يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول اللَّه ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تمسه". قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون. فمسحته، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألم تُنْهَ؟! ". زاد غيره: قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب؛ ما استلم صنمًا قط حتى أكرمه اللَّه تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه (٢).

стр. 31

وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة؛ بل كان يقف (١) مع الناس بـ (عرفات)؛ كما قال محمد بن إسحاق. . . عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ وهو على دين قومه (٢)، وهو يقف على بعير له بـ (عرفات) من بين قومه، حتى يدفع معهم؛ توفيقًا من اللَّه له. قال البيهقي: معنى قوله: "على دين قومه": ما كان بقي من إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉، ولم يشرك باللَّه قط؛ صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا أبدًا. قلت: ويفهم من قوله هذا أيضًا أنه كان يقف بـ (عرفات) قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من اللَّه له. ورواه الإمام أحمد والطبراني (١٥٧٧) عن محمد بن إسحاق، ولفظه: رأيت رسول اللَّه ﷺ قبل أن ينزل عليه- وإنه لواقف على بعير له مع الناس

стр. 32

بـ (عرفات) حتى يدفع معهم؛ توفيقًا من اللَّه. وله شاهد من حديث ربيعة بن عِبَاد رواه الطبراني (٤٥٩٢). ورواه الإمام أحمد من طريق أخرى عن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرًا لي بـ (عرنة)، فذهبت أطلبه، فإذا النبي ﷺ واقف، فقلت: إن هذا من (الحمس)؛ ما شأنه ها هنا؟!. وأخرجاه. [المستدرك] وعن سالم بن عبد اللَّه أنه سمع ابن عمر يحدث عن رسول اللَّه ﷺ : أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل (بلدح) (١)، وذلك قبل أن ينزل على رسول اللَّه ﷺ الوحي، فقدم إليه رسول اللَّه ﷺ سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منه وقال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل مما لم يذكر اسم اللَّه عليه. أخرجه أحمد (٢/ ٨٩)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وانظر: "السيرة" للذهبي (ص ٤٤). وله شاهد من حديث سعيد بن زيد أتم منه. أخرجه الطبراني في "الكبير" (٣٥٠)، وعنه الذهبي (ص ٤٦). وفي رواية: عن زيد بن حارثة عند الطبراني (٤٦٦٣ و ٤٦٦٤)، والحاكم (٣/ ٢١٦ - ٢١٧)، وانظر: "مجمع الزوائد" (٩/ ٤١٨). [انتهى المستدرك].

стр. 33

شهوده ﵊ حلف الفضول روى الحافظ البيهقي بسنده عن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "شهدت (١) مع عمومتي حلف المطَيَّبين، فما أحب أن أنكُثَه -أو كلمة نحوها- وأن لي حُمْرَ النَّعَم" (٢). ثم روى البيهقي عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيَّبين، وما أحب أن لي حُمْرَ النَّعَم وأني كنت نقضته" (٣). قال: و (المُطَيَّبُونَ): هاشم، وأمية، وزُهْرة، ومخزوم. قال البيهقي: كذا روي هذا التفسير مدرجًا في الحديث، ولا أدري قائله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول؛ فإن النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيَّبين. قلت: هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشًا تحالفوا بعد موت قصي، وتنازعوا في الذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار من السقاية، والرفادة، واللواء،

стр. 34

والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف، وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش، وتحالفوا على النصرة لحزبهم، فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب، فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا، فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت، فسموا المطيِّبين؛ كما تقدم، وكان هذا قديمًا. ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول، وكان في دار عبد اللَّه بن جدعان؛ كما رواه الحميدي وابن إسحاق (١). وكان حلف الفضول أكرم حلف سُمع به وأشرفه في العرب (٢). روى ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان -والوليد يومئذٍ أمير المدينة، أمَّره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان- منازعة في مال كان بينهما بـ (ذي المروة) (٣)، فكأن الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف باللَّه لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، ثم لأدعون بحلف الفضول. قال: فقال عبد اللَّه بن الزبير -وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال-: وأنا

стр. 35

أحلف باللَّه لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعًا. قال: وبلغت المِسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللَّه التيمي، فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي (١).

стр. 36

فصل في تزويجه ﵊ خديجة بنت خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي قال البيهقي: "باب ما كان يشتغل به رسول اللَّه ﷺ قبل أن يتزوج خديجة". ثم روى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بعث اللَّه نبيًا إلا راعي غنم". فقال له أصحابه: وأنت يا رسول اللَّه؟ قال: "وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط". ورواه البخاري (١). [المستدرك] عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة، وإني لم أدركها. قالت: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا ذبح الشاة يقول: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة". قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة؟ فقال: "إني رزقت حبها". رواه مسلم (٧/ ١٣٤) (٢). [انتهى المستدرك]

стр. 37

فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٦ و ٩٧]. وثبت في "الصحيحين" عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول اللَّه! أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". وقد تكلمنا على هذا (١) وأن المسجد الأقصى أسسه إسرائيل، وهو يعقوب ﵇. وفي "الصحيحين": "إن هذا البلد حرَّمه اللَّه يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة" (٢). وفي "صحيح البخاري" من حديث ابن عباس قال:

стр. 38

"أول ما اتخذ النساء المِنْطَقَ (١) من قِبَلِ. أم إسماعيل (٢)، اتخذت مِنطَقًا لِتُعَفِّيَ أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت؛ عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء. ثم قَفَّى إبراهيم مُنْطلِقًا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: اللَّه الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه؛ فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ ما في السقاء عَطِشَتْ وعَطِشَ ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوَّى (٣) -أو قال: يَتَلَبَّطُ- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر؛ هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَفَ

стр. 39

دِرْعِها (١) ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت (٢) الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت؛ هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فلذلك سَعَى الناسُ بينهما" (٣). فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا؛ فقالت: صهٍ! -تريد: نفسها- ثم تسمَّعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غُوَاثٌ. فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحَوضه (٤) وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يرحم اللَّه أم إسماعيل! لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تَغرِفْ من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا". [قال]: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضَّيْعة (٥)؛ فإن هاهنا بيتَ اللَّه؛ يبني هذا الغلام وأبوه، فإن اللَّه لا يُضيِّعُ أهله.

стр. 40

وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية؛ تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله. فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفقة من جُرهُم -أو: أهل بيت من جرهم- مقبلين من طريق (كَدَاء)، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء! لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء! فأرسلوا جَرِيًّا (١) أو جرِيَّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا -قال: وأم إسماعيل عند الماء- فقالوا: أَتأذنن لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم؛ ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال عبد اللَّه بن عباس: قال النبي ﷺ : "فَألفَى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحب الإنس". فنزلوا وأرسلوا بلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبَّ؛ فلما أدرك زوجوه أمرأةً منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يُطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته [عنه]، فقالت: خرج يبتغي لنا (٢). ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة. فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، وقولي له: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بابِهِ. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم؛ جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألَنا عنك فأخبرته، وسألني:
следующие страницы →