فصل في تزويجه ﵊ خديجة بنت خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي
قال البيهقي: "باب ما كان يشتغل به رسول اللَّه ﷺ قبل أن يتزوج خديجة".
ثم روى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"ما بعث اللَّه نبيًا إلا راعي غنم". فقال له أصحابه: وأنت يا رسول اللَّه؟ قال: "وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط".
ورواه البخاري (١).
[المستدرك]
عن عائشة ﵂ قالت:
ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة، وإني لم أدركها. قالت: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا ذبح الشاة يقول: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة". قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة؟ فقال: "إني رزقت حبها".
رواه مسلم (٧/ ١٣٤) (٢). [انتهى المستدرك]
стр. 37
فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٦ و ٩٧].
وثبت في "الصحيحين" عن أبي ذر قال:
قلت: يا رسول اللَّه! أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة".
وقد تكلمنا على هذا (١) وأن المسجد الأقصى أسسه إسرائيل، وهو يعقوب ﵇.
وفي "الصحيحين": "إن هذا البلد حرَّمه اللَّه يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة" (٢).
وفي "صحيح البخاري" من حديث ابن عباس قال:
стр. 38
"أول ما اتخذ النساء المِنْطَقَ (١) من قِبَلِ. أم إسماعيل (٢)، اتخذت مِنطَقًا لِتُعَفِّيَ أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت؛ عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء. ثم قَفَّى إبراهيم مُنْطلِقًا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: اللَّه الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه؛ فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ ما في السقاء عَطِشَتْ وعَطِشَ ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوَّى (٣) -أو قال: يَتَلَبَّطُ- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر؛ هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَفَ
стр. 39
دِرْعِها (١) ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت (٢) الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت؛ هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ :
"فلذلك سَعَى الناسُ بينهما" (٣).
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا؛ فقالت: صهٍ! -تريد: نفسها- ثم تسمَّعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غُوَاثٌ. فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحَوضه (٤) وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ :
"يرحم اللَّه أم إسماعيل! لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تَغرِفْ من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا".
[قال]: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضَّيْعة (٥)؛ فإن هاهنا بيتَ اللَّه؛ يبني هذا الغلام وأبوه، فإن اللَّه لا يُضيِّعُ أهله.
стр. 40
وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية؛ تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله.
فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفقة من جُرهُم -أو: أهل بيت من جرهم- مقبلين من طريق (كَدَاء)، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء! لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء! فأرسلوا جَرِيًّا (١) أو جرِيَّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا -قال: وأم إسماعيل عند الماء- فقالوا: أَتأذنن لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم؛ ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال عبد اللَّه بن عباس: قال النبي ﷺ :
"فَألفَى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحب الإنس".
فنزلوا وأرسلوا بلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبَّ؛ فلما أدرك زوجوه أمرأةً منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يُطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته [عنه]، فقالت: خرج يبتغي لنا (٢). ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة. فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، وقولي له: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بابِهِ. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم؛ جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألَنا عنك فأخبرته، وسألني:
стр. 41
كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا في جَهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم؛ أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقولُ لك: غَيِّرْ عَتَبَةَ بابِك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الْحَقِي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم أخرى.
فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللَّه، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل عدى امرأته فسألها عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على اللَّه ، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم! بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ :
"ولم يكن لهم يومئذٍ حَبٌّ، ولو كان لهم حب دَعَا لهم فيه". [قال:] فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه (١). قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم؛ أتانا شيخ حسن الهيئة -وأثنت عليه- فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم؛ هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثْبِتَ عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنتِ العَتَبَةُ؛ أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء اللَّه، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالِدُ بالولَدِ والوَلدُ بالوالدِ، ثم قال: يا إسماعيل! إن اللَّه أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك.
стр. 42
قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن اللَّه أمرني أن أبني هاهنا بيتًا. وأشار إلى أكَمَة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء؛ جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " (١).
وروى أبو داود الطيالسي عن علي ﵁ قال:
لما انهدم البيت بعد جرهم بَنَتْهُ قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا؛ من يضعه؟ فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب. فدخل رسول اللَّه ﷺ من باب بني شيبة، فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن
стр. 43
يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول اللَّه ﷺ فوضعه (١).
وروى أحمد عن مجاهد عن مولاه -وهو السائب بن عبد اللَّه- أنه حدثه:
أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية، قال: وكان لي حَجَر أنا نحتُّه [بيدي] أعبده من دون اللَّه، قال: وكنت أجيء باللَّبَن الخاثر الذي أنفسه (٢) على نفسي، فأصبه عليه، فيجيء الكلب فيلحسه، ثم يشغرفيبول عليه! قال:
فبنينا حتى بلغنا موضع الحَجَر، ولا يرى الحَجَر أحد، فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل، يكاد يتراءى منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكمًا. فقالوا: أول رجل يطلع من الفجّ، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: أتاكم الأمين. فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فرفعوا نواحيه [معه]، فوضعه هو ﷺ (٣).
قلت: وقد كانوا أخرجوا منها الحِجْر -وهو ستة أذرع، أو سبعة أذرع من ناحية الشام- قصرت بهم النفقة -أي: لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم- وجعلوا للكعبة بابًا واحدًا من ناحية المشرق، وجعلوه مرتفعًا لئلا يدخل إليها كل أحد، فيدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا.
стр. 44
وقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال لها:
"ألم تَرَيْ أن قومكِ قصرت بهم النفقة؟ ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، وأدخلت فيها الحِجْر".
ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار إليه رسول اللَّه ﷺ ، وجاءت في غاية البهاء والحسن والسناء، كاملة على قواعد الخليل، لها بابان ملتصقان بالأرض شرقًا وغربًا، يدخل الناس من هذا ويخرجون من الآخر.
فلما قَتل الحجاج ابن الزبير؛ كتب إلى عبد الملك بن مروان -وهو الخليفة يومئذٍ- فيما صنعه ابن الزبير -واعتقدوا أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه- فأمر بإعادتها إلى ما كانت عليه. . . فهي إلى الآن كذلك (١).
стр. 45
وقد ذكرنا قصة بناء البيت والأحاديث الواردة في ذلك في تفسير (سورة البقرة) عند قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وذكرنا ذلك مطولًا مستقصى، فمن شاء كتبه هاهنا. وللَّه الحمد والمنة.
стр. 46
فصل
وذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحُمْس (١)، وهو: الشدة في الدين والصلابة.
وذلك لأنهم عظَّموا الحرم تعظيمًا زائدًا؛ بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة، وكانوا يقولون: نحن أبناء الحرم، وقطّان بيت اللَّه. فكانوا لا يقفون بعرفات -مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم ﵇ حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة، وكانوا يمنعون الحجيج والعمَّار -ما داموا محرمين- أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحُمْس؛ طاف عريانًا ولو كانت امرأة، ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك؛ وضعت يدها على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله
قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث اللَّه محمدًا ﷺ ، وأنزل عليه القرآن ردًّا عليهم فيما ابتدعوه، فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ أي: جمهور العرب من عرفات، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وقد قدمنا (٢): أن رسول اللَّه ﷺ كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه؛ توفيقًا من اللَّه له.
стр. 47
وأنزل اللَّه عليه ردًّا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية [الأعراف: ٣١ و ٣٢]
[المستدرك]
عن ابن عباس ﵄ قال:
كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تِطوافًا؟ تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله … فما بدا منه فلا أُحِلُّه
فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
رواه مسلم (٨/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
وقال عروة:
كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحُمْس -والحُمْس: قريش وما ولدت- وكانت الحمس يحتسبون على الناس؛ يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأةُ المرأةَ الثياب تطوف فيها، فمن لم تعطه الحمس طاف بالبيت عريانًا.
وكان يفيض جماعة الناس من (عرفات)، وتفيض الحمس من (جَمْع).
стр. 48
وعن عائشة ﵂:
أن هذه الآية نزلت في الحمس (وفي رواية: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بـ (المزدلفة)، وكانوا يسمون الحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بـ (عرفات)، فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يأتي (عرفات) ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى): ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، قال: كانوا يفيضون من (جَمْع)، فدُفعوا إلى (عرفات).
رواه البخاري بهذا التمام (٨١٨ - مختصره)، ومسلم (٤/ ٤٣) بحديث عائشة. [نتهى المستدرك].
стр. 49
كتاب مبعث رسول اللَّه ﷺ تسليمًا كثيرًا وذكر شيء من البشارات بذلك
قال محمد بن إسحاق رحمه اللَّه تعالى:
وكانت الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول اللَّه ﷺ . قبل مبعثه لما تقارب زمانه.
أما الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى: فمما وجدوا في كتبهم من صفته، وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال اللَّه تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
стр. 50
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال اللَّه تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
وفي "صحيح البخاري" (١) عن ابن عباس قال:
"ما بعث اللَّه نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعِثَ محمدٌ وهو حي لَيُؤْمِنَنَّ به ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق: لئن بُعثَ محمدٌ وهم أحياء لَيُؤْمِنُنَّ به وَلَيَنْصُرُنهُ".
يعلم من هذا أن جميع الأنبياء بشروا به، وأمروا باتباعه.
وقد قال إبراهيم ﵇ فيما دعا به لأهل مكة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩].
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال:
قلت: يا رسول اللَّه! ما كان بدء أمرك؟ قال:
стр. 51
"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام" (١).
ورواه محمد بن إسحاق من طريق أخرى عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ! عنه مثله (٢).
ومعنى هذا أنه أراد بدء أمره بين الناس واشتهار ذكره وانتشاره، فذكر دعوة إبراهيم الذي تنسب إليه العرب، ثم بشرى عيسى الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل. يدل هذا على أن مَنْ بينهما من الأنبياء بشروا به أيضًا.
وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى، وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة، وللَّه الحمد والمنة.
ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام، وكان فتحها صلحًا في خلافة أبي بكر ﵁.
أما في الملأ الأعلى؛ فقد كان أمره مشهورًا مذكورًا معلومًا مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدم ﵊: كما فيما روى أحمد بسنده عن العرباض بن سارية قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"إني عند اللَّه خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول
стр. 52
ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت. . . " (١)
وروى الإمام أحمد أيضًا عن ميسرة الفجر قال:
قلت: يا رسول اللَّه! متى كنت نبيًّا؟ قال:
"وآدم بين الروح والجسد" (٢).
إسناده جيد.
وقد رواه ابن شاهي في "دلائل النبوة" من حديث أبي هريرة قال:
سئل رسول اللَّه ﷺ : متى وجبت لك النبوة؟ قال:
"بين خلق آدم ونفخ الروح فيه" (٣).
وفي رواية:
"وآدم منجدل في طينته".
стр. 53
ورَوَى من حديث ابن عباس:
قيل: يا رسول اللَّه! متى كنت نبيًّا؟ قال:
"وآدم بين الروح والجسد" (١).
* * *
стр. 54
وأما الكهان من العرب؛ فأتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع، إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض (١) أموره، ولا يلقي العرب لذلك فيه بالًا حتى بعثه اللَّه تعالى، ووقعت تلك الأمير التي كانوا يذكرون فعرفوها.
فلما تقارب أمر رسول اللَّه ﷺ وحضر زمان بعثه: حُجِبَتِ الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الشياطين أن ذلك لأمر حدث من أمر اللَّه .
قال [ابن إسحاق]:
وفي ذلك أنزل اللَّه على رسوله ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ و ٢] إلى آخر السورة.
وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا "التفسير"، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ و ٣٠] الآيات. ذكرنا تفسير ذلك كله هناك.
стр. 55
فصل
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا:
إن مما دعانا إلى الإسلام -مع رحمة اللَّه تعالى وهداه لنا- لما كنا نسمع من رجال يهود (١)، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن: نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث اللَّه رسول اللَّه ﷺ أجبناه حين دعانا إلى اللَّه، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ (٢) عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (٣).
стр. 56
وروى ابن إسحاق عن سلمة بن سلامة بن وقش -وكان من أهل بدر- قال:
كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته حتى وقف علي بني عبد الأشهل -قال سلمة: وأنا يومئذٍ أحدث من فيه سنًا، عليَّ فروة لي مضطجع فيها بفناء أهلي- فذكر القيامة والبعث، والحساب والميزان، والجنة والنار. قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت. فقالوا له: ويحك يا فلان! أوَ تَرَى هذا كائنًا؛ أنَّ الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟! قال: نعم: والذي يحلف به، وَيَوَدُّ أن له بحظه (١) من تلك النار أعظم تنورٍ في الدار يُحمونه، ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا.
قالوا له: ويحك يا فلان! فما آية ذلك؟
قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده إلى نحو (مكة) واليمن.
قالوا: ومتى تراه؟
قال: فنظر إليَّ وأنا من أحدثهم سنًا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة: فواللَّه؛ ما ذهب الليل والنهار حتى بعث اللَّه [محمدًا] رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا.
قال: فقلنا له: ويحك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟
стр. 57
قال: بلى، ولكن ليس به (١)!
رواه أحمد عن يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق (٢).
ورواه البيهقي عن الحاكم بإسناده من طريق يونس بن بكير (٣).
وروى أبو نعيم في "الدلائل" (٤) عن محمد بن سلمة قال:
لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له: يوشع، فسمعته يقول -وإني لغلام في إزار-: قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت -ثم أشار بيده إلى بيت اللَّه- فمن أدركه فليصدقه.
فَبُعِثَ رسول اللَّه ﷺ فأسلمنا، وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدًا وبغيًا.
* * *
стр. 58
قال ابن إسحاق (١): وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي:
هل تدري عَمَّ كان إسلام ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعيد، وأسد بن عبيد؟ -نفر من بني هدل إخوة بني قريظة: كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا ساداتهم في الإسلام- قال: قلت: لا [واللَّه]. قال:
فإن رجلًا من اليهود من أرض الشام يقال له: ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين، فحلَّ بين أظهرنا، لا واللَّه: ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان! فاستسق لنا. فيقول: لا واللَّه: حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة. فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدّين من شعير. قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا بلى ظاهر حرتنا فيستسقي لنا، فواللَّه: ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث.
قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود! ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: أنت أعلم.
قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتَوَكَّف (٢) خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجَره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تُسْبَقُنَّ
стр. 59
إليه يا معشر يهود! فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.
فلما بُعِثَ رسول اللَّه ﷺ ، وحاصر بني قريظة: قال هؤلاء الفتية -وكانوا شبابًا أحداثًا-: يا بني قريظة! واللَّه: إنه للنَّبِيُّ الذي عهد إليكم فيه ابن الهيِّبان. قالوا: ليس به. قالوا: بلى واللَّه؛ إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم (١).
* * *
стр. 60
ثم ذكر ابن إسحاق ﵀ إسلام الفارسي ﵁ وأرضاه من حديث عبد اللَّه بن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي -مِنْ فيه- قال:
كنت رجلًا فارسيًّا من أهل (أصبهان) (١)؛ من أهل قرية يقال لها: (جَيّ)، وكان أبي دِهْقان (٢) قريته، وكنت أحب خلق اللَّه إليه، فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية.
واجتهدت في المجوسية حتى كنت قَطِن النار (٣) الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة.
قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب إليها فاطَّلعها. وأمرني فيها ببعض ما يريد، ثم قال لي: ولا تحتبس عني؛ فإنك إن احتبست عني كنت أهم إليَّ من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري.
قال: فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا واللَّه خير من الدين الذي نحن عليه. فواللَّه: ما بَرَحتُهم حتى غربت الشمس،
стр. 61
وتركت ضيعة أبي فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام.
فرجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن أمره كله.
فلما جئت قال: أي بني! أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ (١). قال: قلت: يا أبت! مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فواللَّه؛ ما زلت عندهم حتى غربت الشمس.
قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه.
قال: قلت: كلا واللَّه؛ إنه لخير من ديننا.
قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته.
قال: وبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من (٢) النصارى، فأخبروني بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة بلى بلادهم فآذنوني.
قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: مَنْ أفضل هذا الدين علمًا؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة.
قال: فجئته فقلت له: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك، وأخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك. قال: ادخل.
стр. 62
فدخلت معه، فكان رجل سوء؛ يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها؛ فإذا جمعوا له شيئًا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب ووَرِق (١).
قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع.
ثم مات، واجتمعت له النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء؛ يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا.
قال: فقالوا لي: وما علمك بذلك؟ قال: فقلت لهم: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فدلنا. قال: فأريتهم موضعه، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبًا وورِقًا، فلما رأوها قالوا: لا ندفنه أبدًا. قال: فصلبوه ورموه بالحجارة.
وجاؤوا برجل آخر فوضعوه مكانه. قال سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه، وأزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا [منه].
قال: فأحببته حبًا لم أحب شيئًا قبله مثله.
قال: فأقمت معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إني قد كنت معك، وأحببتك حبًا لم أحبه شيئًا قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر اللَّه تعالى، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال: أي بني! واللَّه؛ ما أعلم اليوم أحدًا على ما كُنْتُ عليه، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه: إلا رجلًا بـ (الموصل)، وهو فلان، وهو على ما كنت عليه، فالْحَق به.
стр. 63
قال: فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب (المَوْصِل)، فقلت: يا فلان! إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. فقال لي: أقم عندي.
فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان! إن فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر اللَّه ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؛ قال: يا بني! واللَّه؛ ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا رجلًا بـ (نَصِيبِين)، وهو فلان، فالْحَقْ به.
فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب (نَصِيبِين)، فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحباي. فقال: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فواللَّه؛ ما لبث أن نزل به الموت، فلما حُضر قلت له: يا فلان! إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟
قال: يا بني! واللَّه؛ ما أعلم بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجل بـ (عَمُّورِيَّة) من أرض الروم: فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فائته؛ فإنه على أمرنا.
فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب (عَمُّورِيَّة)، فأخبرته خبري، فقال: أقم عندي. فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه.
قال: واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة.
стр. 64
قال: ثم نزل به أمر اللَّه، فلما حُضر قلت له: يا فلان! إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟
قال: أي بني! واللَّه؛ ما أعلم أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجَرُهُ إلى أرضٍ بين حرتين (١) بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغُيِّب، ومكثت بـ (عَمُّورِيَّة) ما شاء اللَّه أن أمكث.
ثم مر بي نفر من كَلْب تجار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه. قالوا: نعم. فأعطيتهموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني؛ فباعوني من رجل يهودي عبدًا، فكنت عنده، ورأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يَحِقَّ في نفسي.
فبينا أنا عنده: إذ قدم عليه ابن عم له من بني قزيظة من (المدينة)، فابتاعني منه، فاحتملني إلى (المدينة)، فواللَّه؛ ما هو إلا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبي لها، فأقمت بها.
стр. 65
وبُعِثَ رسول اللَّه ﷺ ، فأقام بـ (مكة) ما أقام، ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرِّق، ثم هاجر إلى (المدينة).
فواللَّه؛ إني لفي رأس عذقٍ (١) لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس تحتي، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: يا فلان! قاتل اللَّه بني قيلة (٢)، واللَّه؛ إنهم لمجتمعون الآن بـ (قباء) (٣) على رجل قدم من (مكة) اليوم يزعمون أنه نبي.
قال سلمان: فلما سمعتها أخذتني الرِّعْدَةُ (٤)، حتى ظننت أني ساقط على سيدي، فنزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟
قال: فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا؟! أقبل على عملك.
قال: فقلت: لا شيء؛ إنما أردت أن أستثبته عما قال.
قال: وكان عندي شيء جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول اللَّه ﷺ وهو بـ (قباء)، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك
стр. 66
رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم.
قال: فقربته إليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كلوا"، وأمسك يده فلم يأكل.
فقلت في نفسي: هذه واحدة.
ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئًا، وتحول رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، ثم جئته فقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها.
قال: فأكل رسول اللَّه ﷺ منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه.
قال: فقلت في نفسي: هاتان ثنتان.
قال: ثم جئت رسول اللَّه ﷺ وهو بـ (بقيع الغرقد) قد تبع جنازة رجل من أصحابه، وعليه شملتان، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدبرته أنظر إلى ظهره؛ هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول اللَّه ﷺ استدبرته؛ عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "تحوَّل"، فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس! فأعجب رسول اللَّه ﷺ أن يسمع ذاك أصحابه.
"ثم شغل سلمانَ الرِّقُّ حتى فاته مع رسول اللَّه ﷺ (بدر) و (أحد).
قال سلمان: ثم قال لي رسول اللَّه ﷺ :
"كاتِبْ يا سلمان! ".
стр. 67
فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير (١)، وأربعين أوقية (٢)، فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه:
"أعينوا أخاكم".
فأعانوني في النخل؛ الرجل بثلاثين ودِيَّة (٣)، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعشرة، يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول اللَّه ﷺ :
"اذهب يا سلمان! فَفَقِّر لها، فإذا فرغت فائتني أكن أنا أضعها بيدي".
قال: ففقرت، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج رسول اللَّه ﷺ معي إليها، فجعلنا نقرب إليه الودِيَّ، ويضعه رسول اللَّه ﷺ بيده حتى إذا فرغنا، فوالذي نفس سلمان بيده؛ ما ماتت منها ودية واحدة (٤).
فأديت النخل وبقي عليَّ المال، فَأُتِيَ رسول اللَّه ﷺ بمثل بيضة الدجاجة
стр. 68
من ذهب من بعض المعادن، فقال:
"ما فعل الفارسي المكاتَب؟ ".
قال: فَدُعِيتُ له، قال:
"خذ هذه فأدِّها مما عليك يا سلمان! ".
قال: قلت: وأين تقع هذه مما عليَّ يا رسول اللَّه؟ قال:
"خذها؛ فإن اللَّه سيؤدي بها عنك".
قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها -والذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم.
وعُتِقَ سلمان. فشهدت مع رسول اللَّه ﷺ (الخندق) حرًّا، ثم لم يَفُتْنِي معه مشهد (١).
стр. 69
وروى البخاري في "صحيحه" من حديث أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي:
أنه تداوله بضعة عشرة من رَبٍّ إلى رَبٍّ.
أي: من معلم إلى معلم، ومُرَبٍّ إلى مثله. واللَّه أعلم (١)
* * *
стр. 70
وستأتي قصة أبي سفيان مع (هِرَقْل) ملك الروم حين سأله عن صفات رسول اللَّه ﷺ ، وأحواله، واستدلاله بذلك على صدقه ونبوته ورسالته، وقال له: كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أكن أظن أنه فيكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ولئن كان ما تقول حقًا ليملكن موضع قدميّ هاتين. وكذلك وقع وللَّه الحمد والمنة.
* * *
стр. 71
وقال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
روى الإمام أحمد (١) عن رجل من الأعراب قال:
جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فلما فرغت من بيعي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه. قال: فتلقاني بي أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم، حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها: يعزي بها على نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"أنشدك بالذي أنزل التوراة: هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟ ".
فقال برأسه هكذا؛ أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة؛ إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه. فقال:
"أقيموا اليهودي عن أخيكم". ثم وَلِيَ كفنه والصلاة عليه.
стр. 72
هذا إسناد جيد، وله شاهد (١) في "الصحيح" عن أنس بن مالك ﵁ (٢).
روى أبو القاسم البغوي بإسناده عن الفَلَتان (٣) بن عاصم، وذكر أن خاله قال:
كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ شخص بصره إلى رجل، فإذا يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان. قال: فجعل النبي ﷺ يكلمه وهو يقول: يا رسول اللَّه! فقال رسول اللَّه ﷺ :
"أتشهد أني رسول اللَّه؟ ".
قال: لا. قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 73
"أتقرأ التوراة؟ ". قال: نعم. قال:
"أتقرأ الإنجيل؟ ". قال: نعم. قال:
"والقرآن؟ ". قال: لا، ولو تشاء (١) قرأته.
فقال النبي ﷺ :
"فبم (!) تقرأ التوراة والإنجيل أتجدني نبيًّا؟ ". قال: إنا نجد نعتك ومخرجك، فلما خرجت رجونا أن تكون فينا، فلما رأيناك عرفناك أنك لست به.
قال رسول اللَّه ﷺ :
"ولم يا يهودي؟ ". قال: إنا نجده مكتوبًا: يدخل من أمته الجنة سبعون ألفًا بغير حساب. ولا نرى معك إلا نفرًا يسيرًا.
فقال رسول اللَّه ﷺ :
"إن أمتي (٢) لأَكْثَرُ من سبعين ألفًا، وسبعين ألفًا".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه (٣).
стр. 74
وثبت في "الصحيح" أن رسول اللَّه ﷺ مر بِمدراس اليهود، فقال لهم:
стр. 75
"يا معشر اليهود! أسلموا، فوالذي نفسي بيده؛ إنكم لتجدون صفتي في كتبكم". الحديث (١).
وروى أحمد والبخاري عن عطاء بن يسار قال:
لقيت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفات رسول اللَّه ﷺ في التوراة. فقال:
أَجَلْ؛ واللَّه إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ، ولا غليظ، ولا صَخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه اللَّه حتى يقيم به (٢) الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا (٣).
ورواه ابن جرير، وزاد:
قال عطاء: فلقيت كعبًا، فسألته عن ذلك؟ فما اختلفا [في] حرف.