← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَقيل: عَن يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة. وَقيل: عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الْمُغيرَة، عَن رجل من بني مُدْلِج، «أنَّ رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ ... » الحَدِيث. وَقيل: عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الْمُغيرَة، عَن رجل من قومه، عَن رجل سَأَلَ رَسُول الله ﷺ . وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه، مَرْفُوعا. وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن الْمُغيرَة بن عبد الله - أَو عبد الله بن الْمُغيرَة - «أَن نَاسا من بني مُدْلِج سَأَلُوا النَّبِي ﷺ ... » الحَدِيث. وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه، عَن رجل من بني مُدْلِج، (اسْمه عبد الله، مَرْفُوعا. [وَقيل] : عَن يَحْيَى عَن الْمُغيرَة بن عبد الله - أَو عبد الله بن الْمُغيرَة -، عَن رجل من بني مُدْلِج، مَرْفُوعا. وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن أبي بردة مَرْفُوعا. وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن بعض بني مُدْلِج) مَرْفُوعا. وَهُوَ فِي «مُسْند أَحْمد» . وَقيل: عَن الْمُغيرَة، عَن عبد الله المدلجي، مَرْفُوعا. وَقيل: عَن جَعْفَر بن ربيعَة، عَن بكر بن سوَادَة، عَن مُسلم بن مخشيِّ، عَن (الفراسيِّ) ، مَرْفُوعا. (وَقيل: عَن يَحْيَى بن عبَّاد، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة

стр. 107

مَرْفُوعا) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وأشبهها بِالصَّوَابِ قَول مَالك، وَمن تَابعه، عَن صَفْوَان بن سليم. الطَّرِيق الثَّانِي من طرق الحَدِيث: عَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن النَّبِي ﷺ سُئِل عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطَّهور مَاؤُهُ، الحِلُّ ميتَته» . رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد فِي «الْمسند» ، وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سُنَنهمَا» ، وَالْحَاكِم وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» . وتَرْجَم عَلَيْهِ ابْن حبَان، (بِأَن قَالَ) : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أنَّ هَذِه السُّنَّة تفرَّد بهَا سعيد بن سَلمَة. وَعَن الْحَافِظ أبي عَلّي ابْن السكن أَنه قَالَ: حَدِيث جَابر هَذَا أصح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب. وَخَالف ابْن مَنْدَه فِي ذَلِك، وَقَالَ: قد رَوَى هَذَا الحَدِيث عبيد الله بن مقسم عَن جَابر، والأعرج عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَا يثبت. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : عِنْدِي أنَّ قَول أبي عَلّي بن السكن فِي تَقْوِيَة حَدِيث جَابر، أَقْوَى من قَول ابْن مَنْدَه. وَذَلِكَ أَن عبيد الله بن مقسم مَذْكُور فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين الشَّيْخَيْنِ، وَإِسْحَاق (الْمدنِي) الْمَذْكُور فِي الطَّرِيقَة الأولَى - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ الْجَمَاعَة

стр. 108

المتقدمون خلا طَريقَة الْحَاكِم - وثَّقَه أَحْمد، وَيَحْيَى. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح. و [أَبُو] الْقَاسِم بن أبي الزِّنَاد - الْمَذْكُور فِيهِ أَيْضا - اسْمه [كنيته] أَثْنَى عَلَيْهِ أَحْمد، وَقَالَ [يَحْيَى] : لَا باس بِهِ. قَالَ: وَيُمكن أَن يكون ابْن مَنْدَه (علَّل) الحَدِيث باختلافٍ فِي إِسْنَاده. ثمَّ ذكر أنَّ عبد الْعَزِيز بن عمرَان رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيَّات، عَن وهب بن كيسَان، عَن جَابر، عَن أبي بكر كَذَلِك. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. قلت: بحث مَعَه شَيخنَا أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي، الْمَعْرُوف بِابْن سيد النَّاس ﵀ فَقَالَ فِي «شرح التِّرْمِذِيّ» : هَذَا الَّذِي ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين عَن ابْن مَنْدَه لَا يصلح أَن يكون مُعَلِّلاً لرِوَايَة ابْن أبي الزِّنَاد، عَن إِسْحَاق. لتوثيق ابْن أبي الزِّنَاد، وَضعف عبد الْعَزِيز بن عمرَان بن أبي ثَابت عِنْدهم، وَرِوَايَة الضَّعِيف لَا تُعِلُّ رِوَايَة الثِّقَة. قلت: وَلِحَدِيث جَابر هَذَا طَرِيق آخر، ذكره الطَّبَرَانِيّ فِي « (أكبر) معاجمه» من حَدِيث: الْمعَافى ابْن عمرَان، عَن ابْن جريج، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي الْبَحْر: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ (الْحَلَال) ميتَته» .

стр. 109

و (هَذَا سَنَد) عَلَى شَرط الصَّحِيح، إلاَّ أَنه يُخْشَى أَن يكون ابْن جريج لم يسمعهُ من أبي الزبير، فإنَّه مدلِّس، وَأَبُو الزبير مدلِّسٌ أَيْضا، وَقد عنعنا فِي هَذَا الحَدِيث. وَقد تَابع ابْن جريج: مباركُ بن فضَالة، فَرَوَاهُ عَن أبي الزبير عَن جَابر، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إنَّ البحْرَ حلالٌ ميتتهُ، طَهُورٌ ماؤُه» . ومبارك هَذَا كَانَ يدلِّس أَيْضا، وضعَّفه أَحْمد، وَالنَّسَائِيّ. الطَّرِيق الثَّالِث: عَن سُريج - بِالْجِيم - بن النُّعْمَان، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي التَّيَّاح - بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق، بعْدهَا يَاء مثناة تَحت مُشَدّدَة، واسْمه: يزِيد بن حميد الضبعِي -، عَن مُوسَى بن سَلمَة، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «سُئِل رَسُول الله ﷺ عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «مَاء الْبَحْر طهُور» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَله شَوَاهِد كَثِيرَة، وَلم يخرجَاهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقد قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : مُوسَى بن سَلمَة: هُوَ المحبق، أخرج لَهُ مُسلم، وَقد صحَّح بعض الحفَّاظ حَدِيثا من رِوَايَة حَمَّاد، عَن (أبي) التياح، عَنهُ. وَبَاقِي السَّنَد مَشْهُور.

стр. 110

وَخَالف الدَّارَقُطْنِيّ، فَقَالَ فِي «سنَنه» : الصَّوَاب وَقفه عَلَى ابْن عَبَّاس. الطَّرِيق الرَّابِع: عَن مُسلم بن مخشي، (عَن) ابْن الفِراسي - بِكَسْر الْفَاء وَالسِّين الْمُهْملَة - قَالَ: كنت أصيد، وَكَانَت لي قربَة أجعَل فِيهَا مَاء، وَإِنِّي تَوَضَّأت بِمَاء الْبَحْر، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ، الْحل ميتَته» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» كَذَلِك «ابْن الفراسي» ، وَالتِّرْمِذِيّ، قَالَ فِي «جَامعه» : الفراسي عَن رَسُول الله ﷺ ، وَكَذَا هُوَ عِنْد ابْن عبد الْبر، وَذكر: أَن إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم، وَأَن الفراسي (مَجْهُول) فِي الصَّحَابَة غير مَعْرُوف. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين (فِي «الإِمام» ) : إِن كَانَ مُرَاد أبي عمر مَجْهُول الْحَال، مَعَ إِثْبَات كَونه من الصَّحَابَة، فقد اشْتهر بَين أَرْبَاب الْأُصُول والْحَدِيث، أنَّ ذَلِك لَا يضر، لعدالة جَمِيع الصَّحَابَة. وإنْ أَرَادَ

стр. 111

مَجْهُول الصُّحْبَة، فقد أثبت البُخَارِيّ (صحبته) ، فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «علله» ، فِيمَا ذكر عَنهُ. وَعَابَ عبد الْحق سَنَد هَذَا الحَدِيث بِأَن قَالَ: لم يَرْوِه - فِيمَا أعلم - إلاَّ مُسلم بن مخشي، وَمُسلم لم يَرْوِ عَنهُ إلاَّ بكر بن سوَادَة. وتعقَّبه ابْن الْقطَّان، فَقَالَ فِي كِتَابه «الْوَهم والإِيهام» : أَظن أنَّه خَفِي عَلَى عبد الْحق انْقِطَاع حَدِيث الفراسي، وَهُوَ حَدِيث لم يسمعهُ مُسلم من الفراسي، وإنَّما سَمعه من ابْن الفراسي (عَن الفراسي) . ثمَّ ذكر رِوَايَة أبي عمر بِإِسْنَادِهِ إِلَى بكر بن سوَادَة، عَن مُسلم بن مخشي: أَنه حدَّث أنَّ الفراسي قَالَ: «كنت أصيد فِي الْبَحْر الْأَخْضَر، عَلَى أَرْمَاث ... » الحَدِيث. قَالَ: وَمَا أرَى أَبَا مُحَمَّد وقف عَلَيْهِ إلاَّ عِنْد ابْن عبد الْبر، وَلذَلِك مَا نقل فِيهِ مَا (قَالَ) فِي حَدِيث «إِذا كنت سَائِلًا فسل الصَّالِحين» ، حَيْثُ قَالَ: (ابْن) الفراسي لم يَرْوِ عَنهُ إلاَّ مُسلم بن مخشي. وَذَلِكَ أَنه لم يرَ فِي حَدِيثه (هَذَا لِابْنِ) الفراسي ذكرا، (وَرَآهُ) فِي حَدِيث «سل الصَّالِحين» . وَمن هُنَاكَ [يتَبَيَّن] : أَن مُسلم بن مخشي لَا يَروي عَن

стр. 112

الفراسي إلاَّ بِوَاسِطَة ابْنه، والْحَدِيث الْمَذْكُور ذكره فِي الزَّكَاة من حَدِيث النَّسَائِيّ، من رِوَايَة: مُسلم بن مخشي عَن ابْن الفراسي [أَن الفراسي] قَالَ لرَسُول الله ﷺ : أسألُ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «لَا، وإنْ كنتَ لابدَّ سَائِلًا فسلِ الصَّالِحين» . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «علله» : سَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي البُخَارِيّ - عَن حَدِيث (ابْن) الفراسي فِي مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: مُرْسل، لم يدْرك ابْن الفراسي النَّبِي ﷺ ، والفراسي لَهُ صُحْبَة. فَهَذَا - كَمَا ترَى - يُعْطي أنَّ الحَدِيث يُروى أَيْضا عَن ابْن الفراسي، عَن النَّبِي ﷺ ، لَا (يذكر) فِيهِ الفراسي، فَمُسلم بن مخشي (لَا يروي) إلاَّ عَن الابْن، (وَرِوَايَته) عَن الْأَب مُرْسلَة. انْتَهَى مَا ذكره ابْن الْقطَّان. فتبيَّن بِهَذَا: أَن الحَدِيث إمَّا مُنْقَطع بَين مُسلم بن مخشي والفراسي، أَو مُرْسل بَين (ابْن) الفراسي وَالنَّبِيّ ﷺ . وجوَّز الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» أَن يكون ابْن الفراسي والفراسي وَاحِدًا وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، قَالَ: (وَيُؤَيِّدهُ) : رِوَايَة

стр. 113

ابْن مَاجَه - الْمُتَقَدّمَة - فإنَّ ظَاهرهَا أنَّ ابْن الفراسي هُوَ الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله ﷺ ، وَسمع مِنْهُ ذَلِك، قَالَ: فَإِذا (ضُمَّ) إِلَى ذَلِك رِوَايَة من رَوَى: الفراسي، اقْتَضَى أَنَّهُمَا (وَاحِد) اخْتلف فِي اسْمه. الطَّرِيق الْخَامِس: عَن عَمْرو (بن) شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «ميتةُ البحرِ حلالٌ، وماؤهُ طَهُورُ» . رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» عَن [أبي الْعَبَّاس] مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْحَافِظ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل، كِلَاهُمَا عَن: مُحَمَّد بن إِسْحَاق، نَا (الحكم) بن مُوسَى، نَا هِقْل، نَا الْمثنى، عَن عَمْرو بِهِ. كَذَا فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: بدل الْمثنى: الْأَوْزَاعِيّ عَن عَمْرو. وَهُوَ إِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم، خلا تَرْجَمَة عَمْرو بن شُعَيْب، فإنَّ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ الصغاني، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي رِوَايَة الْحَاكِم،

стр. 114

وَهُوَ الْحَافِظ، الرحَّال، أخرج لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، وَقَالَ ابْن خرَاش: ثِقَة مَأْمُون. و (الحكم) بن مُوسَى: هُوَ الْقَنْطَرِي، الزَّاهِد، أخرج لَهُ مُسلم، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَهُوَ ثِقَة، وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين. وهقل: هُوَ ابْن زِيَاد، السكْسكِي، كَاتب الْأَوْزَاعِيّ، أخرج لَهُ مُسلم، وَالْأَرْبَعَة، وَهُوَ ثَبت. وَالْأَوْزَاعِيّ: ناهيك بِهِ. وَعَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده: احْتج بِهِ الْأَكْثَرُونَ، وسنعقد فِي ذَلِك فصلا فِي بَاب الْوضُوء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. والمثنَّى - الْمَذْكُور فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ -: هُوَ ابْن الصَبَّاح، قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره: لَيِّن الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك. (و) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَأَنا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، نَا جَعْفَر القلانسي، نَا سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن، نَا ابْن (عَيَّاش) ، قَالَ: حَدَّثَنَي الْمثنى بن الصَّباح، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «ميتةُ البحرِ حلالٌ، وماؤهُ طَهورٌ» . ابْن (عَيَّاش) هَذَا: هُوَ إِسْمَاعِيل، أَبُو عتبَة، الْحِمصِي، لَيْسَ

стр. 115

بِالْقَوِيّ، وَحَدِيثه عَن الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيف، بِخِلَاف الشاميين. والمُثنَّى بن الصَّباح: مكي، فَتكون هَذِه الطَّرِيقَة ضَعِيفَة. قَالَ يزِيد بن هَارُون: مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيِّنٌ. وَقَالَ البُخَارِيّ: إِذا حَدَّث عَن أهل حمص فَصَحِيح. وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي «الكنى» : لَا بَأْس بحَديثه إِذا حدَّث عَن الشاميين، فَإِذا عداهم إِلَى حَدِيث أهل الْمَدِينَة جَاءَ بِمَا لَا يُتَابع عَلَى أَكْثَره. قلت: والاعتماد إِنَّمَا هُوَ عَلَى الطَّرِيق الأول، وَهَذِه مُتَابعَة لَهُ. الطَّرِيق السَّادِس: عَن عَلّي بن أبي طَالب ﵁، قَالَ: «سُئل رَسُول الله ﷺ عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتهُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَالْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» ، من حَدِيث: معَاذ بن مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَلّي، حَدَّثَنَي أبي، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن عَلّي - كرَّم الله وَجهه - قَالَ: «سُئل رَسُول الله ﷺ ... » (الحَدِيث) . هَذَا إِسْنَاد عَجِيب. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : فِيهِ من يحْتَاج إِلَى معرفَة حَاله. قلت: وَشَيخ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ: هُوَ ابْن عقدَة، وَقد ضَعَّفوه، وَإِن كَانَ حَافِظًا. الطَّرِيق السَّابِع: عَن مَالك بن أنس، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَضِي

стр. 116

الله عَنْهُمَا قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إنَّا نركب (الْبَحْر) ، ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء، فإنْ توضأنا بِهِ عطشنا، أفنتوضأ من مَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : «هُوَ الطهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتهُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «غرائب حَدِيث مَالك» ، قَالَ: وَهُوَ بَاطِل بِهَذَا الإِسناد، مقلوب، وَهُوَ فِي «الْمُوَطَّأ» : عَن صَفْوَان بن سليم، (عَن [سعيد] بن سَلمَة، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة) . وَفِي «سنَن الدَّارَقُطْنِيّ» فِي أول الصَّيْد والذبائح، (من) حَدِيث (عَمْرو) بن دِينَار، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي هُرَيْرَة، «أَنه سَأَلَ ابْن عمر - رَحْمَة الله عَلَيْهِ -: آكل مَا (طفا) عَلَى المَاء؟ قَالَ: إنَّ طافيته ميتَة، وَقَالَ النَّبِي ﷺ : «إنَّ مَاءَهُ طهُور، وميتته حل» . الطَّرِيق الثَّامِن: عَن أبي بكر الصّديق ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ سُئل عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتهُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث: عبد الْعَزِيز بن أبي ثَابت، عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيات، عَن وهب بن كيسَان، عَن جَابر بن عبد

стр. 117

الله، عَن أبي بكر ﵁. وَعبد الْعَزِيز (هَذَا) أحد المتروكين. قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يُكتب حَدِيثه، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير. ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا عَلَى أبي بكر الصّديق، بِإِسْنَاد صَحِيح. وَقَالَ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث تفرَّد بِهِ عبد الْعَزِيز بن عمرَان الزُّهْرِيّ، وَهُوَ مديني، ضَعِيف الحَدِيث. رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيات، عَن وهب بن كيسَان، عَن جَابر، عَن أبي بكر مَرْفُوعا. وَإِسْحَاق بن حَازِم هَذَا: شيخ مديني، لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقد اخْتُلف عَنهُ فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث، (فَرَوَاهُ) أَبُو الْقَاسِم بن أبي (الزِّنَاد) ، عَن إِسْحَاق بن حَازِم، عَن عبيد الله بن مقسم، عَن جَابر مَرْفُوعا، وَلم يذكر فِيهِ أَبَا بكر. حدَّث بِهِ عَنهُ كَذَلِك: أَحْمد بن حَنْبَل.

стр. 118

قَالَ: وَقد رُوي هَذَا الحَدِيث عَن أبي بكر الصّديق، مَوْقُوفا من قَوْله، غير مَرْفُوع، من رِوَايَة صَحِيحَة عَنهُ، حدَّث (بِهِ) : عبيد الله بن عمر، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن أبي بكر قَوْله، وَرَوَاهُ ابْن (زَاطِيَا) عَن شيخ لَهُ من حَدِيث: عبيد الله بن عمر، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن أبي بكر مَرْفُوعا، وَوهم فِي رَفعه، وَالْمَوْقُوف أصح. أه وَذكر الحَدِيث مَرْفُوعا: ابْن حبَان فِي «ضُعَفَائِهِ» ، فِي تَرْجَمَة عبد الْعَزِيز بن عمرَان، ثمَّ قَالَ: وَالْخَبَر عَن أبي بكر الصّديق مَشْهُور (قَوْله) ، غير مَرْفُوع، من حَدِيث: عَمْرو بن دِينَار، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن أبي بكر. الطَّرِيق التَّاسِع: عَن أبان بن أبي عَيَّاش، عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْبَحْر: «الْحَلَال ميتَته، الطّهُور مَاؤُهُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَقَالَ أبان هَذَا مَتْرُوك. وَهُوَ كَمَا قَالَ.

стр. 119

وَفِي «مُصَنف عبد الرَّزَّاق» ، عَن معمر، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن رجل من الْأَنْصَار، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: ماءان لَا ينقيان من الْجَنَابَة: مَاء الْبَحْر، وَمَاء الحَمَّام. وَكَذَا رَوَى عَن أبي هُرَيْرَة، لكنه قَالَ: « (لَا) يجزيان» بدل: « (لَا) ينقيان» . (و) قَالَ معمر: (ثمَّ) سَأَلت يَحْيَى عَنهُ بعد حِين، فَقَالَ: قد بَلغنِي مَا هُوَ أوثق من ذَلِك، أَن رَسُول الله ﷺ سُئل عَن مَاء الْبَحْر فَقَالَ: «الْبَحْر طهُور مَاؤُهُ، (حل) ميتَته» . ثمَّ رَوَى (عَن) ابْن جريج عَن (سُلَيْمَان) بن مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : «الْبَحْر طهُور مَاؤُهُ، حَلَال ميتَته» . ثمَّ رَوَى عَن الثَّوْريّ حَدِيث أبان، عَن أنس السالف قَرِيبا. وَاعْلَم أَن هَذِه الطّرق الَّتِي ذَكرنَاهَا آخرا، (وفيهَا) ضعف، لَا (يقْدَح) فِي الطّرق السَّابِقَة، وإنَّما ذَكرنَاهَا للتّنْبِيه عَلَيْهَا.

стр. 120

ونختم الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث بخاتمتين: إِحْدَاهمَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» من حَدِيث: سعيد بن ثَوْبَان، عَن أبي هِنْد، عَن أبي هُرَيْرَة، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من لم يُطَهِّره مَاء الْبَحْر، فَلَا طَهَّره الله» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده حسن. قلت: فِيهِ نظر؛ فإنَّ فِيهِ: مُحَمَّد بن حميد الرَّازِيّ، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُخْتَار، أما الأول: فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» - فِي بَاب «فرض الْجدّة والجدتين» -: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَأما الثَّانِي: فَقَالَ أَحْمد بن عَلّي الأبَّار: سَأَلت زنيجًا أَبَا غَسَّان عَنهُ، فَقَالَ: تركته. وَلم يرضه، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِذَاكَ. الثَّانِيَة: فِي التَّنْبِيه عَلَى ضبط الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِيهِ، وَبَعض فَوَائده، بأوجز (عبارَة) ، فَإِنَّهُ حَدِيث عَظِيم، أصل من أصُول الطَّهَارَة، مُشْتَمل عَلَى أَحْكَام كَثِيرَة، وقواعد مهمة. قَالَ المارودي - من أَصْحَابنَا - فِي «الْحَاوِي» : قَالَ الْحميدِي: قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث نصف علم الطَّهَارَة. فَنَقُول: أَولهَا: «الْبَحْر» : هُوَ المَاء الْكثير، ملحًا كَانَ أَو عذبًا. مِمَّن نَص

стр. 121

عَلَى ذَلِك: ابْن سَيّده فِي «الْمُحكم» ، قَالَ: وَقد غلب عَلَى الْملح، حتَّى قلَّ فِي العذب، وصرفوه عَلَى مَعْنَى الملوحة. وَقَالَ القَزَّاز: إِذا اجْتمع الْملح والعذب سموهُ باسم الْملح، أَي: بحرين. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ (، قَالَ: وسُمي بذلك لسعته، من قَوْلهم: تَبحَّر الرجل فِي الْعلم. أَي: اتَّسع. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: سميت الْأَنْهَار: بحارًا؛ لِأَنَّهَا مشقوقة فِي الأَرْض شقًّا، وَمِنْه سميت البَحِيْرَة. الثَّانِيَة: «الطّهُور» بِفَتْح الطَّاء: اسْم للْمَاء، وَبِضَمِّهَا: اسْم للْفِعْل. هَذَا هُوَ أشهر اللُّغَات فِيهِ. وَقيل: بِالضَّمِّ فيهمَا. وَقيل: بِالْفَتْح فيهمَا. الثَّالِثَة: قَوْله «الحِلُّ» : هُوَ بِمَعْنى الْحَلَال، (كَمَا يُقَال فِي ضِدّه: حرم، وَحرَام، وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: «الْحَلَال) ميتَته» . كَمَا تقدم. الرَّابِعَة: قَوْله: «ميتَته» : هُوَ بِفَتْح الْمِيم؛ لِأَن المُرَاد: الْعين الْميتَة، وَأما (الْميتَة بِكَسْر الْمِيم: هَيْئَة الْمَوْت) . قَالَ الْمبرد: المِيتة: الْمَوْت، وَهُوَ من أَمر الله يَقع فِي الْبر وَالْبَحْر، لَا يُقَال فِيهَا: لَا حَلَال، وَلَا حرَام. وَلَا مَعْنَى لهَذَا هُنَا. قَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه «إصْلَاح الْخَطَأ» - ثمَّ الشَّيْخ زكي الدَّين -: وعوامّ الروَاة يولعون بِكَسْر الْمِيم فِي هَذَا الموطن، وَهُوَ خطأ. وَكَذَا (قَالَ) صَاحب «الْمَشَارِق» : من رَوَاهُ بِالْكَسْرِ فقد أَخطَأ.

стр. 122

قَالَ الشَّيْخ فِي «الإِمام» : قَالَ بَعضهم: يُقَال فِي الْحَيَوَان: ميتَة، وَفِي (الأَرْض) : ميت، بِغَيْر هَاء، قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا أَن يكون ميتَة) ، وَقَالَ تَعَالَى: (وأحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا) . قَالَ: وَهَذَا يرد عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: (وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة) . أه. و (الْميتَة) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، بِمَعْنى وَاحِد فِي موارد الِاسْتِعْمَال، وَفصل بَعضهم بَينهمَا. قَالَ (البَطَلْيَوسي) فِي «شرح أدب (الْكَاتِب) » : فرَّق قوم بَين الْمَيِّت بِالتَّخْفِيفِ، والميِّت بِالتَّشْدِيدِ (فَقَالُوا) : الأول مَا قد مَاتَ، وَالثَّانِي (مَا) سيموت. وَهَذَا خطأ. ثمَّ أوضحه ابْن عَطِيَّة فِي «تَفْسِيره» ، نقل هَذَا أَيْضا، إلاَّ أَنه قَالَ: بِالتَّشْدِيدِ يُستعمل فِيمَا مَاتَ، وَفِيمَا لم يَمُتْ بعد. الْخَامِسَة: «الأَرْمَاث» الْمَذْكُور فِي بعض رويات الحَدِيث، هُوَ: بِفَتْح الْهمزَة، (وبالراء) الْمُهْملَة، وَآخره ثاء مُثَلّثَة، جمع: رَمَث: (بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم) ، وَهِي: خشب يُضم بعضُها إِلَى بعض، ويُركَبُ عَلَيْهَا فِي الْبَحْر.

стр. 123

السَّادِسَة: قَوْله: «فَيَعْزُبُ فِيهِ (الليلتين) وَالثَّلَاث» . يجوز أَن يُقرأ بالغين الْمُعْجَمَة، وَالرَّاء الْمُهْملَة؛ أَي: يبعد. وبالعين الْمُهْملَة، وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، يُقَال: عَزَبَ بِالْفَتْح، يَعْزُبُ بِالضَّمِّ؛ أَي: بَعُدَ. أفادهما الشَّيْخ فِي «الإِمام» . السَّابِعَة: أنهَى بَعضهم إِعْرَاب قَوْله ﵊: «الطهورُ ماؤهُ، الحِلُّ ميتتهُ» إِلَى قريب من عشْرين وَجها، كَمَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «شرح الإِلمام» ، فِي كثير مِنْهَا تكلّف وإضمار لَا يظْهر الدّلَالَة عَلَيْهَا، قَالَ: فتركنا أَكْثَرهَا، (واقتصرنا) عَلَى أَرْبَعَة أوجه: الأول: أَن يكون « (هُوَ» ) : (مُبْتَدأ، و «الطّهُور» : مُبْتَدأ ثَانِيًا، وَخَبره: مَاؤُهُ، وَالْجُمْلَة من هَذَا) الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخَبره، خبر الْمُبْتَدَأ الأول. الثَّانِي: أَن يكون «هُوَ» مُبْتَدأ، «الطّهُور» خَبره، وماؤه من بدل الاشتمال. الثَّالِث: أَن يكون «هُوَ» ضمير الشَّأْن، و «الطّهُور مَاؤُهُ» : مُبْتَدأ وخبرًا. الرَّابِع: أَن يكون «هُوَ» مُبْتَدأ، و «الطّهُور» خَبره، و «مَاؤُهُ» فَاعل؛ لِأَنَّهُ قد (اعْتمد) عَامله بِكَوْنِهِ خَبرا. الثَّامِنَة: فِيهِ جَوَاز الطَّهَارَة بِمَاء الْبَحْر، وَبِه قَالَ جَمِيع الْعلمَاء، إلاَّ

стр. 124

(ابْن عمر، وَابْن عَمْرو) ، وَسَعِيد بن الْمسيب، وتقدَّم (قبل) ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة، و (رِوَايَته) الحَدِيث «أَنه طهُور» (ترده) ، وَكَذَا رِوَايَة عبد الله بن عمر أَيْضا. التَّاسِعَة: فِيهِ أنَّ الطّهُور، هُوَ (المطهر) ، وَهُوَ مَذْهَبنَا، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، خلافًا لأَصْحَاب أبي حنيفَة، حَيْثُ قَالُوا: هُوَ الطَّاهِر. حجَّة الْجُمْهُور: أَنهم سَأَلُوا عَن طهوريته، لَا عَن طَهَارَته. الْعَاشِرَة: فِيهِ أَن ميتات الْبَحْر كلهَا حَلَال، لَكِن يُسْتَثْنَى عندنَا الضفدع، والسرطان، لدَلِيل خَصَّهما. الْحَادِيَة عشرَة: فِيهِ أَن (السّمك) الطافي - وَهُوَ الَّذِي مَاتَ فِي الْبَحْر بِغَيْر سَبَب - حَلَال، وَهُوَ مَذْهَبنَا، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يحل. الثَّانِيَة عشرَة: فِيهِ أَن ركُوب الْبَحْر جَائِز، اللَّهُمَّ إلاَّ أَن يهيج، ويغلب عَلَى الظَّن الْهَلَاك، فَلَا لدَلِيل آخر. الثَّالِثَة عشرَة: (فِيهِ) أَن المَاء إِذا خالطه مَاء أَزَال عَنهُ اسْم المَاء الْمُطلق، لم يجز الطَّهَارَة بِهِ عندنَا، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، (وجوَّزه) أَبُو حنيفَة. وَمَوْضِع الدّلَالَة لِلْجُمْهُورِ: أَنهم شَكُّوا فِي جَوَاز الطَّهَارَة بِمَاء

стр. 125

الْبَحْر من أجل ملوحته، فسألوا عَنهُ، فَلَو لم يكن (التَّغَيُّر) فِي الْجُمْلَة مؤثرًا لم يسْأَلُوا (عَنهُ) . الرَّابِعَة عشرَة: فِيهِ أَن الْمُفْتِي إِذا سُئل عَن شَيْء، وَعلم أنَّ بالسائل حَاجَة إِلَى أَمر آخر مُتَعَلق بِالْمَسْأَلَة، يسْتَحبّ لَهُ أَن يذكرهُ لَهُ، ويعلمه إِيَّاه؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَن مَاء الْبَحْر، فَأُجِيب بمائه وَحكم ميتَته؛ لأَنهم يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَام كَالْمَاءِ، وَإِذا جهلوا كَونه مطهرًا فجهالتهم حل ميتَته أولَى، ونظائر هَذَا كثير فِي الْأَحَادِيث. الْخَامِسَة عشرَة: اسْم السَّائِل عَن الْبَحْر هُوَ: العَرَكي - بِفَتْح الْعين وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ - هَكَذَا قَالَه السَّمْعَانِيّ فِي «الْأَنْسَاب» . وَفِي «المعجم الْكَبِير» للطبراني - (أَي: بِسَنَدِهِ) - عَن العركي، أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته» . وغَلَّطُوه - أَعنِي السَّمْعَانِيّ - فِي قَوْله: اسْمه «العركي» ، وَإِنَّمَا العركي وصفٌ لَهُ، وَهُوَ: مَلاَّح السَّفِينَة. (و) تبعه الْحَافِظ أَبُو عبد الله (الذَّهَبِيّ) فِي مُخْتَصره «معرفَة الصَّحَابَة» ، فَقَالَ: هُوَ اسْم (يشبه) النِّسْبَة، وَفِيه النّظر الَّذِي ذَكرْنَاهُ

стр. 126

آنِفا، وإنَّما اسْمه: عبيد، وَقيل: عبد، بِالتَّصْغِيرِ وَالتَّكْبِير. وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ: الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ، فَقَالَ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» : عبد، أَبُو زَمعَة، البلوي، الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن مَاء الْبَحْر، قَالَ ابْن منيع: بَلغنِي أَن اسْمه: عبيد. وَأوردهُ الطَّبَرَانِيّ فِيمَن اسْمه عبيد. وَأوردهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بالعركي، والعركي: هُوَ الملاح، وَلَيْسَ لَهُ باسم. هَذَا لفظ أبي مُوسَى برمتِهِ. وَفِي «علل» أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ: أَن اسْمه عبد الله، كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَة لَا بَأْس بهَا. وَقد تقدم أَن السَّائِل (هُوَ) : الفِراسي، أَو ابْن الفِراسي. وَقَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند» : يُقَال: إنَّ هَذَا الرجل كَانَ من بني مُدْلِج. قلت: قد ورد هَذَا صَرِيحًا، مَجْزُومًا بِهِ فِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» ، فَرَوَاهُ بِسَنَدِهِ إِلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة، عَن المدلجي، «أَنه أَتَى رَسُول الله ﷺ ... » فَذكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن بشكوال: إِنَّه عِنْده العركي، (وَكَذَا) أَبُو الْوَلِيد فِي «مشتبه النِّسْبَة» من تأليفه، ثمَّ قَالَ: وَقيل: هُوَ عبد الله المدلجي، وَسَاقه بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك. وَهَذَا الَّذِي قَالَه السَّمْعَانِيّ، وَأَبُو مُوسَى، والرافعي: إِنَّمَا ينفعنا فِي رِوَايَة من رَوَى: «أَن رجلا سَأَلَ» ، أَو «سَائِلًا (سَأَلَ) . فَأَما الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: أَن (رجَالًا) من بني مُدْلِج، أَو نَاسا» ، فَيحْتَاج إِلَى الْكَشْف عَن اسمهم، وَالظَّاهِر أَن الْقِصَّة وَاحِدَة. وَالْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث منتشر جدا، لَا يسعنا هُنَا استيعابه، وَقد

стр. 127

نبَّهنا بِمَا ذكرنَا عَلَى كثير (مِمَّا تركنَا) ، ولعلنا نفرده بالتصنيف - إِن شَاءَ الله وقَدَّر. وَقد فعل ذَلِك - وَله الْحَمد - فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، فِي جُزْء لطيف. الحَدِيث الثَّانِي «أَنه ﷺ تَوَضَّأ من بئرِ بضَاعَة» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، مَشْهُور من حَدِيث أبي سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان، الْخُدْرِيّ ﵁، قَالَ: «قيل: يَا رَسُول الله، أَنَتَوَضَّأُ من بِئْر بضَاعَة - وَهِي بِئْر يُلقى فِيهَا الحِيَضُ، وَلُحُوم الْكلاب، والنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إنَّ المَاء طهُور، لَا يُنَجِّسُه شَيْء» . رَوَاهُ الْأَئِمَّة، أهل الْحل وَالْعقد: الشَّافِعِي فِي «الْأُم» ، و «اخْتِلَاف الحَدِيث» ، وَأحمد فِي «الْمسند» ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، وَفِي بعض نسخه: صَحِيح.

стр. 128

قَالَ: وَقد جَوَّد أَبُو أُسَامَة هَذَا الحَدِيث، [لم يَرْوِ أحد] حَدِيث أبي سعيد فِي بِئْر بضَاعَة أحسن مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَة، قَالَ: (وَقد) رُوي هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي سعيد. وَقَالَ الإِمام أَحْمد: هَذَا حَدِيث صَحِيح. نَقله الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «تهذيبه» وَغَيره عَنهُ. قَالَ النَّوَوِيّ فِي «كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد» : صحَّحه يَحْيَى بن معِين، وَالْحَاكِم، وَآخَرُونَ من الْأَئِمَّة الْحفاظ، وَقَالَ فِي «الْخُلَاصَة» : وَقَوْلهمْ مقدم عَلَى قَول الدَّارَقُطْنِيّ إِن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت. قلت: كَذَا نَقَل عَن الدَّارَقُطْنِيّ هَذِه القولة أَيْضا ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» ، وَلم أَرَها فِي «علله» ، بل ذكر فِي «علله» الِاخْتِلَاف

стр. 129

فِي إِسْنَاده، ثمَّ قَالَ: و (أحْسنهَا) إِسْنَادًا: حَدِيث الْوَلِيد بن كثير، عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن رَافع، عَن أبي سعيد؛ وَحَدِيث ابْن إِسْحَاق، عَن عبد الله بن أبي سَلمَة (الْمَاجشون) ، عَن (عُبيد الله) بِهِ، فَاعْلَم ذَلِك. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ: تكلَّم فِيهِ بَعضهم، وَلم يبيِّنه ﵀. وَقَالَ أَبُو الْحسن (بن) الْقطَّان فِي كتاب «الْوَهم والإِيهام» : أمره إِذا بُين، تبين مِنْهُ ضعف الحَدِيث لَا حسنه، وَذَلِكَ أَن مَدَاره عَلَى أبي أُسَامَة، عَن مُحَمَّد بن كَعْب، ثمَّ اختُلف عَلَى أبي أُسَامَة فِي الْوَاسِطَة [الَّتِي] بَين مُحَمَّد بن كَعْب، وَأبي سعيد، فقوم يَقُولُونَ: عبيد الله بن عبد الله بن رَافع بن خديج، وَقوم يَقُولُونَ: عبد الله بن عبد الله بن رَافع بن خديج. وَله [طَرِيق] آخر، من رِوَايَة: ابْن إِسْحَاق، عَن سليط بن أَيُّوب. واختُلف عَلَى ابْن إِسْحَاق فِي الْوَاسِطَة بَين سليط وَأبي سعيد، فقوم يَقُولُونَ: عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع - قلت: وَنقل أَبُو دَاوُد هَذَا فِي «سنَنه» عَن بَعضهم - وَقوم يَقُولُونَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن

стр. 130

بن رَافع؛ (وَقوم يَقُولُونَ: عَن عبد الرَّحْمَن بن رَافع) . فَتحصل فِي هَذَا الرجل - يَعْنِي الرَّاوِي لَهُ عَن أبي سعيد - خَمْسَة أَقْوَال: عبد الله بن (عبد الله) بن رَافع، وَعبيد الله بن عبد الله بن رَافع، وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع، وَعبد الرَّحْمَن بن رَافع، وَعبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع. وكيفما كَانَ، فَهُوَ من لَا (تعرف) لَهُ حَال وَلَا عين، والأسانيد بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي كتب الحَدِيث مَعْرُوفَة، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه» الْخلاف الْمَذْكُور مُفَسرًا. قَالَ (ابْن الْقطَّان) : وَلِحَدِيث بِئْر بضَاعَة (طَرِيق) حسن، من غير رِوَايَة أبي سعيد، من رِوَايَة سهل بن سعد. قَالَ قَاسم بن أصبغ: ثَنَا مُحَمَّد بن وَضَّاح، ثَنَا أَبُو عَلّي عبد الصَّمد بن أبي سكينَة الْحلَبِي، بحلب، نَا عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم، عَن أَبِيه، عَن سهل بن سعد: قَالُوا: «يَا رَسُول الله، (إِنَّك تتوضأ) من بِئْر

стр. 131

بضَاعَة، وفيهَا مَا يُنْجِي النَّاس والمحايض، وَالْجنب؟ ! فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : «المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» . قَالَ قَاسم: هَذَا من أحسن شَيْء فِي بِئْر بضَاعَة. وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أَيمن: ثَنَا ابْن وَضَّاح ... فَذكره - أَيْضا - بِإِسْنَادِهِ وَمَتنه. وَقَالَ ابْن حزم فِي (كتاب) «الإِيصال» : عبد الصَّمد بن أبي سكينَة ثِقَة مَشْهُور. وَذكره (المنتجالي) ، وَقَالَ: (إِن) ابْن وضاح لقِيه بحلب. ويُروى عَن سهل بن سعد فِي بِئْر بضَاعَة من طرق، هَذَا (خَيرهَا) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : أخرج أَبُو عبد الله بن مَنْدَه هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن رَافع، وَقَالَ: هَذَا إِسْنَاد مَشْهُور، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَتَركه البُخَارِيّ وَمُسلم لاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده. رَوَاهُ ابْن أبي ذِئْب، عَن الثِّقَة عِنْده، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن، عَن أبي سعيد. ثمَّ ذكر رِوَايَة مطرف

стр. 132

بن طريف، عَن خَالِد بن أبي نوف، عَن سليط بن أَيُّوب، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، عَن أَبِيه. وَقَالَ بعد ذَلِك: فإنْ كَانَ عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع هَذَا، هُوَ الْأنْصَارِيّ الَّذِي رَوَى عَن جَابر بن عبد الله، فقد (رَوَى) عَنهُ هِشَام بن عُرْوَة، وَهُوَ رجل مَشْهُور فِي أهل الْمَدِينَة. وَعبد الله بن رَافع بن خديج مَشْهُور، (وَعبيد الله) ابْنه مَجْهُول. فَهَذَا حَدِيث مَعْلُول (بِرِوَايَة) عبيد الله بن عبد الله بن رَافع. وَقد أخرج الْحَافِظ، أَبُو مُحَمَّد عبد الْغَنِيّ (بن سعيد) الْمصْرِيّ، فِي (كتاب) : «إِيضَاح الإِشكال» رِوَايَة مطرف، عَن خَالِد بن أبي نوف، عَن سليط، عَن ابْن أبي سعيد، عَن أَبِيه قَالَ: «انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة، فَقلت: يَا رَسُول الله، تتوضأ مِنْهَا وَهِي يُلقى فِيهَا مَا يُلقى من النتن؟ ! فَقَالَ: إنَّ المَاء لَا يُنَجِّسه شَيْء» . قَالَ الشَّيْخ فِي «الإِمام» : وَفِي رِوَايَة [ابْن] إِسْحَاق، عَن سليط شَيْء آخر، ذكره أَبُو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم فِي «الْمَرَاسِيل» عَن أَبِيه، قَالَ: مُحَمَّد بن إِسْحَاق بَينه وَبَين سليط رجل. وَكَلَامه مُحْتَمل لِأَن يكون بَينهمَا رجل فِي حَدِيث بِئْر بضَاعَة، وَبَين

стр. 133

أَن يكون بَينهمَا رجل مُطلقًا، وَالْأَقْرَب إِلَى وضع الْكتاب الْمَذْكُور هُوَ الثَّانِي. اه. قلت: وَالَّذِي يظْهر، صِحَة الحَدِيث مُطلقًا، كَمَا صحَّحه الْأَئِمَّة المتقدمون: التِّرْمِذِيّ، وَأحمد، وَيَحْيَى بن معِين، وَالْحَاكِم، وهم أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ والمرجوع إِلَيْهِم. وتضعيف ابْن الْقطَّان إِيَّاه لجَهَالَة الوسائط بَين سليط بن أَيُّوب وَأبي سعيد، يُعَارضهُ رِوَايَة سليط عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَلَيْسَت مِمَّا ذكره، فَلَيْسَ عبد الرَّحْمَن هَذَا مَجْهُولا، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ البُخَارِيّ. وَأما قَوْله: إنَّ الْخَمْسَة الَّذين (رَوَوْهُ) عَن أبي سعيد كلهم مَجَاهِيل. فَفِيهِ نظر؛ لِأَن تَصْحِيح الحفَّاظ الأُوَل لهَذَا الحَدِيث تَوْثِيق مِنْهُم لَهُم، إِذْ لَا يُظن بِمن دونهم الإِقدام عَلَى تَصْحِيح مَا رِجَاله مَجَاهِيل؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيس فِي (الرِّوَايَة) وغش، وهم برَاء من ذَلِك. وَقد وثَّق أَبُو حَاتِم ابْن حبَان (عبيد الله) بن عبد الله بن رَافع، وَعبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع، وَعقد لَهما ترجمتين فِي «ثقاته» . وهما فِي كتاب البُخَارِيّ وَاحِد، وَكَذَلِكَ عِنْد (ابْن) أبي حَاتِم، بل لَعَلَّ الْخَمْسَة الْمَذْكُورين عِنْد ابْن الْقطَّان [واحدٌ] عِنْد البُخَارِيّ.

стр. 134

لَا جرم أَن الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد بن حزم (قَالَ) فِي كِتَابه «المحلَّى شرح المجلَّى» عقب حَدِيث بِئْر بضَاعَة: هَذَا حَدِيث صَحِيح، جَمِيع رُوَاته معروفون عدُول. وَقَالَ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» - لمَّا ذكر (حَدِيث) عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن جَابر رَفعه: «من أَحْيَا أَرضًا ميتَة، فَلهُ فِيهَا أجر ... » الحَدِيث -: (ذكر) الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن [عبد الله بن عبد الرَّحْمَن] هَذَا مَجْهُول، لَا يعرف. ثمَّ أخرجه من حَدِيث هِشَام، عَن (عبد الله) بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع بن خديج، سَمِعت جَابِرا يذكر ... الحَدِيث. وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي كتاب «إحْيَاء الْموَات» حِين يذكر الإِمام الرَّافِعِيّ هَذَا الحَدِيث. و (إِذْ) قد فَرغْنَا من تَصْحِيح هَذَا (الحَدِيث) ، فَلَا بُد من إِيرَاد ضبط بعض أَلْفَاظه، وفوائده، فَنَقُول: «بضَاعَة» : بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيُقَال: بِكَسْرِهَا، لُغَتَانِ، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي وَغَيره، وَالضَّم أشهر وأفصح، وَلم يذكر جمَاعَة

стр. 135

(سواهُمَا) . ثمَّ قيل: هُوَ اسْم لصَاحب الْبِئْر. وَقيل: اسْم لموضعها. وَهِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ، بَصق رَسُول الله ﷺ فِيهَا، وبرَّك فِيهَا، وَتَوَضَّأ فِي دلو وَرَدَّه فِيهَا، وَكَانَ إِذا مرض مَرِيض يَقُول لَهُ: «اغْتسل بِمَائِهَا» فيغتسل فَكَأَنَّمَا نشط من عقال. وَهِي فِي ديار بني سَاعِدَة مَعْرُوفَة، وَبهَا مَال من أَمْوَال الْمَدِينَة. و «الحِيَض» : بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْيَاء، جمع: حِيَضة - بِكَسْر الْحَاء - وَهِي الْخِرْقَة الَّتِي تحشي (بهَا) الْمَرْأَة. وَقد تطلق «الحِيضة» - بِكَسْر الْحَاء - عَلَى الِاسْم من «الحَيضة» بِالْفَتْح. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد (و) الدَّارَقُطْنِيّ: «وعَذِر النَّاس» : وَهِي - بِفَتْح الْعين، وَكسر الذَّال - اسْم جنس للعذرة. وَضبط أَيْضا بِكَسْر الْعين وَفتح الذَّال، كمعدة ومِعَد، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَضم الْعين فِيهَا تَصْحِيف. وَقَوله: «وَمَا يُنْجِي الناسُ» : هُوَ بياء مثناة تَحت مَضْمُومَة، ثمَّ نون سَاكِنة، ثمَّ جِيم (مَكْسُورَة) . كَذَا ضَبطه صَاحب «الإِمام» . ثمَّ قَالَ: و «النَّاس» : بِرَفْع السِّين عَلَى الفاعلية، يُقَال: أنجى الرجل، إِذا أحدث، فَيحْتَمل أَلا يكون فِيهِ حذف وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ - الْمَذْكُورَة «وَعذر النَّاس» - وَيحْتَمل أَن يكون (فِيهِ) حذف عَلَى تَقْدِير: ويُلقى فِيهِ خرق مَا يُنجي النَّاس، كَمَا قيل فِي المحايض.

стр. 136

قَالَ الْخطابِيّ وَآخَرُونَ: لم يكن (إِلْقَاء) ذَلِك تعمدًا من آدَمِيّ، بل كَانَت هَذِه الْبِئْر فِي حَدُور السَّيْل تكسح الأقذار من الأفنية، فتلقيها فِيهَا، وَلَا يُؤثر فِي المَاء لكثرته. وَقيل: كَانَت الرّيح تلقي ذَلِك. وَقيل: المُنَافِقُونَ. وَيحْتَمل الرّيح والسيول، وَأما: المُنَافِقُونَ، فبعيد؛ لِأَن الِانْتِفَاع بهَا مُشْتَرك، مَعَ تَنْزِيه الْمُنَافِقين وَغَيرهم الْمِيَاه فِي الْعَادة. وَوَقع فِي «الرَّافِعِيّ» : أَن مَاء هَذِه الْبِئْر كَانَ (كَنُقَاعَةِ) الْحِنَّاء. وَهَذَا (غَرِيب) جدًّا، لم أَرَه بعد الْبَحْث، وسؤال بعض الْحفاظ عَنهُ، وَهَذَا الْوَصْف لَا أعلمهُ يلقى إلاَّ فِي صفة الْبِئْر الَّتِي (سُحِر) فِيهَا رَسُول الله ﷺ ، وَهِي: بِئْر ذروان. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تلبيسه» : «أَنه ﷺ تَوَضَّأ من غَدِير مَاؤُهُ كنقاعة الْحِنَّاء» . وَذكرهَا ابْن الرّفْعَة فِي «الْمطلب» ، وَلَعَلَّه أَخذهَا من «كتاب الرَّافِعِيّ» . قَالَ بَعضهم: إنَّها مَوْجُودَة فِي «شرح السنَّة» لِلْبَغوِيِّ، وراجعته، فَلم أجد ذَلِك فِيهِ. وَالَّذِي أعلمهُ فِي صفة (بِئْر) بضَاعَة مَا قَالَه أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» : سَمِعت قُتَيْبَة بن سعيد يَقُول: سَأَلت قَيِّمَ بِئْر بضَاعَة عَن

стр. 137

عمقها، قَالَ: أَكثر مَا يكون فِيهَا المَاء إِلَى الْعَانَة. قلت: فَإِذا نقص؟ قَالَ: دون الْعَوْرَة. قَالَ أَبُو دَاوُد: وقَدَّرتُ بِئْر بضَاعَة بردائي، مددته عَلَيْهَا ثمَّ ذرعته فَإِذا عرضهَا سِتَّة أَذْرع، وَسَأَلت الَّذِي فتح لي بَاب الْبُسْتَان فأَدخلني إِلَيْهِ: هَل غُيِّر بنيانها عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا. وَرَأَيْت فِيهَا مَاء متغير اللَّوْن. وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي - كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» و «السّنَن» -: بِئْر بضَاعَة كَثِيرَة المَاء وَاسِعَة، وَكَانَ يُطرح فِيهَا من الأنجاس مَا لَا يُغير لَهَا لونًا، وَلَا طعمًا، وَلَا يظْهر لَهُ (فِيهَا) ريح، فَقيل للنَّبِي (: تتوضأ من بِئْر بضَاعَة، وَهِي يُطرح فِيهَا كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ مجيبًا: «المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» . يَعْنِي: فِي المَاء مثلهَا. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُعْلَمَ: أَن بِئْر بضَاعَة كَانَت واقفةً، وأمَّا مَا قَالَه الْوَاقِدِيّ وَغَيره: أنَّ هَذِه الْبِئْر كَانَ يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْع و (الْبَسَاتِين) . وَقَول بَعضهم: إِنَّهَا كَانَت جَارِيَة. فغلط؛ لِأَن الْعلمَاء ضبطوا بِئْر بضَاعَة، وعرَّفوها فِي كتب مَكَّة وَالْمَدينَة، وَأَن المَاء لم يكن يجْرِي، والواقدي لَا يحْتَج بِرِوَايَاتِهِ الْمُتَّصِلَة، فَكيف بِمَا يُرْسِلهُ أَو يَقُوله عَن نَفسه؟ وَعَلَى تَقْدِير صِحَة ذَلِك، فَيكون مَعْنَاهُ: أَنه يُسْقَى مِنْهَا بالدلو والناضح، عملا بِمَا نَقله الْأَثْبَات فِي صفتهَا. وَالْمرَاد «بالعورة» فِي كَلَام (قَيِّم) الْبِئْر: الْفرج، يَعْنِي: دون الْفرج بِقَلِيل. وَكَأَنَّهَا كَانَت تنقص شبْرًا أَو نَحوه، وإنَّما قدرهَا أَبُو دَاوُد

стр. 138

بردائه، وَسَأَلَ عَنْهَا قُتَيْبَة، ليعلم أَنَّهَا كَبِيرَة جدًّا. وَالْمَقْصُود: أَن بعض الْأَئِمَّة يَقُول: إِذا كَانَ المَاء غير جارٍ، وَوَقعت فِيهِ نَجَاسَة، فَإِن كَانَ بِحَيْثُ لَو حُرِّك أحد طَرفَيْهِ تَحرَّك الآخر فَهُوَ نجس كُله، وإلاَّ فطاهر. وَهَذِه الْبِئْر كَانَت دون هَذَا، فمعلوم أَنَّهَا إِذا حرَّك أحد طرفيها، تَحرَّك الآخر، وَقد صَحَّ أَن النَّبِي ﷺ تَوَضَّأ مِنْهَا، وَكَانَت النَّجَاسَات تقع فِيهَا، فَهَذَا يردُّ مَذْهَب هَذَا الإِمام. هَذَا مَقْصُود قُتَيْبَة وَأبي دَاوُد بِمَا ذكرَاهُ وَلِهَذَا قَالَ: سَأَلت الَّذِي فتح لي الْبَاب: هَل غُيِّر بناؤها عمَّا كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ: لَا. وَقَوله: رَأَيْت فِيهَا مَاء متغير اللَّوْن. هَذَا التَّغَيُّر كَانَ بطول الْمكْث أَو نَحوه، أَو من أَصْلهَا، لَا بِنَجَاسَة، ثمَّ إنَّ هَذِه صفة مَائِهَا فِي زمن أبي دَاوُد، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن تكون صفتهَا كَذَلِك فِي زمن النَّبِي ﷺ ، (وَلَعَلَّه) قلَّ اسْتِعْمَالهَا، فَتغير مَاؤُهَا. وَاعْلَم: أَن هَذَا الحَدِيث عَام مَخْصُوص، خُصَّ مِنْهُ الْمُتَغَيّر بِنَجَاسَة، فإنَّه ينجس بالإِجماع، وَخص مِنْهُ أَيْضا: مَا دون الْقلَّتَيْنِ إِذا لاقته نَجَاسَة، عَلَى قَول الشَّافِعِي وَأحمد وكثيرين، وَقَالَ مَالك وَآخَرُونَ (بِعُمُومِهِ) ، فَالْمُرَاد: المَاء الْكثير الَّذِي لم تغيره نَجَاسَة لَا يُنجسهُ شَيْء، وَهَذِه كَانَت صفة بِئْر بضَاعَة. وَهَذَا الحَدِيث لَا يُخَالف حَدِيث الْقلَّتَيْنِ الْآتِي؛ لِأَن ماءها كَانَ كثيرا، لَا يُغَيِّره وُقُوع هَذِه الْأَشْيَاء فِيهِ. وَقَوله: «أَتَتَوَضَّأُ» هُوَ بتاءين مثناتين من فَوق، خطابٌ للنَّبِي (، كَمَا وَقع مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة قَاسم بن أصبغ الْمُتَقَدّمَة، قَالُوا: «يَا رَسُول

стр. 139

الله، إِنَّك تتوضأ من بِئْر بضَاعَة» . وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه الْمُتَقَدّمَة أَيْضا: «انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة» . وَكَذَلِكَ جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة الشَّافِعِي «قيل: يَا رَسُول الله، أتتوضأ من بِئْر بضَاعَة» . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: «مَرَرْت بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة، فَقلت: يَا رَسُول الله، أتتوضأ مِنْهَا، وَهِي يُطرح فِيهَا ... » الحَدِيث، وَأول من نَبَّه عَلَى هَذَا الضَّبْط: النَّوَوِيّ ﵀ وَتَبعهُ شَيخنَا فتح الدَّين بن سيد النَّاس فِي «شرح التِّرْمِذِيّ» . قَالَ النَّوَوِيّ: إنَّما ضبطت كَونه بِالتَّاءِ لئلايُصَحَّف، فَيُقَال: «أَنَتَوَضَّأُ» بالنُّون. قَالَ: وَقد رَأَيْت من صحَّفه، واستبعد كَون النَّبِي ﷺ يتَوَضَّأ مِنْهَا قَالَ: وَهَذَا غلط فَاحش. لما ذَكرْنَاهُ. قلت: و (مِمَّا) يَنْبَغِي أَن (يُنتبه لَهُ) أَن النَّوَوِيّ ﵀ قَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» : أخرج هَذَا الحَدِيث من أخرج الأول - يَعْنِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة - وَهَذِه الْعبارَة تَقْتَضِي كَونه فِي «الْمُوَطَّأ» ، فإنَّ الأول عزاهُ إِلَى «الْمُوَطَّأ» وَهَذَا الحَدِيث لَا يُوجد فِي موطأ من الموطآت المرويَّة عَن الإِمام مَالك ﵀ بل لم يعزه أحد من مصنفي الْأَحْكَام إِلَيْهِ. وَقد يُجاب عَن النَّوَوِيّ ﵀: بِأَنَّهُ أَرَادَ بقوله: أخرجه من أخرج الأول: الْمُعظم. وَلَا يخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَواب. الحَدِيث الثَّالِث رُوي أَنه ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللهُ الماءَ طهُورا، لَا يُنَجِّسُهُ شيءٌ، إلاَّ مَا غَيَّر طعمه، أَو رِيحه» .

стр. 140

اعْلَم: أَن صدر هَذَا الحديثَ صحيحٌ، كَمَا تقدم الْآن من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ بِاللَّفْظِ السَّابِق، وَلم أرَ فِيهِ لفظ: «خلق الله» ، فَتنبه لَهُ، وَرُوِيَ أَيْضا من طُرُق أُخر: فأولها: عَن جَابر ﵁، قَالَ: «انتهينا إِلَى غَدِير، فَإِذا فِيهِ جيفة حمَار، قَالَ: فَكَفَفْنَا عَنهُ، حتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: إنَّ الماءَ لَا يُنجسهُ شيءٌ فاستقينا وحملنا» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الصَّحِيح، لَوْلَا (طريف) بن شهَاب السَّعْدِيّ، فإنَّه واهٍ مَتْرُوك عِنْدهم، حتَّى قَالَ فِيهِ ابْن حبَان: إِنَّه كَانَ (مغفلاً، يَهِمُ) فِي الْأَخْبَار، حتَّى يقلبها، ويروي عَن الثِّقَات مَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات. لَكِن يَقع فِي بعض نسخه (بدله) طَارق بن شهَاب، فإنْ صَحَّ - مَعَ بعده - فَهُوَ الأحمسي، صَحَابِيّ، فَيصح السَّنَد. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: «المَاء لايُنَجِّسُهُ شَيْء» . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ،

стр. 141

وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث: سماك بن حَرْب، عَن عِكْرِمَة، عَنهُ. وَرَوَاهُ إِمَام الْأَئِمَّة، مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» كَذَلِك، لَكِن لَفظه: عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يتَوَضَّأ، فَقَالَت امْرَأَة من نِسَائِهِ: يَا رَسُول الله قد توضَّأتُ من هَذَا. فَتَوَضَّأ النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ: المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» . وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» - أَيْضا - بِلَفْظ: اغْتسل بعض أَزوَاج رَسُول الله ﷺ من) جَفْنَة، فجَاء رَسُول الله يغْتَسل مِنْهَا، أَو يتَوَضَّأ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إنِّي كنت جُنبًا. فَقَالَ: إنَّ المَاء لَا يَجْنُب» . وَهُوَ فِي «السّنَن الْأَرْبَعَة» من حَدِيث سماك، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «اغْتسل بعض أَزوَاج رَسُول الله ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُول الله أَن يتَوَضَّأ (مِنْهَا أَو يغْتَسل) ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِنِّي كنت جُنبًا. فَقَالَ: إنَّ الماءَ لَا يَجْنُب» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، عَن شريك، عَن سماك، فسمَّاها: مَيْمُونَة.

стр. 142

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْحَاق، عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن سماك، أَن مَيْمُونَة ... قَالَ الْحَازِمِي: لَا يُعْرَف مُجَوَّدًا إلاَّ من حَدِيث سماك، وَسماك فِيمَا ينْفَرد بِهِ رَدَّه بعض الْأَئِمَّة، (وقَبِلَه) الْأَكْثَرُونَ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج البُخَارِيّ بِأَحَادِيث عِكْرِمَة، وَاحْتج مُسلم بِأَحَادِيث سماك بن حَرْب، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح فِي الطَّهَارَة، وَلَا تحفظ لَهُ عِلّة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ورُوي مُرْسَلاً. قَالَ: وَمن أسْندهُ أحفظ. قلت: وأمَّا ابْن حزم (فإنَّه وَهَّاه) فِي «محلاه» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يصحّ، (لِأَنَّهُ بِرِوَايَة) سماك بن حَرْب، وَهُوَ يقبل التَّلْقِين، شهد عَلَيْهِ بذلك شُعْبَة وَغَيره، (وَهَذِه جُرحة ظَاهِرَة) . الطَّرِيق الثَّالِث: عَن سهل بن سعد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» . رَوَاهُ قَاسم بن أصبغ - كَمَا تقدم فِي الحَدِيث قبله - بِسَنَد حسن، وَالدَّارَقُطْنِيّ، من حَدِيث مُحَمَّد بن مُوسَى (الْحَرَشِي) ، عَن (فُضَيْل) بن سُلَيْمَان النميري، عَن أبي حَازِم، عَن سهل.

стр. 143

و (فُضَيْل) هَذَا: تكلَّم فِيهِ يَحْيَى، وَأَبُو زرْعَة، وَأَبُو حَاتِم. لَكِن احتجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ. وَمُحَمّد هَذَا: وَهَّاه أَبُو دَاوُد، ووثَّقه غَيره. الطَّرِيق الرَّابِع: عَن عَائِشَة ﵂: أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إنَّ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط معاجمه» من حَدِيث: شريك، عَن الْمِقْدَام بن شُريح، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة. ثمَّ قَالَ: لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن الْمِقْدَام إلاَّ شريك. وَذكره ابْن السكن فِي «صحاحه» بِحَذْف إِن. الطَّرِيق الْخَامِس: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن بِئْر بضَاعَة، فَقَالَ: «المَاء طهُور، لَا يُنجسهُ شَيْء» . ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» من حَدِيث سعيد المَقْبُري عَنهُ، وَقَالَ: إنَّه حَدِيث غير ثَابت. وَأما الِاسْتِثْنَاء الْوَاقِع فِي آخِره، فَروِيَ أَيْضا من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «المَاء طهُور، إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه، أَو طعمه» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث رشدين، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح، عَن رَاشد بن سعد عَنهُ.

стр. 144

وَرشْدِين هَذَا: هُوَ ابْن سعد - وَيُقَال: ابْن أبي رشدين - وَهُوَ ضَعِيف، قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي، وَأَبُو زرْعَة، وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: مُنكر الحَدِيث، فِيهِ غَفلَة، يحدث بِالْمَنَاكِيرِ عَن الثِّقَات. وَقَالَ (النَّسَائِيّ) : مَتْرُوك الحَدِيث. وَضَعفه أَحْمد، وَقَالَ فِي رِوَايَة: هُوَ رجل صَالح، وَلكنه لَا يُبَالِي عمَّن يروي. وَمرَّة قَالَ: أَرْجُو أنَّه صَالح الحَدِيث. وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ رجلا صَالحا، لَا يُشَكُّ فِي صَلَاحه وفضله، فَأَدْرَكته غَفلَة الصَّالِحين، فَخَلَّط فِي الحَدِيث. وَقَالَ الْجوزجَاني: عِنْده (معاضيل) ، ومناكيره كَثِيرَة، وَسمعت ابْن أبي مَرْيَم يثني عَلَيْهِ فِي دينه. قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يقْرَأ كل مَا (دفع) إِلَيْهِ، سَوَاء كَانَ من حَدِيثه أَو لم يكن. وَكَذَلِكَ قَالَ (قُتَيْبَة) . وَقَالَ ابْن عدي: رشدين ضَعِيف، وَقد خُصَّ نَسْله بالضعف: حجاج بن رشدين، وَمُحَمّد بن الْحجَّاج، وَأحمد بن مُحَمَّد. وَمُعَاوِيَة بن صَالح: هُوَ قَاضِي الأندلس، وَهُوَ ثِقَة، كَمَا قَالَ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَغَيرهمَا. وَأما رَاشد بن سعد: فوثَّقه ابْن معِين، وَأَبُو حَاتِم، وَابْن سعد، وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس بِهِ، وشذَّ ابْن حزم، فَقَالَ: ضَعِيف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يُعتبر بِهِ، لَا بَأْس) .

стр. 145

أخرج لَهُ مُسلم، وَقَالَ يَحْيَى: هُوَ صَالح. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا الحَدِيث لم يرفعهُ غير رشدين، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن أبي أُمَامَة ﵁، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إنَّ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء، إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه وطعمه ولونه» . وَهَذَا الحَدِيث رُوِيَ من طَرِيقين: أَحدهمَا مُسندَة: رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مَحْمُود بن خَالِد، وَغَيره، عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد، نَا رشدين، نَا مُعَاوِيَة بن صَالح، عَن رَاشد بن سعد، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا كَمَا تقدم. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» كَذَلِك. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْأَوْسَط» ، من حَدِيث مُحَمَّد بن يُوسُف الغضيضي، عَن رشدين (بن) سعد، عَن مُعَاوِيَة بِهِ. وَلم يذكرَا: «ولونه» . قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن مُعَاوِيَة بن صَالح إلاَّ رشدين، تَفرَّد بِهِ مُحَمَّد بن يُوسُف.
следующие страницы →