Полный текст (6 131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد الرَّافِعِيّ (ح) .
وَأَخْبرنِي مشافهة عَالِيا الْأَئِمَّة: أثير الدَّين أَبُو حَيَّان، وَعبد الْكَرِيم الْحلَبِي، وَبدر الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد الفارقي قَالُوا: أخبرنَا فَخر الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة عماد الدَّين، الْمَعْرُوف ب (ابْن) السكرِي - الْأَوَّلَانِ سَمَاعا، وَالثَّالِث إجَازَة - قَالَ: أَنبأَنَا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - قَدَّس الله روحه، ونَوَّر ضريحه - قَالَ: قَرَأت عَلَى وَالِدي، قيل لَهُ: أخْبركُم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل، فأقَرَّ بِهِ، أخبرتنا فَاطِمَة بنت (أبي عَلّي) الدقاق، أخبرنَا عبد الْملك بن الْحسن، أَنا أَبُو عوَانَة - يَعْنِي الإِسفراييني - نَا الصغاني، نَا (عبيد الله) بن مُوسَى، أَنا طَلْحَة بن يَحْيَى، عَن أبي بردة، عَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إنَّ هَذِه الأُمَّةَ أمة مَرْحُومَة، لَا عَذَاب عَلَيْهَا، (عَذَابُها فِي الدُّنْيَا) بأيديها، فَإِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة، أُعطيَ كُلُّ رجلٍ مِنْهُم رجلا من أهلِ الأَدْيانِ، فَكَانَ فَكَاكَهُ من النَّار» .
وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أخبرنَا شيخ الشُّيُوخ فريد الْعَصْر أَبُو المجامع إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (بن) الْمُؤَيد
стр. 72
بن حمويه الْجُوَيْنِيّ فِيمَا شافهني بِهِ بمنى - شَرَّفَها الله - ثمَّ كتب بِهِ إليَّ.
وحدَّثني بعض أَصْحَابنَا الْحفاظ، أَنا الإِمام (عَزِيز) الدَّين مُحَمَّد بن الإِمام الْعَلامَة إِمَام الدَّين أبي الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بقزوين سنة (إِحْدَى وَسبعين) وسِتمِائَة، نَا وَالِدي من لَفظه سنة إِحْدَى عشرَة قَالَ: قَرَأت عَلَى وَالِدي، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد، أَنا أَحْمد بن عَلّي الأديب، أَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الزيَادي - يَعْنِي أَبَا طَاهِر بن محسن الْفَقِيه - أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن، نَا أَحْمد بن يُوسُف، نَا عبد الرَّزَّاق، أَنا معمر، عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لله تِسْعَة وتسْعُونَ اسْمًا - مائَة إلَّا وَاحِدًا - منْ أحْصاها دَخَل الجنَّة، إنَّه وتْر يُحبُّ الْوتر» .
وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأخلاطي، أَنا مُحَمَّد بن (أبي) سعيد، أَنا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ إِذْنا، قَالَ: قَرَأت عَلَى أبي بكر عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك، وَأَجَازَ لي الْأَئِمَّة: وَالِدي، وَأحمد بن إِسْمَاعِيل، وَمُحَمّد بن عبد الْعَزِيز قَالُوا: أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك بن مُحَمَّد، سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة، أَنا الإِمام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَلّي
стр. 73
الفيروزابادي سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة، أَنا أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد البرقاني، نَا أَبُو بكر الإِسماعيلي الإِمام - لفظا - أَخْبرنِي أَبُو يعْلى - يَعْنِي: أَحْمد بن الْمثنى - نَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي سَمِينَة، نَا (مُعْتَمر) بن سُلَيْمَان قَالَ: سَمِعت أبي، نَا قَتَادَة، أَن أَبَا رَافع حَدثهُ، أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول:
سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «إنَّ الله تَعَالَى كَتبَ كِتَابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الْخلق: إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي، فَهُوَ عِنْده مَكْتُوب فَوق الْعَرْش» .
وَرُوِيَ لنا من (طَرِيق آخر) أَعلَى من هَذَا، إلَّا أنَّ هَذِه [الطَّرِيق] حَسَنَة جدًّا، لتسلسل غَالب رُواتها بالأئمة الْكِبَار من أَصْحَابنَا ﵃، وَقد ذكرت بِإِسْنَاد الإِمام الرَّافِعِيّ أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِي «مناقبه» الَّتِي (أفردتها) بالتصنيف، وَهَذَا الْقدر كافٍ هُنَا؛ لِأَن الله وتر يحب الْوتر.
تفقَّه الإِمام الرَّافِعِيّ عَلَى وَالِده الْمَذْكُور، (الإِمام) أبي الْفضل،
стр. 74
لَا أعلم أحدا تفقَّه عَلَيْهِ غَيره، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة مَذْهَب الشَّافِعِي، ومعرفته بدقائقه فِي سَائِر الْبِلَاد.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: أَظن أَنِّي لم أرَ فِي بِلَاد الْعَجم مثله. قَالَ: وَكَانَ ذَا فنونٍ، حسن السِّيرَة، جميلَ الأثرِ.
وَقَالَ أَبُو عبد الله (مُحَمَّد) بن (مُحَمَّد بن عمر) بن أبي بكر الصفار الإِسفراييني فِي «أَرْبَعِينَ» خرَّجَها: شَيخنَا، إِمَام الدَّين حَقًّا، وناصرُ السُّنَّةِ صدقا، أَبُو الْقَاسِم، عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ، كَانَ أوحد عصره فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة، (أُصُولهَا) وفروعها، ومجتهد زَمَانه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي، وفريد وقته فِي تَفْسِير الْقُرْآن و (الْمَذْهَب) ، وَكَانَ لَهُ مجْلِس للتفسير، وإسماع الحَدِيث بِجَامِع قزوين.
وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النواوي ﵀: كَانَ إِمَامًا، بارعًا، (مُتَبَرعا) ، متبحرًا فِي علم (الْمَذْهَب) وعلوم كَثِيرَة، وَكَانَ زاهدًا، ورعًا، متواضعًا.
стр. 75
قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: هُوَ من الصَّالِحين المتمكنين، وَكَانَت لَهُ كرامات ظَاهِرَة.
قلت: لَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا ريب، فَمِنْهَا:
مَا أَخْبرنِي شَيخنَا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح (الدَّين العلائي) ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ: حَكَى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر الدِّمَشْقِي، أَنه سمع من شَيخنَا الزَّاهِد الْكَبِير وليّ الله أبي الْحسن عَلّي الوَاسِطِيّ - (قَالَ شَيخنَا) : وَسمعتهَا أَيْضا من جمَاعَة آخَرين مُرْسلَة - أَن الإِمامَ أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ بَات (عِنْد) بعض أَصْحَابه بكرم لَهُ خَارج بلد «قزوين» ، وَكَانَت عَادَته أَنه يكْتب بِاللَّيْلِ فِيمَا يصنف فِيهِ، فلمَّا كَانَ اللَّيْل لم يُوجد (هُنَاكَ) دهن يُشعل بِهِ السراج، وَلَا أمكن الدُّخُول إِلَى الْبَلَد لأجل ذَلِك لَيْلًا، فَجَلَسَ الرَّافِعِيّ إِلَى جنب (دالته) ، فأضاء لَهُ غُصْن مِنْهَا، فَكتب عَلَيْهِ إِلَى أَن فرغ.
قَالَ الشَّيْخ عَلّي الوَاسِطِيّ: وَهَذِه الْحِكَايَة مَشْهُورَة عندنَا بواسط، وَتلك الْبِلَاد.
وَمِنْهَا: مَا قرأته عَلَى شَيخنَا الْمَذْكُور قَالَ: حَكَى شيخ شُيُوخنَا العلَّامة تَاج الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْفَزارِيّ ﵀ فِي تاريخٍ علَّقه عَن القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان، أَنه حدَّثه أَن الْملك جلال الدَّين خوارزم شاه، غزا الكُرْج بتِفْليس سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، وَقتل فيهم بِنَفسِهِ حَتَّى جمد الدَّم عَلَى يَده، فَلَمَّا مرَّ بقزوين،
стр. 76
خرج إِلَيْهِ الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أكْرمه إِكْرَاما عَظِيما، فَقَالَ (لَهُ) الشَّيْخ: سَمِعت أَنَّك قَاتَلتَ الْكفَّار حَتَّى جَمُدَ الدَّم عَلَى يدك، فَأحب أَن تخرج إليَّ يدك لأقبِّلها. فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان: بل أَنا (أقبِّل يدك) .
فقبَّل السُّلْطَان يَده، و (تحادثا) ، ثمَّ خرج الشَّيْخ، وَركب دَابَّته، وَسَار قَلِيلا، فَعَثَرَتْ بِهِ الدَّابَّة، فَوَقع فتأَذَّت يَده الَّتِي قبَّلها السُّلْطَان، فَقَالَ الشَّيْخ: سُبْحَانَ الله! لما قَبَّل هَذَا الْملك يَدي حصل فِي نَفسِي شَيْء من العظمة، فعوقبت بِالْوَقْتِ بِهَذِهِ الْوَقْعَة.
وَكَانَ ﵀ طَاهِر اللِّسَان فِي تصنيفه، كثير الْأَدَب، شَدِيد الِاحْتِرَاز فِي النقول، فَلَا يُطلق نقلا عَن أحد إلَّا إِذا وقف عَلَيْهِ من كَلَامه، فإنْ لم يقف عَلَيْهِ عبَّر بقوله: «وَعَن فلَان كَذَا» ، شَدِيد الِاحْتِرَاز - أَيْضا - فِي مَرَاتِب التَّرْجِيح، وَلِهَذَا يُطلق تَارَة: (عَلَى) الْأَصَح، وَنَحْوه. وَتارَة يَقُول: الْأَصَح عِنْد الْأَكْثَرين. وَتارَة يَقُول: الْأَصَح عَلَى مَا قَالَه فلَان وَفُلَان. أَو: كَلَام الْأَكْثَرين يمِيل إِلَى كَذَا. وَمرَّة يذكر مَا يشْعر بِأَنَّهُ من جِهَته، كَقَوْلِه: الْأَحْسَن، والأعدل، وَالْأَشْبَه، والأمثل، وَالْأَقْرَب، (والأنسب) ، وَيَنْبَغِي كَذَا، وَيُشبه كَذَا، وَنَحْو ذَلِك.
صّنَّف ﵁، وَأعَاد علينا من بركاته، وبركات سلفه الطَّاهِر - كُتبًا أضحت للدّين والإِسلام أَنْجُمًا وشُهبًا، مِنْهَا: الْكتاب الَّذِي خار الله لنا -
стр. 77
وَله الْحَمد والمنَّة - (بالْكلَام) عَلَى أَحَادِيثه، وآثاره - يَسَّر الله إكماله، ونفع بِهِ - وَهُوَ:
«الْفَتْح الْعَزِيز (فِي) شرح الْوَجِيز» ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: لم يشْرَح الْوَجِيز بِمثلِهِ.
قلت: بل لم يصنف فِي الْمَذْهَب مثله، قَرَأت عَلَى شَيخنَا صَلَاح الدَّين - بالقدس الشريف - قَالَ: سَمِعت شَيخنَا الْعَلامَة الرباني أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الْفَزارِيّ - غير مرّة - يَقُول: «مَا يعرف قدر الشَّرْح للرافعي إِلَّا بِأَن يجمع الْفَقِيه المتمكن فِي الْمَذْهَب الْكتب الَّتِي كَانَ الإِمام الرَّافِعِيّ يستمد مِنْهَا، ويصنف شرحًا للوجيز، من غير أَن يكون كَلَام الرَّافِعِيّ عِنْده، فَحِينَئِذٍ يعرف كل أحد (قصوره عمَّا) وصل إِلَيْهِ (الإِمام) الرَّافِعِيّ. هَذَا أَو مَعْنَاهُ.
وَمِنْهَا: «الشَّرْح الصَّغِير» للوجيز أَيْضا، قَالَ الإِسفراييني - الْمُتَقَدّم ذكره -: وَقع موقعًا عَظِيما عِنْد الْخَاصَّة، والعامة.
قَرَأت عَلَى شَيخنَا صَلَاح الدَّين قَالَ: سَمِعت قَاضِي الْقُضَاة أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقزْوِينِي - تغمده الله بعفوه - يَحْكِي عَن مَشَايِخ بَلَده، أَن سَبَب تصنيف الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ «الشَّرْح الصَّغِير» أَن بعض الْفُقَهَاء قصد أَن يختصر «الشَّرْح الْكَبِير» ، فَبلغ ذَلِك الإِمام
стр. 78
الرَّافِعِيّ، فخاف أَن يُفْسده عَلَيْهِ بالتغيير، لقُصُور (عبارَة) ذَلِك الرجل، فَقَالَ لَهُ الإِمام أَبُو الْقَاسِم: أَنا أَخْتَصِرهُ لَك، وَلَكِن لَا أقدر عَلَى الْوَرق. وَكَانَ ذَلِك الرجل - أَيْضا - فَقِيرا، فَلم يُمكنهُ إلَّا أنْ أحضر للإِمام أبي الْقَاسِم من الْوَرق الْمَكْتُوب الَّذِي يُبَاع شَيْئا كثيرا، فَكتب الإِمام «الشَّرْح الصَّغِير» فِي ظُهُوره، حَتَّى أَكْمَلَه، ثمَّ نُقِلَ من تِلْكَ الظُّهُور.
قلت: وَهَذِه الْحِكَايَة، مِمَّا يدل عَلَى زهد الإِمام الرَّافِعِيّ، وتَقلُّلِهِ من الدُّنْيَا.
وَمِنْهَا: «المُحَرَّر» وَهُوَ كاسمه، وَمَا أَكثر نَفعه، مَعَ صغر حجمه.
وَمِنْهَا: «شرح مُسْند الإِمام الشَّافِعِي» ، وَهُوَ كتاب نَفِيس، قَالَ الإِسفراييني الْمُتَقَدّم ذكره: أَسْمَعَه مُصَنفه سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة.
وَمِنْهَا: «الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة» ، الَّتِي تقدم التَّنْبِيه عَلَى عظم شَأْنهَا فِي الْخطْبَة، ابْتَدَأَ ﵀ فِي إملائها يَوْم الثُّلَاثَاء، ثامن عشْرين رَجَب، سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة، (وختمها يَوْم الْجُمُعَة، رَابِع عشْرين ربيع الأول، سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة) .
وَمِنْهَا: «التذنيب» عَلَى (الشرحين) ، لما يتَعَلَّق بالوجيز.
وبهذه الْكتب الثَّلَاثَة يُعْرفُ محلُّ الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ من معرفَة هَذَا الْعلم - أَعنِي علم (هَذَا) الحَدِيث، وَالْكَلَام عَلَيْهِ، عَلَى
стр. 79
اصْطِلَاح أَهله فِي عزوه وَرِجَاله، وفوائده - الْمعرفَة التَّامَّة.
وخرَّج لنَفسِهِ «أَرْبَعِينَ حَدِيثا» ، كَمَا تقدّمت الإِشارة إِلَيْهَا، سَاق (فِيهَا) الحَدِيث المسلسل بالأولية من عشرَة طرق، يذكر مَعَ كل طَرِيق مِنْهَا أَرْبَعَة أَحَادِيث فِيمَا يتَعَلَّق بِالرَّحْمَةِ.
وَمِنْهَا: «الإيِجاز فِي أخطار الْحجاز» ، صنَّفه فِي سَفْرَتِه إِلَى الْحَج، أَفَادَهُ بعض الْعَجم من شُيُوخ الْعَصْر.
وَله ﵀، مَعَ ذَلِك - شعر حسن، فَمن ذَلِك مَا ذكره فِي «أَمَالِيهِ» :
سَمِّني مَا شئتَ وسِم جبهتي
بِاسْمِك ثمَّ اسْمُ بأسمائي
فَسَمِّني (عَبدك) أفخرْ بهِ
وَيَسْتَوِي عَرْشِي عَلَى الماءِ
وفيهَا لَهُ:
إنْ كنتَ فِي اليُسْرِ فاحمدْ من حَبَاكَ
بِهِ فَلَيْسَ حَقًّا قَضى لكنَّه الجودُ
أَو كنت فِي العُسْرِ فاحمده كَذَلِك إذْ
مَا فوقَ ذلكَ مصروفٌ و (مردودُ)
وَكَيف مَا دارتِ الأَّيام مقبلةً
وَغير مقبلةٍ فَالْحَمْد محمودُ
وفيهَا لَهُ:
إِلَى رضى الربِّ نَسُوق الرِّضَا
بِاللَّه ربًّا فارض فِيمَا قَضَى
وَلَا تَكُنْ عَنْ شَأْنِهِ غَافِلًا
فالوقتُ سيفٌ صَارِمٌ ينتضى
وفيهَا لَهُ:
العَالمُون ضَعِيفُهُم وقَوِيُّهُم
لجلالِ عزته سُجُودٌ رُكَّعُ
стр. 80
لَو كُلِّفُوا أَنْ يَعْبُدُوه عمرَهمُ
حقَّ العبَادةِ (لَحْظَة) لَتَعكفوا
وفيهَا لَهُ:
وَلَا تَنِيَا فِي ذكرِه فَتَهِيما
أَقِيْمَا عَلَى بابِ (الرحيمِ) أَقِيمَا
لعلكما تستنشقانِ نسيما
وللنَّفَحَاتِ الطَّيِّبَات تَعَرَّضَا
يَجدْه رءوفًا بالعبادِ رحِيما
هُوَ الرَّبُ من يَقْرَعْ عَلَى الصِّدْقِ بَابَهُ
وفيهَا لَهُ:
تلهفُ مَنْ يَسْتَغْرقُ العمرَ نَوْمُهُ
تَنَبَّهْ فَحَقٌّ أَن يطولَ بحسرةٍ
فَهُبَّ لصبحِ [الشَّيبِ] إذْ جَاءَ (يَوْمُهُ)
لَقدْ نِمْتَ فِي (ليْلِ) الشَّبيبةِ غافِلًا
وفيهَا لَهُ:
وَقد نِمْتَ فِيهِ (لَقى) غَافِلًا
سَوَادُ الشبابِ كليلٍ مَضَى
فَعَمَّا قليلٍ تُرَى آِفلًا
وصُبْحُ المَشِيبِ بَدَا فَانْتَبِه
وفيهَا لَهُ:
ويطلبُ العوذة فِيمَا يُعينْ
منْ يَسْتَعِنْ بِاللَّه سُبْحانه
يَقَرُّ عينا ويَفِرُّ اللَّعِينْ
يُعِنْهُ بالفضِل عَلَى مَا بهِ
إيَّاهُ نَرْجُو وَبِهِ نستعينْ
فحسبنا الله لِمَا نَابَنَا
وفيهَا لَهُ:
стр. 81
لَيْسَ (للدنيا) استقامه
وانتشاء من مُدَامهْ
هِيَ إلمامةُ طَيْفٍ
من تجاويفِ غَمَامَهْ
هِيَ مثلُ البرقِ يَبْدُو
من هَوَانٍ وكرامهْ
(نائلٌ) مَا أَنْت فِيهِ
تَبِعَاتٌ وغرامهْ
حاصلُ المأمولِ فِيهَا
ثُمَّ فِي العُقْبَى ندامهْ
تعبٌ فِي الحَالِ صَعْبٌ
تنجْ (مِنْهَا) بِسَلاَمهْ
جافِ عَنْهَا الجْنبَ صَفْحًا
وفيهَا لَهُ:
وإِنْ جَفَوْنِي وإنْ جَارُوا وإنْ (غَدَرُوا)
أَُفْدي الَّذين سَقَونيِ كَأْس حُبّهمُ
فَفِي فؤاديَ مِنْهُ الوِرْدُ والصَّدَرُ
أَلَيْسَ قد جعلوني أهلَ (وُدهمُ)
ذكرا وحبًّا وإضمارًا وَقد قَدَرُوا
أَلَيْسَ (لم) يسلبوني مَا أَلُذْ بِهِ
وفيهَا لَهُ:
ميعادك واحتكم بِمَا شِئْتَ علَيَّ
صافيتكَ لَا تشب بمطلٍ وبليٍّ
مِنْكَ اليَدُ والقصور مِنِّي وإليَّ
أَتْمِمْ نِعَمًا أَنْتَ تَطَوَّلْتَ بهَا
(وفيهَا لَهُ) :
فَمَا الخيرُ عِنْدِي سُوَى خَيْرِكم
تَيَمَّمتُ بَابَكَ لَا غَيره
стр. 82
فَما أرتجي الطلَّ مِنْ غَيْرِكم
لَئِن لم أُصِبْ مِنْكمُ وابِلًا
(وفيهَا لَهُ) :
تَحَوَّلُوا عَنْ حَالهم أَو ثَبَتُوا فَخَوَّلُوا
نَفسِي فدًا لَهُم أَحبُّوا أَمْ تَوَلَّوا
فَتَحْتُ عَيْني بهم فَمَا عَنْهُم محول
إنْ حَرَمُوا فطالما بفضلهم تَطَوَّلُوا
وعَرضوني للنوى (و) مَا عليَّ (طَوَّلُوا)
إعراضهم إنْ أَعْرَضُوا وَشدَّدوا وهَوَّلوا
عَلَيْهِم فِي كُلِّ مَا أقصده (المُعَوَّلُ)
لَيْسَ بثانٍ عَنْهُم إنَّ الحبيب الأولُ
(وفيهَا لَهُ) :
مَا عنهمُ لي عُدُولُ
قُولوا لَهُم ثمَّ قُولوا
تَنْهَدّ مِنْهَا العقُولُ
(أَحمَّلُوني) أمورًا
يَطولُ فِيهِ الفَضُولُ
(أَو) توَلَّونِي بِخَيْرٍ
فالرهنُ مِمَّا يَزُولُ
لَا أَجْعَلُ القَلبَ رَهْنًا
وَالْوَقْف (مَا) لَا يحولُ
وَقْفٌ عليهمُ فؤَادِي
وفيهَا لَهُ:
وبعدَ (ذَلِك) ضَلَّا
قد ذَلَّ مَنْ مِنْهُ مَلَّا
وخَابَ من عَنهُ وَلَّى
وفاز مَن فِيهِ يسْعَى
стр. 83
(فَفِي) هُدَاه اسْتَقَلَّا
مَن اسْتَقَلَّ سوَاهُ
نُوَلِّه مَا تَولَّى
والِمُعْرِضُ المُتَواني
(بفضله) يَتَجَلَّى
وإنْ خَضَعْتَ تراهُ
من ظِلِّ فَضْلِكَ ظِلَّا
يَا رب عَبْدُك يَرْجُو
تُسْدِي الجميلَ فَهَلَّا
وَأَنت ربٌّ رَحِيمٌ
ثمَّ خَتَم هَذِه الأمالي بِأَن قَالَ:
تَكْنُفُهُ مِنْ كل أرجائهِ
عبدُ الْكَرِيم المُرْتَجِي رَحْمَة
مَا وَفَّق اللهُ بنعمائهِ
أَمْلَى ثَلَاثِينَ حَدِيثا عَلَى
قولَ الحائرِ التائهِ
لَيْسَ يُزَكِّيها ولكنَّه يقولُ
قَبِلتَ حَرْفَيْنِ من إملاَئِه
فَازَ أَبُو الْقَاسِم يَا رب لَو
وللإِمام الرَّافِعِيّ ﵀ من الْأَوْلَاد: ولد ذكر، اسْمه: مُحَمَّد، ولقبه: عَزِيز الدَّين - كَمَا سُقْنَا حَدِيثه عَن وَالِده فِيمَا تقدم من الْأَحَادِيث - وَبنت، ذكر أَبُو (سعد) النسوي المنشي فِي «تَارِيخ خوارزم شاه» : أَن الإِمام أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ كَانَت لَهُ بنت، تزَوجهَا رجل من مَشَايِخ «قزوين» وأولدها أَوْلَادًا كَثِيرَة.
وقرأت عَلَى الشَّيْخ صَلَاح الدَّين - أبقاه الله - قَالَ: رَأَيْت بِدِمَشْق سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة امْرَأَة حضرت عِنْد قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدَّين السُّبْكِيّ، عجمية، فصيحة اللِّسَان، ذَكَرتْ أَنَّها من نسل الإِمام الرَّافِعِيّ، وَكَانَت تحفظ «عقيدته» الَّتِي صنّفها، فَقَرَأت مِنْهَا قِطْعَة، وَهِي عقيدة بديعة
стр. 84
عَلَى طَريقَة أهل السنَّة، بِعِبَارَة فصيحة عَلَى عَادَته - رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
توفّي ﵁ وأرضاه، وَجعل الْجنَّة مَأْوَاهُ - فِي حُدُود سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، ودُفن ب «قزوين» . قَالَه أَبُو عبد الله الصَفَّار، الإِسفراييني، وَكَذَا أَرَّخَهُ القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان، وَأفَاد بِأَنَّهَا كَانَت فِي ذِي الْقعدَة.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: بلغنَا بِدِمَشْق وَفَاته سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة، وَكَانَت وَفَاته فِي أوائلها، أَو فِي أَوَاخِر السّنة الَّتِي قبلهَا بقزوين.
هَذَا مَا يتَعَلَّق بِحَال الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ.
وَأما وَالِده الَّذِي وَعَدْنا بِذكرِهِ: فَقَالَ (ابْن) نقطة الْحَافِظ فِي «ذيله عَلَى كتاب الْأَمِير ابْن مَاكُولَا» : أَبُو الْفضل، مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل الرَّافِعِيّ الْقزْوِينِي يُقَال (لَهُ) : بابويه.
سمع بِبَلَدِهِ من أبي عَلّي الْحسن بن أَحْمد الهمذاني، قدم عَلَيْهِم، وَمن ملكداذ بن عَلّي بن أبي عَمْرو، (و) بِبَغْدَاد من: أبي مَنْصُور بن خيرون، وَأبي الْفضل الأرموي، وَأبي عبد الله بن الطرائفي، وَسعد الْخَيْر الْأنْصَارِيّ. (و) بنيسابور من: أبي الأسعد الْقشيرِي، وَعبد الْخَالِق بن زَاهِر الشحامي فِي آخَرين.
وَقَالَ وَلَده - أَعنِي الإِمام الرَّافِعِيّ - فِي «أَمَالِيهِ» : وَالِدي أَبُو الْفضل، مِمَّن خُصَّ بعفة الذيل، وحُسن السِّيرَة، والجدِّ فِي الْعلم
стр. 85
وَالْعِبَادَة، وذلاقة اللِّسَان، وَقُوَّة الْجنان، والصلابةِ فِي الدَّين، والمهابةِ عِنْد النَّاس، والبراعة فِي الْعلم: حفظا، وضبطًا، ثمَّ: إتقانًا، وبيانًا، وفهمًا ودرايةً، ثمَّ: أَدَاء، وَرِوَايَة.
سمع الحَدِيث، وتفقَّه ب «قزوين» فِي صِباه، ثمَّ سَافر إِلَى الرّيّ، فَسمع، وتفقَّه، ثمَّ ارتحل إِلَى بَغْدَاد، فَسمع، وتفقَّه، وحجَّ مِنْهَا، ثمَّ انْتقل إِلَى نيسابور، فحصَّل عَلَى الإِمام مُحَمَّد بن يَحْيَى، وَسمع الحَدِيث الْكثير.
وَكَانَ مشايخه (يوقرونه) ، لحسن سيره، وشمائله، ووفور فَضله، وفضائله.
ولَمَّا عَاد إِلَى «قزوين» أَقبلت عَلَيْهِ المتفقِّهةُ، فدرَّس، وأَفاد، وذاكَر، وذَكَّر، وفَسَّرَ، وَرَوَى، وأَمْلى، وصَنَّف: فِي التَّفْسِير، والْحَدِيث، وَالْفِقْه، وانتفع بِهِ الْخَواص والعوام.
ثمَّ اسْتَأْثر الله - تَعَالَى - بِهِ فِي شهر رَمَضَان، سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة. قَالَ: وَلَعَلَّ الله يوفق لما فِي عزمي من جمع مُخْتَصر فِي مناقبه، أُسَمِّيهِ ب «القَوْل الْفَصْل فِي فضلِ أبي الْفضل» . ا. هـ
وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس (من هَذِه «الأمالي» ) : وَالِدي ﵀ كَانَ جيد الْحِفْظ، سمعته صَبِيحَة بعض الْأَيَّام يَقُول: سَهِرْتُ البارحة فأجلت الفكرَ فِيمَا أحفظه من الأبيات المفردة، والمقطعات فبلغت آلافًا. ذكر عددا كثيرا.
стр. 86
وَقَالَ فِي الْمجْلس الْعَاشِر مِنْهَا: سَمِعت عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن المؤذِّن - وَكَانَ رجلا صَالحا يؤذِّن فِي مَسْجده - يَحْكِي أَن وَالِدي ﵀ خرج فِي لَيْلَة مظْلمَة لصلاةِ العشاءِ، قَالَ: وَأَنا عَلَى بَاب الْمَسْجِد أنتظره، فحسبت أَن فِي يَده سِراجًا، وتعجَّبْتُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لم يكن من عَادَته استصحابُ السراج، فمَّا بلغ الْمَسْجِد لم أجد السراجَ، و (دهشت) وَذكرت لَهُ ذَلِكَ من الْغَد فَلم يُعجبهُ وُقُوفِي عَلَى الْحَال، وَقَالَ: أقبل عَلَى شَأْنك.
وَقَالَ فِي الْمجْلس الْعَاشِر مِنْهَا: كَتَبَ [سعد] بن الْحسن الْكرْمَانِي لوالدي، رحمهمَا الله - وَكَانَ [سعد] من أهل (الْعلم و) الْفضل، والبيوتات الشَّرِيفَة -:
فَأَسَأْنا بِحسن عَهْدك ظَنَّا
يَا أَبَا الْفضل قَد تَأَخَّرْتَ عنَّا
فَإِذا أنْتَ ذَلِكَ المُتَمَنَّى
كمْ تَمَنَّتْ نَفْسي صَدِيقًا صَدُوقًا
وبِعَهْدِ الصِّبَا وإنْ بَانَ عَنَّا
(فبِغُصنِ) الشَّباب لما تَثَنَّى
لَا تَقُلْ للرسولِ كانَ وكُنَّا
كُنْ جوابي إِذا قَرأْتَ كِتابي
فَبلِّغْتُ أَنه كَانَ جَوَابه. أ. هـ.
وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس عشر: كتب إِلَيّ وَالِدي أَبُو سُلَيْمَان (الزبيري) - حِين عزم عَلَى السّفر للتفقه -:
стр. 87
وَلَسْتَ ملومًا بِمَا تَفْعَلُ
أَبَا الْفضل هَجْرُكَ لَا يُحْمَلُ
وقدمًا علينا بهَا يبخلُ
وإنَّكَ مِنْ حَسَناتِ الزَّمَانِ
وَأما والدته الَّتِي وعدنا بذكرها أَيْضا، فَقَالَ فِي «أَمَالِيهِ» - أَيْضا -: والدتي صَفِيَّة بنت الإِمام أسعد (الركاني) ، - رحمهمَا الله - كَانَت تروي الحَدِيث عَن إجَازَة جمَاعَة من مَشَايِخ «أَصْبَهَان» ، و «بَغْدَاد» ، و «نيسابور» ، عَنِيَ بتحصيل أَكْثَرهَا: خالها أَحْمد بن إِسْمَاعِيل.
قَالَ: وَلَا أعرف امْرَأَة فِي الْبَلَد كريمةَ الأطرافِ فِي (الْعلم) مثلهَا، فأبوها كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب، والأقوالِ، وَالْوُجُوه [فِيهِ] ، (المستقرب) مِنْهَا والمستبعد، ماهرًا فِي الْفَتْوَى، مرجوعًا إِلَيْهِ.
وَأمّهَا: زُلَيْخَا بنت القَاضِي إِسْمَاعِيل بن يُوسُف، كَانَت فقيهةً (يُرَاجِعهَا) النِّسَاء، فتفتي لَهُنَّ لفظا وخطًّا، سيّما فِيمَا ينوبهن، ويستحين مِنْهُ، كالعدة وَالْحيض.
وأخواها: من معتبري (الْأَئِمَّة) الْمَشْهُورين فِي الْبَلَد، دَرَجَ أكبرهما، وأُنسئ فِي أجل (الآخر) .
وَزوجهَا الإِمَام وَالِدي، قد أَشرت إِلَى جملٍ من أَحْوَاله فِيمَا تقدم.
وجدّها: القَاضِي إِسْمَاعِيل (بن يُوسُف) ، من أهل (العِلْم
стр. 88
و) الحَدِيث، والجدّ فِي الْعِبَادَة، وَكَانَ قد تفقَّه عَلَى القَاضِي، الشَّهِيد: أبي المحاسن الرَّوْيَانِيّ، وَسمع مِنْهُ الحَدِيث.
وخالها: الإِمَام أَحْمد بن إِسْمَاعِيل، مَشْهُور فِي الْآفَاق.
قَالَ فِي أثْنَاء « (أَمَالِيهِ) » - بعد أَن رَوَى عَنهُ حَدِيثا -: هُوَ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الطَّالقَانِي (ثمَّ الْقزْوِينِي) ، أَبُو الْخَيْر، إِمَام كثير الْخَيْر، موفر الْحَظ من عُلُوم الشَّرْع: حفظا، وجمعًا، ونشرًا، بالتعليم، والتذكير، والتصنيف. وَكَانَ لَا يزَال لِسَانه رطبا من ذكر الله تَعَالَى، وَمن تِلَاوَة الْقُرْآن، وَرُبمَا قُرِئَ عَلَيْهِ الحَدِيث وَهُوَ يُصَلِّي ويصغي إِلَى الْقَارئ، و (ينبهه) إِذا زَلَّ، وَاجْتمعَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْقبُول التَّام، عِنْد الْخَواص والعوام، والصيت الْمُنْتَشِر، والجاه والرفعة.
وتولَّى تدريس النظامية بِبَغْدَاد مُدَّة، مُحْتَرمًا فِي حَرِيم الْخلَافَة، مرجوعًا إليْهِ، ثمَّ آثَر الْعود (إِلَى) الوطن، واغتنم النَّاس رُجُوعه إِلَيْهِم، و [استفادوا] من علمه، وتَبَرَّكُوا بأيامه.
وَسمع الْكثير من الفراوي، وفهرست مسموعاته متداول، وَكَانَ يعْقد الْمجْلس للعامة فِي الْأُسْبُوع ثَلَاث مَرَّات، إِحْدَاهَا: صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة، (فَتكلم عَلَى عَادَته يَوْم الْجُمُعَة) ، الثَّانِي عشر من الْمحرم سنة تسعين وَخَمْسمِائة فِي قَول الله تَعَالَى: (فَإِن توَلّوا فَقل حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) .
стр. 89
وَذكر أَنَّهَا من أَوَاخِر مَا نزل من الْقُرْآن، وعَدَّدَ الْآيَات الْمنزلَة آخرا، مِنْهَا: (الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ) , وَمِنْهَا: سُورَة النَّصْر. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: (وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله) .
وَذكر أَن رَسُول الله ﷺ مَا عَاشَ بعد نزُول هَذِه الْآيَة إلَّا سَبْعَة أَيَّام، ولمَّا نَزَلَ من الْمِنْبَر حُمَّ، وانتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى فِي (يَوْم) الْجُمُعَة الْأُخْرَى، وَلم يَعِشْ بعد ذَلِكَ الْمجْلس إلَّا سَبْعَة أَيَّام، وَهَذَا من عَجِيب الاتفاقات.
وَكَأَنَّهُ أُعْلِمَ بِالْحَال، و [بِأَنَّهُ] حانَ وَقت الارتحال، ودُفن يَوْم السبت، وَلَقَد خرجت من الدَّار بكرةَ (فِي) ذَلِكَ اليومِ عَلَى قصد التَّعْزِيَة، وَأَنا فِي شَأْنه متفكر، وَمِمَّا أَصَابَهُ منكسر، إِذْ وَقع فِي خلدي من غير نِيَّة، وفكر وروية:
لوفاةِ أحمدِهَا بن إسماعيلها
بَكَت العلومُ بويلها وعويلها
كَأَن أحدا يُكَلِّمُنِي (بذلك) .
وَكَانَت وِلَادَته سنة: (اثْنَتَيْ عشرَة) وَخَمْسمِائة، وَهُوَ مَعَ كَونه خَال والدتي، أَبوهَا من الرَّضَاع أَيْضا.
قَالَ: وَابْنهَا، المملي لهَذِهِ الأمالي - يَعْنِي الرَّافِعِيّ نَفسه -: لَا يخرج من زمرة أهل الْعلم، ويحشر فيهم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - وَكَذَلِكَ سَائِر بنيها.
стр. 90
قَالَ: ثمَّ هِيَ - يَعْنِي والدته - فِي (نَفسهَا) متديِّنة خائفة، وَبِمَا لَا بُد مِنْهُ للفروض عارفة، قارئة لكتاب الله تَعَالَى، (كَثِيرَة) الْخَيْر، رقيقَة الْقلب، سليمَة الْجَانِب، تحمل الكَلَّ، وترغب فِي الْمَعْرُوف، وتُحْسِنُ إِلَى الْيَتَامَى والأيامى، تلِي خيرا، وتولي جميلًا مَا استطاعت إِلَيْهِمَا سَبِيلا.
وَكَانَت قد ابْتليت بعدة بَنَات، أنفقت وَاسِطَة الْعُمر عليهنَّ، حتَّى استكملن من أدبهنَّ، مَضَيْن لسبيلهنَّ، (فَتَرَكْنَها) ملهوفة ثَكْلَى بهنَّ، وَللَّه مَا أَخذ، وَله مَا أعْطى، وَلَا راد لما حكم (بِهِ) وَقَضَى.
ثمَّ ذكر أَحَادِيث وشعرًا تَسْلِيَة لوالدته ﵁ وعنها.
وللإِمام الرَّافِعِيّ أَخ، اسْمه: مُحَمَّد، تفقَّه عَلَى أبي الْقَاسِم بن فضلان. وَسمع الحَدِيث من أَبِيه، وَأَجَازَ لَهُ: ابْن البَطِّي. ورحل إِلَى «أَصْبَهَان» و «الرّيّ» ، و «أذربيجان» ، و «الْعرَاق» . وَسمع (الحَدِيث) من: نصر الله القَزَّاز، وَابْن الْجَوْزِيّ.
واستوطن بَغْدَاد، وولِّي مشارفة أوقاف «النظامية» .
وَكَانَ فِي ديانَة، وَأَمَانَة، وتواضُع، وتودُّد، وحُسن خلق. كتب الْكثير - مَعَ ضعف خطه - من التَّفْسِير، والْحَدِيث، وَالْفِقْه. ومعرفته فِي الحَدِيث تَامَّة.
قَالَ ابْن النجار: وَكَانَ يذاكرني بأَشْيَاء، وَله فهم حسن، (وَمَعْرِفَة) . مَاتَ فِي ثامن عشْرين جُمَادَى الأولَى، من سنة ثَمَان
стр. 91
وَعشْرين وسِتمِائَة، وَقد قَارب (السّبْعين) .
هَذَا آخر مَا أردْت ذكره من هَذِه الْفُصُول، وَهِي مهمةٌ، نَافِعةٌ، سِيَّما مَنَاقِب الإِمامِ الرَّافِعِيّ (ووالده، ووالدته) ، فإنَّ بذلك يعرف قدرهم، وفضلهم، وبسطناها (هُنَا) بسطًا حسنا، لَا يُوجد كَذَلِك فِي كتاب.
وإذْ قد فَرَغْنَا من هَذِه الْفُصُول، فلنشرع الْآن فِي الْغَرَض الأهم الْمَقْصُود، متوكلين عَلَى الصَّمد المعبود، أسألُ الله الْكَرِيم إِتْمَامه مصونًا عَاجلا، عَلَى أحسن الْوُجُوه، وأبركها، وأعمها، وأنفعها، وأدومها، (بِمُحَمد وَآله)
стр. 92
كتاب الطَّهَارَة
стр. 93
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الطَّهَارَة
بَاب المَاء الطَّاهِر
قَالَ الله فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم: (وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ) .
وَقَالَ: (وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا) .
ذكر الإِمام الرَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب من الْأَحَادِيث سِتَّة أَحَادِيث:
стр. 94
الحَدِيث الأول
ورد فِي الْبَحْر قَوْله ﷺ : «الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح جليل، مَرْوِيّ من طرق، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا تِسْعَة:
أَولهَا: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة ﵁ عبد الرَّحْمَن بن صَخْر - عَلَى الْأَصَح - عِنْد جمَاعَة من الْحفاظ، كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي «أَمَالِيهِ» . وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه الْأَصَح (من) نَحْو ثَلَاثِينَ قولا، كَنَّاه رَسُول الله ﷺ بِأبي هُرَيْرَة - وَقيل: أَبوهُ - لمَّا رَآهُ وَقد جمع أَوْلَاد هِرة وحشية، حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ - أَيْضا - فِي «أَمَالِيهِ» - قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إنَّا نركب الْبَحْر ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء، فَإِن توضأنا بِهِ عطشنا، أفنتوضأ بِمَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ ميتَته» .
رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام، أهل الْحل وَالْعقد: مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد، والدارمي فِي «مسانيدهم» ، وَالْبُخَارِيّ فِي
стр. 95
«تَارِيخه» ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، (وَالنَّسَائِيّ) ، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» ، وَأَبُو بكر بن خُزَيْمَة، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، وَأَبُو مُحَمَّد بن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» ، وَأَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح.
قَالَ: وَسَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ، فَقَالَ: هُوَ حَدِيث صَحِيح.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه « (الْمعرفَة» ) : هُوَ حَدِيث صَحِيح، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ.
وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْبَحْر: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ، الْحل ميتَته» .
стр. 96
وَقَالَ الْبَغَوِيّ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، مُتَّفق عَلَى صِحَّته.
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي «شرح الْمسند» : هَذَا حَدِيث صَحِيح مَشْهُور، أخرجه الْأَئِمَّة فِي كتبهمْ، وَاحْتَجُّوا بِهِ، وَرِجَاله ثِقَات.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» ، و «الإِلمام» : رجح ابْن مَنْدَه صِحَّته.
وَخَالف الْحَافِظ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر، فَقَالَ فِي «تمهيده» : اخْتلف أهل الْعلم فِي إِسْنَاده. قَالَ: وَقَول البُخَارِيّ: صَحِيح. لَا أَدْرِي مَا هَذَا مِنْهُ؟ ! وَلَو كَانَ صَحِيحا عِنْده، لأخرجه فِي كِتَابه. قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده. قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي صَحِيح؛ لِأَن الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ، لَا يُخَالف [فِي] جملَته أحد (من) الْفُقَهَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي بعض مَعَانِيه.
وَهَذَا الْكَلَام من الْحَافِظ أبي عمر فِيهِ نظر كَبِير، لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين تعقَّبه، فَقَالَ فِي «شرح الإِلمام» : (قَوْله) : لَو كَانَ صَحِيحا لأخرجه (فِي كِتَابه) . غير لَازم؛ لِأَنَّهُ (لم) يلْتَزم إِخْرَاج كل حَدِيث
стр. 97
(صَحِيح) . وَأما قَوْله: لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده. فقد ذكرنَا فِي كتاب «الإِمام» وُجُوه التَّعْلِيل الَّتِي يُعلل بهَا الحَدِيث.
قلت: وحاصلها - كَمَا قَالَ فِيهِ - أَنه يُعلل بأَرْبعَة أوجه:
أَحدهَا: الْجَهَالَة [بِسَعِيد] بن سَلمَة، والمغيرة بن أبي بردة، الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده، وادَّعى أَنه لم يرو عَن سعيد غير صَفْوَان بن سليم، وَلَا عَن الْمُغيرَة غير سعيد بن سَلمَة.
قَالَ الإِمام الشَّافِعِي: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من لَا أعرفهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» : يحْتَمل أَن يُرِيد سعيد بن سَلمَة، أَو الْمُغيرَة أَو كِلَاهُمَا.
وَالْجَوَاب: أَنه رَوَاهُ عَن سعيد غير صَفْوَان، رَوَاهُ عَنهُ: الجُلاَح، بِضَم الْجِيم، وَتَخْفِيف اللَّام، وَآخره حاء مُهْملَة. قَالَ أَبُو عبيد فِي كِتَابه «الطّهُور» : وَخَالف أَبُو الْأسود أَصْحَابه، فَقَالَ: الجلاخ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. انْتَهَى - كنيته: أَبُو كثير، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من رِوَايَة
стр. 98
قُتَيْبَة، عَن لَيْث، عَنهُ. وَلَفظه: «أنَّ نَاسا أَتَوا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالُوا: إنَّا نبعد فِي الْبَحْر، وَلَا نحمل [من المَاء] إلاَّ الإِداوة والإِداوتين، [لأنَّا] لَا نجد الصَّيْد حَتَّى نبعد، فنتوضأ بِمَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ: «نعم، إنَّه الحِلُّ ميتَته، الطّهُور مَاؤُهُ» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه الْكَبِير» ، من طَرِيق: يَحْيَى بن بكير عَن اللَّيْث، بِسَنَدِهِ، وَلَفْظهمَا: «كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ يَوْمًا، فَجَاءَهُ صَيَّاد، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إنَّنا ننطلق فِي الْبَحْر، نُرِيد الصَّيْد فَيحمل أَحَدنَا (مَعَه) الإِداوة، وَهُوَ يَرْجُو أَن يَأْخُذ الصَّيْد قَرِيبا، فَرُبمَا وجده كَذَلِك، وَرُبمَا لم يجد الصَّيْد حتَّى يبلغ من الْبَحْر مَكَانا لم يظنّ (أَن) يبلغهُ، فَلَعَلَّهُ يَحْتَلِم، أَو يتَوَضَّأ فإنْ اغْتسل أَو تَوَضَّأ بِهَذَا المَاء فَلَعَلَّ أَحَدنَا يُهْلِكُه الْعَطش، فَهَل ترَى فِي مَاء الْبَحْر أَن نغتسل بِهِ، أَو نَتَوَضَّأ (بِهِ) إِذا خفنا
стр. 99
ذَلِك؟ فَزعم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «اغتسلوا مِنْهُ وَتَوَضَّئُوا بِهِ، فَإِنَّهُ الطُّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ ميتَته» .
قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج مُسلم بالجلاح، أبي كثير.
قلت: وَرَوَاهُ عَن الجلاح أَيْضا: يزِيد بن أبي حبيب، وَعَمْرو بن الْحَارِث.
أما رِوَايَة عَمْرو: فَمن طَرِيق ابْن وهب، وَأما رِوَايَة يزِيد: فَمن طَرِيق اللَّيْث عَنهُ.
وَأما الْمُغيرَة بن أبي بردة: فقد رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي إِلَّا أَن يَحْيَى بن سعيد اخْتُلف عَلَيْهِ فِيهِ:
فَرَوَاهُ هشيم عَنهُ، عَن الْمُغيرَة، عَن رجل من بني مُدْلِج مَرْفُوعا.
وَرَوَاهُ حَمَّاد عَنهُ، عَن الْمُغيرَة، (عَن أَبِيه) ، عَن أبي هُرَيْرَة.
ذكرهمَا الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» .
وَرِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد: أخرجهَا أَيْضا فِيهِ، وَرَوَاهَا أَيْضا: أَحْمد بن عبيد الصَفَّار، صَاحب «الْمسند» . وَمن جِهَته أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه: (فاتفاق صَفْوَان والجلاح) ، مِمَّا يُوجب شهرة سعيد بن سَلمَة، واتفاق يَحْيَى بن سعيد، وَسَعِيد بن سَلمَة، عَلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة، مِمَّا يُوجب شهرة الإِسناد، فَصَارَ الإِسناد مَشْهُورا.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: وَقد زِدْنَا عَلَى مَا ذكرنَا عَن ابْن مَنْدَه:
стр. 100
رِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، فتلخص أَن الْمُغيرَة رَوَى عَنهُ ثَلَاثَة، فبطلت دَعْوَى التفرد الْمَذْكُور عَن سعيد وَصَفوَان.
قَالَ فِي «شرح الإِلمام» : فالجهالة فِي حق سعيد ترْتَفع بِرِوَايَة الجلاح وَصَفوَان عَنهُ، وَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين: بِرَفْع الْجَهَالَة عَن الرَّاوِي. والجهالة مُرْتَفعَة عَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ كَمَا تقدم، مَعَ كَونه مَعْرُوفا من غير الحَدِيث فِي مَوَاقِف (الحذر) فِي الحروب بالمغرب.
قَالَ: وَزَوَال الْجَهَالَة عَن سعيد بِرِوَايَة [اثْنَيْنِ] عَنهُ، وَعَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ يَكْتَفِي بِهِ من لَا يرَى أَنه لابد من معرفَة حَال الرَّاوِي فِي الْعَدَالَة، بعد زَوَال الْجَهَالَة عَنهُ، فإنْ كَانَ المصححون لَهُ قد علموها عَلَى جِهَة التَّفْصِيل، فَلَا إِشْكَال مَعَ ذَلِك، وإلاَّ فَلَا يبعد اعتمادهم عَلَى تحري مَالك، وإتقانه للرِّجَال أَو عَلَى الِاكْتِفَاء بالشهرة.
قلت: قد ثَبت ثِقَة سعيد بن سَلمَة، والمغيرة بن أبي بردة (صَرِيحًا) ، (فإنَّ الإِمام أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وثقهما، كَمَا نَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «تهذيبه» ، وَكَذَلِكَ أَبُو (حَاتِم) ابْن حبَان، ذكرهمَا فِي كتاب «الثِّقَات» ) .
стр. 101
وَرَوَى الْآجُرِيّ عَن أبي دَاوُد، أَنه قَالَ: الْمُغيرَة بن أبي بردة مَعْرُوف. وأوضح ابْن يُونُس معرفَة عينه، فارتفعت عَنْهُمَا جَهَالَة الْحَال بِهَذَا، وجهالة الْعين بِمَا تقدم. وينضم إِلَى ذَلِك تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين لَهُ: التِّرْمِذِيّ، وَالْبُخَارِيّ، وَابْن الْمُنْذر، وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان، وَالْبَيْهَقِيّ، وَابْن مَنْدَه، وَالْبَغوِيّ، وَغَيرهم.
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» : (مثل هَذَا الحَدِيث) الَّذِي صَدَّر بِهِ مَالك كتاب «الْمُوَطَّأ» ، وتداوله فُقَهَاء الإِسلام من عصره إِلَى وقتنا هَذَا، لَا يُردُّ بِجَهَالَة هذَيْن الرجلَيْن. قَالَ: عَلَى أَن اسْم الْجَهَالَة مَرْفُوع عَنْهُمَا بمتابعات. فَذكرهَا بأسانيده.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» : الَّذِي أَقَامَ إِسْنَاده ثِقَة، أودعهُ مَالك فِي موطئِهِ.
الْوَجْه الثَّانِي من التَّعْلِيل: الِاخْتِلَاف فِي اسْم سعيد بن سَلمَة.
فَقيل - كَمَا قَالَ الإِمام مَالك -: سعيد بن سَلمَة، من (آل) ابْن الْأَزْرَق. وَقيل: عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي. وَقيل سَلمَة بن سعيد.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ المخالفان لرِوَايَة مَالك (هما من رِوَايَة: مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَلَى الِاخْتِلَاف عَنهُ، وَالتَّرْجِيح لرِوَايَة مَالك) - مَعَ جلالته، وَعدم الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ - أولَى.
وَإِن كَانَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر (قَالَ) : [رُوَاة الْمُوَطَّأ]
стр. 102
اخْتلفُوا، فبعضهم يَقُول: من آل بني الْأَزْرَق، كَمَا قَالَ يَحْيَى. وَبَعْضهمْ يَقُول: من آل الْأَزْرَق. وَكَذَا قَالَ (القعْنبِي) . وَبَعْضهمْ يَقُول: من آل ابْن الْأَزْرَق، كَذَلِك قَالَ [ابْن] الْقَاسِم، وَابْن بكير. قَالَ ابْن عبد الْبر: وَهَذَا كُله مُتَقَارب غير (ضار) .
قلت: وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي اعتذر بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّيْخَيْنِ فِي عدم تخريجهما لهَذَا الحَدِيث، فَقَالَ فِي كتاب «الْمعرفَة» : (إنَّما) لم يخرجَاهُ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» لاخْتِلَاف وَقع فِي اسْم سعيد بن سَلمَة، والمغيرة بن أبي بردة.
وَهَذَا غير ضار؛ إِذْ قد زَالَت الْجَهَالَة عَنْهُمَا عينا وَحَالا كَمَا تقدَّم، فَلَا يضر حينئذٍ الِاخْتِلَاف فِي اسمهما.
الْوَجْه الثَّالِث من التَّعْلِيل: التَّعْلِيل بالإِرسال.
قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر: ذكر ابْن أبي عمر، والْحميدِي، والمخزومي، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن رجل من أهل الْمغرب - يُقَال لَهُ: الْمُغيرَة بن عبد الله بن أبي بردة -: «أنَّ نَاسا من بني مُدْلِج أَتَوا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! إنَّا نركب أَرْمَاثًا فِي الْبَحْر ... » وسَاق الحَدِيث بِمَعْنى حَدِيث مَالك.
стр. 103
قَالَ أَبُو عمر: هُوَ مُرْسل، وَيَحْيَى بن سعيد أحفظ من صَفْوَان بن سليم، وَأثبت من سعيد بن سَلمَة، وَلَيْسَ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مِمَّا تقوم بِهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ حجَّة؛ لِأَن فِيهِ رجلَيْنِ غير معروفين بِحمْل الْعلم.
وَأَرَادَ أَبُو عمر بِالرجلَيْنِ: سعيدًا والمغيرة، وَقد تقدَّم رَدُّ جهالتهما، وَأكْثر مَا بَقِي فِي هَذَا الْوَجْه - بعد اشتهار سعيد والمغيرة - تَقْدِيم إرْسَال الأحفظ، عَلَى إِسْنَاد من دونه، فإنَّ يَحْيَى بن سعيد أرْسلهُ من هَذَا الْوَجْه، وَسَعِيد بن سَلمَة أسْندهُ، وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي الْأُصُول.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي « (شرح) الإِلمام» : وَهَذَا غير قَادِح عَلَى الْمُخْتَار عِنْد أهل الْأُصُول.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر - بعد أَن ذكر رِوَايَة من رَوَى عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة عَن أَبِيه وَقد جَوَّدَه عبد الله بن يُوسُف، عَن مَالك، عَن صَفْوَان، سمع (الْمُغيرَة) أَبَا هُرَيْرَة.
وَأَيْضًا تقدم رِوَايَة مَالك وَمن تَابعه لعدم الِاضْطِرَاب فِيهَا، عَلَى رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد للِاخْتِلَاف عَلَيْهِ.
الْوَجْه الرَّابِع: التَّعْلِيل بِالِاضْطِرَابِ.
قد تقدم اتِّفَاق رِوَايَة مَالك، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، والجلاح، من جِهَة اللَّيْث، وَعَمْرو بن الْحَارِث.
وَأما ابْن إِسْحَاق: فَرَوَاهُ عَن يزِيد، عَن جلاح، عَن عبد الله
стр. 104
بن سعيد المَخْزُومِي، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ .
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي «مُسْنده» كَذَلِك بالسند الْمَذْكُور (عَن أبي هُرَيْرَة) ، قَالَ: «أَتَى (رجال) من بني مُدْلِج إِلَى رَسُول الله ﷺ ، (فَقَالُوا) : يَا رَسُول الله، إنَّا أَصْحَاب هَذَا الْبَحْر، نعالج الصَّيْد عَلَى رِمْث، فَنَعْزُب فِيهِ اللَّيْلَة والليلتين وَالثَّلَاث والأربع، ونحمل مَعنا من العذب لشفاهنا، فإنْ نَحن توضأنا بِهِ خشينا عَلَى أَنْفُسنَا، وإنْ نَحن آثرنا بِأَنْفُسِنَا، وتوضأنا من الْبَحْر، وجدنَا فِي أَنْفُسنَا من ذَلِك، فَخَشِينَا أَن لَا يكون طهُورا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : «توضئوا مِنْهُ، فإنَّه الطَّاهِرُ ماؤُه، (الحِلُّ) ميتَته» .
وَفِي رِوَايَة عَن ابْن إِسْحَاق: سَلمَة بن سعيد، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة حَلِيف بني عبد الدَّار، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ .
قَالَ البُخَارِيّ: وَحَدِيث مَالك أصح.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: اللَّيْث بن سعد أحفظ من مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَقد أَقَامَ إِسْنَاده عَن يزِيد بن أبي حبيب، وَتَابعه عَلَى ذَلِك عَمْرو بن الْحَارِث عَن الجلاح، فَهُوَ أولَى أَن يكون صَحِيحا، وَقد رَوَاهُ يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة (نَحْو رِوَايَة من رَوَاهُ عَلَى الصِّحَّة.
وَالِاخْتِلَاف عَلَى يَحْيَى بن سعيد فِيهِ كَبِير، وَقَالَ هشيم عَنهُ فِي
стр. 105
رِوَايَة: عَن الْمُغيرَة بن أبي [بَرزَة] ) . وَحمل التِّرْمِذِيّ الْوَهم عَلَى هشيم فِي ذَلِك، وَحَكَاهُ عَن البُخَارِيّ، فَقَالَ: وهم فِيهِ هشيم، إنَّما هُوَ: ابْن أبي بردة، وَقد رَوَاهُ أَبُو عبيد (عَن) هشيم عَلَى الصَّوَاب، فقد يكون الْوَهم مِمَّن دونه.
قلت: وَقد جمع الِاخْتِلَاف فِي (إِسْنَاده) الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» ، فَقَالَ مَا ملخصه: قيل: عَن صَفْوَان، عَن سعيد بن سَلمَة، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَه مَالك.
وَقيل: عَن سَلمَة بن سعيد - أَو عَكسه - عَن الْمُغيرَة (بِهِ) .
وَقيل: عَن سعيد، عَن أبي بردة بن عبد الله، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن عبد الله بن عَامر، عَن النَّبِي ﷺ .
وَقيل: عَن جلاح، عَن سعيد، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: (عَن جلاح، عَن سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة) .
وَقيل: عَن جلاح، (عَن) الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن جلاح، عَن أبي ذَر الْمصْرِيّ، عَن أبي هُرَيْرَة.
стр. 106
وَقيل: عَن يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الْمُغيرَة، عَن رجل من بني مُدْلِج، «أنَّ رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ ... » الحَدِيث.
وَقيل: عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الْمُغيرَة، عَن رجل من قومه، عَن رجل سَأَلَ رَسُول الله ﷺ .
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه، مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن الْمُغيرَة بن عبد الله - أَو عبد الله بن الْمُغيرَة - «أَن نَاسا من بني مُدْلِج سَأَلُوا النَّبِي ﷺ ... » الحَدِيث.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه، عَن رجل من بني مُدْلِج، (اسْمه عبد الله، مَرْفُوعا. [وَقيل] : عَن يَحْيَى عَن الْمُغيرَة بن عبد الله - أَو عبد الله بن الْمُغيرَة -، عَن رجل من بني مُدْلِج، مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن أبي بردة مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن بعض بني مُدْلِج) مَرْفُوعا. وَهُوَ فِي «مُسْند أَحْمد» .
وَقيل: عَن الْمُغيرَة، عَن عبد الله المدلجي، مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن جَعْفَر بن ربيعَة، عَن بكر بن سوَادَة، عَن مُسلم بن مخشيِّ، عَن (الفراسيِّ) ، مَرْفُوعا.
(وَقيل: عَن يَحْيَى بن عبَّاد، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة
стр. 107
مَرْفُوعا) .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وأشبهها بِالصَّوَابِ قَول مَالك، وَمن تَابعه، عَن صَفْوَان بن سليم.
الطَّرِيق الثَّانِي من طرق الحَدِيث: عَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن النَّبِي ﷺ سُئِل عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطَّهور مَاؤُهُ، الحِلُّ ميتَته» .
رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد فِي «الْمسند» ، وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سُنَنهمَا» ، وَالْحَاكِم وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» . وتَرْجَم عَلَيْهِ ابْن حبَان، (بِأَن قَالَ) : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أنَّ هَذِه السُّنَّة تفرَّد بهَا سعيد بن سَلمَة.
وَعَن الْحَافِظ أبي عَلّي ابْن السكن أَنه قَالَ: حَدِيث جَابر هَذَا أصح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب.
وَخَالف ابْن مَنْدَه فِي ذَلِك، وَقَالَ: قد رَوَى هَذَا الحَدِيث عبيد الله بن مقسم عَن جَابر، والأعرج عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَا يثبت.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : عِنْدِي أنَّ قَول أبي عَلّي بن السكن فِي تَقْوِيَة حَدِيث جَابر، أَقْوَى من قَول ابْن مَنْدَه. وَذَلِكَ أَن عبيد الله بن مقسم مَذْكُور فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين الشَّيْخَيْنِ، وَإِسْحَاق (الْمدنِي) الْمَذْكُور فِي الطَّرِيقَة الأولَى - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ الْجَمَاعَة
стр. 108
المتقدمون خلا طَريقَة الْحَاكِم - وثَّقَه أَحْمد، وَيَحْيَى. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح. و [أَبُو] الْقَاسِم بن أبي الزِّنَاد - الْمَذْكُور فِيهِ أَيْضا - اسْمه [كنيته] أَثْنَى عَلَيْهِ أَحْمد، وَقَالَ [يَحْيَى] : لَا باس بِهِ. قَالَ: وَيُمكن أَن يكون ابْن مَنْدَه (علَّل) الحَدِيث باختلافٍ فِي إِسْنَاده.
ثمَّ ذكر أنَّ عبد الْعَزِيز بن عمرَان رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيَّات، عَن وهب بن كيسَان، عَن جَابر، عَن أبي بكر كَذَلِك. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
قلت: بحث مَعَه شَيخنَا أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي، الْمَعْرُوف بِابْن سيد النَّاس ﵀ فَقَالَ فِي «شرح التِّرْمِذِيّ» : هَذَا الَّذِي ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين عَن ابْن مَنْدَه لَا يصلح أَن يكون مُعَلِّلاً لرِوَايَة ابْن أبي الزِّنَاد، عَن إِسْحَاق. لتوثيق ابْن أبي الزِّنَاد، وَضعف عبد الْعَزِيز بن عمرَان بن أبي ثَابت عِنْدهم، وَرِوَايَة الضَّعِيف لَا تُعِلُّ رِوَايَة الثِّقَة.
قلت: وَلِحَدِيث جَابر هَذَا طَرِيق آخر، ذكره الطَّبَرَانِيّ فِي « (أكبر) معاجمه» من حَدِيث: الْمعَافى ابْن عمرَان، عَن ابْن جريج، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي الْبَحْر: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ (الْحَلَال) ميتَته» .
стр. 109
و (هَذَا سَنَد) عَلَى شَرط الصَّحِيح، إلاَّ أَنه يُخْشَى أَن يكون ابْن جريج لم يسمعهُ من أبي الزبير، فإنَّه مدلِّس، وَأَبُو الزبير مدلِّسٌ أَيْضا، وَقد عنعنا فِي هَذَا الحَدِيث.
وَقد تَابع ابْن جريج: مباركُ بن فضَالة، فَرَوَاهُ عَن أبي الزبير عَن جَابر، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إنَّ البحْرَ حلالٌ ميتتهُ، طَهُورٌ ماؤُه» .
ومبارك هَذَا كَانَ يدلِّس أَيْضا، وضعَّفه أَحْمد، وَالنَّسَائِيّ.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن سُريج - بِالْجِيم - بن النُّعْمَان، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي التَّيَّاح - بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق، بعْدهَا يَاء مثناة تَحت مُشَدّدَة، واسْمه: يزِيد بن حميد الضبعِي -، عَن مُوسَى بن سَلمَة، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «سُئِل رَسُول الله ﷺ عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «مَاء الْبَحْر طهُور» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَله شَوَاهِد كَثِيرَة، وَلم يخرجَاهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَقد قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : مُوسَى بن سَلمَة: هُوَ المحبق، أخرج لَهُ مُسلم، وَقد صحَّح بعض الحفَّاظ حَدِيثا من رِوَايَة حَمَّاد، عَن (أبي) التياح، عَنهُ. وَبَاقِي السَّنَد مَشْهُور.
стр. 110
وَخَالف الدَّارَقُطْنِيّ، فَقَالَ فِي «سنَنه» : الصَّوَاب وَقفه عَلَى ابْن عَبَّاس.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن مُسلم بن مخشي، (عَن) ابْن الفِراسي - بِكَسْر الْفَاء وَالسِّين الْمُهْملَة - قَالَ: كنت أصيد، وَكَانَت لي قربَة أجعَل فِيهَا مَاء، وَإِنِّي تَوَضَّأت بِمَاء الْبَحْر، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ، الْحل ميتَته» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» كَذَلِك «ابْن الفراسي» ، وَالتِّرْمِذِيّ، قَالَ فِي «جَامعه» : الفراسي عَن رَسُول الله ﷺ ، وَكَذَا هُوَ عِنْد ابْن عبد الْبر، وَذكر: أَن إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم، وَأَن الفراسي (مَجْهُول) فِي الصَّحَابَة غير مَعْرُوف.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين (فِي «الإِمام» ) : إِن كَانَ مُرَاد أبي عمر مَجْهُول الْحَال، مَعَ إِثْبَات كَونه من الصَّحَابَة، فقد اشْتهر بَين أَرْبَاب الْأُصُول والْحَدِيث، أنَّ ذَلِك لَا يضر، لعدالة جَمِيع الصَّحَابَة. وإنْ أَرَادَ
следующие страницы →