Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
الْكَبِير» وَهُوَ كتاب مُفْرد، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: ولين بَعضهم المُهَاجر، قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: لين الحَدِيث لَيْسَ بِذَاكَ، وَلَيْسَ بالمتقن، شيخ يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ ابْن معِين: صَالح.
فَائِدَة: اسْم أبي بكرَة (بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَوله، وهاء التَّأْنِيث فِي آخِره) نفيع بن الْحَارِث، وَقيل: مسروح، كني بذلك لِأَنَّهُ تدلى ببكرة من حصن الطَّائِف إِلَى رَسُول الله ﷺ َ، فكناه بذلك لما أخبرهُ بِفِعْلِهِ، كَمَا رَوَاهُ عبد الْغَنِيّ فِي كتاب «أَسبَاب الْأَسْمَاء» وَهُوَ أحد الصَّحَابَة (الَّذين لم يموتوا حتَّى رَأَى كل وَاحِد من صلبه مائَة ولد ذكر، وهم ثَلَاثَة ذكرتهم فِي تخريجي) لأحاديث (الْمُهَذّب» فاستفدهم مِنْهُ، (مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَخمسين) .
الحَدِيث الثَّانِي
عَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي ﵁ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله ﷺ َ إِذا كُنَّا مسافرين - أَو سفرا - أَن لَا ننزع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن إِلَّا من جَنَابَة لَكِن من غَائِط أَو بَوْل أَو نوم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي، وَأحمد فِي «مسنديهما» ، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» ،
стр. 1157
وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» ، من رِوَايَة عَاصِم بن أبي النجُود - بنُون مَفْتُوحَة، ثمَّ جِيم، (ثمَّ وَاو) ، ثمَّ دَال مُهْملَة، واسْمه بَهْدَلَة - الْمُقْرِئ، عَن زر، عَن صَفْوَان، وَهُوَ بِكَمَالِهِ يتَضَمَّن قصَّة الْمسْح، وَفضل طلب الْعلم، وَأمر التَّوْبَة، وَبَعض هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين طوله، وَبَعْضهمْ اخْتَصَرَهُ، وَذكر أَنه رَوَاهُ عَن عَاصِم أَكثر من ثَلَاثِينَ من الْأَئِمَّة، حَكَاهُ صَاحب «الإِمَام» وَقَالَ ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» : رَوَاهُ عَن عَاصِم جماعات، وعددهم فَوق الْأَرْبَعين.
وَرَوَاهُ جماعات عَن زر مِنْهُم عبد الْوَهَّاب (بن) بخت، وَالْحسن بن عبد الرَّحْمَن الْكَاتِب الْكُوفِي، وَعبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق، وَطَلْحَة بن مصرف، وَبشر بن عَطِيَّة، وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، والمنهال بن عَمْرو، وَعِيسَى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، وَأَبُو (سعد) سعيد بن الْمَرْزُبَان الْبَقَّال، وَمُحَمّد بن سوقة، وَأَبُو عِيسَى حبيب بن أبي ثَابت.
قَالَ: وَرَوَاهُ عَن صَفْوَان جمَاعَة مِنْهُم: أَبُو الغريف عبيد الله بن خَليفَة، وَحُذَيْفَة بن أبي حُذَيْفَة الْأَزْدِيّ، وَأَبُو الجوزاء أَوْس بن عبد الله الربعِي، وَقيل أَبُو الجوزاء الَّذِي رَوَاهُ: ربيعَة بن شَيبَان، وَالْحسن الْبَصْرِيّ.
стр. 1158
قَالَ التِّرْمِذِيّ: (هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح) . وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ البُخَارِيّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ فِي «علله» : إِنَّه أصح حَدِيث فِي التَّوْقِيت. وَفِي الْجَامِع (عَنهُ) (أَنه حسن) ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : عَاصِم وَإِن تكلم فِي حفظه فقد خرّج عَنهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) .
قلت: أخرجَا لَهُ مَقْرُونا لَا اسْتِقْلَالا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» فِي مَسْأَلَة النّوم: عَاصِم بن بَهْدَلَة قَارِئ أهل الْكُوفَة وَإِن لم يخرج الشَّيْخَانِ حَدِيثه فِي الصَّحِيح لسوء حفظه، فَلَيْسَ (بساقط) إِذا وَافق (فِيمَا) يرويهِ الثِّقَات وَلم يُخَالِفهُ الْأَثْبَات، وَقد رَوَى أول هَذَا الحَدِيث - وَهُوَ (حَدِيث) طلب الْعلم - عبد الْوَهَّاب بن بخت - وَهُوَ من ثِقَات الْبَصرِيين - عَن زر نَحْو حَدِيث عَاصِم بن بَهْدَلَة. وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان من «مُسْتَدْركه» : لم يذكر الشَّيْخَانِ لِصَفْوَان بن عَسَّال حَدِيثا وَاحِدًا. قَالَ: وَسمعت أَبَا عبد الله الْحَافِظ مُحَمَّد بن يَعْقُوب وَسَأَلَهُ مُحَمَّد بن عبيد فَقَالَ: لم ترك الشَّيْخَانِ حَدِيث صَفْوَان
стр. 1159
بن عَسَّال أصلا؟ فَقَالَ: لفساد الطَّرِيق إِلَيْهِ.
قَالَ الْحَاكِم: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو عبد الله بِهَذَا حَدِيث عَاصِم عَن زر، فَإِنَّهُمَا تركاه.
قلت: وَلِحَدِيث صَفْوَان هَذَا متابع فِي الْمسْح من جِهَة عبد الْكَرِيم بن (أبي) الْمخَارِق، عَن حبيب بن أبي ثَابت، عَن زر، رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ وَهِي مُتَابعَة غَرِيبَة.
قَالَ صَاحب «الإِمَام» : إِلَّا أَن عبد الْكَرِيم ضَعَّفُوهُ. وَقَالَ الْحسن وَأَبُو عَلّي بن السكن: وَقَالَ الصَّعق بن حزن، عَن عَلّي بن الحكم، عَن الْمنْهَال بن (عَمْرو) ، عَن زر، عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: «جَاءَ رجل من مُرَاد يُقَال لَهُ صَفْوَان» ، وَلم يُتَابع (عَلَيْهِ) ، وَهَذِه مُتَابعَة ثَانِيَة.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي روق (عَطِيَّة بن الْحَارِث) ، نَا أَبُو الغريف - بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَكسر الرَّاء، وَآخره فَاء - واسْمه (عبيد الله) بن خَليفَة، عَن صَفْوَان بن عَسَّال، قَالَ: «بعثنَا رَسُول الله ﷺ َ فِي سَرِيَّة وَقَالَ: ليمسح أحدكُم إِذا كَانَ مُسَافِرًا عَلَى خفيه إِذا أدخلهما طاهرتين ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وليمسح الْمُقِيم يَوْمًا وَلَيْلَة» .
وَرَوَاهُ أَبُو يعْلى بِنَحْوِهِ، وَهَذِه مُتَابعَة ثَالِثَة.
стр. 1160
قَالَ أَبُو حَاتِم: (أَبُو) الغريف لَيْسَ بالمشهور. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (من) حَدِيث يَحْيَى بن فُضَيْل، عَن الْحسن بن صَالح، عَن أبي جناب (الْكَلْبِيّ) ، عَن طَلْحَة بن مصرف، عَن زر بن حُبَيْش، عَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله ﷺ َ أَمسَح عَلَى الْخُفَّيْنِ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، ثَلَاثَة أَيَّام للْمُسَافِر لَا ينْزع من غَائِط، وَلَا بَوْل (وَلَا نوم) ، وَيَوْم وَلَيْلَة للمقيم» ثمَّ قَالَ: لم يروه إِلَّا أَبُو جناب، تفرد بِهِ يَحْيَى بن فُضَيْل.
قلت: وَهَذِه مُتَابعَة رَابِعَة، وَقد أَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى بعض المتابعات فَإِنَّهُ قَالَ فِي «جَامعه» : وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن صَفْوَان من غير حَدِيث عَاصِم.
وَأخرج أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» (رِوَايَة) عَاصِم من طرق مِنْهَا عَن معمر عَنهُ، فَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة بِخَبَر غَرِيب، ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، وَمُحَمّد بن رَافع، قَالَا: ثَنَا عبد الرَّزَّاق، أَنا معمر، عَن عَاصِم، عَن زر، قَالَ: أتيت صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي
стр. 1161
فَقَالَ: مَا جَاءَ بك؟ قلت: جِئْت أنبط الْعلم. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ يَقُول: «مَا من خَارج (يخرج) من بَيته يطْلب الْعلم إِلَّا وضعت لَهُ الْمَلَائِكَة أَجْنِحَتهَا رضَا بِمَا يصنع. قَالَ: جِئْت أَسأَلك عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نعم، كُنَّا فِي الْجَيْش الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله ﷺ َ فَأمرنَا أَن نمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن (أدخلناهما) عَلَى طهُور ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَلَا نخلعهما من غَائِط وَلَا بَوْل» .
وَمِنْهَا: عَن معمر أَيْضا (عَنهُ) : «أمرنَا رَسُول الله ﷺ َ أَن نمسح ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا، وَلَا ننزعهما من غَائِط، وَلَا بَوْل (وَلَا نوم) ، (وَلَكِن) من الْجَنَابَة» .
وَمِنْهَا: عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَنهُ «أمرنَا إِذا كُنَّا مسافرين - أَو سفرا - أَن لَا ننزع (أَو نخلع خفافنا) ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن من غَائِط وبَوْل إِلَّا من (الْجَنَابَة) » .
وَمِنْهَا: عَن سُفْيَان عَنهُ «كَانَ يَأْمُرنَا إِذا كُنَّا (سفرا أَو)
стр. 1162
مسافرين أَن لَا ننزع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن إِلَّا من جَنَابَة، لَكِن من غَائِط وَبَوْل ونوم» .
وَلما رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر بِلَفْظ: «كنت فِي الْجَيْش الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله ﷺ َ فَأمرنَا أَن نمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما عَلَى طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا، وَلَا نخعلهما من بَوْل وَلَا غَائِط وَلَا نوم إِلَّا من جَنَابَة» .
قَالَ: ثَنَا عَلّي بن إِبْرَاهِيم بن عِيسَى قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر بن خُزَيْمَة النَّيْسَابُورِي يَقُول: ذكرت للمزني خبر عبد الرَّزَّاق هَذَا (فَقَالَ) : حدث بِهِ أَصْحَابنَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ للشَّافِعِيّ حجَّة أَقْوَى من هَذَا، يَعْنِي قَوْله: «إِذا نَحن (أدخلناهما) عَلَى طهر» .
تَنْبِيهَات: (أَحدهَا) فِي الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ زِيَادَة (فِي) هَذَا الحَدِيث بعد قَوْله: «أَو نوم» وَهِي: «أَو ريح» قَالَا: وَلم يقل هَذِه اللَّفْظَة فِي هَذَا الحَدِيث غير وَكِيع، عَن مسعر. وَفِي رِوَايَة لِلْحَافِظِ المطرزي فِي آخر الحَدِيث: «من الْحَدث إِلَى الْحَدث» ، وَهِي غَرِيبَة جدًّا.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : وَغير ثَابِتَة أَيْضا (و) فِي
стр. 1163
«الْمُهَذّب» للشَّيْخ أبي إِسْحَاق فِي آخر الحَدِيث زِيَادَة غَرِيبَة وَهِي: «ثمَّ نُحدث بعد ذَلِك وضُوءًا» .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» : وَهَذِه زِيَادَة بَاطِلَة لَا تعرف.
ثَانِيهَا: وهم صَاحب «التنقيب عَلَى الْمُهَذّب» وهما (فظيعًا) حَيْثُ عزا حَدِيث صَفْوَان (هَذَا) إِلَى الشَّيْخَيْنِ وَأَصْحَاب السّنَن، وَهَذَا من أقبح أَوْهَامه فِي هَذَا الْكتاب يجب إِصْلَاحه.
فالشيخان لم يخرجَاهُ أصلا، وَأَبُو دَاوُد (لم) يُخرجهُ أَيْضا وَهُوَ من أَصْحَاب السّنَن، وَقد أسلفت عَن الْحَاكِم أَن الشَّيْخَيْنِ لم يخرجَا لِصَفْوَان حَدِيثا.
ثَالِثهَا: عَسَّال وَالِد صَفْوَان بِعَين مُهْملَة ثمَّ سين مُهْملَة أَيْضا فاعلمه، فقد يصحفه من لَا أنس لَهُ بالفن (وَهُوَ صفة للرمح يُقَال: عسل الرمْح عسلاً - بِالْفَتْح - إِذا اهتز واضطرب فَهُوَ عَسَّال) ، وَصَفوَان من كبار الصَّحَابَة غزا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ ثِنْتَيْ (عشرَة) غَزْوَة، سكن الْكُوفَة، وَمن مناقبه أَن عبد الله بن مَسْعُود رَوَى عَنهُ (وَصَفوَان - بالصَّاد الْمُهْملَة - أَصله الْحجر) .
رَابِعهَا: قَوْله: «إِلَّا من جَنَابَة» هَكَذَا هُوَ فِي كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة: «إِلَّا» وَهِي الَّتِي للاستثناء، وَقَالَ صَاحب «الْبَحْر» فِي بَاب مَا ينْقض الْوضُوء: (رُوِيَ) أَيْضا «لَا من جَنَابَة» بِحرف «لَا» وَكِلَاهُمَا
стр. 1164
صَحِيح الْمَعْنى، (لَكِن) الْمَشْهُور: «إِلَّا» .
وَقَوله: «لَكِن من غَائِط أَو بَوْل أَو نوم» كَذَا وَقع فِي الْكتاب و «الْمُهَذّب» أَيْضا بِحرف «أَو» ، وَأفَاد الْفَقِيه نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي «مطلبه» أَن ذَلِك رِوَايَة، وَالْمَشْهُور فِي كتب الحَدِيث وَالْفِقْه بِالْوَاو فَقَط.
وَقَوله: «لَكِن من غَائِط ... » إِلَى آخِره، قَالَ أهل اللُّغَة: لَفْظَة «لَكِن» للاستدراك تعطف فِي النَّفْي مُفردا عَلَى مُفْرد، وَتثبت للثَّانِي (مَا) نفته عَن الأول.
تَقول: مَا قَامَ زيد لَكِن عَمْرو، فَإِن دخلت مثبتة احْتِيجَ بعْدهَا (إِلَى) جملَة، تَقول: قَامَ زيد لَكِن عَمْرو لم يقم، فَقَوله: «لَا تنزعها إِلَّا من جَنَابَة لَكِن من غَائِط وَبَوْل ونوم» مَعْنَاهُ: أرخص لنا فِي الْمسْح مَعَ هَذِه الثَّلَاثَة، وَلم نؤمر بنزعها (إِلَّا فِي حَال الْجَنَابَة، وَفِيه مَحْذُوف تَقْدِيره: لَكِن لَا ننزع من غَائِط وَبَوْل ونوم) لِأَن التَّقْدِير الأول: أمرنَا (بنزعها) من الْجَنَابَة، وَرِوَايَة عبد الرَّزَّاق السالفة صَرِيحَة فِي ذَلِك، مغنية عَن التَّقْدِير، وَفَائِدَة هَذَا الِاسْتِدْرَاك بَيَان الْأَحْوَال الَّتِي يجوز فِيهَا الْمسْح، وَنبهَ بالغائط وَالْبَوْل وَالنَّوْم عَلَى مَا فِي (مَعْنَاهَا) من بَاقِي أَنْوَاع الْحَدث الْأَصْغَر، وَهِي: زَوَال الْعقل بجنون وَغَيره، واللمس والمس، (و) نبه بالجنابة عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا من (الْحَدث) الْأَكْبَر، فَدخل فِيهِ الْحيض وَالنّفاس، وَقد يُؤْخَذ من الْأَحْوَال الثَّلَاثَة أَنه لَا يجوز الْمسْح عَلَى الْخُف من النَّجَاسَة.
стр. 1165
وَقَوله: «مسافرين أَو سفرا» شكّ من الرَّاوِي، هَل قَالَ الأول أَو الثَّانِي وهما بِمَعْنى، وَلَكِن لما شكّ الرَّاوِي أَيهمَا قَالَ (احتاط) فتردد (و) لم يجْزم بِأَحَدِهِمَا، وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ لَا شكّ فِيهَا وَجزم بقوله: «سفرا» - برَاء منونة وَيكْتب بعْدهَا ألف وَلَا يجوز غير هَذَا.
قَالَ ابْن الصّلاح، ثمَّ النَّوَوِيّ: وَرُبمَا غلط فِيهِ، فَقيل: سَفَرِي - بِالْيَاءِ - وَقَالَ صَاحب «المستعذب عَلَى الْمُهَذّب» : «سفرا» أَي (بِالتَّنْوِينِ) جمع مُسَافر. (وَقد: يرْوَى) بِغَيْر تَنْوِين، وَلَيْسَ بِشَيْء.
وَقَوله: إِنَّه جمع مُسَافر. هُوَ مَا (قَالَه) ، كراكِب ورَكْب، وصاحِب وصَحْب، وَقيل: إِنَّه لم ينْطق (بواحده) الَّذِي هُوَ سفر، بل (قدروه) ، وَقيل: نطق بِهِ، وَمِنْه: «يَا أهل مَكَّة أَتموا فَإنَّا قوم سَفْر» .
تَنْبِيه: اعْترض ابْن الرّفْعَة فِي «كِفَايَته» عَلَى الرَّافِعِيّ فِي استدلاله بِحَدِيث صَفْوَان هَذَا عَلَى انْقِطَاع الْمدَّة بالجنابة، فَإِنَّهُ يدل عَلَى أَن الْمسْح عَلَى الْخُف لَا يقوم مقَام الْغسْل لَا الِانْقِطَاع، وَلَك أَن تَقول (بل) هُوَ دَال عَلَى وجوب النزع وَيلْزم مِنْهُ انقضاؤها.
الحَدِيث الثَّالِث
عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ قَالَ: «سكبت لرَسُول الله ﷺ َ الْوضُوء، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى (رجلَيْهِ) أهويت إِلَى الْخُفَّيْنِ لأنزعهما فَقَالَ: دع
стр. 1166
الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي أدخلتهما وهما (طاهرتان) » .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أصل من أصُول الْبَاب، وَله عَن الْمُغيرَة طرق، ذكره ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» من خَمْسَة وَأَرْبَعين طَرِيقا عَنهُ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين (فِي «الإِمَام» ) : بَلغنِي عَن أبي بكر الْبَزَّار أَنه يرْوَى عَنهُ من نَحْو سِتِّينَ طَرِيقا. وَاتفقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجه من حَدِيث عُرْوَة بن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه قَالَ: «كنت مَعَ النَّبِي ﷺ َ فِي سفر فَأَهْوَيْت لأنزع خفيه فَقَالَ: دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين. فَمسح عَلَيْهِمَا» ، هَذَا لفظ البُخَارِيّ، وَترْجم عَلَيْهِ: إِذا أَدخل رجلَيْهِ وهما طاهرتان، وَلَفظ مُسلم: «أَنه وضأ النَّبِي ﷺ َ فَتَوَضَّأ وَمسح عَلَى خفيه فَقَالَ لَهُ: [إِنِّي] أدخلتهما طاهرتين» ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «كنت مَعَ النَّبِي ﷺ َ ذَات لَيْلَة فِي مسير فَقَالَ لي: أَمَعَك مَاء ... » الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: «ثمَّ أهويت لأنزع خفيه فَقَالَ: دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين. وَمسح عَلَيْهِمَا» .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن (حُسَيْن) وزَكَرِيا، وَيُونُس، عَن الشّعبِيّ، عَن عُرْوَة بن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، أتمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ ! قَالَ: نعم، إِنِّي أدخلتهما وهما طاهرتان» .
стр. 1167
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ: «ثمَّ أهويت إِلَى الْخُفَّيْنِ لأنزعهما، فَقَالَ: دع الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي أدخلت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وهما طاهرتان. فَمسح عَلَيْهِمَا» .
(فَائِدَة: الْوضُوء بِفَتْح الْوَاو عَلَى أشهر اللُّغَات فِيهِ؛ لِأَن المُرَاد بِهِ المَاء) .
الحَدِيث الرَّابِع
عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ َ مسح أَعلَى الْخُف وأسفله» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد (وَالتِّرْمِذِيّ) وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وَابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم، عَن ثَوْر بن يزِيد، عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء، إِلَّا أَن لفظ رِوَايَة أبي دَاوُد: «وضأت رَسُول الله ﷺ َ فِي غَزْوَة تَبُوك فَمسح أَعلَى الْخُف وأسفله» . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» عَن ابْن أبي يَحْيَى، عَن ثَوْر بِهِ.
وأعل هَذَا الحَدِيث بأوجه:
стр. 1168
أَولهَا: أَن ثورًا لم يسمعهُ من رَجَاء بن حَيْوَة، وَقَالَ الْأَثْرَم: سَمِعت أَبَا عبد الله - يَعْنِي: أَحْمد بن حَنْبَل - يُضعف هَذَا الحَدِيث، وَيَقُول: إِنَّه ذكره لعبد الرَّحْمَن بن مهْدي، فَذكره عَن ابْن الْمُبَارك، عَن ثَوْر، قَالَ: حدثت عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة أَنه ﵇ ... » وَلَيْسَ فِيهِ (ذكر) الْمُغيرَة؛ فأفسده من وَجْهَيْن حَيْثُ قَالَ: حدثت عَن رَجَاء. وأرسله وَلم يسْندهُ، وَقد كَانَ نعيم بن حَمَّاد حَدَّثَني بِهَذَا عَن ابْن الْمُبَارك كَمَا حدث بِهِ الْوَلِيد فَقَالَ: عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة، فَقلت لَهُ: إِنَّمَا (يَقُوله) الْوَلِيد، فَأَما ابْن الْمُبَارك فَيَقُول: «حدثت عَن رَجَاء» وَلَا يذكر الْمُغيرَة. فَقَالَ: هَذَا حَدِيثي الَّذِي أسأَل عَنهُ. فَأخْرج إليَّ كِتَابه الْقَدِيم بِخَط عَتيق، فَإِذا فِيهِ مُلْحق بَين السطرين بِخَط لَيْسَ بالقديم «عَن الْمُغيرَة» فأوقفته عَلَيْهِ، وأخبرته أَن هَذِه زِيَادَة فِي الْإِسْنَاد لَا أصل لَهَا، فَجعل يَقُول للنَّاس بعد وَأَنا أسمع: اضربوا عَلَى هَذَا الحَدِيث. هَذَا مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» : هَذَا حَدِيث مَعْلُول لم يُسنده عَن ثَوْر غير الْوَلِيد بن مُسلم.
قلت: قد أسْندهُ عَنهُ ابْن أبي يَحْيَى - كَمَا سلف - وَمُحَمّد بن عِيسَى بن سميع - كَمَا سَيَأْتِي - عَن الدَّارَقُطْنِيّ. قَالَ: وَسَأَلت أَبَا زرْعَة ومحمدًا - يَعْنِي: البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيح؛ لِأَن ابْن الْمُبَارك رَوَى هَذَا عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، قَالَ: حدثت عَن كَاتب الْمُغيرَة، مُرْسل عَن النَّبِي ﷺ َ، وَلم يذكر فِيهِ الْمُغيرَة. وَقَالَ فِي
стр. 1169
«علله» (عَنْهُمَا) نَحوه، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» : لم يسمع هَذَا الحَدِيث ثَوْر من رَجَاء. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ - وَقد سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث -: يرويهِ ثَوْر بن يزِيد وَاخْتلف عَنهُ، فَرَوَاهُ الْوَلِيد بن مُسلم وَمُحَمّد بن عِيسَى بن سميع، عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن بعض أَصْحَابه، عَن ثَوْر، وَرَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن ثَوْر، قَالَ: حدثت عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن النَّبِي ﷺ َ مُرْسلا.
قَالَ: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث (عَن) عبد الْملك بن عُمَيْر، عَن (وراد) ، عَن الْمُغيرَة. وَلم يذكر فِيهِ أَسْفَل الْخُف، وَرَوَاهُ الحكم بن هِشَام وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، عَن عبد الْملك قَالَ: وَحَدِيث رَجَاء بن حَيْوَة الَّذِي فِيهِ ذكر أَعلَى الْخُف وأسفله لَا يثبت؛ لِأَن ابْن الْمُبَارك رَوَاهُ عَن ثَوْر مُرْسلا. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ الْوَلِيد بن مُسلم، عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة (عَن الْمُغيرَة) مَرْفُوعا فَقَالَا: رَوَاهُ الْوَلِيد
стр. 1170
هَكَذَا، وَرَوَاهُ غَيره بِإِسْقَاط الْمُغيرَة وأفسده، وَحَدِيث الْوَلِيد أشبه. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهَا: سَمِعت أبي، و (ذكر) حَدِيث الْوَلِيد، عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة «أَنه ﵇ مسح أَعلَى الْخُف وأسفله» فَقَالَ: لَيْسَ (بِمَحْفُوظ) ، وَسَائِر الْأَحَادِيث عَن الْمُغيرَة أصح.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : الْحفاظ يَقُولُونَ: لم يسمع ثَوْر هَذَا الحَدِيث من رَجَاء، رَوَاهُ عبد الله بن الْمُبَارك، عَن ثَوْر قَالَ: حدثت عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة. وَلم يذكر الْمُغيرَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي «محلاه» - وَقد ذكره من حَدِيث الْوَلِيد، عَن ثَوْر، عَن رَجَاء، عَن كَاتب الْمُغيرَة، عَن الْمُغيرَة -: أَخطَأ فِيهِ الْوَلِيد بن مُسلم فِي موضِعين. ثمَّ أخرجه من حَدِيث أَحْمد، عَن ابْن مهْدي، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن ثَوْر، حدثت عَن رَجَاء عَن كَاتب الْمُغيرَة. قَالَ: فصح أَن ثورًا لم يسمعهُ من رَجَاء، وَأَنه مُرْسل لم يذكر فِيهِ الْمُغيرَة. قَالَ: وَعلة ثَالِثَة: وَهِي أَنه لم يسم فِيهِ كَاتب الْمُغيرَة فَسقط.
الْعلَّة (الثَّانِيَة) أَن رَجَاء بن حَيْوَة لم يسمع كَاتب الْمُغيرَة (قَالَه الإِمَام الشَّافِعِي كَمَا أَفَادَ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» .
الْعلَّة الثَّالِثَة: أَنه لم يسم فِيهِ كَاتب الْمُغيرَة) بن شُعْبَة أَي فَيكون مَجْهُولا، وَهَذِه أسلفت عَن ابْن حزم.
стр. 1171
الْعلَّة الرَّابِعَة: أَن الْوَلِيد بن مُسلم دلّس فِيهِ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» و «تَحْقِيقه» بعد أَن ذكر الحَدِيث: كَانَ الْوَلِيد يروي عَن الْأَوْزَاعِيّ أَحَادِيث هِيَ عِنْد الْأَوْزَاعِيّ عَن شُيُوخ ضعفاء، عَن شُيُوخ قد أدركهم الْأَوْزَاعِيّ مثل: نَافِع وَالزهْرِيّ (فَيسْقط) أَسمَاء الضُّعَفَاء ويجعلها عَن الْأَوْزَاعِيّ عَنْهُم. وَنقل مثل هَذِه الْمقَالة فِي الْوَلِيد فِي «ضُعَفَائِهِ» عَن عُلَمَاء النَّقْل.
وَشرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي «إِمَامه» يُجيب عَن الْعِلَل الْمَذْكُورَة خلا الثَّانِيَة (فَإِنَّهُ) لم يذكرهَا، فَقَالَ بعد أَن نقل كَلَام أَحْمد السالف: وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : إِنَّه حَدِيث لَا يثبت؛ لِأَن ابْن الْمُبَارك رَوَاهُ عَن ثَوْر مُرْسلا. وَمَعَ هَذَا كُله فقد رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز، عَن دَاوُد بن رشيد، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن ثَوْر بن يزِيد قَالَ: ثَنَا رَجَاء بن حَيْوَة، عَن كَاتب الْمُغيرَة بن شُعْبَة، عَن الْمُغيرَة، فقد صرح فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن ثَوْر بِأَن رَجَاء حَدثهُ، وَقد رَوَاهُ أَحْمد بن عبيد الصفار، عَن أَحْمد بن يَحْيَى بن إِسْحَاق الْحلْوانِي، عَن دَاوُد بن رشيد، فَقَالَ: (عَن) رَجَاء. وَلم يقل: ثَنَا رَجَاء. فقد اخْتلف عَلَى دَاوُد بن رشيد فِي هَذِه اللَّفْظَة.
قلت: وَزِيَادَة الوليدِ المغيرةَ لم ينْفَرد بهَا، بل توبع عَلَيْهَا كَمَا عَلمته
стр. 1172
فِيمَا سلف.
قَالَ: وَأما الْعلَّة الثَّالِثَة: وَهِي أَنه لم يسم فِيهِ كَاتب الْمُغيرَة، فالمعروف بكاتب الْمُغيرَة هُوَ مَوْلَاهُ وراد، وَهُوَ مخرج لَهُ فِي الصَّحِيح. قَالَ: لم يعرف لَهُ مشارك فِي هَذِه الصّفة، فَالظَّاهِر انصراف الرِّوَايَة إِلَيْهِ، وَقد أدرج بعض الْحفاظ هَذَا الحَدِيث فِي تَرْجَمَة رَجَاء بن حَيْوَة، عَن وراد.
قلت: وَذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي تَرْجَمَة وراد، عَن الْمُغيرَة، وَقَالَ: وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، عَن وراد، عَن الْمُغيرَة. وَأَعْلَى من هَذَا وأفصح أَن ابْن مَاجَه خرج الحَدِيث فِي «سنَنه» فَقَالَ: عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن ورَّاد كَاتب الْمُغيرَة (فأفصح باسمه وَكَذَا وَقع فِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث وراد كَاتب الْمُغيرَة) عَن الْمُغيرَة ... الحَدِيث.
(قَالَ) : وَأما الْعلَّة الرَّابِعَة: وَهِي تَدْلِيس الْوَلِيد، فَلَيْسَ بِشَيْء (قد أَمن) تدليسه فِي هَذِه الرِّوَايَة (بِمَا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» فَقَالَ: أَخْبرنِي ثَوْر.
قلت: وَفِي هَذَا نظر أبداه شَيخنَا الْحَافِظ فتح الدَّين الْيَعْمرِي، فَقَالَ
стр. 1173
فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ عَلَى التِّرْمِذِيّ: قَوْله فِي رد هَذَا الْوَجْه: لَيْسَ بِشَيْء. (لَيْسَ بِشَيْء) ، بل هُوَ وَجه من التَّعْلِيل صَحِيح لم يَأْتِ عَنهُ بِجَوَاب، وَجَوَابه عَنهُ بِأَنَّهُ قد أَمن تَدْلِيس الْوَلِيد بقوله: «أَخْبرنِي» - فِي رِوَايَة من رَوَى ذَلِك - دَلِيل عَلَى أَنه لم يَأْتِ عَلَى المُرَاد (فِي) هَذَا التَّعْلِيل؛ لِأَن التَّصْرِيح بذلك الْإِخْبَار لَا يسْقطهُ، وَبَيَانه أَن النَّوْع الَّذِي رمي بِهِ الْوَلِيد بن مُسلم من التَّدْلِيس هُوَ نوع يُسمى (عِنْدهم) التَّسْوِيَة، وَهُوَ يخْتَص بالتدليس فِي شيخ شَيْخه لَا فِي شَيْخه، وَذَلِكَ أَنه يعمد لأحاديث - مثلا - رَوَاهَا هُوَ عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَهِي عِنْد الْأَوْزَاعِيّ عَن شُيُوخ لَهُ ضعفاء رووها عَن الثِّقَات فِي شُيُوخ الْأَوْزَاعِيّ نَفسه، كَحَدِيث يكون فِيهِ بَين الْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ، أَو بَين الْأَوْزَاعِيّ وَنَافِع (أَو بَين الْأَوْزَاعِيّ) وَعَطَاء (رجل) ضَعِيف، (فَيسْقط الْوَلِيد الْوَاسِطَة الضَّعِيف، ويروي الحَدِيث عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَو عَطاء) أَو نَافِع كَيْفَمَا كَانَ وَكلهمْ شُيُوخ الْأَوْزَاعِيّ (فيروج بذلك الْخَبَر عَنهُ سامعه، لعلمه أَن الْأَوْزَاعِيّ رَوَى عَن أُولَئِكَ الشُّيُوخ) وَكَذَلِكَ مثله ابْن الْجَوْزِيّ (مِثَالا) مُسْتَقِيمًا، والوليد مَوْصُوف عِنْدهم بِهَذَا النَّوْع من التَّدْلِيس، وَمن هَذَا الضَّرْب مَا يخْشَى وُقُوعه هَا هُنَا فَإِنَّهُ قَالَ: أَخْبرنِي ثَوْر، عَن رَجَاء، فَأَتَى (فِيهِ) بِصِيغَة
стр. 1174
العنعنة، وَهِي لَا تدل عَلَى الِاتِّصَال من (مثله) ، فَبَقيَ التَّدْلِيس غير مَأْمُون، وقلما يرتكب التَّدْلِيس وَيسْقط الْوَاسِطَة إِلَّا لمُقْتَضى لإسقاطه، فقد كَانَت مثل هَذِه العنعنة (من) الْوَلِيد فِي مثل هَذَا الْموضع كَافِيَة فِي التَّعْلِيل، لَا سِيمَا وَقد صَحَّ عَن ابْن الْمُبَارك وَهُوَ من عرف مَحَله قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث: عَن ثَوْر، حدثت عَن رَجَاء بن حَيْوَة. فنبه عَلَى ثُبُوت وَاسِطَة مَجْهُول، فَاقْتَضَى مَا هُوَ الْمَعْهُود من تَسْوِيَة الْوَلِيد الضعْف أَو الْجَهَالَة فِي ذَلِك الْوَاسِطَة المطوي الذّكر، وتصريح الْوَلِيد بن مُسلم (بقوله) أبنا ثَوْر، عَن رد هَذَا التَّعْلِيل بمعزل، وَمثل هَذَا من الْوَلِيد إِن كَانَ بعد صِحَة الْخَبَر الْمَرْوِيّ (لذَلِك) عِنْده من خَارج أَو مَعَ حسن ظَنّه (بِمن) طوى ذكره فكلاهما قريب، وَإِن كَانَ مَعَ الْجَهَالَة بِحَالهِ وَقبل ثُبُوت الْخَبَر عِنْده (فقد دخل الْخلَل عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يعلم، وبعيد أَن يكون ذَلِك مِنْهُ مَعَ ضعف الرَّاوِي عِنْده) وَعدم علمه بِصِحَّة الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ من طَرِيقه، فَفِي ذَلِك انحطاط يرْتَفع حَال مثل الْوَلِيد بن مُسلم عَنهُ.
فَالْحَدِيث عَلَى هَذَا مُعَلل بالانقطاع بَين ثَوْر ورجاء، وَهُوَ الَّذِي يخْشَى من تَسْوِيَة الْوَلِيد، وَالظَّاهِر تَرْجِيح الْإِرْسَال عَلَى الْإِسْنَاد كَمَا رَجحه ابْن الْمُبَارك وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي.
وَنقل الْحَازِمِي عَن الشَّافِعِي أَنه ضعف هَذَا الحَدِيث فِي الْقَدِيم، وَهُوَ مُحْتَمل لِأَن يكون ضعفه لما نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ كَمَا أسلفناه عَنهُ،
стр. 1175
وَبِغَيْرِهِ من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وأجمل القَوْل عبد الْحق فِي تَضْعِيف الحَدِيث، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنْقَطع الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن الصّلاح: هَذَا حَدِيث ضَعِيف عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ، ضعفه الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَالتِّرْمِذِيّ، وَغَيرهم.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: واعتماد الشَّافِعِي فِي هَذَا الحكم عَلَى مَا رَوَاهُ فِي الْقَدِيم عَن ابْن عمر ﵁ «أَنه كَانَ يمسح أَعلَى الْخُف وأسفله» .
قلت: وَرَوَاهُ الْمُزنِيّ فِي مُخْتَصره أَيْضا وَهُوَ من (الْجَدِيد) .
الحَدِيث الْخَامِس
قَالَ الرَّافِعِيّ: اسْتِيعَاب الْكل لَيْسَ بِسنة «مسح رَسُول الله ﷺ َ عَلَى خفيه خُطُوطًا من المَاء» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» ، فَإِنَّهُ قَالَ: قصد الِاسْتِيعَاب لَيْسَ بِسنة؛ إِذْ لم ينْقل عَن رَسُول الله ﷺ َ إِلَّا «أَنه مسح عَلَى الْخُف خُطُوطًا» (وَتبع فِي ذَلِك إِمَامه، فَإِنَّهُ قَالَ فِي «نهايته» : فِي الحَدِيث الصَّحِيح «أَنه ﵇ مسح عَلَى خفيه خُطُوطًا» ) ، والخطوط إِنَّمَا تكون بالأصابع. وَتبع فِي ذَلِك القَاضِي (حُسَيْنًا) ، فَإِنَّهُ قَالَ: رَوَى حَدِيث عَلّي أَي الَّذِي فِي أبي دَاوُد «كنت أرَى أَن بَاطِن الْقَدَمَيْنِ أَحَق بِالْمَسْحِ من ظاهرهما ... » الحَدِيث، فَحَكَى عَنهُ أَنه قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ يمسح عَلَى (ظهر) الْخُف خُطُوطًا بالأصابع» .
стр. 1176
وَاعْترض ابْن الصّلاح (عَلَى الإِمَام) فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى «الْوَسِيط» : لَيْسَ مَا (ذكره) من الْمسْح خُطُوطًا ثَابتا (فِي الرِّوَايَة) - فِيمَا علمناه - وَلَا وجدنَا لَهُ أصلا فِي كتب الحَدِيث. قَالَ: وَقَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح (غير صَحِيح) . وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف، رُوِيَ عَن عَلّي مَرْفُوعا، وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: «من السّنة أَن يمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ خُطُوطًا بالأصابع» قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِحجَّة؛ لِأَن قَول التَّابِعِيّ: من السّنة (كَذَا) لَا يكون مَرْفُوعا بل (هُوَ) مَوْقُوف عَلَى الصَّحِيح، وَقيل إِنَّه مَرْفُوع مُرْسل. وَقَالَ فِي «تنقيحه» : هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره الْغَزالِيّ مَرْوِيّ من حَدِيث عَلّي، وَهُوَ حَدِيث مُنكر لَا يعرف. وَأما قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح. فغلط فَاحش.
(قلت) : انْتَهَى مَا (ذكره) . وَقد ظَفرت بِالْحَدِيثِ من ثَلَاث طرق - بِفضل الله ومنته - الأولَى: من حَدِيث جَابر بن عبد الله (أَنه) قَالَ: «مر رَسُول الله ﷺ َ بِرَجُل يتَوَضَّأ فَغسل خفيه فنخسه (بِرجلِهِ) وَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا السّنة، أمرنَا بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ هَكَذَا. وأمَرَّ بيدَيْهِ عَلَى خفيه» وَفِي لفظ: «مر رَسُول الله ﷺ َ بِرَجُل يتَوَضَّأ وَهُوَ يغسل خفيه
стр. 1177
فنخسه بِيَدِهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أمرنَا بِهَذَا. ثمَّ أرَاهُ بِيَدِهِ من مقدم الْخُفَّيْنِ إِلَى أصل السَّاق مرّة وَفرج بَين أَصَابِعه» .
رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط معاجمه» من حَدِيث بَقِيَّة، عَن جرير بن يزِيد، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر، ثمَّ قَالَ: لَا يرْوَى هَذَا الحَدِيث عَن جَابر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد.
(قلت: وَجَرِير) هَذَا لَيْسَ بالمشهور، لم يرو عَنهُ غير بَقِيَّة - فِيمَا أعلم.
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «مِيزَانه» : لَا يعْتَمد عَلَيْهِ لجهالته.
وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» (وَعَزاهُ) إِلَى ابْن مَاجَه، وَلم أره فِي «سنَنه» عَن مُحَمَّد بن (المصفي) ، ثَنَا بَقِيَّة، عَن جرير بن يزِيد، قَالَ: حَدَّثَني مُنْذر، قَالَ: حَدَّثَني مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر قَالَ: «مرّ رَسُول الله ﷺ َ بِرَجُل يتَوَضَّأ وَيغسل خفيه فَقَالَ بِيَدِهِ - كَأَنَّهُ دَفعه -: إِنَّمَا أمرت بِالْمَسْحِ هَكَذَا (بأطراف) الْأَصَابِع إِلَى أصل السَّاق. وخطط بالأصابع» ، وَلم يعقبه بتصحيح وَلَا تَضْعِيف، وَقَالَ فِي «إِعْلَامه» : إِنَّه حَدِيث الْعَمَل عَلَيْهِ.
стр. 1178
قلت: وَمُنْذِر هَذَا كَأَنَّهُ ابْن زِيَاد الطَّائِي، وَقد كذبه الفلاس، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك.
الطَّرِيقَة الثَّانِيَة: من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ: بَال، ثمَّ جَاءَ حتَّى تَوَضَّأ وَمسح عَلَى خفيه، وَوضع يَده الْيُمْنَى عَلَى خفه الْأَيْمن وَيَده اليُسرى عَلَى خفه الْأَيْسَر، ثمَّ مسح أعلاهما مسحة وَاحِدَة حتَّى (كَأَنِّي) أنظر إِلَى أَصَابِع رَسُول الله ﷺ َ عَلَى الْخُفَّيْنِ» .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «إِمَامه» : رَوَاهُ (أَبُو أُسَامَة) ، عَن الْأَشْعَث، عَن الْحسن، عَن الْمُغيرَة (بِهِ) . قَالَ: وَبَلغنِي (عَن) أبي عَامر الخزاز، عَن الْحسن، عَن الْمُغيرَة: «أَنه ﵇ مسح مَوضِع يَده الْيُمْنَى عَلَى خفه الْأَيْمن وَيَده الْيُسْرَى عَلَى خفه الْأَيْسَر، ثمَّ مسح أعلاهما مسحة وَاحِدَة» .
الطَّرِيقَة الثَّالِثَة: من حَدِيث ابْن عمر، سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن حَدِيث رَوَاهُ زيد بن أسلم، عَن ابْن عمر «أَنه ﵇ تَوَضَّأ مرّة وَغسل هَكَذَا - قَالَ عبد الله: كَأَنَّهُ يَعْنِي الْمسْح - (يَأْخُذ) مَاء من قبل (عَقِبَيْهِ فَيردهُ) إِلَى أَطْرَاف رجلَيْهِ مَعَ ظهر قَدَمَيْهِ» فَقَالَ فِي «علله» : اخْتلف فِيهِ عَلَى زيد بن أسلم فَرَوَاهُ مرّة عَن ابْن عمر، وَمرَّة عَن أَبِيه، عَن عمر مَرْفُوعا، وَالصَّوَاب: عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار، عَن ابْن عَبَّاس.
стр. 1179
قَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا عَن عمر بن الْخطاب «أَنه مسح عَلَى خفيه (حتَّى) (رئي) آثَار أَصَابِعه عَلَى خفيه خُطُوطًا. قَالَ: و (رئي) آثَار أَصَابِع قيس بن سعد عَلَى الْخُف» .
فَائِدَة أردْت ذكرهَا هُنَا: (رَأَيْت) فِي «أَسمَاء (رُوَاة) الْكتب السِّتَّة وَغَيرهَا» لِابْنِ نقطة الْحَافِظ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي دَاوُد، ثَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد، عَن أبي ذَر، قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله ﷺ َ عَن كل شَيْء، حتَّى مسح الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: وَاحِدَة» . وَقَالَ سُفْيَان: عَن الْأَعْمَش، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن أبي ذَر مَرْفُوعا نَحوه. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: رَاوِيه عَن يُونُس بن أبي حبيب، عَن أبي دَاوُد، سَمِعت ابْن الْجُنَيْد يَقُول: هَذَا أغرب حَدِيث فِي الدُّنْيَا.
الحَدِيث السَّادِس
عَن خُزَيْمَة بن ثَابت ﵁ قَالَ: «رخص رَسُول الله ﷺ َ للْمُسَافِر أَن يمسح ثَلَاثَة (أَيَّام) ولياليهن، وَلَو استزدناه لزادنا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن أبي (عبد الله) الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، عَن النَّبِي
стр. 1180
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة» . قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ مَنْصُور بن (الْمُعْتَمِر) ، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ بِإِسْنَادِهِ «وَلَو (استزدناه) لزادنا» .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ (أَيْضا) عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت قَالَ: «جعل رَسُول الله ﷺ َ للْمُسَافِر ثَلَاثَة (أَيَّام) وَلَو مَضَى السَّائِل عَلَى مَسْأَلته لجعلها خمْسا» .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث إِبْرَاهِيم أَيْضا، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت قَالَ: «جعل رَسُول الله ﷺ َ الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم، وَلَو مَضَى السَّائِل عَلَى مَسْأَلته لجعلها خمْسا» ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: رخص لنا رَسُول الله ﷺ َ أَن نمسح ثَلَاثًا، وَلَو استزدناه لزادنا» .
وَرُوِيَ أَيْضا هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة، عَن النَّبِي ﷺ َ «أَنه سُئِلَ عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: للْمُسَافِر (ثَلَاث) وللمقيم يَوْم
стр. 1181
(وَلَيْلَة) » ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، قَالَ: وَذكر عَن يَحْيَى بن معِين أَنه صحّح حَدِيث خُزَيْمَة فِي الْمسْح.
قَالَ: وَأَبُو عبد الله الجدلي اسْمه عبد بن عبد، وَيُقَال: عبد الرَّحْمَن بن عبد. قَالَ: وَرَوَى الحكم بن عتيبة وَحَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، وَلَا يَصح. قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: قَالَ يَحْيَى بن سعيد: قَالَ شُعْبَة: لم يسمع إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ من أبي عبد الله الجدلي حَدِيث الْمسْح، وَقَالَ زَائِدَة، عَن مَنْصُور: كُنَّا فِي حجرَة إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ ومعنا إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فحدثنا إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، عَن النَّبِي ﷺ َ.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث سَلمَة بن كهيل قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يحدث عَن الْحَارِث بن سُوَيْد، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: «ثَلَاثَة أَيَّام - أَحْسبهُ قَالَ: ولياليهن - للْمُسَافِر فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ» .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة، عَن النَّبِي ﷺ َ «أَنه سُئِلَ عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: ثَلَاثًا للْمُسَافِر، وللمقيم يَوْمًا» (ثمَّ) رَوَاهُ بِزِيَادَة «عَمْرو بن مَيْمُون» بَين التَّيْمِيّ والجدلي، عَن خُزَيْمَة: «أَن
стр. 1182
أعرابيًّا سَأَلَ النَّبِي ﷺ َ عَن الْمسْح، فَقَالَ: للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة» .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بإسقاطه كَمَا أخرجه ابْن حبَان أَولا.
وأعلت هَذِه الطَّرِيقَة وَالَّتِي قبلهَا بعلل:
الأولَى: الِاضْطِرَاب إِسْنَادًا ومتنًا - كَمَا عَلمته - قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب) «السّنَن» و «الْمعرفَة» : إِسْنَاده مُضْطَرب. قَالَ: وَمَعَ ذَلِك فَمَا لم يرد لَا يصير سنة. قَالَ: وَرَوَاهُ الشَّافِعِي، فَقَالَ: زعم رجل عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة ... فَذكره، ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم فِي قَوْله: «وَلَو سألناه أَن يزيدنا لزادنا) : عَلَى (مَعْنَى) لَو سألناه أَكثر من ذَلِك لقَالَ نعم، (وَإِنَّمَا) الْجَواب عَلَى الْمَسْأَلَة.
وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد: قَالَ أبي: هَذَا الحَدِيث خطأ. قَالَ ذَلِك بعد أَن رَوَاهُ عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن حَمَّاد وَمَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة فِي مسح الْمُسَافِر والمقيم.
الثَّانِيَة: الِانْقِطَاع، وَذَلِكَ فِي مَوَاضِع: أَحدهَا: بَين إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأبي عبد الله الجدلي، كَمَا أسلفناه عَن شُعْبَة. وَثَانِيها: بَين أبي عبد الله الجدلي وَخُزَيْمَة بن ثَابت، كَمَا سَيَأْتِي عَن البُخَارِيّ. وَثَالِثهَا: بَين إِبْرَاهِيم
стр. 1183
التَّيْمِيّ وَأبي عبد الله الجدلي، كَمَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن حبَان فَإِنَّهُ سقط بَينهمَا مَا سلف لَك. وَرَابِعهَا: بَين عَمْرو بن مَيْمُون وَخُزَيْمَة، كَمَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه فَإِنَّهُ (أسقط بَينهمَا) الجدلي. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بعد أَن نقل عَن شُعْبَة مَا سلف: قَالَ البُخَارِيّ: لَا يعرف للجدلي سَماع من خُزَيْمَة. (و) قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا يَصح. وَهُوَ كَمَا نَقله عَنهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي «علله» - وَمِنْهَا نقلت -: سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ، فَقَالَ: لَا يَصح عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سَماع من خُزَيْمَة، وَكَانَ شُعْبَة يَقُول: لم يسمع إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ من أبي عبد الله الجدلي حَدِيث الْمسْح، وَحَدِيث عَمْرو بن مَيْمُون عَن أبي عبد الله الجدلي هُوَ أصح وَأحسن. وَذكر عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ: حَدِيث خُزَيْمَة عَن النَّبِي ﷺ َ حَدِيث صَحِيح. ثمَّ سَاقه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الشّعبِيّ عَنهُ، فَقَالَ: نَا الْقَاسِم بن دِينَار، نَا مَالك بن إِسْمَاعِيل، نَا ذوّاد بن عُلبة - بِالْبَاء الْمُوَحدَة - عَن مطرف، عَن الشّعبِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ: «ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن (للْمُسَافِر) وَيَوْم للمقيم» ، ثمَّ قَالَ: سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ ذوّاد بن عُلبة، عَن مطرف، عَن الشّعبِيّ، وَلَا أرَى هَذَا الحَدِيث مَحْفُوظًا. و (لم) نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
стр. 1184
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وذوّاد بن عُلبة ضَعِيف.
قلت: وَضَعفه أَيْضا ابْن معِين، وَقَالَ البُخَارِيّ: يُخَالف فِي بعض حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمتين ذهب حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن نمير: كَانَ شَيخا صَالحا (صَدُوقًا) وَقَالَ مُوسَى بن دَاوُد الضَّبِّيّ: (نَا ذواد) وَأَثْنَى عَلَيْهِ خيرا. قَالَ ابْن عدي: وَهُوَ فِي جملَة الضُّعَفَاء مِمَّن يكْتب حَدِيثه.
الْعلَّة الثَّالِثَة: الطعْن فِي أبي عبد الله الجدلي نَفسه، قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد بن حزم الظَّاهِرِيّ فِي «محلاه» : رُوِيَ عَن مَالك إجَازَة الْمسْح للمقيم، وَلَا (يرَى) التَّوْقِيت لَا للمقيم وَلَا للْمُسَافِر، وَإِنَّمَا يمسحان أبدا مَا لم يجنبا، وَتعلق (مقلدوه) فِي ذَلِك بأخبار سَاقِطَة وَلَا تصح. ثمَّ ذكر هَذَا الحَدِيث مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو عبد الله الجدلي: صَاحب (راية) الْمُخْتَار الْكَافِر، لَا يعْتَمد عَلَى رِوَايَته.
وَشرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي يُجيب فِي (إِمَامه) عَن هَذِه الْعِلَل فَقَالَ: قد صحّح التِّرْمِذِيّ طَرِيق إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن (عَمْرو) ،
стр. 1185
عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة، وَنقل عَن يَحْيَى بن معِين أَنه صحّح حَدِيث خُزَيْمَة فِي الْمسْح، قَالَ: وَطَرِيق هَذَا أَن يُعلل طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بالانقطاع كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ: إِن الحكم وَحَمَّاد روياه عَن النَّخعِيّ، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة ... إِلَى آخر الْحِكَايَة السالفة.
(قَالَ:) وَالرِّوَايَات متظافرة (متكاثرة) بِرِوَايَة التَّيْمِيّ (لَهُ) ، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة (بِهِ) وَأما من أسقط عمرا من الْإِسْنَاد فَالْحكم لمن زَاده؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة عدل، لَا سِيمَا وَقد انْضَمَّ إِلَيْهِ الْكَثْرَة من (الروَاة) (واتفاقهم) عَلَى هَذَا دون من (أسْقطه) ، وَأما زِيَادَة الْحَارِث بن سُوَيْد، وَإِسْقَاط الجدلي، (فَيُقَال) فِي إِسْقَاطه مَا سلف فِي الَّذِي قبله، وَأما زِيَادَة الْحَارِث، فَمُقْتَضَى الْمَشْهُور من أَفعَال الْمُحدثين، وَالْأَكْثَر أَن يحكم بهَا [وَيجْعَل] مُنْقَطِعًا فِيمَا بَين إِبْرَاهِيم وَعَمْرو بن مَيْمُون؛ لِأَن الظَّاهِر أَن الْإِنْسَان لَا يروي حَدِيثا عَن رجل عَن ثَالِث، وَقد رَوَاهُ هُوَ عَن ذَلِك الثَّالِث لقدرته عَلَى إِسْقَاط الْوَاسِطَة، لَكِن إِذا عَارض هَذَا الظَّاهِر دَلِيل أَقْوَى مِنْهُ عمل بِهِ، كَمَا فعل فِي أَحَادِيث (حكم) فِيهَا بِأَن الرَّاوِي علا وَنزل فِي الحَدِيث
стр. 1186
الْوَاحِد، فَرَوَاهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَلَعَلَّ إِبْرَاهِيم سَمعه من عَمْرو وَمن الْحَارِث - فَإِنَّهُ صرح فِي الْحِكَايَة السالفة أَنه حدث عَن عَمْرو، وَصرح فِي إِسْنَاد ابْن مَاجَه أَنه حدث عَن الْحَارِث - وَوجه آخر عَلَى طَريقَة الْفِقْه: وَهُوَ أَن يُقَال: إِن كَانَ مُتَّصِلا فِيمَا بَين التَّيْمِيّ وَعَمْرو بن مَيْمُون فَذَاك، وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا فقد بَين أَن الْوَاسِطَة بَينهمَا الْحَارِث بن سُوَيْد وَهُوَ من أكَابِر الثِّقَات. وَأما الْجَواب عَن قَول البُخَارِيّ: (إِنَّه) لَا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سَماع من خُزَيْمَة. فَلَعَلَّ هَذَا بِنَاء عَلَى مَا حُكيَ عَن بَعضهم أَنه يشْتَرط فِي الِاتِّصَال أَن يثبت السماع للرواي (من) الْمَرْوِيّ عَنهُ وَلَو مرّة. هَذَا أَو مَعْنَاهُ، وَقيل: إِنَّه مَذْهَب البُخَارِيّ، وَقد أطنب مُسلم فِي الرَّد لهَذِهِ الْمقَالة، وَاكْتَفَى بِإِمْكَان اللِّقَاء، وَذكر فِي ذَلِك شَوَاهِد. وَأما الْجَواب عَن قَول ابْن حزم فِي أبي عبد الله الجدلي فَلم يقْدَح (فِيهِ) أحد من الْمُتَقَدِّمين، وَلَا قَالَ فِيهِ مَا قَالَ ابْن حزم - فِيمَا علمناه - وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَيَحْيَى، وهما هما، وَصحح التِّرْمِذِيّ وَكَذَا ابْن حبَان حَدِيثه. وَمَا اعتل بِهِ من كَونه صَاحب راية الْمُخْتَار الْكَافِر، فقد ذكر مثل ذَلِك فِي أبي الطُّفَيْل، وَقد رَأَى النَّبِي ﷺ َ، وَأجِيب عَنهُ بِأَن الْمُخْتَار أظهر أَولا فِي خُرُوجه الْقيام بثأر الْحُسَيْن فَكَانَ مَعَه من كَانَ، وَمَا كَانَ يَقُوله من غير هَذَا فَلَعَلَّهُ لم يطلع عَلَيْهِ أَبُو الطُّفَيْل وَلَا علمه، وَهَذَا مطرد فِي الجدلي.
قلت: وَقد تَابعه عَمْرو بن مَيْمُون كَمَا سلف عَن رِوَايَة ابْن مَاجَه إِن لم يكن سقط بَينهمَا الجدلي.
стр. 1187
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة، عَن حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن مَسْرُوق وَسَلَمَة بن كهيل وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر و (الْحسن بن عبيد الله) ، كلهم يروي عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو بن مَيْمُون، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة، عَن رَسُول الله ﷺ َ فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَرَوَاهُ الحكم بن عتيبة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَأَبُو معشر وَشُعَيْب بن الحبحاب والْحَارث العكلي، عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، عَن أبي عبد الله الجدلي، (عَن خُزَيْمَة، عَن النَّبِي ﷺ َ لَا يَقُولُونَ عَمْرو بن مَيْمُون. قَالَ أَبُو زرْعَة) : الصَّحِيح من حَدِيث التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو الجدلي، عَن خُزَيْمَة مَرْفُوعا، وَالصَّحِيح من حَدِيث النَّخعِيّ، عَن الجدلي بِلَا عَمْرو بن مَيْمُون. قَالَ أبي: عَن مَنْصُور مُخْتَلف (جرير) الضَّبِّيّ وَأَبُو عبد الصَّمد يحدثان بِهِ، يَقُولَانِ: عَن التَّيْمِيّ، عَن عَمْرو، عَن الجدلي، عَن خُزَيْمَة، وَأَبُو الْأَحْوَص يحدث بِهِ، لَا يَقُول فِيهِ: عَمْرو بن مَيْمُون. هَذَا آخر كَلَامه.
وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : الِاتِّفَاق عَلَى ضعف الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَضَعفه من الِاضْطِرَاب والانقطاع. وَقد عرفت ذَلِك
стр. 1188
وَمَا أُجِيب بِهِ مَعَ تَصْحِيح ابْن حبَان لَهُ وَتَصْحِيح التِّرْمِذِيّ الرِّوَايَة المختصرة، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
الحَدِيث السَّابِع
عَن (أبي بن) عمَارَة ﵁ وَكَانَ مِمَّن صَلَّى إِلَى الْقبْلَتَيْنِ - قلت: «يَا رَسُول الله، أَمسَح عَلَى الْخُف؟ قَالَ: نعم. قلت: يَوْمًا. قَالَ: نعم ويومين. قلت: وَثَلَاثَة؟ قَالَ: نعم وَمَا شِئْت» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمَا» .
أما أَبُو دَاوُد فَرَوَاهُ من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن عبد الرَّحْمَن بن رزين، عَن مُحَمَّد بن يزِيد، عَن أَيُّوب (بن) قطن، عَن أبي بن عمَارَة - وَكَانَ قد صَلَّى مَعَ رَسُول الله ﷺ َ الْقبْلَتَيْنِ - أَنه قَالَ: «يَا رَسُول الله، أَمسَح عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: ويومين. قَالَ: وَثَلَاثَة؟ قَالَ: نعم وَمَا شِئْت» .
قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ ابْن أبي مَرْيَم الْمصْرِيّ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن عبد الرَّحْمَن بن (يزِيد) ، عَن مُحَمَّد بن يزِيد بن أبي زِيَاد، عَن عبَادَة بن نسي، عَن أبي بن (عمَارَة) قَالَ فِيهِ: «حتَّى بلغ سبعا، قَالَ
стр. 1189
رَسُول الله ﷺ َ: نعم، وَمَا بدا لَك» .
وَأما ابْن مَاجَه فَرَوَاهُ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد ثَانِيًا، وَاللَّفْظ أَيْضا، وَمن هَذَا الْوَجْه (رَوَاهُ) الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف، بِشَهَادَة غير وَاحِد من الْحفاظ لَهُ بذلك.
قَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» : هَذَا الحَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: (وَبِمَعْنَاهُ) قَالَ البُخَارِيّ، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: رِجَاله لايعرفون. نَقله عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» (وَعلله) وَصَاحب «الإِمَام» ، وَنَقله عَنهُ أَيْضا أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي، فَقَالَ: سَأَلت أَحْمد عَنهُ: أَتُحِبُّ الْعَمَل بِهِ؟ فَقَالَ: رِجَاله لَا يعْرفُونَ. وَقَالَ: لست أعْتَمد عَلَى إِسْنَاد خَبره. وَسَيَأْتِي مناظرته مَعَه فِي ذَلِك، وَقَالَ الْأَزْدِيّ: فِيهِ نظر متْنا وإسنادًا، وَهُوَ حَدِيث لَيْسَ بالقائم.
وَقَالَ ابْن حبَان فِي «ثقاته» : أبي بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ لست أعْتَمد عَلَى إِسْنَاد خَبره. ثمَّ سَاقه من حَدِيث يَحْيَى، عَن (عبد الله) بن رزين، عَن مُحَمَّد بن يزِيد بن أبي زِيَاد، عَن أَيُّوب بن قطن، عَن عبَادَة، عَن أبي: «أَنه ﵇ صَلَّى فِي بَيته قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، أَمسَح
стр. 1190
عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نعم. قلت: يَوْمًا؟ قَالَ: ويومين. قلت: وَثَلَاثَة؟ قَالَ: نعم، وَمَا بدا لَك» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي «محلاه» : فِيهِ يَحْيَى بن أَيُّوب، وَآخر كُوفِي، وأُخر مَجْهُولُونَ.
وَقَالَ ابْن الْقطَّان أَيْضا: علته أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مَجْهُولُونَ، (قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ) . قَالَ: وَقَالَ الْموصِلِي أَيْضا: أَيُّوب بن قطن مَجْهُول، وَذكر حَدِيثه هَذَا وَالِاخْتِلَاف فِيهِ، وَقَالَ: كل لَا يَصح.
قَالَ ابْن الْقطَّان: وَمُحَمّد بن يزِيد هُوَ ابْن أبي زِيَاد صَاحب حَدِيث الصُّور، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: مَجْهُول. وَعبد الرَّحْمَن بن رزين أَيْضا لَا يعرف لَهُ حَال فَهُوَ مَجْهُول. قَالَ: وَيَحْيَى بن أَيُّوب مُخْتَلف فِيهِ، وَهُوَ مِمَّن عيب عَلَى مُسلم إِخْرَاج حَدِيثه.
قلت: أما يَحْيَى بن أَيُّوب، فدعوى جهالته لَيست (بجيدة) فقد احْتج بِهِ مُسلم، وقرنه البُخَارِيّ، وَرَوَى عَنهُ جمَاعَة من الْأَئِمَّة: كالليث وَأَشْهَب وَغَيرهمَا، قَالَ ابْن معِين: ثِقَة. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَول ابْن حزم إِنَّه كُوفِي، (وهم) فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ مصري قَاضِي مصر.
стр. 1191
وَأما عبد الرَّحْمَن بن رزين: فروَى عَن جمَاعَة، وَعنهُ العطاف بن خَالِد، وَيَحْيَى بن أَيُّوب الْبَصْرِيّ، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ خَارج الصَّحِيح فِي الْأَدَب، وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وَعَن ابْن حبَان أَنه قَالَ فِي «ثقاته» فِي حَقه: عداده فِي أهل الشَّام.
وَأما مُحَمَّد بن يزِيد فروَى عَنهُ جمَاعَة، وَقَالَ ابْن يُونُس: كُوفِي قدم مصر، وَكَانَ يُجَالس يزِيد بن أبي حبيب، رَوَى لَهُ (د ت ق) .
وَأما أَيُّوب بن قطن فَلَا أعلم لَهُ حَالا، وأعل الحَدِيث بِوَجْه آخر، وَهُوَ الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» : هَذَا الْإِسْنَاد لَا يثبت، وَقد اخْتلف فِيهِ عَلَى يَحْيَى بن أَيُّوب اخْتِلَافا كثيرا قد (بَينته) فِي مَوضِع آخر، قَالَ: وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد، وَأَيوب بن قطن مَجْهُولُونَ كلهم.
قَالَ ابْن الْقطَّان (ثمَّ) صَاحب «الإِمَام» : وَهَذَا الِاخْتِلَاف الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ أَنه ورد عَن يَحْيَى بن أَيُّوب عَلَى وُجُوه: مِنْهَا: عَنهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن رزين،
стр. 1192
عَن مُحَمَّد بن يزِيد، عَن أَيُّوب (بن) قطن، عَن أبي بن عمَارَة. وَمِنْهَا: (عَنهُ) عَن عبد الرَّحْمَن بن رزين، عَن مُحَمَّد بن يزِيد، عَن عبَادَة بن نسي، عَن أبي بن عمَارَة. وَمِنْهَا: عَن عبد الرَّحْمَن بن (زرين) ، عَن مُحَمَّد (بن) يزِيد، عَن أَيُّوب بن قطن، عَن عبَادَة بن نسي، عَن أبي بن عمَارَة (وَمِنْهَا: عَنهُ هَكَذَا إِلَى عبَادَة بن نُسي من غير ذكر أبي بن عمَارَة) وَلَكِن يُرْسِلهُ عَن النَّبِي ﷺ َ. وَمِنْهَا: عَن يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن عبد الرَّحْمَن، (عَن) مُحَمَّد، عَن وهب بن قطن، عَن النَّبِي ﷺ َ، ذكر ابْن الْقطَّان أَن ابْن السكن أَشَارَ إِلَيْهِ، وَلم يُوصل بِهِ إِسْنَادًا، وَإِنَّمَا قَالَ: وَيُقَال عَن يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن عبد الرَّحْمَن، عَن مُحَمَّد (عَن وهب) بن قطن، عَن النَّبِي ﷺ َ.
وَبَين بعضه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه «الْإِعْلَام فِي نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه» : هَذَا حَدِيث مُضْطَرب، اخْتلف فِيهِ عَلَى يَحْيَى بن أَيُّوب، وَبَعْضهمْ يَقُول: عَن (ابْن) عمَارَة، وَبَعْضهمْ يَقُول: عَن أبي بن عمَارَة.
وَقَالَ أَبُو زرْعَة عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الدِّمَشْقِي النصري - بالنُّون - (فِي «تَارِيخه» ) : سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول: حَدِيث أبي بن عمَارَة لَيْسَ بِمَعْرُوف الْإِسْنَاد. ثمَّ قَالَ أَبُو زرْعَة: فناظرت أَبَا عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل فِي حَدِيثه عَن رَسُول الله ﷺ َ - يَعْنِي حَدِيث (أبي بن) عمَارَة - فَلم (يقنع) بِهِ.
стр. 1193
قلت (لَهُ) : فَحَدِيث عَطاء بن يسَار، عَن مَيْمُونَة حدثت بِهِ أَبَا عبد الله - أَعنِي فِي الْمسْح أَيْضا - قَالَ: ذَلِك من كتاب. قَالَ أَبُو زرْعَة: قلت لأبي عبد الله: (فَإلَى) أَي شَيْء ذهب أهل الْمَدِينَة فِي الْمسْح أَكثر من ثَلَاث وَيَوْم وَلَيْلَة؟ قَالَ: لَهُم فِيهِ أثر. وَقَالَ لي أَبُو عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل: حَدِيث خُزَيْمَة (مِمَّا لَعَلَّه) يدل عَلَى مَعْنَى حجَّة لَهُم قَوْله: «وَلَو استزدته لزادني» .
و (ضعف) هَذَا الحَدِيث من الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي فَقَالَ: رَوَى مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة التَّمِيمِي عَن البُخَارِيّ قَالَ: يُقَال: لأبي بن عمَارَة صُحْبَة، لَا يَصح حَدِيثه فِي الْمسْح، إِسْنَاده مَجْهُول، وَلَيْسَ يرْوَى عَنهُ غير هَذَا الحَدِيث.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا (حَدِيث) لَا يَصح. وَقَالَ فِي «الْإِعْلَام» : مُضْطَرب - كَمَا أسلفناه - وَضَعفه أَيْضا فِي «تَحْقِيقه» وَقَالَ ابْن الصّلاح: هَذَا حَدِيث ضَعِيف. وَأبي بن عمَارَة قيل: لم يثبت لَهُ ذكر فِي الصَّحَابَة، وَلذَلِك لم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه الْكَبِير» ، و (نقل) النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» وَغَيره الِاتِّفَاق عَلَى ضعفه واضطرابه، وَأَنه لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَخَالف هَؤُلَاءِ كلهم الْحَاكِم أَبُو عبد الله فَأخْرج الحَدِيث فِي
стр. 1194
«مُسْتَدْركه» بِسَنَد أبي دَاوُد الثَّانِي وَلَفظه الأول، لكنه قَالَ: «عبد الرَّحْمَن بن رزين» بدل «يزِيد» ثمَّ قَالَ: أبي بن عمَارَة صَحَابِيّ مَعْرُوف، وَهَذَا إِسْنَاد مصري لم ينْسب وَاحِد مِنْهُم إِلَى جرح.
قلت: لَكِن نسبوا إِلَى الْجَهَالَة كَمَا مرّ لَك، قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذهب مَالك، وَلم يخرجَاهُ.
قلت: (عُذْرهمَا) لائح فِي عدم تَخْرِيجه، وَهُوَ الْجَهَالَة السالفة، وغلا ابْن بدر الْموصِلِي فَذكر هَذَا الحَدِيث فِي «مَوْضُوعَاته» وَهَذَا تبَاين عَظِيم بَينه وَبَين الْحَاكِم، ثمَّ رَأَيْت لَهُ فِي ذَلِك سلفا وَهُوَ الجورقاني فَإِنَّهُ ذكره فِي «مَوْضُوعَاته» وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث مُنكر. ثمَّ أعله بِجَهَالَة من سلف، وَالصَّوَاب (أَن) لَا يذكر هَذَا فِي الموضوعات بل فِي الضُّعَفَاء.
وَقَالَ الْحَاكِم: إِن أبي بن عمَارَة صَحَابِيّ مَعْرُوف، قد (أنكرهُ) بعض الْعلمَاء.
قَالَ أَبُو عمر: واضطرب حَدِيثه، وَلم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه الْكَبِير» لأَنهم يَقُولُونَ إِنَّه خطأ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو أبي بن أم حرَام و (اسْمه) عبد الله.
وَقَالَ (أَبُو) حَاتِم: من قَالَ أبي بن عمَارَة أَخطَأ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو أبي واسْمه: عبد الله بن عَمْرو بن أم حرَام.
стр. 1195
قلت: وَعمارَة (أَيْضا) اخْتلف فِي (صحبته) ، وَالْأَشْهر كسر عينه، وَبِه جزم ابْن مَاكُولَا وَآخَرُونَ، وَقَالَ صَاحب «الإِمَام» : إِنَّه الْمَعْرُوف فِيهِ. وَحَكَى أَبُو عمر، وَالْبَيْهَقِيّ، وَعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي الضَّم أَيْضا، وكل من حَكَاهُ قَالَ: الْكسر أشهر وَأكْثر، إِلَّا أَن أَبَا عمر قَالَ: (الْأَكْثَرُونَ عَلَى الضَّم) ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنه لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء (عمَارَة - بِالْكَسْرِ - غَيره) .
الحَدِيث الثَّامِن
عَن عَلّي بن أبي طَالب ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ: «أَنه جعل الْمسْح ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ، من حَدِيث شُرَيْح بن هَانِئ، قَالَ: «أتيت عَائِشَة ﵂ أسألها عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَت: عَلَيْك بِابْن أبي طَالب فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافر مَعَ النَّبِي ﷺ َ. فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جعل رَسُول الله ﷺ َ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم» .
следующие страницы →