Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
قلت: وَقد رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْحَرْبِيّ، عَن (إِبْرَاهِيم) عَن (عزْرَة) كَمَا أسلفنا ذَلِك عَن رِوَايَة الْحَاكِم وتصحيحه (فَلم) ينْفَرد عُثْمَان بِهِ.
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث أبي أُمَامَة، وَقد ذكرته فِي (تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب) من طَرِيق الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَلم يظفر بِهِ النَّوَوِيّ فِي «شَرحه للمهذب» وَقَالَ: إِنَّه مُنكر لَا أصل لَهُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فراجع ذَلِك مِنْهُ.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
رُوِيَ أَنه ﵌ قَالَ لعمَّار: «يَكْفِيك ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للكفين» هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط معاجمه» عَنهُ بِلَفْظ «تمسح وَجهك وكفيك بِالتُّرَابِ ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للكفين» ثمَّ (قَالَ) : لم يروه عَن أبي عُمَيْس - يَعْنِي عَن سَلمَة بن كهيل عَن سعيد بن أَبْزَى (عَنهُ) - إِلَّا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْأَسْلَمِيّ.
стр. 1122
قلت: وحالته مكشوفة قد (علمتها) فِي الطَّهَارَة وَفِي «المعجم الْكَبِير» لَهُ: «وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ ظهرا وبطنًا» وَفِي لفظ «إِلَى المناكب والآباط» قَالَ أَبُو عمر فِي «تمهيده» : كل مَا يرْوَى عَن عمار فِي هَذَا مُضْطَرب مُخْتَلف فِيهِ، وَأكْثر الْآثَار المرفوعة عَنهُ: «ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْيَدَيْنِ» (وَقَالَهُ) أَيْضا أَحْمد بن حَنْبَل فِي سُؤَالَات أَحْمد بن عُبَيْدَة.
قلت: وَصرح الشَّافِعِي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا بِأَن التَّيَمُّم إِلَى الآباط مَنْسُوخ بِرِوَايَاتِهِ الثَّابِتَة فِي «الصَّحِيحَيْنِ» بِالْأَمر بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
أَنه ﷺ َ قَالَ (لأبي) ذَر: «إِذا وجدت المَاء فأمسه جِلْدك» .
هَذَا الحَدِيث فرقه المُصَنّف فَذكر بعضه هُنَا - كَمَا ترَى - وَبَعضه آخر الْبَاب فَقَالَ: وَفِي مثله: «قَالَ ﷺ َ لأبي ذَر، وَكَانَ يُقيم بالربذة ويفقد المَاء أَيَّامًا، فَسَأَلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: التُّرَاب كافيك وَلَو لم تَجِد المَاء عشر حجج» .
وَهُوَ حَدِيث جيد رَوَاهُ بِطُولِهِ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي قلَابَة عَن عَمْرو بن بجدان - بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، ثمَّ جِيم
стр. 1123
سَاكِنة، ثمَّ دَال مُهْملَة، ثمَّ نون - عَن أبي ذَر أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: «إِن الصَّعِيد الطّيب طهُور الْمُسلم، وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين، فَإِذا وجد المَاء فليمسه بَشرته، فَإِن ذَلِك خير» . (هَذَا) لفظ التِّرْمِذِيّ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «الصَّعِيد وضوء» بدل «طهُور» . رَوَاهُ من حَدِيث (أبي) أَحْمد الزبيري، عَن سُفْيَان، عَن خَالِد الْحذاء، عَن أبي قلَابَة بِهِ. وَلَفظ أبي دَاوُد: عَن خَالِد الْحذاء، عَن أبي قلَابَة، عَن عَمْرو بن بجدان، عَن أبي ذَر قَالَ: «اجْتمعت غنيمَة - وَفِي لفظ: من الصَّدَقَة - عِنْد رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَر، ابد فِيهَا. فبدوت (فِيهَا) إِلَى الربذَة وَكَانَت تصيبني (الْجَنَابَة) فأمكث الْخمس والست، فَأتيت النَّبِي ﷺ َ فَقَالَ: أَبُو ذَر. فسكنت. فَقَالَ: ثكلتك أمك أَبَا ذَر، لأمك الويل. فَدَعَا لي بِجَارِيَة سَوْدَاء فَجَاءَت بعُسٍّ فِيهِ مَاء، فسترني بِثَوْب، (واستترت) بالراحلة وَاغْتَسَلت، فَكَأَنِّي ألقيت عني جبلا، فَقَالَ: الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَلَو إِلَى عشر سِنِين، فَإِذا وجدت المَاء فأمسه جِلْدك فَإِن ذَلِك خير» .
ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث حَمَّاد عَن أَيُّوب، عَن أبي قلَابَة، عَن رجل من بني عَامر قَالَ: «دخلت فِي الْإِسْلَام، فهمني ديني، فَأتيت أَبَا ذَر فَقَالَ أَبُو ذَر: إِنِّي اجتويت الْمَدِينَة، فَأمر لي رَسُول الله ﷺ َ بذود وبغنم، فَقَالَ لي: اشرب من أَلْبَانهَا - قَالَ حَمَّاد: و (أَشك) فِي: «أبوالها - فَقَالَ
стр. 1124
أَبُو ذَر: فَكنت أعزب عَن المَاء وَمَعِي أَهلِي فتصيبني الْجَنَابَة فأصلي بِغَيْر طهُور، فَأتيت رَسُول الله ﷺ َ بِنصْف النَّهَار - وَهُوَ فِي رَهْط من أَصْحَابه وَهُوَ فِي ظلّ الْمَسْجِد - فَقَالَ: أَبُو ذَر. فَقلت: نعم، هلكتُ يَا رَسُول الله. قَالَ: وَمَا أهْلكك؟ قلت: إِنِّي كنت أعزب عَن المَاء وَمَعِي أَهلِي فتصيبني الْجَنَابَة، فأصلي بِغَيْر طهُور. فَأمر لي رَسُول الله ﷺ َ بِمَاء، فَجَاءَت بِهِ جَارِيَة سَوْدَاء الْعَينَيْنِ يتخضخض مَا هُوَ بملآن، فتسترت إِلَى بعير فاغتسلت، ثمَّ جِئْت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: يَا أَبَا ذَر، إِن الصَّعِيد الطّيب طهُور وَإِن لم تَجِد المَاء إِلَى عشر سِنِين، فَإِذا وجدت المَاء فأمسه جِلْدك» .
قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب لم يذكر «أبوالها» قَالَ: و «أبوالها» لَيْسَ بِصَحِيح فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَيْسَ فِي أبوالها إِلَّا حَدِيث أنس تفرد بِهِ أهل الْبَصْرَة. وَلَفظ النَّسَائِيّ عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب بِهِ: «الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين» . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث أَيُّوب، عَن أبي قلَابَة، عَن رجل من بني عَامر «بعث إِلَى أبي ذَر ... » فَذكره، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طرق من حَدِيث أَيُّوب وخَالِد، عَن أبي قلَابَة، عَن عَمْرو مُخْتَصرا كَلَفْظِ النَّسَائِيّ، وَمن حَدِيث أَيُّوب عَن أبي قلَابَة، عَن رجل من بني عَامر قَالَ: «بعث إِلَى أبي ذَر (فَذكره) مطولا بِنَحْوِ رِوَايَة أبي دَاوُد الثَّابِتَة، وَمن حَدِيث أَيُّوب عَن أبي قلَابَة، عَن عَمه أبي الْمُهلب، عَن أبي ذَر بِنَحْوِ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ،
стр. 1125
وَمن حَدِيث خَالِد، عَن أبي قلَابَة، عَن عَمْرو (بِهِ) بنحوها (أَيْضا) . وَمن حَدِيث خَالِد، عَن أبي قلَابَة، عَن محجن أَو أبي محجن، عَن أبي ذَر مثله. وَمن حَدِيث قَتَادَة عَن أبي قلَابَة، عَن رَجَاء بن عَامر، عَن أبي ذَر مثله، ثمَّ قَالَ: كَذَا قَالَ: رَجَاء بن عَامر. وَالصَّوَاب: رجل من بني عَامر. كَمَا قَالَ ابْن علية عَن أَيُّوب.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ (عقيب) إِخْرَاجه الحَدِيث: هَكَذَا رَوَى غير وَاحِد عَن خَالِد الْحذاء، عَن أبي قلَابَة، عَن عَمْرو بن بجدان، عَن أبي ذَر. وَرَوَاهُ أَيُّوب عَن أبي قلَابَة، عَن رجل من بني عَامر، عَن أبي ذَر وَلم يسمه. قَالَ: وَهَذَا حَدِيث حسن. وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح. وَعَلَيْهَا اقْتصر صَاحب «الإِمَام» ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «مُسْتَدْركه» (من) حَدِيث مُسَدّد، نَا خَالِد، عَن خَالِد الْحذاء، عَن أبي قلَابَة، عَن عَمْرو بن بجدان، عَن أبي ذَر بِمثل لفظ أبي دَاوُد الأول سَوَاء، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ؛ إِذْ لم نجد لعَمْرو بن بجدان رَاوِيا غير أبي قلَابَة الْجرْمِي. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا شرطت فِيهِ وبينت أَنَّهُمَا قد أخرجَا مثل هَذَا فِي مَوَاضِع من الْكِتَابَيْنِ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : عَمْرو بن بجدان لَيْسَ لَهُ راوٍ غير
стр. 1126
أبي قلَابَة، وَهُوَ مَقْبُول عِنْد أَكْثَرهم؛ لِأَن أَبَا قلَابَة ثِقَة، وَإِن كَانَ بِخِلَاف شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم فِي خُرُوجه عَن حد الْجَهَالَة بِأَن يروي عَنهُ اثْنَان. قلت: فِي اشْتِرَاط ذَلِك (فِي الْخُرُوج) عَنْهُمَا نظر، وَهُوَ منقوض بمواضع فِي «صَحِيحَيْهِمَا» أخرجَا أَحَادِيث عَن رُوَاة لَيْسَ لَهُم رِوَايَة غير وَاحِد، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث وهب بن بَقِيَّة، أَنا خَالِد، عَن خَالِد، عَن أبي قلَابَة، عَن عَمْرو، عَن أبي ذَر كَلَفْظِ الْحَاكِم، (ثمَّ) من حَدِيث يزِيد بن زُرَيْع، نَا خَالِد الْحذاء، عَن أبي قلَابَة، عَن عَمْرو بِنَحْوِهِ. ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ خَالِد الْحذاء. ثمَّ سَاقه من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن أَيُّوب (السّخْتِيَانِيّ) ، وخَالِد الْحذاء، عَن أبي قلَابَة، عَن عَمْرو، عَن أبي ذَر بِلَفْظ النَّسَائِيّ. وَخَالف ابْن الْقطَّان فَزعم أَنه لَا يعرف لعَمْرو بن بجدان حَال - وَأَخْطَأ فَإِن الْعجلِيّ قَالَ: إِنَّه بَصرِي تَابِعِيّ ثِقَة - وَإِنَّمَا رَوَى عَنهُ أَبُو قلَابَة - قلت: لَا يضر تفرده عَنهُ -
стр. 1127
وَاخْتلف عَنهُ فَيَقُول عَنهُ خالدُ الْحذاء، عَن عَمْرو بن بجدان. وَلَا يخْتَلف فِي ذَلِك عَلَى خَالِد. وَأما أَيُّوب فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن أبي قلَابَة، وَاخْتلف عَلَيْهِ فَمنهمْ من يَقُول: عَنهُ عَن رجل من بني عَامر، وَمِنْهُم من يَقُول: عَن رجل فَقَط، وَمِنْهُم من يَقُول: عَن رَجَاء بن عَامر، وَمِنْهُم من يَقُول: عَن عَمْرو بن بجدان كَقَوْل خَالِد، وَمِنْهُم من يَقُول: عَن أبي الْمُهلب. وَمِنْهُم من لَا يَجْعَل بَينهمَا أحدا فَيَجْعَلهُ عَن أبي قلَابَة، عَن أبي ذَر، وَمِنْهُم من يَقُول: عَن أبي قلَابَة «أَن رجلا من بني قُشَيْر قَالَ: يَا نَبِي الله» . هَذَا كُله خلاف عَلَى أَيُّوب فِي رِوَايَته إِيَّاه عَن أبي قلَابَة وجميعه فِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» وَفِي «سنَنه» ، وَأجَاب الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين عَن هَذَا فَقَالَ فِي «الإِمَام» : يَنْبَغِي عَلَى طَرِيقَته وَطَرِيقَة الْفِقْه أَن ينظر فِي ذَلِك إِذْ لَا تعَارض بَين قَوْلنَا: عَن رجل من بني عَامر، وَبَين قَوْلنَا: عَن عَمْرو بن بجدان، كَيفَ وَقد قَالَ شَيخنَا - يَعْنِي الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ -: إِن الشَّيْخ من بني عَامر هُوَ عَمْرو بن بجدان سَمَّاهُ خَالِد الْحذاء، عَن أبي قلَابَة، وَسَماهُ سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن أَيُّوب، وَأما من أسقط ذكر هَذَا الرجل فَيُؤْخَذ بِالزِّيَادَةِ وَيحكم بهَا. وَأما من قَالَ: عَن أبي الْمُهلب. فَإِن كَانَ كنية لعَمْرو فَلَا اخْتِلَاف، وَإِلَّا فَهِيَ رِوَايَة وَاحِدَة مُخَالفَة احْتِمَالا لَا يَقِينا، وَأما من قَالَ: «إِن رجلا من بني قُشَيْر قَالَ: يَا نَبِي الله» . فَهِيَ مُخَالفَة فَكَانَ يجب أَن ينظر فِي إسنادها عَلَى طَرِيقَته، فَإِن لم تكن ثَابِتَة فَلَا تعلل بهَا. ثمَّ قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف لَا شكّ فِيهِ.
стр. 1128
قلت: عَجِيب! بل هُوَ حَدِيث صَحِيح - إِن شَاءَ الله - لَا شكّ فِيهِ كَمَا عَرفته. قَالَ: وَبِهَذَا الْمَعْنى إِسْنَاد صَحِيح ذكره الْبَزَّار عَن مقدم بن (مُحَمَّد) الْمقدمِي، نَا عمي الْقَاسِم بن يَحْيَى بن عَطاء بن مقدم، نَا هِشَام بن حسان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: «الصَّعِيد وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين، فَإِذا وجد المَاء فليتق الله وليمسه بَشرته فَإِن ذَلِك خير» .
قَالَ الْبَزَّار: هَذَا (الحَدِيث) لَا نعلمهُ (يرْوَى) عَن أبي هُرَيْرَة إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَلم يسمعهُ مقدم إِلَّا من عَمه، وَكَانَ مقدم ثِقَة مَعْرُوف النّسَب. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَأخرج البُخَارِيّ للقاسم بن يَحْيَى مُعْتَمدًا عَلَيْهِ، وَرَوَى عَنهُ أَحْمد وَجَمَاعَة عَددهمْ.
قلت: وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» حَدِيث أبي هُرَيْرَة (هَذَا) ثمَّ قَالَ: إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب. وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ - أَعنِي الحَدِيث - وَبحث الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين مَعَ ابْن الْقطَّان فِي تَضْعِيفه لحَدِيث أبي ذَر فَقَالَ: (إِن) كَانَ رَوَى من كَلَام التِّرْمِذِيّ (قَوْله: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. فَمن الْعجب كَونه لم يكتف بتصحيح التِّرْمِذِيّ) فِي معرفَة حَال عَمْرو
стр. 1129
بن بجدان مَعَ تفرده بِالْحَدِيثِ، وَأي فرق بَين أَن يَقُول: هُوَ ثِقَة. أَو يصحح لَهُ حَدِيثا تفرد بِهِ.
قلت: وَقد صرح بتوثيق عَمْرو الْعجلِيّ كَمَا سلف (وَوَثَّقَهُ أَيْضا أَبُو حَاتِم بن حبَان وَقد صحّح حَدِيثه أَيْضا الْحَاكِم وَابْن حبَان كَمَا سلف) وَتَصْحِيح الْحَاكِم لَهُ مَعَ قَوْله: إِن البُخَارِيّ و (مُسلما) لم يخرجَاهُ إِذْ لم يجدا لعَمْرو رَاوِيا غير أبي قلَابَة (تَوْثِيق) لَهُ، وَلَوْلَا قيام الْمُقْتَضِي (عِنْده) لتصحيح حَدِيث لما أقدم عَلَيْهِ مَعَ اعترافه بِمَا يشبه الْجَهَالَة من التفرد الْمَذْكُور، وَإِن كَانَ توقف ابْن الْقطَّان عَن تَصْحِيحه؛ لكَونه لم يرو عَنهُ إِلَّا (أَبُو) قلَابَة فَلَيْسَ هَذَا (لمُقْتَضى) مذْهبه؛ فَإِنَّهُ لَا يلْتَفت إِلَى كَثْرَة الروَاة فِي نفي جَهَالَة الْحَال، فَلذَلِك لَا يُوجب جَهَالَة الْحَال (انْفِرَاد راو) وَاحِد عَنهُ (بعد) وجود مَا يَقْتَضِي تعديله، وَقد ظهر الْحق وَهُوَ أَحَق بالاتباع، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
فَائِدَتَانِ: الأولَى: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو بكر الْأَثْرَم بِلَفْظ غَرِيب وَهُوَ: «يَا أَبَا ذَر، إِن الصَّعِيد طهُور لمن لم يجد المَاء عشْرين سنة، فَإِذا وجدت المَاء فأمسه (بشرتك) » .
(الثَّانِيَة) : لما ذكر ابْن السكن فِي (صحاحه) حَدِيث أبي ذَر قَالَ: وَرُوِيَ مثله عَن جَابر، عَن النَّبِي ﷺ َ وَهُوَ وَارِد عَلَى قَول
стр. 1130
التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة، وَعبد الله بن عَمْرو، وَعمْرَان بن حُصَيْن.
(ثَالِثَة: الربذَة - برَاء مُهْملَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مفتوحتين، ثمَّ ذال مُعْجمَة - عَلَى ثَلَاث مراحل من الْمَدِينَة (وبقبر) أبي ذَر الْغِفَارِيّ) .
الحَدِيث (الْخَامِس) عشر
«أَنه ﷺ َ قَالَ فِي الْفَائِتَة: فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن ذَلِك وَقتهَا» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته بِدُونِ قَوْله: «فَإِن ذَلِك وَقتهَا» . من حَدِيث أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: «من نسي صَلَاة فليصلها إِذا ذكرهَا، لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك. قَالَ قَتَادَة: (أقِم الصَّلَاة لذكري» ) وَفِي لفظ: «من نسي صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فكفارتها أَن يُصليهَا إِذا ذكرهَا (لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك» وَفِي لفظ: «إِذا رقد أحدكُم عَن الصَّلَاة أَو غفل عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا؛ فَإِن الله - تَعَالَى - يَقُول: (أقِم الصَّلَاة لذكري» ) هَذِه رِوَايَات مُسلم، وَرِوَايَة خَ: «من نسي صَلَاة فَليصل إِذا (ذكر) لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك (وأقم الصَّلَاة
стр. 1131
لذكري» ) . وَانْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: «من نسي صَلَاة فليصلها إِذا ذكرهَا (فَإِن الله يَقُول) (أقِم الصَّلَاة لذكري» ) . قَالَ يُونُس: وَكَانَ ابْن شهَاب يقْرؤهَا «للذِّكْرَى» . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل هَذِه الْقطعَة فِي آخِره، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف من رِوَايَة حَفْص بن أبي العطاف، عَن أبي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: «من نسي صَلَاة فوقتها إِذا ذكرهَا» .
لَكِن إسنادها ضَعِيف، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: حَفْص لَا يحْتَج بِهِ. ويغني عَن هَذِه الرِّوَايَة مَا أسلفناه من لفظ الصَّحِيح.
الحَدِيث السَّادِس عشر
«أَن رجلَيْنِ خرجا فِي سفر فَحَضَرت الصَّلَاة وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاء، فتيمما صَعِيدا طيبا، فَصَليَا، ثمَّ وجدا المَاء فِي الْوَقْت، وَأعَاد أَحدهمَا الْوضُوء وَالصَّلَاة وَلم يعد الآخر، ثمَّ أَتَيَا رَسُول الله ﷺ َ فذكرا ذَلِك لَهُ فَقَالَ للَّذي لم يعد: أصبت السّنة وأجزأتك صَلَاتك. وَقَالَ للَّذي أعَاد: لَك الْأجر مرَّتَيْنِ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمسَيبِي
стр. 1132
(حَدثنَا) عبد الله بن نَافِع، عَن اللَّيْث بن سعد، عَن بكر بن سوَادَة، عَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «خرج رجلَانِ فِي سفر ... » الحَدِيث - كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء - ثمَّ قَالَ: غير ابْن نَافِع يرويهِ عَن اللَّيْث، عَن [عميرَة] بن أبي نَاجِية، عَن بكر بن سوَادَة، عَن عَطاء بن يسَار. عَن أبي عبد الله مولَى إِسْمَاعِيل بن (عبيد) ، عَن عَطاء بن يسَار «أَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ ... » بِمَعْنَاهُ.
وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي «مُسْنده» عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق مُسْندًا، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مُسْندًا ومرسلاً، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» مُسْندًا، ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ عبد الله بن نَافِع، عَن اللَّيْث بِهَذَا الْإِسْنَاد مُتَّصِلا، وَخَالفهُ ابْن الْمُبَارك وَغَيره. ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن الْمُبَارك عَن اللَّيْث، عَن
стр. 1133
بكر بن سوَادَة، عَن عَطاء «أَن رجلَيْنِ أصابتهما جَنَابَة فتيمما» نَحوه، وَلم يذكر أَبَا سعيد.
وَكَذَا قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي «الْأَوْسَط» : لم يروه مُتَّصِلا إِلَّا ابْن نَافِع، تفرد بِهِ الْمسَيبِي. وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث عبد الله بن نَافِع مُسْندًا، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم؛ فَإِن عبد الله بن نَافِع ثِقَة، وَقد وصل هَذَا (الْإِسْنَاد) عَن اللَّيْث، وَقد أرْسلهُ غَيره. ثمَّ رَوَاهُ مُرْسلا، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : لَعَلَّ الباحث الفطن يَقُول إِن الْحَاكِم صحّح الحَدِيث لاعتماده عَلَى وصل عبد الله بن نَافِع (لحكمه) بِكَوْنِهِ ثِقَة، وَلم يلْتَفت (إِلَى إرْسَال) غَيره، وَلَكِن (بقيت) عِلّة أُخْرَى وَهِي أَن أَبَا (دَاوُد) قد ذكر أَن غير ابْن نَافِع يرويهِ عَن اللَّيْث، عَن عميرَة بن أبي نَاجِية، عَن بكر، (فَمُقْتَضَى) عَادَة الْمُحدثين [تبين] بِإِدْخَال عميرَة بَين اللَّيْث و (بكر) أَنه مُنْقَطع فِيمَا بَينهمَا وَيحْتَاج إِلَى معرفَة حَال عميرَة هَذَا، وَقد قَالَ ابْن الْقطَّان: إِنَّه مَجْهُول الْحَال. وَأَيْضًا فَإِن رِوَايَة
стр. 1134
ابْن لَهِيعَة تَقْتَضِي انْقِطَاعًا فِيمَا بَين بكر وَعَطَاء بن يسَار، فَإِنَّهُ أَدخل بَينهمَا أَبَا عبد الله مولَى إِسْمَاعِيل - يَعْنِي السالف - فَهَذَا انْقِطَاع (ثانٍ) .
فَنَقُول - وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة -: أما مَا يتَعَلَّق بعميرة بن أبي نَاجِية فَالْجَوَاب عَن التَّعْلِيل بروايته من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن عميرَة غير مَجْهُول، بل هُوَ مَذْكُور بِالْفَضْلِ، والحافظ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان لم يمعن النّظر فِي أمره وَلَعَلَّه وقف عَلَى ذكره فِي «تَارِيخ البُخَارِيّ» و (ابْن أبي خَيْثَمَة) من غير بَيَان حَاله فَقَالَ فِيهِ مَا قَالَ، فقد قَالَ النَّسَائِيّ: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ ابْن بكر: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ أَحْمد بن صَالح لما سُئِلَ عَنهُ وَعَن (أبي) شُرَيْح: هما متقاربان فِي الْفضل. وَقَالَ ابْن يُونُس فِي «تَارِيخ مصر» : رَوَى عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَاللَّيْث وَابْن وهب و (رشدين) وَكَانَت لَهُ عبَادَة وَفضل.
قلت: وَذكره أَيْضا (ابْن حبَان) فِي «ثقاته» (فِي) أَتبَاع التَّابِعين فَقَالَ: عميرَة بن أبي نَاجِية من أهل مصر يروي عَن يزِيد بن أبي حبيب رَوَى عَنهُ ابْن وهب.
الْوَجْه الثَّانِي: أَنه رُوِيَ من طَرِيق أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، عَن اللَّيْث بن سعد، عَن عَمْرو بن الْحَارِث وعميرة بن أبي نَاجِية، عَن بكر، (عَن) عَطاء، عَن أبي سعيد «أَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ ... »
стр. 1135
الحَدِيث (ذكره) ابْن السكن - فِيمَا حَكَاهُ ابْن الْقطَّان - فَهَذَا اتِّصَال فِيمَا بَين اللَّيْث وَبكر بِعَمْرو بن الْحَارِث وعميرة بن أبي نَاجِية مَعًا، وَفِيه ذكر أبي سعيد، وَعَمْرو بن الْحَارِث من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» إِمَام فِي بَلَده. وَأما الِانْقِطَاع بِسَبَب ابْن لَهِيعَة فِيمَا بَين بكر وَعَطَاء فَقَالَ ابْن الْقطَّان: لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لضعف رِوَايَة ابْن لَهِيعَة. وَلم يذكر النَّوَوِيّ ﵀ فِي «شرح الْمُهَذّب» تَصْحِيح وصل هَذَا الحَدِيث كَمَا نَقَلْنَاهُ وقررناه، وَإِنَّمَا نقل مقَالَة أبي دَاوُد (السالفة) أَن الْمَحْفُوظ إرْسَاله، ثمَّ قَالَ عَقِيبه: وَمثل هَذَا الْمُرْسل يحْتَج بِهِ الشَّافِعِي وَغَيره؛ لِأَنَّهُ يحْتَج بمرسل كبار التَّابِعين إِذا أسْند، أَو أرسل من جِهَة أُخْرَى، أَو قَالَ (بِهِ) بعض الصَّحَابَة، أَو عوام الْعلمَاء.
قَالَ: وَقد وجد فِي هَذَا الحَدِيث شَيْئَانِ فَمن ذَلِك (أَحدهمَا) : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «مُسْنده» بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن نَافِع «أَن ابْن عمر أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم وَصَلى الْعَصْر، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة» .
ثَانِيهمَا: رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الزِّنَاد قَالَ: كَانَ من أدْركْت من فقهائنا الَّذين ينتهى إِلَى قَوْلهم مِنْهُم سعيد بن الْمسيب - وَذكر
стр. 1136
تَمام الْفُقَهَاء السَّبْعَة - يَقُولُونَ: من تيَمّم وَصَلى ثمَّ وجد المَاء (وَهُوَ) فِي الْوَقْت أَو بعده لَا إِعَادَة عَلَيْهِ.
الحَدِيث السَّابِع (عشر)
رُوِيَ أَنه ﷺ َ قَالَ: «لَا ظهران فِي يَوْم» .
هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ لم أَقف عَلَيْهِ بعد الْبَحْث عَنهُ، نعم رُوِيَ مَعْنَاهُ من حَدِيث حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمْرو بن شُعَيْب قَالَ: حَدَّثَني سُلَيْمَان مولَى مَيْمُونَة (أَنه سمع) ابْن عمر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ يَقُول: «لَا تصلى صَلَاة فِي يَوْم (وَاحِد) مرَّتَيْنِ» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (فِي سنَنه) كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن حُسَيْن، عَن عَمْرو أَيْضا، عَن سُلَيْمَان مولَى مَيْمُونَة قَالَ: «أتيت ابْن عمر عَلَى البلاط وهم يصلونَ، فَقلت: أَلا تصلي (مَعَهم) قَالَ: قد صليت، إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ يَقُول: لَا تصلوا صَلَاة فِي يَوْم مرَّتَيْنِ» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ حُسَيْن بن ذكْوَان الْمعلم.
قلت: لَا يضرّهُ؛ لِأَنَّهُ ثِقَة مَشْهُور احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ فَجَاز القنطرة، وَإِن لينه الْعقيلِيّ بِلَا حجَّة، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة رَوَاهَا أَحْمد فِي «مُسْنده»
стр. 1137
وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمَا» ، وَرَوَاهَا أَيْضا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» (بِلَفْظ) «إِن رَسُول الله ﷺ َ نَهَانَا أَن نعيد صَلَاة فِي يَوْم مرَّتَيْنِ» . وَعَزاهَا غير وَاحِد إِلَى «صَحِيح ابْن خُزَيْمَة» أَيْضا، ورأيتها فِي صِحَاح (ابْن) السكن (بِلَفْظ) : «لَا تصلى ... » إِلَى آخِره ثمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْن دَاوُد: هَذِه سنة تفرد بهَا أهل الْمَدِينَة.
فَائِدَة: مَعْنَى الحَدِيث: لَا تجب الصَّلَاة فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ، حتَّى لَا يكون مُخَالفا للأحاديث (الْآتِيَة) فِي بَاب صَلَاة الْجَمَاعَة أَن من صَلَّى مُنْفَردا وَأدْركَ جمَاعَة، (اسْتحبَّ لَهُ إِعَادَتهَا مَعَهم، وَأما ابْن عمر فَلم يعدها لِأَنَّهُ صلاهَا جمَاعَة) ومذهبه إِعَادَة الْمُنْفَرد فَقَط كَمَا هُوَ مَشْهُور عَنهُ، وَترْجم أَبُو دَاوُد عَلَى الحَدِيث: بَاب إِذا صَلَّى ثمَّ أدْرك جمَاعَة يُعِيد.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
أَنه ﷺ َ قَالَ: «إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فائتوا (مِنْهُ) مَا اسْتَطَعْتُم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح جليل مُتَّفق عَلَى صِحَّته وَعظم موقعه وَإنَّهُ
стр. 1138
قَاعِدَة عَظِيمَة من قَوَاعِد الْإِسْلَام، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: «إِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ، وَإِذا أَمرتكُم بِأَمْر فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» . زَاد أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» : «وَمَا أَخْبَرتكُم أَنه من عِنْد الله فَهُوَ الَّذِي لَا شكّ فِيهِ» .
هَذَا (آخر) الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَأما آثاره فخمسة: الأول: عَن ابْن عمر ﵁ «أَنه أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم وَصَلى الْعَصْر، فَقيل لَهُ: (أتتيمم) وجدران الْمَدِينَة تنظر إِلَيْك؟ فَقَالَ: أَو أَحْيَا حتَّى أدخلها. ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة وَلم يعد الصَّلَاة» . وَهَذَا الْأَثر تبع فِي (إِيرَاده الْغَزالِيّ هَكَذَا) فِي «وسيطه» ، وَهُوَ تبع إِمَامه فِيهِ (وَهُوَ) أثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن نَافِع «أَنه أقبل هُوَ وَعبد الله بن عمر من الجرف، حتَّى إِذا كَانَ بالمربد نزل عبد الله فَتَيَمم صَعِيدا طيبا فَمسح وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثمَّ صَلَّى» وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن ابْن عجلَان، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَنه أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم فَمسح وَجهه وَيَديه وَصَلى الْعَصْر
стр. 1139
ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة» وَفِي رِوَايَة لَهُ بالسند الْمَذْكُور «أَن ابْن عمر تيَمّم بمربد النعم» وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : «الْغنم (وَصَلى) الظّهْر ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة» وَرِوَايَة الشَّافِعِي لهَذَا الْأَثر عَن ابْن عُيَيْنَة مخرجة فِي «مُسْنده» أَيْضا، وَرِوَايَة مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» مخرجة عَنهُ فِي غير الْمسند، وَذكره البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ: «وَأَقْبل ابْن عمر من أَرض بالجرف، فَحَضَرت الصَّلَاة بمربد النعم فَصَلى، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد» .
ذكره بعد أَن ترْجم بَاب التَّيَمُّم فِي الْحَضَر إِذا لم يجد المَاء وَخَافَ فَوَات الصَّلَاة. (وَرَوَاهُ) الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث فُضَيْل بن عِيَاض، عَن مُحَمَّد بن عجلَان، عَن نَافِع « (أَن) ابْن عمر تيَمّم بمربد النعم وَصَلى وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد» .
ثمَّ رَوَاهُ عَن حَدِيث يَحْيَى بن سعيد، عَن ابْن عجلَان وَقَالَ بِإِسْنَادِهِ مثله. ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد، عَن نَافِع قَالَ: «تيَمّم عبد الله بن عمر عَلَى رَأس ميل أَو ميلين من الْمَدِينَة فَصَلى الْعَصْر، فَقدم وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة» .
стр. 1140
قلت: وَقد رُوِيَ هَذَا الْفِعْل أَيْضا عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين، عَن هِشَام بن حسان، عَن (عبيد الله بن عمر، عَن) نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ يتَيَمَّم (بِموضع) يُقَال لَهُ: مربد النعم وَهُوَ يرَى بيُوت الْمَدِينَة» .
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا الحَدِيث تفرد بِرَفْعِهِ عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين وَهُوَ صَدُوق (و) لم يخرجَاهُ. قَالَ: وَقد أوقفهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَغَيره، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ... فَذكره، وَخَالفهُ فِي ذَلِك تِلْمِيذه الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ: رفع هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ. وَصحح فِي «خلافياته» رِوَايَة الشَّافِعِي السالفة فَقَالَ فِيهَا: هَذَا عَن ابْن عمر ثَابت. ذكره بعد أَن رَوَاهُ مَرْفُوعا عَن شَيْخه الْحَاكِم مَوْقُوفا. وَقَالَ ابْن حبَان: رُبمَا أَخطَأ عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين. وَقَالَ ابْن قَانِع: صَالح.
تَنْبِيهَات: أَحدهَا: هَذَا الْأَثر أوردهُ الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي أَوَاخِر الْبَاب دَلِيلا عَلَى أَنه لَا يشْتَرط لعدم الْقَضَاء كَون السّفر طَويلا، وَوَقع فِي بعض نسخه «أَنه تيَمّم دَاخل الْمَدِينَة» وَهُوَ من (الْكَاتِب) وَصَوَابه «تيَمّم
стр. 1141
ثمَّ دخل الْمَدِينَة» كَمَا سلف، فَإِن المربد خَارِجهَا - كَمَا سَيَأْتِي.
ثَانِيهَا: الجرف - بِضَم الْجِيم وَالرَّاء بعدهمَا فَاء (وتسكن أَيْضا -: مَا أكلت السُّيُول من الأَرْض) . قَالَ الشَّافِعِي بعد رِوَايَته للأثر: وَهُوَ مَوضِع قريب من الْمَدِينَة. وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند» : إِنَّه مِنْهَا عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال. وَتبع فِي ذَلِك ابْن قرقول فَإِنَّهُ قَالَ فِي «مطالعه» : إِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال إِلَى (جِهَة) الشَّام. وَزعم الزبير أَنَّهَا عَلَى ميل، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عَلَى فَرسَخ. قَالَ ابْن قرقول: وَبهَا مَال عمر وأموال أهل الْمَدِينَة، وتعرف ببئر جُشم وبئر جمل.
ثَالِثهَا: المربد - بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة ثمَّ بَاء مَفْتُوحَة ثمَّ دَال -: مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة.
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْمَذْكُور: هُوَ كل مَوضِع يحبس فِيهِ الْإِبِل. قَالَ: وَقد يُسمى الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربدًا أَيْضا، وَهُوَ من قَوْلهم: ربد بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ. قَالَ: والمربد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْأَثر مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة عَلَى ميلين. وَكَذَا ذكره ابْن قرقول أَيْضا فَقَالَ فِي «مطالعه» : إِنَّه بِقرب الْمَدِينَة عَلَى ميلين (وَإنَّهُ) كل مَوضِع يحبس فِيهِ الْإِبِل. قَالَ: وَهُوَ مَوضِع أَيْضا خَارج الْبَصْرَة سوق الْإِبِل. قَالَ: وَاخْتلف هَل هُوَ فِي الأَصْل اسْم (لموْضِع) الْإِبِل أَو للعصا الَّتِي تجْعَل عَلَى بَابه مُعَارضَة. قَالَ: وَأهل الْبَصْرَة يسمون الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربدًا، فأصله من ربد بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ. وَقَالَ الْحَازِمِي فِي «الْمُخْتَلف
стр. 1142
والمؤتلف» (فِي) أَسمَاء الْأَمَاكِن: المربد - بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالدَّال -: محلّة بِالْبَصْرَةِ من أشهر محالها وأطيبها.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ دَار كَانَ يحبس فِيهِ (إبل) الصَّدَقَة، وَفِي الحَدِيث: «حتَّى إِذا كُنَّا بمربد النعم» وَالْمرَاد كلهَا محابس، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْن التِّين فِي «شرح البُخَارِيّ» : رَوَيْنَاهُ بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ فِي اللُّغَة بِكَسْرِهَا. وَقَالَ صَاحب «الْمُحكم» : المربد: محبس الْإِبِل، وَقيل: هِيَ خَشَبَة أَو عَصا تعترض صُدُور الْإِبِل فتمنعها من الْخُرُوج. والمربد: فضاء وَرَاء الْبيُوت (يرتفق بِهِ) (ومربد الْبَصْرَة من ذَلِك لأَنهم كَانُوا يحبسون فِيهِ الْإِبِل) والمربد كالحجرة فِي الدَّار، ومربد التَّمْر: جرينه الَّذِي يوضع فِيهِ بعد الجداد لييبس. وَقَالَ السُّهيْلي: المربد والجرين و (المسطح) والبيدر والأنْدَر و (الجَوخان) لُغَات بِمَعْنى وَاحِد.
الْأَثر الثَّانِي: قَالَ الرَّافِعِيّ: الْمَرَض مُبِيح فِي الْجُمْلَة قَالَ تَعَالَى: (وَإِن كُنْتُم مرضى أَو عَلَى سفر (إِلَى قَوْله: (فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا) نقل عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن الْمَعْنى: وَإِن كُنْتُم مرضى فَتَيَمَّمُوا أَو كُنْتُم عَلَى سفر فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا. وَنقل عَنهُ أَيْضا فِي تَفْسِير الْآيَة: إِذا كَانَت بِالرجلِ جِرَاحَة فِي سَبِيل الله أَو قُرُوح جدري فيجنب وَيخَاف أَن يغْتَسل فَيَمُوت فيتيمم بالصعيد.
стр. 1143
أما الْأَثر الأول: فَرَوَاهُ بِدُونِ السّفر الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» من حَدِيث عَاصِم الْأَحول، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «رخص للْمَرِيض التَّيَمُّم بالصعيد» . وَأما الثَّانِي: فروياه أَيْضا وَابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث جرير، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ «فِي قَوْله تَعَالَى: (وَإِن كُنْتُم مرضى أَو عَلَى سفر) قَالَ: إِذا كَانَت بِالرجلِ الْجراحَة فِي سَبِيل الله أَو القروح أَو الجدري فأجنب فخاف أَن يَمُوت إِن اغْتسل فليتيمم هَكَذَا» رَوَوْهُ مَرْفُوعا إِلَّا الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ وَقفه عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» من حَدِيث جرير بِهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَرَوَاهُ عَلّي بن عَاصِم، عَن عَطاء وَرَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ َ، وَوَقفه وَرْقَاء وَأَبُو عوَانَة وَغَيرهمَا وَهُوَ الصَّوَاب.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا بعد أَن رَوَاهُ مَرْفُوعا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَغَيره (أَيْضا) عَن عَطاء مَوْقُوفا و (كَذَلِك) رَوَاهُ [عزْرَة] عَن سعيد بن جُبَير مَوْقُوفا.
стр. 1144
قلت: وَعَطَاء قد أسلفنا فِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين (من بَاب الْأَحْدَاث) أَنه من الثِّقَات وَأَنه اخْتَلَط، فَمن رَوَى عَنهُ قبله كَانَ صَحِيحا، وَمن رَوَى عَنهُ بعده فَلَا، وأسلفنا هُنَاكَ أَن جَرِيرًا رَوَى عَنهُ بعد الِاخْتِلَاط.
قَالَ يَحْيَى بن معِين - فِيمَا ذكره ابْن عدي -: لم يرو جرير عَن عَطاء إِلَّا بعد اخْتِلَاطه. وَقد رَفعه عَن عَطاء هُنَا وَقد اخْتلف عَلَيْهِ - أَعنِي عَلَى عَطاء - فَرَوَاهُ (إِبْرَاهِيم) بن طهْمَان وَغَيره عَنهُ مَوْقُوفا كَمَا سلف.
وَأما عَلّي بن عَاصِم الَّذِي رَفعه أَيْضا فقد أسلفنا هُنَاكَ عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: سمع من عَطاء قَدِيما شُعْبَة وَالثَّوْري، وَسمع مِنْهُ جرير، وخَالِد بن عبد الله، وَإِسْمَاعِيل، وَعلي بن عَاصِم، وَكَانَ يرفع عَن سعيد بن جُبَير أَشْيَاء لم يكن يرفعها. قلت: لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا. قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ عَلّي بن عَاصِم عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي ﷺ َ «فِي المجدور وَالْمَرِيض إِذا خَافَ عَلَى نَفسه تيَمّم» قَالَ أَبُو زرْعَة: وَرَوَاهُ جرير أَيْضا فَقَالَ: عَن عَطاء، عَن سعيد، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه فِي المجدور، قَالَ: إِن هَذَا خطأ أَخطَأ فِيهِ عَلّي بن عَاصِم، وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة وورقاء وَغَيرهمَا، عَن عَطاء بن السَّائِب [عَن سعيد] عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوف وَهُوَ الصَّحِيح. وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي كتاب الصَّلَاة عَن سُفْيَان، عَن (عَاصِم) الْأَحول، عَن قَتَادَة، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس
стр. 1145
قَالَ: «رخص للْمَرِيض التَّيَمُّم أَرَأَيْت إِن كَانَ مجدورًا كَأَنَّهُ (صمعه) كَيفَ يصنع» .
فَائِدَة: القروح: الجروح وَنَحْوهَا، وَاحِدهَا قرح - بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَبِفَتْحِهَا مَعَ الرَّاء وَضمّهَا - وَقَالَ الرَّاغِب فِي «مفرداته» : الْقرح: الْأَثر من (الْجراح) من (شَيْء) يُصِيبهُ من خَارج، والقرح: أَثَرهَا من دَاخل كالبثرة وَنَحْوهَا. والجدري بِضَم الْجِيم وَفتحهَا لُغَتَانِ فصيحتان وَالدَّال مَفْتُوحَة فيهمَا.
الْأَثر الثَّالِث: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا (أَي: تُرَابا طَاهِرا» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين بِنَحْوِهِ أَحدهمَا: من حَدِيث ابْن إِدْرِيس، عَن قَابُوس بن أبي ظبْيَان - بِكَسْر الظَّاء - عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «الصَّعِيد: الْحَرْث حرث (الأَرْض) » .
ثَانِيهمَا: من حَدِيث جرير عَن قَابُوس، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «أطيب الصَّعِيد حرث الأَرْض» .
الْأَثر الرَّابِع: قَالَ الرَّافِعِيّ وَرُوِيَ عَن ابْن عمر مثله.
وَهَذَا لم (أر) من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ.
стр. 1146
الْأَثر الْخَامِس: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «من السّنة أَن لَا يصلى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا مَكْتُوبَة وَاحِدَة ثمَّ يتَيَمَّم لِلْأُخْرَى» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة - بِضَم الْعين - عَن (الحكم) ، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «من السّنة أَن لَا يُصَلِّي الرجل بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاة وَاحِدَة ثمَّ يتَيَمَّم للصَّلَاة الْأُخْرَى» . ثمَّ قَالَ: (الْحسن) بن عمَارَة ضَعِيف. ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث أبي يَحْيَى الْحمانِي، عَن الْحسن بن عمَارَة أَيْضا، عَن الحكم، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «لَا يصلى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاة وَاحِدَة» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : أَبُو يَحْيَى الْحمانِي، وَالْحسن بن عمَارَة مَتْرُوكَانِ. قلت: أما إِطْلَاق التّرْك عَلَى الْحسن بن عمَارَة فَهُوَ كَمَا قَالَ فِي حَقه، وَأما إِطْلَاقه (عَلَى) أبي يَحْيَى الْحمانِي عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن فَلَا أعلم لَهُ سلفا فِي ذَلِك، وَقد أخرج لَهُ مُسلم فِي مُقَدّمَة (صَحِيحه) وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ دَاعِيَة إِلَى الإرجاء. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ وَابْنه مِمَّن يكْتب حَدِيثهمَا. وَأما ذكره هُوَ - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ - فِي «ضُعَفَائِهِ» قَالَ: ضعفه أَحْمد وَوَثَّقَهُ
стр. 1147
يَحْيَى. وَلم يزدْ عَلَى ذَلِك، نعم أطلق الْكَذِب عَلَى ابْنه أحمدُ وَابْن نمير، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى وَغَيره، وَقَالَ الْجوزجَاني: ترك حَدِيثه. وَقَالَ ابْن عدي: صنف الْمسند وَلم (أر) فِي مُسْنده وَلَا فِي أَحَادِيثه أَحَادِيث مَنَاكِير وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ.
قلت: وَرَوَى نَحْو مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ثَلَاثَة من الصَّحَابَة أَيْضا: عَلّي بن أبي طَالب، و (عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ) ، وَعبد الله بن عمر.
أما أثر عَلّي فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حجاج، عَن أبي إِسْحَاق، عَن الْحَارِث، عَن عَلّي قَالَ: «يتَيَمَّم لكل صَلَاة» . حجاج (هُوَ) ابْن أَرْطَاة النَّخعِيّ الْفَقِيه ضَعِيف. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا أحتج بِهِ إِلَّا فِيمَا قَالَ: أَنا وَسمعت. قلت: وَقد عُدِمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة، والْحَارث هُوَ الْأَعْوَر وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، وَنسبه ابْن الْمَدِينِيّ إِلَى الْكَذِب.
وَأما أثر (عبد الله) فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن قَتَادَة (أَن) عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ يتَيَمَّم لكل
стр. 1148
صَلَاة» وَبِه كَانَ يُفْتِي قَتَادَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : هَذَا مُرْسل. ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث همام عَن (عَامر) الْأَحول «أَن عَمْرو بن الْعَاصِ (كَانَ) يتَيَمَّم لكل صَلَاة» (وَأما أثر عبد الله بن عمر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الْوَارِث، عَن عَامر بن عبد الْوَاحِد الْأَحول، عَن نَافِع «أَن ابْن عمر كَانَ يتَيَمَّم لكل صَلَاة» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن الْحَاكِم، عَن أبي بكر بن إِسْحَاق - وَهُوَ ابْن خُزَيْمَة - عَن عبد الله بن مُحَمَّد، عَن الْحسن بن عِيسَى، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن عبد الْوَارِث، عَن عَامر - يَعْنِي الْأَحول - عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: «تيَمّم لكل صَلَاة وَإِن لم تحدث» ثمَّ قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح (قَالَ: وَهُوَ أصح حَدِيث فِي الْبَاب) . وَقَالَ فِي «خلافياته» وَقد سَاقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ السالف: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح. قَالَ: وَهُوَ أصح حَدِيث فِي الْبَاب وَبِه تقع الْكِفَايَة إِذْ لَا يعرف لَهُ مُخَالف من الصَّحَابَة فِيهِ.
قلت: وعامر الْأَحول وَإِن ضعفه ابْن عُيَيْنَة وَأحمد فقد وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَأخرج لَهُ مُسلم فَجَاز القنطرة.
стр. 1149
وَقَول ابْن حزم: الرِّوَايَة عَن ابْن عمر لَا تصح. لَيْسَ بجيد مِنْهُ؛ لما علمت إِذْ عرفت هَذِه الْآثَار، فليت الرَّافِعِيّ اقْتصر مِنْهَا عَلَى أثر ابْن عمر دون مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس أَو ذكره أَولا، ثمَّ ذكر مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس بعده، ثمَّ ذكر الرَّافِعِيّ (بعده) : أَن السّنة فِي كَلَام الصَّحَابِيّ ينْصَرف إِلَى سنة رَسُول الله ﷺ َ. وَهُوَ كَمَا قَالَ كَمَا هُوَ مُقَرر فِي عُلُوم الحَدِيث.
خاتمتان: الأولَى: قَالَ الرَّافِعِيّ ﵀: اخْتلفت الصَّحَابَة فِي تيَمّم الْجنب، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي تيَمّم الْحَائِض (انْتَهَى) ، أما اخْتلَافهمْ فِي الأول فمشهور عَن عمر وَابْن مَسْعُود كَمَا ثَبت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهُمَا، ففيهما عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود: « (لَو) أَن جنبا لم يجد المَاء شهرا لَا يتَيَمَّم. قَالَ أبوموسى لَهُ: فَكيف تصنع بِهَذِهِ الْآيَة (فَلم تَجدوا (فَقَالَ عبد الله: لَو رخص لَهُم (لأوشكوا) إِذا بَرد عَلَيْهِم المَاء أَن يتيمموا بالصعيد. فَذكر أَبُو مُوسَى لعبد الله قصَّة عمار، فَقَالَ عبد الله: ألم تَرَ عمر لم (يقنع) بقول عمار» وَفِيهِمَا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى «أَن رجلا أَتَى
стр. 1150
عمر فَقَالَ: (إِنِّي) أجنبت فَلم أجد (مَاء) . فَقَالَ عمر: لَا تصل. فَقَالَ عمار: أما تذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ أَنا وَأَنت فِي سَرِيَّة فأجنبنا فَلم نجد مَاء، فَأَما أَنْت فَلم تصل، وَأما أَنا فتمعكت فِي التُّرَاب وَصليت فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض ثمَّ تمسح بهما وَجهك وكفيك؟ فَقَالَ عمر: اتَّقِ الله يَا عمار. قَالَ: إِن شِئْت لم أحدث بِهِ» .
لم يذكر البُخَارِيّ قَول (عمر) للرجل «لَا تصل» قَالَ ابْن الصّباغ وَغَيره: وَقيل: إِن عمر وَابْن مَسْعُود رجعا. (قَالَ) : وَأما اتِّفَاقهم عَلَى تيَمّم الْحَائِض فَظَاهر إِيرَاد النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» يُخَالِفهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: التَّيَمُّم عَن الْحَدث الْأَكْبَر جَائِز، وَبِه قَالَ الْعلمَاء كَافَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ إِلَّا عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَإِنَّهُم منعُوهُ.
(الخاتمة) الثَّانِيَة: لما ذكر الرَّافِعِيّ الْكَيْفِيَّة الْمَشْهُورَة فِي التَّيَمُّم قَالَ: زعم بَعضهم أَنَّهَا منقولة عَن فعل رَسُول الله ﷺ َ وَهَذَا الزاعم أَظُنهُ الْمَاوَرْدِيّ (فَإِنَّهُ قَالَ) فِي «حاويه» : إِنَّمَا ذكرهَا الشَّافِعِي لأمرين
стр. 1151
أَحدهمَا: أَنه اتبع فِيهِ الرِّوَايَة عَن النَّبِي ﷺ َ. وَهَذَا لم أَقف عَلَيْهِ بعد الْبَحْث عَنهُ، ونفاه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فَقَالَ: إِنَّه لم يرد بهَا خبر وَلَا أثر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ عَلَى «الْوَسِيط» (الْمُسَمَّاة) «بالتنقيح» لَا يَصح فِي هَذِه الكفية شَيْء، وَقَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الزاعم لَيْسَ بِشَيْء، فَإِن قلت: قد اسْتدلَّ صَاحب «الْمُهَذّب» لهَذِهِ الْكَيْفِيَّة بِحَدِيث أسلع ﵁ وَهُوَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ قلتُ: لَا دَلِيل فِيهِ (لَهَا) لعدم الْمُطَابقَة للكيفية الَّتِي فِي الرَّافِعِيّ، فَتَأمل ذَلِك. ثمَّ إِن الحَدِيث ضعفه الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ: الرّبيع بن بدر رَاوِيه، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن الأسلع ضَعِيف إِلَّا أَنه غير مُنْفَرد (آخر الْجُزْء الرَّابِع فِي تجزئة المُصَنّف غفر الله لَهُ ويتلوه فِي الْخَامِس عشر بَاب الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ) .
стр. 1152
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
(رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة وهيئ لنا من أمرنَا رشدا)
بَاب الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ
ذكر (فِيهِ) ﵀ ثَمَانِيَة أَحَادِيث وأثرًا وَاحِدًا.
الحَدِيث الأول
عَن أبي بكرَة ﵁ « (أَن رَسُول الله ﷺ َ) أرخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَئِمَّة.
رَوَاهُ الشَّافِعِي (فِي «الْأُم» ) فَقَالَ: أخبرنَا (عبد الْوَهَّاب) الثَّقَفِيّ، عَن المُهَاجر أبي مخلد، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، عَن أَبِيه بِهِ إِلَى قَوْله «وَلَيْلَة» .
قَالَ الشَّافِعِي: إِذا تطهر ... إِلَى آخِره، وَكَذَا هُوَ فِي «الْمُخْتَصر» أَيْضا.
وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أرخص للْمُسَافِر أَن يمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام
стр. 1153
ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة» وَهِي مخرجة فِي «الْمسند» .
وَرَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» ، عَن زيد بن الْحباب، ثَنَا عبد الْوَهَّاب، ثَنَا المُهَاجر مولَى البكرات، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، عَن أَبِيه: «أَن النَّبِي ﷺ َ جعل للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة» .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، من حَدِيث عبد الْوَهَّاب أَيْضا بِلَفْظ: «أَن رَسُول الله ﷺ َ رخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر، وَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «يمسح الْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن والمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بالسند الْمَذْكُور، إِلَّا أَنه أبدل المُهَاجر بِخَالِد الْحذاء، وَلَفظه: «أَنه ﵇ سُئِلَ عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَ: للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة. وَكَانَ [أبي] ينْزع خفيه وَيغسل رجلَيْهِ» .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : وَهَذَا الْإِسْنَاد أجل من الأول - يَعْنِي: إِسْنَاد الدَّارَقُطْنِيّ وموافقته - لمَكَان خَالِد الْحذاء بدل المُهَاجر، فَإِن خَالِدا مُتَّفق عَلَيْهِ، إِلَّا أَن الْبَيْهَقِيّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ
стр. 1154
جمَاعَة عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن المُهَاجر. وَرَوَاهُ زيد بن الْحباب عَنهُ عَن خَالِد الْحذاء، فإمَّا أَن يكون غَلطا مِنْهُ أَو من الْحسن بن عَفَّان - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ عَن زيد بن الْحباب - وَإِمَّا أَن يكون رَوَاهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أولَى أَن تكون مَحْفُوظَة. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لما سُئِلَ عَنهُ أَن الصَّحِيح حَدِيث المُهَاجر، فَإِنَّهُ قَالَ: رَوَاهُ مهَاجر بن خَالِد مولَى آل أبي بكرَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، عَن أَبِيه، حدث بِهِ وهيب بن خَالِد (و) عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَاخْتلف عَن عبد الْوَهَّاب فَرَوَاهُ عَنهُ ابْنه عُثْمَان [بن] عبد الْوَهَّاب، ومسدد، وَبُنْدَار، وَأَبُو الْأَشْعَث فَقَالُوا: عَن مهَاجر، عَن ابْن أبي بكرَة، عَن أَبِيه، وَخَالفهُم زيد بن الْحباب فَرَوَاهُ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، عَن خَالِد، عَن ابْن أبي بكرَة، عَن أَبِيه، وَالصَّحِيح حَدِيث مهَاجر.
قلت: قد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، عَن زيد بن الْحباب، عَن عبد الْوَهَّاب، عَن المُهَاجر (عَن ابْن أبي بكرَة، عَن أَبِيه) كَمَا أسلفناه، فَكَأَنَّهُ اخْتلف عَنهُ أَيْضا.
стр. 1155
(قلت) : وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان من حَدِيث عبد الْوَهَّاب، عَن مهَاجر، أخرجه ابْن خُزَيْمَة عَن بنْدَار وَبشر بن معَاذ الْعَقدي وَمُحَمّد بن أبان، عَن عبد الْوَهَّاب، عَن المُهَاجر، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ َ: «أَنه رخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا» . وَهَذِه الرِّوَايَة مُوَافقَة لرِوَايَة الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب.
وَأخرجه ابْن حبَان بلفظين أَحدهمَا: «أَنه ﵇ أرخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر وَلبس خفيه فليمسح عَلَيْهِمَا» .
ثَانِيهمَا: «أَنه ﵇ وَقت فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر، وللمقيم (يَوْمًا) وَلَيْلَة» ، وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» من حَدِيث يَحْيَى بن معِين، عَن عبد الْوَهَّاب، عَن مهَاجر بِلَفْظ: «أَنه ﵇ جعل للمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة، وللمسافر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ» .
وَصحح الحَدِيث أَيْضا إمامنا فِي رِوَايَة حَرْمَلَة، كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» حَيْثُ قَالَ عَنهُ إِنَّه قَالَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة: أَخذنَا فِي التَّوْقِيت بِحَدِيث المُهَاجر وَكَانَ إِسْنَادًا صَحِيحا. قَالَ: وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَهَذَا رَأَيْته فِي «علل التِّرْمِذِيّ
стр. 1156
الْكَبِير» وَهُوَ كتاب مُفْرد، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: ولين بَعضهم المُهَاجر، قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: لين الحَدِيث لَيْسَ بِذَاكَ، وَلَيْسَ بالمتقن، شيخ يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ ابْن معِين: صَالح.
فَائِدَة: اسْم أبي بكرَة (بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَوله، وهاء التَّأْنِيث فِي آخِره) نفيع بن الْحَارِث، وَقيل: مسروح، كني بذلك لِأَنَّهُ تدلى ببكرة من حصن الطَّائِف إِلَى رَسُول الله ﷺ َ، فكناه بذلك لما أخبرهُ بِفِعْلِهِ، كَمَا رَوَاهُ عبد الْغَنِيّ فِي كتاب «أَسبَاب الْأَسْمَاء» وَهُوَ أحد الصَّحَابَة (الَّذين لم يموتوا حتَّى رَأَى كل وَاحِد من صلبه مائَة ولد ذكر، وهم ثَلَاثَة ذكرتهم فِي تخريجي) لأحاديث (الْمُهَذّب» فاستفدهم مِنْهُ، (مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَخمسين) .
الحَدِيث الثَّانِي
عَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي ﵁ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله ﷺ َ إِذا كُنَّا مسافرين - أَو سفرا - أَن لَا ننزع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن إِلَّا من جَنَابَة لَكِن من غَائِط أَو بَوْل أَو نوم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي، وَأحمد فِي «مسنديهما» ، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» ،
стр. 1157
وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» ، من رِوَايَة عَاصِم بن أبي النجُود - بنُون مَفْتُوحَة، ثمَّ جِيم، (ثمَّ وَاو) ، ثمَّ دَال مُهْملَة، واسْمه بَهْدَلَة - الْمُقْرِئ، عَن زر، عَن صَفْوَان، وَهُوَ بِكَمَالِهِ يتَضَمَّن قصَّة الْمسْح، وَفضل طلب الْعلم، وَأمر التَّوْبَة، وَبَعض هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين طوله، وَبَعْضهمْ اخْتَصَرَهُ، وَذكر أَنه رَوَاهُ عَن عَاصِم أَكثر من ثَلَاثِينَ من الْأَئِمَّة، حَكَاهُ صَاحب «الإِمَام» وَقَالَ ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» : رَوَاهُ عَن عَاصِم جماعات، وعددهم فَوق الْأَرْبَعين.
وَرَوَاهُ جماعات عَن زر مِنْهُم عبد الْوَهَّاب (بن) بخت، وَالْحسن بن عبد الرَّحْمَن الْكَاتِب الْكُوفِي، وَعبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق، وَطَلْحَة بن مصرف، وَبشر بن عَطِيَّة، وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، والمنهال بن عَمْرو، وَعِيسَى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، وَأَبُو (سعد) سعيد بن الْمَرْزُبَان الْبَقَّال، وَمُحَمّد بن سوقة، وَأَبُو عِيسَى حبيب بن أبي ثَابت.
قَالَ: وَرَوَاهُ عَن صَفْوَان جمَاعَة مِنْهُم: أَبُو الغريف عبيد الله بن خَليفَة، وَحُذَيْفَة بن أبي حُذَيْفَة الْأَزْدِيّ، وَأَبُو الجوزاء أَوْس بن عبد الله الربعِي، وَقيل أَبُو الجوزاء الَّذِي رَوَاهُ: ربيعَة بن شَيبَان، وَالْحسن الْبَصْرِيّ.
стр. 1158
قَالَ التِّرْمِذِيّ: (هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح) . وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ البُخَارِيّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ فِي «علله» : إِنَّه أصح حَدِيث فِي التَّوْقِيت. وَفِي الْجَامِع (عَنهُ) (أَنه حسن) ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : عَاصِم وَإِن تكلم فِي حفظه فقد خرّج عَنهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) .
قلت: أخرجَا لَهُ مَقْرُونا لَا اسْتِقْلَالا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» فِي مَسْأَلَة النّوم: عَاصِم بن بَهْدَلَة قَارِئ أهل الْكُوفَة وَإِن لم يخرج الشَّيْخَانِ حَدِيثه فِي الصَّحِيح لسوء حفظه، فَلَيْسَ (بساقط) إِذا وَافق (فِيمَا) يرويهِ الثِّقَات وَلم يُخَالِفهُ الْأَثْبَات، وَقد رَوَى أول هَذَا الحَدِيث - وَهُوَ (حَدِيث) طلب الْعلم - عبد الْوَهَّاب بن بخت - وَهُوَ من ثِقَات الْبَصرِيين - عَن زر نَحْو حَدِيث عَاصِم بن بَهْدَلَة. وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان من «مُسْتَدْركه» : لم يذكر الشَّيْخَانِ لِصَفْوَان بن عَسَّال حَدِيثا وَاحِدًا. قَالَ: وَسمعت أَبَا عبد الله الْحَافِظ مُحَمَّد بن يَعْقُوب وَسَأَلَهُ مُحَمَّد بن عبيد فَقَالَ: لم ترك الشَّيْخَانِ حَدِيث صَفْوَان
стр. 1159
بن عَسَّال أصلا؟ فَقَالَ: لفساد الطَّرِيق إِلَيْهِ.
قَالَ الْحَاكِم: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو عبد الله بِهَذَا حَدِيث عَاصِم عَن زر، فَإِنَّهُمَا تركاه.
قلت: وَلِحَدِيث صَفْوَان هَذَا متابع فِي الْمسْح من جِهَة عبد الْكَرِيم بن (أبي) الْمخَارِق، عَن حبيب بن أبي ثَابت، عَن زر، رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ وَهِي مُتَابعَة غَرِيبَة.
قَالَ صَاحب «الإِمَام» : إِلَّا أَن عبد الْكَرِيم ضَعَّفُوهُ. وَقَالَ الْحسن وَأَبُو عَلّي بن السكن: وَقَالَ الصَّعق بن حزن، عَن عَلّي بن الحكم، عَن الْمنْهَال بن (عَمْرو) ، عَن زر، عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: «جَاءَ رجل من مُرَاد يُقَال لَهُ صَفْوَان» ، وَلم يُتَابع (عَلَيْهِ) ، وَهَذِه مُتَابعَة ثَانِيَة.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي روق (عَطِيَّة بن الْحَارِث) ، نَا أَبُو الغريف - بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَكسر الرَّاء، وَآخره فَاء - واسْمه (عبيد الله) بن خَليفَة، عَن صَفْوَان بن عَسَّال، قَالَ: «بعثنَا رَسُول الله ﷺ َ فِي سَرِيَّة وَقَالَ: ليمسح أحدكُم إِذا كَانَ مُسَافِرًا عَلَى خفيه إِذا أدخلهما طاهرتين ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وليمسح الْمُقِيم يَوْمًا وَلَيْلَة» .
وَرَوَاهُ أَبُو يعْلى بِنَحْوِهِ، وَهَذِه مُتَابعَة ثَالِثَة.
стр. 1160
قَالَ أَبُو حَاتِم: (أَبُو) الغريف لَيْسَ بالمشهور. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (من) حَدِيث يَحْيَى بن فُضَيْل، عَن الْحسن بن صَالح، عَن أبي جناب (الْكَلْبِيّ) ، عَن طَلْحَة بن مصرف، عَن زر بن حُبَيْش، عَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله ﷺ َ أَمسَح عَلَى الْخُفَّيْنِ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، ثَلَاثَة أَيَّام للْمُسَافِر لَا ينْزع من غَائِط، وَلَا بَوْل (وَلَا نوم) ، وَيَوْم وَلَيْلَة للمقيم» ثمَّ قَالَ: لم يروه إِلَّا أَبُو جناب، تفرد بِهِ يَحْيَى بن فُضَيْل.
قلت: وَهَذِه مُتَابعَة رَابِعَة، وَقد أَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى بعض المتابعات فَإِنَّهُ قَالَ فِي «جَامعه» : وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن صَفْوَان من غير حَدِيث عَاصِم.
وَأخرج أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» (رِوَايَة) عَاصِم من طرق مِنْهَا عَن معمر عَنهُ، فَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة بِخَبَر غَرِيب، ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، وَمُحَمّد بن رَافع، قَالَا: ثَنَا عبد الرَّزَّاق، أَنا معمر، عَن عَاصِم، عَن زر، قَالَ: أتيت صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي
следующие страницы →