Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ لنا أَبُو بكر: سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى يَقُول: هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج، وَهُوَ مُرْسل، وَأما حَدِيث ابْن أبي مليكَة، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَلَيْسَ بِشَيْء.
ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث (عبد الْوَهَّاب) ، عَن ابْن جريج، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ «من وجد رعافًا أَو قيئًا أَو مذيًا أَو قلسًا، فَليَتَوَضَّأ، ثمَّ ليتم عَلَى مَا مَضَى مَا بَقِي، و (هُوَ) مَعَ ذَلِك يتوقى (أَن يتَكَلَّم) » وَصرح الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي «علله» بتصويب رِوَايَة الْإِرْسَال فَقَالَ: رَوَاهُ أَصْحَاب ابْن جريج، عَن أَبِيه مُرْسلا، وَلم يذكرُوا ابْن أبي مليكَة وَهُوَ الصَّوَاب.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: رِوَايَة إِسْمَاعِيل، عَن ابْن جريج، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن عَائِشَة خطأ، إِنَّمَا (يرويهِ) ابْن جريج، عَن أَبِيه، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، والْحَدِيث هُوَ هَذَا. وَلما ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي «إِمَامه» كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» السالفة أتبعه بِكَلَام أبي حَاتِم هَذَا، ثمَّ قَالَ: يَنْبَغِي أَن يتتبع هَذَا بالكشف، ثمَّ ذكر رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة الْمُرْسلَة ثمَّ المسندة الَّتِي فِيهَا: قَالَ ابْن جريج ... إِلَى آخِره [قَالَ:] وَمِمَّنْ رَوَاهُ بِهَذَيْنِ الإسنادين جَمِيعًا عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الرّبيع بن نَافِع وَدَاوُد
стр. 1927
بن رشيد، ثمَّ قَالَ: و (هَذِه) الرِّوَايَات الَّتِي جمع فِيهَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش بَين الإسنادين جَمِيعًا - أَعنِي: الْمُرْسل والمسند - فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا يبعد الْخَطَأ عَلَى إِسْمَاعِيل، فَإِنَّهُ لَو اقْتصر عَلَى (رفع مَا وَقفه) النَّاس لتطرق الْوَهم إِلَى خطئه تطرقًا قَرِيبا، فَأَما وَقد وَافق النَّاس إِلَى روايتهم الْمُرْسل وَزَاد عَلَيْهِم (الْمسند) فَهَذَا يشْعر بتحفظٍ وَتثبت فِيمَا زَاده عَلَيْهِم. قَالَ: وَإِسْمَاعِيل (قد) وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَغَيره، وَتَابعه عَلَى الْمسند سُلَيْمَان بن أَرقم. وَهَذَا الْبَحْث من الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُؤذن بِصِحَّة رِوَايَة الْمسند أَيْضا، وَاحْتج إِلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» فَإِنَّهُ قَالَ: إِن قيل: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج يَرْوُونَهُ، عَن ابْن جريج، عَن أَبِيه مُرْسلا، وَأما حَدِيثه، عَن ابْن (أبي) مليكَة، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَيْسَ بِشَيْء، وَإِنَّمَا يرويهِ ابْن أبي مليكَة عَن النَّبِي ﷺ ، ثمَّ أجَاب بِأَن يَحْيَى بن معِين وثق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة. والمرسل عِنْد أَحْمد حجَّة. انْتَهَى كَلَامه.
وَخَالف ذَلِك فِي «علله» فَذكره وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا يَصح؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تغير فَصَارَ يخلط. قَالَ ابْن عدي: وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة. وَهَذَا تخَالف مِنْهُ عَجِيب،
стр. 1928
وَقد أسلفت لَك فِي الحَدِيث السَّابِع من بَاب الْغسْل (مقَالَة) الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَأَن أَكثر الْحفاظ عَلَى ضعفه فِي غير الشاميين، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَته عَن ابْن جريج وَهُوَ حجازي، فَهُوَ ضَعِيف من هَذَا الْوَجْه، وَقد ضعفه جماعات.
قَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» لما ذكره من طَرِيق إِسْمَاعِيل، عَن ابْن جريج، عَن أَبِيه، وَعَن ابْن أبي مليكَة، عَن عَائِشَة: هَذَانِ أثران ساقطان؛ لِأَن وَالِد ابْن جريج لَا صُحْبَة لَهُ، فَهُوَ مُنْقَطع، وَالْآخر من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَهُوَ سَاقِط لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ. انْتَهَى كَلَامه. وَعبارَته فِي إِسْمَاعِيل فِيهَا نظر، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَاقِطا كَمَا أَشرت إِلَيْهِ هُنَاكَ، بل هُوَ من الْمُخْتَلف فيهم.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : اسْتدلَّ (أَصْحَابنَا) بِأَحَادِيث مُسْتَقِيمَة رويت بأسانيد واهية فَذكر مِنْهَا هَذَا الحَدِيث، وَتكلم عَلَيْهِ نَحْو كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ السالف، وَقَالَ: إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لَا تقوم بِهِ حجَّة، وَعباد وَابْن عجلَان ضعفاء. قَالَ يَحْيَى فِي عباد: لَيْسَ بِشَيْء، وَكَانَ يوضع لَهُ الحَدِيث فَيحدث بِهِ. وَقَالَ البُخَارِيّ: تَرَكُوهُ. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي عَطاء: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الْجوزجَاني: كَذَّاب، (قَالَ:) وَتَابعه سُلَيْمَان وَهُوَ شَرّ من إِسْمَاعِيل بِكَثِير. قَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ يسوى فلسًا. وَقَالَ البُخَارِيّ: تَرَكُوهُ. وَقَالَ الْجوزجَاني: سَاقِط. قَالَ الْبَيْهَقِيّ:
стр. 1929
فَهَذَا حَال رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ: وَالصَّوَاب إرْسَاله. وَذكر فِي «سنَنه» عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: مَا رَوَى ابْن عَيَّاش، عَن الشاميين صَحِيح، [وَمَا رَوَى] عَن أهل الْحجاز فَلَيْسَ بِصَحِيح، وَإِنَّمَا رَوَى ابْن جريج هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه لَيْسَ فِيهِ ذكر عَائِشَة ثمَّ أسْندهُ كَذَلِك مُرْسلا قَالَ: وَهُوَ الْمَحْفُوظ.
قلت: وَضَعفه أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى «الْوَسِيط» (فَقَالَ) : هَذَا حَدِيث لَا يَصح رَفعه وَهُوَ مُرْسل ضَعِيف رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن أَبِيه، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا. وَرَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل جمَاعَة عَن ابْن جريج (عَن أَبِيه مُرْسلا) وَالْمَحْفُوظ فِيهِ الْمُرْسل، كَذَلِك رَوَاهُ جمَاعَة غَيره من الثِّقَات، ووصْلُِه أحد مَا أُنكر عَلَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَأهل الحَدِيث يضعفونه فِيمَا يرويهِ عَن غير أهل الشَّام لسوء حفظه عَنْهُم، وَابْن جريج لَيْسَ شاميٍّا فَاعْلَم ذَلِك؛ فَإِن فِي «نِهَايَة الْمطلب» عَلَى هَذَا الحَدِيث كلَاما غير قويم.
قلت: أَرَادَ بِهِ قَوْله (فِيهِ) تَوْجِيه الْقَدِيم الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة، عَن عَائِشَة إِلَى آخِره قَالَ: وَإِنَّمَا لم يقل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لإرسال ابْن أبي مليكَة؛ فَإِنَّهُ لم يلق عَائِشَة وَلَا حجَّة فِي الْمُرْسل عِنْده، وَقد رَوَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فِي طَرِيقه، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة، لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا سيئ الْحِفْظ، كثير الْغَلَط فِيمَا يرويهِ عَن غير الشاميين، وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من
стр. 1930
الشاميين. هَذَا آخر كَلَامه وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي «بسيطه» فَقَالَ: (رَوَى) ابْن أبي مليكَة، عَن عَائِشَة عَنهُ (أَنه قَالَ: «من قاء ... » إِلَى آخِره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ السالف، ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا لم يعْمل بِهِ الشَّافِعِي؛ لكَونه مُرْسلا، وَإِلَّا فيسهل عَلَيْهِ كتب صِحَاح. انْتَهَى. وَفِيه أغاليط فَاحِشَة:
إِحْدَاهَا: دَعْوَاهُ (أَنه) فِي الصِّحَاح وَلم يُخرجهُ أحد فِيهَا، وَهُوَ (من) أَفْرَاد «سنَن ابْن مَاجَه» ، وفيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَات.
ثَانِيهَا: قَوْله (إِنَّه) جعل (إرْسَاله أَن) ابْن أبي مليكَة لم يلق عَائِشَة، وَإِنَّمَا إرْسَاله أَن ابْن جريج يرويهِ عَن أَبِيه مُرْسلا كَمَا سلف عَن الدَّارَقُطْنِيّ، أَو يرويهِ عَن أَبِيه، عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسلا كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم، وَلَئِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره فَهُوَ مُنْقَطع لَا مُرْسل بِحَسب اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ.
ثَالِثهَا: إِدْخَاله عُرْوَة (بَين) عَائِشَة وَابْن أبي مليكَة، فَإِنَّهُ غَرِيب لم أر أحدا ذكره سواهُ، وَقد (أخرجته) من طرق لَيْسَ هَذَا فِيهَا.
رَابِعهَا: دَعْوَاهُ أَن إِسْمَاعِيل رَوَاهُ عَن ابْن أبي مليكَة، ثمَّ ضعف إِسْمَاعِيل فِي غير الشاميين، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَن ابْن جريج عَنهُ فَقَوله: وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من
الشاميين صَوَابه إِذن، وَابْن جريج لَيْسَ من
стр. 1931
الشاميين، فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ وهم الإِمَام فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَخُرُوجه عَن الصَّوَاب فِي التَّعْبِير عَن (المُرَاد) ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيث غير ثَابت كَمَا قَررنَا، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ، وَقد نقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» فِي بَاب الْأَحْدَاث مِنْهُ اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعفه؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل، [عَن] ابْن جريج وَهُوَ حجازي، وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل عِنْد أهل الْحجاز ضَعِيفَة عِنْد أهل الحَدِيث، وَلِأَنَّهُ مُرْسل.
قَالَ الْحفاظ: الْمَحْفُوظ أَنه عَن ابْن جريج، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ مِمَّن قَالَ ذَلِك: الشَّافِعِي، وَأحمد بن حَنْبَل، وَمُحَمّد بن يَحْيَى، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم عَن أَبِيه وَأبي زرْعَة، وَأَبُو [أَحْمد] بن عدي، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم.
الطَّرِيق الثَّانِي: من طرق الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته، فلينصرف فليغسل الدَّم، ثمَّ ليعد وضوءه وَيسْتَقْبل صلَاته» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» من حَدِيث سُلَيْمَان (بن أَرقم، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا؛ فَإِن سُلَيْمَان) هَذَا مَتْرُوك الحَدِيث كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة
стр. 1932
لَهما: «كَانَ ﵇ إِذا رعف فِي صلَاته تَوَضَّأ ثمَّ بنى عَلَى مَا بَقِي من صلَاته» .
وَفِي إسنادها عمر بن ريَاح - برَاء مُهْملَة مَكْسُورَة ثمَّ مثناة تَحت - وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ الفلاس: دجال.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من رعف فِي صلَاته، فَليرْجع فَليَتَوَضَّأ وليبن عَلَى صلَاته» .
روياه أَيْضا وَقَالا: فِي إِسْنَاده أَبُو بكر الداهري - يَعْنِي: بِالدَّال الْمُهْملَة - (عبد الله) بن حَكِيم وَهُوَ مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : لَا يَصح. قَالَ السَّعْدِيّ: الداهري هَذَا كَذَّاب مُصَرح. وَقَالَ ابْن حبَان: يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات. وَفِي «مُصَنف عبد الرَّزَّاق»
стр. 1933
بِإِسْنَاد جيد (عَلَى شَرط الصَّحِيح) عَن عَلّي قَالَ: «إِذا رعف الرجل فِي صلَاته أَو قاء، فَليَتَوَضَّأ وَلَا يتَكَلَّم، وليبن عَلَى صلَاته» وَهَذَا مَوْقُوف جيد.
فَائِدَة: القلس فِي الحَدِيث - بِالْقَافِ وَاللَّام وبالسين الْمُهْملَة - الْقَيْء. وَقَالَ الْخَلِيل: هُوَ مَا خرج من الْحلق ملْء الْفَم أَو دونه وَلَيْسَ هُوَ بقيء، فَإِن عَاد فَهُوَ الْقَيْء، فعلَى هَذَا يكون قَوْله فِي الحَدِيث: «أَو قلس» للتقسيم، وَعَلَى الأول تكون «أَو» للشَّكّ من الرَّاوِي. وَقَوله: «أَو رعف» هُوَ مثلث الْعين حكاهن ابْن مَالك فِي (مثلثه) ، قَالَ ابْن الصّلاح: الصَّحِيح فِيهِ فتح الْعين، قَالَ: وَرُوِيَ ضمهَا عَلَى ضعف فِيهِ، قَالَ: وَرُوِيَ أَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَت السَّبَب فِي لُزُوم سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل بن أَحْمد، وتعويله عَلَيْهِ فِي طلب الْعَرَبيَّة بعد أَن كَانَ يطْلب الحَدِيث وَالتَّفْسِير، وَذَلِكَ أَنه سَأَلَ يَوْمًا حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ لَهُ: أحَدثك هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه فِي رجل رعف فِي الصَّلَاة وَضم الْعين - فَقَالَ لَهُ: أَخْطَأت إِنَّمَا هُوَ رعف - بِفَتْح الْعين - فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل وَلَزِمَه.
الحَدِيث الرَّابِع
(أَنه ﵇ قَالَ لأسماء: حتيه، ثمَّ اقرصيه، ثمَّ اغسليه بِالْمَاءِ وَصلي فِيهِ» .
стр. 1934
(هَذَا الحَدِيث) تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أثْنَاء بَاب النَّجَاسَات فَرَاجعه مِنْهُ.
الحَدِيث الْخَامِس
أَنه ﵇ قَالَ: «لعن الله الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة» .
هَذَا الحَدِيث ذكره كَذَلِك تبعا للغزالي، وَالْغَزالِيّ تبع إِمَامه، وَالْإِمَام تبع القَاضِي الْحُسَيْن، وَكَذَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ، لَكِن بِلَفْظ أَنه ﵇ «لعن الْوَاصِلَة ... » إِلَى آخِره، وَهُوَ بِاللَّفْظِ الأول مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر إِلَّا قَوْله: «والواشرة والمستوشرة» فَزِيَادَة (لَيست) فِي رِوَايَات هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح. وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي «تذنيبه» : إِنَّهَا مروية فِي غير الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة، وَهُوَ كَمَا قَالَ فقد أسندها أَبُو بكر الباغندي فِي جمعه لحَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز من (حَدِيثه) ، عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن قارظ، عَن مُعَاوِيَة مَرْفُوعا «لعن الله الواشمة، والمتنمصة والنامصة، والواشرة والمستوشرة» . وَقد وَقع لنا عَالِيا: أخبرنَا ابْن السراج قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع (سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة)
стр. 1935
أخبرتنا (شامية) بنت الْبكْرِيّ، أَنا ابْن طبر زد، أَنا (أَبُو الْمَوَاهِب الْوراق) وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا: أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي، أَنا (أَبُو الْحُسَيْن الْحَافِظ مُحَمَّد بن المظفر) ، ثَنَا الباغندي، وَفِي (سَمَاعنَا) «الموشومة» بدل «المستوشرة» .
وَذكرهَا أَبُو نعيم من حَدِيث عبد الله بن عِصَام الْأَشْعَرِيّ (مَرْفُوعا) «لعن (عشرَة) العاضهة والمعتضهة - يَعْنِي: الساحرة - والواشرة والموشرة ... » الحَدِيث.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي «مُخْتَلفه» : قَالَ الشَّاعِر:
ت فِي عقد العاضه المعضه
أعوذ بربي من النافثا
стр. 1936
وَذكرهَا أَبُو عبيد فِي كِتَابه «غَرِيب الحَدِيث» بِغَيْر إِسْنَاد.
قَالَ ابْن الصّلاح: وَلم أجد لَهَا ثبتًا بعد الْبَحْث الشَّديد، غير أَن أَبَا دَاوُد وَالنَّسَائِيّ رويا فِي حَدِيث آخر عَن أبي رَيْحَانَة عَن رَسُول الله ﷺ «أَنه نهَى عَن (الوشم) والوشر» .
قلت: وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا فِي «مُسْنده» ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن مَسْعُود «لعن الله الْوَاشِمَات والموتشمات، وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحسنِ، الْمُغيرَات خلق الله» .
وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ «لعن رَسُول الله ﷺ الواشمة والمتوشمة، (والواصلة) والموصولة (وَفِي رِوَايَة لَهُ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَن النامصة والواشرة والواصلة) والواشمة إِلَّا من دَاء» . وَفِي «مُسْند أَحْمد» أَيْضا عَن عَائِشَة «كَانَ (يلعن القاشرة والمقشورة والواشمة والمتوشمة والواصلة والموصولة» . وَقد فسر الرَّافِعِيّ هَذِه الْأَلْفَاظ فِي الشَّرْح فأغنانا عَن الْخَوْض فِي ذَلِك. قَالَ: وَيروَى بدل «المستوشمة والمستوشرة» : (الموتشمة والمؤتشرة» . قلت: قد «سلف الموتشمة» .
стр. 1937
الحَدِيث السَّادِس
عَن ابْن عمر ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ نهَى عَن الصَّلَاة فِي (سَبْعَة) مواطنٍ: المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطَّرِيق، وبطن الْوَادي، وَالْحمام، ومعاطن الْإِبِل، وَفَوق ظهر بَيت الله» . وَيروَى بدل «بطن الْوَادي» : «الْمقْبرَة» .
هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَلَيْسَ فِي روايتهم «بطن الْوَادي» ، وَهِي غَرِيبَة لَا نَعْرِف تبع الرَّافِعِيّ فِيهَا «الْوَسِيط» و «الْوَجِيز» ، وَهُوَ (تبع) إِمَامه وَلم يعزها الرَّافِعِيّ فِي (تذنيبه» إِلَّا إِلَى الْغَزالِيّ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى «الْوَسِيط» : قد علل النهى عَن الصَّلَاة فِي بطن الْوَادي باختلال الْخُشُوع فِيهِ خوفًا من سيل هاجم فَلَو لم يخف فَلَا نهي، وَهَذَا النَّهْي لم أجد لَهُ ثبتًا، وَلَا وجدت لَهُ ذكرا فِي كتب من يرجع إِلَيْهِم فِي مثل ذَلِك، كَيفَ وَالْمَسْجِد الْحَرَام إِنَّمَا هُوَ فِي بطن وادٍ؟ ! كثيرا مَا هجمت السُّيُول فِيهِ عَلَى غَفلَة. قَالَ: وَالَّذِي ذكره الإِمَام الشَّافِعِي إِنَّمَا هُوَ وادٍ خَاص، وَهُوَ الَّذِي نَام فِيهِ رَسُول الله ﷺ وَمن مَعَه عَن الصَّلَاة حَتَّى فَاتَت، فكره أَن يصلوا فِيهِ، وَقَالَ: «اخْرُجُوا بِنَا من هَذَا الْوَادي؛ فَإِن فِيهِ شَيْطَانا» رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة.
قلت: بل ورد أَنه ﵇ صَلَّى فِي هَذَا الْوَادي، كَمَا أسلفته فِي الحَدِيث السَّادِس من بَاب الْأَذَان.
فَائِدَة: «المجزرة» - بِفَتْح الْمِيم وَالزَّاي - مَوضِع ذبح الْحَيَوَان.
стр. 1938
وقارعة الطَّرِيق أَعْلَاهُ، وَقيل صَدره. و «معاطن الْإِبِل» مباركها حول الْحَوْض، «والمقبرة» - مثلث الْبَاء - «والمزبلة» - بِفَتْح الْبَاء أَجود (من ضمهَا) .
الحَدِيث السَّابِع
رَوَى أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا أدركتم الصَّلَاة وَأَنْتُم فِي مراح الْغنم، فصلوا فِيهَا فَإِنَّهَا سكينَة وبركة، وَإِذا أدركتم وَأَنْتُم فِي أعطان الْإِبِل، فاخرجوا مِنْهَا وصلوا؛ فَإِنَّهَا جن خلقت من جن، أَلا ترَى إِذا نَفرت كَيفَ تشمخ بأنفها؟ !» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي كَذَلِك فِي «الْأُم» عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، (عَن) عبيد الله بن طَلْحَة بن (كريز) - بِفَتْح الْكَاف وبالزاي فِي آخِره - عَن الْحسن، عَن عبد الله بن معقل، عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ مخرج فِي «الْمسند» أَيْضا، وَقَالَ: عَن عبد الله بن معقل أَو [مُغفل] . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا الشَّك أَظُنهُ من الرّبيع، وَهُوَ مُغفل بِلَا شكّ، (و) كَذَلِك أخرجه النَّسَائِيّ أَي: من حَدِيث أَشْعَث، عَن
стр. 1939
الْحسن (عَنهُ) أَنه ﵇ «نهَى عَن الصَّلَاة فِي أعطان الْإِبِل» .
قلت: وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد علمت كَلَام الْأَئِمَّة فِيهِ فِي كتاب الطَّهَارَة، وَقد أخرجه مَعَ النَّسَائِيّ ابْن مَاجَه من حَدِيث يُونُس عَن الْحسن عَن عبد الله بن مُغفل (بِلَفْظ) : «صلوا فِي (مرابض) الْغنم، وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل؛ فَإِنَّهَا خلقت من الشَّيَاطِين» . (وَأخرجه أَحْمد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ «كُنَّا نؤمر أَن نصلي فِي مرابض الْغنم وَلَا نصلي فِي أعطان الْإِبِل؛ فَإِنَّهَا خلقت من الشَّيَاطِين» ) وَأخرجه أَحْمد أَيْضا من حَدِيث [أبي سُفْيَان بن] الْعَلَاء، عَن الْحسن عَنهُ بِلَفْظ «إِذا حضرت الصَّلَاة وَأَنْتُم فِي مرابض الْغنم فصلوا، وَإِذا حضرت (الصَّلَاة) وَأَنْتُم فِي أعطان الْإِبِل فَلَا تصلوا؛ فَإِنَّهَا خلقت من الشَّيَاطِين» .
وَأخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بِسَنَد ابْن مَاجَه وَلَفظه، إِلَّا أَنه قَالَ: «معاطن» بدل «أعطان» . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي
стр. 1940
(أكبر) معاجمه من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن (عبيد الله) بن طَلْحَة، عَن الْحسن عَنهُ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي ظلّ شَجَرَة وَأَنا آخذ بِغُصْن من أَغْصَانهَا أَن يُؤْذِيه إِذْ قَالَ: لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها فَاقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود (بهيم) ؛ فَإِنَّهُ شَيْطَان، وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل؛ لِأَنَّهَا من الْجِنّ خلقت، أَلا ترَوْنَ إِلَى هيآتها وعيونها إِذا نَفرت، وصلوا فِي مراح الْغنم فَإِنَّهَا أقرب (من) الرَّحْمَة» . وَفِي «المعجم الْكَبِير» للطبراني أَن الْحسن سُئِلَ عَن سَمَاعه لحَدِيث قتل الْكلاب مِمَّن؟ قَالَ: (أخبرنيه) - وَالله - عبد الله بن مُغفل (فِي هَذَا الْمَسْجِد. وَفِي مَرَاسِيل ابْن أبي حَاتِم، نَا صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل. قَالَ أبي: سمع الْحسن الْبَصْرِيّ من عبد الله بن مُغفل) .
قلت: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا من رِوَايَة (جماعات من الصَّحَابَة غير عبد الله بن مُغفل مِنْهُم جَابر بن سَمُرَة وَهُوَ من أَفْرَاد) مُسلم كَمَا ذكرته فِي بَاب الْأَحْدَاث، وَمِنْهُم ابْن عمر وَقد ذكرته هُنَاكَ أَيْضا، وَمِنْهُم الْبَراء بن عَازِب كَمَا ذكرته هُنَاكَ أَيْضا، وَمِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «صلوا فِي مرابض الْغنم، وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل» . رَوَاهُ
стр. 1941
التِّرْمِذِيّ من حَدِيث هِشَام، عَن ابْن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة (و) من حَدِيث أبي حُصَيْن، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة ثمَّ قَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قَالَ: وَحَدِيث أبي حُصَيْن غَرِيب. قَالَ: وَرُوِيَ من حَدِيثه مَوْقُوفا.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث هِشَام، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِن لم تَجدوا إِلَّا مرابض الْغنم وأعطان الْإِبِل، فصلوا فِي مرابض الْغنم وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل» .
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من طَرِيقين بِسَنَد ابْن مَاجَه هَذَا وَلَفظه، (إِلَّا) أَنه قَالَ: «إِذا لم تَجدوا» (بدل «إِن لم تَجدوا» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عدي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْوَلِيد بن رَبَاح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «صلُّوا فِي مراح الْغنم، وامسحوا رعامها؛ فَإِنَّهَا من دَوَاب الْجنَّة» .
الرعام - بِالْعينِ الْمُهْملَة - مَا يسيل من أنفها. وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير من حَدِيث (ابْن) عمر أَنه قيل (لَهُ) : (وَمَا الرعام؟
стр. 1942
قَالَ: المخاط) . قَالَ ثَعْلَب: وصحفه (اللَّيْث) فَقَالَ: بِالْمُعْجَمَةِ.
وَفِي رِوَايَة للبيهقي من حَدِيث أبي زرْعَة (بن عَمْرو بن جرير، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا) «أَن الْغنم من دَوَاب (الْجنَّة) فامسحوا رعامها، وصلوا فِي مرابضها» .
وَمِنْهُم سُبْرَة بن معبد الْجُهَنِيّ (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا يُصلَّى فِي أعطان الْإِبِل، وَيصلى فِي مراح الْغنم» رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الْملك بن الرّبيع بن سُبْرَة بن معبد الْجُهَنِيّ) عَن أَبِيه، عَن جده بِإِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم، وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ (أَنه ﵇ نهَى أَن يصلى فِي أعطان الْإِبِل، وَرخّص أَن يصلى فِي مراح الْغنم» .
وَمِنْهُم عقبَة بن عَامر رَفعه «صلوا فِي مرابض الْغنم، وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل أَو مبارك الْإِبِل» . رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَاصِم بن حَكِيم، عَن [يَحْيَى بن] أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، عَن أَبِيه عَنهُ بِهِ.
وَمِنْهُم ذُو الْغرَّة رَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِ حَدِيث ابْن عمر الْمشَار إِلَيْهِ فِيمَا سلف.
стр. 1943
فَائِدَة: مراح الْغنم - بِضَم الْمِيم مأواها لَيْلًا؛ قَالَه الْأَزْهَرِي.
(الحَدِيث) الثَّامِن
أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (اخْرُجُوا بِنَا من هَذَا الْوَادي؛ فَإِن فِيهِ شَيْطَانا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: «ليَأْخُذ كل (وَاحِد) بِرَأْس رَاحِلَته؛ فإنَّ هَذَا منزل حَضَرنَا فِيهِ الشَّيْطَان» وَقد ذكرت الحَدِيث بِطُولِهِ فِي الحَدِيث السَّادِس من بَاب الْأَذَان، فَرَاجعه من ثمَّ.
الحَدِيث التَّاسِع
أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الأَرْض كلهَا (مسجدُُ) ، إِلَّا الْمقْبرَة وَالْحمام» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ
стр. 1944
وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ. أما الشَّافِعِي فَرَوَاهُ فِي «الْأُم» وَهُوَ مخرج فِي «الْمسند» أَيْضا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن يَحْيَى الْمَازِني، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: « ... » فَذكره، قَالَ الشَّافِعِي: وجدت هَذَا الحَدِيث فِي كتابي فِي موضِعين: أَحدهمَا: مُنْقَطع، وَالْآخر: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، عَن النَّبِي ﷺ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «السّنَن المأثورة» الَّتِي رَوَاهَا الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَنهُ، عَن سُفْيَان بِهِ بِذكر أبي سعيد الْخُدْرِيّ.
وَأما أَحْمد فَرَوَاهُ عَن يزِيد، نَا حَمَّاد بن سَلمَة، عَن عَمْرو، عَن أَبِيه، عَن أبي سعيد وَأما أَبُو دَاوُد فَرَوَاهُ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، نَا حَمَّاد، وَعَن مُسَدّد، ثَنَا عبد الْوَاحِد، عَن عَمْرو بِهِ.
وَأما التِّرْمِذِيّ فَرَوَاهُ عَن ابْن أبي عمر، وَأبي عمار الْحُسَيْن بن حُرَيْث قَالَا: نَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن عَمْرو بِهِ.
وَرَوَاهُ كَذَلِك فِي «علله» قَالَ: تَابعه حَمَّاد بن سَلمَة.
وَأما ابْن مَاجَه: فَرَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى، ثَنَا يزِيد بن هَارُون، ثَنَا سُفْيَان، عَن عَمْرو، عَن أَبِيه وَحَمَّاد بن سَلمَة، عَن عَمْرو، عَن أَبِيه، عَن أبي سعيد بِهِ. وَأما الدَّارَقُطْنِيّ فَرَوَاهُ فِي «علله» عَن الْبَغَوِيّ والصفار، ثَنَا أَبُو قلَابَة، ثَنَا أَبُو نعيم، ثَنَا سُفْيَان، عَن عَمْرو، عَن أَبِيه، عَن أبي سعيد بِهِ. ثمَّ قَالَ: وثنا جَعْفَر بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمُؤَذّن ثِقَة، ثَنَا السّري (بن) يَحْيَى، ثَنَا أَبُو نعيم وَقبيصَة (قَالَا) : ثَنَا سُفْيَان، عَن
стр. 1945
عَمْرو بن يَحْيَى، عَن أَبِيه، مَرْفُوعا بِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد رِوَايَتَيْنِ، مِنْهُم من ذكره عَن أبي سعيد، وَمِنْهُم من لم يذكرهُ، وَهَذَا (حَدِيث) فِيهِ اضْطِرَاب رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن عَمْرو بن يَحْيَى، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة، عَن عَمْرو، عَن أَبِيه، عَن أبي سعيد مُتَّصِلا وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عَمْرو، عَن أَبِيه. قَالَ: وَكَانَ عَامَّة رِوَايَته عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ وَلم يذكر فِيهِ عَن أبي سعيد، وَكَأن رِوَايَة الثَّوْريّ، عَن عَمْرو، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ أثبت وَأَصَح هَذَا آخر كَلَام التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ فِي «علله» ، كَانَ الدَّرَاورْدِي أَحْيَانًا يذكر فِيهِ عَن أبي سعيد، وَرُبمَا لم يذكر فِيهِ، وَالصَّحِيح رِوَايَة الثَّوْريّ وَغَيره عَن عَمْرو، عَن أَبِيه مُرْسل، وَحَاصِله أَن رِوَايَته مُرْسلا أثبت وَأَصَح من رِوَايَته مُسْندًا، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» ؛ فَإِنَّهُ لما سُئِلَ عَنهُ قَالَ: يرويهِ عَمْرو بن يَحْيَى بن عمَارَة وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ عَنهُ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد والدراوردي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق، عَن عَمْرو بن يَحْيَى، عَن أَبِيه، عَن أبي سعيد (مُتَّصِلا. قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم، عَن الثَّوْريّ، عَن عَمْرو، وَتَابعه سعيد) بن سَالم القداح وَيَحْيَى بن آدم، عَن الثَّوْريّ (فوصلوه) ، وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن عَمْرو عَن أَبِيه مُرْسلا، والمرسل الْمَحْفُوظ (ثمَّ
стр. 1946
سَاقه) من طريقي الْوَصْل والإرسال بِإِسْنَادِهِ كَمَا قدمْنَاهُ عَنهُ، وَلما ذكره عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» قَالَ: اخْتلف فِي إِسْنَاده، أسْندهُ نَاس، وأرسله آخَرُونَ مِنْهُم الثَّوْريّ، قَالَ أَبُو عِيسَى: وَكَأن الْمُرْسل أصح.
قلت: وَقد أسلفنا من طَرِيق ابْن مَاجَه وصل الثَّوْريّ لَهُ، وَتبع فِي ذَلِك التِّرْمِذِيّ، فَإِنَّهُ عزا الْإِرْسَال إِلَى الثَّوْريّ أَيْضا قَالَ ابْن الْقطَّان يَنْبَغِي أَلا يضرّهُ الِاخْتِلَاف إِذا كَانَ الَّذِي أسْندهُ ثِقَة، قَالَ: وَإِلَى هَذَا فَإِن الَّذِي لأَجله ذكرته هُنَا هُوَ أَن أَبَا دَاوُد ذكره هَكَذَا: ثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، ثَنَا حَمَّاد، وثنا مُسَدّد، (ثَنَا) عبد الْوَاحِد، عَن (عَمْرو) بن يَحْيَى، عَن أَبِيه، عَن أبي سعيد قَالَ: (قَالَ) رَسُول الله ﷺ قَالَ مُوسَى فِي حَدِيثه فِيمَا يحْسب عَمْرو أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الأَرْض كلهَا مَسْجِد إِلَّا الْحمام والمقبرة» فقد أخبر حَمَّاد فِي رِوَايَته، أَن عَمْرو بن يَحْيَى شكّ فى ذكر رَسُول الله ﷺ ، ومنتهى الَّذين رَوَوْهُ مَرْفُوعا إِلَى عَمْرو، فَإِن الحَدِيث حَدِيثه وَعَلِيهِ يَدُور فَسَوَاء شكّ (أَولا) ثمَّ
стр. 1947
تَيَقّن، أَو تَيَقّن ثمَّ شكّ، فَإِنَّهُ لَو تعين الْوَاقِع مِنْهُمَا أَنه الشَّك بعد أَن حدث بِهِ متيقنًا للرفع لَكَانَ يخْتَلف فِيهِ، فَمن يرَى نِسْيَان الْمُحدث قادحًا لَا يقبله، (وَمن يرَاهُ غير ضار يقبله) ، وَإِن قدرناه حدث بِهِ شاكًا ثمَّ تَيَقّن، فهاهنا يحْتَمل أَن يُقَال: عثر بعد الشَّك عَلَى سَبَب من أَسبَاب الْيَقِين، مثل أَن يرَاهُ فِي مسموعاته أَو مكتوباته فيرفع شكه فَلَا يُبَالِي مَا تقدم من تشككه، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَنْبَغِي للمحدث أَن يتْرك مثل هَذَا فِي (نَقله) فَإِنَّهُ إِذا فعل (فقد) أَرَادَ منا قبُول رَأْيه فِي رِوَايَته، وَهَذَا كُله إِنَّمَا يكون إِذا سلم أَن الدراوردى (وَعبد الْوَاحِد) (الرافعين) لَهُ سمعاه مِنْهُ غير مَشْكُوك فِيهِ، فَإِنَّهُ من الْمُحْتَمل أَلا يكون الْأَمر كَذَلِك بِأَن [يسمعاه] مشكوكًا فِيهِ كَمَا سَمعه حَمَّاد ولكنهما (حَدثا بِهِ) وَلم يذكرَا ذَلِك اكْتِفَاء بحسبانه، وَعَلَى هَذَا يكون عِلّة الْخَبَر أبين. هَذَا آخر كَلَامه وَقد أسلفنا رِوَايَة حَمَّاد، عِنْد أَحْمد وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا بِالْجَزْمِ بِالرَّفْع عَن عَمْرو بن يَحْيَى من غير شكّ فِيهِ، وَتَابعه عَلَيْهِ جماعات مِنْهُم سُفْيَان بن عُيَيْنَة كَمَا سلف (عَن) رِوَايَة الشَّافِعِي، وَمِنْهُم عبد الْوَاحِد كَمَا سلف عَن رِوَايَة أبي دَاوُد، وَمِنْهُم عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد كَمَا سلف عَن رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَقد رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، عَن
стр. 1948
ابْن خُزَيْمَة، ثَنَا (بشر) بن (معَاذ) الْعَقدي، ثَنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، ثَنَا عَمْرو بن يَحْيَى، عَن أَبِيه، عَن أبي سعيد بِهِ وَرَوَاهُ عَن عمرَان بن مُوسَى السّخْتِيَانِيّ، ثَنَا أَبُو كَامِل الجحدري، ثَنَا عبد الْوَاحِد بِهِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» عَن ابْن خُزَيْمَة، أَنا مُحَمَّد بن غَالب، ثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، ثَنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِهِ، فَهَذَا مُوسَى نَفسه (قد جزم) وَلم يشك، ثمَّ رَوَاهُ عَن عبد الله بن مُحَمَّد الصيدلاني، نَا مُحَمَّد بن أَيُّوب، أَنا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، نَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، نَا عَمْرو بِهِ، ثمَّ رَوَاهُ عَن ابْن خُزَيْمَة، أَنا أَبُو الْمثنى، نَا مُسَدّد، نَا بشر بن الْمفضل، نَا عمَارَة بن غزيَّة، عَن [يَحْيَى بن عمَارَة] ، ثمَّ قَالَ: هَذِه الْأَسَانِيد كلهَا صَحِيحَة عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يخرجَاهُ.
قلت: فَظهر بِهَذَا صِحَة الحَدِيث، وَزَوَال الشَّك فِي رَفعه، (و) بَقِي النّظر (فِي) كَون الْأَصَح وَصله أَو إرْسَاله، وَقد أسلفنا عَن التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ تَصْحِيح إرْسَاله، وَقد صحّح وَصله ابْن حبَان وَالْحَاكِم كَمَا ترَى، وَهُوَ زِيَادَة من ثِقَة فَقبلت، وَقد صححها أَيْضا جمَاعَة
стр. 1949
من الْمُتَأَخِّرين مِنْهُم الرَّافِعِيّ نَفسه فِي (شرح الْمسند) ، فَإِنَّهُ قَالَ: هَذَا الحَدِيث بَين الشَّافِعِي أَنه رُوِيَ مرّة مُنْقَطِعًا، وَمرَّة مَوْصُولا، وَلَا يضر الِانْقِطَاع إِذا ثَبت الْوَصْل فِي بعض الرِّوَايَات، وَمِنْهُم الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه «الإِمَام» : حَاصِل مَا (يعل) فِيهِ بِالْإِسْنَادِ والإرسال، وَأَن الروَاة اخْتلفُوا فِي ذَلِك قَالَ: وَإِذا كَانَ الرافع نَفسه ثِقَة فقد عرف مَذْهَب الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء فِي قبُوله. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» بعد أَن اسْتدلَّ بِهِ لمذهبه: إِن قيل هُوَ مُضْطَرب كَانَ الدَّرَاورْدِي يَقُول فِيهِ تَارَة: عَن أبي سعيد، وَتارَة لَا يذكرهُ، ثمَّ أجَاب بِأَن (مثل) هَذَا لَا يُوجب إطراح الحَدِيث.
(و) الْمزي فِي «أَطْرَافه» : رَوَاهُ عَلّي بن عبد الْعَزِيز، عَن حجاج (بن) منهال، عَن حَمَّاد مُسْندًا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار، عَن أبي كَامِل الجحدري، عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو نعيم، عَن خَارِجَة بن مُصعب، عَن عَمْرو بن يَحْيَى، وَأما الْبَيْهَقِيّ فَإِنَّهُ تبع الدَّارَقُطْنِيّ وَالتِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ لما ذكره مُرْسلا من طَرِيق الثَّوْريّ قَالَ: وَقد رُوِيَ مَوْصُولا وَلَيْسَ بِشَيْء. قَالَ: وَحَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة مَوْصُول، وَقد تَابعه عَلَى وَصله عبد الْوَاحِد بن زِيَاد والدراوردي، ثمَّ أسْندهُ مَوْصُولا من وَجه آخر. وَلَك أَن تَقول: إِذا وَصله حَمَّاد وتوبع عَلَى وَصله فَلم لَا
стр. 1950
تُرجح عَلَى رِوَايَة الْإِرْسَال، عوضا عَن كَونهَا لَيْسَ بِشَيْء، لَا سِيمَا وَقد اعتضدت أَيْضا بِالْحَدِيثِ السالف فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي سَبْعَة مَوَاطِن مِنْهَا الْمقْبرَة وَالْحمام، (و) إِن كَانَ ضَعِيفا.
وَأنكر النَّوَوِيّ ﵀ عَلَى الْحَاكِم تَصْحِيحه فَقَالَ: إِنَّه لَا يقبل مِنْهُ، فَإِن الَّذين ضَعَّفُوهُ أتقن مِنْهُ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ قد تصح أسانيده وَهُوَ ضَعِيف لاضطرابه.
وَهَذَا مِنْهُ فِيهِ نظر؛ لأَنا قَررنَا أَن هَذَا الِاضْطِرَاب غير قَادِح، وَمن ضعفه لم يطعن فِي رِجَاله، وَإِنَّمَا قَالَ: إِن الْمُرْسل أصح كَمَا أسلفناه، وَلم يصب ابْن دحْيَة فِي قَوْله (فِي) كتاب «التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير» : هَذَا لَا يَصح من (طَرِيق من) الطّرق فاجتنبه.
الحَدِيث الْعَاشِر
(أَنه ﵇ نهَى أَن تتَّخذ الْقُبُور محاريب» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح.
رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله، وَيُقَال: ابْن سُفْيَان قَالَ: «سَمِعت رَسُول الله ﷺ قبل أَن يَمُوت بِخمْس وَهُوَ يَقُول: إِنِّي أَبْرَأ إِلَى الله أَن يكون لي مِنْكُم خَلِيل؛ فَإِن الله قد اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا؛ وَلَو كنت متخذًا من أمتِي
стр. 1951
خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا، [أَلا] وَإِن من كَانَ قبلكُمْ كَانُوا يتخذون قُبُور أَنْبِيَائهمْ وصالحيهم مَسَاجِد، [أَلا] فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد، إِني أنهاكم عَن ذَلِك» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس ﵄ قَالَا: «لما نزلت برَسُول الله ﷺ (طفق) يطْرَح خميصة لَهُ عَلَى وَجهه، فَإِذا اغتم كشفها عَن وَجهه فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِك: لعنة الله عَلَى الْيَهُود والنصاري، اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد يحذر مَا صَنَعُوا» .
وَفِي مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، «قَاتل الله الْيَهُود؛ اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد» .
الحَدِيث الحادى عشر
«أنَّه ﷺ كَانَ يحمل أُمَامَة بنت أبي الْعَاصِ وَهُوَ فِي صلَاته» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح. كَمَا تقدم فِي بَاب الِاجْتِهَاد بفوائده.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
رَوَى أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا أصَاب خف أحدكُم أَذَى، (فليدلكه) بِالْأَرْضِ؛ فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور» .
стр. 1952
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق ثَلَاثَة:
أَحدهَا: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث (أبي) الْمُغيرَة، والوليد بن مزِيد، و (عمر) بن عبد الْوَاحِد، عَن الْأَوْزَاعِيّ الْمَعْنى، أنبئت أَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري حدث عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذا وطئ أحدكُم بنعله الْأَذَى، فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور» . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن كثير، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن ابْن عجلَان، عَن سعيد بن أبي سعيد، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ بِمَعْنَاهُ «إِذا وطئ (أحدكُم) الْأَذَى (بخفيه) ، فطهورهما التُّرَاب» .
وَمُحَمّد بن كثير هَذَا من رجال د ت [س] ، وَهُوَ صنعاني مولَى ثَقِيف، ضعفه أَحْمد جدًّا (وَقَالَ: مُنكر الحَدِيث قَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل: ذكره أبي فضعفه جدًّا) ، وَضعف حَدِيثه عَن معمر جدًّا. وَقَالَ صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل: قَالَ أبي: مُحَمَّد بن كثير لم يكن عِنْدِي بِثِقَة. وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد أَيْضا عَن أَبِيه: إِنَّه مُنكر الحَدِيث
стр. 1953
ويروي أَشْيَاء مُنكرَة. وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: كنت أشتهي أَن أرَاهُ، فَلَمَّا ذكر حَدِيثا من رِوَايَته قلت: الْآن لَا أحب أَن أرَاهُ. وَقَالَ أَبُو أَحْمد: لَهُ رِوَايَات عَن الْأَوْزَاعِيّ لَا يُتَابِعه عَلَيْهَا أحد، وَذكر ابْن سعد أَنه اخْتَلَط بِأخرَة، قَالَ: وَكَانَ ثِقَة، وَتكلم فِيهِ أَبُو حَاتِم (وجرحه) قَالَ أَبُو حَاتِم: دفع إِلَيْهِ كتاب الْأَوْزَاعِيّ فَرَوَاهُ عَنهُ، وَكَذَلِكَ (قَالَ) أَحْمد. وَقَالَ الْحَاكِم: إِنَّه صَدُوق وَوَثَّقَهُ يَحْيَى، وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» .
وَأما مُحَمَّد بن عجلَان فَهُوَ صَدُوق رَوَى لَهُ مُسلم مُتَابعَة، وَالْبُخَارِيّ فِي الشواهد وَذكره فِي (الضُّعَفَاء) ، وَرَوَى لَهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة (و) تكلم فِيهِ غير وَاحِد، وَوَثَّقَهُ غير وَاحِد مِنْهُم أَحْمد وَيَحْيَى، وَذكره (ابْن حبَان) فِي «ثقاته» (من) أَتبَاع التَّابِعين، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: لَا عيب فِيهِ بل هُوَ أحد الثِّقَات إِلَّا أَنه سُوَى أَحَادِيث المَقْبُري. وَاخْتلف الْحفاظ فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث بِحَسب آرائهم فِي هذَيْن الرجلَيْن، فَأوردهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» من حَدِيث مُحَمَّد بن كثير، عَن الْأَوْزَاعِيّ بِسَنَدِهِ بِلَفْظ «إِذا وطئ أحدكُم بخفيه - أَو قَالَ: بنعليه الْأَذَى فطهورهما التُّرَاب» .
ثمَّ جعله معلولًا بمخالفة أَصْحَاب (الْأَوْزَاعِيّ لمُحَمد) بن كثير فِي إِقَامَة إِسْنَاده، فَرَوَاهُ من طَرِيق الْوَلِيد بن مزِيد، عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ:
стр. 1954
أنبئت أَن سعيد (بن أبي سعيد) المَقْبُري حدث عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج وَعمر بن عبد الْوَاحِد، وهما أعرف بالأوزاعى. قَالَ: فَصَارَ الحَدِيث بذلك معلولًا قَالَ: وَقد ضعف الشَّافِعِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا فِي الْإِمْلَاء، وَرَوَاهُ - أَعنِي الْبَيْهَقِيّ أَيْضا - من حَدِيث سعيد عَن أبي هُرَيْرَة بِإِسْقَاط أَبِيه أَيْضا، وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي «علله» : رُوِيَ عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة، وَعَن سعيد، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة، وَعَن سعيد (أَن امْرَأَة سَأَلت عَائِشَة ... ) مَوْقُوف.
وَقَالَ ابْن الْقطَّان: مُحَمَّد بن كثير هَذَا يروي عَن الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره، وَهُوَ ضَعِيف وأضعف مَا هُوَ فِي الْأَوْزَاعِيّ، ثمَّ نقل مقالات أَحْمد السالفة فِيهِ، ثمَّ قَالَ: فعلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يظنّ بِهَذَا الحَدِيث أَنه صَحِيح من هَذَا الطَّرِيق، وتضعيفه الحَدِيث بِسَبَب مُحَمَّد بن كثير هَذَا مُخَالف لتصحيحه حَدِيثه عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، عَن أنس «جَاءَت أم سليم ... » الحَدِيث الْمَشْهُور فِي الْغسْل، رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيثه نَا الْأَوْزَاعِيّ فَذكره، وَقَالَ ابْن عبد الْحق فِيمَا رده عَلَى «الْمُحَلَّى» : هَذَا حَدِيث ضَعِيف؛ لِأَن فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن كثير الصَّنْعَانِيّ، ثمَّ ذكر قَول أَحْمد وَغَيره فِيهِ، وَقَالَ الْحَافِظ زَكى الدَّين الْمُنْذِرِيّ بعد أَن أخرجه من طريقي أبي دَاوُد: كِلَاهُمَا ضَعِيف، أما الأول فَفِي إِسْنَاده مَجْهُول - وَلم يظْهر لي ذَلِك - وَأما الثَّانِي فأعله
стр. 1955
بِابْن عجلَان، وَأعْرض عَن مُحَمَّد بن كثير فَلم يعله بِهِ، وَلَو عكس كَانَ أصوب.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) فِي بَاب إِزَالَة النَّجَاسَة: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طرق كلهَا ضَعِيفَة. كَذَا قَالَ: من طرق، وَقد أسلفنا لَك نَص رِوَايَته فتأملها.
وَخَالف هَؤُلَاءِ جماعات (فصححوه) مِنْهُم ابْن خُزَيْمَة فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» من) حَدِيث مُحَمَّد بن كثير عَن الْأَوْزَاعِيّ (بِهِ بِلَفْظ «إِذا وطئ أحدكُم بخفيه أَو نَعْلَيْه، فطهورهما التُّرَاب» .، وَمِنْهُم ابْن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه أَيْضا فِي «صَحِيحه» من حَدِيث الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ) (عَن سعيد بِهِ، وَقَالَ: «لَهَا طهُور» بدل «لَهُ طهُور» ، وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بن كثير بِهِ بِلَفْظ: «إِذا وطئ أحدكُم بخفيه، فطهورهما التُّرَاب» . وَمِنْهُم الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه فِي «مُسْتَدْركه» عَلَى الصَّحِيحَيْنِ من الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين، لكنه قَالَ فِي الأول عَن الْأَوْزَاعِيّ) : إِنَّه قَالَ: «أنبئت أَن سعيد بن أبي سعيد ... » فَذكره بِلَفْظ أبي حَاتِم، وَلَفظه فِي الثَّانِي: «إِذا وطئ أحدكُم بنعليه فِي الْأَذَى فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم؛ فَإِن مُحَمَّد بن كثير هَذَا صَدُوق،
стр. 1956
وَقد حفظ فِي إِسْنَاده ذكر ابْن عجلَان وَلم يخرجَاهُ.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد قَالَ: أَخْبرنِي أَيْضا سعيد بن أبي سعيد، عَن الْقَعْقَاع بن حَكِيم، عَن عَائِشَة ﵂، عَن رَسُول الله ﷺ بِمَعْنى حَدِيث أبي هُرَيْرَة، كَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» من حَدِيث ابْن وهب، عَن ابْن سمْعَان أَن سعيدًا المَقْبُري حَدثهُ عَن الْقَعْقَاع بن حَكِيم أَنه حَدثهُ عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: «إِذا وطئ أحدكُم بنعليه الْأَذَى فَإِن التُّرَاب لَهما طهُور» .
قَالَ الْحَافِظ زكي (الدَّين) الْمُنْذِرِيّ فِي طَرِيق أبي دَاوُد: إسنادها حسن قلت: وَفِي ذَلِك نظر؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطع، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : الطَّرِيق فِيهِ لَيْسَ بواضح إِلَى أبي سعيد وَهُوَ مُرْسل، (الْقَعْقَاع لم يسمع من عَائِشَة. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : بل وردنا يَقْتَضِي إِبْطَاله) - يَعْنِي: سَمَاعه (مِنْهَا) - فَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن روح بن (الْقَاسِم) رَوَى عَن عبد الله بن سمْعَان، عَن المَقْبُري، عَن الْقَعْقَاع، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة «أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الرجل يطَأ بنعليه الْأَذَى فَقَالَ: التُّرَاب طهُور» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مدَار الحَدِيث عَلَى ابْن سمْعَان وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث أشبه بِالصَّوَابِ من غَيره من الطّرق مَعَ ضعفه. وَأما ابْن السكن فَذكره فِي (السّنَن الصِّحَاح المأثورة» .
стр. 1957
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن ابْن وهب، عَن الْحَارِث بن نَبهَان، عَن رجل، عَن إنس ابْن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَسْجِد، فَإِن كَانَ لَيْلًا فليدلك نَعْلَيْه، وَإِن كَانَ نَهَارا فَلْينْظر إِلَى أَسْفَلهَا» .
رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيّ) فِي «خلافياته» وَقَالَ: فِي إِسْنَاده رجل مَجْهُول، قلت: والْحَارث بن نَبهَان ضَعَّفُوهُ قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
«أنَّه ﷺ خلع نَعله، فَخلع النَّاس نعَالهمْ، فَلَمَّا قَضَى صلَاته قَالَ: مَا حملكم عَلَى صنيعكم؟ قَالُوا: رَأَيْنَاك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فَقَالَ: إِن جِبْرِيل (أَتَانِي فَأَخْبرنِي أَن فيهمَا قذرًا» .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق:
أَحدهَا: من طَرِيق أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضى الله عَنهُ رَوَاهُ أَبُو (دَاوُد فِي «سنَنه» ) مُنْفَردا (بِهِ) عَن الْجَمَاعَة من حَدِيث حَمَّاد - وَهُوَ ابْن سَلمَة - عَن أبي نعَامَة السَّعْدِيّ، عَن أبي نَضرة، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رضى الله عَنهُ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خلع نَعْلَيْه فوضعهما عَن يسَاره، فَلَمَّا رَأَى ذَلِك الْقَوْم ألقوا نعَالهمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُول الله ﷺ صلَاته قَالَ: مَا حملكم عَلَى (إلقائكم) نعالكم؟ قَالُوا: رَأَيْنَاك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن جِبْرِيل
стр. 1958
عَلَيْهِ السَّلَام أَتَانِي فَأَخْبرنِي أَن فيهمَا قذرًا، فَإِذا جَاءَ أحدكُم (إِلَى) الْمَسْجِد، فَلْينْظر فَإِن رَأَى فِي نَعْلَيْه قذرًا أَو أَذَى فليمسحه وَليصل فيهمَا» .
قَالَ أَبُو دَاوُد: نَا مُوسَى، نَا أبان، ثَنَا قَتَادَة، حَدثنِي بكر بن عبد الله، عَن النَّبِي ﷺ بِهَذَا قَالَ: «فيهمَا (خبث) » فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» كَذَلِك بِلَفْظ «الْخبث» . وَقَالَ: «فليمسه) بِالْأَرْضِ» (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَقَالَ فِي حَمَّاد وَأبي نعَامَة وَأبي نَضرة: كل وَاحِد مِنْهُم مُخْتَلف فِي عَدَالَته) وَكَذَلِكَ لم يحْتَج البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح بِوَاحِد مِنْهُم.
قلت: قد أخرج (لَهُم) مُسلم، وَحَمَّاد ثِقَة ثَبت، وَأَبُو نعَامَة وَثَّقَهُ ابْن معِين، (وَأَبُو نَضرة وَثَّقَهُ ابْن معِين) وَأَبُو زرْعَة أَيْضا، وَقد استدركه عَلَى مُسلم الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فَرَوَاهُ فِي آخر صَلَاة الْجَمَاعَة مِنْهُ، عَن أبي الْعَبَّاس المحبوبي، عَن سعيد بن مَسْعُود، عَن يزِيد بن هَارُون، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي نعَامَة، عَن أبي نَضرة، عَن أبي سعيد «أَن رَسُول الله ﷺ صَلَّى فَخلع نَعْلَيْه، فَخلع النَّاس نعَالهمْ، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: لم خلعتم نعالكم؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله، رَأَيْنَاك
стр. 1959
خلعت فخلعنا، قَالَ: إِن جِبْرِيل أَتَانِي فَأَخْبرنِي أَن فيهمَا خبثًا، فَإِذا جَاءَ أحدكُم الْمَسْجِد، فليقلب نَعْلَيْه فَلْينْظر (فيهمَا) فَإِن وجد خبثًا فليمسحهما بِالْأَرْضِ، ثمَّ ليصل فيهمَا» .
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة أَيْضا فِي «صَحِيحه» من حَدِيث يزِيد بن هَارُون أَيْضا، عَن حَمَّاد بِهِ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن الْفضل بن حباب، عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي نعَامَة، عَن أبي نَضرة، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا صَلَّى خلع نَعْلَيْه فوضعهما عَن يسَاره، فَخلع الْقَوْم نعَالهمْ، فَلَمَّا قَضَى صلَاته قَالَ: مَا لكم خلعتم نعالكم؟ قَالُوا: رَأَيْنَاك خلعت فخلعنا، قَالَ: إِنِّي لم أخلعهما من بَأْس، وَلَكِن جِبْرِيل أَخْبرنِي أَن فيهمَا قذرًا، فَإِذا أَتَى أحدكُم الْمَسْجِد فَلْينْظر فِي نَعْلَيْه فَإِن كَانَ فيهمَا أَذَى فليمسحه» . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث أبي سعيد هَذَا فَقَالَ: رُوِيَ مُرْسلا بِإِسْقَاط أبي سعيد، ومتصلًا بإثباته وَهُوَ أشبه، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة عَن أبي نعَامَة، عَن أبي نَضرة، عَن أبي سعيد، وَرَوَاهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، عَن أبي نعَامَة مُرْسلا قَالَ: وَمن قَالَ فِيهِ
стр. 1960
عَن أَيُّوب، عَن ابْن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة - فقد وهم، وَالصَّحِيح عَن أَيُّوب سَمعه من أبي نعَامَة لم يحفظ إِسْنَاده فَأرْسلهُ، وَالْقَوْل قَول من قَالَ: عَن أبي سعيد.
تَنْبِيه: نقل النَّوَوِيّ فِي «خلاصته» و «شرح الْمُهَذّب» عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: إِنَّه عَلَى شَرط البُخَارِيّ، وَلم أر ذَلِك فِيهِ، إِنَّمَا فِيهِ أَنه عَلَى شَرط مُسلم، وَهُوَ المطابق لإسناده أَيْضا، نعم قَالَ الْحَاكِم (ذَلِك) فِي طَرِيق أنس الْآتِي إِثْر هَذَا، وَالنَّوَوِيّ لم يذكرهَا، إِنَّمَا ذكرهَا من طَرِيق أبي سعيد فَتنبه لذَلِك.
الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث أنس بن مَالك ﵁ رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي أَوَائِل كتاب الطَّهَارَة مِنْهُ، عَن مُحَمَّد بن صَالح وَإِبْرَاهِيم بن عصمَة قَالَا: ثَنَا السّري بن خُزَيْمَة، نَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، نَا (عبد الله) بن الْمثنى الْأنْصَارِيّ، عَن ثُمَامَة، عَن أنس «أَن النَّبِي ﷺ لم يخلع نَعْلَيْه فِي الصَّلَاة قطّ إِلَّا مرّة وَاحِدَة، خلع فَخلع النَّاس، فَقَالَ: مالكم؟ قَالُوا: خلعت فخلعنا، فَقَالَ: إِن جِبْرِيل أَخْبرنِي أَن فيهمَا قذرًا أَو أَذَى» .
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ، فقد احْتج (بِعَبْد الله) بن الْمثنى وَلم يخرجَاهُ، قَالَ: وَشَاهده الحَدِيث الْمَشْهُور عَن مَيْمُون الْأَعْوَر، حدّثنَاهُ مُحَمَّد بن صَالح وَإِبْرَاهِيم بن عصمَة قَالَا: ثَنَا
стр. 1961
السّري بن خُزَيْمَة، ثَنَا أَبُو غَسَّان مَالك بن إِسْمَاعِيل، ثَنَا زُهَيْر بن مُعَاوِيَة، ثَنَا أَبُو حَمْزَة، عَن إِبْرَاهِيم، عَن عَلْقَمَة، عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: «خلع النَّبِي ﷺ نَعله فَقَالَ: إِن جِبْرِيل أَخْبرنِي ... » الحَدِيث.
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ وَقد سقناه (آنِفا) وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة.
وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق رَابِع وخامس (لكنهما ضعيفان) فالرابع عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: (خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد) [قَالَ: الصَّلَاة فِي] النَّعْلَيْنِ، (وَقد صَلَّى رَسُول الله ﷺ فِي نَعْلَيْه (فخلعهما) فَخلع النَّاس، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة قَالَ: لم خلعتم نعالكم؟ قَالُوا: رَأَيْنَاك خلعت فخلعنا. قَالَ: إِن جِبْرِيل ﵇ أَتَانِي فَقَالَ: إِن (فيهمَا) دم حلمة» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث صَالح بن بَيَان، نَا فرات بن السَّائِب، عَن مَيْمُون بن مهْرَان، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف؛ صَالح بن بَيَان يروي الْمَنَاكِير عَن الثِّقَات، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك، وفرات بن السَّائِب مَتْرُوك، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث تَرَكُوهُ. والحلمة: القراد الْعَظِيم.
стр. 1962
وَلِحَدِيث ابْن عَبَّاس طَرِيق آخر يُخَالف السَّبَب الْمَذْكُور فِي خلع النَّعْل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي « (أكبر معاجمه) من حَدِيث مُحَمَّد بن (عبيد الله) ، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُول الله ﷺ فَخلع نَعْلَيْه فخلعنا نعالنا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة قَالَ: لم خلعتم نعالكم؟ قَالُوا: رَأَيْنَاك خلعت فخلعنا. قَالَ: إِنِّي بللت (مِنْهُمَا) » . وَمُحَمّد هَذَا أَظُنهُ الْعَرْزَمِي الْمَتْرُوك.
الطَّرِيق الْخَامِس: عَن يزِيد بن عبد الله بن الشخير، عَن أَبِيه قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُول الله ﷺ فَخلع نَعْلَيْه وَهُوَ فِي الصَّلَاة، فَخلع الصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ نعَالهمْ، فَخلع الصَّفّ الَّذِي (يليهم) نعَالهمْ. فَقَالَ (لَهُم) : لم خلعتم نعالكم؟ قَالُوا: خلعت يَا رَسُول الله، فَخلع الصَّفّ الَّذِي يليك نعَالهمْ فخلعنا نعالنا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَتَانِي جِبْرِيل فَذكر أَن فِي نَعْلي قذرًا (فخلعتهما) ، فصلوا فِي نعالكم» .
فِي إِسْنَاده الرّبيع بن بدر السَّعْدِيّ عُلَيْلُة تَركه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «تُعَاد الصَّلَاة من قدر الدِّرْهَم من الدَّم» .
стр. 1963
هَذَا الحَدِيث ضَعِيف بِمرَّة. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يروه عَن الزُّهْرِيّ غير روح بن غطيف أَي وَهُوَ بِضَم الْعين الْمُعْجَمَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة - وَهُوَ مَتْرُوك، ثمَّ قَالَ فِي «علله» : يرويهِ روح، عَن الزُّهْرِيّ، وَاخْتلف فِيهِ، فَقَالَ: الْقَاسِم بن مَالك الْمُزنِيّ، عَن روح بن غطيف، عَن الزُّهْرِيّ وَقَالَ: [أَسد] بن عَمْرو البَجلِيّ، عَن غطيف الطَّائِفِي، عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ روح بن غطيف. كَمَا قَالَ الْقَاسِم بن مَالك، وروح ضَعِيف، وَلَا يعرف هَذَا عَن الزُّهْرِيّ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِثَابِت، قَالَ البُخَارِيّ: روح مُنكر الحَدِيث، وَكَذَا قَالَ فِي «الْمعرفَة» : (إِنَّه) لم يثبت وَقد أنكرهُ عَلَى روح عبد الله بن الْمُبَارك وَيَحْيَى بن معِين، وَغَيرهمَا من الْحفاظ.
قلت: وَعبارَة ابْن حبَان فِيهِ أَنه يروي الموضوعات عَن الثِّقَات، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: مُنكر الحَدِيث جدًّا، وَرَوَى الْعقيلِيّ
стр. 1964
وَالْبَيْهَقِيّ، عَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: قد رَأَيْت روح بن غطيف «صَاحب الدَّم قدر الدِّرْهَم» عَن النَّبِي ﷺ فَجَلَست إِلَيْهِ مَجْلِسا، فَجعلت: أستحي من أَصْحَابِي أَن يروني جَالِسا (مَعَه) ؛ لِكَثْرَة مَا فِي حَدِيثه - يَعْنِي: من الْمَنَاكِير.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وأبنا أَبُو سعد الْمَالِينِي، نَا أَبُو أَحْمد بن عدي، ثَنَا مُحَمَّد بن مُنِير، ثَنَا أَحْمد بن الْعَبَّاس قَالَ: قلت ليحيى بن معِين: تحفظ عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «تُعَاد الصَّلَاة من مِقْدَار الدِّرْهَم» ؟ فَقَالَ: لَا وَالله، ثمَّ قَالَ: من؟ قلت: ثَنَا مُحرز (بن) عون، قَالَ: ثِقَة (عَمَّن) ؟ قلت: الْقَاسِم بن مَالك الْمُزنِيّ، قَالَ: (ثِقَة) عَمَّن؟ قلت: عَن روح بن غطيف قَالَ: هاه، قلت: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، مَا أرَى أَتَيْنَا إِلَّا من روح بن غطيف (قَالَ: أجل، قَالَ ابْن عدي: وَهَذَا لَا يرويهِ عَن الزُّهْرِيّ فِيمَا أعلمهُ غير روح بن غطيف) وَهُوَ مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد.
قَالَ: وروح بن غطيف رَأَيْته قَلِيل الرِّوَايَة لَا يعرف إِلَّا بِهَذَا الحَدِيث، وَمِقْدَار مَا يرويهِ من الحَدِيث لَيْسَ بِمَحْفُوظ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِيمَا بَلغنِي عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي أَنه قَالَ: أَخَاف أَن يكون هَذَا مَوْضُوعا، وروح هَذَا مَجْهُول.
قلت: فِي جهالته وَقْفَة، فقد رَوَى عَنهُ الْقَاسِم بن مَالك وَنصر
стр. 1965
بن حَمَّاد و [أَسد] بن عَمْرو البَجلِيّ وَعرف النَّاس دبره كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُم، وَجزم بِكَوْنِهِ مَوْضُوعا ابْن الْجَوْزِيّ فَذكره فِي «مَوْضُوعَاته» من طرق، عَن أبي هُرَيْرَة، وضعفها كلهَا، ثمَّ نقل عَن البُخَارِيّ أَنه حَدِيث بَاطِل، وَكَذَا نَقله الْعقيلِيّ عَنهُ، وَقَالَ ابْن حبَان: هَذَا حَدِيث مَوْضُوع لَا شكّ فِيهِ، مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ اختراع اخترعه أهل الْكُوفَة فِي الْإِسْلَام.
وَوَقع فِي «الْمِيزَان» للذهبي أَن هَذَا الحَدِيث انْفَرد بِهِ عَن روح: الْقَاسِم بن مَالك، وَقد أسلفنا لَك من كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» أَن [أَسد] بن عَمْرو البَجلِيّ رَوَاهُ عَنهُ أَيْضا، فَلم ينْفَرد إِذن.
الحَدِيث الْخَامِس عشر
أنَّه ﷺ (قَالَ) : «تنزهوا من الْبَوْل» .
هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ (فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء) ، فَرَاجعه مِنْهُ.
следующие страницы →