Полный текст (6 131 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِلَفْظ: «لَا تبادروني بركوع وَلَا سُجُود فَإِنَّهُ مهما أسبقكم بِهِ إِذا ركعت تدركوني (بِهِ) إِذا رفعت إِنِّي قد بدنت) وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» (من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه (يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي قد بدَّنت أَو بدنت) فَلَا تسبقوني بِالرُّكُوعِ (وَالسُّجُود) ، وَلَكِن إِن سبقتكم إِنَّكُم تدركون مَا فاتكم» .
فَائِدَة: «بدنت» بِالتَّشْدِيدِ وَنصب الدَّال عَلَى الْأَصَح.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : اخْتَار أَبُو عبيد: «بدنت» بِالتَّشْدِيدِ وَنصب الدَّال - يَعْنِي: كَبرت. وَمن قَالَ بِرَفْع الدَّال فَإِنَّهُ أَرَادَ كَثْرَة اللَّحْم. وَفِي «مجمع الغرائب للفارسي) : رَوَى هشيم - (وَكَانَ) فِيمَا يُقَال: (لحانًا) بدنت، (قَالَ) أَبُو عبيد: لَيْسَ لَهُ مَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَثْرَة اللَّحْم من صفته ﵇؛ لِأَن من نَعته أَنه كَانَ رجلا بَين الرجلَيْن فِي جِسْمه ولحمه. وَكَذَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» : «بدنت» مُشَدّدَة بِمَعْنى كَبرت وَمن خففها غلط؛ لِأَنَّهُ يكون من كَثْرَة اللَّحْم، وَلَيْسَ من صِفَاته. وَكَذَا قَالَ المطرزي: الصَّوَاب عَن الْأمَوِي «بدنت» ؛ أَي: كَبرت؛ لِأَن البدانة وَالسمن خلاف صفته ﵇، إِلَّا أَن يحمل عَلَى أَن الْحَرَكَة
стр. 2312
ثقلت عَلَى البادن. قَالَ: وَإِن صَحَّ أَنه ﵇ حمل الشَّحْم فِي آخر عمره (لاستغنى) عَن التَّأْوِيل.
الحَدِيث (السَّابِع) بعد الْأَرْبَعين
«أَن معَاذًا ﵁ أمَّ قومه لَيْلَة فِي صَلَاة الْعشَاء بَعْدَمَا صلاهَا مَعَ النَّبِي ﷺ فَافْتتحَ سُورَة الْبَقَرَة فَتنَحَّى رجل من خَلفه وَصَلى وَحده فَقيل لَهُ نافقت، ثمَّ ذكر ذَلِك للنَّبِي (فَقَالَ الرجل: يَا رَسُول الله إِنَّك أخرت الْعشَاء وَإِن معَاذًا صَلَّى مَعَك ثمَّ أمنا وافتتح سُورَة الْبَقَرَة، وَإِنَّمَا نَحن أَصْحَاب نواضح نعمل بِأَيْدِينَا، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك تَأَخَّرت وَصليت، فَقَالَ ﵇: (أفتان) أَنْت يَا معَاذ؟ اقْرَأ (سُورَة) كَذَا اقْرَأ (سُورَة) كَذَا» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث جَابر بن عبد الله (قَالَ: «كَانَ معَاذ) يُصَلِّي (مَعَ) النَّبِي ﷺ ثمَّ يَأْتِي فيؤم قومه، فَصَلى لَيْلَة مَعَ النَّبِي ﷺ الْعشَاء، ثمَّ أَتَى قومه فَأمهمْ فَافْتتحَ سُورَة الْبَقَرَة، فانحرف رجل فَسلم ثمَّ صَلَّى وَحده وَانْصَرف، فَقَالُوا لَهُ: نافقت يَا فلَان.
стр. 2313
قَالَ: لَا وَالله ولآتين رَسُول الله ﷺ (فلأخبرنه) فَأَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّا أَصْحَاب نواضح نعمل بِالنَّهَارِ، وَإِن معَاذًا صَلَّى مَعَك الْعشَاء ثمَّ أَتَى فَافْتتحَ (سُورَة) الْبَقَرَة. فَأقبل رَسُول الله ﷺ عَلَى معَاذ فَقَالَ: (يَا معَاذ، أفتان أَنْت) ، اقْرَأ بِكَذَا واقرأ بِكَذَا» قَالَ سُفْيَان: فَقلت لعَمْرو: إِن أَبَا الزبير حَدثنَا عَن جَابر أَنه قَالَ: «اقْرَأ (وَالشَّمْس وَضُحَاهَا) (وَالضُّحَى) (وَاللَّيْل إِذا (يغشى)) و (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) فَقَالَ عَمْرو نَحْو هَذَا.
هَذَا لفظ مُسلم، وَفِي (آخر لَهُ) : «إِذا (أممت النَّاس) فاقرأ (بالشمس وَضُحَاهَا) و (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) و (اقْرَأ باسم رَبك) (وَاللَّيْل إِذا يغشي» .
وللبخاري: «أَن معَاذًا صَلَّى بِنَا البارحة فَقَرَأَ الْبَقَرَة فتجوزت، فَزعم أَنِّي مُنَافِق: فَقَالَ ﵇: أفتان أَنْت - ثَلَاثًا» وَلم يذكر تعْيين السُّور.
стр. 2314
وَله أَيْضا: «أَن معَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي ﷺ ثمَّ يَأْتِي قومه فَيصَلي بهم (صَلَاة) الْعشَاء (فَقَرَأَ) الْبَقَرَة، قَالَ: فَتجوز رجل وَصَلى صَلَاة خَفِيفَة، فَبلغ ذَلِك معَاذًا، فَقَالَ: إِنَّه مُنَافِق. فَبلغ ذَلِك الرجلَ فَأَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّا قوم نعمل بِأَيْدِينَا ونسقي نواضحنا وَإِن معَاذًا صَلَّى البارحة فَقَرَأَ الْبَقَرَة فتجوزت فَزعم أَنِّي مُنَافِق. فَقَالَ ﵇: يَا معَاذ، أفتان أَنْت - ثَلَاثًا - اقْرَأ (وَالشَّمْس وَضُحَاهَا) و (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) وَنَحْوهَا» وَفِي (لفظ) آخر: «فلولا صليت ب (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) (وَالشَّمْس وَضُحَاهَا) ، (وَاللَّيْل إِذا يغشى) فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَك (الْكَبِير وَالصَّغِير) وَذُو الْحَاجة» قَالَ: أَحسب هَذَا (فِي) الحَدِيث وَلَيْسَت (عِنْده) قَول سُفْيَان لعَمْرو، وَفِي بعض طرقه: «أقبل رجل بناضحين وَقد أقبل اللَّيْل فَوَافَقَ معَاذًا يُصَلِّي فَأقبل (معَاذ)
» وَذكر الحَدِيث.
وَللشَّافِعِيّ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو، عَن جَابر: «كَانَ (معَاذ) يُصَلِّي مَعَ النَّبِي ﷺ الْعشَاء - أَو الْعَتَمَة - ثمَّ يرجع فيصليها
стр. 2315
بقَوْمه فِي بني سَلمَة. قَالَ: فَأخر رَسُول الله ﷺ الْعشَاء ذَات لَيْلَة، قَالَ: فَصَلى معَاذ مَعَه، ثمَّ رَجَعَ فَأم قومه فَقَرَأَ (بِسُورَة) الْبَقَرَة فَتنَحَّى رجل من خَلفه فَصَلى وَحده فَقَالُوا لَهُ: نافقت. قَالَ: لَا وَلَكِنِّي آتِي رَسُول الله ﷺ . فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّك أخرت الْعشَاء وَإِن معَاذًا صَلَّى مَعَك، ثمَّ رَجَعَ فأمنا وافتتح سُورَة الْبَقَرَة، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك تَأَخَّرت فَصليت، وَإِنَّمَا نَحن أَصْحَاب نواضح نعمل بِأَيْدِينَا. فَأقبل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: أفتان أَنْت يَا معَاذ، أفتان أَنْت يَا معَاذ، اقْرَأ (بِسُورَة كَذَا وَسورَة) كَذَا» .
قَالَ الشَّافِعِي: وَأَنا سُفْيَان، أَنا أَبُو الزبير، عَن جَابر بِمثلِهِ وَزَاد فِيهِ «أَنه ﵇ قَالَ لَهُ: اقْرَأ ب (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) ، (وَاللَّيْل إِذا يغشى) ، (وَالسَّمَاء والطارق) وَنَحْوهَا قَالَ سُفْيَان فَقلت لعَمْرو: إِن أَبَا الزبير يَقُول (قَالَ) لَهُ: اقْرَأ (ب (سبح اسْم) رَبك الْأَعْلَى) (وَاللَّيْل إِذا يغشي) (وَالسَّمَاء والطارق) (قَالَ) عَمْرو: هُوَ هَذَا أَو نَحوه» .
فَوَائِد:
الأولَى: قد أسلفنا أَنه قَرَأَ (سُورَة) الْبَقَرَة، وَفِي «مُسْند الإِمَام أَحْمد» من حَدِيث (بُرَيْدَة) أَنه قَرَأَ (اقْتَرَبت السَّاعَة) وَجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ قَرَأَ هَذِه فِي رَكْعَة وَهَذِه فِي أُخْرَى.
стр. 2316
الثَّانِيَة: هَذِه الصَّلَاة كَانَت الْعشَاء (كَمَا) سلف لَك - وَهُوَ أصح من رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَنَّهَا كَانَت فِي صَلَاة الْمغرب.
الثَّالِثَة: اخْتلف فِي اسْم (هَذَا الرجل) المنحرف أَو المتجوز عَلَى أَقْوَال، ذكرتها فِي تخريجي لأحاديث «الْمُهَذّب» وَغَيره أَصَحهَا: أَنه حرَام بن ملْحَان خَال أنس، وَلم يذكر الْخَطِيب فِي «مبهماته» غَيره، وَوَقع فِي «الْمُهَذّب» : «فَانْفَرد عَنهُ أَعْرَابِي» ، وَالصَّوَاب: أَنْصَارِي. بدله.
الرَّابِعَة: احْتج المُصَنّف تبعا للشَّافِعِيّ وَالْأَصْحَاب بِهَذَا الحَدِيث عَلَى جَوَاز الْمُفَارقَة وَالْبناء عَلَى مَا (صَلَّى) ، لَكِن احْتج بِهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالشَّيْخ أَبُو حَامِد وَآخَرُونَ عَلَى الْمُفَارقَة (و) بِغَيْر عذر وَجعلُوا تَطْوِيل الْقِرَاءَة لَيْسَ بِعُذْر وَاحْتج بِهِ صَاحب «الْمُهَذّب» وَآخَرُونَ عَلَى الْمُفَارقَة بِعُذْر، وَجعلُوا طولهَا عذرا، وَرِوَايَة مُسلم السالفة أَنه انحرف فَسلم ثمَّ صَلَّى وَحده تشكل عَلَى ذَلِك، (كَأَنَّهُ) اسْتَأْنف وَلم يبن، فَلَا دلَالَة فِيهِ إِذا للمفارقة وَالْبناء، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا أَدْرِي هَل حفظت الزِّيَادَة الَّتِي فِي مُسلم لِكَثْرَة من رَوَى الحَدِيث عَن سُفْيَان بِدُونِهَا، وَإِنَّمَا انْفَرد بهَا مُحَمَّد بن عباد عَن سُفْيَان. وَلَك أَن تَقول: هَذِه الزِّيَادَة من ثِقَة فَقبلت - كَمَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء وَالْأُصُول والْحَدِيث.
وَجَوَاب هَذَا أَن أَكثر الْمُحدثين يجْعَلُونَ مثل هَذِه الزِّيَادَة شَاذَّة
стр. 2317
ضَعِيفَة مَرْدُودَة، فَإِن الشاذ عِنْدهم أَن يروي مَا (لَا) يرويهِ سَائِر الثِّقَات سَوَاء خالفهم أم لَا، وَمذهب الشَّافِعِي وَطَائِفَة من عُلَمَاء الْحجاز أَن الشاذ مَا يُخَالف الثِّقَات، أما مَا لَا يخالفهم فَلَيْسَ بشاذ بل يحْتَج بِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح (وَقَول الْمُحَقِّقين) فعلَى الأول: (هَذِه) اللَّفْظَة شَاذَّة لَا يحْتَج بهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ، وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي رِوَايَة الإِمَام أَحْمد فِي «مُسْنده» فِي هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أنس: أَن هَذَا الرجل لما رَأَى معَاذًا طول تجوز فِي صلَاته وَلحق بنخله ليسقيه، فَلَمَّا قَضَى (معَاذ) الصَّلَاة قيل لَهُ (فِي) ذَلِك (قَالَ) : إِنَّه لمنافق يعجل عَن الصَّلَاة (لأجل سقِِي) نخله.
الحَدِيث (الثَّامِن) بعد الْأَرْبَعين
«أَن رَسُول الله ﷺ (لما) صَلَّى صَلَاة الْخَوْف بِذَات الرّقاع (فارقته) الْفرْقَة الأولَى بَعْدَمَا صَلَّى بهم رَكْعَة» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى (صِحَّته) من حَدِيث خَوات بن جُبَير، وَسَيَأْتِي فِي بَابه إِن شَاءَ الله (ذَلِك وَقدره) .
стр. 2318
الحَدِيث (التَّاسِع) بعد الْأَرْبَعين
«أَنه ﵇ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ ثمَّ تذكر فِي صلَاته أَنه جنب فَأَشَارَ إِلَيْهِم كَمَا أَنْتُم وَخرج واغتسل ثمَّ عَاد وَرَأسه تقطر وَتحرم بهم» .
هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب بعد عقد الْعشْرين مِنْهُ.
وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث لأظهر الْقَوْلَيْنِ أَنه يجوز لمن أحرم مُنْفَردا أَن يَنْوِي الْقدْوَة فِي (خلال صلَاته) ، فَإِنَّهُ لما أوردهُ قَالَ: وَمَعْلُوم أَنهم أنشئوا اقْتِدَاء جَدِيدا (إِذْ تبين أَن الأول لم يكن صَحِيحا، وَتبع فِي ذَلِك الإِمَام فَإِنَّهُ قَالَه كَذَلِك سَوَاء، وَهُوَ عَجِيب؛ لأَنهم إِذا أنشئوا اقْتِدَاء جَدِيدا) لم يكن فِيهِ إنْشَاء الْمُنْفَرد الِاقْتِدَاء؛ بل هُوَ إنْشَاء قدوة من لَيْسَ بمصلٍّ؛ وَهَذَا (لَيْسَ مَحل) النزاع، وَأَيْضًا لَا نسلم بطلَان الِاقْتِدَاء الأول؛ لِأَنَّهُ تصح الصَّلَاة خلف الْمُحدث إِذا جهل الْمَأْمُوم حَدثهُ، لَا جرم أَن الْمَاوَرْدِيّ لما اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور ذكر فِيهِ أَنه اسْتَأْنف الْإِحْرَام وَأَن (الْقَوْم) بقوا عَلَى إحرامهم، ثمَّ قَالَ: فَلَمَّا سَبَقُوهُ بِالْإِحْرَامِ وَلم يَأْمُرهُم باستئنافه وَقد خَرجُوا بالجنابة من إِمَامَته دلّ عَلَى صِحَة صَلَاة الْمَأْمُوم إِذا سبق الإِمَام بِبَعْض صلَاته. وَقَوله: وَقد خَرجُوا بالجنابة من إِمَامَته: كَأَنَّهُ يَعْنِي بِهِ أَنه تبين بِسَبَب الْجَنَابَة أَنه لم يكن إِمَامًا لَهُم، وَقد سبق بِهَذَا الِاعْتِرَاض الشَّيْخ تَاج الدَّين فَقَالَ فِي «إقليده» :
стр. 2319
تمسُّك الْأَصْحَاب بِهَذَا الحَدِيث من النَّوَادِر؛ فَإِن الشَّافِعِي فرق بَين إنْشَاء الْقدْوَة وَمَا وَقع فِي هَذِه الْقِصَّة، وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» : كرهت أَن يفتتحها صَلَاة إِفْرَاد ثمَّ يَجْعَلهَا (صَلَاة جمَاعَة) . وَهَذَا يُخَالف صَلَاة الَّذين افْتتح (بهم) النَّبِي ﷺ الصَّلَاة. ثمَّ ذكر فَانْصَرف فاغتسل ثمَّ رَجَعَ فَأمهمْ فَإِنَّهُم افتتحوا الصَّلَاة جمَاعَة.
وَقَالَ فِي «الْقَدِيم» : (ثمَّ) قَالَ قَائِل يدْخل مَعَ الإِمَام وَيُعِيد (مَا) مَضَى. قَالَ الْمُزنِيّ: وَهَذَا عِنْدِي أَقيس عَلَى أَصله؛ فَإِنَّهُ ﵇ لم يكن فِي صَلَاة وَصَحَّ إحرامهم وَلَا إِمَام لَهُم ثمَّ ابْتَدَأَ (بهم) وَقد (سبقوا هم) بِالْإِحْرَامِ.
قلت: لَكِن سلف فِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أبي دَاوُد: «أَنه ﵇ كبر ثمَّ أَوْمَأ أَن اجلسوا، (فَذهب فاغتسل) . وَعَلَى هَذَا فَلَا دلَالَة (فِيهِ) عَلَى الْمُدعَى؛ لِأَن هَذَا (إِحْرَام) آخر جَدِيد إِلَّا أَن يَدعِي أَن هَذِه (قَضِيَّة) أُخْرَى غير تِلْكَ كَمَا سلف هُنَاكَ.
الحَدِيث (الْخَمْسُونَ)
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «من أدْرك الرُّكُوع من الرَّكْعَة الْأَخِيرَة يَوْم الْجُمُعَة
стр. 2320
(فليضف) إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمن لم يدْرك الرُّكُوع (من الرَّكْعَة) الْأَخِيرَة فَليصل الظّهْر أَرْبعا» .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طَرِيق أبي هُرَيْرَة وَمن طَرِيق ابْن عمر ﵄.
أما الأول: فَمن أوجه يحضرنا مِنْهَا ثَلَاثَة (عشر) وَجها:
أَحدهَا: من طَرِيق الْوَلِيد بن مُسلم، عَن الْأَوْزَاعِيّ، حَدثنِي الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من صَلَاة الْجُمُعَة رَكْعَة فقد أدْرك الصَّلَاة» رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث مُحَمَّد بن مَيْمُون الإسْكَنْدراني، حَدثنَا الْوَلِيد بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث إِسْنَاده صَحِيح عَلَى شَرط (الشَّيْخَيْنِ) وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ، إِنَّمَا اتفقَا عَلَى حَدِيث الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «من أدْرك من الصَّلَاة رَكْعَة وَمن أدْرك من صَلَاة الْعَصْر (رَكْعَة) » وَلمُسلم فِيهِ الزِّيَادَة «فقد أدْركهَا كلهَا» .
ثَانِيهَا: من طَرِيق أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ، عَن ابْن شهَاب، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من (صَلَاة) الْجُمُعَة رَكْعَة فَليصل إِلَيْهَا أُخْرَى» . رَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث
стр. 2321
الْفضل بن مُحَمَّد الشعراني (ثَنَا) [سعيد] بن أبي مَرْيَم، نَا يَحْيَى بن أَيُّوب، نَا أُسَامَة بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح إِسْنَاده عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» (من) حَدِيث أَحْمد بن حَمَّاد زغبة، نَا ابْن أبي مَرْيَم بِهِ.
وَيَحْيَى هَذَا هُوَ الغافقي وَإِن احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا (فقد قَالَ) أَبُو حَاتِم فِي حَقه: مَحَله الصدْق وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَأُسَامَة بن زيد من رجال مُسلم وَقَالَ فِي حَقه أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء وراجع فِيهِ عبد الله أَبَاهُ فَقَالَ: إِذا تدبرت حَدِيثه تعرف فِيهِ النكرَة. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: كَانَ يَحْيَى الْقطَّان يُضعفهُ. ثمَّ قَالَ (يَحْيَى بن معِين) : هُوَ ثِقَة. وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن عدي: لَيْسَ بِهِ بَأْس.
(الثَّالِث) : (من) طَرِيق حَمَّاد بن زيد، عَن مَالك بن أنس وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة فَليصل إِلَيْهَا أُخْرَى» .
стр. 2322
رَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث عبد الله بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي، نَا حَمَّاد بِهِ وَقَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ فِي الطَّرِيقَيْنِ قبله.
قلت: وَصَالح هَذَا لينه البُخَارِيّ وَضَعفه النَّسَائِيّ وَأحمد وَأَبُو زرْعَة. وَقَالَ ابْن حبَان: (اخْتَلَط عَلَيْهِ) مَا سمع بِمَا لم يسمع فَحدث بِالْكُلِّ، فَيَنْبَغِي أَن لَا يحدث عَنهُ.
وَذكره ابْن السكن فِي «الصِّحَاح الْمَأْثُور» بِلَفْظ: «من أدْرك رَكْعَة من الْجُمُعَة فليضف إِلَيْهَا أُخْرَى» .
(قلت: وَهَذِه الطّرق الثَّلَاث أحسن طرق هَذَا الحَدِيث، وَالْبَاقِي ضِعَاف بِمرَّة) .
(الطَّرِيق الرَّابِع) : من طَرِيق ياسين بن معَاذ، عَن ابْن شهَاب، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِذا أدْرك أحدكُم الرَّكْعَتَيْنِ يَوْم الْجُمُعَة (فقد أدْرك الْجُمُعَة) وَإِذا أدْرك رَكْعَة فليركع إِلَيْهَا أُخْرَى، وَإِن لم يدْرك رَكْعَة فَليصل أَربع رَكْعَات» .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عبد الله بن صَالح (نَا اللَّيْث) ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن ياسين، ثمَّ قَالَ: ياسين ضَعِيف.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث
стр. 2323
فَقَالَ: لَا أصل لَهُ إِنَّمَا مَتنه: «من أدْرك من الصَّلَاة رَكْعَة فقد أدْركهَا» .
(الْخَامِس) : من طَرِيق سُلَيْمَان بن أبي دَاوُد، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي أوردهُ الرَّافِعِيّ سَوَاء.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا من حَدِيث أبي (يزِيد الْخصاف) الرقي - واسْمه خَالِد بن (حَيَّان) - نَا سُلَيْمَان بِهِ.
ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي قَالَ: حَدثنِي جدي مُحَمَّد بن سُلَيْمَان، عَن أَبِيه سُلَيْمَان، عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، لَكِن بِلَفْظ: «إِذا أدْركْت (الرَّكْعَة) الْأَخِيرَة من صَلَاة الْجُمُعَة فصلِّ إِلَيْهَا (رَكْعَة) ، وَإِذا فاتتك الرَّكْعَة الْأَخِيرَة فصل الظّهْر أَربع رَكْعَات» .
وَسليمَان هَذَا ضَعَّفُوهُ، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث.
قلت: وخَالِد بن حَيَّان فِيهِ لين مَا لكنه صَدُوق.
(السَّادِس) : من طَرِيق عبد الرَّزَّاق بن عمر الدِّمَشْقِي، عَن
стр. 2324
الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة فليضف إِلَيْهَا أُخْرَى» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا من حَدِيث الحكم بن مُوسَى نَا عبد الرَّزَّاق بِهِ.
وَعبد الرَّزَّاق هَذَا ضَعَّفُوهُ، (قَالَ يَحْيَى) : لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ مرّة: كَذَّاب. وَقَالَ خَ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن حبَان: يقلب الْأَخْبَار (فَاسْتحقَّ) التّرْك.
(السَّابِع) : من حَدِيث الْحجَّاج، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة (فَليصل) إِلَيْهَا أُخْرَى» .
رَوَاهُ الدَّارقطني فِي «سنَنه» أَيْضا من حَدِيث جرير، عَن عبد القدوس بن بكر، نَا الْحجَّاج ... فَذكره.
وَالْحجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة وحالته قد عرفت، وَقد عنعن.
(الثَّامِن) : من طَرِيق ياسين بن معَاذ عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد
стр. 2325
وَأبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة صَلَّى إِلَيْهَا أُخْرَى، فَإِن أدركهم جُلُوسًا صَلَّى الظّهْر أَرْبعا» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (فِي «سنَنه» أَيْضا) من حَدِيث بكر بن بكار، نَا ياسين بِهِ.
وَيَاسِين قد أسلفنا عَن الدَّارَقُطْنِيّ تَضْعِيفه، وَأطلق النكارة عَلَى (حَدِيثه) البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم، وَأطلق التّرْك عَلَيْهِ النَّسَائِيّ وَغَيره، وَقَالَ ابْن حبَان: يروي (الموضوعات) عَن الثِّقَات، وينفرد بالمعضلات عَن الْأَثْبَات لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
قلت: وَقد سلف من طَرِيق ياسين هَذَا عَن الزُّهْرِيّ.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث ياسين، عَن الزُّهْرِيّ، عَن
стр. 2326
سعيد (و) أبي سَلمَة، (عَن أبي هُرَيْرَة) مَرْفُوعا: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة فَليصل إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمن فَاتَتْهُ الركعتان فَليصل أَرْبعا - أَو قَالَ: الظّهْر. أَو قَالَ: الأولَى» .
(الْوَجْه التَّاسِع) : من طَرِيق عمر بن قيس، [عَن الزُّهْرِيّ] عَن أبي سَلمَة وَسَعِيد، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة فَليصل إِلَيْهَا (أُخْرَى)) .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن بكير، نَا عمر بِهِ.
وَعمر هَذَا أَظُنهُ (الْمَكِّيّ) (الْمَعْرُوف) (بسندل) وَهُوَ مُتَّهم مَتْرُوك قَالَ أَحْمد: لَا يُسَاوِي حَدِيثه شَيْئا.
(الْوَجْه الْعَاشِر) : من طَرِيق صَالح بن أبي الْأَخْضَر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة فَليصل إِلَيْهَا أُخْرَى، فَإِن أدركهم جُلُوسًا صَلَّى أَرْبعا» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا من حَدِيث يَحْيَى بن المتَوَكل،
стр. 2327
عَن صَالح. وَصَالح قد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى، وَيَحْيَى (إِن) كَانَ الْحذاء فقد ضَعَّفُوهُ.
(الْوَجْه الْحَادِي عشر) : من طَرِيق (دَاوُد) بن أبي هِنْد، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة فليضف إِلَيْهَا أُخْرَى» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (فِي «سنَنه» أَيْضا) من حَدِيث يَحْيَى بن رَاشد الْبَراء، عَن دَاوُد بِهِ.
وَيَحْيَى هَذَا ضعفه النَّسَائِيّ، وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يعْتَبر بِهِ صُوَيْلِح. وَقَالَ فِي «علله» : رُوِيَ من وَجْهَيْن عَن سعيد مَرْفُوعا وَكِلَاهُمَا غير مَحْفُوظ، (وَرَوَاهُ) يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ أَنه بلغه عَن سعيد بن الْمسيب قَوْله، وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ.
(الْوَجْه الثَّانِي عشر) : من طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِذا (أدْرك) أحدكُم من الْجُمُعَة رَكْعَة فَليصل
стр. 2328
إِلَيْهَا أُخْرَى» . (وَسُهيْل) هَذَا احْتج بِهِ مُسلم ووثق وَتكلم فِيهِ.
(الْوَجْه الثَّالِث عشر) : من طَرِيق ابْن أبي ذِئْب، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة وَسَعِيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة فَليصل إِلَيْهَا أُخْرَى» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيث عمر بن (حبيب) ، عَن ابْن أبي ذِئْب (بِهِ) .
وَعمر هَذَا ضعفه النَّسَائِيّ وَكذبه ابْن معِين، وَقَالَ (ابْن عدي) : حسن الحَدِيث يكْتب (حَدِيثه) مَعَ ضعفه.
فَهَذَا مَا حضرني من طرق هَذَا الحَدِيث، وأحسنها الثَّلَاثَة (الأول) وَقَالَ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : ذكر الْخَبَر الدَّال عَلَى أَن الطّرق المروية فِي خبر الزُّهْرِيّ «من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة» كلهَا معلولة (لَيْسَ) يَصح فِيهَا شَيْء مَا أخبرنَا بِهِ عمرَان
стр. 2329
بن مُوسَى بن مجاشع، نَا أَبُو كَامِل (الجحدري) ، نَا حَمَّاد بن زيد، عَن مَالك بن أنس، [عَن الزُّهْرِيّ] ، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أدْرك (من صلاةٍ رَكْعَة فقد أدْرك» قَالُوا: من (هَاهُنَا قيل) : «وَمن أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة صَلَّى إِلَيْهَا أُخْرَى» (وَقَالَ فِي ضُعَفَائِهِ) : هَذَا الحَدِيث - يَعْنِي (بِذكر) الْجُمُعَة - خطأ إِنَّمَا هُوَ «من أدْرك من الصَّلَاة رَكْعَة» وذِكْر «الْجُمُعَة» قَالَه أَرْبَعَة أنفس (عَن الزُّهْرِيّ) ، عَن أبي سَلمَة كلهم ضعفاء، أَي وهم: أُسَامَة بن زيد وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر وَسليمَان بن أبي دَاوُد وَعبد الرَّزَّاق بن عمر الدِّمَشْقِي.
قلت: قد تَابعهمْ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك كَمَا سلف من طَرِيق الْحَاكِم (وصححهما) عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَقَالَ فِي رِوَايَة أُسَامَة وَصَالح مثل ذَلِك، وتابعهم (أَيْضا: ياسين بن معَاذ) وَالْحجاج ومعاذ كَمَا سلف،
стр. 2330
وَذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» من طرق (بالاختلاف) فِيهَا، ثمَّ قَالَ: وَالصَّحِيح حَدِيث: «من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة» (و) هَذَا الْخَبَر الَّذِي ذكره الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حبَان اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجه كَمَا أسلفناه فِي الحَدِيث الثَّامِن من بَاب أَوْقَات الصَّلَاة، وَاحْتج بِهِ الْأَئِمَّة فِي هَذَا الْمقَام (مَالك وَالشَّافِعِيّ) وَغَيرهمَا.
قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم: مَعْنَاهُ: لم تفته تِلْكَ الصَّلَاة وَمن لم تفته الْجُمُعَة صلاهَا (رَكْعَة) .
وَفِي رِوَايَة غَرِيبَة (للعقيلى) فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا: «من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة فقد أدْركهَا قبل أَن (يُقيم) الإِمَام صلبه» قَالَ الْعقيلِيّ: رَوَاهُ (جماعات) بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة (و) لم يذكرهَا إِلَّا يَحْيَى بن حميد، ولعلها من كَلَام الزُّهْرِيّ فَأدْخلهَا يَحْيَى فِيهِ.
وَقد قَالَ البُخَارِيّ: لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : زَادهَا قُرَّة بن عبد الرَّحْمَن فِيهِ.
стр. 2331
وَأما حَدِيث ابْن عمر فَلهُ أَيْضا طرق:
(أَحدهَا) : (من) طَرِيق الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه رَفعه: «من أدْرك رَكْعَة من صَلَاة الْجُمُعَة أَو غَيرهَا فليضف إِلَيْهَا أُخْرَى وَقد تمت صلَاته» .
وَفِي لفظ: «وَقد أدْرك الصَّلَاة» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث مُحَمَّد بن مصفى (وَعَمْرو) بن عُثْمَان قَالَا: ثَنَا بَقِيَّة، قَالَ: حَدثنِي يُونُس بن (يزِيد) الْأَيْلِي، عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. ثمَّ قَالَ: قَالَ لنا (ابْن) أبي دَاوُد: لم يروه عَن يُونُس إِلَّا بَقِيَّة، وَرَوَاهُ أَيْضا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: (هَذَا) خطأ الْمَتْن والإسناد، إِنَّمَا هُوَ عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من أدْرك من صَلَاة رَكْعَة فقد أدْركهَا» وَأما قَوْله: «من صَلَاة الْجُمُعَة» فَلَيْسَ هَذَا فِي الحَدِيث فَوَهم فِي كليهمَا.
стр. 2332
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (الإِمَام) : هَذَا الحَدِيث مَعْدُود فِي أَفْرَاد بَقِيَّة عَن يُونُس، وَبَقِيَّة (موثق) وَقد زَالَت تُهْمَة (تدليسه) بتصريحه (بِالتَّحْدِيثِ) ، وَهَذَا (مُؤذن) من الشَّيْخ تَقِيّ (الدَّين) بتصحيح هَذَا الطَّرِيق لَكِن (بَقِيَّة رمي) بتدليس (التَّسْوِيَة) فَلَا (يَنْفَعهُ) تصريحه بِالتَّحْدِيثِ.
(الطَّرِيق الثَّانِي) : من طَرِيق يَحْيَى بن سعيد عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَفعه: «من أدْرك (من) الْجُمُعَة (رَكْعَة) فقد أدْركهَا (وليضف) إِلَيْهَا أُخْرَى» (وَفِي لفظ: «من أدْرك رَكْعَة من الْجُمُعَة فَليصل إِلَيْهَا أُخْرَى» .) .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا من حَدِيث يعِيش بن الجهم،
стр. 2333
ثَنَا عبد الله بن نمير، عَن يَحْيَى بِاللَّفْظِ الْأَخير. وَمن حَدِيث عِيسَى بن إِبْرَاهِيم، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم، عَن يَحْيَى بِاللَّفْظِ الأول.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان (الدباس) ، عَن عبد الْعَزِيز (بِهِ) بِلَفْظ: «من أدْرك رَكْعَة من الْجُمُعَة فقد أدْرك» ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن يَحْيَى إِلَّا عبد الْعَزِيز تفرد بِهِ إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان.
وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» الِاخْتِلَاف فِيهِ، ثمَّ قَالَ: (و) الصَّوَاب وَقفه عَلَى ابْن عمر.
(الطَّرِيق الثَّالِث) : عَن إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة الثَّقَفِيّ، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه رَفعه: «من أدْرك من الْجُمُعَة (رَكْعَة) فَليصل إِلَيْهَا أُخْرَى» .
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «تَارِيخ الضُّعَفَاء» فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم هَذَا، (ثمَّ) قَالَ فِي حَقه: مُنكر (الحَدِيث) (جدًّا) وَكَانَ هشيم يُدَلس عَنهُ أَخْبَارًا لَا أصل لَهَا وَهُوَ حَدِيث خطأ.
قلت: وَمن الْأَحَادِيث الَّتِي يَنْبَغِي أَن يتَنَبَّه لَهَا (مَا رَوَاهُ)
стр. 2334
ابْن عدي من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: «من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة فقد أدْرك فضل الْجَمَاعَة، وَمن أدْرك (الإِمَام) قبل أَن يسلم فقد (أدْرك فضل) الْجَمَاعَة» . أعلِه عبد الْحق بِكَثِير (بن) (شنظير) وَلم يصب؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ (فِي حد من) يتْرك (حَدِيثه) وَقد وثق، وَالصَّوَاب تَعْلِيله بِأَبَان بن طَارق فَإِنَّهُ مَجْهُول؛ (قَالَه أَبُو زرْعَة) وبصالح بن رُزَيْق فَإِنَّهُ لَا يعرف.
وَعَلَى ذَلِك جَرَى ابْن الْقطَّان.
الحَدِيث (الحادى بعد الْخمسين)
حَدِيث أبي بكرَة: «أَنه دخل الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ رَاكِع فَرَكَعَ ثمَّ
стр. 2335
دخل الصَّفّ، وَأخْبر النَّبِي ﷺ بذلك وَوَقعت (ركعته) معتدًّا بهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف فِي الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث (السَّابِع) وَالثَّلَاثِينَ فَرَاجعه مِنْهُ.
الحَدِيث (الثَّانِي) بعد الْخمسين
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أدْرك (الإِمَام) فِي الرُّكُوع فليركع مَعَه وليعد الرَّكْعَة» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا أعلم من خرجه بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ من هَذَا الْوَجْه لَا فِي الْكتب (الْمُعْتَبرَة) وَلَا (فِي) غَيرهَا، و (بَلغنِي) أَن (الْحَافِظ) جمال الدَّين الْمزي وَغَيره سئلوا عَنهُ فَلم يعرفوه، ورأيته فِي «طَبَقَات الْفُقَهَاء» (لأبي) الْحسن الْعَبَّادِيّ - (أحد)
стр. 2336
أَصْحَابنَا أَصْحَاب الْوُجُوه - من قَول أبي هُرَيْرَة، (فَإِنَّهُ قَالَ) : قَالَ (ابْن خُزَيْمَة) فِي رجل (دخل) أدْرك الإِمَام رَاكِعا أَنه يتبعهُ (وَيُعِيد) الرَّكْعَة.
قَالَ: وَرَوَى فِيهِ خَبرا مُسْندًا وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة، والرافعي حَكَاهُ (عَن) أبي عَاصِم الْعَبَّادِيّ أَنه حَكَى عَن ابْن خُزَيْمَة أَنه قَالَ: لَا تدْرك الرَّكْعَة بِإِدْرَاك الرُّكُوع وَيجب تداركها. ثمَّ قَالَ: وَاحْتج بِمَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ... فَذكره.
(وَرَأَيْت فِي كتاب «الْقِرَاءَة خلف الإِمَام» للْبُخَارِيّ فِي آخِره: نَا معقل بن مَالك، نَا أَبُو عوَانَة، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة: «إِذا أدْركْت الْقَوْم رُكُوعًا لم يعْتد بِتِلْكَ الرَّكْعَة» .
وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن معَاذ قَالَ: « (جَاءَ) رجل [و] النَّبِي ﷺ سَاجِدا فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: عَلَى أَي حَال وجدتنا؟ قَالَ: وجدتكم (قيَاما) أَو ركعا. (فَقَالَ) : مَتى وجدتني قَائِما أَو قَاعِدا أَو رَاكِعا فلتكن معي عَلَى تِلْكَ
стр. 2337
(الْحَال) ، وَلَا تَعْتَد بِالسُّجُود حَتَّى تدْرك الرَّكْعَة» .
فَقَالَ: هَذَا حَدِيث يرويهِ عبد الْعَزِيز بن رفيع وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن جبلة، عَن يزِيد بن زُرَيْع، عَن شُعْبَة، عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع، (عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن معَاذ، وَخَالفهُ الثَّوْريّ وَزُهَيْر وَجَرِير وَشريك (فَرَوَوه) عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع) قَالَ: حَدثنِي شيخ من الْأَنْصَار، عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا. قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيح.
وَقيل للدارقطني: هَل يَصح سَماع عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى من معَاذ؟ قَالَ: فِيهِ نظر؛ لِأَن معَاذًا قديم الْوَفَاة مَاتَ فِي طاعون عمواس، وَله نَيف (وَثَلَاثُونَ) سنة.
الحَدِيث (الثَّالِث) بعد الْخمسين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا أَتَى أحدكُم الصَّلَاة وَالْإِمَام عَلَى حَال فليصنع كَمَا يصنع الإِمَام» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة الْحجَّاج، عَن أبي إِسْحَاق، عَن هُبَيْرَة - هُوَ ابْن يريم - عَن عَلّي. وَعَن (عَمْرو) بن مرّة، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن معَاذ بن جبل (قَالَا) :
стр. 2338
قَالَ النَّبِي ﷺ : « (إِذا) أَتَى ... » الحَدِيث (مثله) سَوَاء.
وَهَذَا (إِسْنَاد) ضَعِيف ومنقطع؛ لِأَن الْحجَّاج - هُوَ ابْن أَرْطَاة وَهُوَ ضَعِيف - يُدَلس عَن الضُّعَفَاء، وَعبد الرَّحْمَن لم يسمع من معَاذ كَمَا ذَكرْنَاهُ قبل هَذَا آنِفا، وَسلف فِي أثْنَاء بَاب الْأَذَان أَيْضا.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعلم أحدا أسْندهُ (إِلَّا مَا رُوِيَ من هَذَا الْوَجْه، وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أهل الْعلم) (قَالُوا) : إِذا جَاءَ (الرجل) وَالْإِمَام ساجد فليسجد وَلَا (تُجزئه) تِلْكَ الرَّكْعَة إِذا فَاتَهُ الرُّكُوع مَعَ الإِمَام. وَاخْتَارَ عبد الله بن الْمُبَارك أَن يسْجد مَعَ الإِمَام، وَذكر عَن بَعضهم فَقَالَ: لَعَلَّه أَن لَا يرفع رَأسه من تِلْكَ السَّجْدَة حَتَّى يغْفر لَهُ.
وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : حَدِيث عَلّي ضَعِيف، وَإسْنَاد حَدِيث معَاذ مُنْقَطع. وَلم يبين مَوضِع الْعلَّة مِنْهُمَا، وَقد بيناها كَمَا أسلفناه لَك.
وَفِي «مُسْند الإِمَام أَحْمد» من حَدِيث عَمْرو بن مرّة، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن معَاذ قَالَ: «أحيلت (الصَّلَاة) ثَلَاثَة أَحْوَال ... » فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: «وَكَانُوا يأْتونَ الصَّلَاة وَقد
стр. 2339
سبقهمْ رَسُول الله ﷺ بِبَعْضِهَا (فَكَانَ) الرجل يُشِير إِلَى الرجل إِذا (جَاءَ: كم) صَلَّى؟ فَيَقُول وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ فيصليهما، ثمَّ يدْخل مَعَ الْقَوْم فِي صلَاتهم. قَالَ: فجَاء معَاذ فَقَالَ: لَا أَجِدهُ عَلَى حَال أبدا إِلَّا كنت عَلَيْهَا، ثمَّ قضيت مَا سبقني. قَالَ: فجَاء وَقد سبقه النَّبِي ﷺ بِبَعْضِهَا. قَالَ: (فَثَبت) مَعَه فَلَمَّا قَضَى رَسُول الله ﷺ (صلَاته قَامَ فَقَضَى، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ) : قد سنّ لكم معَاذ فَهَكَذَا فَاصْنَعُوا» .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى قَالَ: « (أحيلت) الصَّلَاة ... » فَذكره. ثمَّ من حَدِيثه عَن معَاذ ... فَذكره أَيْضا.
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب (بِفضل الله وَمِنْه) .
وَأما آثاره فستة:
أَولهَا: أَن عَائِشَة ﵂ « (أمَّت) نسَاء فَقَامَتْ وسطهن» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَحْمد، عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن (ابْن) أبي حَازِم (ميسرَة) ، عَن رائطة الْحَنَفِيَّة «أَن عَائِشَة أَمَّتْ نسْوَة فِي الْمَكْتُوبَة فأمتهن بَينهُنَّ وسطا» .
стр. 2340
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من هَذَا الْوَجْه وَمن حَدِيث عبد الله بن إِدْرِيس، عَن لَيْث، عَن عَطاء، عَن عَائِشَة «أَنَّهَا كَانَت تؤذن وتقيم وتؤم النِّسَاء وَتقوم (وسطهن) .
وَذكره فِي «الْمعرفَة» عَن الشَّافِعِي فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: وَرَوَى لَيْث بن أبي سليم، عَن عَطاء، عَن عَائِشَة «أَنَّهَا صلت بنسوة الْعَصْر فَقَامَتْ وسطهن» .
وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد بن حزم من حَدِيث زِيَاد بن لَاحق، عَن [تَمِيمَة] (بنت) سَلمَة، عَن عَائِشَة «أَنَّهَا أمت النِّسَاء فَقَامَتْ وسطهن وجهرت بِالْقِرَاءَةِ» .
الْأَثر الثَّانِي: «أَن أم سَلمَة ﵂ أمت نسَاء فَقَامَتْ وسطهن» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن عمار (الدهني) ، عَن امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا: [حجيرة] ، عَن أم
стр. 2341
سَلمَة « (أَنَّهَا) أمتهن فَقَامَتْ (وسطا)) .
وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد بن حزم من هَذَا الْوَجْه (وَقَالَ) حجيرة (بنت) حُصَيْن قَالَت: «أمتنَا (أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ) (فِي صَلَاة الْعَصْر فَقَامَتْ بَيْننَا» وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث قَتَادَة عَن أم (الْحسن بن أبي الْحسن) أَن أم سَلمَة كَانَت تؤمهن فِي رَمَضَان وَتقوم مَعَهُنَّ فِي الصَّفّ» .
قَالَ الشَّافِعِي ﵀: وَرَوَى صَفْوَان بن سليم قَالَ: «من السّنة أَن تصلي الْمَرْأَة بِالنسَاء تقوم (وسطهن) وَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث (دَاوُد يَعْنِي) ابْن الْحصين عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «تؤم الْمَرْأَة النِّسَاء تقوم وسطهن» . قَالَ: «و (قد) روينَا فِيهِ حَدِيثا مُسْندًا (فِي) بَاب الْأَذَان وَفِيه ضعف» .
стр. 2342
وَقد أسلفنا هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ أَيْضا، وَأطلق ابْن الصّلاح فِي «مشكله» أَنه بَاطِل لَا أصل لَهُ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي «خلاصته» .
الْأَثر الثَّالِث: «أَن عَائِشَة كَانَ يؤمها عبد لَهَا لم يعْتق يكنى أَبَا عَمرو» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» تَعْلِيقا بِغَيْر إِسْنَاد؛ فَقَالَ: «وَكَانَت عَائِشَة يؤمها عَبدهَا ذكْوَان من الْمُصحف» . وَأسْندَ هَذَا التَّعْلِيق أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع حَدثنَا هِشَام بن (عُرْوَة) عَن أبي بكر بن أبي مليكَة: «أَن عَائِشَة أعتقت غُلَاما لَهَا عَن دبر فَكَانَ يؤمها فِي رَمَضَان فِي الْمُصحف» . وَأسْندَ الشَّافِعِي عَن عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز، عَن ابْن جريج، أَخْبرنِي عبد الله بن (عبيد الله) بن أبي مليكَة: «أَنهم كَانُوا يأْتونَ عَائِشَة بِأَعْلَى الْوَادي هُوَ وَعبيد بن عُمَيْر والمسور بن مخرمَة وناس كثير، فيؤمهم أَبُو عَمْرو مولَى عَائِشَة، وَأَبُو عَمْرو غلامها حِينَئِذٍ لم يعْتق، وَكَانَ إِمَام بني مُحَمَّد بن أبي بكر وَعُرْوَة» . وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث (عُرْوَة) عَن عَائِشَة «أَنَّهَا دبرت ذكْوَان فَكَانَ يؤمها فِي رَمَضَان فِي الْمُصحف» فَقَالَ يرويهِ هِشَام
стр. 2343
بن عُرْوَة وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ زفر بن الْهُذيْل وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ.
الْأَثر الرَّابِع:
«أَن ابْن عمر ﵁ كَانَ يُصَلِّي خلف الْحجَّاج بن يُوسُف) الثَّقَفِيّ» .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» .
الْأَثر الْخَامِس:
«أَن أَبَا هُرَيْرَة صَلَّى عَلَى ظهر الْمَسْجِد (بِصَلَاة الإِمَام فِي الْمَسْجِد)) .
وَهَذَا الْأَثر ذكره (البُخَارِيّ) فِي «صَحِيحه» بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ: «وَصَلى أَبُو هُرَيْرَة عَلَى (ظهر) الْمَسْجِد بِصَلَاة الإِمَام» .
وأسنده الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنِي صَالح مولَى التوءمة «أَنه رَأَى أَبَا هُرَيْرَة يُصَلِّي فَوق ظهر الْمَسْجِد بِصَلَاة الإِمَام فِي الْمَسْجِد» وَفِي رِوَايَة (لَهُ) (فَصَلى) فَوق ظهر الْمَسْجِد وَحده بِصَلَاة الإِمَام» .
стр. 2344
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث (القعْنبِي) ، نَا ابْن أبي (ذِئْب) ، عَن صَالح مولَى التوءمة قَالَ: «كنت أُصَلِّي أَنا وَأَبُو هُرَيْرَة فَوق ظهر الْمَسْجِد نصلي (بِصَلَاة الإِمَام الْمَكْتُوبَة)) .
وَابْن أبي ذِئْب رَوَى عَن صَالح بعد الِاخْتِلَاط كَمَا سلف فِي الحَدِيث الْحَادِي بعد الْخمسين من بَاب الْوضُوء.
الْأَثر السَّادِس: «أَن عمر ﵁ كَانَ يدْخل فَيرَى أَبَا بكر فِي الصَّلَاة فيقتدي بِهِ، وَكَانَ أَبُو بكر (يَفْعَله)) .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ، والرافعي اسْتدلَّ بِهِ عَلَى أَحْمد فِي اشْتِرَاطه (نِيَّة) الْإِمَامَة، وَلَو اسْتدلَّ بِصَلَاتِهِ ﵇ خلف أبي بكر فِي مرض مَوته بعد إِحْرَام أبي بكر لَكَانَ مُوَافقا لما أوردهُ، لَكِن فِيهِ النّظر الَّذِي أسلفناه فِي حَدِيث أنس السالف فِي الْبَاب، فَإِن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهِ عَلَى ذَلِك.
وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب أَيْضا عَن عَطاء بن أبي رَبَاح «أَنه كَانَ يُصَلِّي الْعشَاء خلف من يُصَلِّي التَّرَاوِيح» وَلَا يلْزَمنِي تَخْرِيجه وَإِن تبرعت بذلك.
قلت: خرجه الشَّافِعِي عَن شَيْخه مُسلم (بن) خَالِد، عَن
стр. 2345
ابْن جريج عَنهُ «أَنه (كَانَ) تفوته الْعَتَمَة فَيَأْتِي وَالنَّاس قيام فَيصَلي مَعَه رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ (يَبْنِي) (عَلَيْهَا) رَكْعَتَيْنِ وَأَنه (رَآهُ) فعل ذَلِك ويعتد بِهِ من الْعَتَمَة» . وَمُسلم هَذَا مُخْتَلف فِيهِ.
стр. 2346
كتاب صَلَاة الْمُسَافِرين
стр. 2347
كتاب [١] صَلَاة (الْمُسَافِرين)
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا.
أما الْأَحَادِيث (فستة) :
الحَدِيث الأول
عَن يعْلى بن أُميَّة، قَالَ: «قلت لعمر بن الْخطاب: إِنَّمَا قَالَ الله - تَعَالَى -: (إِن خِفْتُمْ) وَقد أَمن النَّاس. فَقَالَ: عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ، فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور إِلَّا أَنه قَالَ (فِي أَوله) : «قلت لعمر بن الْخطاب: (لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة (إِن خِفْتُمْ) أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا) وَقد أَمن النَّاس ... » وَالْبَاقِي (مثله) ، وَقد سلف فِي بَاب الْوضُوء (مثله) أَيْضا، وَهُوَ الحَدِيث الرَّابِع.
стр. 2348
الحَدِيث الثَّانِي
عَن عَائِشَة ﵂ (أَنَّهَا) قَالَت: «سَافَرت مَعَ رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا رجعت قَالَ: مَا صنعت فِي سفرك؟ قلت: أتممت الَّذِي قصرت وَصمت الَّذِي (أفطرت) . قَالَ: أَحْسَنت» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي نعيم، عَن الْعَلَاء بن زُهَيْر، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود، عَن عَائِشَة «أَنَّهَا اعْتَمَرت مَعَ النَّبِي ﷺ من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا قدمت مَكَّة قَالَت: يَا رَسُول الله، بِأبي أَنْت وَأمي، قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ. قَالَ: أَحْسَنت يَا عَائِشَة. وَمَا عَابَ عليّ» .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، عَن الْعَلَاء - الْمَذْكُور - عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة قَالَت: «خرجت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي عمْرَة فِي رَمَضَان فَأفْطر رَسُول الله ﷺ وَصمت، وَقصر وَأَتْمَمْت، فَقلت: يَا رَسُول الله، بِأبي وَأمي، أفطرتَ وصمتُ وقَصرتَ وأتممتُ. فَقَالَ: أَحْسَنت يَا عَائِشَة» .
ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث الْقَاسِم بن الحكم، عَن الْعَلَاء، عَن عبد الرَّحْمَن، عَن عَائِشَة - بِإِسْقَاط الْأسود كَمَا أخرجه النَّسَائِيّ - وَلَفظه: «اعْتَمر رَسُول الله ﷺ وَأَنا مَعَه فقصرَ وأتممتُ الصَّلَاة، وأفطرَ وصمتُ، فَلَمَّا دَنَوْت إِلَى مَكَّة (قلت:) بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، قصرتَ
стр. 2349
وأتممتُ وأفطرتَ وصمتُ. قَالَ: أَحْسَنت يَا عَائِشَة (وَمَا عَابَ) عليّ» ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الأول مُتَّصِل وَهُوَ إِسْنَاد حسن. قَالَ: وَعبد الرَّحْمَن قد أدْرك عَائِشَة وَدخل عَلَيْهَا وَهُوَ مراهق. وَقَالَ فِي «علله» (كهذه) الْمقَالة، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن عبد الرَّحْمَن أَنه دخل عَلَى عَائِشَة بالاستئذان بعد احتلامه.
وَذكر صَاحب «الْكَمَال» أَنه سمع مِنْهَا، وَخَالف أَبُو حَاتِم فَقَالَ فِي «مراسيله» : أَدخل عَلَيْهَا وَهُوَ صَغِير وَلم يسمع مِنْهَا.
وَلما سَاقه الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» من حَدِيث أبي نعيم، عَن الْعَلَاء كَمَا سَاقه النَّسَائِيّ قَالَ: كَذَا رَوَاهُ الْقَاسِم بن الحكم عَن الْعَلَاء، وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح مَوْصُول؛ فَإِن عبد الرَّحْمَن أدْرك عَائِشَة. وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْعَلَاء، عَن عبد الرَّحْمَن، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة.
قلت: وَقَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي: من قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: عَن عبد الرَّحْمَن، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة. فقد أَخطَأ.
قلت: وَأما (أَبُو مُحَمَّد) بن حزم فَإِنَّهُ طعن فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا خير فِيهِ. ثمَّ ادَّعَى أَن الْعَلَاء تفرد (بِهِ) وَأَنه مَجْهُول.
стр. 2350
(وَهَذَا من أعاجيبه) فالعلاء هَذَا مَعْلُوم الْعين وَالْحَال، أما عينه فروَى عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود ووبرة بن عبد الرَّحْمَن، وَرَوَى عَنهُ وَكِيع وَالْفِرْيَابِي و (أَبُو) نعيم وَغَيرهم، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين (وَغَيره) وَأخرج لَهُ النَّسَائِيّ، فَزَالَتْ إِذن عَنهُ جَهَالَة الْعين وَالْحَال.
لَا جرم اعْترض (عَلَيْهِ) ابْن عبد الْحق فَقَالَ فِيمَا (رده) (عَلَى) الْمُحَلَّى: (هَذَا) حَدِيث صَحِيح بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة، رِجَاله كلهم ثِقَات، وَسَمَاع كل وَاحِد مِمَّن رَوَى عَنهُ مَذْكُور. قَالَ: وَقَول ابْن حزم «أَنه لَا خير فِيهِ» (جهل مِنْهُ) بالآثار. (قَالَ) : ودعواه جَهَالَة (الْعَلَاء) غلط، بل هُوَ ثِقَة مَشْهُور رَوَى عَنهُ الْأَعْلَام، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين.
قلت: لَكِن فِي مَتنه نَكَارَة، وَهُوَ كَون عَائِشَة خرجت مَعَه فِي عمْرَة رَمَضَان؛ (فَالْمَشْهُور) أَنه ﵇ لم يعْتَمر إِلَّا أَربع عُمر لَيْسَ مِنْهُنَّ شَيْء فِي رَمَضَان؛ بل كُلهنَّ فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حجَّته فَكَانَ إحرامها فِي ذِي الْقعدَة وفعلها فِي ذِي الْحجَّة، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي
следующие страницы →