Полный текст (6 131 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
فَائِدَة: رُوِيَ «التثبت» و «التثبيت» ، بِإِثْبَات الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت قبل الْمُثَنَّاة فَوق آخرا وحذفها، وهما صَحِيحَانِ. و (التثبيت) : الْأَمْن من الْفَزع، والثبات عِنْد مسائلة الْملكَيْنِ، يُقَال: «ثَبت فِي الْقِتَال» إِذا لم يفزع وَلم يفر، وَرجل ثَبت: إِذا كَانَ لَا يزل لِسَانه.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّمَانِينَ
قَالَ الرَّافِعِيّ: «وَيسْتَحب أَن يلقن الْمَيِّت بعد الدّفن، فَيُقَال: يَا عبد الله، (يَا) ابْن أمة الله، اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا، شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَأَن الْجنَّة حق، وَالنَّار حق، وَأَن الْبَعْث حق، وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا، وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور، وَأَنَّك رضيت بِاللَّه ربًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دينا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، وَبِالْكَعْبَةِ قبْلَة، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا» . ورد بِهِ الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْكَبِير» عَن أبي عقيل أنس بن [سلم] ، ثَنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْعَلَاء الْحِمصِي، نَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، نَا عبد الله بن مُحَمَّد الْقرشِي، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن سعيد بن عبد الله (الأودي) قَالَ: «شهِدت أَبَا أُمَامَة وَهُوَ فِي النزع، فَقَالَ: إِذا أَنا مت فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نصْنَع
стр. 2837
بموتانا؛ أمرنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِذا مَاتَ أحد من إخْوَانكُمْ فسويتم التُّرَاب عَلَى قَبره فَليقمْ أحدكُم عَلَى رَأس قَبره، ثمَّ ليقل: يَا فلَان بن (فلَان) ، (فَإِنَّهُ يسمعهُ وَلَا يُجيب) ، ثمَّ يَقُول: يَا فلَان بن فُلَانَة، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدا، (ثمَّ يَقُول: يَا فلَان بن فُلَانَة) ؛ (فَإِنَّهُ يَقُول) : أرشدنا يَرْحَمك الله. وَلَكِن لَا تشعرون، فَلْيقل: اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، وَأَنَّك رضيت بِاللَّه ربًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دينا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا. فَإِن مُنْكرا ونكيرًا يَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بيد صَاحبه وَيَقُول: انْطلق بِنَا، مَا (يقعدنا) عِنْد من قد لقن حجَّته. فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله، فَإِن لم يعرف أمه؟ قَالَ: ينْسب إِلَى أمه حَوَّاء؛ يَا فلَان بن حَوَّاء» . إِسْنَاده لَا أعلم بِهِ بَأْسا، وَذكره الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور فِي «جَامع الدُّعَاء الصَّحِيح» ، وَزَاد بعد قَوْله: «قد لقن حجَّته» : «وَيكون الله (حجَّته) دونهمَا» . قَالَ: وَقد أرخص الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي تلقين الْمَيِّت، وَأَعْجَبهُ ذَلِك، وَقَالَ:
стр. 2838
(أهل) الشَّام يَفْعَلُونَهُ. قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَهُوَ من العزمات والتذكير بِاللَّه، و (السماح) بذلك مأثور عَن السّلف، وَقَالَ الْحَافِظ زَكى الدَّين فِي الْجُزْء الَّذِي خرجه فِي التَّلْقِين بعد أَن سَاقه: وَفِيه بعد الشَّهَادَتَيْنِ «وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا، وَأَن الله (يبْعَث) من فِي الْقُبُور» . قَالَ أَبُو نعيم الْحداد: هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث حَمَّاد بن زيد، مَا كتبته إِلَّا من حَدِيث سعيد (الْأَزْدِيّ) ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سعيد (الْأَزْدِيّ) عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رَوَى عَنهُ ... سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: هَكَذَا قَالَ: (الْأَزْدِيّ) وَوَقع فِي روايتنا «الأودي» ، وَهُوَ مَعْنَى الْمَجْهُول، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء» : سعيد (الْأَزْدِيّ) لم أر لَهُ ذكر فِي الضُّعَفَاء وَلَا غَيرهم. قلت: لَكِن حَدِيثه هَذَا لَهُ شَوَاهِد يعتضد بهَا - والغريب أَن الشَّيْخ زَكى الدَّين لم يذكر فِي مُصَنفه الْمَذْكُور مِنْهَا غير حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ وَحده - مِنْهَا حَدِيث: «واسألوا لَهُ (التثبيت) » وَقد سلف.
وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ أَنه قَالَ: «إِذا دفنتموني فسنوا عَلّي التُّرَاب سنّا، ثمَّ أقِيمُوا حول قَبْرِي قدر مَا ينْحَر جزور وَيقسم لَحمهَا؛ حَتَّى أستأنس بكم، وَأعلم مَاذَا أراجع رسل رَبِّي» . رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» فِي كتاب الْإِيمَان، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل.
стр. 2839
«سنوا» : رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ وبالمهملة، وَكِلَاهُمَا مُتَقَارب الْمَعْنى صَحِيح.
وَالْجَزُور - بِفَتْح الْجِيم - من الْإِبِل، والجزرة من غَيرهَا. ذكره عِيَاض، وَفِي كتاب «الْعين» : الجزرة من الضَّأْن والمعز خَاصَّة.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث مُحَمَّد بن حمْرَان، عَن عَطِيَّة الرعاء، عَن الحكم بن الْحَارِث السّلمِيّ «أَنه غزا مَعَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث غزوات، قَالَ: قَالَ لنا: إِذا دفنتموني ورششتم عَلَى قَبْرِي المَاء فَقومُوا عَلَى قَبْرِي، واستقبلوا الْقبْلَة، وَادعوا لي» .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» قَالَ: سَأَلت (أبي عَن حَدِيث) ثُمَامَة بن النَّضر بن أنس (قَالَ: (كَانَ أنس) إِذا شهد جَنَازَة الْأَخ من إخوانه وقف عَلَى قَبره بعد أَن يدْفن، فَيَقُول: جَاف الأَرْض عَن (جَنْبَيْهِ) » . فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ عَن ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا، من حَدِيث مُبشر بن إِسْمَاعِيل، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْعَلَاء بن اللَّجْلَاج، عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ أبي: «يَا بني، إِذا أَنا مت فألحدني، فَإِذا وَضَعتنِي فِي لحدي فَقل: باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله. ثمَّ سنّ عليّ التُّرَاب سنًّا، ثمَّ اقْرَأ
стр. 2840
عِنْد رَأْسِي بِفَاتِحَة الْبَقَرَة وخاتمتها، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك» . (وَعبد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ مُبشر بن إِسْمَاعِيل الْحلَبِي) ، لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور من حَدِيث (إِبْرَاهِيم بن بكر بن عبد الرَّحْمَن) ، عَن إِدْرِيس الأودي، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «حضرت ابْن عمر فِي جَنَازَة، فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ: باسم الله، وَفِي سَبِيل الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله، فَلَمَّا أَخذ فِي اللَّبِن عَلَى اللَّحْد قَالَ: اللَّهُمَّ أجرهَا من الشَّيْطَان، وَمن عَذَاب الْقَبْر. فَلَمَّا سُوَى اللَّبن عَلَيْهَا قَامَ إِلَى جَانب الْقَبْر، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جنبيها، وَصعد روحها، ولقها مِنْك رضواناً. فَقلت: أشيئًا سمعته من رَسُول الله ﷺ أم شَيْئا قلته من رَأْيك؟ قَالَ: إِنِّي إِذا لقادر عَلَى القَوْل، بل سَمِعت من رَسُول الله ﷺ » . وَإِدْرِيس هَذَا مَجْهُول. قَالَه أَبُو حَاتِم،
стр. 2841
وَقد أسلفنا لهَذَا طَرِيقا آخر من رِوَايَة ابْن مَاجَه فِي الْجُزْء الَّذِي قبله، وَهُوَ الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي «سنَنه» عَن رَاشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وَحكم بن عُمَيْر، قَالُوا: «إِذا سوي عَلَى الْمَيِّت قَبره وَانْصَرف النَّاس عَنهُ؛ كَانُوا يستحبون أَن يُقَال للْمَيت عِنْد قَبره: يَا فلَان، قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله - ثَلَاث مَرَّات - قل: رَبِّي الله، وديني الْإِسْلَام، ونبيي مُحَمَّد (. (ثمَّ ينْصَرف)) . فَهَذِهِ شَوَاهِد لحَدِيث أبي أُمَامَة الْمَذْكُور، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم، وَلكنه (يعتضد) بشواهد وبعمل أهل الشَّام بِهِ قَدِيما. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ ضَعِيفا فيستأنس بِهِ، وَقد اتّفق عُلَمَاء الْمُحدثين وَغَيرهم عَلَى الْمُسَامحَة فِي أَحَادِيث الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب والترهيب، لَا سِيمَا وَقد اعتضد بشواهد، وَلم يزل أهل الشَّام عَلَى الْعَمَل بِهَذَا فِي زمن من يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَى الْآن.
قلت: لَكِن قَالَ الْأَثْرَم: قلت لأبي عبد الله - يَعْنِي: ابْن حَنْبَل -:
стр. 2842
فَهَذَا الَّذِي تصنعونه إِذا دفن الْمَيِّت! يقف الرجل وَيَقُول: يَا فلَان ابْن فُلَانَة، اذكر مَا فَارَقت عَلَيْهِ؛ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ: مَا رَأَيْت أحدا فعل هَذَا إِلَّا أهل الشَّام حِين مَاتَ أَبُو الْمُغيرَة، (جَاءَ إِنْسَان فَقَالَ ذَلِك وَكَانَ أَبُو الْمُغيرَة) يرْوَى مَتنه عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم، عَن أَشْيَاخهم أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَكَانَ ابْن عَيَّاش يروي بِهِ. يُشِير بذلك إِلَى حَدِيث أبي أُمَامَة السالف.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّمَانِينَ
«أنَّه ﷺ لم يدْفن فِي كل قبر إِلَّا وَاحِدًا» .
هَذَا صَحِيح مَعْرُوف فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، قَالَ الرَّافِعِيّ: وَأمر بذلك. قلت: لَا يحضرني نَص فِي ذَلِك، بل هُوَ الظَّاهِر من فعله بِأَصْحَابِهِ.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّمَانِينَ
أنَّه ﷺ قَالَ للْأَنْصَار يَوْم أحد: «احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا، وَاجْعَلُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة فِي الْقَبْر الْوَاحِد، وَقدمُوا أَكْثَرهم قُرْآنًا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف فِي الْجُزْء قبله، وَهُوَ الحَدِيث السِّتُّونَ مِنْهُ.
стр. 2843
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّمَانِينَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «لِأَن يجلس أحدكُم عَلَى جَمْرَة، فتحرق ثِيَابه، فتخلص إِلَى جلده: خير لَهُ من أَن يجلس عَلَى قبر» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ بِهَذَا اللَّفْظ، وَقد تقدم فِي الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين النَّهْي عَن الْقعُود عَلَيْهِ أَيْضا.
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّمَانِينَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَله طرق كَثِيرَة.
أَحدهَا: من طَرِيق: (بُرَيْدَة) ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «قد (كنت) نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فقد أذن لمُحَمد فِي زِيَارَة قبر أمه، فزوروها فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ.
وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بلفظين: أَحدهمَا: «إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاث: عَن زِيَارَة الْقُبُور، وَعَن لُحُوم
стр. 2844
الْأَضَاحِي أَن (تبقوها) فَوق ثَلَاثَة أَيَّام، وَعَن الظروف إِلَّا مَا كَانَ سقاءٍ، فقد رخص لمحمدٍ فِي (زِيَارَة قبر) أمه» .
الثَّانِي: « (إِنِّي اسْتَأْذَنت) فِي الاسْتِغْفَار (لأمي) فَلم يَأْذَن لي، فَدَمَعَتْ عَيْني رَحْمَة لَهَا من النَّار، وَإِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاث: عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا ... » وَذكر بَاقِي الحَدِيث. وَرَوَاهُ الْحَاكِم (بِلَفْظ) : «إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزورها، ولتردكم زيارتها خيرا» . ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَرَوَاهُ أَيْضا فِي مَنَاقِب النَّبِي ﷺ من «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ: «أَنه ﵇ زار قبر أمه فِي ألف مقنع، فَمَا رُئي باكيًا أَكثر من ذَلِك الْيَوْم» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، إِنَّمَا أخرج مُسلم وَحده حَدِيث محَارب بن دثار، عَن ابْن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه: «اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي الاسْتِغْفَار، فَلم يُؤذن لي» .
قلت: لم يخرج مُسلم هَذَا اللَّفْظ من حَدِيث بُرَيْدَة هَذَا؛ إِنَّمَا أخرجه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَمَا ستعلمه بعد هَذَا، وَلَفظه فِي حَدِيث بُرَيْدَة: «نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها ... » الحَدِيث، وَأغْرب من
стр. 2845
هَذَا قَوْله فِي الْجَنَائِز من «مُسْتَدْركه» لما أخرج حَدِيث بُرَيْدَة: «كنت نَهَيْتُكُمْ) كَمَا سقناه: إنّ هَذَا الحَدِيث مخرج فِي الْكِتَابَيْنِ «الصَّحِيحَيْنِ» لِلشَّيْخَيْنِ. وَقد عرفت أَنه من أَفْرَاده، كَمَا قَالَه مرّة أُخْرَى.
الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ زار قبر أمه، فَبَكَى؛ وأبكى من حوله، فَقَالَ: (اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا، فَلم يُؤذن لي، واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها، فَأذن لي، فزوروا الْقُبُور؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْمَوْت» . رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» مُنْفَردا بِهِ، وَلم يَقع فِي رِوَايَة عبد الغافر الْفَارِسِي، وَوَقع لغيره من الروَاة عَن الجلودي، وَعَزاهُ إِلَى «مُسلم» : الْبَيْهَقِيّ، وَعبد الْحق، وَالْمُنْذِرِي، وَغَيرهم، وَأما الْحَاكِم فاستدركه وَقَالَ: إِنَّه عَلَى شَرط مُسلم. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا بِلَفْظ: «زوروا الْقُبُور؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة» .
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا تزهد فِي الدُّنْيَا وتذكر فِي الْآخِرَة» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَفِيه أَيُّوب بن هَانِئ ضعفه ابْن معِين، وَقواهُ أَبُو
стр. 2846
حَاتِم، وَاقْتصر الذَّهَبِيّ فِي «الْمُغنِي» (عَلَى) مقَالَة ابْن معِين. وَقَالَ فِي «الكاشف» : إِنَّه صَدُوق. وَلم يذكر غير ذَلِك، وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ.
الطَّرِيق الرَّابِع: من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا عِبْرَة» . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَرَوَاهُ الشَّافِعِي كَذَلِك، لَكِن قَالَ بدل: «فَإِنَّهَا عِبْرَة» : «وَلَا تَقولُوا هجرًا» . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بِلَفْظ: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فَإِن زرتموها فَلَا تَقولُوا هجرًا» .
الطَّرِيق الْخَامِس: من حَدِيث أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «نهيت عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْمَوْت» . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَفِيه يَحْيَى الجابر، وَقد ضعَّفوه كَمَا سلف فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين مِنْهُ. ثمَّ رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق آخر جيد، عَن أنس بِلَفْظ: «نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا ترق الْقلب، وتدمع الْعين، وتذكركم الْآخِرَة، وَلَا تَقولُوا هجرًا» . وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ.
الطَّرِيق السَّادِس: من حَدِيث أبي ذَر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ :
стр. 2847
«زر الْقُبُور، تذكر بهَا الْآخِرَة» . رَوَاهُ الْحَاكِم هُنَا، و (فِي) بَاب الرقَاق من «مُسْتَدْركه» ، وَقَالَ هُنَا: رُوَاته عَن آخِرهم ثِقَات.
قلت: لَكِن فِي سَنَده يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ واه، وَيَحْيَى بن سعيد عَن أبي مُسلم الْخَولَانِيّ، وَيَحْيَى لم يدْرك أَبَا مُسلم، فَهُوَ مُنْقَطع، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «اختصاره للمستدرك» : أَبُو مُسلم هَذَا رجل مَجْهُول، وَالْخَبَر مُنكر.
الطَّرِيق السَّابِع: من حَدِيث عَلّي بن أبي طَالب ﵁ «أَنه ﵊ نهَى عَن زِيَارَة الْقُبُور، ثمَّ قَالَ: إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زيارتها؛ فزوروها؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة» . رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، عَن عَلّي بن يزِيد، عَن ربيعَة بن النَّابِغَة، عَن أَبِيه، عَن عَلّي بِهِ. قَالَ البُخَارِيّ: ربيعَة بن النَّابِغَة، عَن أَبِيه عَن عَلّي لَا يَصح حَدِيثه.
стр. 2848
قَالَ الْحَاكِم: قد استقصيت (عَلَى) الْحَث عَلَى زِيَارَة الْقُبُور تحريًا للمشاركة فِي التَّرْغِيب، وليعلم الشحيح (بِدِينِهِ) أَنَّهَا سنة مسنونة.
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّمَانِينَ
«أنَّه ﷺ لعن زاورات الْقُبُور» .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث عمر بن أبي سَلمَة، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ لعن زوارات الْقُبُور» . رَوَاهُ أَحْمد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: وَعمر هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق، وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا يحْتَج بِهِ. وَوَثَّقَهُ غَيرهمَا، وَصَححهُ ابْن حبَان، وَلَفظه: «لعن رَسُول الله ﷺ زائرات الْقُبُور» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رَأَى بعض أهل الْعلم أَن هَذَا قبل أَن يرخص النَّبِي ﷺ فِي زِيَارَة الْقُبُور، فَلَمَّا
стр. 2849
رخص دخل فِي رخصته [الرِّجَال و] النساءُ، (قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا كره زِيَارَة الْقُبُور للنِّسَاء) لقلَّة صبرهن وَكَثْرَة جزعهن.
قلت: وَهَذَا الْجَواب مَبْنِيّ عَلَى أَن النِّسَاء دخلن فِي قَوْله ﵊: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور» وَالْمُخْتَار عِنْد أَصْحَابنَا عدم دخولهن فِي ضمير الرِّجَال، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي «إِعْلَامه» جوز جعل هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخا بِحَدِيث: «كنت نَهَيْتُكُمْ» ، وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى الأول.
الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث حسان بن ثَابت ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ لعن زوارات الْقُبُور» رَوَاهُ أَحْمد، وَابْن مَاجَه، وَالْحَاكِم، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن حسان بن ثَابت، وَابْن عَبَّاس ﵄.
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث (أبي صَالح عَن) ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «لعن رَسُول الله ﷺ زوارات الْقُبُور، والمتخذات عَلَيْهَا الْمَسَاجِد والسرج» . رَوَاهُ أَحْمد، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة،
стр. 2850
وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من هَذَا الْوَجْه، وَاخْتلف كَلَام الْحفاظ فِي أبي صَالح هَذَا: هَل هُوَ باذام مولَى أم هَانِئ الضَّعِيف، أَو ذكْوَان السمان الرواي عَن أبي هُرَيْرَة، الثِّقَة المحتج بِهِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أم غَيرهمَا، فَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» : أَبُو صَالح هَذَا اسْمه (ميزَان) ، بَصرِي ثِقَة، لَيْسَ بِصَاحِب الْكَلْبِيّ، ذَاك اسْمه باذام. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر فِي «صَحِيحه» فِي حَدِيث أبي صَالح عَن عَمْرو بن الْعَاصِ رَفعه فِي النَّهْي عَن الدُّخُول عَلَى المغيبات: أَبُو صَالح هَذَا اسْمه (ميزَان) ، من اهل الْبَصْرَة، (ثِقَة) سمع ابْن عَبَّاس، وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وَرَوَى عَنهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَمُحَمّد بن جحادة، مَا رَوَى عَنهُ غير هذَيْن.
قلت: بل رَوَى عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ، وَابْن أَخِيه عمار بن مُحَمَّد، وَمَالك بن مغول. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِصَاحِب الْكَلْبِيّ، ذَاك واهي ضَعِيف. وَخَالف فِي ذَلِك جماعات، مِنْهُم الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه» ، فَإِنَّهُ قَالَ بعد أَن رَوَاهُ: أَبُو صَالح هَذَا لَيْسَ بالسمان المحتج بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ
стр. 2851
(باذان) ، وَلم يحْتَج بِهِ الشَّيْخَانِ، لكنه حَدِيث متداول فِيمَا بَين الْأَئِمَّة، قَالَ: وَقد وجدت لَهُ مُتَابعًا من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ فِي متن الحَدِيث، فخرجته. ثمَّ ذكر حَدِيث (حسان) السالف. وَمِنْهُم ابْن عَسَاكِر؛ فَإِنَّهُ ذكره فِي «أَطْرَافه» فِي تَرْجَمته، ثمَّ رَوَاهُ عَلَى بن مُسلم الطوسي، عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، عَن شُعْبَة، عَن مُحَمَّد بن جحادة، سَمِعت أَبَا صَالح مولَى أم هَانِئ. وَمِنْهُم عبد الْحق؛ فَإِنَّهُ لما ذكره عقبه (بِأَن قَالَ: هَذَا يرويهِ أَبُو صَالح صَاحب الْكَلْبِيّ، وَهُوَ عِنْدهم ضَعِيف جدا،) وَأنكر هَذِه الْعبارَة عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان، وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَال مثلهَا فِي الْوَاقِدِيّ وَنَحْوه من المتروكين الْمجمع عَلَيْهِم، وَأما أَبُو صَالح هَذَا فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَد، وَلَا من هَذَا النمط، وَلَا أَقُول إِنَّه ثِقَة، لكني أَقُول: إِنَّه لَيْسَ كَمَا توهمه هَذِه الْعبارَة، بل قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: سَمِعت يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان يَقُول: لم أر أحدا من أَصْحَابنَا تَركه، وَمَا سَمِعت أحدا من النَّاس يَقُول فِيهِ شَيْئا وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: إِذا رَوَى عَنهُ غير الْكَلْبِيّ لَا بَأْس بِهِ. وَقد أسلفنا تَرْجَمَة أبي صَالح مستوفاة فِي بَاب الإحداث، فَرَاجعهَا من ثمَّ. وَمِنْهُم الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي «مُخْتَصره لسنن أبي دَاوُد» عقب قَول التِّرْمِذِيّ: «إِنَّه حَدِيث حسن» :
стр. 2852
فِيهِ نظر، فَإِن فِي إِسْنَاده أَبُو صَالح، وَهُوَ باذام، وَيُقَال: باذان، مكي، مولَى أم هَانِئ بنت أبي طَالب، وَهُوَ صَاحب الْكَلْبِيّ، وَقد قيل: إِنَّه لم يسمع من ابْن عَبَّاس شَيْئا، وَقد تكلم فِيهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة، وَقَالَ ابْن عدي: لم أر أحدا من الْمُتَقَدِّمين رضيه. وَقد نقل عَن يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَغَيره تَحْسِين أمره، فَلَعَلَّهُ يُرِيد: رضيه حجَّة، أَو قَالَ: هُوَ ثِقَة. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي «موافقاته» . وَمِنْهُم النَّوَوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي «خلاصته» : هَذَا الحَدِيث حسنه التِّرْمِذِيّ، وَسكت عَنهُ أَبُو دَاوُد فَلم يُضعفهُ، وَأَبُو صَالح هَذَا هُوَ باذام، وَاخْتلفُوا فِيهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يحْتَج بِهِ. وَمِنْهُم ابْن دحْيَة فِي كتاب «مرج الْبَحْرين» ، فَإِنَّهُ قَالَ عقيب تَحْسِين التِّرْمِذِيّ لَهُ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح من هَذَا الْوَجْه، وَلَا من غَيره؛ لأجل أبي صَالح باذان أَو باذام. قَالَ الْأَزْدِيّ: كَذَّاب وَذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «أَطْرَافه» فِي تَرْجَمَة أبي صَالح باذام، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الْحسن (بن السكين الْبَلَدِي عَن يعلي بن عباد الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة وَالْحسن) بن أبي جَعْفَر، وَالْحسن بن دِينَار، وَأبي الرّبيع السمان، وَمُحَمّد بن طَلْحَة بن مصرف، كلهم عَن مُحَمَّد بن جحادة، عَن أبي صَالح السمان، عَن ابْن عَبَّاس.
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّمَانِينَ
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالسّنة أَن يَقُول الزائر: «سَلام عَلَيْكُم دَار قوم
стр. 2853
مُؤمنين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم، وَلَا تفتنا بعدهمْ» .
هُوَ كَمَا قَالَ، فَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ خرج إِلَى الْمقْبرَة، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، وَإِنَّا أَن شَاءَ الله بكم لاحقون» . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ كلما كَانَت لَيْلَتهَا مِنْهُ يخرج من آخر اللَّيْل إِلَى البقيع، فَيَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، وأتاكم مَا توعدون، غَدا (مؤجلون) ، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون، اللَّهُمَّ اغْفِر لأهل بَقِيع الْغَرْقَد» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَنه ﵇ علمهَا هَذَا عِنْد زِيَارَة البقيع: السَّلَام عَلَى أهل الديار من الْمُسلمين وَالْمُؤمنِينَ، وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا (والمستأخرين) ، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون» . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث بُرَيْدَة ﵁: «كَانَ رَسُول الله ﷺ (يعلمهُمْ) إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر فَكَانَ قَائِلهمْ يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون، أسأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة» . زَاد النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه: «أَنْتُم لنا فرط، وَنحن لكم تبع» .
стр. 2854
وَفِي «السّنَن» الثَّلَاثَة «سنَن أبي دَاوُد» وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: «أَن رَسُول الله ﷺ خرج إِلَى الْمقْبرَة، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون» . وَفِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: «مر رَسُول الله ﷺ بِقبُول الْمَدِينَة، فَأقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْقُبُور، يغْفر الله لنا وَلكم، أَنْتُم سلفنا، وَنحن بالأثر» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. وَفِي كتاب ابْن السّني عَن عَائِشَة ﵂ «أَن النَّبِي ﷺ أَتَى البقيع؛ فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، أَنْتُم لنا فرط، وَإِن بكم لاحقون، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم، وَلَا تضلنا بعدهمْ» .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّمَانِينَ
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «من عزى مصابًا فَلهُ مثل أجره» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» ، وَابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيث عَلّي بن عَاصِم (حَدثنَا) وَالله مُحَمَّد بن سوقة، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور،
стр. 2855
قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عَلّي بن عَاصِم قَالَ: وَرُوِيَ أَيْضا مَوْقُوفا. قَالَ: وَيُقَال: أَكثر مَا ابْتُلِيَ بِهِ عَلّي بن عَاصِم بِهَذَا الحَدِيث، نقموا عَلَيْهِ.
قلت: وَقَالَ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا: عَلّي بن عَاصِم من أهل الحَدِيث لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث، عابوا عَلَيْهِ فِي حَدِيث مُحَمَّد بن سوقة، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عبد الله: «من عزى مصابًا» وَقيل لوكيع: إِن عَلّي بن عَاصِم غلط فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود. فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: حَدِيث مُحَمَّد بن سوقة، فَقَالَ وَكِيع: أَنا إِسْرَائِيل، عَن مُحَمَّد بن سوقة، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عبد الله بن مَسْعُود ... فَذكره. قَالَ ابْن عدي: (والضعف) عَلَى حَدِيثه بَين. وَقَالَ يَحْيَى بن جَعْفَر: كَانَ يجلس عِنْد عَلّي بن عَاصِم ثَلَاثُونَ ألفا، وَكَانَ يجلس عَلَى سطح، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة مستملين. وَقَالَ أَبُو عَلّي المفلوج: رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِيمَا يرَى النَّائِم، وَأَبُو بكر عَن يَمِينه، و (عمر) عَن شِمَاله، وَعُثْمَان أَمَامه، وَعلي خَلفه، فَقَالَ عَلَيْهِ (الصَّلَاة و) السَّلَام: أَيْن عَلّي بن عَاصِم؟ أَيْن عَلّي بن عَاصِم؟ فجيء بِهِ، (فَقبل) بَين عَيْنَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَحييت سنتي. قَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّهُم يَقُولُونَ: غلط فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود: «من عزى مصابا فَلهُ مثل أجره» . فَقَالَ (لنا: حدثت ابْن مَسْعُود،
стр. 2856
وَابْن مَسْعُود حدث الْأسود بن يزِيد، وَالْأسود (بن يزِيد) حدث إِبْرَاهِيم، وَإِبْرَاهِيم حدث مُحَمَّد بن سوقة، وَعلي بن عَاصِم صَدُوق؛ صدق عَلّي بن عَاصِم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ عَلّي بن عَاصِم، وَهُوَ أحد مَا أنكر عَلَيْهِ، قَالَ: وَيروَى أَيْضا عَن غَيره.
قلت: إِذا رُوِيَ عَن غَيره فَلم ينْفَرد بِهِ، وَقد رَوَاهُ جماعات غَيره:
أحدهم: إِسْرَائِيل، كَمَا سلف، وَقد سَاقه كَمَا أسلفناه عَنهُ صَاحب «الْكَمَال» .
وثانيهم: الثَّوْريّ، رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن سوقة: «من عزى مصابًا كَانَ لَهُ مثل أجره» .
(ثالثهم: شُعْبَة رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن سوقة: «من عزى مصابًا لَهُ مثل أجره» . ذكرهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي «مَوْضُوعَاته» وَقَالَ: هما طَرِيقَانِ لَا يصحان، تفرد بِالْأولِ حَمَّاد بن الْوَلِيد عَن الثَّوْريّ، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يسرق الحَدِيث، وَيلْزق بالثقات مَا لَيْسَ من حَدِيثهمْ، لَا يحْتَج بِهِ بِحَال. وَقَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَتفرد بِالثَّانِي نصر بن حَمَّاد عَن شُعْبَة، قَالَ يَحْيَى: كَذَّاب وَقَالَ مُسلم: ذَاهِب الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَذكر أَيْضا فِي «مَوْضُوعَاته» طَرِيق عَلّي بن عَاصِم السالفة، وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تصح. قَالَ: وَقد تفرد بِهِ عَن
стр. 2857
مُحَمَّد بن سوقة، وَقد كذبه شُعْبَة وَيزِيد بن هَارُون وَيَحْيَى بن معِين.
وَقَالَ فِي (تَحْقِيقه) : هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ حَمَّاد بن الْوَلِيد عَن الثَّوْريّ، وَهُوَ ضَعِيف جدا. قَالَ: وَقد رُوِيَ من طرق (لَا تثبت) . وَقَالَ ابْن عدي: قد رَوَى هَذَا الحَدِيث مَعَ عَلّي بن عَاصِم عَن ابْن سوقة: مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة، وَعبد الرَّحْمَن بن مَالك بن مغول.
قلت: وَهَذِه مُتَابعَة رَابِعَة وخامسة. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن: الثَّوْريّ، وَإِسْرَائِيل، وَقيس، وَغَيرهم عَن ابْن سوقة.
قلت: وَقيس مُتَابعَة سادسة. قَالَ: وَمِنْهُم من يزِيد فِي الْإِسْنَاد (عَلْقَمَة) ، وَأنكر النَّاس عَلَى عَلّي بن عَاصِم حَدِيث (ابْن) سوقة هَذَا، قَالَ: والضعف عَلَى حَدِيث عَلّي بَين. وَقَالَ الْخَطِيب: قد رَوَى حَدِيث
стр. 2858
ابْن سوقة عبد الحكم بن مَنْصُور مِثْلَمَا رَوَاهُ عَلّي بن عَاصِم.
قلت: وَهَذِه مُتَابعَة سابعة. قَالَ: وَرُوِيَ كَذَلِك عَن: سُفْيَان الثَّوْريّ، وَشعْبَة، وَإِسْرَائِيل، وَمُحَمّد بن الْفضل بن عَطِيَّة، وَعبد الرَّحْمَن بن مَالك بن مغول، والْحَارث بن عمرَان الْجَعْفَرِي كلهم عَن ابْن سوقة.
قلت: والْحَارث مُتَابعَة ثامنة. قَالَ: وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا ثَابتا.
قلت: وَله شَاهد من حَدِيث مُحَمَّد بن عبيد الله، عَن أبي الزبير، عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من عزى مصابًا فَلهُ مثل أجره» . لكنه (شَاهد) واه، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «مَوْضُوعَاته» ، وَقَالَ: مُحَمَّد هَذَا هُوَ الْعَرْزَمِي، قَالَ يَحْيَى: لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث.
الحَدِيث التِّسْعُونَ
رُوِيَ «أَنه لما جَاءَ نعي جَعْفَر الصَّادِق ﵁ قَالَ النَّبِي ﷺ : اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَام؛ فقد جَاءَهُم أَمر يشغلهم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَأحمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ،
стр. 2859
وَالْحَاكِم، وَالْبَيْهَقِيّ، من رِوَايَة جَعْفَر بن خَالِد - هُوَ ابْن سارة - عَن أَبِيه، عَن عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: «لما جَاءَ نعي جَعْفَر قَالَ النَّبِي ﷺ : اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَاما؛ فَإِنَّهُ قد جَاءَهُم مَا يشغلهم» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث (حسن) . وَقَالَ بعد ذَلِك: وجعفر بن خَالِد هُوَ ابْن سارة، وَهُوَ ثِقَة، رَوَى عَنهُ (ابْن) جريج. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ لِأَن خَالِد بن سارة لَا يعرف حَاله، وَرَوَى عَنهُ ابْنه، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح قَالَه البخاريُّ، وَأَهْمَلَهُ ابْن أبي حَاتِم كَسَائِر من يجهل أَحْوَالهم. قَالَ: وَلَا أعلم لَهُ إِلَّا حديثين، أَحدهمَا هَذَا، والأخر «أَنه ﵇ حمل غلامين من بني عبد الْمطلب عَلَى دَابَّة» . رَوَاهُ أَيْضا جَعْفَر، عَن أَبِيه، عَن (عبد الله) بن جَعْفَر كَذَلِك.
قلت: لَكِن خَالِد هَذَا وَثَّقَهُ ابْن حبَان، فَإِنَّهُ ذكره فِي «ثقاته» ، فَزَالَتْ عَنهُ إِذن جَهَالَة الْعين وَالْحَال، وَلما أخرجه الْحَاكِم فِي
стр. 2860
«مُسْتَدْركه» من طَرِيقه قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وخَالِد بن جَعْفَر بن سارة المَخْزُومِي من أكَابِر مَشَايِخ قُرَيْش، وَهُوَ كَمَا قَالَ شُعْبَة: اكتُبوا عَن الْأَشْرَاف؛ فَإِنَّهُم لَا يكذبُون. قَالَ: وَقد رُوِيَ غير هَذَا الحَدِيث مُفَسرًا. ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: «مسح رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِي - قَالَ: أَظُنهُ قَالَ: ثَلَاثًا - كلما مسح قَالَ: اللَّهُمَّ أخلف جعفرًا فِي وَلَده» . قَالَ الْحَاكِم: قد أَتَى جَعْفَر بن خَالِد بشيئين عزيزين، أَحدهمَا مسح رَأس الْيَتِيم، وَالْآخر تفقد أهل الْمُصِيبَة بِمَا يتقوتون ليلتهم، وفقنا الله لاستعماله بمنه. وَذكره ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح» وَقَالَ: «جَاءَهُم أَمر (أشغلهم) » . قلت: وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث أَسمَاء بنت عُمَيْس، رَوَاهُ أَحْمد، وَالطَّبَرَانِيّ، وَابْن مَاجَه عَنْهَا: «لما أُصِيب جَعْفَر رَجَعَ النَّبِي ﷺ إِلَى أَهله فَقَالَ: إِن أهل جَعْفَر قد شغلوا بشأن ميتهم، فَاصْنَعُوا (لَهُم) طَعَاما» .
فَائِدَة: النعي: بِكَسْر الْعين مُشَدّدَة (الْيَاء) وبإسكانها مُخَفّفَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: النعي: خبر الْمَوْت، يُقَال: نعاه لَهُ نَعْيًا ونُعيانًا - بِالضَّمِّ - وَكَذَلِكَ النعي عَلَى فعل، يُقَال: جَاءَ نعي فلَان، والنعي أَيْضا الناعي، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت، وَقَالَ صَاحب «الْمطَالع» : نعي (أبي سُفْيَان بِإِسْكَان) الْعين وبكسرها وَتَشْديد الْيَاء وَقَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه
стр. 2861
«تصاحيف الروَاة» : النعيّ: بتَشْديد الْيَاء الِاسْم، فَأَما النعْيُ: فَهُوَ مصدر نَعيتُ الْمَيِّت (أَنعَاةُ) ، قَالَ ابْن بري: النعْي قد يَأْتِي بِمَعْنى النعيّ، فَيُقَال: قد أَتَى نَعْيُه أَي: نَعِيُّه، والنعي: الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَيِّت، والنعي أَيْضا: الْمَيِّت نَفسه.
فَائِدَة ثَانِيَة: يشغلهم: بِفَتْح الْيَاء، وحُكى ضمُّها، وَهُوَ شَاذ، وَوَقع فِي «الْمُهَذّب» : «يشغلهم عَنهُ» ، وَالَّذِي رَأَيْته فِي كتب الحَدِيث: «يشغلهم» بِحَذْف «عَنهُ» .
فَائِدَة ثَالِثَة: كَانَ قتل جَعْفَر ﵁ فِي جماد سنة ثَمَان من الْهِجْرَة فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بِالشَّام عِنْد الكرك، رَوَى البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» عَن ابْن عمر قَالَ: «كنت فِي غَزْوَة مُؤْتَة، فالتمسنا جعفرًا فوجدناه فِي الْقَتْلَى، وَوجدنَا فِي جسده بضعًا و (تسعين) من طعنة ورمية» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «فعددت بِهِ خمسين بَين طعنة (وضربة) لَيْسَ فِيهَا شَيْء فِي دبره» .
الحَدِيث الْحَادِي بعد التسعين
أنَّه ﷺ قَالَ: «فَإِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية» .
стр. 2862
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَرَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» ، وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي «مسنديهما» ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمَا» من حَدِيث جَابر بن عتِيك ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ جَاءَ يعود عبد الله بن ثَابت، فَوَجَدَهُ قد غلب، فصاح بِهِ رَسُول الله ﷺ فَلم يجبهُ، فَاسْتَرْجع رَسُول الله ﷺ وَقَالَ: فلنا عَلَيْك يَا أَبَا الرّبيع. فصاح النسْوَة وبكين، فَجعل ابْن عتِيك يسكتهن؛ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : دَعْهُنَّ، فَإِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية، قَالُوا: يَا رَسُول الله، وَمَا الْوُجُوب؟ قَالَ: الْمَوْت» . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، رُوَاته مدنيون قرشيون. وللنسائي فِي بعض الرِّوَايَات من غير حَدِيث مَالك عَن (جبر) : «أَنه دخل مَعَ النَّبِي ﷺ ... » الحَدِيث. قَالَ ابْن عَسَاكِر: وَحَدِيث مَالك أشهر، وَمَعْنى «وَجَبت» : خرجت روحه.
الحَدِيث الثَّانِي بعد التسعين
«أَنه ﵇ جعل ابْنه إِبْرَاهِيم فِي حجره وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، فذرفت عَيناهُ (، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّهَا رَحْمَة، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء، ثمَّ قَالَ: «) الْعين تَدْمَع، وَالْقلب يحزن، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا» .
стр. 2863
هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «دخلت مَعَ رَسُول الله ﷺ عَلَى أبي سيف الْقَيْن وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم ﵇ فَأخذ النَّبِي ﷺ إِبْرَاهِيم فَقبله وشمَّه، ثمَّ دَخَلنَا عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَإِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ، فَجعلت عينا رَسُول الله ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: وَأَنت يَا رَسُول الله؟ ! فَقَالَ: يَا ابْن عَوْف، إِنَّهَا رَحْمَة، ثمَّ أتبعهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ: إِن الْعين تَدْمَع، وَالْقلب يحزن، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ» .
الْقَيْن: الحدّاد، والظِّئْر: بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا همزَة زوج الْمُرضعَة. وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث أبي عوَانَة، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن عَطاء، عَن جَابر قَالَ: «خرج النَّبِي ﷺ بِعَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَى النّخل، فَإِذا ابْنه إِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ؛ فَوَضعه فِي حجره، فَفَاضَتْ عَيناهُ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: اتبكي وَأَنت تنْهَى النَّاس؟ ! فَقَالَ: إِنِّي لم أَنه عَن الْبكاء، إِنَّمَا نهيت عَن النوح، صَوْتَيْنِ (أَحْمَقَيْنِ) فاجرين: صَوت عِنْد (نعْمَة) لَهو وَلعب وَمَزَامِير شَيْطَان، وَصَوت عِنْد (معصيه) خَمْش وُجُوه، وشق جُيُوب، ورنَّة، وَهَذَا هُوَ رَحْمَة، وَمن لَا يرحم لَا يرحم، يَا إِبْرَاهِيم، لَوْلَا أَنه أَمر حق، ووعد صدق، وَأَن آخِرنَا سيلحق بأولنا؛ لحزنا عَلَيْك حزنا هُوَ أَشد من هَذَا، وَإِنَّا بك لمحزنون،
стр. 2864
تبْكي الْعين، (ويحزن) الْقلب، وَلَا نقُول مَا يسْخط (الرب) » . وَخرج التِّرْمِذِيّ بعضه وَحسنه، وَقد عرفت أَنه من رِوَايَة ابْن أبي لَيْلَى، وَهُوَ ضَعِيف وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أُسَامَة بن زيد «أَن بِنْتا لرَسُول الله ﷺ أرْسلت إِلَيْهِ أَن ابْنا لَهَا فِي الْمَوْت، فَقَالَ للرسول: ارْجع إِلَيْهَا واقرأ عَلَيْهَا قل: إِن لله مَا أَخذ، وَله مَا أعْطى، وكل شَيْء عِنْده إِلَى أجل. فَأرْسلت تقسم عَلَيْهِ، فَأَتَاهَا، فَوضع الصَّبِي فِي حجره وَنَفسه تتقعقع؛ فَفَاضَتْ عَيناهُ، فَقَالَ لَهُ سعد: (مَا هَذَا) ؟ ! قَالَ: إِنَّهَا رَحْمَة يَضَعهَا الله فِي قُلُوب من يَشَاء، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء» .
فَائِدَة: مَعْنَى «يجود بِنَفسِهِ» : يُخرجهَا، وَالَّذِي يجود بِمَالِه فيخرجه، ومصدره عَلَى وزن فعول. و «ذرفت» - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة - أَي: سَالَتْ، (يُقَال) : ذرف يذرف ذرفًا، كضرب يضْرب ضربا.
«وَغسل إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله ﷺ : الْفضل بن الْعَبَّاس، وَرَسُول الله ﷺ ، وَالْعَبَّاس، وَجعل عَلَى سَرِير، وَنزل فِي قَبره الْفضل وَأُسَامَة بن زيد» . كَذَا سَاقه أَبُو نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» بِسَنَدِهِ، فِي تَرْجَمَة سِيرِين الْقبْطِيَّة أُخْت مَارِيَة.
стр. 2865
الحَدِيث الثَّالِث بعد التسعين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لعن الله النائحة والمستمعة» .
هَذَا الحَدِيث هَكَذَا هُوَ فِي بعض نسخ «الرَّافِعِيّ» وَفِي بَعْضهَا: «أَن رَسُول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة» وَهُوَ مَرْوِيّ بِهَذَا اللَّفْظ من طرق ضَعِيفَة:
أَحدهَا: من حَدِيث مُحَمَّد بن الْحسن بن عَطِيَّة، عَن أَبِيه، عَن جده عَطِيَّة وَهُوَ الْعَوْفِيّ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: «لعن رَسُول الله ﷺ النائحة والمستمعة» وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» أَيْضا، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة ضعفاء: مُحَمَّد بن الْحسن، ووالده، وجده، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: حَدِيث مُنكر، وَمُحَمّد بن الْحسن بن عَطِيَّة وَأَبوهُ وجده ضعفاء الحَدِيث.
ثَانِيهَا: من حَدِيث ابْن عمر، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث مُحَمَّد بن الْحسن بن عَطِيَّة، عَن عَطِيَّة، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا كَمَا تقدم، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح،
стр. 2866
عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَفِي إِسْنَاده (بَقِيَّة) بن الْوَلِيد، وَقد علمت حَاله فِي أَوَائِل الْكتاب.
ثَالِثهَا: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، رَوَاهُ ابْن عدي، وَعبد الْحق، وَابْن طَاهِر من حَدِيث (عَمْرو) بن يزِيد الْمَدَائِنِي، عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة، وَالْمعْنَى لَهُ، قَالَ ابْن طَاهِر: (عَمْرو) هَذَا قَالَ ابْن عدي فِيهِ: إِنَّه مُنكر الحَدِيث، وَالْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة شَيْئا، والْحَدِيث غير مَحْفُوظ.
وَاعْلَم ان الرَّافِعِيّ ﵀ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى تَحْرِيم النوح، ويغني عَنهُ حَدِيث أم عَطِيَّة الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» قَالَت: «نَهَانَا رَسُول الله ﷺ عَن النِّيَاحَة» .
الحَدِيث الرَّابِع بعد التسعين
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَيْسَ منا من ضرب الخدود، وشق الْجُيُوب» .
стр. 2867
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود ﵁ كَذَلِك، وَزَادا فِي آخِره: «ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم فِي كتاب الْإِيمَان: «أَو شقّ الْجُيُوب، أَو دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة» .
الحَدِيث الْخَامِس بعد التسعين
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا من حَدِيث عمر بن الْخطاب وَابْنه ﵄، وَأنْكرت ذَلِك عَائِشَة وَقَالَت: «رحم الله عمر، وَالله مَا حدث رَسُول الله ﷺ أَن الله ليعذب الْمُؤمن ببكاء أَهله عَلَيْهِ، وَلكنه قَالَ: إِن الله ليزِيد الْكَافِر عذَابا ببكاء أَهله عَلَيْهِ. وَقَالَت: حسيكم الْقُرْآن: (وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى) . وَله طرق (فيهمَا) .
الحَدِيث السَّادِس بعد التسعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِي رِوَايَة: (إِن الله - تَعَالَى - يزِيد الْكَافِر عذَابا ببكاء أَهله عَلَيْهِ» .
هُوَ كَمَا قَالَ، فقد أسلفناه أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة ﵂.
стр. 2868
(الحَدِيث السَّابِع بعد التسعين
رَوَى عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: «رحم الله (ابْن عمر) ، مَا كذب، وَلكنه نسي أَو أَخطَأ، إِنَّمَا مر رَسُول الله ﷺ عَلَى يَهُودِيَّة وهم يَبْكُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّهُم يَبْكُونَ، وَإِنَّهَا لتعذب فِي قبرها» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضا فِي «صَحِيحهمَا» ، ورويا أَيْضا إنكارها عَلَى (عمر) ذَلِك أَيْضا، كَمَا سلف.
الحَدِيث الثَّامِن بعد التسعين إِلَى الحَدِيث الثَّانِي بعد الْمِائَة
وَكَانَ من (حَقه) أَن نذْكر فِي أثْنَاء الْبَاب، (فَإِنَّهُ) موضعهَا. قَالَ الرَّافِعِيّ: ورد لفظ (الشَّهَادَة) عَلَى: المبطون، والغريق، والغريب، وَالْمَيِّت عشقًا، و (الْميتَة) طلقًا.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، فالمبطون والغريق: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَا تَعدونَ الشَّهِيد فِيكُم؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله،
стр. 2869
من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد. (قَالَ: إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل! قَالُوا: فَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد) ، (وَمن مَاتَ فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد) . وَمن مَاتَ فِي الطَّاعُون فَهُوَ شَهِيد، وَمن مَاتَ فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد، وَمن مَاتَ بالبطن فَهُوَ شَهِيد، والغريق شَهِيد» . رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» . وَفِي رِوَايَة مَالك وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: الشُّهَدَاء خَمْسَة المطعون، والمبطون، (والغريق) ، (وَصَاحب الْهدم) ، والشهيد فِي سَبِيل الله» . وَفِي «النَّسَائِيّ» من حَدِيث عقبَة بن عَامر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «خمس من قبض فِي شَيْء مِنْهُنَّ فَهُوَ شَهِيد: الْمَقْتُول فِي سَبِيل الله شَهِيد، والغريق فِي سَبِيل الله شَهِيد، وَالنُّفَسَاء فِي سَبِيل الله شهيده» . وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» من حَدِيث أم حرَام أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «المائد فِي الْبَحْر الَّذِي يُصِيبهُ الْقَيْء لَهُ أجر شَهِيد، و (الغريق) لَهُ أجر شهيدين» . وَأما الْغَرِيب: فمروي من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن أبي روَّاد، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «موت الْغَرِيب شَهَادَة» .
стр. 2870
رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن جميل بن الْحسن، عَن أبي الْمُنْذر الْهُذيْل بن الحكم، عَن عبد الْعَزِيز بِهِ، وَهَذَا سَنَد ضَعِيف؛ جميل كَذَّاب فَاسق كَمَا قَالَ عَبْدَانِ، وَقَالَ ابْن عدي: لَا أعلم لَهُ حَدِيثا مُنْكرا. وهذيل بن الحكم مُنكر الحَدِيث كَمَا قَالَ البُخَارِيّ، وَعبد الْعَزِيز صَالح الحَدِيث، وَضَعفه عَلّي بن الْجُنَيْد وَابْن حبَان.
قلت: (وَله إِسْنَاد آخر) .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن بكر الشَّيْبَانِيّ عَن عمر بن ذَر (عَن) عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «موت الْغَرِيب شَهَادَة» . وَإِبْرَاهِيم هَذَا تَرَكُوهُ كَمَا قَالَ الْأَزْدِيّ، وَقَالَ ابْن عدي: يسرق الحَدِيث. وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّه تفرد بِهِ. وَنقل فِي «ضُعَفَائِهِ» عَن الدَّارَقُطْنِيّ: (أَنه) قَالَ فِيهِ: مَتْرُوك. وَرَوَاهُ
стр. 2871
الْعقيلِيّ من هَذَا الْوَجْه وَقَالَ: رَوَاهُ طَاوس مُرْسلا، وَهُوَ أولَى. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من طَرِيق آخر عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا مَرْفُوعا: «موت الْغَرِيب شَهَادَة، إِذا احْتضرَ فَرَمَى ببصره عَن يَمِينه وَعَن يسَاره، فَلم ير إِلَّا غَرِيبا، وَذكر أَهله وَولده، فتنفس؛ فَلهُ بِكُل نَفْس تنَفَسَه يمح الله عَنهُ ألفي ألف سَيِّئَة وَيكْتب لَهُ ألفي ألف حَسَنَة» . فِي إِسْنَاده: عَمْرو بن الْحصين الْعقيلِيّ، وَقد تَرَكُوهُ. وَله طَرِيق آخر من حَدِيث أبي رَجَاء الْخُرَاسَانِي، عَن هِشَام بن حسان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه بِمثل حَدِيث ابْن عَبَّاس سَوَاء، رَوَاهُ الْعقيلِيّ ثمَّ قَالَ: أَبُو رَجَاء مُنكر الحَدِيث. قَالَ: وَفِي هَذَا رِوَايَة من غير هَذَا الْوَجْه شَبيهَة بِهَذِهِ فِي الضعْف. وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من حَدِيث ابي هُرَيْرَة وَمن حَدِيث ابْن عَبَّاس، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هُوَ حَدِيث مُنكر. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عبد الله بن نَافِع، قَالَ النَّسَائِيّ: هُوَ مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ عبد الْحق فِي «احكامه الصغري» و «الْوُسْطَى» : ذكر
стр. 2872
الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا مَرْفُوعا فِي «علله» فِي حَدِيث ابْن عمر وَصَححهُ، وَاعْتَرضهُ ابْن الْقطَّان فَقَالَ: لم يُصَحِّحهُ الدَّارَقُطْنِيّ، إِنَّمَا ذكر الِاخْتِلَاف الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ عَلَى الْهُذيْل بن الحكم، فصحح عَنهُ قَول من قَالَ: عَن عبد الْعَزِيز، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر. وَبَقِي: هَل هُوَ صَحِيح من الْهُذيْل إِلَى رَسُول الله؟ لم يتَعَرَّض لذَلِك الدَّارَقُطْنِيّ، وَلَا حكم لَهُ بِصِحَّة وَلَا ضعف، وَكَيف يُصَحِّحهُ الدَّارَقُطْنِيّ اَوْ غَيره وَفِيه أَبُو الْمُنْذر الْهُذيْل بن الحكم وَهُوَ مُنكر الحَدِيث؟ ! [كَمَا] قَالَ البُخَارِيّ.
قلت: وَهُوَ (كَمَا قَالَ ابْن عدي: هَذَا الحَدِيث يُعرف بالهذيل، وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن بكر - يَعْنِي: فِي الرِّوَايَة - يسرق الحَدِيث) ، قَالَ البُخَارِيّ: رَوَى الْهُذيْل، عَن عبد الْعَزِيز، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس: «موت الْغَرِيب شَهَادَة» . وَهُوَ مُنكر، قَالَ: ورأيته فِي مَوضِع (مَرْفُوعا) .
قلت: وَله طَرِيق آخر من حَدِيث عبد الْملك بن هَارُون بن عنترة، عَن أَبِيه، عَن جده عنترة الشَّيْبَانِيّ مَرْفُوعا: « (التردي شَهَادَة) ، والسل شَهَادَة، والحريق شَهِيد، والغريب شَهِيد» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي «معرفَة الصَّحَابَة» ، وَعبد الْملك (ووالده) ضعيفان،
стр. 2873
وجده لم يذكرهُ فِي الصَّحَابَة إِلَّا الطَّبَرَانِيّ، وَسَيَأْتِي قَرِيبا من حَدِيث عَلّي بن [الْأَقْمَر] ، عَن أَبِيه أَيْضا. وَأما الْمَيِّت عشقًا: فَهُوَ مَرْوِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من طرق عَنهُ:
إِحْدَاهَا: من حَدِيث أَحْمد بن مَحْمُود الْأَنْبَارِي، نَا سُوَيْد بن سعيد، نَا عَلّي بن مسْهر، عَن أبي يَحْيَى القَتَّات، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من عشق وكتم وعف فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد» .
ثَانِيهَا: من حَدِيث مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا، نَا سُوَيْد بن سعيد بِهِ: «من عشق فعف وكتم ثمَّ مَاتَ مَاتَ شَهِيدا» .
ثَالِثهَا: من حَدِيث يَعْقُوب بن عِيسَى، عَن ابْن (أبي) نجيح، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «من عشق فعف فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، أما الطريقان الْأَوَّلَانِ: فمدارهما عَلَى سُوَيْد بن سعيد، قَالَ ابْن حبَان: من رَوَى مثل هَذَا عَن عَلّي بن مسْهر تجب مجانبة رِوَايَته. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: لَو كَانَ لي فرس ورمح لَكُنْت أغزو سُوَيْد بن سعيد. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كَانَ سُوَيْد لما كبر يقْرَأ عَلَيْهِ حَدِيث فِيهِ بعض النكارة فيجيزه. وَقَالَ: وَهَذَا الحَدِيث البلية فِيهِ مِمَّن رَوَى عَن سُوَيْد، وَهُوَ مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا، وَكَانَ يضع الحَدِيث. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لم ينْفَرد مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا بِهِ، فقد رَوَاهُ جماعات مِنْهُم أَحْمد بن مَحْمُود الْأَنْبَارِي وَصدقَة بن مُوسَى، وَالقَاسِم بن أَحْمد، وَإِبْرَاهِيم بن جَعْفَر
стр. 2874
الْفَقِيه، وَأَبُو الْعَبَّاس بن مَسْرُوق، وَالْحسن بن عَلّي الْأُشْنَانِي، وَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ. وَأما الطَّرِيق الثَّالِث: فَقَالَ أَحْمد: يَعْقُوب بن عِيسَى لَيْسَ بِشَيْء.
قلت: ومتابعة دَاوُد ذكرهَا نفطويه، قَالَ: (دخلت) عَلّي مُحَمَّد بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقلت لَهُ: كَيفَ أجدك؟ قَالَ: حب من تعلم أورثني مَا ترَى. فَقلت: مَا مَنعك عَن الِاسْتِمْتَاع بِهِ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: الِاسْتِمْتَاع عَلَى وَجْهَيْن: أَحدهمَا: النّظر الْمُبَاح. وَالثَّانِي: اللَّذَّة المحظورة، فَأَما النّظر الْمُبَاح فأورثني مَا ترَى، وَأما اللَّذَّة المحظورة: فَإِنَّهُ مَنَعَنِي (مِنْهَا) مَا [أحَدثك] أَنِّي أَنا سُوَيْد بن سعيد، أَنا عَلّي بن مسْهر، عَن أبي يَحْيَى القَتَّات، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «من عشق فكتم وعف وصبر غفر الله لَهُ، وَأدْخلهُ الْجنَّة» . وَأعله الْجَمَاعَة بِسُوَيْدِ، وَإِن كَانَ من رجال (صَحِيح مُسلم) وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل: قَالَ أبي: اكْتُبْ عَنهُ حَدِيث ضمام. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: (صَدُوق) كَانَ حَافِظًا، وَكَانَ أَحْمد ينتقي لِوَلَدَيْهِ عَلَيْهِ صَالح وَعبد الله، فَكَانَا يَخْتَلِفَانِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: (سَلمَة ثِقَة) ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: صَدُوق، وَأكْثر مَا عيب عَلَيْهِ التَّدْلِيس والعمى، وَقد صرح بِالتَّحْدِيثِ، وَرَوَى الأكابر عَنهُ قبل ضرارته فانتفيا. وَقَالَ ابْن عدي فِي «كَامِله» عقب
стр. 2875
إِخْرَاجه هَذَا الحَدِيث: إِنَّه أحد مَا أنكر عَلَى سُوَيْد. وَكَذَا ذكره الْبَيْهَقِيّ وَابْن طَاهِر وَغَيرهمَا، قَالَ الْحَاكِم فِي «تَارِيخ نيسابور» : أَنا أتعجب من هَذَا الحَدِيث، فَإِنَّهُ لم يحدث بِهِ غير سُوَيْد، وَهُوَ وَدَاوُد وَابْنه مُحَمَّد ثِقَات. وَهَذَا الْعجب عَجِيب، فسويد لم ينْفَرد بِهِ، فقد رَوَاهُ الزبير بن بكار، عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَاجشون، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: «من عشق فعف فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد» وَهَذِه مُتَابعَة حَسَنَة. وَأما (الْميتَة) طلقًا: فَفِي «سنَن أبي دَاوُد» و «صحيحي ابْن حبَان وَالْحَاكِم» من حَدِيث جَابر بن (عتِيك) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «الشَّهَادَة سبع سُوَى الْقَتْل فِي سَبِيل الله: المطعون شَهِيد، والغريق شَهِيد، وَصَاحب ذَات الْجنب شَهِيد، و (المبطون) شَهِيد، وَصَاحب الْحَرِيق شَهِيد، وَالَّذِي يَمُوت تَحت الْهدم شَهِيد، وَالْمَرْأَة تَمُوت بِجمع شهيدة» . قَالَ الْحَاكِم:
следующие страницы →