Полный текст (6 131 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
اللَّفْظ، وَإِسْنَاده ضَعِيف، فَإِن فِي إِسْنَاده عبد الْأَعْلَى بن عَامر، ومدار الحَدِيث عَلَيْهِ، وَهُوَ غير مُحْتَج بحَديثه، كَانَ ابْن مهْدي لَا يحدث عَنهُ، وَوصف اضطرابه، وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة: ضَعِيف الحَدِيث. زَاد أَبُو زرْعَة: رُبمَا رفع الحَدِيث وَرُبمَا وَقفه. قَالَ يَحْيَى: تعرف وتنكر. وَقَالَ مرّة: ثِقَة. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن عدي: حدث بأَشْيَاء لَا يُتَابع عَلَيْهَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: أرَى هَذَا الحَدِيث لَا يَصح من أَجله.
قلت: وَأغْرب ابْن السكن فَذكره فِي «سنَنه الصِّحَاح» وَقد رُوِيَ من غير حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا، رَوَى ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» فِي حَدِيث جرير بن عبد الله البَجلِيّ، وَلَا يَصح أَيْضا؛ فَإِن فِي إِسْنَاده عُثْمَان بن عُمَيْر البَجلِيّ الْكُوفِي الرَّاوِي عَن زَاذَان، عَن جرير، وكنيته أَبُو الْيَقظَان، وَلَا يحْتَج بحَديثه، قَالَ أَحْمد: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ (يَحْيَى) : حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ ابْن حبَان: اخْتَلَط حَتَّى لَا يدْرِي مَا يَقُول، لَا يجوز الِاحْتِجَاج (بِهِ) .
стр. 2802
وَأغْرب ابْن السكن فَذكره فِي «سنَنه الصِّحَاح» ، وَذكر ابْن عدي أَنه لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ أحد. وَلَيْسَ كَمَا ذكر؛ فقد تَابعه عَلَيْهِ عَمْرو بن مرّة؛ فَرَوَاهُ الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَنهُ، عَن زَاذَان، عَن جرير، كَذَا أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ، وَعَمْرو بن مرّة هُوَ الْجملِي حجَّة أخرجُوا لَهُ، ووثق، ورماه أَبُو حَاتِم بالإرجاء، وَتَابعه أَيْضا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن الدبرِي، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن الثَّوْريّ، عَن سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن زَاذَان، عَن جرير. وَتَابعه أَيْضا ثَابت، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن أسود بن عَامر، ثَنَا عبد الحميد، عَن ثَابت، عَن زَاذَان، عَن جرير بِنَحْوِهِ. وَتَابعه أَيْضا أَبُو جناب، رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيثه عَن زَاذَان عَنهُ. وَفِي رِوَايَة للْإِمَام أَحْمد (ضعفه بِسَبَب) أبي الْيَقظَان السالف: «اللَّحْد لنا، والشق لغيرنا لأهل الْكتاب» .
فَوَائِد:
الأولَى: لما رَوَى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن جرير، وَعَائِشَة، وَابْن عمر، وَجَابِر. قَالَ ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» : وَفِيه أَيْضا عَن بُرَيْدَة بن الْحصيب وَابْن مَسْعُود.
الثَّانِيَة: يعضد هَذَا الحَدِيث فِي تَقْدِيم اللَّحْد عَلَى الشق أَنه الَّذِي
стр. 2803
اخْتَارَهُ الله - تَعَالَى - لنَبيه ﷺ ، كَمَا ستعلمه، وَفِي «صَحِيح مُسلم» عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ أَنه قَالَ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عَلّي اللَّبن نصبا، كَمَا صنع برَسُول الله ﷺ » .
الثَّالِثَة: الشق: بِفَتْح الشين (واللحد: بِفَتْح اللَّام وَضمّهَا لُغَتَانِ) ، قَالَ الْجَوْهَرِي: الضريح، الشق فِي وسط الْقَبْر، واللحد فِي الْجَانِب.
الحَدِيث (الثَّانِي) بعد السِّتين
رُوِيَ «أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ، أَحدهمَا يلْحد والأخر يشق، فَبعث الصَّحَابَة فِي طلبهما، وَقَالُوا: أَيهمَا جَاءَ أَولا عمل عمله لرَسُول الله ﷺ ، فجَاء الَّذِي يلْحد، فلحد لرَسُول الله ﷺ » .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «لما توفّي رَسُول الله ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَآخر يضرح، فَقَالُوا: نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا، فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ. فَأرْسل إِلَيْهِمَا، فَسبق صَاحب اللَّحْد؛ فلحد لرَسُول الله ﷺ » . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَابْن مَاجَه فِي «سنَنه» بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات، إِلَّا مبارك بن فضَالة؛ فَإِن النَّسَائِيّ ضعفه، وَقَالَ عَفَّان: ثِقَة من النساك [وَكَانَ وَكَانَ] . وَقَالَ أَبُو زرْعَة: إِذا قَالَ: (ثَنَا) فَهُوَ ثِقَة.
стр. 2804
قلت: قد صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: ثَنَا حميد.
ثَانِيهَا: من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: «لما أَرَادوا أَن يحفروا لرَسُول الله ﷺ بعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح، وَكَانَ يضرح كضريح أهل مَكَّة، وبعثوا إِلَى أبي طَلْحَة، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يحْفر لأهل الْمَدِينَة وَكَانَ يلْحد، فبعثوا إِلَيْهِمَا رسولين، وَقَالَ: اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك. فوجدوا أَبَا طَلْحَة، فجيء بِهِ - وَلم يُوجد أَبُو عُبَيْدَة - فلحد لرَسُول الله ﷺ » ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث، وَهُوَ قِطْعَة من الحَدِيث السالف فِي دَفنه فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة، وَقد أسلفنا أَن فِي سَنَده حُسَيْن بن عبد الله، وَأَن النَّسَائِيّ تَركه، وَقَالَ يَحْيَى مرّة: لَا بَأْس بِهِ، يكْتب حَدِيثه. وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ: «ثمَّ دَعَا الْعَبَّاس رجلَيْنِ، فَقَالَ: (ليذْهب أَحَدكُمَا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح - وَكَانَ يُصَرح لأهل مَكَّة -) وليذهب الآخر إِلَى أبي طَلْحَة - وَكَانَ يلْحد لأهل الْمَدِينَة - قَالَ: ثمَّ قَالَ الْعَبَّاس لَهما حِين سرحهما: اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك. فذهبا، فَلم يجد صَاحب أبي عُبَيْدَة أَبَا عُبَيْدَة، وَوجد صَاحب أبي طَلْحَة أَبَا طَلْحَة، فجَاء فلحد لرَسُول الله ﷺ » .
ثَالِثهَا: من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة عَن عَائِشَة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا، قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَعبد الرَّحْمَن يضعف من قبل حفظه، (وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك) . وَقَالَ البُخَارِيّ: ضَعِيف ذَاهِب
стр. 2805
الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: ينْفَرد عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات، فَلَا أَدْرِي كثر الْوَهم مِنْهُ أَو من ابْنه مُحَمَّد، وَابْنه فَاحش الْخَطَأ وَأكْثر رواياته تَدور عَلَى ابْنه؛ فَوَجَبَ تَركه لاشتباه أمره.
وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ، أَحدهمَا يشق، والأخر يلْحد، فجَاء الَّذِي يلْحد، فلحد لرَسُول الله ﷺ » . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ هِشَام، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، من طَرِيق [يَحْيَى بن] عُرْوَة بن الزبير، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة، عَن هِشَام، عَن أَبِيه مُرْسلا، وَهُوَ الْمَحْفُوظ، قَالَ: كَذَلِك رَوَاهُ مَالك وَابْن عُيَيْنَة.
وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث عَائِشَة هَذَا، فَقَالَ: الصَّحِيح عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، بِإِسْقَاط عَائِشَة. - قلت: الَّذِي رَوَاهُ (بإثباتها) هُوَ أَبُو الْوَلِيد عَن حَمَّاد بن سَلمَة - فالخطأ من أَيهمَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. وَفِي كتاب «أَسمَاء رُوَاة مَالك» للخطيب الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عمر: «أَنه ﵇ لحد لَهُ» . ثمَّ قَالَ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن يَحْيَى، وَهُوَ ضَعِيف، مَتْرُوك الحَدِيث.
стр. 2806
الحَدِيث (الثَّالِث) بعد السِّتين
عَن ابْن عمر ﵄ «أَن رَسُول الله ﷺ سل من قبل رَأسه [سلًّا] » .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب عَن (ابْن عمر) ، لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ، ومشهور عَن ابْن عَبَّاس، وَلَعَلَّ هَذَا من سبق الْقَلَم. رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» فَقَالَ: أَنا الثِّقَة، عَن عمر بن عَطاء، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ (بِدُونِ قَوْله «سلا) ً» ، وَهُوَ (بِهَذَا عَن) مُسلم بن خَالِد الزنْجِي وَغَيره، عَن ابْن جريج، عَن عمرَان بن مُوسَى «أَن رَسُول الله ﷺ سل من قبل رَأسه» . قَالَ: وأنبأنا بعض أَصْحَابنَا عَن أبي الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَأبي النَّضر - لَا اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك - «أَن رَسُول الله ﷺ سل من قبل رَأسه، وَأَبُو بكر وَعمر ﵄» . قَالَ (الْبَيْهَقِيّ بعد أَن أخرج هَذِه الثَّلَاثَة بِسَنَدِهِ إِلَى الرّبيع إِلَى الشَّافِعِي: وَهَذَا هُوَ) الْمَشْهُور فِيمَا بَين أهل الْحجاز.
قلت: وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الِاحْتِجَاج بقول الرَّاوِي: أَنا الثِّقَة. وَاخْتَارَ بعض الْمُحَقِّقين من أَصْحَابنَا الِاحْتِجَاج بِهِ إِن كَانَ الْقَائِل مِمَّن يُوَافقهُ فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، فعلَى هَذَا يَصح احتجاج أَصْحَابنَا بِهَذَا
стр. 2807
الحَدِيث، وَالظَّاهِر أَن الثِّقَة فِي كَلَام الشَّافِعِي هُنَا هُوَ مُسلم بن خَالِد الزنْجِي، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِذا قَالَ الشَّافِعِي: (أَخْبرنِي الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب) فَهُوَ ابْن أبي فديك، وَإِذا قَالَ: (أَخْبرنِي الثِّقَة عَن اللَّيْث بن سعد) فَهُوَ يَحْيَى بن حسان، وَإِذا قَالَ: «أَخْبرنِي) الثِّقَة عَن الْوَلِيد بن كثير) فَهُوَ عَمْرو بن أبي سَلمَة، وَإِذا قَالَ: (أَخْبرنِي الثِّقَة عَن ابْن جريج) فَهُوَ مُسلم بن خَالِد الزنْجِي، وَإِذا قَالَ: (أَخْبرنِي الثِّقَة عَن صَالح مولَى التوءمة) فَهُوَ إِبْرَاهِيم بن يَحْيَى، وَقَالَ الرّبيع بن سُلَيْمَان فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ عبد المحسن بن غَانِم فِي كِتَابه «الْوَاضِح النفيس فِي فَضَائِل مُحَمَّد بن إِدْرِيس» : إِذا قَالَ الشَّافِعِي: (أَخْبرنِي الثِّقَة) فَإِنَّهُ يُرِيد يَحْيَى بن حسان، وَإِذا قَالَ: (أَنا الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب) فَهُوَ الزنْجِي، أَو (عَن الْأَوْزَاعِيّ) (فَإِنَّهُ) عَمْرو بن أبي سَلمَة، وَرُبمَا كَانَ أَيُّوب بن سُوَيْد، أَو (عَن أَيُّوب) فَهُوَ ابْن علية، أَو (عَن يَحْيَى بن سعيد) فَهُوَ الدَّرَاورْدِي، أَو (عَن ابْن شهَاب) فَهُوَ مَالك بن أنس، وَرُبمَا كَانَ إِبْرَاهِيم بن سعد، أَو (عَن الْوَلِيد بن كثير) ، أَو (هِشَام بن عُرْوَة) ، أَو (عبيد الله بن عمر) فَإِنَّهُ حَمَّاد بن أُسَامَة، أَو (عَن سُفْيَان الثَّوْريّ) ، أَو (يُونُس بن يزِيد) ، أَو (أُسَامَة بن زيد) فَهُوَ أَيُّوب بن سُوَيْد. قَالَ الرّبيع: وَإِنَّمَا يكني عَن ذكرهم للاختصار؛ لِأَن الْمُحدث قد يسأم الرِّوَايَة عَن شيخ وَاحِد، وَلَا سِيمَا إِذا كثرت عَنهُ، فَيَقُول: وَحَدِيث، وَنَحْو ذَلِك. قَالَ الرّبيع: (وَإِذا قَالَ الشَّافِعِي: (أَخْبرنِي من لَا أتهم فِيهِ) يُرِيد: (ابْن) إِبْرَاهِيم بن أبي
стр. 2808
يَحْيَى، وَإِذا قَالَ: بعض أَصْحَابنَا) . فَهُوَ يُرِيد أهل الْحجاز، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: فَهُوَ يُرِيد أَصْحَاب مَالك.
فَائِدَة: [اخْتلفت] الرِّوَايَات فِي كَيْفيَّة إِدْخَال النَّبِي ﷺ قَبره، فروَى الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس «أَنهم سلوه سلًّا من عِنْد رجل الْقَبْر» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَابْن عَبَّاس، وَبُرَيْدَة ﵃ «أَنهم أدخلوه (فِي قَبره من جِهَة الْقبْلَة» . وَهِي رِوَايَات ضَعِيفَة، بَين الْبَيْهَقِيّ ضعفها، وَأما التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ حسن حَدِيث ابْن عَبَّاس، وأنكروا ذَلِك عَلَيْهِ؛ لِأَن مدَار رِوَايَته فِيهِ وَرِوَايَة غَيره عَلَى الْحجَّاج بن أَرْطَاة، وَهُوَ ضَعِيف، وَنقل النَّوَوِيّ اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَى ذَلِك، وَهَذَا الْجَواب إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَو تصور إِدْخَاله ﵇ من جِهَة الْقبْلَة، وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» وَالْأَصْحَاب: إِن هَذَا غير مُمكن. وَأَطْنَبَ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» وَغَيره فِي الشناعة عَلَى من يَقُول ذَلِك، وَنسبه إِلَى الْجَهَالَة ومكابرة (الْحسن) وإنكار الْعَنَان، فَقَالَ: أَنا الثِّقَات من أَصْحَابنَا أَن قبر النَّبِي ﷺ عَلَى يَمِين الدَّاخِل من الْبَيْت، لاصق بالجدار، والجدار الَّذِي (اللَّحْد تَحْتَهُ قبْلَة) ، واللحد تَحت الْجِدَار فَكيف يدْخل
стр. 2809
مُعْتَرضًا، واللحد لاصق بالجدار، لَا يقف عَلَيْهِ شَيْء (وَلَا) يُمكن إِلَّا أَن يسل سلاًّ، أَو يدْخل من غير الْقبْلَة. قَالَ: وَأُمُور الْمَوْتَى وإدخالهم الْقَبْر من الْأُمُور الْمَشْهُورَة عندنَا لِكَثْرَة الْمَوْت، وَحُضُور الْأَئِمَّة وَأهل (الثِّقَة) ، وَهُوَ [من] الْأُمُور الْعَامَّة الَّتِي يُسْتَغْنَى فِيهَا عَن الحَدِيث، وَيكون الحَدِيث فِيهَا كالتكلف؛ لاشتراك النَّاس فِي مَعْرفَتهَا وَرَسُول الله ﷺ والمهاجرون وَالْأَنْصَار بَين أظهرنَا، ينْقل إِلَيْنَا الْعَامَّة عَن الْعَامَّة، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك أَن الْمَيِّت يسلُّ سلاًّ، ثمَّ جَاءَنَا آتٍ من غير بلدنا يعلمنَا [كَيفَ ندخل] الْمَيِّت، ثمَّ لم (يرض) حَتَّى رُوِيَ عَن حَمَّاد (عَن) إِبْرَاهِيم «أَنه ﵇ أَدخل مُعْتَرضًا» . هَذَا آخر كَلَام الشَّافِعِي، وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم مُرْسلَة ضَعِيفَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الَّذِي ذكره الشَّافِعِي أشهر فِي أَرض الْحجاز بِأخذ الْخلف عَن السّلف، فَهُوَ أولَى بالاتباع. قَالَ: وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي قَالَ: «أَوْصَى الْحَارِث (أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ عبيد الله بن يزِيد الخطمي، فَصَلى عَلَيْهِ، ثمَّ أدخلهُ الْقَبْر من قبل (رجْلي)) الْقَبْر، وَقَالَ: هَذَا من السّنة» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد قَالَ (هَذَا من السّنة) فَصَارَ كالمسند. قَالَ: وَقد روينَا هَذَا القَوْل عَن ابْن عمر، وَأنس بن مَالك ﵄.
стр. 2810
الحَدِيث الرَّابِع بعد السِّتين
«أنَّه ﷺ دَفنه عَلّي وَالْعَبَّاس وَأُسَامَة ﵃» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، عَن عَامر - هُوَ الشّعبِيّ - قَالَ: «غسل النَّبِي ﷺ عَلّي وَالْفضل وَأُسَامَة بن زيد، وهم أدخلوه قَبره» . قَالَ: وحَدثني مرحب - أَو ابْن (أبي مرحب - «أَنهم أدخلُوا مَعَهم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فَلَمَّا فرغ عَلّي قَالَ: إِنَّمَا يَلِي) الرجل أَهله» . وَعَن الشّعبِيّ عَن أبي مرحب «أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف نزل فِي قبر النَّبِي ﷺ ، قَالَ: كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِم أَرْبَعَة» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عَلّي ﵁ قَالَ: «ولي دفن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة: عَلّي وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَصَالح مولَى رَسُول الله ﷺ » . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» كَمَا سلف فِي أَوَائِل الْبَاب، وَصَححهُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «كَانَ الَّذين نزلُوا فِي قبر رَسُول الله ﷺ : عَلَى وَالْفضل وَقثم وشقران مولَى رَسُول الله ﷺ ، وَقد قَالَ أَوْس بن خوليّ لعَلي: يَا عَلّي، أنْشدك الله وحظنا من رَسُول الله ﷺ . فَقَالَ لَهُ: انْزِلْ. فَنزل مَعَ الْقَوْم، فَكَانُوا خَمْسَة» وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وشقران هُوَ صَالح مولَى رَسُول
стр. 2811
الله (، ولقبه شقران. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «دخل قبر النَّبِي ﷺ : الْعَبَّاس وَعلي وَالْفضل، وَسوى لحده رجل من الْأَنْصَار، وَهُوَ الَّذِي سُوَى لحود الْأَنْصَار يَوْم بدر» .
تَنْبِيه: يجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات بِأَن كل وَاحِد رَوَى مَا رَأَى، أَو من نقص أَرَادَ بِهِ أول الْأَمر، وَمن زَاد أَرَادَ بِهِ آخِره، وَالله أعلم.
فَائِدَة: اخْتلف الْعلمَاء مَتى دفن رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» : يَوْم الثُّلَاثَاء. وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء: لَيْلَة الْأَرْبَعَاء.
الحَدِيث الْخَامِس بعد السِّتين
رُوِيَ «أنَّه ﷺ لما دفن سعد بن معَاذ ستر قَبره بِثَوْب» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن عقبَة (عَن عَلّي بن بذيمة الْجَزرِي، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «جلل رَسُول الله ﷺ قبر سعد بِثَوْبِهِ» ثمَّ قَالَ: لَا أحفظه إِلَّا من حَدِيث يَحْيَى بن عقبَة) بن أبي الْعيزَار، وَهُوَ ضَعِيف. قلت: بِمرَّة، نسبه يَحْيَى إِلَى الْكَذِب، وَالْبُخَارِيّ إِلَى نَكَارَة الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث، كَانَ يفتعل الحَدِيث. وَقد رويت هَذِه السّنة بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي «أَنه حضر جَنَازَة الْحَارِث الأعورِ، (فَأمر) عبدُ الله بن يزِيد أَن
стр. 2812
يبسطوا عَلَيْهِ ثوبا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده صَحِيح، وَإِن كَانَ مَوْقُوفا. قلت: وَقد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» عَلَى خلاف هَذَا، فروَى من حَدِيث عمر بن مُحَمَّد، نَا أبي، نَا زُهَيْر، عَن أبي إِسْحَاق «أَن عبد الله بن يزِيد صَلَّى عَلَى الْحَارِث الْأَعْوَر، ثمَّ تقدم إِلَى الْقَبْر، فَدَعَا بالسرير، فَوضع (عِنْد) رجل الْقَبْر، ثمَّ أَمر بِهِ، فَسُلَّ سلاًّ، ثمَّ لم يدعهم يمدون ثوبا عَلَى الْقَبْر وَقَالَ: هَكَذَا السّنة» .
(الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين)
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيسْتَحب لمن يدْخلهُ الْقَبْر أَن يَقُول: «باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله ﷺ » . رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ (أَحْمد و) أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمَا» ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» ، وَالنَّسَائِيّ فِي «عمل يَوْم وَلَيْلَة» ، وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم فِي
стр. 2813
«الْمُسْتَدْرك» من الْوَجْه الْمَذْكُور، وَلَفظ ابْن حبَان فِي إِحْدَى روايتيه «أَنه ﵇ كَانَ إِذا وضع الْمَيِّت فِي الْقَبْر قَالَ: باسم الله وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله ﷺ » . وَلَفظه فِي الْأُخْرَى: «باسم الله، وَعَلَى سنة رَسُول الله» . هَذَا لفظ أبي دَاوُد أَيْضا. وَلَفظ ابْن مَاجَه: «كَانَ إِذا أَدخل الْمَيِّت الْقَبْر قَالَ: بِسم الله، وَفِي سَبِيل الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله» . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «كَانَ إِذا دخل الْمَيِّت الْقَبْر ... » وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِذا وضع الْمَيِّت فِي لحده قَالَ: بِسم الله وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «وَعَلَى سنة» بدل «مِلَّة» (وَلَفظ الْحَاكِم: «إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي (قبوركم) فَقولُوا: بِسم الله، وَعَلَى (سنة) رَسُول الله» ) . وَلَفظ النَّسَائِيّ: «إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي الْقَبْر فَقولُوا: بِسم الله، وَعَلَى سنة رَسُول الله» . وَلَفظ أَحْمد: «إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي الْقَبْر فَقولُوا: بِسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه أَيْضا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَرَوَاهُ أَبُو الصّديق النَّاجِي عَن ابْن عمر (مَرْفُوعا، وَقد رُوِيَ عَن أبي الصّديق النَّاجِي عَن ابْن عمر) مَوْقُوفا أَيْضا.
قلت: أخرج أَحْمد الْمَرْفُوع كَمَا سلف، وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَقفه شُعْبَة.
стр. 2814
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : إِنَّه الصَّوَاب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِرَفْعِهِ همام بن يَحْيَى، وَوَقفه عَلَى ابْن عمر شُعْبَة وَهِشَام، لَكِن همام ثِقَة حَافظ فَتكون زِيَادَته مَقْبُولَة. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (الْإِلْمَام) : هما أحفظ من همام، والشيخان قد احتجا بِهِ. وَقَالَ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَهَمَّام بن يَحْيَى ثَبت مَأْمُون إِذا أسْند مثل هَذَا الحَدِيث لَا يُعلل بِأحد إِذا أوقفهُ، وَقد أوقفهُ شُعْبَة. ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عمر «أَنه كَانَ إِذا وضع الْمَيِّت فِي قَبره قَالَ: باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله» . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن جَابر البياضي أَنه ﵇ قَالَ: «الْمَيِّت إِذا وضع فِي قَبره فَلْيقل الَّذين يضعونه حِين يوضع فِي اللَّحْد: بِسم الله وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله» . قَالَ الْحَاكِم: وَهَذَا مَشْهُور فِي الصَّحَابَة، شَاهد لحَدِيث همام عَن قَتَادَة مُسْندًا. وَرَوَى ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «حضرت ابْن عمر فِي جَنَازَة فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ: بِسم الله، وَفِي سَبِيل الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله. فَلَمَّا أَخذ فِي تَسْوِيَة اللَّبن قَالَ: اللَّهُمَّ أجرهَا من الشَّيْطَان. (و) من عَذَاب الْقَبْر، اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جانبيها، وَصعد روحها، ولقها مِنْك رضواناً. قلتُ: يَا ابْن عمر، أَشَيْء سمعته من رَسُول الله ﷺ أم قلته بِرَأْيِك؟ قَالَ: إِنِّي إِذا لقادر عَلَى القَوْل؛
стр. 2815
(بل) شَيْء سمعته (من) رَسُول الله ﷺ » . وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة حَمَّاد بن عبد الرَّحْمَن الْكَلْبِيّ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: هُوَ مَجْهُول، مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر.
تَنْبِيه: وَقع هَذَا الحَدِيث فِي «الْهِدَايَة» و «الْخُلَاصَة» عَلَى مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى غير وَجهه، أما صَاحب «الْهِدَايَة» فَإِنَّهُ قَالَ الَّذِي يَضَعهُ: (يَقُول) باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله. وَكَذَا قَالَه ﵇ حِين وضع أَبَا دُجَانَة فِي الْقَبْر وَهَذَا عَجِيب، فَإِن أَبَا دُجَانَة توفّي بعده ﵇ يَوْم الْيَمَامَة فِي خلَافَة (أبي) بكر. وَأما صَاحب «الْخُلَاصَة» فَإِنَّهُ قَالَ: (يَقُول) الَّذِي يَضَعهُ: باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله ﷺ . ويوجهه إِلَى الْقبْلَة، لقَوْل عَلّي ﵁: «أمرنَا رَسُول الله ﷺ بذلك) لما حضر دفن رجل مطلبي. وَهَذَا غَرِيب عَن عَلّي؛ لَا أعرفهُ بعد الْبَحْث عَنهُ.
فَائِدَة: رَوَى أَحْمد فِي «الْمسند» ، وَالْحَاكِم فِي التَّفْسِير من «مُسْتَدْركه» ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبيد الله بن زحر، عَن [عَلّي
стр. 2816
بن يزِيد الْأَلْهَانِي] ، عَن الْقَاسِم، عَن أبي أُمَامَة قَالَ: «لما وضعت أم كُلْثُوم بنت رَسُول الله ﷺ فِي الْقَبْر قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى) ، فَلَمَّا بني لحدها قَالَ: سدوا خلال اللَّبِن. ثمَّ قَالَ: لَيْسَ هَذَا لشَيْء، وَلكنه تطييب لنَفس الْحَيّ» . زَاد الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ: «بِسم الله، وَفِي سَبِيل الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده ضَعِيف. قلت بِمرَّة: لِأَن الثَّلَاث الأول ضعفاء لكنه من بَاب الْفَضَائِل.
الحَدِيث السَّابِع بعد السِّتين
قَالَ الرَّافِعِيّ: «إِذا دخل الْمَيِّت الْقَبْر أضجع فِي اللَّحْد عَلَى جنبه الْأَيْمن، مُسْتَقْبل الْقبْلَة، كَذَلِك فعل برَسُول الله ﷺ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَله» .
هَذَا هُوَ الظَّاهِر من أفعالهم، وَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ أَخذ من قِبَلِ الْقبْلَة، واستقبل بِهِ اسْتِقْبَالًا» وَفِي إِسْنَاده عَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَهُوَ ضَعِيف بإجماعهم، قَالَ ابْن حبَان: سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث، فَلَمَّا مَاتَ جعل (يُجَالس) الْكَلْبِيّ، فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله ﷺ . حفظ ذَلِك
стр. 2817
وَرَوَاهُ عَنهُ، وكناه أَبَا سعيد، فيظن أَنه أَرَادَ الْخُدْرِيّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَلْبِيّ، لَا يحل كتْب حَدِيثه إِلَّا عَلَى (سَبِيل) التَّعَجُّب. وَفِي «تَارِيخ الْعقيلِيّ» من حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ: «أَخذ رَسُول الله ﷺ من قبل الْقبْلَة، وألحد لَهُ، وأنصب لَهُ اللَّبن نصبا» . وَفِي إِسْنَاده (عَمْرو) بن يزِيد التَّمِيمِي، وَقد ضَعَّفُوهُ، قَالَ الرَّازِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه. قَالَ: فَأَما اللَّحْد للنَّبِي (فَروِيَ، وَسَائِر الْكَلَام لَيْسَ بِمَعْرُوف إِلَّا فِي هَذِه الرِّوَايَة أَو مَا يشبهها.
الحَدِيث الثَّامِن بعد السِّتين
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَنه جعل فِي قبر رَسُول الله ﷺ قطيفة حَمْرَاء» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ كَذَلِك، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بِلَفْظ: «وضع» بدل «جعل» ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» عَن مَنْصُور بن زَاذَان عَن الْحسن قَالَ: «جعل فِي لحد رَسُول الله ﷺ قطيفة حَمْرَاء، أَصَابَهَا يَوْم خَيْبَر، لِأَن الْمَدِينَة أَرض
стр. 2818
سبخَة» . وَفِي الْجُزْء الأول من الصَّحِيح تَخْرِيج الدَّارَقُطْنِيّ عَن وَكِيع قَالَ: «وَكَانَ هَذَا لرَسُول الله ﷺ خَاصَّة» . وَفِي «الِاسْتِيعَاب» أَن تِلْكَ القطيفة أخرجت قبل أَن يهال التُّرَاب. لَكِن فِي «الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث ابْن عَبَّاس «أَنَّهَا دفنت مَعَه» وَفِي إسنادها حُسَيْن بن عبد الله السالف.
فَائِدَة: الْجَاعِل لهَذِهِ القطيفة هُوَ شقران مولَى رَسُول الله ﷺ ، فعل هَذَا بِرَأْيهِ، وَلم يُوَافقهُ أحد من الصَّحَابَة، وَلَا علمُوا بِفِعْلِهِ، وَفِي «التِّرْمِذِيّ» إِشَارَة إِلَى هَذَا، فَإِن فِيهِ: قَالَ ابْن أبي رَافع: سَمِعت شقران يَقُول: «أَنا وَالله طرحت القطيفة تَحت رَسُول الله ﷺ » . وَقيل: إِنَّمَا فعلهَا شقران لِأَنَّهُ قَالَ: «كرهت أَن يلبسهَا أحد بعده ﵇» وَفِي «التِّرْمِذِيّ» و «الْبَيْهَقِيّ» وَغَيرهمَا: عَن ابْن عَبَّاس «أَنه كره أَن يَجْعَل تَحت الْمَيِّت ثوب فِي قَبره» .
الحَدِيث التَّاسِع بعد السِّتين
عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ أَنه قَالَ: «اصنعوا بِي كَمَا صَنَعْتُم برَسُول الله ﷺ ، انصبوا عَلّي اللَّبِن، وأهيلوا عَلّي التُّرَاب» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي كَذَلِك بلاغًا، فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَنهُ: «بَلغنِي أَنه قيل لسعد بن أبي وَقاص: أَلا نتخِذ لَك
стр. 2819
شَيْئا (كَأَنَّهُ) الصندوق من الْخشب؟ فَقَالَ: بل اصنعوا بِي كَمَا صَنَعْتُم برَسُول الله ﷺ ؛ انصبوا عَلّي اللَّبِن، وأهيلوا عَلّي التُّرَاب» (وَهُوَ فِي «صَحِيح مُسلم» بِدُونِ قَول: «وأهيلوا عَلّي التُّرَاب» ) ، وَقد سبق بِلَفْظِهِ قَرِيبا فِي الحَدِيث الْحَادِي بعد السِّتين.
فَائِدَة: مَعْنَى نَصْب اللَّبِن أَن لَا تكون مائلة؛ تسْقط فِي اللَّحْد عَلَى الْمَيِّت. وأهيلوا: (صبوا) ، وَهِي لُغَة قَليلَة فِي هلتُ، فَهُوَ مُهَال ومهيل. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (كثيبًا مهيلا) أَي (مصبوبًا) سَائِلًا.
الحَدِيث السبعون
رُوِيَ «أنَّه ﷺ حثى عَلَى الْمَيِّت ثَلَاث حثياتٍ بيدَيْهِ جَمِيعًا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عَلّي بن حَفْص الْمَدَائِنِي، عَن الْقَاسِم بن عبد الله الْعمريّ، عَن عَاصِم بن عبيد الله، عَن (عبد الله) بن عَامر بن ربيعَة، عَن أَبِيه قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ حِين دفن عُثْمَان بن مَظْعُون صَلَّى عَلَيْهِ، وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا، وحثى عَلَى قَبره بِيَدِهِ ثَلَاث حثيات من التُّرَاب، وَهُوَ قَائِم عِنْد رَأسه» . وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف، الْقَاسِم بن عبد الله واه، قَالَ أَحْمد: كَانَ
стр. 2820
يكذب وَيَضَع الحَدِيث، ترك النَّاس حَدِيثه. وَأما عَاصِم بن عبيد الله بن عَاصِم بن عمر فضعفه مَالك وَغَيره، وَأما عَلّي بن حَفْص فقد أخرج لَهُ م، وَوَثَّقَهُ د وس، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ. وأجمل الْبَيْهَقِيّ القَوْل فِي تَضْعِيفه فَقَالَ لما رَوَاهُ: إِسْنَاده ضَعِيف، إِلَّا أَن لَهُ شَاهدا من جِهَة جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا. قلت: رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن جَعْفَر بِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَيروَى عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا. قلت: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» عَن أَحْمد بن منيع، عَن حَمَّاد بن خَالِد، عَن هِشَام بن سعد، عَن [زِيَاد] ، عَن أبي الْمُنْذر: «أَنه ﵇ حثى فِي قبر ثَلَاثًا» . وَذكر هَذَا ابْن أبي حَاتِم فِي «مراسيله» ، وَقَالَ: قَالَ أبي: أَبُو الْمُنْذر وَالَّذِي قبله مَجْهُولَانِ. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة -
стр. 2821
رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أَن رَسُول الله ﷺ حثى من قبل رَأس الْمَيِّت ثَلَاثًا» . إِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ، وَخَالف أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث بَاطِل، وَفِيه زِيَادَة لَطِيفَة وَهِي: «من قبل رَأسه» . فَيكون الحثي من قبل الرَّأْس مستحبًّا.
الحَدِيث الْحَادِي بعد السّبْعين
عَن جَابر ﵁: «أَنه ألحد لرَسُول الله ﷺ لحدًا، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا، وَرفع قَبره عَن الأَرْض قدر شبر» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر «أَن النَّبِي ﷺ أُلحد لَهُ لحدًا، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا ... » وَذكر الحَدِيث، قَالَ: «وَرفع قَبره (عَن) الأَرْض نَحوا من شبر» . ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا وجدته. ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه «أَن النَّبِي ﷺ رُشَّ عَلَى قَبره المَاء، وَوضع عَلَيْهِ (حَصْبَاء) من (حَصْبَاء) الْعَرَصَة، وَرفع قَبره قدر شبر» ثمَّ قَالَ: هَذَا مُرْسل. وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَاد لَهُ عَن جَابر، وَسَيَأْتِي قَرِيبا، وَأخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» كَمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ أَولا، وَهَذَا لَفظه: عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن جَابر بن عبد الله «أَن النَّبِي ﷺ -
стр. 2822
ألحد لَهُ، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبِن (نصبا) ، وَرفع قَبره نَحوا من شبر» .
الحَدِيث الثَّانِي بعد السّبْعين
عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: «دخلت عَلَى عَائِشَة ﵂ فَقلت: يَا أُمَّاهُ، اكشفي لي عَن قبر رَسُول الله ﷺ وصاحبيه. فَكشفت لي عَن ثَلَاثَة قُبُور، لَا مشرفة وَلَا لاطئة، مبطوحة ببطحاء الْعَرَصَة الْحَمْرَاء» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، زَاد الْحَاكِم فِي رِوَايَته: «فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ مقدما، وَأَبا بكر رَأسه بَين كَتِفي رَسُول الله ﷺ ، وَعمر رَأسه عِنْد رجل رَسُول الله ﷺ » .
فَائِدَة: قَوْله: «لَا مشرفة) أَي: لَا مُرْتَفعَة ارتفاعًا كَبِيرا، و «لَا لاطئة» أَي: لَا لاصقة بِالْأَرْضِ، وَهُوَ بِهَمْزَة آخِره.
فَائِدَة: إِن قلت: كَيفَ يجمع بَين حَدِيث سُفْيَان التمار - الَّذِي انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ البُخَارِيّ، بل لم يرو البُخَارِيّ لِسُفْيَان هَذَا غَيره، وَوهم ابْن الْجَوْزِيّ فَعَزاهُ إِلَى مُسلم - «أَنه رَأَى قبر النَّبِي ﷺ مسنمًا» . زَاد ابْن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» : «وقبر أبي بكر، وقبر عمر» وَفِي «مَرَاسِيل أبي دَاوُد» عَن صَالح بن أبي صَالح قَالَ: «رَأَيْت قبر رَسُول الله ﷺ شبْرًا أَو نَحوا من شبر» .
стр. 2823
قلت: جمع بَينهمَا الْبَيْهَقِيّ وَغَيره - رَحْمَة الله عَلَيْهِم -: بِأَن الْقَبْر كَانَ أَولا مسطحًا كَمَا قَالَ الْقَاسِم، ثمَّ لما سقط الْجِدَار فِي زمن الْوَلِيد بن عبد الْملك - وَقيل فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز - أصلح - فَجعل مسنمًا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَحَدِيث الْقَاسِم أصح وَأولَى أَن يكون مَحْفُوظًا.
الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين
«أَن النَّبِي ﷺ نهَى أَن يجصص الْقَبْر، و (أَن) يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَن يكْتب عَلَيْهِ، وَأَن يُوطأ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَة التِّرْمِذِيّ، وَالْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» ، و (أَبُو حَاتِم) ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن تجصص الْقُبُور، وَأَن يكْتب عَلَيْهَا، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَن تُوطأ» . وَلَفظ الْحَاكِم: «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يُبْنَى عَلَى الْقَبْر، أَو يجصص، أَو يقْعد عَلَيْهِ، وَنَهَى أَن يكْتب عَلَيْهِ» . وَلَفظ ابْن حبَان «أَنه ﵇ نهَى عَن تجصيص الْقُبُور، وَالْكِتَابَة عَلَيْهَا، وَالْبناء عَلَيْهَا، وَالْجُلُوس عَلَيْهَا» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «نهَى أَن تقصص الْقُبُور» . وَكَانَ يسمون الجص الْقِصَّة، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي الزبير سمع
стр. 2824
(جَابر) «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن تقصيص الْقُبُور، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهَا، أَو يجلس عَلَيْهَا» . وَرَوَاهُ مُخْتَصرا بِذكر الْبناء لَيْسَ إِلَّا، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد رُوِيَ من غير وَجه عَن جَابر. قَالَ: وَقد رخص بعض أهل الْعلم فِي تطيين الْقُبُور، مِنْهُم: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا بَأْس أَن يطين الْقَبْر. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَقد خرج بِإِسْنَادِهِ غير «الْكِتَابَة» فَإِنَّهَا لَفْظَة صَحِيحَة غَرِيبَة، وَقد رويت من وَجه آخر ... فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابر، قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن تجصيص الْقُبُور، وَالْكِتَابَة فِيهَا، وَالْبناء عَلَيْهَا، وَالْجُلُوس عَلَيْهَا» . قَالَ الْحَاكِم: وَهَذِه الْأَسَانِيد صَحِيحَة، وَلَيْسَ الْعَمَل عَلَيْهَا؛ فَإِن أَئِمَّة الْمُسلمين من الشرق إِلَى الغرب مَكْتُوب عَلَى قُبُورهم، وَهُوَ عمل أَخذ بِهِ الْخلف عَن السّلف. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي «سنَنه» ، وَلَفظه: عَن جَابر قَالَ: «سَمِعت رَسُول الله ﷺ نهَى أَن يْقعد عَلَى الْقَبْر وَأَن يُقصص ويبنى عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَو يُزَاد عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَو يكْتب عَلَيْهِ» وَفِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث - أَعنِي حَدِيث
стр. 2825
أبي دَاوُد - عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن جَابر وَهَذِه الطَّرِيق مُنْقَطِعَة؛ فَإِن سُلَيْمَان هَذَا لم يسمع من جَابر شَيْئا، كَمَا نبه الْمُنْذِرِيّ عَلَيْهِ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث «الْمُهَذّب» وَلذَلِك أضْرب مُسلم عَن ذكرهَا، وَالصَّوَاب: عَن أبي الزبير عَن جَابر، كَمَا هُوَ رِوَايَة البَاقِينَ، وَلَفظ رِوَايَة ابْن مَاجَه عَن جَابر «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن تقصيص الْقُبُور، وَأَن يكْتب عَلَى الْقَبْر شَيْء، وَأَن يُبْنَى عَلَى الْقَبْر شَيْء» وَلَفظ رِوَايَة مُسلم عَنهُ «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يجصص الْقَبْر، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَن يقْعد عَلَيْهِ» .
فَائِدَة: التجصيص: بناؤها بالجص وَهُوَ النورة الْبَيْضَاء، والتقصيص: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ التجصيص وَذَلِكَ أَن الجصة يُقَال لَهَا: الْقِصَّة، والجصاص وَالْقصاص وَاحِد، وَالْقعُود: الْجُلُوس قَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) والهروي: المُرَاد بِهِ (الْحَدث) وَالصَّوَاب الأول، ويوضحه رِوَايَة مُسلم «لَا تجلسوا عَلَى الْقُبُور ... » وَرِوَايَة أُخْرَى لَهُ «لِأَن يجلس أحدكُم عَلَى جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى
стр. 2826
جلده خير لَهُ من أَن يجلس عَلَى قبر» وَقيل: المُرَاد بِهِ الْجُلُوس للإحداد وملازمة الْحزن. حَكَاهُ ابْن الْأَثِير فِي (نهايته) وَحَكَى مَعَه قولا آخر أَن المُرَاد بِالْجُلُوسِ أَيْضا للْحَدَث، وَوَقع فِي أَكثر نسخ (الْمُهَذّب) : (وَأَن يعْقد عَلَيْهِ) بِتَقْدِيم الْعين عَلَى الْقَاف، وَهُوَ تَصْحِيف، وَفَسرهُ صَاحب (المستعذب) فَقَالَ: أَي يُبْنَى عَلَيْهِ عقد كَمَا يفعل فِي أَبْوَاب بعض الْمَسَاجِد وَبَين الأساطين والقباب ومحراب الْقبَّة.
الحَدِيث الرَّابِع بعد السّبْعين
رُوِيَ عَن فعل رَسُول الله ﷺ «أَنه رش قبر ابْنه إِبْرَاهِيم وَوضع عَلَيْهِ (الْحَصْبَاء) » .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه «أَن النَّبِي ﷺ رش عَلَى قبر ابْنه إِبْرَاهِيم وَوضع عَلَيْهِ حَصْبَاء» والحصباء لَا تثبت (إِلَّا عَلَى قبر مسطح، وَهَذَا مَعَ إرْسَاله فِيهِ إِبْرَاهِيم هَذَا، وَقدمنَا أَنه ثِقَة) عَلَى رَأْي إمامنا ورأي جمَاعَة (ضَعِيف) عِنْد الْجُمْهُور وَرُوِيَ الرش عَلَى قبر ابْنه إِبْرَاهِيم من طرق (أُخْرَى ذكرتها) فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب.
стр. 2827
الحَدِيث الْخَامِس بعد السّبْعين
عَن بِلَال ﵁: «أَنه رش عَلَى قبر النَّبِي ﷺ مَاء» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» لَكِن من رِوَايَة جَابر ﵁ قَالَ: «رش عَلَى قبر النَّبِي ﷺ المَاء رشًّا، وَكَانَ الَّذِي رش عَلَى قَبره بِلَال بن رَبَاح، بَدَأَ من قبل رَأسه من شقَّه الْأَيْمن حَتَّى انْتَهَى إِلَى رجلَيْهِ» وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف فَإِن فِي إِسْنَاده الْوَاقِدِيّ، وَقد ضعفه الْجُمْهُور وَنسبه إِلَى الْوَضع الرَّازِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ عَلَى بن الْمَدِينِيّ: رَوَى ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث لَا تعرف. وَقَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه غير مَحْفُوظَة وَالْبَلَاء مِنْهُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه «أَنه ﵇ رُش عَلَى قَبره المَاء، وَوضع عَلَيْهِ حَصْبَاء من حَصْبَاء الْعَرَصَة، وَرفع قَبره قدر شبر» هَذَا مُرْسل، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا من حَدِيث جَعْفَر الْمَذْكُور عَن أَبِيه أَن الرش عَلَى الْقَبْر كَانَ عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ .
الحَدِيث السَّادِس بعد السّبْعين
«أنَّه ﷺ وضع صَخْرَة عَلَى قبر عُثْمَان بن مَظْعُون وَقَالَ: أعلم بهَا قبر أخي، وأدفن إِلَيْهِ من مَاتَ من أَهلِي» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث كثير بن زيد
стр. 2828
الْمدنِي عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب التَّابِعِيّ قَالَ: «لما مَاتَ عُثْمَان بن مَظْعُون أخرج بجنازته فَدفن، فَأمر النَّبِي ﷺ رجلا أَن يَأْتِي بِحجر فَلم يسْتَطع حمله، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ - (قَالَ كثير) : قَالَ الْمطلب: قَالَ الَّذِي (يُخْبِرنِي) : كَأَنِّي أنظر إِلَى بَيَاض ذراعي رَسُول الله ﷺ حِين حسر عَنْهُمَا - ثمَّ حملهَا فوضعها عِنْد رَأسه وَقَالَ: أتعلم بهَا قبر أخي وأدفن إِلَيْهِ من مَاتَ من أَهلِي» إِسْنَاده حسن مُتَّصِل؛ لِأَن الْمطلب بَين فِي كَلَامه أَنه أخبرهُ (بِهِ) صَحَابِيّ حضر الْقِصَّة، وَالصَّحَابَة كلهم عدُول لَا تضر الْجَهَالَة بأعيانهم، وَكثير هَذَا وَإِن ضعفه النَّسَائِيّ فقد وَثَّقَهُ يَحْيَى (بن معِين) وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: صَالح وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» مُخْتَصرا من رِوَايَة أنس «أَن رَسُول الله ﷺ أَعْلَمَ قبر عُثْمَان بن مَظْعُون بصخرة» وَفِي إِسْنَاده كثير هَذَا، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ الدَّرَاورْدِي عَن كثير بن زيد، عَن زَيْنَب ابْنة نبيط، عَن أنس ... فَذكره كَلَفْظِ ابْن مَاجَه، فَقَالَ: هَذَا خطأ يُخَالف الدَّرَاورْدِي فِيهِ، يرويهِ حَاتِم وَغَيره عَن كثير بن زيد، عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب، وَهُوَ الصَّحِيح. يُشِير أَبُو زرْعَة إِلَى رِوَايَة أبي
стр. 2829
دَاوُد، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمَة عُثْمَان بن مَظْعُون، بِإِسْنَاد لَيْسَ فِيهِ كثير بن زيد، لَكِن فِيهِ بدله الْوَاقِدِيّ، وحالته مَعْرُوفَة سلفت قَرِيبا، وَأَبُو بكر بن عبد الله بن أبي سُبْرَة الْمَدِينِيّ وَهُوَ تَالِف، ذكره من حَدِيث عبيد الله بن رَافع عَن أَبِيه قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ (يرتاد) لأَصْحَابه مَقْبرَة يدفنون فِيهَا، فَكَانَ قد طلب نواحي الْمَدِينَة وأطرافها؛ ثمَّ قَالَ: أمرت بِهَذَا الْموضع - يَعْنِي: البقيع - وَكَانَ أَكثر نَبَاته الْغَرْقَد، وَكَانَ أول من قبر هُنَاكَ عُثْمَان بن مَظْعُون، فَوضع رَسُول الله ﷺ حجرا عِنْد رَأسه. و (قَالَ) : هَذَا قبر فرطنا. وَكَانَ إِذا مَاتَ المُهَاجر بعده قيل: يَا رَسُول الله، أَيْن ندفنه؟ فَيَقُول: عِنْد فرطنا عُثْمَان بن مَظْعُون» .
فَائِدَة: عُثْمَان بن مَظْعُون - بالظاء (الْمُعْجَمَة) وَالْعين الْمُهْملَة - من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام، وَأول من توفّي من الْمُهَاجِرين بِالْمَدِينَةِ، وَأول من دفن بِالبَقِيعِ مِنْهُم، وَأول من دفن (من) الْأَنْصَار كُلْثُوم بن الْهدم. قَالَه رزين.
فَائِدَة ثَانِيَة: رَوَى الْبَزَّار «أَنه ﵇ أَمر برش المَاء عَلَى قبر عُثْمَان بن مَظْعُون» . أَيْضا رَوَاهُ من حَدِيث الْعمريّ، عَن عَاصِم بن عبيد الله، عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة، عَن أَبِيه: «أَن النَّبِي ﷺ قَامَ عَلَى قبر
стр. 2830
عُثْمَان بن مَظْعُون بَعْدَمَا دَفنه، وَأمر (فرش عَلَيْهِ المَاء) » . قَالَ ابْن الْقطَّان: والعمري هَذَا هُوَ الْقَاسِم بن (عبد الله) ، وَهُوَ ضَعِيف جدًّا، قَالَ أَحْمد: هُوَ مدنيّ كَذَّاب، وضَّاع للْحَدِيث، ترك النَّاس حَدِيثه.
الحَدِيث السَّابِع بعد السّبْعين
رُوِيَ «أَنه ﵇ سطح قبر ابْنه إِبْرَاهِيم» .
هَذَا الحَدِيث تقدم قَرِيبا مُرْسلا من رِوَايَة الشَّافِعِي قبل هَذَا بحديثين.
الحَدِيث الثَّامِن بعد السّبْعين
عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: «رَأَيْت قبر النَّبِي ﷺ وقبر أبي بكر مسطحة» .
هَذَا الحَدِيث سلف قَرِيبا بِخَمْسَة أَحَادِيث.
الحَدِيث التَّاسِع بعد السّبْعين
رُوِيَ «أنَّه ﷺ كَانَ يقوم إِذا بَدَت جَنَازَة، فأُخبر أَن الْيَهُود تفعل ذَلِك، فَترك الْقيام بعد ذَلِك مُخَالفَة لَهُم» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت بِإِسْنَاد ضَعِيف، كَمَا سلف فِي الْبَاب فِي
стр. 2831
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين مِنْهُ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَبشر بن رَافع - يَعْنِي الَّذِي فِي إِسْنَاده - لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدِيث مُنكر. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : لَا يَصح.
الحَدِيث الثَّمَانُونَ
أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «من صَلَّى عَلَى الْجِنَازَة وَرجع فَلهُ قِيرَاط، وَمن صَلَّى عَلَيْهَا وَلم يرجع حَتَّى دفن فَلهُ قيراطان، أصغرُهما - وَيروَى: أَحدهمَا - مثل أحد» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان، (قيل) وَمَا القيراطان؟ قَالَ: مثل الجبلين العظيمين» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم مُنْفَردا بهَا (أصغرهما مثل أحد» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «قَالَ أَبُو حَازِم: قلتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَة، وَمَا القيراط؟ قَالَ: مثْل أحد» . وَفِي رِوَايَة لَهُ مَرْفُوعا: «كل قِيرَاط مثل أحد» . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «من تبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابًا،
стр. 2832
وَكَانَ مَعَه حَتَّى يصلى عَلَيْهَا ويفرغ من دَفنهَا فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين، كل قِيرَاط مثل أُحُد، وَمن صَلَّى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قبل أَن تدفن فَإِنَّهُ يرجع بقيراط» . تفرد البُخَارِيّ بقوله: «إِيمَانًا واحتسابًا» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «من صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن اتبعها حَتَّى تُوضَع فِي الْقَبْر فقيراطان» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «حَتَّى يفرغ من دَفنهَا» . وتتأول رِوَايَة: «حَتَّى تُوضَع فِي الْقَبْر» أَي: ويفرغ مِنْهَا. (وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث ثَوْبَان «من صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان، القيراط مثل أحد» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن القيراط فَقَالَ: مثل أحد» ) . وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» : عَن ابْن عمر حِين بلغه حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (بعث إِلَى عَائِشَة، فَسَأَلَهَا، فصدقته، فَقَالَ ابْن عمر: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة» . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ قريب من لفظ الرَّافِعِيّ، فَإِن لَفظه: «من صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن تبعها حَتَّى يُقْضَى دَفنهَا فَلهُ قيراطان، أَحدهمَا - أَو أصغرهما - مثل أحد» . ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَفِي
стр. 2833
رِوَايَة للْحَاكِم فِي كتاب الْفَضَائِل من «الْمُسْتَدْرك» ، فِي فَضَائِل أبي هُرَيْرَة، عَن ابْن عمر «أَنه مر بِأبي هُرَيْرَة وَهُوَ يحدث عَن النَّبِي ﷺ : من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، فَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان، القيراط أعظم من أحد. فَقَالَ ابْن عمر: يَا أَبَا هُرَيْرَة، انْظُر (مَا تحدث عَن رَسُول الله ﷺ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَة حَتَّى انْطلق) إِلَى عَائِشَة؛ فَقَالَ لَهَا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أنْشدك الله هَل سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من تبع جَنَازَة فَصَلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط، وَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان؟ فَقَالَت: اللَّهُمَّ نعم. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: إِنَّه لم يكن يشغلنا عَن رَسُول الله ﷺ غرس وَلَا صفق بالأسواق، إِنَّمَا كنت أطلب كلمة من رَسُول الله ﷺ يعلمنيها، أَو أَكلَة يطعمنيها. فَقَالَ ابْن عمر: يَا أَبَا هُرَيْرَة، كنت ألزمنا لرَسُول الله ﷺ وَأَعْلَمنَا بحَديثه» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّه إِسْنَاد صَحِيح ذكره فِي «مدخله إِلَى السّنَن» ، فِي بَاب: مَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى حفظ أبي هُرَيْرَة.
الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ
«أَنه ﵇ كَانَ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ، وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لأخيكم، واسألوا لَهُ التثبيت؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث هِشَام بن يُوسُف عَن عبد الله بن بحير، عَن هَانِئ مولَى عُثْمَان، عَن عُثْمَان
стр. 2834
قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لأخيكم وسلوا لَهُ التثبيت؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل» . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَهَذَا لَفظه: عَن عُثْمَان ﵁ قَالَ: «مر رَسُول الله ﷺ بِجنَازَة عِنْد قبر وَصَاحبه يدْفن، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : اسْتَغْفرُوا لأخيكم، وسلوا الله لَهُ التثبيت؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِنَّه حَدِيث حسن. وَقَالَ الْبَزَّار بعد أَن أخرجه بِلَفْظ: «وسلوا لَهُ التثبيت» لَا يرْوَى عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَلَا نعلم لَهُ عَن عُثْمَان إِسْنَادًا إِلَّا هَذَا الْإِسْنَاد، وَكَذَا ذكره فِي حَدِيث: «كَانَ عُثْمَان إِذا وقف عَلَى قبر بَكَى ... » الحَدِيث. وذكرهما الدَّارَقُطْنِيّ.
والْحَدِيث الآخر: «مَا رَأَيْت شَيْئا إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ» . وَقَالَ: تفرد بهَا - وَهِي حَدِيث وَاحِد - عبد الله بن بحير، عَن هَانِئ، وَلم يروه عَنهُ غير هِشَام بن يُوسُف القَاضِي. قلت: وَعبد الله بن بحير هَذَا هُوَ ابْن ريسان الْمرَادِي الصَّنْعَانِيّ، رَوَى عَن جمَاعَة، وَعنهُ جمَاعَة، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، كَذَا هُوَ فِي أصل «التذهيب» للذهبي، ثمَّ قَالَ: من زياداته، قَالَ ابْن حبَان: عبد الله بن بحير الصَّنْعَانِيّ أَبُو وَائِل الْقَاص وَلَيْسَ هُوَ
стр. 2835
بِعَبْد الله بن بحير بن ريسان، ذَاك ثِقَة، وَأَبُو وَائِل واهٍ. ثمَّ قَالَ: لم يفرق بَينهمَا أحد (قبل) ابْن حبَان، وهما وَاحِد. إِذا علمت ذَلِك، فقد قَالَ هُوَ فِي كِتَابه «الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء» : عبد الله بن بحير الصَّنْعَانِيّ مُنكر الحَدِيث، ثمَّ أعلم لَهُ د ت ق، كَمَا أعلمهُ فِي «تذهيبه» ، فَكيف ينْقل فِي «تذهيبه» أَن ابْن معِين وَغَيره وَثَّقَهُ، و (يَقُول) فِي «الْمُغنِي» : (واه، مُنكر الحَدِيث بِمرَّة) . وَأغْرب من هَذَا مَا اتّفق لَهُ فِي «مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك» ؛ فَإِنَّهُ ذكر حَدِيث عُثْمَان «أَنه كَانَ إِذا وقف عَلَى قبر بَكَى حَتَّى يبل لحيته ... » الحَدِيث. قَالَ: فِيهِ عبد الله بن بحير، وَلَيْسَ بالعمدة، [وهانئ] رَوَى عَنهُ جمَاعَة، وَلَا ذكر لَهُ فِي الْكتب السِّتَّة. هَذَا لَفظه، وَهُوَ عَجِيب إِن أَرَادَ بقوله: «وَلَا ذكر لَهُ» عبدَ الله بن بحير دون الحَدِيث فَهُوَ من رجال د. ت. ق، وَذكر هُوَ فِي (تذهيبه) أَن أَرْبَعَة أنفس رووا عَنهُ وَإِن أَرَادَ بقوله: «وَلَا ذكر لَهُ فِي الْكتب السِّتَّة» الحديثَ. فَهُوَ وهم، فَحَدِيثه هَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه.
стр. 2836
فَائِدَة: رُوِيَ «التثبت» و «التثبيت» ، بِإِثْبَات الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت قبل الْمُثَنَّاة فَوق آخرا وحذفها، وهما صَحِيحَانِ. و (التثبيت) : الْأَمْن من الْفَزع، والثبات عِنْد مسائلة الْملكَيْنِ، يُقَال: «ثَبت فِي الْقِتَال» إِذا لم يفزع وَلم يفر، وَرجل ثَبت: إِذا كَانَ لَا يزل لِسَانه.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّمَانِينَ
قَالَ الرَّافِعِيّ: «وَيسْتَحب أَن يلقن الْمَيِّت بعد الدّفن، فَيُقَال: يَا عبد الله، (يَا) ابْن أمة الله، اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا، شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَأَن الْجنَّة حق، وَالنَّار حق، وَأَن الْبَعْث حق، وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا، وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور، وَأَنَّك رضيت بِاللَّه ربًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دينا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، وَبِالْكَعْبَةِ قبْلَة، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا» . ورد بِهِ الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْكَبِير» عَن أبي عقيل أنس بن [سلم] ، ثَنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْعَلَاء الْحِمصِي، نَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، نَا عبد الله بن مُحَمَّد الْقرشِي، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن سعيد بن عبد الله (الأودي) قَالَ: «شهِدت أَبَا أُمَامَة وَهُوَ فِي النزع، فَقَالَ: إِذا أَنا مت فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نصْنَع
стр. 2837
بموتانا؛ أمرنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِذا مَاتَ أحد من إخْوَانكُمْ فسويتم التُّرَاب عَلَى قَبره فَليقمْ أحدكُم عَلَى رَأس قَبره، ثمَّ ليقل: يَا فلَان بن (فلَان) ، (فَإِنَّهُ يسمعهُ وَلَا يُجيب) ، ثمَّ يَقُول: يَا فلَان بن فُلَانَة، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدا، (ثمَّ يَقُول: يَا فلَان بن فُلَانَة) ؛ (فَإِنَّهُ يَقُول) : أرشدنا يَرْحَمك الله. وَلَكِن لَا تشعرون، فَلْيقل: اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، وَأَنَّك رضيت بِاللَّه ربًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دينا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا. فَإِن مُنْكرا ونكيرًا يَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بيد صَاحبه وَيَقُول: انْطلق بِنَا، مَا (يقعدنا) عِنْد من قد لقن حجَّته. فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله، فَإِن لم يعرف أمه؟ قَالَ: ينْسب إِلَى أمه حَوَّاء؛ يَا فلَان بن حَوَّاء» . إِسْنَاده لَا أعلم بِهِ بَأْسا، وَذكره الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور فِي «جَامع الدُّعَاء الصَّحِيح» ، وَزَاد بعد قَوْله: «قد لقن حجَّته» : «وَيكون الله (حجَّته) دونهمَا» . قَالَ: وَقد أرخص الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي تلقين الْمَيِّت، وَأَعْجَبهُ ذَلِك، وَقَالَ:
стр. 2838
(أهل) الشَّام يَفْعَلُونَهُ. قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَهُوَ من العزمات والتذكير بِاللَّه، و (السماح) بذلك مأثور عَن السّلف، وَقَالَ الْحَافِظ زَكى الدَّين فِي الْجُزْء الَّذِي خرجه فِي التَّلْقِين بعد أَن سَاقه: وَفِيه بعد الشَّهَادَتَيْنِ «وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا، وَأَن الله (يبْعَث) من فِي الْقُبُور» . قَالَ أَبُو نعيم الْحداد: هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث حَمَّاد بن زيد، مَا كتبته إِلَّا من حَدِيث سعيد (الْأَزْدِيّ) ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سعيد (الْأَزْدِيّ) عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رَوَى عَنهُ ... سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: هَكَذَا قَالَ: (الْأَزْدِيّ) وَوَقع فِي روايتنا «الأودي» ، وَهُوَ مَعْنَى الْمَجْهُول، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء» : سعيد (الْأَزْدِيّ) لم أر لَهُ ذكر فِي الضُّعَفَاء وَلَا غَيرهم. قلت: لَكِن حَدِيثه هَذَا لَهُ شَوَاهِد يعتضد بهَا - والغريب أَن الشَّيْخ زَكى الدَّين لم يذكر فِي مُصَنفه الْمَذْكُور مِنْهَا غير حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ وَحده - مِنْهَا حَدِيث: «واسألوا لَهُ (التثبيت) » وَقد سلف.
وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ أَنه قَالَ: «إِذا دفنتموني فسنوا عَلّي التُّرَاب سنّا، ثمَّ أقِيمُوا حول قَبْرِي قدر مَا ينْحَر جزور وَيقسم لَحمهَا؛ حَتَّى أستأنس بكم، وَأعلم مَاذَا أراجع رسل رَبِّي» . رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» فِي كتاب الْإِيمَان، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل.
стр. 2839
«سنوا» : رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ وبالمهملة، وَكِلَاهُمَا مُتَقَارب الْمَعْنى صَحِيح.
وَالْجَزُور - بِفَتْح الْجِيم - من الْإِبِل، والجزرة من غَيرهَا. ذكره عِيَاض، وَفِي كتاب «الْعين» : الجزرة من الضَّأْن والمعز خَاصَّة.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث مُحَمَّد بن حمْرَان، عَن عَطِيَّة الرعاء، عَن الحكم بن الْحَارِث السّلمِيّ «أَنه غزا مَعَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث غزوات، قَالَ: قَالَ لنا: إِذا دفنتموني ورششتم عَلَى قَبْرِي المَاء فَقومُوا عَلَى قَبْرِي، واستقبلوا الْقبْلَة، وَادعوا لي» .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» قَالَ: سَأَلت (أبي عَن حَدِيث) ثُمَامَة بن النَّضر بن أنس (قَالَ: (كَانَ أنس) إِذا شهد جَنَازَة الْأَخ من إخوانه وقف عَلَى قَبره بعد أَن يدْفن، فَيَقُول: جَاف الأَرْض عَن (جَنْبَيْهِ) » . فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ عَن ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا، من حَدِيث مُبشر بن إِسْمَاعِيل، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْعَلَاء بن اللَّجْلَاج، عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ أبي: «يَا بني، إِذا أَنا مت فألحدني، فَإِذا وَضَعتنِي فِي لحدي فَقل: باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله. ثمَّ سنّ عليّ التُّرَاب سنًّا، ثمَّ اقْرَأ
стр. 2840
عِنْد رَأْسِي بِفَاتِحَة الْبَقَرَة وخاتمتها، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك» . (وَعبد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ مُبشر بن إِسْمَاعِيل الْحلَبِي) ، لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور من حَدِيث (إِبْرَاهِيم بن بكر بن عبد الرَّحْمَن) ، عَن إِدْرِيس الأودي، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «حضرت ابْن عمر فِي جَنَازَة، فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ: باسم الله، وَفِي سَبِيل الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله، فَلَمَّا أَخذ فِي اللَّبِن عَلَى اللَّحْد قَالَ: اللَّهُمَّ أجرهَا من الشَّيْطَان، وَمن عَذَاب الْقَبْر. فَلَمَّا سُوَى اللَّبن عَلَيْهَا قَامَ إِلَى جَانب الْقَبْر، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جنبيها، وَصعد روحها، ولقها مِنْك رضواناً. فَقلت: أشيئًا سمعته من رَسُول الله ﷺ أم شَيْئا قلته من رَأْيك؟ قَالَ: إِنِّي إِذا لقادر عَلَى القَوْل، بل سَمِعت من رَسُول الله ﷺ » . وَإِدْرِيس هَذَا مَجْهُول. قَالَه أَبُو حَاتِم،
следующие страницы →