Полный текст (6 131 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
«عد الصغار مَعَ الْكِبَار» . وَلم يعزه النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» وَلَا الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه، وَأوردهُ الْمَاوَرْدِيّ فِي «حاويه» مَرْفُوعا؛ فَقَالَ: رَوَى مُحَمَّد بن إِسْحَاق (عَن) ابْن حزم، عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لساعيه: «عد عَلَيْهِم صغارها وكبارها، وَلَا تَأْخُذ هرمة وَلَا ذَات عوار» . كَذَا رَأَيْته (فِيهِ) .
قلت: وَقد سلف فِي الحَدِيث الثَّانِي من أَحَادِيث الْبَاب عَن (عليّ) أَنه قَالَ: «من اسْتَفَادَ مَالا فَلَا زَكَاة فِيهِ حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول» . وَهُوَ يُخَالف مَا ذكره الرَّافِعِيّ وَغَيره عَن عَلّي. قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» وَقَوله: «عد الصغار» هُوَ بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا وَضمّهَا، وَكَذَا مَا أشبهه مِمَّا هُوَ مضعف مضموم الأول كشد وَشبهه، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
стр. 2977
بَاب: أَدَاء الزَّكَاة وتعجيلها
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثاراً. أما الْأَحَادِيث فأحد عشر حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
«أَن رَسُول الله ﷺ وَالْخُلَفَاء بعده كَانُوا يبعثون السعاة لأخذ الزَّكَاة» .
هَذَا صَحِيح مَشْهُور عَنْهُم؛ فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ بعث عمر بن الْخطاب عَلَى الصَّدَقَة» .
وَفِيهِمَا أَيْضا: عَن أبي حميد عبد الرَّحْمَن السَّاعِدِيّ قَالَ: «اسْتعْمل رَسُول الله ﷺ رجلا من الأزد عَلَى صدقَات بني سليم يُدعَى ابْن اللتبية فَلَمَّا جَاءَ حَاسبه» .
وَفِيهِمَا أَيْضا: عَن عمر رضى الله عَنهُ أَنه اسْتعْمل (ابْن) السَّعْدِيّ، واسْمه عَمْرو بن وقدان (الْمَالِكِي) عَلَى الصَّدَقَة» .
стр. 2978
وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» : «أَنه ﵇ بعث أَبَا مسعودٍ الْأنْصَارِيّ ساعيًا» وَفِيه: «إِن زيادًا أَو بعض الْأُمَرَاء أرسل عمرَان بن حُصَيْن ساعيًا» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم، وَقَالَ: «إِن زيادًا - أَو ابْن زِيَاد - بعث عمرَان بن الْحصين ساعيًا، فجَاء وَلم يرجع مَعَه دَرَاهِم، فَقَالَ لَهُ: أَيْن المَال؟ قَالَ: وللمال أرسلتني؟ أخذناها كَمَا [كُنَّا] نأخذها عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ ، ووضعناها فِي الْموضع الَّذِي كُنَّا نضعها عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ » . (ثمَّ) قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث أبي عَمْرو بن حَفْص بن الْمُغيرَة لما قَالَ عمر: «إِنِّي أعْتَذر إِلَيْكُم من خَالِد بن الْوَلِيد، وَإِنِّي أَمرته أَن يحبس هَذَا المَال عَلَى ضعفة الْمُهَاجِرين، فَأعْطَاهُ ذَا الْبَأْس، و (ذَا) الشّرف، وَذَا اللِّسَان، فنزعته وأمَّرت أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح. قَالَ: وَالله لقد نزعت عَاملا اسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ ... » الحَدِيث.
وَفِيه أَيْضا: من حَدِيث عَائِشَة «أَنه ﵊ بعث أَبَا جهم بن حُذَيْفَة (مُصدقا) فلاجَّه رجل بِصَدَقَتِهِ فَضَربهُ [أَبُو جهم] فَشَجَّهُ» . الحَدِيث.
стр. 2979
وَفِيه أَيْضا: «أَنه ﵇ بعث عقبَة بن عَامر ساعيًا، قَالَ: فاستأذنته أَن آكل من الصَّدَقَة فَأذن لي» .
فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة.
وَفِيه أَيْضا: من حَدِيث (قُرَّة) بن دعموص النميري قَالَ: «بعث رَسُول الله ﷺ الضَّحَّاك بن قيس ساعيًا» .
وَفِي «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» : «أَنه ﵇ بعث قيس بن سعد (بن) عبَادَة ساعيًا» . ثمَّ قَالَ: إِنَّه عَلَى شَرط مُسلم. وَفِيه نظر؛ فَإِن رَاوِيه عَن قيس بن (سعد) هُوَ عَاصِم بن عمر، وَهُوَ لم يدْرك قيسا، نبه عَلَيْهِ الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره لَهُ.
وَفِيه أَيْضا فِي كتاب الْفَضَائِل، فِي تَرْجَمَة (عبَادَة) بن الصَّامِت: «أَنه ﵊ بَعثه عَلَى (أهل) الصَّدقَات» . ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَتعقبه الذَّهَبِيّ فَقَالَ: (إِنَّه) مُنْقَطع؛ لِأَنَّهُ عَن ابْن طَاوس، عَن أَبِيه، عَنهُ.
قَالَ أَبُو نعيم فِي «الْمعرفَة» : «وَبعث النَّبِي ﷺ الْوَلِيد بن عقبَة بن (أبي) معيط إِلَى بني المصطلق ساعيًا» .
стр. 2980
وَرَوَى الشَّافِعِي: «أَن أَبَا بكر وَعمر كَانَا يبعثان عَلَى الصَّدَقَة» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ.
الحَدِيث الثَّانِي
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ»
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته كَمَا سلف أول الْوضُوء.
الحَدِيث الثَّالِث
يرْوَى أنَّه ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي المَال حق سُوَى الزَّكَاة» .
هَذَا الحَدِيث قَالَ فِيهِ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : أَصْحَابنَا يَرْوُونَهُ فِي تعاليقهم، لست أحفظ لَهُ إِسْنَادًا.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا حَدِيث ضَعِيف جدًّا لَا يعرف. قلت: قد أخرجه ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» ، من حَدِيث شريك، عَن أبي حَمْزَة - بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة - عَن الشّعبِيّ، عَن فَاطِمَة بنت قيس أَنَّهَا سَمِعت تَعْنِي - النَّبِي ﷺ يَقُول: «لَيْسَ فِي المَال حق سُوَى الزَّكَاة» .
وَكَذَا عزاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» إِلَيْهِ، وَقَالَ: هَكَذَا هُوَ فِي النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا روايتنا بِهَذَا اللَّفْظ، وَقد (أدرجه تَحت) تَرْجَمَة: مَا أُدي زَكَاته فَلَيْسَ بكنز، قَالَ: وَهُوَ دَلِيل عَلَى أَن لفظ الحَدِيث كَذَلِك.
стр. 2981
قلت: وَكَذَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» سَوَاء، وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد رُوِيَ بِهِ حَدِيث (فِي ضد) هَذَا الْمَعْنى وَهَذَا لَفظه: «إِن فِي المَال حقًّا سُوَى الزَّكَاة» رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ، وَأَبُو حَمْزَة مَيْمُون الْأَعْوَر يضعف. قَالَ: وَرَوَاهُ بَيَان وَإِسْمَاعِيل بن سَالم عَن الشّعبِيّ قَوْله، وَهَذَا أصح.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : يرويهِ رجلَانِ ضعيفان.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عقب مقَالَته السالفة: وَرُوِيَ فِي مَعْنَاهُ أَحَادِيث (مِنْهَا) حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس «أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ أَو قَالَت: سُئل - عَن هَذِه الْآيَة: (فِي أَمْوَالهم حق مَعْلُوم) قَالَ: «إِن فِي المَال حقًّا سُوَى الزَّكَاة» وتلا هَذِه الْآيَة: (لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم (إِلَى قَوْله تَعَالَى: (وَآتَى الزَّكَاة (.
ثمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيث يعرف بِأبي حَمْزَة مَيْمُون الْأَعْوَر كُوفِي، وَقد جرحه أَحْمد وَيَحْيَى فَمن بعدهمَا من حفاظ الحَدِيث.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، عَن هشيم، عَن عذافر، عَن الْحسن، عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا: «من أَدَّى
стр. 2982
زَكَاة مَاله فقد أدّى الْحق الَّذِي عَلَيْهِ، وَمن زَاد فَهُوَ أفضل» .
وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَفعه: «إِذا أدّيت الزَّكَاة فقد قضيت مَا عَلَيْك، وَمن جمع مَالا حَرَامًا ثمَّ تصدق بِهِ، لم يكن لَهُ فِيهِ أجر، وَكَانَ (إصره) عَلَيْهِ» .
وَرَوَى التِّرْمِذِيّ هَذَا، وَقَالَ: غَرِيب.
وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، (رَفعه) : «إِذا أدّيت زَكَاة مَالك فقد أذهبت عَنْك شَره» . قَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفًا، وَالْمَوْقُوف أصح، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. قَالَ: وَشَاهده حَدِيث أبي هُرَيْرَة. قَالَ: وَهُوَ شَاهد صَحِيح.
الحَدِيث الرَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «فِي كل أَرْبَعِينَ من الْإِبِل السَّائِمَة بنت لبون، (من أَعْطَاهَا) مُؤْتَجِرًا فَلهُ أجرهَا، وَمن منعهَا فإِنَّا آخِذُوهَا وَشطر مَاله، عَزمَة من عَزمَات رَبنَا، لَيْسَ لآل مُحَمَّد مِنْهَا شَيْء» .
стр. 2983
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ، من حَدِيث بهز - بالزاي - ابْن (حَكِيم) - بِفَتْح أَوله - بن مُعَاوِيَة بن حيدة - بِفَتْح الْحَاء (الْمُهْملَة) ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة - عَن أَبِيه، عَن جده، عَن رَسُول الله ﷺ ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لَهُم، إِلَّا أَن أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ قَالُوا: «شطر (إبِله» بدل) «مَاله» وَإِلَّا أَحْمد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فَقَالُوا: «لَا يحل لآل مُحَمَّد مِنْهَا شَيْء» بدل «لَيْسَ» .
وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَحِيح إِلَى بهز، وَاخْتلف الْحفاظ فِي الِاحْتِجَاج بِحَدِيث بهز، فَقَالَ يَحْيَى بن معِين: هُوَ ثِقَة. وَسُئِلَ أَيْضا عَن أَبِيه عَن جده؟ فَقَالَ: إِسْنَاده صَحِيح إِذا كَانَ دونه ثِقَة.
قلت: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَنهُ أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَيَحْيَى بن سعيد، ومعتمر، وَعبد الْوَارِث. وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: ثِقَة. وَكَذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي: هُوَ عِنْدِي حجَّة. وَقَالَ مرّة أُخْرَى: أَحَادِيثه صِحَاح وَحسن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة
стр. 2984
وَالسَّلَام حبس رجلا فِي تُهْمَة فخلى سَبيله» وَقَالَ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد عَلَى مَا قدمنَا ذكره من تَصْحِيح هَذِه الصَّحِيفَة وَلم يخرجَاهُ. وَأَشَارَ الْحَاكِم بذلك إِلَى مقَالَته فِي أول كتاب الْإِيمَان: لَا أعلم خلافًا بَين أَكثر أَئِمَّة أهل النَّقْل فِي عَدَالَة بهز بن حَكِيم وَأَنه يجمع حَدِيثه. قَالَ: وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح.
قلت: وَإِن كَانَ (قَالَ) فِي حَقه: خَارِجَة مُخْتَلفُونَ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «الضُّعَفَاء» : بهز كَانَ يُخطئ كثيرا. (فَأَما أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فَإِنَّهُمَا يحتجان بِهِ ويرويان عَنهُ) ، وَتَركه جمَاعَة من أَصْحَابنَا وأئمتنا، وَلَوْلَا هَذَا الحَدِيث لَأَدْخَلْنَاهُ فِي الثِّقَات، وَهُوَ مِمَّن أستخير الله فِيهِ.
وَاعْترض الذَّهَبِيّ عَلَيْهِ فِي هَذِه الْعبارَة، فَقَالَ فِي «الْمِيزَان» : مَا تَركه عَالم قطّ، وَإِنَّمَا (اخْتلفُوا) فِي الِاحْتِجَاج بِهِ.
قلت: سَيَأْتِي (أَي) عَن بَعضهم عدم الِاحْتِجَاج بِهِ (كَمَا) قَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ فِي رواياته، وَلم أر أحدا تخلف عَنهُ فِي الرِّوَايَة من الثِّقَات، وَلم أر لَهُ حَدِيثا مُنْكرا، وَأَرْجُو أَنه إِذا حدث عَنهُ ثِقَة فَلَا بَأْس بحَديثه، وَرَوَى عَنهُ ثِقَات النَّاس وَجَمَاعَة من الْأَئِمَّة.
стр. 2985
وعدهم، وَقَالَ صَالح جزرة: بهز عَن أَبِيه عَن جده إِسْنَاد أَعْرَابِي. وَقَالَ أَحْمد بن بشير: أَتَيْته فَوَجَدته يلْعَب بالشطرنج. وَنقل الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» عَن الْحَاكِم أَنه (قَالَ) : هُوَ ثِقَة، إِنَّمَا أسقط من الصَّحِيح؛ لِأَن رِوَايَته عَن أَبِيه عَن جده شَاذَّة لَا متابع لَهُ عَلَيْهَا. قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: هُوَ شيخ يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَالح وَلكنه لَيْسَ بالمشهور. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَيْسَ بِحجَّة. وَقَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» : هَذَا خبر لَا يَصح؛ لِأَن بهز بن حَكِيم غير مَشْهُور بِالْعَدَالَةِ ووالده كَذَلِك. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر (مِنْهُ) : بهز لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَحَكِيم ضَعِيف.
وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى أبي حَاتِم فِي قَوْله: «لَا يحْتَج بِهِ» ، فَقَالَ: يَنْبَغِي أَن لَا يقبل مِنْهُ إِلَّا بِحجَّة، وبهز ثِقَة عِنْد من علمه. وَقد وَثَّقَهُ غير من ذكر؛ كَابْن الْجَارُود وَالنَّسَائِيّ، وَصحح التِّرْمِذِيّ رِوَايَته عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ (أَبُو) جَعْفَر السبتي: إِسْنَاد بهز عَن أَبِيه عَن جده صَحِيح. قَالَ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن: سَأَلت ابْن معِين: هَل رَوَى شُعْبَة عَن بهز؟ قَالَ: نعم رَوَى عَنهُ حَدِيث « (أَتَرْعَوْنَ) عَن ذكر الْفَاجِر» وَقد كَانَ شُعْبَة متوقفًا عَنهُ، فَلَمَّا رَوَى هَذَا الحَدِيث كتبه وأبرأه مِمَّا اتهمه بِهِ. قلت: فكم لَهُ عَن أَبِيه عَن جده؟ قَالَ: أَحَادِيث. قلت لأبي عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل: مَا
стр. 2986
تَقول فِي بهز؟ قَالَ: سَأَلت غندرًا عَنهُ فَقَالَ: ثِقَة كَانَ شُعْبَة مَسّه، ثمَّ تبين مَعْنَاهُ فَكتب عَنهُ. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَ من خِيَار النَّاس. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَلَيْسَ بضار لَهُ حِكَايَة الشطرنج الْمُتَقَدّمَة فَإِن استباحته مَسْأَلَة فقهية (مشتبهة) .
قلت: وَمن أغرب الْعبارَات (فِيهِ) قَول ابْن الطلاع فِي أَوَائِل «أَحْكَامه» : بهز بن حَكِيم مَجْهُول عِنْد بعض أهل الْعلم، وَأدْخلهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْوضُوء فَدلَّ عَلَى أَنه مَعْرُوف. وَلَا أعلم أحدا أطلق هَذِه الْعبارَة عَلَيْهِ، وَأما طعن (ابْن) حزم فِي وَالِده فَفِيهِ وَقْفَة، فقد قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة. وعلق عَنهُ البُخَارِيّ وَعَن وَالِده فِي الصَّحِيح، وَرَوَى لَهما فِي الْأَدَب خَارجه.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : قَالَ الشَّافِعِي: وَلَا يثبت أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ أَن تُؤْخَذ الصَّدَقَة وَشطر إبل (الغال) لصدقته، وَلَو ثَبت قُلْنَا بِهِ.
وَهَذَا تَصْرِيح من الإِمَام الشَّافِعِي بِأَن أهل الحَدِيث ضعفوا هَذَا الحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث قد أخرجه أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» ، فَأَما البُخَارِيّ وَمُسلم فَإِنَّهُمَا لم [يخرجَاهُ جَريا عَلَى عَادَتهمَا فِي أَن
стр. 2987
الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ إِذا لم يكن لَهُ إِلَّا راو وَاحِد لم] يخرّجا حَدِيثه فِي الصَّحِيح، وَمُعَاوِيَة بن حيدة [الْقشيرِي] لم يثبت عِنْدهمَا رِوَايَة ثِقَة عَنهُ، غير ابْنه، فَلم يخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيح.
وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك الْمُنْذِرِيّ، فَقَالَ فِي «حَوَاشِي السّنَن» : بهز ثِقَة، وجده مُعَاوِيَة بن حيدة (الْقشيرِي) صحبته مَشْهُورَة، وَمُعَاوِيَة بن حيدة لم تثبت عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم رِوَايَة ثِقَة عَنهُ، غير ابْنه.
وَهَذَا الْكَلَام معترض عَلَيْهِ من وَجْهَيْن؛ أَحدهمَا: أَن دَعْوَى عَادَتهمَا فِي أَن الصحأبي أَو التَّابِعِيّ إِذا لم يكن لَهُ إِلَّا راو واحدٍ لم يخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيح لم يثبت، وَقد أبطل ذَلِك الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْمصْرِيّ فِي كِتَابه الَّذِي يبين فِيهِ أَوْهَام «الْمدْخل» للْحَاكِم، وَالْبَيْهَقِيّ فِي هَذِه الْمقَالة [مَعَ] الْحَاكِم، وَذكر ابْن الصّلاح فِي كِتَابه «عُلُوم الحَدِيث» جمَاعَة خرج لَهُم فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُم إِلَّا راو وَاحِد، لَكِن (نقضته) عَلَيْهِ فِي اختصاري لَهُ، فراجع ذَلِك مِنْهُ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات.
وَمِمَّنْ أبطل مقَالَة الْحَاكِم ابْن الْجَوْزِيّ فِي «مَوْضُوعَاته» فَإِنَّهُ قَالَ: هَذِه مجازفة مِنْهُ وَظن، وَهُوَ ظن غلط. ثمَّ ذكر الْأَمْثِلَة الَّتِي
стр. 2988
نقلناها عَن ابْن الصّلاح والِاعْتِرَاض عَلَيْهِ.
الْوَجْه الثَّانِي: أَن قَوْله لم تثبت (عِنْدهمَا) رِوَايَة (ثِقَة) عَنهُ، غير ابْنه، لَيْسَ عَلَى جِهَة النَّقْل عَنْهُمَا بذلك، وَكَأَنَّهُ من بَاب الظَّن.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : وَلَا يتعيَّن أَن يكون تَركهمَا لتخريجه هَذِه الْعلَّة الَّتِي ذكرهَا، فَيجوز أَن يكون ذَلِك لِأَنَّهُمَا لم يريَا بَهْزًا من شَرطهمَا.
تَنْبِيهَانِ: أَحدهمَا: بهز بالزاي كَمَا سلف، وبإسكان الْهَاء وَفتح الْبَاء.
وَقَوله: «مُؤْتَجِرًا» أَي طَالبا لِلْأجرِ. وَقَوله: «عَزمَة» هُوَ بِإِسْكَان الزَّاي، وَهُوَ مَرْفُوع؛ لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: ذَلِك عَزمَة. وَقَوله: « (من) عَزمَات» هُوَ بِفَتْح الزَّاي؛ أَي حقّ لابد مِنْهُ. وَفِي رِوَايَة للبيهقي: «عَزِيمَة» بِكَسْر الزَّاي، ثمَّ يَاء (مثناة تَحت) ، وَالْمَشْهُور «عَزمَة» . وَقَوله: «وَمن منعهَا» هَكَذَا هُوَ بِالْوَاو «وَمن» مَعْطُوف عَلَى أول الحَدِيث وَهُوَ «من أَعْطَاهَا» .
стр. 2989
الثَّانِي: هَذَا الحَدِيث جعله الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب، وَمِنْهُم الْبَيْهَقِيّ فِي كتبه مَنْسُوخا؛ ذكره فِي «سنَنه» و «خلافياته» و «مَعْرفَته» ، وَأَنه كَانَ حِين كَانَت الْعقُوبَة بِالْمَالِ، قَالَ فِي «سنَنه» : وَقد كَانَ تضعف الغرامة عَلَى من سرق فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، ثمَّ صَار مَنْسُوخا. وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي عَلَى نسخه بِحَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِيمَا أفسدت نَاقَته، فَلم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ فِي تِلْكَ الْقِصَّة أَنه أَضْعَف الغرامة، بل نقل فِيهَا حكمه بِالضَّمَانِ فَقَط، فَيحْتَمل أَن يكون هَذَا من ذَلِك.
وضعَّفَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» القَوْل بذلك فَقَالَ: أجَاب الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» - قلت: و «السّنَن» و «الخلافيات» - عَن حَدِيث بهز بِأَنَّهُ مَنْسُوخ. قَالَ: و (هَذَا) الْجَواب ضَعِيف من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مَا ادعوهُ من كَون الْعقُوبَة كَانَت بالأموال فِي أول الْإِسْلَام لَيْسَ بِثَابِت وَلَا مَعْرُوف.
وَالثَّانِي: أَن النّسخ إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِذا علم التَّارِيخ، وَلَيْسَ هُنَا علم بذلك.
قَالَ: وَالْجَوَاب الصَّحِيح تَضْعِيف الحَدِيث كَمَا قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ - رَحمهَا الله تَعَالَى - هَذَا آخر كَلَامه. وَالظَّاهِر حسن الحَدِيث، (فَلهَذَا) احْتج بِهِ (الْأَكْثَرُونَ) كَمَا سلف، وَقد قَالَ هُوَ فِي كِتَابه «تَهْذِيب الْأَسْمَاء» : إِن يَحْيَى بن معِين وَالْجُمْهُور وثقوه
стр. 2990
وَاحْتَجُّوا بِهِ. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد. كَمَا سلف، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: حَدِيث حسن.
وَذكر هَذَا الحَدِيث الإِمَام أَحْمد فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا وَجهه. وَسُئِلَ عَن إِسْنَاده؟ فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَالح الْإِسْنَاد.
وَنقل ابْن الْأَثِير فِي كِتَابه «جَامع الْأُصُول» وَكَذَلِكَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه «جَامع المسانيد» ، عَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ الْحَافِظ؛ أَنه قَالَ: غلط الرَّاوِي فِي لفظ رِوَايَة هَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا هُوَ «شطر مَاله» يَعْنِي أَنه يَجْعَل (مَاله) شطرين فَيتَخَيَّر عَلَيْهِ الْمُصدق، (وَيَأْخُذ) الصَّدَقَة من خير الشطرين؛ عُقُوبَة لمَنعه الزَّكَاة، فَأَما مَا لَا يلْزمه فَلَا.
قَالَ ابْن الْأَثِير: وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه رَجَعَ إِلَى هَذَا الحَدِيث فِي الْقَدِيم، وَخَالفهُ فِي الْجَدِيد وَجعله مَنْسُوخا؛ فَإِن ذَلِك كَانَ حَيْثُ كَانَت الْعقُوبَة بِالْمَالِ ثمَّ نسخ.
قَالَ: وَهَذَا القَوْل من الشَّافِعِي يرد مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَرْبِيّ (من تغليط) الرَّاوِي، فَإِن الشَّافِعِي جعله (حجَّة) لقَوْله الْقَدِيم.
الحَدِيث الْخَامِس
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا جلب وَلَا جنب» .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق: إِحْدَاهَا: من حَدِيث ابْن إِسْحَاق،
стр. 2991
عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا جلب وَلَا جنب، وَلَا تُؤْخَذ صَدَقَاتهمْ إِلَّا فِي دُورهمْ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة من «سنَنه» كَذَلِك (ثمَّ) رُوِيَ (عَن) مُحَمَّد بن إِسْحَاق (أَن) مَعْنَى «لَا جلب» أَن تصدق الْمَاشِيَة فِي موَاضعهَا، وَلَا تجلب إِلَى الْمُصدق، و «لَا جنب» (لَا) يكون الْمُصدق بأقصى مَوَاضِع أَصْحَاب الصَّدَقَة فتجنب إِلَيْهِ، وَلَكِن تُؤْخَذ فِي مَوْضِعه.
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، من حَدِيث ابْن إِسْحَاق أَيْضا، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده عبد الله بن عَمْرو قَالَ: «لما دخل رَسُول الله ﷺ عَام الْفَتْح قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاس ... » فَذكر حَدِيثا، وَفِيه: «لَا جلب وَلَا جنب» (وَفِيه) : «وَلَا تُؤْخَذ صَدَقَاتهمْ إِلَّا فِي دَارهم» .
ثَانِيهَا: من حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ، عَن عمرَان بن الْحصين، مَرْفُوعا بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي
стр. 2992
(النِّكَاح) ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح بِزِيَادَة: «وَلَا شغار فِي الإِسْلام، و (من) انتهب نهبة فَلَيْسَ منا» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح.
وَرَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» أَيْضا. قلت: وَسَمَاع الْحسن من عمرَان مُخْتَلف فِيهِ، ذكر (عَلّي) بن الْمَدِينِيّ وَأَبُو حَاتِم الرازى وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة أَنه لم يسمع مِنْهُ. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَلم يثبت مَا رُوِيَ (من قَوْله) : «أَخذ عمرَان بيدى» قَالَ: وَقد أنكر أَحْمد بن حَنْبَل عَلَى مبارك بن فضَالة قَوْله فِي غير حَدِيث: (عَن) الْحسن، ثَنَا عمرَان. وَأَصْحَاب الْحسن غَيره لَا يَقُولُونَ ذَلِك، وَكَانَ كثير التَّدْلِيس. وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَاخِر كِتَابه: الَّذِي عِنْدِي أَنه سمع مِنْهُ، ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ مَا يدل عَلَيْهِ.
стр. 2993
قَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» : زَاد يَحْيَى بن خلف: «فِي الرِّهَان» . (يَعْنِي أَنه ﵇ قَالَ: «لَا جلب وَلَا جنب فِي الرِّهَان» .
وأعلَّ ابْن الْقطَّان هَذِه الرِّوَايَة بِعَنْبَسَةَ بن سعيد الْقطَّان الْمَذْكُور فِي إسنادها، وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تصح قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ضَعِيف الحَدِيث يَأْتِي بالطامات. وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي: كَانَ مختلطًا لَا يرْوَى عَنهُ.
ثَالِثهَا: من حَدِيث أنس رضى الله عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا جلب وَلَا جنب وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام» .
رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي «مسنديهما» ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي «علله» ، وَالنَّسَائِيّ فِي «سنَنه» (ثمَّ) قَالَ: إِنَّه خطأ فَاحش وَالصَّوَاب حَدِيث بشر. يَعْنِي حَدِيث عمرَان؛ ذكره فِي النِّكَاح، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَقَالَ: لَا أعرفهُ إِلَّا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، وَلَا أعلم أحدا رَوَاهُ عَن ثَابت غير معمر، وَرُبمَا قَالَ عبد الرَّزَّاق فِي هَذَا الحَدِيث [عَن
стр. 2994
معمر] عَن ثَابت وَأَبَان (عَن) أنس.
وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلم رَوَاهُ عَن ثَابت عَن أنس (إِلَّا معمر.
قلت: وَقد أخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن كثير عَن الْفَزارِيّ عَن حميد عَن أنس) كَمَا سقناه. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ؟ فَقَالَ: مُنكر جدًّا. وَأما ابْن حبَان فَإِنَّهُ صَححهُ من حَدِيث ثَابت عَن أنس؛ فَقَالَ فِي «صَحِيحه» : حَدثنَا ابْن خُزَيْمَة، نَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، نَا عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن ثَابت، عَن أنس، رَفعه: « (لَا إسعاد فِي الْإِسْلَام) ، وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام، وَلَا عقر فِي الْإِسْلَام، وَلَا جلب وَلَا جنب، وَمن انتهب فَلَيْسَ منَّا» .
رَابِعهَا: من حَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا جلب وَلَا جنب وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام» .
رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن قراد (أبي) نوح، أَنا عبد الله
стр. 2995
بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر
(فَذكره) .
فَائِدَة: فسَّر الرافعيُّ هُنَا «الجلب وَالْجنب» بِأَن قَالَ: أَي لَا يكلفوا بِأَن يجلبوها إِلَى الْبَلَد، وَلَيْسَ لَهُم أَن يجنبوها السَّاعِي فيشقوا عَلَيْهِ. وَقد أسلفنا تَفْسِير ابْن إِسْحَاق أَيْضا.
وَقَالَ مَالك: «الجلب» أَن يتَخَلَّف الْفرس فِي السباق فيحرك وَرَاءه الشَّيْء يستحث بِهِ فَيَسْبق، و «الْجنب» أَن يجنب مَعَ الْفرس الَّذِي يسابق بِهِ فرسا آخر، حَتَّى إِذا دنى تحول (رَاكب الْفرس عَلَى) المجنوب، فَأخذ (السَّبق) ، وَبِهَذَا التَّفْسِير فسّره الرَّافِعِيّ فِي بَاب السَّبق وَالرَّمْي، وَجزم بِهِ (ابْن) الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» .
وَقَالَ ابْن الْأَثِير: لَهُ تفسيران؛ أَحدهمَا فِي الزَّكَاة وَالثَّانِي فِي السَّبق، فذكرهما بِمَعْنى قَول مَالك وَابْن إِسْحَاق.
وَفِي كتاب «الْجِهَاد» للْقَاضِي أبي بكر أَحْمد بن (عَمْرو) بن أبي عَاصِم النَّبِيل، عِنْد ذكر حَدِيث أنس السالف: «لَا جلب وَلَا جنب» الجلب: الرجل يجلب الْفرس خلف الآخر وَهُوَ يعدو، وَالْجنب: الْفرس. . بِجنب الآخر وَهُوَ يَعْدو.
стр. 2996
الحَدِيث السَّادس
عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا أَتَاهُ قوم بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صلِّ عَلَيْهِم، فَأَتَاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ) صلِّ عَلَى آل أبي أَوْفَى» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته كَذَلِك، وَوَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ فِي الأول: «اللَّهُمَّ صلِّ عَلَى آل أبي أوفي» أَيْضا، وَقد أصلح (فِي بعض النّسخ كَمَا) ذَكرْنَاهُ أَولا.
وَأوردهُ القَاضِي حُسَيْن، وَالْمَاوَرْدِيّ بِلَفْظ: «جِئْت إِلَى رَسُول الله ﷺ بصدقات [قومِي] فَقلت: يَا رَسُول الله، ادْع لي. فَقَالَ: اللَّهُمَّ صلِّ عَلَى آل أبي أوفي» .
فَائِدَة: اسْم أبي أوفي عَلْقَمَة بن خَالِد، وَعبد الله ووالده صحابيان، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْكُوفَةِ، مَاتَ بعد الثَّمَانِينَ. وَمَعْنى الصَّلَاة هُنَا الرَّحْمَة، وَآل أبي أوفي قيل: المُرَاد نَفسه، وَمثله: «من مَزَامِير آل دَاوُد» .
стр. 2997
الحَدِيث السَّابِع
عَن عَلّي ﵁ «أَن الْعَبَّاس سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فِي تَعْجِيل صدقته قبل أَن تحل فرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِك» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، من حَدِيث حجاج بن دِينَار، عَن الحكم بن عتيبة، عَن حُجَيَّة - بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، وَفتح الْجِيم، وَتَشْديد الْمُثَنَّاة تَحت وَفتحهَا، ثمَّ هَاء - عَن عَلّي ﵁ مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور. وحجاج هَذَا هُوَ الوَاسِطِيّ، وَثَّقَهُ ابْن الْمُبَارك وَيَعْقُوب بن شيبَة وَالْعجلِي، وَقَالَ يَحْيَى بن معِين وَغَيره: هُوَ صَدُوق. وَخَالف أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ: يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. وَالدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وحُجَيَّة هُوَ ابْن عدي، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: (لَا) يحْتَج بحَديثه، شَبيه الْمَجْهُول، شَبيه بشريح بن النُّعْمَان وهبيرة بن يريم. وَقَالَ
стр. 2998
فِي بابهما حَقّهمَا: شبيهان بالمجهولين لَا يحْتَج بحديثهما. وَقَالَ ابْن حزم (فِي محلاه) فِي حَقه: هُوَ غير مَعْرُوف بِالْعَدَالَةِ. وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: مَا علمت أحدا رَوَى عَنهُ غير سَلمَة بن كهيل.
قلت: قد رَوَى عَنهُ الحكم بن عتيبة كَمَا تقدم، وَأَبُو إِسْحَاق السبيعى. وَقَالَ عبد الْحق: لَا يحْتَج بِهِ. وَأنكر ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق هَذِه الْعبارَة وَقَالَ: حُجَيَّة رجل مَشْهُور رُوِيَ عَنهُ جماعات، وعددهم كَمَا أسلفت قَالَ: رَوَوْا عَنهُ عدَّة أَحَادِيث، وَهُوَ فِيهَا مُسْتَقِيم لم يعْهَد مِنْهُ خطأ وَلَا اخْتِلَاط وَلَا نَكَارَة وَقَالَ فِيهِ الْكُوفِي: إِنَّه تَابِعِيّ ثِقَة. قَالَ: والعالم حجَّة عَلَى الْجَاهِل. وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» فَقَالَ بعد مقَالَة أبي حَاتِم فِيهِ: رَوَى (عَنهُ) (جمَاعَة) وعددهم، وَهُوَ صَدُوق - إِن شَاءَ الله - وَقد قَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة.
قلت: وَلما أخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمَة الْعَبَّاس ﵁ من هَذَا الْوَجْه قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.
وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن حَدِيث حُجَيَّة هَذَا فَقَالَ فِي «علله» : يرويهِ الحكم بن عتيبة، وَاخْتلف عَنهُ، فَرَوَاهُ حجاج بن دِينَار، وَاخْتلف عَن
стр. 2999
حجاج، فَقَالَ: إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا عَنهُ عَن الحكم عَن حُجَيّة عَن عَلّي، (وَقَالَ إِسْرَائِيل: عَن حجاج عَن الحكم عَن (حجر) عَن عَلّي) . وَقَالَ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي: عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس. وَكلهمْ وهم وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ مَنْصُور عَن الحكم عَن الْحسن بن مُسلم بن ينَّاق مُرْسلا، عَن رَسُول الله ﷺ .
قلت: وَطَرِيقَة الحكم عَن (حجر) ذكرهَا التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن دِينَار عَنهُ عَن عَلّي «أَنه ﵊ قَالَ لعمر: إنَّا أَخذنَا من الْعَبَّاس صَدَقَة (الْعَام) عَام الأول» وَالْحكم هَذَا وَقع فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ غير مَنْسُوب، وَنسبه التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته فَقَالَ: (ابْن) جحل وَهُوَ (ثِقَة) كَمَا قَالَ ابْن معِين فِي رِوَايَة.
قَالَ (ابْن) الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : هَذَا الحَدِيث أَقْوَى من الأول. قلت: لَكِن حجر الْعَدوي هَذَا لَا أعرفهُ أصلا، وَهُوَ مِمَّا انْفَرد التِّرْمِذِيّ بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ.
стр. 3000
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : حجر (عَن) عليّ لَا يعرف. وَقَالَ فِي «الكاشف» : حجر عَن عَلّي وَعنهُ رجل وَلم يَصح. وَالتِّرْمِذِيّ خَالف فِي هَذَا فَقَالَ: لَا أعرف حَدِيث تَعْجِيل الزَّكَاة (إِلَّا) من حَدِيث إِسْرَائِيل، عَن حجاج بن دِينَار، إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. قَالَ: وَحَدِيث إِسْمَاعِيل - يَعْنِي الأول - عِنْدِي أصح من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن الْحجَّاج بن دِينَار [وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث] عَن الحكم بن عتيبة، عَن النَّبِي ﷺ [مُرْسلا] .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» : رَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا هشيم، عَن مَنْصُور بن زَاذَان، عَن الحكم، عَن الْحسن بن مُسلم، التَّابِعِيّ - يَعْنِي فَيكون مُرْسلا - قَالَ: وَهَذَا أصح. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، كَمَا أسلفناه عَنهُ: إِنَّه الصَّوَاب.
وَنقل الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن الرّبيع، عَن الشَّافِعِي قَالَ: وَيروَى عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَا أَدْرِي أيثبت أم لَا؟ «أَن النَّبِي ﷺ تسلف صَدَقَة مَال الْعَبَّاس، قبل أَن تحل» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: عَنى بِهِ حَدِيث حجية بن عدي عَن عَلّي السالف،
стр. 3001
ثمَّ ذكر (مثل) مَا أسلفناه عَن الدَّارَقُطْنِيّ، وَهَذِه لَفظه: وَهَذَا حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ عَلَى الحكم بن عتيبة، فَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا، عَن حجاج، عَن الحكم هَكَذَا، وَخَالفهُ إِسْرَائِيل، عَن حجاج فَقَالَ: عَن الحكم عَن حجر الْعَدوي عَن عَلّي. وَخَالفهُ فِي لَفظه فَقَالَ: «قَالَ رَسُول الله ﷺ لعمر: إِنَّا قد أَخذنَا من الْعَبَّاس زَكَاة الْعَام عَام الأول» . وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن (عبيد الله) ، هُوَ الْعَرْزَمِي، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس فِي قصَّة عمر، وَرَوَاهُ الْحسن بن عمَارَة عَن الحكم، عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن طَلْحَة، وَرَوَاهُ هشيم، عَن مَنْصُور (بن) زَاذَان، عَن الحكم، عَن الْحسن بن مُسلم، عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، إِلَّا أَنه قَالَ لعمر فِي هَذِه (الْقِصَّة: «إنّا) كُنَّا تعجلنا صَدَقَة مَال الْعَبَّاس لِعَامِنَا هَذَا عَام أول» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَح من هَذِه الرِّوَايَات، قَالَ: وَاعْتمد الشَّافِعِي فِي هَذَا الْبَاب عَلَى مَا ثَبت (عَن) رَسُول الله ﷺ فِي «الْيَمين» : «فليكفّر عَن يَمِينه، وليأتِ الَّذِي هُوَ خير» ، (ثمَّ) عَلَى مَا ثَبت عَن (بعض) أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك، مِنْهُم عبد الله بن عمر بن الْخطاب: «رُبمَا كفر (عَن) يَمِينه قبل أَن يَحْنَث وَرُبمَا كفّر بَعْدَمَا يَحْنَث» .
стр. 3002
الحَدِيث الثَّامِن
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: « (تسلفت) من الْعَبَّاس صَدَقَة عَاميْنِ) .
هَذَا الحَدِيث مرويٌّ من طرق؛ إِحْدَاهَا: من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِن عَم الرجل صنو أَبِيه، وَإِن النَّبِي ﷺ تعجل صَدَقَة الْعَبَّاس عَاميْنِ فِي عَام» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، من حَدِيث ابْن ذكْوَان، عَن مَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم، عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله (بِهِ) .
وَمُحَمّد بن ذكْوَان هَذَا قَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ضَعِيف كثير الْخَطَأ. وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَابْن حبَان فِي «ثقاته» .
ثَانِيهَا: من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة، عَن طَلْحَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «يَا عمر، أما علمت أَن عَم الرجل صنو أَبِيه، إنَّا كُنَّا احتجنا إِلَى مَال فتعجلنا من الْعَبَّاس صَدَقَة مَاله لِسنتَيْنِ» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، من حَدِيث وليد بن حَمَّاد، عَن
стр. 3003
الْحسن بن زِيَاد، عَن الْحسن بن عمَارَة، عَن الحكم، (عَن) مُوسَى بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف، الْحسن (بن) زِيَاد كَذَّاب، قَالَه غير واحدٍ، وَالْحسن بن عمَارَة أحد الهلكى. قَالَ السَّاجِي: أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه. وَأغْرب الْبَزَّار فَقَالَ فِي «مُسْنده» فِي هَذَا الحَدِيث: سكت أهل الْعلم عَن حَدِيثه.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: اخْتلفُوا فِي هَذَا الحَدِيث عَلَى الحكم فِي إِسْنَاده، وَالصَّحِيح عَن الْحسن بن مُسلم مُرْسل.
ثَالِثهَا: من حَدِيث الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس؛ قَالَ: بعث رَسُول الله ﷺ عمر ساعيًا، قَالَ: فَأَتَى الْعَبَّاس يطْلب صَدَقَة مَاله، قَالَ: فَأَغْلَظ لَهُ الْعَبَّاس (القَوْل) ، فَخرج إِلَى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ، (فَقَالَ) رَسُول الله ﷺ : إِن الْعَبَّاس قد أسلفنا زَكَاة مَاله الْعَام وَالْعَام الْمقبل» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا كَذَلِك، وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف، فِيهِ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي وَقد تَرَكُوهُ.
رَابِعهَا: من حَدِيث الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا «أَنه ﵇ بعث عمر عَلَى الصَّدَقَة، فَرجع (وَهُوَ) يشكو الْعَبَّاس، فَقَالَ: إِنَّه
стр. 3004
مَنَعَنِي صدقته. فَقَالَ ﵇: يَا عمر، أما علمت أَن عمّ الرجل صِنْو أَبِيه، إِن الْعَبَّاس أسلفنا صَدَقَة عَاميْنِ فِي عَام» .
وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف؛ لأجل منْدَل بن عَلّي رَاوِيه عَن الحكم، وَقد ضعفه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ.
خَامِسهَا: من حَدِيث أبي البخْترِي، عَن عَلّي ﵁؛ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِنَّا كُنَّا احتجنا فأسلفنا الْعَبَّاس صَدَقَة عَاميْنِ» .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ، ثمَّ قَالَ: فِيهِ إرْسَال بَين أبي البخترى وَعلي.
قلت: لِأَنَّهُ لم يُدْرِكهُ كَمَا نصَّ عَلَيْهِ شُعْبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم. وَاحْتج الْبَيْهَقِيّ للتعجيل بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنه ﵇ قَالَ: «وَأما الْعَبَّاس فَهِيَ عليَّ وَمثلهَا مَعهَا ... »
стр. 3005
الحَدِيث بِطُولِهِ.
(قَالَ) الْبَيْهَقِيّ: حملُوا هَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه ﵇ كَانَ أخر عَنهُ الصَّدَقَة (عَاميْنِ) من حَاجَة (بِالْعَبَّاسِ) إِلَيْهَا، وَالَّذِي رَوَاهُ وَرْقَاء عَلَى أَنه تسلف مِنْهُ صَدَقَة عَاميْنِ. قَالَ: وَفِي كل ذَلِك دَلِيل عَلَى جَوَاز تَعْجِيل الصَّدَقَة. أما حَدِيث شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الَّذِي قَالَ فِيهِ: «فَهِيَ (عَلّي) صَدَقَة وَمثلهَا مَعهَا» فَإِنَّهُ يبعد من أَن يكون مَحْفُوظًا، (لِأَن) الْعَبَّاس كَانَ (رجلا) من (صلبية) بني هَاشم تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة، فَكيف يَجْعَل رَسُول الله ﷺ مَا عَلَيْهِ من صَدَقَة عَاميْنِ صَدَقَة عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة، عَن أبي الزِّنَاد؛ فَقَالَ فِي الحَدِيث: «فَهِيَ لَهُ وَمثلهَا مَعهَا» وَقد يُقَال: «لَهُ» بِمَعْنى «عَلَيْهِ» ، فروايته مَحْمُولَة عَلَى سَائِر الرِّوَايَات، وَقد يكون المُرَاد بقوله «فَهِيَ عَلَيْهِ» : أَي عَلَى النَّبِي ﷺ . فَيكون مُوَافقا لرِوَايَة وَرْقَاء، وَرِوَايَة وَرْقَاء أولَى بِالصِّحَّةِ؛ لموافقتها الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بالاستسلاف والتعجيل. قَالَ: وَقد رَوَى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع «أَن عبد الله بن عمر كَانَ يبْعَث زَكَاة الْفطر إِلَى الذى
стр. 3006
تجمع عِنْده قبل الْفطر بيومين أَو ثَلَاثَة» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَذهب أَكثر أهل الْعلم إِلَى جَوَاز تَعْجِيل الزَّكَاة.
قلت: فَحصل الِاسْتِدْلَال إِذن من مَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ عَلَى جَوَاز التَّعْجِيل، وَالشَّافِعِيّ يحْتَج بالمرسل إِذا اعتضد بِأحد أُمُور مِنْهَا: أَن يسند من جِهَة أُخْرَى أَو يُرْسل، أَو يَقُول بِهِ بعض الصَّحَابَة أَو أَكثر الْعلمَاء.
وَقد (وجدنَا) هَذِه الْأُمُور؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مَعْنَاهُ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَمَا سلف، وَرُوِيَ مُرْسلا وَمُسْندًا كَمَا سلف فِي الحَدِيث (الَّذِي) قبله أَيْضا، وَقَالَ بِهِ بعض الصَّحَابَة كَمَا سلف عَن ابْن عمر، وَقَالَ بِهِ أَكثر الْعلمَاء كَمَا أسلفناه عَن (التِّرْمِذِيّ) ، فَللَّه الْحَمد.
الحَدِيث التَّاسِع
أنَّه ﷺ قَالَ: « (فِي) خمس من الْإِبِل شَاة، وَلَا شَيْء فِي زيادتها حَتَّى تبلغ عشرا» .
هَذَا الحَدِيث تقدم (بَيَانه) فِي بَاب زَكَاة النعم من حَدِيث ابْن عمر ﵄.
стр. 3007
الحَدِيث الْعَاشِر
أنَّه ﷺ قَالَ فِي حَدِيث أنس: «فِي خمس من الْإِبِل شَاة، فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت مَخَاض» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه بِطُولِهِ فِي الْبَاب الْمَذْكُور أَيْضا.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
قَوْله ﷺ : «فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة» .
هَذَا الحَدِيث هُوَ بعض من حَدِيث ابْن عمر، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره مطولا كَمَا أسلفناه أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور.
وَأما آثَار الْبَاب فخمسة:
أَولهَا: عَن عُثْمَان ﵁؛ أَنه قَالَ فِي الْمحرم: «هَذَا شهر زَكَاتكُمْ، فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فليقض دينه، ثمَّ ليزك مَاله» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» ، وَالشَّافِعِيّ عَنهُ، عَن ابْن شهَاب، عَن السَّائِب بن يزِيد؛ أَن عُثْمَان ﵁ كَانَ يَقُول: «هَذَا شهر زَكَاتكُمْ، فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فليؤد دينه حَتَّى (تخلص) أَمْوَالكُم، فتؤدون مِنْهَا الزَّكَاة» .
وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي «أَحْكَام الْقُرْآن» بِلَفْظ: «فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين
стр. 3008
فليقضه، وأدوا زَكَاة أَمْوَالكُم» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ، عَن الشَّافِعِي كَمَا سلف، وَمن طَرِيق آخر بِإِسْنَاد صَحِيح أَيْضا، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخْبرنِي السَّائِب بن يزِيد «أَنه سمع عُثْمَان بن عَفَّان خَطِيبًا عَلَى مِنْبَر رَسُول الله ﷺ يَقُول: هَذَا شهر زَكَاتكُمْ - وَلم يسم (لي) السَّائِب الشَّهْر، وَلم أسأله عَنهُ، قَالَ: فَقَالَ عُثْمَان: - فَمن كَانَ مِنْكُم عَلَيْهِ دين فليقض دينه حَتَّى تخلص أَمْوَالكُم فتؤدوا مِنْهَا الزَّكَاة» .
ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب (الدَّين هَل يمْنَع) الصَّدَقَة، من كتاب الزَّكَاة، قَالَ: وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «الصَّحِيح» ، عَن أبي الْيَمَان، عَن شُعَيْب، عَن الزُّهْرِيّ، وَكَذَا عزاهُ إِلَى البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه: الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديث «الْمُهَذّب» ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (الإِمَام) ، وَأنكر النَّوَوِيّ فِي «شَرحه للمهذب» عَلَى الْبَيْهَقِيّ هَذَا الْعزو، وَقَالَ: البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِي «صَحِيحه» هَكَذَا، وَإِنَّمَا ذكر عَن السَّائِب بن يزِيد؛ أَنه سمع عُثْمَان بن عَفَّان عَلَى مِنْبَر النَّبِي ﷺ ، لم يزدْ عَلَى هَذَا، ذكره فِي كتاب الِاعْتِصَام فِي ذكر الْمِنْبَر، وَكَذَا ذكره الْحميدِي فِي «جمعه» عَن البُخَارِيّ، كَمَا ذكرنَا. قَالَ: ومقصود البُخَارِيّ بِهِ إِثْبَات الْمِنْبَر. قَالَ: وَكَأن الْبَيْهَقِيّ أَرَادَ: رَوَى البُخَارِيّ أَصله لَا كُله.
стр. 3009
قلت: لَكِن الْبَيْهَقِيّ نَفسه فِي «خلافياته» سرده بِلَفْظِهِ السالف عَن «سنَنه» فَقَالَ: وَعند البُخَارِيّ فِي «الصَّحِيح» ، عَن السَّائِب بن يزِيد؛ أَنه سمع عُثْمَان ... فَذكره سَوَاء. فلعلَّ الْبَيْهَقِيّ ظفر بِهِ كَذَلِك فِي نُسْخَة من نسخ البُخَارِيّ.
الْأَثر الثَّانِي وَالثَّالِث وَالرَّابِع: «أَن سعد بن أبي وَقاص، وَأَبا هُرَيْرَة، وَأَبا سعيد الْخُدْرِيّ، ﵃، سئلوا عَن الصّرْف إِلَى الْوُلَاة الجائرين فَأمروا بِهِ» .
هَذِه الْآثَار مَشْهُورَة عَنْهُم، رَوَاهَا سعيد بن مَنْصُور فِي «سنَنه» عَن سُهَيْل بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، قَالَ: «اجْتمع (عِنْدِي) نَفَقَة فِيهَا صدقتى - يَعْنِي بلغت نِصَاب الزَّكَاة - فَسَأَلت (سعد) بن وَقاص وَابْن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَأَبا سعيد الْخُدْرِيّ؛ أَن أقسمها أَو أدفعها إِلَى السُّلْطَان (فأمروني جَمِيعًا أَن أدفعها إِلَى السُّلْطَان) مَا اخْتلف عليَّ (مِنْهُم) أحد» .
وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : «فَقلت لَهُم: هَذَا السُّلْطَان يفعل مَا ترَوْنَ، فأدفع إِلَيْهِ زكاتي؟ فَقَالُوا كلهم: نعم» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَنْهُم وَعَن غَيرهم.
الْأَثر الْخَامِس: «أَن ابْن عمر ﵄ كَانَ يبْعَث صَدَقَة الْفطر إِلَى الَّذِي تجمع عِنْده قبل الْفطر بيومين» .
стр. 3010
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح، رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ كَمَا سلف، وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» ، وَلَفظ (الشَّافِعِي وَمَالك فِي الْمُوَطَّأ) : «بيومين أَو ثَلَاثَة» وَلَفظ البَاقِينَ: «بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ» .
وَفِي البُخَارِيّ: «أَن ابْن عمر كَانَ يُعْطِيهَا الَّذين يقبلونها، وَكَانُوا يُعْطون قبل الْفطر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ» .
стр. 3011
بَاب زَكَاة المعشرات
ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَادِيث واثارًا، أما الْأَحَادِيث فثمانية عشر حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
عَن معَاذ ﵁؛ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «فِيمَا سقت السَّمَاء والبعل والسيل الْعشْر، وَفِيمَا سقِِي بالنضح نصف الْعشْر» يكون ذَلِك فِي التَّمْر وَالْحِنْطَة والحبوب، فَأَما القثاء والبطيخ وَالرُّمَّان والقصب والخضروات فعفو، عَفى عَنهُ رَسُول الله ﷺ .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ، كَمَا (سقناه) الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» من حَدِيث (ابْن) نَافِع، قَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن يَحْيَى بن طَلْحَة، عَن عَمه مُوسَى (بن طَلْحَة) ، عَن معَاذ بِهِ.
والرافعي لم يذكرهُ كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ: تجب الزَّكَاة فِي الأقوات، وعدَّد جملَة مِنْهَا، ثمَّ قَالَ: إِنَّه ﵊ أَخذ الزَّكَاة فِي كثير مِنْهَا، وَألْحق الْبَاقِي بِهِ لشُمُوله مَعْنَى الاقتيات فَذكرت لَك الحَدِيث برمتِهِ.
وَابْن نَافِع هَذَا هُوَ عبد الله بن نَافِع (الصَّائِغ) ، وَهُوَ ثِقَة من
стр. 3012
فرسَان مُسلم وَلينه جماعات، وَإِسْحَاق بن يَحْيَى بن طَلْحَة مَتْرُوك، كَمَا قَالَه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ.
ثمَّ فِيهِ انْقِطَاع أَيْضا؛ لِأَن مُوسَى بن طلحةلم يُدْرِكهُ كَمَا ستعلمه بَعْدُ وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه فِي «مُسْتَدْركه» (بِالْإِسْنَادِ) الْمَذْكُور (ثمَّ) قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَفِيه النّظر الْمَذْكُور. نعم ذكر شَاهدا من حَدِيث أبي مُوسَى ومعاذ، وَسَيَأْتِي، ثمَّ قَالَ: هَذَا شَاهد صَحِيح.
وَفِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة - أحد الهلكى - عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبيد، عَن عِيسَى بن طَلْحَة، عَن معَاذ «أَنه كتب إِلَى النَّبِي ﷺ يسْأَله عَن الخضروات، (وَعَن) الْبُقُول؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْء» . (ثمَّ) قَالَ: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح، وَلَيْسَ يَصح عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْبَاب شَيْء - يعْنى فِي الخضروات - وَالْحسن بن عمَارَة ضَعِيف عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، ضعفه شُعْبَة وَغَيره، وَتَركه ابْن الْمُبَارك، وَإِنَّمَا يرْوَى عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا.
стр. 3013
وَقَالَ ابْن حزم: ذكرُوا آثاًرا فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي (الزَّبِيب) لَيْسَ مِنْهَا شَيْء يَصح، مِنْهَا حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة «عندنَا كتاب معَاذ عَن النَّبِي ﷺ أَنه إِنَّمَا أَخذ الصَّدَقَة من التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَالشعِير» ثمَّ (قَالَ) هَذَا مُنْقَطع؛ لِأَن مُوسَى بن طَلْحَة لم يدْرك معَاذًا (يَعقله) .
الحَدِيث الثَّانِي
أنَّه ﷺ قَالَ: «الصَّدَقَة فِي أَرْبَعَة: فِي التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَالشعِير، وَلَيْسَ فِيمَا سواهَا صَدَقَة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «خلافياته» من حَدِيث (أبي) بُرْدَة، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، ومعاذ بن جبل، رضى الله عَنْهُمَا، حِين بعثهما رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن، يعلمَانِ النَّاس أَمر دينهم: «لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَة (إِلَّا) من هَذِه الْأَرْبَعَة: الشّعير، وَالْحِنْطَة، وَالتَّمْر، وَالزَّبِيب» .
قَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاده صَحِيح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : رُوَاته ثِقَات، وَهُوَ مُتَّصِل.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث مُوسَى
стр. 3014
بن طَلْحَة، عَن عمر بن الْخطاب؛ قَالَ: «إِنَّمَا سنّ رَسُول الله ﷺ الزَّكَاة فِي هَذِه الْأَرْبَعَة: فِي الْحِنْطَة، وَالشعِير، وَالزَّبِيب، وَالتَّمْر» .
وَمن حَدِيث الْعَرْزَمِي - وَهُوَ واه - عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، قَالَ: «سُئِلَ عبد الله بن عَمْرو عَن الْجَوْهَر والدر والفصوص والخرز، وَعَن نَبَات الأَرْض؛ البقل والقثاء وَالْخيَار، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْحجر زَكَاة، وَلَيْسَ فِي الْبُقُول زَكَاة، إِنَّمَا سنّ رَسُول الله ﷺ فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب» .
(وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا؛ وَهَذَا لَفظه: عَن جده عبد الله بن (عَمْرو) قَالَ: «إِنَّمَا سنّ رَسُول الله ﷺ الزَّكَاة فِي هَذِه الْخَمْسَة: فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب) والذرة» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة؛ قَالَ: «عندنَا كتاب معَاذ بن جبل عَن النَّبِي ﷺ ؛ أَنه إِنَّمَا أَخذ الصَّدَقَة من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» أَيْضا، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث قد احْتج بِجَمِيعِ (رُوَاته) . قَالَ: (و) مُوسَى بن طَلْحَة تَابِعِيّ كَبِير (لَا) يُنكر لَهُ (أَنه) يدْرك أَيَّام معَاذ. وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي
стр. 3015
«الْإِلْمَام» ؛ فَقَالَ بعد أَن نقل عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِيهِ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَزعم أَن مُوسَى بن طَلْحَة تَابِعِيّ كَبِير لَا يُنكر أَن يدْرك أَيَّام (معَاذ) : وَفِيمَا قَالَ نظر كَبِير؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث مُوسَى أَنه قَالَ: «عندنَا كتاب معَاذ عَن النَّبِي ﷺ أَنه إِنَّمَا أَخذ الصَّدَقَة من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر» وَهَذَا يشْعر أَنه كتاب، وَذكر أَبُو زرْعَة أَن مُوسَى عَن عمر مُرْسل؛ فَإِن كَانَ لم يدْرك (عمر فَلم يدْرك) معَاذًا. وَقَالَ فِي «الإِمَام» : فِي قَول الْحَاكِم نظر - أَعنِي فِي الِاتِّصَال مَا بَين مُوسَى ومعاذ - وَقد ذكرُوا فِي وَفَاة مُوسَى (أَنَّهَا) كَانَت فِي سنة ثَلَاث وَمِائَة وَقيل: أَربع.
قلت: وَأما ابْن عبد الْبر فَقَالَ فِي «استذكاره» : لم يلق معَاذًا وَلَا أدْركهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بعد تَخْرِيجه: رَوَى هَذَا الحَدِيث عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، عَن سُفْيَان، وَزَاد فِيهِ: قَالَ: «بعث الْحجَّاج بمُوسَى بن الْمُغيرَة عَلَى الْخضر والسواد، فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ من الْخضر الرطاب والبقول، فَقَالَ مُوسَى بن طَلْحَة: عندنَا كتاب معَاذ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه أمره أَن يَأْخُذ من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب. قَالَ: فَكتب إِلَى الْحجَّاج فِي ذَلِك، فَقَالَ: صدق» وَفِي رِوَايَة لَهُ: إِن مُوسَى بن طَلْحَة أعلم من مُوسَى بن الْمُغيرَة. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد؛
следующие страницы →