Полный текст (6 131 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
نَفسك ثمَّ حججْت عَن شبْرمَة» . رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي «مُعْجَمه» ، عَن أَحْمد بن يُوسُف (بن) الضَّحَّاك، نَا عمر بن يَحْيَى، نَا ثُمَامَة، نَا أَبُو الزبير ... فَذكره.
الحَدِيث التَّاسِع
عَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ: «أَتَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: إِن أُمِّي مَاتَت وَلم تحج. فَقَالَ ﵇: حجي عَن أمك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» ، وَكَذَا التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَاقْتصر ابْن (الْأَثِير) فِي «جَامعه» عَلَى عَزْوِه إِلَى التِّرْمِذِيّ فَقَط (وَلَيْسَ) بجيد مِنْهُ.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن امْرَأَة من خثعم قَالَت: يَا رَسُول الله، إِن فَرِيضَة الله عَلَى عباده أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيع أَن يسْتَمْسك عَلَى الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم» .
стр. 3327
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» كَذَلِك إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: «لَا يثبت عَلَى الرَّاحِلَة» بدل «يسْتَمْسك» وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ «يَسْتَوِي» قَالَا: وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع. وَفِي رِوَايَة للبيهقي «يسْتَمْسك» كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ، وَمن الروَاة من جعل هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس، عَن أَخِيه الْفضل، (فَجعله [من] مُسْند الْفضل) . وَفِي رِوَايَة للنسائي « (أَن) امْرَأَة من خثعم سَأَلت رَسُول الله ﷺ غَدَاة جَمْعٍ ... » الحَدِيث. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَنْدَه فِي «كتاب الإرداف» لَهُ فِي آخر الحَدِيث: «فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : إِن هَذَا يَوْم من ملك فِيهِ سَمعه (وبصره) وَلسَانه غفر لَهُ» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى «كَمَا لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين (فقضيته) »
قلت: رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ «أَن رجلا قَالَ: يَا نَبِي الله، إِن ابي مَاتَ وَلم يحجّ أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين أَكنت قاضيه؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فدين الله أَحَق بِالْوَفَاءِ» وَفِي رِوَايَة لَهُ نَحْو هَذِه، وَقَالَ فِيهَا: «وَهُوَ شيخ كَبِير لَا يثبت عَلَى الرَّاحِلَة، وَإِن شددته
стр. 3328
خشيت أَن يَمُوت» وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْفضل وَجعل عوض الْمَرْأَة رجلا، وَأَنه استفتى عَن أمه. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه (أَيْضا) من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أَخِيه الْفضل «أَنه كَانَ (رِدْف) رَسُول الله ﷺ غَدَاة النَّحْر فَأَتَتْهُ امْرَأَة من خثعم فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِن فَرِيضَة الله فِي الْحَج (عَلَى عباده) أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيع أَن يركب أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم فَإِنَّهُ لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين (قَضيته) » . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا بِلَفْظ «فَقَالَت: يَا رَسُول الله، فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك؟ قَالَ: (نعم) ، كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دين (فقضيته) نَفعه» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه الرِّوَايَة لم يذكر فِيهَا أَبُو بكر وَأَبُو زَكَرِيَّا «ابْن عَبَّاس» وَذكره (غَيرهمَا) . قَالَ ابْن حزم: وَأما رِوَايَة «حجي عَنهُ وَلَيْسَ لأحد بعده» فَفِيهَا مَجْهُولَانِ.
فَائِدَة: رَوَى (ابْن) مَاجَه فِي «سنَنه» «أَن أَبَا الْغَوْث - رجل
стр. 3329
من الْفَرْع - استفتى أَيْضا فِي الْحَج عَن أَبِيه، فَقَالَ: (لَهُ) ﵇: حج عَن أَبِيك. قَالَ: وَكَذَلِكَ الصّيام (فِي النّذر) يُقْضَى عَنهُ» . (وَرَوَاهُ) الدولابي فِي «كناه» وَقَالَ: «رجل من خثعم» : (بدل «من الْفَرْع» ) وَفِيه: «يتَصَدَّق عَن الرجل و (يصام) عَنهُ وَلَده إِن كَانَ لَهُ، وَأَخُوهُ وَذُو قرَابَته مِنْهُ، وَالصَّدَََقَة أفضل» وَرَوَاهُ أطول من هَذَا أَبُو نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» .
تَنْبِيه: قَالَ الرَّافِعِيّ بعد أَن ذكر أَن الْإِنْسَان (إِذا مَاتَ) وَلم يجب عَلَيْهِ الْحَج لعدم الِاسْتِطَاعَة هَل يجوز أَن يحجّ عَنهُ، وَذكر أَنه قَالَ فِي «الْوَسِيط» بِالْجَوَازِ، وَاحْتج بِمَا رُوِيَ «أَن امْرَأَة قَالَت لرَسُول الله ﷺ : إِن فَرِيضَة الْحَج عَلَى الْعباد أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيع أَن يحجّ أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلَيْسَ هَذَا الِاحْتِجَاج بِقَوي؛ لِأَن الحَدِيث هُوَ حَدِيث الخثعمية، وَاللَّفْظ الْمَشْهُور فِي حَدِيثهَا: «لَا يَسْتَطِيع أَن يثبت عَلَى الرَّاحِلَة» وَذَلِكَ يدل عَلَى أَن اللَّفْظَة الَّتِي نقلهَا « (أَن) يثبت»
стр. 3330
(مَحْمُول) عَلَى نفي استطاعته الْمُبَاشرَة، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وجوب (الْحَج وَالْمَسْأَلَة) فِيمَن لَا وجوب عَلَيْهِ. قَالَ: وَيجوز أَن يحْتَج لَهُ بِحَدِيث بُرَيْدَة فَإِن الْمَرْأَة قَالَت: «إِن أُمِّي مَاتَت وَلم تحج» وَلم يفصل الْجَواب انْتَهَى.
قلت: فِي الْبَيْهَقِيّ نَحْو (لفظ) «الْوَسِيط» فَإِنَّهُ رَوَى من حَدِيث زيد بن عَلّي بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه، عَن (عبيد الله) بن (أبي) رَافع عَن عَلّي «أَن امْرَأَة من خثعم شَابة قَالَت: يَا رَسُول الله، إِن أبي شيخ كَبِير أَدْرَكته فَرِيضَة الله عَلَى عباده فِي الْحَج لَا يَسْتَطِيع أداءها، فَيُجزئ عني أَن أؤديها عَنهُ؟ قَالَ: نعم» . (وَرَوَاهُ) التِّرْمِذِيّ فِي بَاب «مَا جَاءَ أَن عَرَفَة كلهَا موقف» من هَذَا (الْوَجْه فِي) أثْنَاء حَدِيث طَوِيل «فَقَالَت: إِن أبي شيخ كَبِير وَقد (أَدْرَكته) فَرِيضَة الله فِي الْحَج، أفيجزئ أَن أحج عَنهُ؟ (قَالَ) : حجي عَن أَبِيك» ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح لَا نعرفه من حَدِيث عَلّي إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث مُجَاهِد
стр. 3331
عَن مولَى لِابْنِ الزبير، عَن ابْن الزبير عَن سَوْدَة قَالَت: «جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن أبي شيخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع أَن يحجّ. قَالَ: أرأيتك لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين (فَقضيت) عَنهُ قبل مِنْك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَالله أرْحم، حج عَن أَبِيك» .
الحَدِيث الْحَادِي عشر
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن أُخْتِي نذرت أَن تحج وَمَاتَتْ قبل أَن تحج. فَقَالَ: لَو كَانَ عَلَى (أختك) دين أَكنت قاضيه؟ قَالَ: نعم. قَالَ: (فاقضوا) الله فَهُوَ أَحَق بِالْقضَاءِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» كَمَا سلف فِي «الزَّكَاة» فِي بَاب: «لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول» . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَه من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ، عَن يزِيد الْأَصَم، عَن ابْن عَبَّاس، وَفِيه ذِكْر «الْأَب» بدل «الْأُخْت» وَفِيه « (نعم) حج عَن أَبِيك، فَإِن لم يزده خيرا لم يزده شرًّا» . وَقَالَ ابْن عبد الْبر: تفرد (بِهِ) عبد الرَّزَّاق، وَلَا يُوجد فِي الدُّنْيَا عِنْد أحد غَيره، وخطؤه فِيهِ
стр. 3332
لانفراده بِهِ وَإِن كَانَ ثِقَة، وَهُوَ لفظ مُنكر لَا يشبه لفظ رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ الْبَزَّار: وَلَا نعلمهُ رَوَاهُ إِلَّا الثَّوْريّ من طَرِيق أبي دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة؛ فَجعل الْمُنْفَرد بِهِ هُوَ الثَّوْريّ.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة زيد بن ثَابت ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ) : «إِن الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان لَا يَضرك بِأَيِّهِمَا بدأت» . وَهُوَ من رِوَايَة مُحَمَّد بن (سعيد الْعَطَّار، عَن مُحَمَّد بن) كثير الْكُوفِي، عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن زيد بِهِ، وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف، مُحَمَّد بن كثير لم يَرْضَهُ أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ: (خرقنا حَدِيثه) . وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هَذَا هُوَ المَخْزُومِي الْمَكِّيّ، وَقد ضَعَّفُوهُ.
стр. 3333
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا عَلَى زيد بن ثَابت، رَوَاهُ من حَدِيث هِشَام بن حسان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين «أَن زيد بن ثَابت سُئِلَ: الْعمرَة قبل الْحَج؟ قَالَ: صلاتان لَا يَضرك بِأَيِّهِمَا بدأت» ثمَّ قَالَ: وَقد رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن سَالم، عَن ابْن سِيرِين مَرْفُوعا، وَالصَّحِيح مَوْقُوف.
قلت: كَذَا وَقع فِي الْبَيْهَقِيّ إِسْمَاعِيل بن سَالم، وَالْمَعْرُوف (ابْن) مُسلم كَمَا قَدمته، وَكَذَا صحّح الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقفه عَلَى زيد بن ثَابت، وَعبد الْحق فِي «أَحْكَامه» أَيْضا صحّح وَقفه، وَله طَرِيق ثَان من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن عَطاء، عَن جَابر مَرْفُوعا: «الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان واجبتان» . رَوَاهُ ابْن عدي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من جِهَته ثمَّ قَالَ: ابْن لَهِيعَة غير مُحْتَج بِهِ. وَقَالَ ابْن عدي: غير مَحْفُوظ عَن عَطاء. قَالَ عبد الْحق: وَلَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب - يَعْنِي: فِي إِيجَاب الْعمرَة - (إِلَّا حَدِيث أبي رزين الْعقيلِيّ. وَتبع فِي ذَلِك الإِمَام؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أعلم فِي إِيجَاب الْعمرَة) حَدِيثا أَجود مِنْهُ وَلَا أصح مِنْهُ. وَقد ذكرته فِي « (تحفة) دَلَائِل الْمِنْهَاج» مَعَ عدَّة أَحَادِيث أخر فِي ذَلِك، فَرَاجعهَا مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات.
стр. 3334
الحَدِيث (الثَّالِث) عشر
عَن جَابر ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن الْعمرَة: أَوَاجِبَة؟ قَالَ: لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أولَى» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ إِلَّا أَن التِّرْمِذِيّ قَالَ: «فَهُوَ أفضل» بدل «فَهُوَ أولَى» . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: «وَأَن تعتمر خير لَك» . وَكَذَا لفظ أَحْمد إِلَّا أَنه قَالَ فِي أَوله: « (أَتَى) النَّبِي ﷺ أَعْرَابِي فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَخْبرنِي عَن الْعمرَة، أَوَاجِبَة هِيَ؟ فَقَالَ: لَا، وَأَن تعتمر خير لَك» . (وَذكره) ابْن حزم فِي «محلاه» بِلَفْظ: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْعمرَة: أفريضة هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَأَن تعتمر فَهُوَ خير لَك» . ومداره عَلَى الْحجَّاج بن أَرْطَاة أَبُو أَرْطَاة النَّخعِيّ الْكُوفِي وَقد عرفت حَاله فِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين من بَاب الْأَذَان، وَمِمَّا لم أقدمه هُنَاكَ أَن مُسلما أخرج لَهُ (مَقْرُونا) وَرَوَى لَهُ ابْن حبَان فِي
стр. 3335
«صَحِيحه» وَوَصفه الْخَطِيب بِأَنَّهُ أحد الْحفاظ، وَقَالَ الْعجلِيّ: كَانَ فَقِيها أحد مُفِْتيّ أهل الْكُوفَة، وَكَانَ (فِيهِ تيه) وَكَانَ يَقُول: أهلكني حبُّ الشَّرَف. وَولي قَضَاء الْبَصْرَة، وَكَانَ جَائِز الحَدِيث إِلَّا أَنه صَاحب إرْسَال، وَإِنَّمَا يعيب النَّاس (مِنْهُ) التَّدْلِيس. وَقَالَ ابْن حبَان: تَركه ابْن الْمُبَارك وَيَحْيَى الْقطَّان وَابْن مهْدي وَيَحْيَى بن معِين وَأحمد بن حَنْبَل، وَكَانَ زَائِدَة يَأْمر بترك حَدِيثه، وَقَالَ أَحْمد: يزِيد فِي الْأَحَادِيث ويروي عَمَّن لم يلقهُ لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ أَبُو طَالب عَن أَحْمد: كَانَ من الْحفاظ. قيل (لَهُ) : فلِمَ لَيْسَ هُوَ عِنْد النَّاس بِذَاكَ؟ قَالَ: (لِأَن) فِي (حَدِيثه) زِيَادَة عَلَى أَحَادِيث النَّاس. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: يُدَلس عَن الضُّعَفَاء فَإِذا قَالَ: نَا فلَان (فَلَا) يرتاب. وَقَالَ ابْن عدي: عابوا عَلَيْهِ تدليسه عَن الزُّهْرِيّ وَغَيره، وَرُبمَا أَخطَأ، فَأَما أَن يتَعَمَّد الْكَذِب فَلَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يحْتَج (بِهِ) . وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: رَأَيْته فِي مَسْجِد الْكُوفَة يُحَدِّثهُمْ بِأَحَادِيث الْعَرْزَمِي ويدلسها عَلَى شُيُوخ الْعَرْزَمِي، (والعرزمي) قَائِم يُصَلِّي لَا يعرفهُ
стр. 3336
أحد وَالنَّاس عَلَى حجاج. وَقَالَ ابْن حزم: هُوَ سَاقِط. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: (ناهيك) (فِيهِ) أَي: فِي الضعْف. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: كَانَ لَا يُصَلِّي مَعَ الْمُسلمين فِي الْمَسْجِد، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: أكره مزاحمة البقالين لَا (ينبل) الْإِنْسَان حَتَّى يدع الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة. وَأَنه أنكر السَّلَام عَلَى الْمَسَاكِين وَقَالَ: عَلَى مثل هَؤُلَاءِ (يسلم!) . (فَهَذِهِ أَقْوَال) الْحفاظ فِي الْحجَّاج مصرحة بضعفه وبتدليسه، وَقدمنَا توثيقه فِي بَاب الْأَذَان عَن الثَّوْريّ وَشعْبَة وَغَيرهمَا. وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة عَنهُ، أحدهم: عمر بن عَلّي الْمقدمِي، أخرجه التِّرْمِذِيّ من جِهَته، ومعتمر بن سُلَيْمَان وَأَبُو مُعَاوِيَة، وَعبد الله بن الْمُبَارك، أخرجه عَنْهُم الْحَافِظ أَبُو نعيم (الْأَصْبَهَانِيّ) فِي
стр. 3337
«جمعه لأحاديث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر» وَقَالَ التِّرْمِذِيّ (عقب) إِخْرَاجه لَهُ من الْوَجْه الْمَذْكُور: هَذَا حَدِيث حسن. وَوَقع فِي رِوَايَة (الْكَرْخِي) دون غَيره كَمَا أَفَادَهُ صَاحب «الإِمَام» عَنهُ زِيَادَة الصِّحَّة أَيْضا وَهُوَ مَا نَقله صَاحب «الْأَحْكَام» عَنهُ، وَفِي تَصْحِيحه نظر كَبِير، قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي «محلاه» : هَذَا حَدِيث (بَاطِل) حجاج سَاقِط. وَقَالَ الشَّافِعِي - فِيمَا نَقله التِّرْمِذِيّ -: الْعمرَة سنة، لَا نعلم أحدا رخص فِي تَركهَا، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء ثَابت أَنَّهَا وَاجِبَة، قَالَ الشَّافِعِي: وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ [بِإِسْنَاد] (وَهُوَ) ضَعِيف لَا تقوم بِمثلِهِ الْحجَّة، وَقد بلغنَا عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يُوجِبهَا. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ حجاج بن أَرْطَاة مَرْفُوعا، وَالْمَحْفُوظ إِنَّمَا هُوَ عَن جَابر مَوْقُوف عَلَيْهِ غير مَرْفُوع. قَالَ: وَرُوِيَ عَن جَابر مَرْفُوعا (خلاف) ذَلِك. قَالَ: وَكِلَاهُمَا ضَعِيف. ثمَّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من رِوَايَة غير
стр. 3338
الْحجَّاج بن أَرْطَاة، رَوَاهُ من طَرِيق سعيد بن (عُفَيْر) الْأنْصَارِيّ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب (عَن عبيد الله (عَن) أبي الزبير) عَن جَابر أَنه قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، الْعمرَة فَرِيضَة كَالْحَجِّ؟ قَالَ: لَا، وَأَن تعتمر فَهُوَ خير لَك» كَذَا قَالَ: «عَن عبيد الله» ، وَهُوَ «عبيد الله بن الْمُغيرَة» تفرد بِهِ عَن أبي الزبير، ذكره يَعْقُوب بن سُفْيَان وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم البرقي وَغَيرهمَا، عَن ابْن عفير، عَن يَحْيَى [عَن] (عبيد الله) بن الْمُغيرَة. (وَرَوَاهُ) الباغندي، عَن جَعْفَر بن مُسَافر، عَن (ابْن) عفير (وَقَالَ) عَن يَحْيَى (عَن) عبيد الله بن عمر. وَهَذَا وهم من الباغندي، وَقد رَوَاهُ ابْن أبي دَاوُد، عَن جَعْفَر كَمَا رَوَاهُ النَّاس، وَإِنَّمَا يعرف هَذَا الْمَتْن بالحجاج بن أَرْطَاة، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر قَالَ: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «الْعمرَة تطوع» وَكِلَاهُمَا ضَعِيف. وَكَذَا قَالَ الطَّبَرَانِيّ (لما أخرجه من حَدِيث) سعيد بن عفير: عبيد الله هَذَا
стр. 3339
هُوَ ابْن أبي جَعْفَر الْمصْرِيّ، وَلم يرو هَذَا الحَدِيث عَن (أبي) الزبير إِلَّا هُوَ، تفرد بِهِ يَحْيَى بن أَيُّوب، وَالْمَشْهُور: حَدِيث الْحجَّاج، عَن (مُحَمَّد) بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت، وحجاج بن أَرْطَاة يتفرد بِسَنَدِهِ، وَرَفعه إِلَى رَسُول الله ﷺ من هَذَا الْوَجْه، وَخَالفهُ عبد الْملك بن جريج وَغَيره، فَرَوَوْه عَن ابْن الْمُنْكَدر، عَن جَابر من قَوْله، وَهُوَ الصَّوَاب، وحجاج لَيْسَ يقبل مِنْهُ مَا ينْفَرد بِهِ من الرِّوَايَات لسوء حفظه، وَقلة مراعاته لما يحدث بِهِ، وَكَثْرَة تدليسه، فَكيف إِذا خَالف الثِّقَات وَرفع الْمَوْقُوفَات والمعضلات؟ ! وَقَالَ فِي «الْمعرفَة» : رَفعه ضَعِيف. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : هَذَا حَدِيث ضَعِيف. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب» : فِي تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ لهَذَا الحَدِيث (نظر) ، فَإِن الْحجَّاج بن أَرْطَاة لم يحْتَج بِهِ الشَّيْخَانِ، وَقد ضعفه الْأَئِمَّة.
وَقَالَ صَاحب «الإِمَام» : صحّح التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث وَاعْترض عَلَيْهِ بالْكلَام فِي الْحجَّاج بن أَرْطَاة رافعه، وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا من قَول جَابر. وَقَالَ الإِمَام الظَّاهِرِيّ: اعْترض عَلَى هَذَا الحَدِيث بِأَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : قَول التِّرْمِذِيّ: «إِن هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح» غير مَقْبُول، وَلَا تغتر بِكَلَامِهِ؛
стр. 3340
فقد اتّفق الْحفاظ عَلَى أَنه حَدِيث ضَعِيف، وَدَلِيل ضعفه أَن مَدَاره عَلَى الْحجَّاج بن أَرْطَاة لَا يعرف إِلَّا من جِهَته، وَالتِّرْمِذِيّ إِنَّمَا رَوَاهُ من جِهَته، وَالْحجاج ضَعِيف ومدلس بِاتِّفَاق الْحفاظ، وَقد قَالَ فِي حَدِيثه «عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر» والمدلس إِذا قَالَ فِي رِوَايَته «عَن» (فَلَا) يحْتَج بهَا بِلَا خلاف، كَمَا هُوَ مُقَرر فِي كتب أهل الحَدِيث وَأهل (الْأُصُول) وَلِأَن جُمْهُور الْعلمَاء عَلَى تَضْعِيف الْحجَّاج بِسَبَب آخر غير التَّدْلِيس (فَإِذا) كَانَ (فِيهِ سببان يمْنَع) كل وَاحِد مِنْهُمَا الِاحْتِجَاج بِهِ - وهما الضعْف والتدليس - فَكيف يكون حَدِيثا صَحِيحا، أَو حسنا! وَقد قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيمَا تقدم عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي الْعمرَة شَيْء ثَابت أَنَّهَا تطوع. فَالْحَاصِل من هَذَا كُله أَنه حَدِيث ضَعِيف، وَوَقع فِي «الْمُهَذّب» أَن هَذَا الحَدِيث رَفعه ابْن لَهِيعَة، وَهُوَ ضَعِيف فِيمَا يتفرد بِهِ، وَصَوَابه رَفعه الْحجَّاج بن أَرْطَاة كَمَا أوضحته فِي «تخريجي لأحاديثه» فَرَاجعه مِنْهُ، وَاعْترض عَلَى هَذِه الْعبارَة من وَجْهَيْن آخَرين كَمَا ذكرته فِيهِ.
تَنْبِيهَانِ: أَحدهمَا: هَذَا الحَدِيث قد أسلفناه من حَدِيث عبيد الله بن عمر، عَن أبي الزبير، عَن جَابر قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : وَاعْترض عَلَيْهِ بِتَضْعِيف عبيد الله الْعمريّ المصغر. ورُويَ من طرق أُخْرَى: إِحْدَاهَا: من حَدِيث أبي صَالح الْحَنَفِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ:
стр. 3341
«الْحَج جِهَاد، وَالْعمْرَة تطوع» رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن سعيد بن سَالم، عَن الثَّوْريّ، عَن مُعَاوِيَة بن إِسْحَاق، عَن أبي صَالح بِهِ ثمَّ قَالَ: قلت لَهُ - يَعْنِي بعض المشرقيين - أيثبت (مثل) هَذَا (عَن النَّبِي ﷺ ) ؟ فَقَالَ: هُوَ مُنْقَطع. وَكَذَا قَالَ ابْن حزم أَيْضا: إِنَّه مُرْسل. قَالَ: وَأَبُو صَالح ماهان ضَعِيف كُوفِي قد رَوَى عَنهُ جمَاعَة مشاهير، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ من حَدِيث شُعْبَة، عَن مُعَاوِيَة بن إِسْحَاق، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَوْصُولا وَالطَّرِيق فِيهِ إِلَى شُعْبَة طَرِيق ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حزم: رَوَاهُ عبد الْبَاقِي مُسْندًا بِزِيَادَة أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ كذب بحت من بلايا عبد الْبَاقِي. وَاعْتَرضهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» ، فَقَالَ: عبد الْبَاقِي من كبار الْحفاظ. قلت: لَكِن قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يُخطئ كثيرا (ويُصِرّ) .
ثَانِيهَا: من حَدِيث طَلْحَة بن (عبيد الله) مَرْفُوعا رَوَاهُ ابْن قَانِع أَيْضا وتَورَّكَ ابْن حزم عَلَيْهِ، (فَقَالَ) : اتّفق أَصْحَاب الحَدِيث عَلَى تَركه، وَهُوَ رَاوِي كل بلية وكذبة. وَاعْتَرضهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين (أَيْضا) فَقَالَ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء فَلم ينْفَرد بِهِ. (فَأخْرجهُ)
стр. 3342
ابْن مَاجَه عَمَّن رَوَى (عَنهُ) عبد الْبَاقِي.
ثَالِثهَا: من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة، عَن سَالم الْأَفْطَس، عَن ابْن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا، وَمُحَمّد هَذَا مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن حزم: رُوِيَ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَفِيه عبد الْبَاقِي (وَيَكْفِي) ثمَّ هُوَ عَن ثَلَاثَة مجهولين فِي نَسَقٍ لَا يُدْرى [من هم] . ثمَّ أَطَالَ ابْن حزم فِي ذَلِك بأَشْيَاء أُخَر.
(التَّنْبِيه الثَّانِي) : هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا عَلَى أحد الْقَوْلَيْنِ أَن الْعمرَة سنة، قَالَ الْأَصْحَاب: وَلَو صَحَّ لم يلْزم مِنْهُ عدم وجوب الْعمرَة عَلَى النَّاس كلهم؛ لاحْتِمَال أَن المُرَاد لَيست وَاجِبَة فِي حق السَّائِل لعدم استطاعته. (انْتَهَى) الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب، وَذكر (فِيهِ) اسْتِطْرَادًا حَدِيث «واشترطي الْخِيَار ثَلَاثًا» وسنتكلم عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - (فَإِنَّهُ أليق بِهِ) .
стр. 3343
وَذكر فِيهِ من الْآثَار:
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله - تَعَالَى» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» تَعْلِيقا فَقَالَ: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: «إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله (وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله) » . وأسنده الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان (عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «وَالله إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله (وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله» ) . ثمَّ قَالَ: رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان) بن عُيَيْنَة، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج قَالَ: أخْبرت عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «الْعمرَة وَاجِبَة كوجوب الْحَج من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا» قَالَ الْحَاكِم: وَإِسْنَاده صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ (وَرَوَاهُ) سعيد بن مَنْصُور، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عبد الله بن طَاوس، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «الْحَج وَالْعمْرَة واجبتان» وَعَن سُفْيَان، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس (قَالَ) فِي الْعمرَة وَالْحج: «إِنَّمَا أُمِرَ (بهما) فِي كتاب الله -
стр. 3344
تَعَالَى» . وَرَوَاهُ ابْن حزم من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس (أَنه قَالَ فِي الْعمرَة وَالْحج: «إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله» ثمَّ قَالَ: وَهَذَا عَن ابْن عَبَّاس) من طرق فِي غَايَة الصِّحَّة أَنَّهَا وَاجِبَة كوجوب الْحَج.
стр. 3345
بَاب الْمَوَاقِيت
ذكر فِيهِ من الْأَحَادِيث (سِتَّة) عشر حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
أنَّه ﷺ قَالَ: «عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) كَذَلِك من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄، قَالَ: «قَالَ رَسُول الله ﷺ لامْرَأَة من الْأَنْصَار - سَمَّاهَا ابْن عَبَّاس -: مَا مَنعك أَن تَحُجِّي مَعنا؟ قَالَت: لم يكن لنا إِلَّا ناضحان فحج أَبُو وَلَدهَا وَابْنهَا عَلَى ناضحٍ، وَترك لنا ناضحًا ننضح عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِذا جَاءَ رَمَضَان فاعتمري (فَإِن) عمْرَة فِيهِ تعدل حجَّة» هَذَا لفظ مُسلم، وَلَفظ البُخَارِيّ مثله إِلَّا أَنه قَالَ: « (فَإِن) عمْرَة فِي رَمَضَان حجَّة» أَو نَحوا مِمَّا قَالَ، قَالَ عبد الْحق: وَخرج أَيْضا - أَعنِي فِي هَذَا الحَدِيث - من حَدِيث جَابر تَعْلِيقا، وَلمُسلم فِي طَرِيق أُخْرَى من حَدِيث ابْن عَبَّاس «تقضي حجَّة أَو حجَّة معي» وَسَمَّى الْمَرْأَة: أم سِنَان. قَالَ عبد الْحق: وَأخرج البُخَارِيّ هَذِه الطَّرِيقَة، وَقَالَ: أم
стр. 3346
سِنَان الْأَنْصَارِيَّة. وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي «أكبر معاجمه» ، وللإسماعيلي فِي «مُعْجَمه» ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: حج أَبُو طَلْحَة وَابْنه وتركاني. فَقَالَ (لي) : يَا أم سليم، عمْرَة فِي رَمَضَان تجزئك من حجَّة» وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم فِي « (مُسْتَدْركه» ) ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر «معاجمه» «عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة معي» روياها من حَدِيث مُسَدّد، (و) عَن عبد الْوَارِث بن سعيد، عَن عَامر الْأَحول، عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الْحَاكِم: (صَحِيح) عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
قلت: وعامر هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم، وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَرَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ، ثمَّ الْعقيلِيّ فِي «تَارِيخه» من حَدِيث أنس أَيْضا «عمْرَة فِي رَمَضَان حجَّة معي» ثمَّ قَالَ الْعقيلِيّ: الرِّوَايَة فِي هَذَا ثَابِتَة من غير هَذَا الْوَجْه. وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى رِوَايَة ابْن عَبَّاس،
стр. 3347
وَرَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث أبي طليق «أَن امْرَأَته أم طليق قَالَت: يَا نَبِي الله، مَا يعدل الْحَج مَعَك؟ قَالَ: عمْرَة فِي رَمَضَان» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من رِوَايَة أم معقل الصحابية ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَقَالَ (الْحَاكِم: صَحِيح) عَلَى شَرط مُسلم. قَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: هَذَا الحَدِيث ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب - يَعْنِي: عمْرَة رَمَضَان - عَن ابْن عَبَّاس، وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة [وَأنس] ، ووهب بن خنبش. وَيُقَال: هرم بن خنبش، قَالَ الْخَطِيب فِي «الموضح» : ونقلته (من) خطه: وهب (هَذَا) هُوَ الصَّوَاب، وهرم وهم. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ إِسْحَاق: مَعْنَى هَذَا الحَدِيث مثل مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «من قَرَأَ: (قل هُوَ الله أحد (فقد قَرَأَ ثلث الْقُرْآن» .
فَائِدَة: قد ذكرت لَك أَنه ﵇ قَالَ: «عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة»
стр. 3348
لجَماعَة: أم سِنَان، وَأم سليم، وَأم طليق، وَأم معقل، زَاد الْمُحب فِي «أَحْكَامه» : وَأم الْهَيْثَم.
الحَدِيث الثَّانِي
«أنَّه ﷺ (أَعْمَرَ) عَائِشَة من التَّنْعِيم لَيْلَة المحصّب» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من حَدِيثهَا ﵂ وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أَنه ﵇ قَالَ: «أرْدف أختك - يَعْنِي: عَائِشَة - (فَأَعْمِرْها) من التَّنْعِيم؛ فَإِذا هَبَطت (بهَا) إِلَى الأَكَمَةِ فمُرْهَا فلتُحْرِم؛ فإنَّهَا عمْرَة متقبَّلَة» . وَرَوَى هَذِه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا.
فَائِدَة: التَّنْعِيم - بِفَتْح التَّاء - من الحِلِّ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة عَلَى ثَلَاثَة أميالٍ من مَكَّة، وَقيل: أَرْبَعَة. حَكَاهُ النَّوَوِيّ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: إِنَّه عَلَى فَرسَخ من مَكَّة. وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي «مُعْجَمه» : عَلَى فرسخين مِنْهَا.
стр. 3349
وعبارةُ المنذريِّ وَصَاحب «الإِمَام» : هُوَ بَين مَكَّة وسرف عَلَى فرسخين من مَكَّة. وَقيل: عَلَى أَرْبَعَة أَمْيَال، سُمِّي بذلك؛ لِأَن عَن يَمِينه جبلا يُقَال لَهُ: نعيم، وَعَن شِمَاله جبل يُقَال لَهُ: ناعم، والوادي: نعْمَان. قَالَه الْبكْرِيّ فِي «مُعْجَمه» : وَتَبعهُ النوويُّ، ثمَّ المنذريُّ، ثمَّ صَاحب «الإِمَام» .
الحَدِيث الثَّالِث
«أنَّه ﷺ أعمر عَائِشَة ﵂ فِي سنة وَاحِدَة مرَّتَيْنِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ مطولا ومختصرًا «أَن عَائِشَة ﵂ (أَحرمت) بِعُمْرَة عَام حجَّة الْوَدَاع فَحَاضَت فَأمرهَا النَّبِي ﷺ أَن تحرم بِحَجّ فَفعلت، وَصَارَت قارنة ونسكت الْمَنَاسِك كلهَا، فَلَمَّا طهرت طافت وسعت فَقَالَ لَهَا ﵇: قد حللت من حجك وعمرتك، فطلبت من النَّبِي ﷺ أَن يعمرها عمْرَة أُخْرَى، (فَأذن) لَهَا فَاعْتَمَرَتْ من التَّنْعِيم عُمرة أُخْرَى» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: كَانَت
стр. 3350
عمرتها فِي ذِي الْحجَّة ثمَّ سَأَلته أَن يعمرها فأعمرها فِي ذِي الْحجَّة، فَكَانَت هَذِه عمرتان فِي شهر. وَفِي «سنَن سعيد بن مَنْصُور» عَن سُفْيَان، عَن صَدَقَة بن يسَار، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد «أنَّ عائشةَ اعتمرتْ فِي سنة ثلاثَ مراتٍ، فَقلت: (تعيب) ذَلِك عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: أَعلَى أم الْمُؤمنِينَ؟ !» نَا سُفْيَان، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن سعيد بن الْمسيب «أَن عَائِشَة اعْتَمَرت من الْجحْفَة وَذي الحليفة فِي سنة» وَهَؤُلَاء ثِقَات مشاهير.
الحَدِيث الرَّابِع
(يُرْوَى) أنَّه ﷺ قَالَ: « (إِن) أفضل الْحَج أَن يحرم من دويرة أَهله» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث جَابر بن نوح، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة، (عَن النَّبِي ﷺ ) «فِي قَوْله : (وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله) قَالَ: من تَمام الْحَج أَن تُحْرِم من دُوَيْرة (أهلك) » ثمَّ قَالَ: وَفِي رَفعه نظر. وَذكره الْغَزالِيّ فِي
стр. 3351
«وسيطه» بِلَفْظ «من تَمام الْحَج وَالْعمْرَة أَن تحرم (بهما) من دُوَيْرة أهلك» . قَالَ ابْن الصّلاح: وَهُوَ (يُرْوَى) بِإِسْنَاد (ضَعِيف) .
قلت: وَصَحَّ مَوْقُوفا عَلَى عَلِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي (فِي) آخر الْبَاب.
الحَدِيث الْخَامِس
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ وَقت لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة، وَلأَهل الشَّام الْجحْفَة، وَلأَهل نجد قرن الْمنَازل، وَلأَهل الْيمن (يَلَمْلَمَ) وَقَالَ: هن لَهُنَّ وَلمن أَتَى عَلَيْهِنَّ من غير أهلهن مِمَّن أَرَادَ الْحَج وَالْعمْرَة، وَمن كَانَ (دون) ذَلِك فَمن حَيْثُ أنشأ حَتَّى أهل مَكَّة يهلون مِنْهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِهَذَا اللَّفْظ وَفِي رِوَايَة لَهما «فَمن كَانَ دُونهن فمِنْ أَهْلِه، وَكَذَلِكَ حَتَّى أهل
стр. 3352
مَكَّة يُهلون مِنْهَا» وَأَخْرَجَا قَرِيبا مِنْهُ من رِوَايَة ابْن عمر ﵄، وَذكر الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب قطعا مِنْهُ، فَذكر مِنْهُ مرّة «هن لَهُنَّ وَلمن أَتَى عَلَيْهِنَّ من غَيْرهنَّ» وَمرَّة «فَمن كَانَ يُرِيد الْحَج وَالْعمْرَة» وَمرَّة «فَمن كَانَ دونهن (فمهلُّه) من أَهله» .
فَائِدَة: هَذِه الْمَوَاضِع قد بينتها وَاضِحَة فِي «شرح الْمِنْهَاج» و «تَخْرِيج أَحَادِيث المهذّب» فَرَاجعه مِنْهُمَا. وَوَقع من الرَّافعي أَن بَين الْمَدِينَة وَذي الحليفة ميل (وَهُوَ غَرِيب) وَالْمَعْرُوف أَن بَينهمَا سِتَّة (و) قيل: سَبْعَة. نعم لم ينْفَرد بذلك؛ فقد سبقه إِلَى ذَلِك صَاحب «الشَّامِل» و «الْبَحْر» والبندنيجي فِي «تَعْلِيقه» ، وَقد حَكَى فِي «الشَّرْح الصَّغِير» الْخلاف فِيهِ فَقَالَ: إِنَّه (عَلَى) ميل من الْمَدِينَة، وَقيل: عَلَى سِتَّة أَمْيَال، أَو (سَبْعَة) . وَفِي «الْبَسِيط» (أَنه عَلَى فَرْسَخَيْن مِنْهَا) وَفِي «مَنَاسِك ابْن الْحَاج» : أَنه عَلَى خَمْسَة أَمْيَال أَو سِتَّة مِنْهَا. قَالَ الْمُحب
стр. 3353
الطَّبَرِيّ: والحِسُّ يَرُدُّ مَا قَالُوهُ؛ بل هِيَ فَرسَخ أَو يزِيد قَلِيلا.
قلت: وَأما من جِهَة مَكَّة فَهِيَ عَلَى عشر مراحِل مِنْهَا. قَالَه ابْن الصّلاح، ثمَّ النَّوَوِيّ، قَالَ الرَّافِعِيّ، (و) النَّوَوِيّ: وَهُوَ أبعد الْمَوَاقِيت من مَكَّة، وَفِي حَدِيث رَافع بن خديج: «كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ بِذِي الحليفة من تهَامَة» . قَالَ (الرَّازِيّ) : ذُو الحليفة هَذِه لَيست الْمهل الَّتِي (بِقرب) الْمَدِينَة.
(أُخْرَى: قَالَ الرَّافِعِيّ: السماع الْمُعْتَمد عَن المتقنين فِي قرن هُوَ التسكين، ورأيته مَنْقُولًا عَن أبي عُبَيْدَة وَغَيره، وَرَوَاهُ صَاحب «الصِّحَاح» بِالتَّحْرِيكِ، وَادَّعَى أَن أويسًا مَنْسُوب إِلَيْهِ.
قلت: قَالَ النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» : اتّفق الْعلمَاء عَلَى تغليط الْجَوْهَرِي فِي فتح الرَّاء، وَفِي نِسْبَة أويس إِلَيْهِ. قَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» : وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوب إِلَى «قرن» قَبيلَة من مُرَاد بِلَا خلاف بَين أهل الْمعرفَة، وَقد ثَبت فِي «صَحِيح مُسلم» عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: «أويس بن عَامر من مُرَاد (ثمَّ من مُرَاد إِلَى قَرَنٍ)) .
стр. 3354
الحَدِيث السَّادِس
عَن طَاوس أَنه قَالَ: « [لم يُوَقت] رَسُول الله ﷺ (ذَات عرق) [وَلم] يكن حِينَئِذٍ أهل الشرق أَي مُسلمين» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مُسلم وَسَعِيد، عَن ابْن جريج [قَالَ] : فراجعت عَطاء، فَقلت (لَهُ) : «إِنَّه ﵇ زَعَمُوا - لم يُوَقت ذَات عرق، وَلم يكن أهل مشرق حِينَئِذٍ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ) سمعنَا أَنه وَقت ذَات عرق أَو العقيق لأهل الْمشرق.
قَالَ: (وَلم) يكن عراق وَلَكِن لأهل الْمشرق. وَلم يعزه إِلَى أحد دون النَّبِي ﷺ (وَلكنه يَأْبَى إِلَّا أَن النَّبِي ﷺ ) وَقَّتَهُ» . قَالَ الشَّافِعِي: و (أَنا) مُسلم (بن) خَالِد، عَن ابْن جريج (عَن عَمْرو بن دِينَار) ، عَن ابْن طَاوس، عَن أَبِيه، قَالَ: «لم يُوَقت رَسُول الله
стр. 3355
(ذَات عرق وَلم يكن أهل (مشرق) حِينَئِذٍ فوقت (النَّاس) ذَات عرق» . قَالَ الشافعيُّ: وَلَا أَحْسبهُ إِلَّا كَمَا قَالَ طَاوس. ذكرهمَا عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» ، وَذكر الأول فِي «سنَنه» ثمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيح (عَن عَطاء) ، عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا. وَقد (رَوَاهُ) الْحجَّاج بن أَرْطَاة، - وضَعْفُه ظَاهر - عَن عَطاء وَغَيره فوصله.
فَائِدَة: ذَات عرق عَلَى مرحلَتَيْنِ من مَكَّة. كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ، قَالَ الْحَازِمِي: وَهِي الْحَد بَين نجد وتهامة.
الحَدِيث السَّابِع
فِي «الصَّحِيح» عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: «لما فتح هَذَانِ المصران (أَتَوْا عُمَر) ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَسُول الله ﷺ حَدَّ لأهل نجد قرنا، وَهُوَ جور عَن طريقنا، وَإِنَّا إِن أردناه شقّ علينا،
стр. 3356
(قَالَ) : فانظروا حذوها من طريقكم. فحدَّ لَهُم ذَات عرق» .
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» مُنْفَردا بِهِ، والمصران: الْبَصْرَة والكوفة. (وَالْمرَاد بفتحهما لِأَنَّهُمَا إسلاميتان بُنيا فِي خلَافَة عمر) . وَقَوله: «جور عَن طريقنا» أَي: مائل منحرف، وَمِنْه جور فِي الْأُمُور وَغَيرهَا. وَقَوله: «حذوها» أَي: مَا يدانيها وَيقرب مِنْهَا، وأصل الْمُحَاذَاة الْمُقَابلَة.
الحَدِيث الثَّامِن
عَن عَائِشَة ﵂ «أَن رَسُول الله ﷺ وَقت لأهل الْمشرق ذَات عرق» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمَا» بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة أَفْلح بن حميد (الْمدنِي) ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، عَن عَائِشَة ﵂ «أَن رَسُول الله ﷺ وَقت لأهل الْعرَاق ذَات عرق» هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَلَفظ النَّسَائِيّ «أَنه ﵇ وَقت لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة،
стр. 3357
وَلأَهل الشَّام ومصر الْجحْفَة، وَلأَهل الْعرَاق ذَات عرق، وَلأَهل الْيمن يَلَمْلَم»
وأفلح هَذَا نقل ابْن عدي وَغَيره، عَن (أَحْمد) بن حَنْبَل أَنه أنكر عَلَيْهِ (رِوَايَته) هَذَا الحَدِيث وانفراده بِهِ، (لكنه) ثِقَة (فَلَا يضر تفرده) . فقد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا بَأْس بِهِ. وَنقل عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه سَأَلَ أَبَاهُ عَنهُ، فَقَالَ: صَالح. وَقَالَ ابْن عدي: (هُوَ عِنْدِي) صَالح، وَهَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ الْمعَافى بن عمرَان، عَن الْقَاسِم، عَن عَائِشَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «مِيزَانه» : هُوَ حَدِيث صَحِيح غَرِيب.
قلت: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من (طرق) أُخْرَى غير (طَرِيق) عَائِشَة.
(إِحْدَاهَا) : من طَرِيق جَابر، رَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَه.
стр. 3358
ثَانِيهَا: من طَرِيق الْحَارِث (بن) عَمْرو السَّهْمي الصَّحَابِيّ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» .
ثَالِثهَا: من طَرِيق أنس، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي «أَحْكَام الْقُرْآن» .
رَابِعهَا: من طَرِيق ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي «تمهيده» .
خَامِسهَا: من طَرِيق (عبد الله) بن عَمْرو، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَفِيه: حجاج بن أَرْطَاة.
سادسها: من طَرِيق عَطاء مُرْسلا، (وَهُوَ) كَمَا سلف، وَعَطَاء من كبار التَّابِعين، وَمذهب الشَّافِعِي ﵀ الِاحْتِجَاج بمرسل كبار التَّابِعين إِذا اعتضد بِأحد أُمُور: مِنْهَا أَن يَقُول بِهِ بعض الصَّحَابَة أَو أَكثر الْعلمَاء، وَقد اتّفق عَلَى الْعَمَل بِهِ الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ، وَقد وَصله عَطاء بِضعْف كَمَا تقدم.
الحَدِيث التَّاسِع
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ وَقت لأهل الْمشرق العقيق» .
стр. 3359
هَذَا الحَدِيث (رَوَاهُ) أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، من طَرِيق يزِيد بن أبي زِيَاد، عَن مُحَمَّد بن عَلّي بن عبد الله بن عَبَّاس، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا، كَذَلِك قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن.
قلت: يزِيد هَذَا ضَعَّفُوهُ، وَقد تفرد بِهِ كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ، قَالَ ابْن (فُضَيْل) : كَانَ من أَئِمَّة الشِّيعَة الْكِبَار. وَقَالَ أَحْمد: لم يكن بِالْحَافِظِ لَيْسَ بِذَاكَ. وَقَالَ ابْن معِين: لَا يحْتَج بحَديثه. وَقَالَ مرّة: ضَعِيف الحَدِيث. قيل لَهُ: أَيّمَا أحب إِلَيْك هُوَ أَو عَطاء بن السَّائِب؟ قَالَ: (مَا أقربهما) . وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِذَاكَ. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: (لَيِّن) يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ ضَعِيف. وَقَالَ الْجوزجَاني: سمعتهم يضعفون حَدِيثه. (وَأخرج) لَهُ مُسلم (مَقْرُونا) ، وَالْبُخَارِيّ تَعْلِيقا. وَقَالَ
стр. 3360
الْعجلِيّ: جَائِز الحَدِيث وَكَانَ بِأخرَة [يُلقَّن] . وَقَالَ جرير: كَانَ أحسن حفظا من عَطاء بن السَّائِب. وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: أَكْرِمْ بِهِ. ووقعَ فِي كلامِ ابْن حزم وَابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ: «ارْمِ بهِ» بدل «أَكْرِمْ بِهِ» وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا أعلم أحدا ترك حَدِيثه. وَقَالَ ابْن عدي: مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه. وَاعْترض النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» ، فَقَالَ: يزِيد هَذَا ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين. قَالَ: وَقَول التِّرْمِذِيّ «هَذَا حَدِيث حسن» لَيْسَ كَمَا قَالَ. وَأَشَارَ إِلَى الْإِنْكَار عَلَى التِّرْمِذِيّ أَيْضا الْمُنْذِرِيّ فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب» وَلَا إِنْكَار (عَلَيْهِ) فِي ذَلِك؛ فَإِنَّهُ لأجل اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِيهِ حسن حَدِيثه، نعم الشَّأْن فِيمَا أبداه ابْن الْقطَّان فِي كتاب «الْوَهم
стр. 3361
وَالْإِيهَام» وَهُوَ أَن هَذَا الحَدِيث مَشْكُوك فِي اتِّصَاله؛ لِأَن مُحَمَّد بن عَلّي بن عبد الله بن عَبَّاس إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف بالرواية عَن أَبِيه، عَن جده ابْن عَبَّاس، وَبِذَلِك ذكر فِي كتب الرِّجَال وَفِي حديثين (ذكرهمَا) كَذَلِك، أَحدهمَا فِي كتاب مُسلم، وَالْآخر فِي كتاب الْبَزَّار، ثمَّ قَالَ: وَلَا أعلمهُ يروي عَن جده إِلَّا هَذَا الحَدِيث، وأخاف أَن يكون مُنْقَطِعًا وَلم يذكر البُخَارِيّ. وَلَا ابْن أبي حَاتِم أَنه يروي عَن جده، وَقد ذكر أَنه رَوَى عَن أَبِيه، وَقَالَ مُسلم فِي «كتاب الكنى» : لَا يعلم لَهُ سَماع من جده (و) لَا أَنه لَقِيَهُ. هَذَا (آخر) مَا أبداه، ولقاؤه لَهُ مُمكن؛ فَإِنَّهُ ولد (فِي) سنة سِتِّينَ وجده توفّي سنة سبعين، أَو سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، أَو تسع وَسِتِّينَ.
تَنْبِيه: جملَة مَا يَجِيء فِي رُوَاة الحَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد أَرْبَعَة:
أحدهم هَذَا وَأَهْمَلَهُ (الْحَافِظ جمال الدَّين) ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» .
(ثانيهم) : الشَّامي الْمَتْرُوك. وَاقْتصر عَلَيْهِ.
стр. 3362
(ثالثهم) : يروي عَن الشّعبِيّ، قَالَ أَبُو حَاتِم: لَا تقوم بِهِ حجَّة.
(رابعهم) : (الْوَاقِع) فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة «كَانَ يَمِين رَسُول الله ﷺ : لَا وَأَسْتَغْفِر الله» يرويهِ عَن مُحَمَّد بن هِلَال، عَن أَبِيه عَنهُ بِهِ. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: ضَعِيف، وَكَانَ هَذَا مَوْضُوعا.
فَائِدَة: العَقِيقُ وادٍ يدفق مَاؤُهُ فِي غَوْرَى تهَامَة، كَذَا ذكره الْأَزْهَرِي فِي «تَهْذِيب اللُّغَة» ، وَفِي بِلَاد الْعَرَب أَرْبَعَة أَعِقَّة، وَهِي أَوديَة عَارِية، وَالْمَذْكُور هُنَا أبعد من ذَات عرق بِقَلِيل، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «نكته عَلَى مُخْتَصره لصحيح مُسلم» : العقيق: وَاد عَلَيْهِ أَمْوَال أهل الْمَدِينَة، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال، وَقيل: ميلين، وَقيل: أَرْبَعَة، وَقيل: سِتَّة، وَقيل: سَبْعَة، وهما عقيقان: أَحدهمَا عقيق الْمَدِينَة عَقَّ (عَن) (حَرَّتِها) أَي: قطع، فَهُوَ عقيق (بِمَعْنى) معقوق، وَهُوَ العَقيق الْأَصْغَر (وَفِيه بِئْر
стр. 3363
رومة) وَالْآخر أكبر من هَذَا، وَفِيه بِئْر عُرْوَة (الَّذِي) ذكره الشُّعَرَاء، وثَمَّ عَقِيق (بقُرْبه) وَهُوَ من بِلَاد مزينة، وَهُوَ الَّذِي أَقْطَعَهُ رَسُول الله ﷺ بلالَ بن الْحَارِث، ثمَّ أَقْطَعَهُ عُمر (بن الْخطاب) الناسَ، والعَقِيق الَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنه مهلّ أهل الْعرَاق هُوَ من ذَات عرق، وكل (مَسِيلٍ) شقَّهُ ماءُ السَّيْل يوسّعه فَهُوَ عقيق، وَالْجمع أَعِقَّة، وعَقَائِق، والمواضع الَّتِي تسمى بالعقيق عشرَة مَوَاضِع أشهرها عقيق الْمَدِينَة، وَأكْثر مَا يذكر فِي الْأَشْعَار، وإيَّاه يعنون.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا: «من ترك نسكا فَعَلَيهِ دم» .
هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من رَوَاهُ مَرْفُوعا بعد الْبَحْث عَنهُ، وَوَقفه عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي نعرفه عَن ابْن عَبَّاس، كَذَلِك رَوَاهُ إِمَام دَار الْهِجْرَة مَالك فِي «موطئِهِ» عَن أَيُّوب - هُوَ ابْن (أبي تَمِيمَة) - عَن سعيد بن جُبَير، أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «من نسي من نُسكه شَيْئا أَو تَركه، فليهرق دَمًا» قَالَ (مَالك) : لَا أَدْرِي قَالَ: «ترك» (أم) «نسي» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ:
стр. 3364
(فَكَأَنَّهُ) قالهما (جَمِيعًا. وَفِي) الْبَيْهَقِيّ أَن «أَو» لَيست للشَّكّ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مَالك؛ بل للتقسيم، وَالْمرَاد: يريق دَمًا سَوَاء تَركه عمدا أم سَهوا. وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك كَمَا سلف، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ من جِهَته، ثمَّ قَالَ: وَرَوَى لَيْث بن أبي سليم، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: « (إِذا) جَاوز الْوَقْت فَلم يحرم فَإِن خشِي أَن يرجع إِلَى الْوَقْت فَإِنَّهُ يحرم وأهراق (دَمًا لذَلِك) » .
الحَدِيث الْحَادِي الْعشْر
«أنَّه ﷺ لم يحرم إِلَّا من الْمِيقَات» .
هَذَا لَا شكّ فِيهِ وَلَا ريب، وَمن تَأمل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَغَيرهمَا فِي حجَّته حجَّة الْوَدَاع وجده مطابقًا لذَلِك.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «من أحرم من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام بِحجَّة أَو عمْرَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن جَعْفَر بن ربيعَة، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، عَن أم حَكِيم السلمِيَّة، عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ (أَن رَسُول الله ﷺ ) قَالَ: «من
стр. 3365
أَحْرَمَ من بَيت الْمُقَدّس غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه» وَفِي لفظ: «من أَهَلَّ من الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِعُمْرَة، أَو (بِحجَّة) » وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَن أَحْمد بن صَالح نَا ابْن أبي فديك، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يُحَنَّس، عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان الأخنسي، عَن جدَّته حُكيمة أم حَكِيم، عَن أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: «من أَهَلَّ بحجةٍ أَو عُمرةٍ من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام؛ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر، أَو وَجَبت لَهُ الْجنَّة» شكّ عبد الله السالف أَيهمَا قَالَ. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيقين، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، إِحْدَاهمَا: عَنهُ قَالَ: حَدثنِي سُلَيْمَان بن سحيم، عَن أم حَكِيم بنت أُميَّة، عَن أم سَلمَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أَهَلَّ بِعُمْرَة من بَيت الْمُقَدّس غفر لَهُ» . (ثَانِيهمَا) : عَنهُ، عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان، عَن أمه أم حَكِيم بنت أُميَّة، عَن أم سَلمَة، (قَالَت) : قَالَ رَسُول الله ﷺ «من أهل بِعُمْرَة من بَيت الْمُقَدّس، كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب. (قَالَت) : فَخَرَجْتُ - (أَي) من بيتِ المقدسِ - بعمرةٍ» وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من طرق إِحْدَاهَا: طَرِيق أبي دَاوُد وَلَفظه، إِلَّا أَنه قَالَ: «بحجٍّ» بدل «بحجَّةٍ»
следующие страницы →