Полный текст (6 131 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
(بيدَيْهِ) ؛ فأَقْبَلَ بهما وأدْبَر، وَقَالَ: هَكَذَا (رأيتُه) (يفعلُ» .
الحَدِيث الثَّالِث عشر
عَن كَعْب بن عجْرَة ﵁: «أَنه كَانَ يُوقد تَحت قدر، والهوام تنتثر من رَأسه، فَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأسك، وانسك بِدَم، أَو صم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو تصدق بفرق من طَعَام عَلَى سِتَّة مَسَاكِين» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» برواياتٍ فِي بَعْضهَا: « (فَاحْلِقْ) وصُم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو أطْعم سِتَّة مَسَاكِين، أَو انسك نسيكةً» . قَالَ أَيُّوب - أحد رُوَاته -: فَلَا أَدْرِي بِأَيّ ذَلِك بَدَأَ. وَفِي بَعْضهَا: «قَالَ كَعْب: فيَّ نزلتْ هَذِه الْآيَة: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه) فأتيتُه، فَقَالَ: ادنه. فدنوتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك؟ - قَالَ ابْن عون: (أَظُنهُ) قَالَ: نعم - قَالَ: فَأمرنِي بِصَدقَة أَو صِيَام أَو نسك مَا تيَسّر» . وَفِي بَعْضهَا: « (أَنه) ﵇ وقف عَلَيْهِ
стр. 3607
وَرَأسه تتهافتْ قملاً، قَالَ: أَيُؤْذِيك هَوَامك؟ قلت: نَعَمْ. قَالَ: فاحْلِقْ رَأسك، ففيَّ نزلت هَذِه الْآيَة: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضا (إِلَى قَوْله: (أَو نسك) ، فَقَالَ ﵇: صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام، أَو تصدَّقْ بِفِرْقٍ بَين سِتَّةٍ، أَو انْسك مَا تَيسَّر» . وَفِي بَعْضهَا: «فَاحْلِقْ رَأسك، وأطْعِمْ فِرْقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِين - وَالْفرق ثَلَاثَة آصُع - أَو صُمْ ثَلَاثَة أيامٍ، أَو (انسك نسيكة» وَفِي بَعْضهَا «صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام أَو) إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين (نصف صاعٍ، نصف صَاع) طَعَاما لكل مِسْكين. قَالَ: فنزلَتْ فيَّ خَاصَّة، وَهِي لكم عَامَّة» . وَفِي بَعْضهَا: «أَنه خرج مَعَ رَسُول الله ﷺ محرِمًا، فَقَمُلَ رأسُهُ ولحيتُه، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ ؛ فأرْسلَ إِلَيْهِ، فَدَعَا الحلاَّقَ فَحَلَقَ رأسَهُ، ثمَّ قَالَ (لَهُ) : هَل عنْدك نُسُك؟ قَالَ: مَا أقدرُ عَلَيْهِ. فَأمره أَن يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو يطعم سِتَّة مَسَاكِين كلَّ مسكينٍ
стр. 3608
نصف صَاع» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «احْلِقْ ثمَّ اذْبَحْ شَاة نُسُكًا، أَو صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام، أَو أَطْعِمْ ثَلَاثَة آصُع من تَمْر عَلَى سِتَّة مَسَاكِين» (وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي «صَحِيحه» «فَأمرنِي بصيام أَو صَدَقَة أَو نسك أَو أَيّمَا تيَسّر لَك» ) (كَذَا) رأيتُه، وَصَوَابه: «أَو نسك مَا تيسَّر» .
الحَدِيث الرَّابِع عشر
«أنَّه ﷺ فاتَتْه صلاةُ الصُّبْح فَلم يُصَلِّها حَتَّى خرج من الْوَادي» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب الْأَذَان، فراجِعْه مِنْهُ. واعْلَمْ: أَن الرافعيَّ ذكر هَذَا دَلِيلا للمشهور أنَّ غير المتعدِّي لَا يلْزمه الْفَوْر فِي الْقَضَاء، وَلَك أَن تَقول: إِنَّمَا أخَّر لأمرٍ آخر وَهُوَ أَن فِي الْوَادي شَيْطَانا، كَمَا أخْبَر بِهِ ﵊.
الحَدِيث الْخَامِس عشر
«أنَّه ﷺ قَالَ فِي الْفَائِتَة: فَلْيُصَلِّها إِذا ذكرهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب التَّيَمُّم، فراجِعْهُ مِنْهُ.
الحَدِيث السَّادِس عشر
«أنَّه ﷺ قَالَ فِي الحَرَم: لَا ينفر صَيْدُه» .
стр. 3609
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم فتح مَكَّة: «إنَّ هَذَا الْبَلَد حرَّمه الله يَوْم خلق السَّمَاوَات، لَا يعضد شَوْكُهُ، وَلَا يُخْتلى خَلاَهُ، وَلَا ينفر صيدُه، وَلَا تُلْتقط لُقَطَتُهُ إِلَّا لمعَرِّف. فَقَالَ الْعَبَّاس: إِلَّا الْإِذْخر؛ فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهُ (للقُيُون) والبيوت. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخر» وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة ﵁: أَن النَّبِي ﷺ لمَّا فتح مكةَ قَالَ: «لَا ينفر صيدُها، وَلَا يُخْتَلى خَلاهَا، وَلَا تَحِلُّ ساقطتها إِلَّا لِمُنْشِد. فَقَالَ الْعَبَّاس: إِلَّا الْإِذْخر؛ فَإنَّا نجعله لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخر» .
فَائِدَة: الْعَضُد: القطْع. والإِذْخر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، كَذَا قيَّدَهُ (غيرُ واحدٍ) ، مِنْهُم صاحبُ «الإِمَام» وَهُوَ نَبْت طيب الرّيح، قَالَ الْخطابِيّ: وَهُوَ مكسور الأوَّل، والعامَّةُ تفتحه وَلَيْسَ بصوابٍ. والقَيْن: الحَدَّاد.
الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن كَعْب بن عجْرَة ﵁: «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى فِي بَيْضِ نعَامٍ أَصَابَهُ المُحْرِمُ بِقِيمَتِهِ» .
стр. 3610
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عباد بن يَعْقُوب، نَا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، عَن حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عباسٍ، عَن كَعْب بن عجْرَة: «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى فِي بَيْضِ النَّعَام أَصَابَهُ مُحْرِم بِقَدْر ثمنه» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ سَوَاء، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ مُوسَى بن دَاوُد، عَن إِبْرَاهِيم وَقَالَ: «بِقِيمَتِه» وَهَذَا مَا فِي «الرَّافِعِيّ» وَعباد هَذَا هُوَ الروَاجِنِي، من رجال البُخَارِيّ، لَكِن قَالَ ابْن حبَان: هُوَ رَافِضِي دَاعِيَة، يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير؛ فَاسْتحقَّ التركَ. وَقَالَ ابْن عدي: يروي أَحَادِيث أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ فِي فَضْلِ أهل البَيْتِ ومثالبِ غيرِهم. وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد علمتَ حالَهُ فِي كتاب «الطَّهَارَة» وحُسَين هَذَا تَركه النسائيُّ وابْنُ الْمَدِينِيّ، وَقَالَ يَحْيَى: ضَعِيف. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس، يُكْتَبُ حديثُه. لَا جرم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بشيءٍ.
قلت: وَرُوِيَ من طَرِيق آخر، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي المهزم، عَن أبي هُرَيْرَة «أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى فِي بَيْضٍ
стр. 3611
يُصِيبهُ الْمحرم ثمنه» . وَأَبُو المهزم هَذَا فتح الأميرُ (ابْن مَاكُولَا) الزايَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْن نَاصِر: بِكَسْرِهَا. حَكَاهُ ابْن قُتَيْبَة فِيمَا غيَّرَهُ أَصْحَاب الحَدِيث من الْأَسْمَاء، واسْمه يزِيد بن سُفْيَان بَصرِي ضعَّفوه، قَالَ شُعْبَة: لَو أَعْطَوه فِلْسًا لَحَدَّثهم سبعين حَدِيثا. وَقَالَ ابْن حزم فِي «مُحَلاه» : هَالك. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَالَّذِي رَوَاهُ عَن أبي المهزم هُوَ عَلّي بن غرابٍ، (وَقد) عنعن وَلم يُصَرح (بِالتَّحْدِيثِ) ، وَهُوَ مَشْهُور بالتدليس وإنْ كَانَ صَدُوقًا.
قلت: بَين عَلّي بن غراب وَأبي المهزم «حسينُ المُعَلم» (كَذَا) هُوَ فِي «الدَّارَقُطْنِيّ» . وأمَّا ابْن مَاجَه فَفِي سَنَده بدل «عَلّي بن غرابٍ» : «عَلّي بن عبد الْعَزِيز» ، وَقيل: إِنَّه هُوَ، فتنبّه لذَلِك.
قَالَ الرّبيع: قلت للشَّافِعِيّ: (هَل) تروي (فِي) هَذِه المسألةِ شَيْئا عَالِيا؟ فَقَالَ: أما شَيْء يَثْبُتْ مِثْلُه فَلَا. فَقلت: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَخْبرنِي الثِّقَة عَن أبي الزِّنَاد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ «فِي بَيْضِ النعام يُصِيبهَا المُحْرِمُ قيمتهَا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوي هَذَا مَوْصُولا، إِلَّا أَنه
стр. 3612
مُخْتَلف فِيهِ. قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث «الْمُهَذّب» : وأجودُ مَا ورد فِي هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» عَن يَحْيَى بن خلف، نَا أَبُو عَاصِم، عَن ابْن جريج قَالَ: أَخْبرنِي زِيَاد، عَن أبي الزِّنَاد قَالَ: بَلغنِي عَن عَائِشَة ﵂: «أَن رَسُول الله ﷺ حكم فِي بيض النعام فِي كلِّ بَيْضَة صيامُ يَوْم» . قَالَ أَبُو دَاوُد: وَقد أسْند هَذَا الحَدِيث، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : إِن الصَّحِيح رِوَايَة زِيَاد، عَن أبي الزِّنَاد، عَن رجل، عَن عَائِشَة، قَالَه أَبُو دَاوُد السجستانيُّ وغيرُه من الحُفَّاظِ. وَقَالَ عبد الْحق: لَا يُسْنَدُ من وَجه صَحِيح.
قلت: وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا رَوَاهُ الدارقطنيُّ، وَقَالَ فِيهِ: زِيَاد بن سعد، عَن أبي الزِّنَاد، عَن رجل، عَن عَائِشَة. وَهَذَا فِي حُكْم الْمُنْقَطع، وَوَصله من حَدِيث أبي الزِّنَاد، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سألتُ أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الوليدُ بن مُسلم، عَن ابْن جريج قَالَ: أحسن مَا سمعتُ فِي بيض النعام حَدِيث أبي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي بَيْضِ النعامِ: «فِي كل بَيْضَةٍ صِيَام يومٍ، أَو إطْعَام مسكينٍ» . فَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح عِنْدِي، وَلم يسمع ابْنُ جريج من أبي الزِّنَاد شَيْئا، يُشْبِهُ أَن يكون ابْن جريج أَخذه من إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : ذكر لِأَحْمَد بن حَنْبَل هَذَا الحديثُ فَقَالَ: لم يسمع ابْن جريج
стр. 3613
من أبي الزِّنَاد، إِنَّمَا يُرْوى عَن زِيَاد بن سعد عَن أبي الزِّنَاد.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «يَقْتُلُ المُحْرِمُ السَّبُعَ العَادِي» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ كَذَلِك أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي «سنَنَيْهِمَا» ، والترمذيُّ فِي «جَامعه» من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عمَّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ؟ قَالَ: الحَيَّة، وَالْعَقْرَب، والفُوَيسقة، وَيَرْمِي الغرابَ وَلَا يقْتله، وَالْكَلب الْعَقُور، والسَّبع العادي، والحدأة» . وَهُوَ من رِوَايَة يزِيد بن أبي زِيَاد، وَقد تكلم فِيهِ غيرُ واحدٍ، وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة، وحسَّن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه هَذَا وَلم يُصَحِّحهُ لأَجْلِهِ، وَقَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» : لم نَأْخُذ بِهَذَا الْخَبَر فِي النَّهْي عَن قَتْلِ الْغُرَاب؛ لِأَن (رَاوِيه) يزِيد بن أبي زِيَاد، وَقد قَالَ فِيهِ ابنُ الْمُبَارك: ارمِ بِهِ. عَلَى جمود لِسَان ابْن الْمُبَارك وَشدَّة توقيه، وَتكلم فِيهِ شعبةُ وأحمدُ، وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى: لَا يحْتَج بحَديثه. وكذَّبه أَبُو أُسَامَة وَقَالَ: لَو حلف خمسين يَمِينا مَا صدقته.
قلت: وَمَا نَقله عَن ابْن الْمُبَارك من قَوْله: «ارْم بِهِ» كَذَا نَقله
стр. 3614
ابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ أَيْضا. لَكِن الَّذِي نَقله الحافظُ جمالُ الدِّين (الْمزي) عَنهُ أَنه قَالَ: أَكْرِم بِهِ. كَذَا هُوَ بخَطِّهِ، وَبَينهمَا تفَاوت لائح، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح المهذَّب» : إِن صَحَّ هَذَا الحَدِيث حُمِلَ قَوْلُهُ: «ويَرْمي الغرابَ وَلَا يقْتله» عَلَى أَنه لَا يتَأَكَّد ندب قَتله كتأكُّدِه فِي الحيَّة والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور.
الحَدِيث التَّاسِع عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «خَمْسُ فواسق يقتلن فِي الحَرَم: الْغُرَاب، والحدأة، وَالْعَقْرَب، والفأرة، وَالْكَلب الْعَقُور» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة ﵂، وَفِي رِوَايَة (لَهما) : «فِي الحِلِّ وَالْحرم» . وَلمُسلم عد «الْحَيَّة» منهُن، وَلم يذكرهَا البخاريُّ فِي هَذَا الحَدِيث، إِنَّمَا قَالَ: «الْعَقْرَب» وَلَا (قيد) الغرابَ بالأبقع، وَقَيده مُسلم بِهِ فِي رِوَايَة.
فَائِدَة: «خَمْس فواسق» : هُوَ بِإِضَافَة خمس لَا بتنوينه، كَمَا ذكره النوويُّ فِي «شَرحه لمُسلم» . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيُّ الدِّين فِي «شرح
стр. 3615
العُمْدة» : الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة «خمس» بِالتَّنْوِينِ، (أَي) : و «فواسق» صفة لَهُ، وَتجوز بِالْإِضَافَة من غير تَنْوِين.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «خَمْس من الدَّوَابّ لَيْسَ عَلَى المُحْرم فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاح ... » فَذكر (هَذَا) الحَدِيث الْمَذْكُور.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عُمر ﵄ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة لَهما: «فِي الحِلِّ وَالْإِحْرَام» ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «خمس من قتلهن وَهُوَ محرم فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن زيد بن جُبَير قَالَ: «سَأَلَ رجل ابْن عمر: مَا يقتل الرجل مِنَ الدَّواب وَهُوَ مُحْرِم؟ قَالَ: حدَّثني إحْدَى نِسْوَةِ رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يأمرُ بقتْل الْكَلْب، والفأرة، وَالْعَقْرَب، والحدأة، والغراب، والحيَّة. قَالَ: وَفِي الصَّلَاة أَيْضا» . قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِي مَعْنَى هَذِه الْمَذْكُورَات الْحَيَّة وَالذِّئْب.
стр. 3616
قلت: قد ورد النصُّ فيهمَا، أمَّا الْحَيَّة؛ فقد أسلفناها فِي حَدِيث عَائِشَة قَرِيبا عِنْد مسلمٍ، وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ أَمر [محرما] بقَتْلِ حَيَّةٍ بمنى» قَالَ الْحَاكِم: وَهُوَ عَلَى شَرط البُخَارِيّ. وَعند أَحْمد من حَدِيث (جرير) عَن لَيْث، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «خمس كُلهنَّ فاسقة، يقتلهن المُحْرِمُ ويُقْتَلْنَ فِي الْحرم: الْفَأْرَة، وَالْعَقْرَب، والحية، وَالْكَلب الْعَقُور، والغراب» . وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ذكرهَا، وَقد (أسلفناه) فِي الحَدِيث الثَّامِن عشر. وَأما الذِّئْب: فَفِي «مَرَاسِيل أبي دَاوُد» عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «يقتل المُحْرِمُ الذئبَ» وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَن (وبرة) ونافعٍ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا.
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
ورد «النَّهْي عَن قَتْلِ النَّحْل والنمل» .
стр. 3617
هَذَا صَحِيح، فَفِي «مُسْند أَحْمد» و «سنَن أبي دَاوُد» فِي بَاب الْأَدَب - فِي آخِره - و «ابْنِ مَاجَه» فِي الصَّيْد، و «صَحِيح ابْن حبَان» من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄: «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى عَن قَتْلِ أَربع مِنَ الدَّوَابّ: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد» . إِسْنَاده صَحِيح، قَالَ صَاحب «الإِمَام» : رِجَاله رجال الصَّحِيح. وَخَالف أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة، فَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سألتُ أبي عَنهُ فَقَالَ: هُوَ حَدِيث مُضْطَرب. قَالَ: وَقَالَ أَبُو زرْعَة: الصَّحِيح أَنه مُرْسل. وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي أَوَائِل بَاب الْأَطْعِمَة من طرق عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: إِنَّه أَقْوَى مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ: وَقد رُوي من حَدِيث عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس بن سهل بن سعد (السَّاعِدِيّ) قَالَ: سمعتُ أبي يذكر عَن (جَدِّي) عَن رَسُول الله ﷺ : «أَنه نهَى عَن قَتْلِ الْخَمْسَة: عَنِ النملة، والنحلة، والضفدع، والصرد، والهدهد» . قَالَ: وَهَذِه الطَّرِيق تفرد بهَا عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس (وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : ورُوي
стр. 3618
هَذَا الحَدِيث أَيْضا من طَرِيق أبي هُرَيْرَة) ، وَهُوَ وهم، وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنه عَن عبد الله بن عَبَّاس.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
ورد «النَّهْي عَن قَتْل الخطاف» .
هُوَ كَمَا قَالَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة أبي الْحُوَيْرِث عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة - وَهُوَ من تَابِعِيّ التَّابِعين (أَو من التَّابِعين) - عَن النَّبِي ﷺ : «أَنه نهَى عَن قَتْل الخطاطيف، وَقَالَ: لَا تقتلُوا هَذِه العوذ، إِنَّهَا تعوذ بكم من غَيْركُمْ» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، عَن عباد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن (الخطاطيف) عُوَّذِ البيوتِ» . وَمن هَذَا الْوَجْه أخرجه أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كِلَاهُمَا مُنْقَطع. قَالَ: وَرَوَى حَمْزَة النصيبي فِيهِ حَدِيثا مُسْندًا، إِلَّا أَنه كَانَ يُرْمى بِالْوَضْعِ. وصَحَّ عَن عبد الله بن عَمرو بن الْعَاصِ (مَوْقُوفا) عَلَيْهِ أَنه قَالَ: «لَا تقتلُوا الضفادع؛ فَإِن نقيقها تَسْبِيح، وَلَا تقتلُوا الخفاش؛ فَإِنَّهُ لمَّا خَرِبَ بيتُ المقْدِسِ قَالَ: يَا ربِّ سَلطنِي (عَلَى) الْبَحْر حَتَّى أُغْرِقَهُمْ» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده صَحِيح. وَفِي
стр. 3619
بعض نُسَخ «التَّذْكِرَة» لِابْنِ طَاهِر الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا «النهيُّ عَن قَتْلِ الخطاطيف والأمرُ بقَتْل العنكبوت، وَكَانَ يُقَال: إِنَّهَا مسخ» . أعلَّه ب «عَمرو بْنِ جُمَيْع» ، قَالَ يَحْيَى: كَانَ كذابا خبيثًا.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
وَرَدَ «النَّهْي عَن قَتْل الضُّفْدَع» .
هُوَ كَمَا قَالَ، رَوَاهُ أَحْمد فِي «الْمسند» وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ الصَّحَابِيّ، وَهُوَ ابْن أخي طَلْحَة بن عبيد الله، قَالَ: «ذكر طَبِيب عِنْد رَسُول الله ﷺ دَوَاء وذَكَرَ الضفدعَ يُجْعَلُ فِيهِ؛ فَنَهَى رَسُول الله ﷺ عَن قَتْلِ الضفدع» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّه أَقْوَى مَا رُوِيَ فِي النهْي. وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁: «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن قَتْلِ: الصرد، والضفدع، والنملة، والهدهد» . وَفِي سَنَدِهِ إِبْرَاهِيم بن الْفضل المَخْزُومِي، وَقد تَركه غيرُ واحدٍ، وَقَالَ خَ وغيرُه: مُنْكَر الحَدِيث.
стр. 3620
تَنْبِيه: وَقع فِي «الْخُلَاصَة» عَلَى مَذْهَب الْحَنَفِيَّة: «أَنه ﵇ سُئِلَ عَن الضفدع يَجْعَل شحمه فِي الدَّوَاء؟ فَقَالَ: خَبِيث من الْخَبَائِث» . وَلم أره بِهَذَا اللَّفْظ؛ (نعم اللَّفْظ) الْأَخير وَرَدَ فِي (القنفد) ، كَمَا سَتَعْلَمُهُ فِي كتاب الْأَطْعِمَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَحْمُ الصَّيْد حَلَال لكم فِي الْإِحْرَام مَا لم تصطادوا (أَو) لم يُصد لكم» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وابْنُ حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» من حَدِيث عَمرو بن أبي عَمرو ميسرةَ مولَى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب، عَن مَوْلَاهُ الْمطلب، عَن جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «صَيْدُ البَرِّ لكم حَلَال مَا لم
стр. 3621
تصيدوه أَو يُصَاد لكم» هَذَا لفظ د، س، ت، إِلَّا أَن ت، س قَالَا: «يصد لكم» بِحَذْف الألِف، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وحَذَفَ ابْن حبَان لَفْظَة «لكم» وَلَفظ الْحَاكِم مثل رِوَايَة الْأَوَّلين وَقَالَ: «يُصاد» بالألِف، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «لحم صيد البَرِّ لكم حَلاَل وَأَنْتُم حرم مَا لم تصيدوه أَو يصاد لكم» . وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كهاتين الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث إِلَى عَمرو (بن أبي عَمرو) صَحِيح، وأمَّا عَمرو بن أبي عَمرو فقد ليَّنَهُ جَماعة، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِقَوي وَإِن كَانَ قد رَوَى عَنهُ مَالك. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: لَا يحْتَج بحَديثه. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِقَوي وَلَيْسَ بحُجَّةٍ. وَقَالَ السَّعْدِيّ: مُضْطَرب الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَيْسَ بالقويّ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ مستضعف، وَأَحَادِيثه تدل عَلَى حالِهِ. (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي «محلاه» : هَذَا خبر سَاقِط لأَجله) . وَأَشَارَ الترمذيُّ إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث من وَجْهٍ آخَر فَقَالَ: لَا نَعْرِف للمطلَّب سَمَاعا من جابرٍ. وَقَالَ فِي موضعٍ آخر: قَالَ مُحَمَّد: لَا أعرف للمطلب سَمَاعا من أحدٍ من الصَّحَابَة إِلَّا قَوْله:
стр. 3622
«حدَّثني مَنْ شهد خُطْبةَ رَسُول الله ﷺ » وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي: الدَّارمِيّ - يَقُول: لَا نَعْرف لَهُ سَمَاعا من أحدٍ من الصَّحَابَة. وطَعَنَ فِي الْمطلب ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: لَيْسَ يُحتج بحَديثه؛ لِأَنَّهُ يُرْسل عَن رَسُول الله ﷺ كثيرا (و) لَيْسَ لَهُ لِقَاء، وعامَّة أَصْحَابه يدلِّسُون.
وَالْجَوَاب عَن هَذِه التعليلات: أما تَضْعِيف عَمرو فَلَا يقبل؛ فَإِنَّهُ من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» ، و «السّنَن الْأَرْبَعَة» رووا عَنهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ، وَاحْتج بِهِ أَيْضا الإمامُ مَالك، ورَوى عَنهُ وَهُوَ الْقدْوَة، وَقد عُلِم من عَادتِهِ أَنه لَا يروي فِي كِتَابه إِلَّا عَن ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِيهِ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو زُرْعة: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ؛ لِأَن مَالِكًا رَوَى عَنهُ، وَلَا يروي مَالك إلاَّ عَن صَدُوق ثِقَة. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَقَالَ: رُبمَا أَخطَأ، يُعْتَبَرُ بحَديثه من رِوَايَة الثِّقَات عَنهُ.
وَهَذَا الحَدِيث كل من رَوَاهُ عَنهُ فَهُوَ ثِقَة، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من جِهَته، (والحاكمُ) فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَالَ: وَرَوَاهُ عَن عَمرو يعقوبُ بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني وَيَحْيَى بن عبد الله بن سَالم، ومالكُ بْنُ أنسٍ، وسليمانُ بْنُ بِلَال مسنَدًا مُتَّصِلا، وهم ثِقَات. قَالَ: وَلَا يُعلل هَذَا بِحَدِيث الشَّافِعِي، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، عَن عَمرو بن أبي عَمْرو، عَن رجلٍ مِنَ
стр. 3623
الْأَنْصَار، عَن جَابر مَرْفُوعا، فَإِن الْأَوَّلين وصَلُوه، وهم ثِقَات. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: حَدِيث صَحِيح عَن عَمرو بن أبي عَمرو. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : أَقَامَ ثَلَاثَة من الثِّقَات إِسْنَاد هَذَا الحديثِ عَن عَمرو، وهُمْ: يَحْيَى بْنُ عبد الله بن سَالم، ويعقوبُ بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ، وَسليمَان بن بِلَال. قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشافعيُّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (عَن) عَمرو، وَعَن الثِّقَة عِنْده، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن عَمروٍ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي دَاوُد، عَن مَالك (بن) أنس، عَن عَمرو. قَالَ: ورَوَاهُ عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، عَن عَمرو، عَن رجل من بني سَلمَة، عَن جابرٍ مَرْفُوعا. قَالَ الشَّافِعِي: وَابْن أبي يَحْيَى أحفظ من الدراورديِّ وَسليمَان مَعَ ابْن أبي يَحْيَى. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَلِكَ يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن وَيَحْيَى بن عبد الله بن سَالم وهما مَعَ سُلَيْمَان من الْأَثْبَات.
قلت: (فَحصل) من ذَلِك كُله تَوْثِيق عَمرو، (وَتَصْحِيح) هَذَا الحَدِيث، ومَنْ جرح عَمرو بْنَ أبي (عَمرو) فَلم (يفسِّرْ) جرحه، وَقد عُرف أَن الْجرْح لَا يقبل إِلَّا مُفَسرًا. قَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث أَحْسَنُ شَيْء رُوي فِي هَذَا الْبَاب وأَقيس. وأمَّا إِدْرَاك الْمطلب
стр. 3624
لجابرٍ، فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: رَوَى (عَن) جَابر، وَيُشبه أَن يكون أدْرَكَهُ. هَذَا كَلَامه؛ فَحصل شكّ فِي إِدْرَاكه، وَمذهب مُسلم بن الْحجَّاج الَّذِي ادَّعَى فِي مُقَدّمَة «صَحِيحه» الْإِجْمَاع عَلَيْهِ أَنه لَا يُشْتَرَطُ فِي اتِّصَال الحَدِيث اللِّقَاء (بل) يَكْفِي إِمْكَانه. والإمكان حَاصِل قطعا، وَمذهب عَلّي بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ والأكثرين اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء. فَعَلَى مَذْهَب مُسلم الحَدِيث مُتَّصِل، وَعَلَى مَذْهَب الْأَكْثَرين يكون مُرْسل بعض التَّابِعين. ومرسل التَّابِعِيّ الْكَبِير حُجَّة إِذا اعتضد بِأحد أمورٍ، مِنْهَا: قَول بعض الصَّحَابَة بِهِ. وَقد قَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَة عثمانُ بْنُ عَفان، كَمَا نَقله (ابْن) الْمُنْذر عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن يسند من جِهَة أُخْرَى. وَقد وُجدَ ذَلِك أَيْضا؛ فقد رَوَاهُ الخطيبُ فِي كتاب «مَنْ رَوى عَن مَالك» من حَدِيث عُثْمَان بن خَالِد الْمدنِي، نَا مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عُمر (قَالَ) : قَالَ النَّبِي ﷺ : «الصَّيْد يَأْكُلهُ الْمحرم مَا لم يصده أَو يصد لَهُ» . ثمَّ قَالَ الْخَطِيب: تفرَّد بروايته عُثْمَان عَن مَالك.
قلت: وَعُثْمَان ضعَّفوه، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من
стр. 3625
حَدِيث يُوسُف بن خَالِد (السَّمْتِي) ، عَن عَمرو بن أبي عَمرو، عَن الْمطلب، عَن (أبي) مُوسَى الْأَشْعَرِيّ (مَرْفُوعا) : «لحمُ الصَّيْد حَلَال لكم مَا لم تصيدوه أَو يُصَدْ لكم وَأَنْتُم حُرُم» . ويوسف هَذَا واهٍ. وَأما الْكَلَام فِي الْمطلب (فقد خَالف) ابْنَ سعد أَبُو زرْعَة فَقَالَ: ثِقَة. وَكَذَا وثَّقه الدارقطنيُّ وغيرُه.
فَائِدَة: رِوَايَة: «أَو يصاد لكم» بالألفِ، لَا إِشْكَال فِيهَا، وَرِوَايَة مَنْ رَوَى: «أَو يُصَدْ» بحذفها، جَائِزَة عَلَى لُغَة، وَمن ذَلِك: قَوْله تَعَالَى: (إِنَّه من يتقِ ويصبر) عَلَى قِرَاءَة من قَرَأَ بِالْيَاءِ، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
بِمَا لاقتْ لَبُونُ بني زِياد
ألَمْ يَأْتيكَ والأَنْبَاءُ تَنْمى
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
عَن أبي قَتَادَة ﵁: «أَنه خرج مَعَ رَسُول الله ﷺ فَتخلف مَعَ بعض أَصْحَابه، وَهُوَ حَلَال وهم محرمون، فَرَأَوْا حمر وَحش، فَاسْتَوَى عَلَى
стр. 3626
فَرَسه ثمَّ سَأَلَ أصحابَه أَن يناولوه سَوْطًا فَأَبَوا فسألَهُم رمْحَه، فَأَبَوا، فَأَخذه وَحمل عَلَى الْحمر فعقر مِنْهَا أَتَانَا، فَأكل مِنْهَا بَعضهم وأَبَى بَعضهم، فلمَّا أَتَوا رَسُول الله ﷺ سَأَلُوهُ، فَقَالَ: هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يحمل عَلَيْهَا أَو أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِي من لَحمهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» عَنهُ، قَالَ: «كُنْتُ يَوْمًا جَالِسا مَعَ رجالٍ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فِي منزلٍ فِي طَرِيق مَكَّة، وَرَسُول الله ﷺ [نَازل] أمامنا، وَالْقَوْم مُحْرِمُون وَأَنا غيرُ مُحْرِم، عَام الْحُدَيْبِيَة، فأبْصَرُوا حمارا وحشيًّا وَأَنا مَشْغُول أَخْصِفُ نَعْلي، فَلم (يُؤْذِنُوني) وأحبوا لَو أَنِّي (أبصرته) ، فقمتُ إِلَى الفرسِ فأسرجته (ثمَّ) ركبتُ ونسيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ؛ فَقلت لَهُم: نَاوِلُوني السَّوْطَ والرُّمْحَ، قَالُوا: لَا واللهِ لَا نُعِينكَ عَلَيْهِ [بِشَيْء] ، فغضبتُ فنزلتُ (فأخذتُهما) ، ثمَّ ركبتُ، فشددتُ عَلَى الْحمار فعقرتُه، ثمَّ جئتُ بِهِ وَقد مَاتَ، فوقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثمَّ إنَّهُمْ شكُّوا فِي أكْلِهم إِيَّاه وهم حُرُم، فرحنا وخبَّأتُ العضدَ (معي) فأدركْنَا رَسُول الله ﷺ -
стр. 3627
(فسألنَْاهُ) عَن ذَلِك، فَقَالَ: هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء؟ فَقلت: نَعَمْ. فناولْتُه العَضُدَ، فَأكلهَا [حَتَّى نَفَّدَها] وَهُوَ مُحْرِم» . وَفِي رِوَايَة لَهما: «إِنَّمَا هِيَ طعمة أطعمكموها اللَّهُ» . وَفِي أُخْرَى لَهما: «فَهُوَ حَلَال، فَكُلُوا» . وَفِي رِوَايَة لَهما من حَدِيث أبي قَتَادَة: فَقَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ : «هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يَحْمِل عَلَيْهَا، أَو أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فكُلُوا مَا بَقِي مِنْ لَحمهَا» وَفِي رِوَايَة لمُسلم: « (هَل) أَعنتم أَو أَشرتم أَو أصدتم» . وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ: «هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء؟ قَالَ: مَعنا رِجله. فَأَخذه النَّبِي ﷺ فَأكلهَا» . وَفِي رِوَايَة للطحاويِّ فِي «شرح الْآثَار» : «أَنه ﵇ بعث أَبَا قَتَادَة (عَلَى) الصَّدَقَة، وَخرج ﵇ وأصحابُه وهُمْ مُحْرِمُون، حَتَّى نزلُوا عسفانَ، وَجَاء أَبُو قَتَادَة وَهُوَ حل ... » الحَدِيث. وَفِي
стр. 3628
رِوَايَة للدارقطني وَالْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة أَنه قَالَ حِين اصطاد الْحمار الوحشي: « (فذكرتُ) شَأْنه لرَسُول الله ﷺ ، (وذكرتُ) أَنِّي لم أَكُن أحرمتُ، وَأَنِّي إِنَّمَا اصطدته لَك، فَأمر النَّبِي ﷺ أَصْحَابه، فأكَلُوا وَلم يأكُلْ حِين أخبرتُه أَنِّي اصطدتُه لَهُ» قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ أَبُو (بكر) النيسابوريُّ: قَوْله: «إِنَّمَا اصطدتُه لَك» وَقَوله: « (و) لم يأكلْ مِنْهُ» لَا أعلم أحدا ذكَرَه فِي هَذَا الحَدِيث غير معمر، وَهُوَ مُوَافق لِمَا رُوي عَن عُثْمَان.
قَالَ ابْن حزم فِي «مُحَلاَّه» : وَلم يذكر سماعَه من عبد الله بن أبي قَتَادَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه الزِّيَادَة غَرِيبَة، وَالَّذِي فِي «الصَّحِيحَيْنِ» : «أَنه ﵇ أكل مِنْهُ» ، وَإِن كَانَ الإسنادان (صَحِيحَيْنِ) ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح المهذَّب» : ويُحْتمل أَنه جَرَى لأبي قَتَادَة فِي تِلْكَ (السفرة) قضيتان للجَمْع (بَين) الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن حزم: إِنَّهَا قَضِيَّة وَاحِدَة
стр. 3629
فِي وَقت وَاحِد فِي مَكَان وَاحِد، فِي صيدٍ واحدٍ. قَالَ: وَلَا يشك أحد فِي أَن أَبَا قَتَادَة لم يصد الْحمار إِلَّا لنَفسِهِ ولأصحابه وهم محرمون، فَلم يمنعهُم رَسُول الله من أكله. وَخَالفهُ ابْن عبد الْبر فَقَالَ: كَانَ اصطياده الْحمار لنَفسِهِ لَا لأَصْحَابه، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ وجَّه أَبَا قَتَادَة عَلَى طَرِيق الْبَحْر مَخَافَة العدوِّ، فَلذَلِك لم يكن محرما إِذْ اجْتمع مَعَ أَصْحَابه؛ لِأَن مخرجهم لم يكن وَاحِدًا. قَالَ: وَكَانَ ذَلِك عَام الْحُدَيْبِيَة أَو بعده بعام عَام الْقَضِيَّة.
آخر الْجُزْء الرَّابِع، بحَمْدِ الله وعونه
стр. 3630
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين
«أَن الصَّعْب بن جَثَّامة أهْدَى للنَّبِي (حمارا وحشيًّا فَرده عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجهه قَالَ: إِنَّا لم نَرده عَلَيْك إِلَّا أَنا حرم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) كَذَلِك، وَفِي روايتهما: «أَنه أهداه لَهُ وَهُوَ بالأبواء، أَو بودان» .
وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «من لحم حمَار وَحش» . (وَفِي رِوَايَة لَهُ: «رجل حمَار وَحش» ) . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «عجز حمَار وَحش يقطر دَمًا» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «شقّ حمَار وَحش» . وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي حَدِيث زيد بن أَرقم: «عُضْو من لحم صيد» . وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث (فِي) شرح الْعُمْدَة، فَليُرَاجع مِنْهُ.
والصَّعْب: بِفَتْح الصَّاد، وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة، وجَثَّامة: بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْمُثَلَّثَة.
стр. 3631
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ: «رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان، وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي شُرُوط الصَّلَاة، فَرَاجعه من ثمَّ.
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين
«أَنه ﵇ قَضَى فِي الضَّبع بكبش» .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق، أقواها وأصحها رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار، عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الضبع، فَقَالَ: هُوَ صيد، وَيجْعَل فِيهِ كَبْش إِذا صَاده الْمحرم» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ، (و) التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَالنَّسَائِيّ، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا وَلَفظه: «أنَّه ﷺ سُئِلَ عَن الضبع، فَقَالَ: هِيَ صيد، وفيهَا كَبْش» ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ جرير بن (حَازِم) يَعْنِي
стр. 3632
رَاوِيه عَن عبد الله بن عبيد، عَن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور، ثمَّ سَاق من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن جُريج، عَن عبد الله بن عبيد، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار، قَالَ: «سَأَلت جَابِرا عَن الضبع آكله؟ قَالَ: نعم. قلت: أصيد هُوَ؟ قَالَ: نعم، قلت: عَن رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: نعم» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ: «جعل رَسُول الله ﷺ فِي الضبع يُصِيبهُ الْمحرم كَبْشًا نجديًّا، وَجعله من الصَّيْد» .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك، إِلَّا أَنه لم يقل «نجديًّا» .
وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «الضبع صيد؛ فَإِذا أَصَابَهُ الْمحرم فَفِيهِ جَزَاء كَبْش مسن ويؤكل» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بقريب من لفظ أبي دَاوُد (و) بقريب من لفظ الْحَاكِم الآخر، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث [جيد] تقوم بِهِ الْحجَّة. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عِيسَى: سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ: هُوَ حَدِيث صَحِيح.
وَقَالَ عبد الْحق فِي كتاب الْأَضَاحِي من «أَحْكَامه» : إِسْنَاده صَحِيح، و (سكت) عَلَيْهِ هُنَا.
وَله طَرِيق أُخْرَى عَن جَابر رَوَاهُ الْأَجْلَح الْكِنْدِيّ، عَن أبي الزبير عَنهُ
стр. 3633
مَرْفُوعا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، وروياه أَيْضا مَوْقُوفا. قَالَ ابْن الْقطَّان: الْأَجْلَح يرفعهُ، وَالْجَمَاعَة تقفه. قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ.
الطَّرِيق الثَّانِي: رِوَايَة عَمْرو بن أبي عَمْرو، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الضبع صيد، وَجعل فِيهِ كَبْشًا» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، وَعَمْرو هَذَا الْأَكْثَرُونَ عَلَى توثيقه كَمَا تقدم قَرِيبا فِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن سعيد بن سَالم، عَن ابْن جريج، عَن عِكْرِمَة مولَى ابْن عَبَّاس يَقُول: «أنزل رَسُول الله ﷺ ضبعًا (صيدا) ، وَقَضَى فِيهَا كَبْشًا» ، ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا حَدِيث لَا يثبت مثله لَو انْفَرد. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لانقطاعه، ثمَّ أكده بِحَدِيث ابْن أبي عمار السالف، قَالَ: وَقد رُوِيَ مَوْصُولا، فَذكره كَمَا أسلفناه.
وَرَوَاهُ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «فِي الضبع كَبْش» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة، عَن عَلّي.
الطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة الْأَجْلَح، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، عَن عمر بن الْخطاب - قَالَ: لَا أرَاهُ إِلَّا قد رَفعه -: «أَنه حكم فِي الضبع
стр. 3634
بكبش، وَفِي الغزال (بعنز) ، وَفِي الأرنب بعناق، وَفِي اليربوع بجفرة» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ: الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى عمر، كَذَلِك رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن مَالك، عَن أبي الزبير، عَن جَابر عَنهُ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الْملك بن [أبي] سُلَيْمَان، عَن عَطاء، عَن جَابر عَنهُ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : إِن الْمَوْقُوف أصح من الْمسند.
قلت: وَالْأَجْلَح صَدُوق شيعي جلد، قَالَ يَحْيَى: ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: لم أجد لَهُ شَيْئا مُنْكرا إِلَّا أَنه يعدُّ فِي شيعَة الْكُوفَة، وَهُوَ صَدُوق. وَقَالَ السَّعْدِيّ: مفتر. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ لَا يدْرِي مَا يَقُول؛ جعل أَبَا سُفْيَان أَبَا الزبير. وَقَالَ أَحْمد: قد رَوَى غير حَدِيث مُنكر. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِن الله حرم مَكَّة، لَا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلَا يعضد شَجَرهَا وَلَا ينفر صيدها. فَقَالَ الْعَبَّاس: إِلَّا الْإِذْخر يَا رَسُول الله؛ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا، فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخر» .
стр. 3635
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا تقدم فِي الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث السَّادِس عشر. (وَقَول الرَّافِعِيّ فِي الشوك، وَفِي وَجه اخْتَارَهُ صَاحب التَّتِمَّة أَنَّهَا مَضْمُونَة لإِطْلَاق الْخَبَر.
قلت: بل صَرِيحَة فِيهِ وَهِي لَا يعضد شَوْكهَا) .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ
«أنَّه ﷺ استهدي بِمَاء زَمْزَم (من) سُهَيْل بن عَمْرو عَام الْحُدَيْبِيَة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عبد الله بن المؤمل، وَقد سلف حَاله فِي أَوَاخِر الْبَاب قبله، عَن (ابْن مُحَيْصِن) ، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «استهدى رَسُول الله ﷺ سُهَيْل بن عَمْرو [من] مَاء زَمْزَم» .
قَالَ: وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، ثمَّ رُوِيَ من حَدِيث خَلاد بن يَحْيَى، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، ثَنَا أَبُو الزبير قَالَ: «كُنَّا عِنْد جَابر بن عبد الله فَذكر حَدِيث: «مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ» قَالَ: ثمَّ أرسل النَّبِي ﷺ وَهُوَ (بِالْمَدِينَةِ) قبل أَن تفتح مَكَّة إِلَى سُهَيْل بن عَمْرو: أَن أهد لنا (من) مَاء زَمْزَم وَلَا يتْرك. قَالَ: فَبعث إِلَيْهِ بمزادتين» .
стр. 3636
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ
أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة مِثْلَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة، لَا ينفر صيدها وَلَا يعضد شَجَرهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلاهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، خرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله بن زيد بن عَاصِم، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لأَهْلهَا، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة» .
وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ بِلَفْظ: «اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة فَجَعلهَا حرما، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة حَرَامًا مَا بَين مأْزِمَيْها، أَلا يهراق فِيهَا دم، وَلَا يحمل فِيهَا سلَاح لقِتَال، وَلَا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَة إِلَّا لعلف» .
وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: «إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة مَا بَين لابتيها، لَا يقطع عضاهها وَلَا يصاد صيدها» .
وَأخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» ، من حَدِيث أبي قَتَادَة: «اللَّهُمَّ إِنِّي حرمت مَا بَين لابتيها، كَمَا حرمت عَلَى لِسَان إِبْرَاهِيم الْحرم» .
وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث رَافع بن خديج، وَسعد بن أبي
стр. 3637
وَقاص، وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أنس.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِنِّي (أحرم) مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها، أَو يقتل صيدها» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص ﵁ بِهَذَا اللَّفْظ وَزِيَادَة.
واللابتان: الحرتان وَهِي أَرض (تلبسها) حِجَارَة سود، والعِضاه: الشّجر.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ
«أَن سعد بن أبي وَقاص أَخذ سلب رجل قتل صيدا فِي الْمَدِينَة، وَقَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: من رَأَى رجلا يصطاد بِالْمَدِينَةِ فليسلبه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث عَامر بن سعد: «أَن سَعْدا ركب إِلَى قصره بالعقيق فَوجدَ عبدا يقطع شَجرا أَو يخبطه فسلبه، فَلَمَّا رَجَعَ سعد جَاءَهُ أهل العَبْد (فكلموه) أَن يرد عَلَى
стр. 3638
غلامهم (أَو) عَلَيْهِم مَا أَخذ من غلامهم، فَقَالَ: معَاذ الله أَن أرد شَيْئا نفلنيه رَسُول الله ﷺ ، وَأَبَى أَن يرد عَلَيْهِم» . وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم، واستدركه الْحَاكِم، وَقَالَ: إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
وَقَالَ الْبَزَّار بعد أَن أخرجه: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا سعد بن أبي وَقاص، وَلَا رَوَاهُ عَن سعد إِلَّا (عَامر) بن سعد.
قَالَ الْمُنْذِرِيّ: قد رَوَيْنَاهُ من حَدِيث سُلَيْمَان بن أبي عبد الرَّحْمَن، عَن سعد، وَمن حَدِيث مولَى سعد، عَن سعد، فَلَعَلَّهُ (أَرَادَ) من وَجه يثبت.
(فَائِدَة) : العقيق هَذَا بَينه وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَمْيَال، وَبِه مَاتَ سعد وَحمل إِلَى الْمَدِينَة وَدفن بهَا، (هَكَذَا) نقل الْحَافِظ محب الدَّين فِي «أَحْكَامه» عَن ابْن الْجَوْزِيّ أَن بَينهمَا عشرَة أَمْيَال، ثمَّ قَالَ: وَمَا أرَاهُ إِلَّا أقرب إِلَى الْمَدِينَة من هَذِه الْمسَافَة.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ: «أَنهم كلموا سَعْدا فِي هَذَا السَّلب، فَقَالَ: مَا كنت لأرد طعمة أطعمنيها رَسُول الله ﷺ » .
قلت: هَذِه الرِّوَايَة بِهَذَا اللَّفْظ أخرجهَا أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من رِوَايَة سُلَيْمَان بن أبي عبد الله، قَالَ: «رَأَيْت سعد بن أبي وَقاص أَخذ
стр. 3639
رجلا يصيد فِي حرم الْمَدِينَة الَّذِي حرم رَسُول الله ﷺ (فسلب ثَوْبه) فجَاء موَالِيه فكلموه فِيهِ، فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ حرم هَذَا الْحرم، وَقَالَ: من وجد أحدا يصيد فِيهِ فليسلبه، فَلَا أرد عَلَيْكُم طعمة أطعمنيها رَسُول الله ﷺ ، وَلَكِن إِن شِئْتُم دفعت إِلَيْكُم ثمنه» .
رِجَاله كلهم ثِقَات، إِلَّا سُلَيْمَان بن أبي عبد الله، فَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ هُوَ بالمشهور لَكِن يعْتَبر بحَديثه، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد، وَذكره أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي «ثقاته» ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي «أَن (سَعْدا) كَانَ يخرج من الْمَدِينَة فيجد الحاطب من الْحطاب مَعَه شجر رطب قد عضده من بعض شجر الْمَدِينَة فَيَأْخُذ سلبه، فَيُكَلَّم فِيهِ. فَيَقُول: لَا أدع غنيمَة غنمنيها رَسُول الله ﷺ ، وَإِنِّي لمن أَكثر النَّاس مَالا» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِهَذَا اللَّفْظ أَيْضا فِي «مُسْتَدْركه» ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح (الْإِسْنَاد) .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «صَيدُ وجّ مُحَرَّمٌ للهِ - تَعَالَى» .
هَذَا الحَدِيث (صَحِيح) ، أخرجه أَبُو دَاوُد (فِي «سنَنه» ) مُنْفَردا
стр. 3640
بِهِ، عَن (حَامِد) بن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْحَارِث، عَن مُحَمَّد بن عبد الله الطَّائِفِي، عَن أَبِيه، عَن عُرْوَة بن الزبير، (عَن أَبِيه) ، قَالَ: «لما أَقبلنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ من لِيَّة حَتَّى إِذا كُنَّا عِنْد السِّدْرَة وقف رَسُول الله ﷺ فِي طرف القَرْن الْأسود حذوها فَاسْتقْبل نَخِْبا ببصره - وَقَالَ مرّة: واديه - وقف حَتَّى (اتَّقَفَ) النَّاس كلهم، ثمَّ قَالَ: إِن صيدَ وجٍّ وعِضَاهه حَرْم مُحَرَّمٌ (لله» ) . وَذَلِكَ قبل نزُول الطَّائِف وحصاره لثقيف. سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ عَلَى قَاعِدَته حسن أَو صَحِيح، وَكَذَا سكت عَلَيْهِ عبد الْحق، وَهُوَ قَاض بِصِحَّتِهِ عِنْده. (و) رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، عَن عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عبد الله بن إِنْسَان، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خيرا، ثمَّ سَاقه، (وَمُحَمّد بن عبد الله هَذَا) قَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِي حَدِيثه نظر. وَذكره البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه الْكَبِير» وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: لم يُتَابع عَلَيْهِ،
стр. 3641
وَذكر أَبَاهُ وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: لم يَصح. وَكَذَا قَالَ الْأَزْدِيّ، وَقَالَ ابْن حبَان: رَوَى عَنهُ ابْنه مُحَمَّد، لم يَصح حَدِيثه. وَنقل مثل هَذِه الْعبارَة فِيهِ أَيْضا عَن البُخَارِيّ ابْن الْقطَّان فِي «علله» ، وَذكر ابْن أبي خَيْثَمَة، عَن ابْن معِين أَنه قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَذكر الْخلال فِي «علله» أَن أَحْمد ضعفه. وَقَالَ ابْن حبَان فِي «ثقاته» : كَانَ يُخطئ. وَمثل هَذِه الْعبارَة لَا تقال إِلَّا فِيمَن رَوَى عدَّة أَحَادِيث، فَأَما عبد الله فَهَذَا الحَدِيث أول مَا عِنْده وَآخره، فَإِن كَانَ قد أَخطَأ فَحَدِيثه مَرْدُود عَلَى قَاعِدَة ابْن حبَان.
وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع مُحَمَّد هَذَا إِلَّا من جِهَة تقاربها، قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء إِلَّا مَرَاسِيل، وَإسْنَاد آخر يُقَارب هَذَا.
وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي «علله» : يرويهِ عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي، عَن مُحَمَّد بن عبد الله (بن عبد الله) بن إِنْسَان، عَن أَبِيه، عَن عُرْوَة بن الزبير، عَن الزبير، كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه. (والْحميدِي، وَحدث الْبَغَوِيّ، عَن أَحْمد بن حَنْبَل، عَن عبد الله بن الْحَارِث، فَقَالَ: عَن عبد الله بن عبد الله بن إِنْسَان. إِنَّمَا هُوَ
стр. 3642
مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله، كَذَلِك حدث بِهِ عبد الله بن أَحْمد ومُوسَى بن هَارُون، عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحميدِي وَإِسْحَاق.
وَأغْرب الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِي «مِيزَانه» : إِن الشَّافِعِي صحّح حَدِيثه وَاعْتمد عَلَيْهِ.
قلت: وَضَعفه من الْمُتَأَخِّرين: النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب، والتهذيب» : إِسْنَاده ضَعِيف. قَالَ: وَقَالَ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» : لَا يَصح. وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب، فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث حسن بعد أَن سَاقه من طَرِيق أبي دَاوُد، وَقد خَالف هَذَا فِي مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد بِمَا تقدم.
فَائِدَة: فِي ضبط مَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث من الْأَلْفَاظ الَّتِي قد تُصَحَّف: لِيَّة: بِكَسْر أَوله، وَتَشْديد ثَانِيه، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي «مُعْجَمه» . وَقَالَ صَاحب الإِمَام: هُوَ مكسور اللَّام. فَفِي رِوَايَة الْخَطِيب مُخَفّفَة، وَفِي رِوَايَة غَيره مُشَدّدَة كَذَا قَالَ الْبكْرِيّ، وَهِي من أَرض الطَّائِف عَلَى أَمْيَال يسيرَة، وَهِي عَلَى لَيْلَة من قرن.
والقَرْن: جبل صَغِير، قَالَه الْخطابِيّ، قَالَ: ورأيته يشرف عَلَى وهدة.
ونَخْب: بِفَتْح أَوله، وَإِسْكَان ثَانِيه بعده بَاء مُوَحدَة، وَاد من وَرَاء
стр. 3643
الطَّائِف، قَالَه الْبكْرِيّ. قَالَ: وَحَكَى (السكونِي) نَخِب: بِكَسْر الْخَاء عَلَى وزن فَعِل.
قلت: وَكَذَا ضَبطه الْحَازِمِي فِي مؤتلفه نقلا عَنهُ، ثمَّ قَالَ. وَيُقَال: هُوَ وادٍ بالسِّرَاه، وَقَالَ الْأَخْفَش: وادٍ بِأَرْض هُذَيْل. وَقَالَ الْخطابِيّ: أرَاهُ جبلا أَو موضعا، وَلست أُحِقُّه.
وأيقف مُطَاوع وقف تَقول: وقفته فأيقف، مثل وعدته فأيعد وَالْأَصْل فِيهِ أييقف وأييعد، فَلَمَّا ثقل النُّطْق بِهِ أدغموا.
(قَالَ) ابْن الْأَثِير: والعِضَاه من الشّجر مَا كَانَ لَهُ شوك.
ووَجٌّ بواوٍ مَفْتُوحَة، ثمَّ جِيم مُشَدّدَة، قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب: وَهُوَ وادٍ بصحراء الطَّائِف. وَهَكَذَا قَالَه غَيره من أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء، وَقَالَهُ الْخطابِيّ أَيْضا، وَهَذَا لَفظه: وَجٌّ ذكرُوا أَنه من نَاحيَة الطَّائِف. وَكَذَا قَالَه ابْن الْأَثِير فِي «جَامعه» : أَنه وادٍ بَين مَكَّة والطائف.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وجٌّ بلد الطَّائِف. وَنَقله النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» و «التَّهْذِيب» عَن أهل اللُّغَة كلهم. وَقَالَ الْحَازِمِي فِي
стр. 3644
مؤتلفه: وجٌّ: اسْم لحصون الطَّائِف، وَقيل لواحدٍ مِنْهَا.
وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي «مُعْجَمه» : وَجَّ بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه، هُوَ الطَّائِف، وَقيل هُوَ وادِ الطَّائِف، وَفِي الحَدِيث: «وَثَقِيف أَحَق النَّاس بوَجَّ» .
وَعَن خَوْلَة بنت حَكِيم امْرَأَة عُثْمَان بن مَظْعُون مَرْفُوعا: «إِن آخر وَطْأَة وَطئهَا الله - تَعَالَى - بوجّ» .
قَالَ (أَبُو مُحَمَّد) : يُرِيد أَن آخر مَا أوقع الله بالمشركين بوج، وَهِي الطَّائِف. وَكَذَلِكَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: آخر غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله
стр. 3645
(الطَّائِف، وحنين، وحنين وَادي الطَّائِف.
وَقَالَ غَيره: إِن وَجًّا مقدس، مِنْهُ عرج الرب ﵎ إِلَى السَّمَاء حَتَّى قَضَى إِلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض. قَالَ مُحَمَّد بن سهل: سميت بوج بن عبد الْحَيّ من العمالقة، هُوَ أول من نزلها.
قَالَ الْخطابِيّ: وَلست أعلم لتَحْرِيم صيد وجٍّ مَعْنَى إِلَّا أَن يكون حرمه وقتا مَخْصُوصًا ثمَّ أحله، وَيدل عَلَى ذَلِكَ قَوْله: «قبل نُزُوله الطَّائِف وحصاره ثقيفًا» ، ثمَّ عَاد الْأَمر [فِيهِ] إِلَى الْإِبَاحَة.
قلت: وَرُبمَا اشْتبهَ «وَج» هَذَا بوح بِالْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ الْحَازِمِي: هِيَ نَاحيَة بعمان.
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ حمى النَّقيع لإبل الصَّدَقَة ونِعَمَ الْجِزْيَة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ بلاغًا، وَأحمد وَأَبُو دَاوُد مُتَّصِلا، أما البُخَارِيّ فساق من حَدِيث الصعب بن جَثَّامة ﵁ قَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ» . وَقَالَ: «بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ حمى النَّقيع، وَأَن عمر حمى الشّرف والربذة» .
وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَوَقع فِي «الْإِلْمَام» أَنه مُتَّفق عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقد ذكر هُوَ فِي أَوَاخِر «اقتراحه» فِي أَحَادِيث عَلَى شَرط
следующие страницы →